أصْبَغُ بن عُمَرِ بِن عَبْد العَزِيْز بن مَرْوَان بن الحَكَم بنِ أبي العَاص بن أميّة بن عَبْد شَمْس بن عبْد مَنَاف الأُمَويِّ
كان بخُنَاصِرَة مع أبيهِ، وشَهِدَ وفاته بدَيْر سِمْعَان، وقد ذَكَرنا في (a) تَرْجَمَةِ أخيه إبْراهيم بن عُمَر (١) أنَّهُ لمَّا احتُضر عُمَر دعَا بَنيهِ وهم بضْعَة عَشر ذَكَرًا، فنَظَر إليهم فذَرَفتْ عَيْناهُ، ثمّ قال: بنَفْسِي الفتْيَةُ الّذين تَركْتُهم عَيْلًا، لا شيء لهم بل بحَمْدِ اللَّه قد تَركْتُهم بخَيْر، إلى آخر القِصَّة، وكان أصْبَغُ أحدَهُم.
أنْبَأنَا أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (٢)، قال: أصْبغُ بن عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بن مَرْوَان بن الحَكَم الأمَوِيّ، له ذِكْر، وأعقَبَ عَقِبًا.
стр. 2382
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أصْبغُ بن نُبَاتَةَ، أبو القَاسِم التِّمِيْميِّ المجاشِعيِّ الحَنْظَليِّ الدَّارِمِيِّ الكُوْفيّ (١)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليِّ بن أبي طَالِب ﵁، ورَوَى عنهُ، وعن الحَسَن بن عليّ ﵁، وأبي أيُّوب الأنْصَاريِّ.
رَوَى عنهُ سَعْدُ بن طَرِيف الإسْكَاف (a)، وعليُّ بن حَزَوَّر، وثَابِت بن أبي صَفِيَّة الثُّمالِيِّ، ويَحْيَى بن أبي الهَيْثَم الكُوْفيِّ، وفِطْر، والأجْلَح.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَرُ بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم هِبَهُ اللَّه بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غَيْلان، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحمّد (b) بن إبْراهيم الشَّافعيِّ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن عُمَر الثَّقَفيِّ الكُوْفِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن العَلَاء، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن بَزِيع، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن حَزَوّر، عن الأصْبغَ بن نُبَاتَة، عن عليّ في حَدِيثٍ ذَكَرَهُ، قال: إنَّ أفْضَل الشُّهَدَاء حَمْزَةُ بن عَبْد المُطَّلِب مع المَلائِكَة، لم يَنْخْل ذلك أحَدٌ ممَّن مَضَى
стр. 2383
من الأُمَم غيره شيءٌ أكْرَم اللَّهُ بهِ مُحَمَّدًا ﷺ .
أخْبَرَنا حَسَنُ بن أحْمَد بن يُوسُف إذْنًا، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طَاهِر السِّلَفيِّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا ثَابِتُ بن بُنْدَار، قال: أخْبَرَنا أخْبَرَنا الحُسَين (a) بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا الوَلِيد بن بَكْر، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن أحْمَد بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَنَا أبو مُسْلم صالح بن أحْمَد بن عَبْد اللَّه العِجْلِيِّ، قال: حَدَّثَني أبي أحْمَد (١) إمْلاءً من حِفْظهِ، قال: أصْبغَ بن نُبَاتَة، كُوْفيٌّ، تَابِعيٌّ، ثِقَةٌ.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ البَرّ ابن الحافظ أبن العَلَاء الحَسَن بن أحْمَد العَطَّار الهَمَذَانيّ في كِتَابِهِ إليْنَا منها، قال: أخْبَرَنا أبَو المَحَاسِن نَصْر بن المُظَفَّر البَرْمَكِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا حَمْزَةُ السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد عَبْد اللَّه بن عَدِيّ الحافِظ (٢)، قال: أصْبغُ بن نُبَاتَة صَاحِبُ عليّ بن أبي طَالِب ﵁، يَرْوي عنه أحَادِيْثَ غيرَ مَحْفُوظة.
قال: أبو أحْمَد بن عَدِيّ (٣): حَدَّثَنَا مُحَمَّد (b) بن عليّ المَرْوَزيّ، قال: حَدَّثَنَا عُثْمان بن سَعيد، قال: قُلْتُ ليَحْيَى بن مَعِيْن: الأصْبغَ بن نُبَاتَة؟ قال: ليسَ بشيءٍ.
قال أبو أحمد (٤): حَدَّثَنَا ابنُ حَمَّاد، قال: حَدَّثَنَا عبَّاسٌ، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى (٥) يَقُول: أصْبغُ بن نُبَاتَة ليسَ بثِقَةٍ.
وقال (٦): حَدَّثَنَا ابنُ حَمَّاد، قال: حَدَّثَنَا مُعاوِيَة، عن يَحْيَى، قال: أصْبغُ (c) بن نُبَاتَة ليسَ بشيءٍ.
стр. 2384
وقال (١): حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عليّ المُظَفَّري (a)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد الدَّوْرَقيِّ، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَعِيْن يقُول: الأصْبغُ بن نُبَاتَة ليسَ (b) حديثُهُ بشيءٍ.
وقال (٢): كَتَبَ إليَّ مُحَمَّد بن الحَسَن البَصْرِيّ (c): حَدَّثَنَا عَمْرُو بن عليّ، قال: ما (d) سَمعتُ يَحْيَى ولا عبد الرَّحْمن حَدَّثا عن الأصْبغَ بن نُبَاتَة بشيءٍ قَطّ.
وقال (٣): كَتَبَ إليَّ مُحَمَّد بن أيُّوب: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مَعِيْن، قال: قال جَرِيرٌ: كان المُغِيرَة لا يَعْبأُ بحَدِيث الأصْبَغ بن نُبَاتَةَ.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبد الوَهَّاب (e) بن ظَافِر الإسْكَنْدَرَانِيّ، بمَنْظَرةِ سَيْفِ الإِسْلَام بين مِصْر والقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو صَادِق مُرْشِد بن يَحْيَى المَدِيْنِيِّ، قال: أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن مُنِير بن أحْمد بن الحَسَن بن عليّ بن مُنِيْر الخَلَّال، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن رَشِيْق العَسْكَريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عبد الرَّحْمن أحْمَد بن شُعَيْب بن عليّ بن سِنَان، قال: الأصْبغَ بن نُبَاتَة مَترُوكُ الحَدِيْث.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن بن أبي عَبْد اللَّه النَّجَّار، عن الفَضْل بن سَهل الحَلَبيِّ، قال: أنْبَأنَا أبو بَكر الخَطِيبُ (٤)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَرْقَانِيِّ، قال: أخْبَرَنا ابن خَمِيْروْيَه (f)، قال، أخْبَرَنا الحُسَينُ بن إِدْرِيس، قال: سَمِعْتُ ابنَ عَمَّار يقُول: وأصْبغُ بن نُبَاتَة ضَعِيْفٌ.
стр. 2385
أخْبَرَنا أبو الفَضْل جَعْفَر بن أبي البَرَكَات الهَمْدانيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن (a) الأكْفانِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب المَيْدانيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو هَاشِم السُّلَمِيّ، قال: حَدَّثَنَا القَاسِم بن عِيسَى العَصَّار، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْحاق إبْراهيم بن يَعْقُوب الجُوزْجَانِيّ، قال: كان أصْبَغُ بن نُبَاتَةَ زَائغًا.
ذَكَرَ أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم في كتاب الجَرْح والتَّعْدِيل (١)، قال: أصَبْغُ بن نُبَاتَة أبو القَاسِم الحَنْظَلِيّ التَّمِيْمِيّ (b)، روَى عن عليّ، روى عنهُ فِطْر، والأجْلَح، وسَعْد بن طَرِيف، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك. قُرئ على العبَّاس بن مُحَمَّد الدُّوْرِيّ عن يَحْيَى بن مَعِيْن أنَّهُ قال: الأصْبغُ بن نُبَاتة ليسَ بشيءٍ، قال: سَألتُ أبي عن أصْبَغَ بن نُباتَة فقال: لَيِّنُ الحَدِيْث، قُلتُ: وعقيْصًا؟ قال: ما منهم غير أنَّ أصْبَغَ أشْبَه.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي العَلَاء في كتابهِ، قال: أخْبرَنا أبو المحاسِن البَرْمكيِّ، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم الإسْمَاعيْليّ، قال: أخْبَرَنا (c) حَمْزَة السَّهْميِّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد بن عَدِيّ (٢)، قال: أخْبرَنا أحمد بن عليّ بن الحُسَين بن زيَاد الكُوفِيّ (d)، قال: حدَّثَني يَحْيى بن زّكَرِيَّاء اللُّؤْلُؤيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سِنَان، عن أبي الجَارُوْد، قال: قُلتُ للأصْبغَ (e) بن نُبَاتَة: ما كان مَنْزِلةُ هذا الرَّجُل فيكم؛ يعني: عليًّا ﵁؟ قال: ما أدري ما يقُولون إلَّا أنَّ سُيُوفَنا كانت على عَواتقنا فَمن أوْمَأ إليه ضَرَبْناهُ.
قال ابنُ عَدِيٍّ (٣): وأصَبْغُ بن نُبَاتَة لم أُخرج له هَا هُنا شَيئًا لأنَّ عامَّة ما
стр. 2386
يَرْويه عن عليّ لا يُتابعُه أحدٌ (a) عليه، وهو بَيِّنُ الضَّعْف، وله عن عليّ أخْبَار ورِوَايات، وإذا حَدَّثَ عن الأصْبَغَ ثِقَةٌ فهو إلْبَاسٌ بروايتِهِ (b)، وإنَّما أتى من الإنْكار من جهة مَنْ رَوَى عنهُ لأنَّ الرَّاوِي عنه لعلَّهُ يكُون ضَعِيْفًا.
أصْبَغُ، صَاحِبُ أبي مُسْهِر الدِّمَشقيّ (١)
حَكَى عن أبي مُسْهِر، وكان خَرَج في صُحْبَتهِ منِ دِمَشْقَ إلى الرَّقَّة حينَ امْتَحنَهُ المَأْمون، واجْتازَ في طَريقه معه بحَلَب أو ببعْضِ عَمَلها إنْ لم يَكُن دخَلَها. حَكَى عنه أبو مُحَمَّد التِّمِيْميّ.
الأُصَيْلحُ المُعَلّم الكَفْرطَابِيّ (٢)
كان مُعَلِّمًا بكَفَرْ طَاب، وله شِعْرٌ.
أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد القُرْطُبيِّ (c)، عن مُؤَيَّد الدَّوْلَة أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ، قال: كان الأُصَيْلحُ مُعَلِّمًا في كَفَرْ طَاب، وكان يُوسُفُ بن المُنَيِّرة (d)، أبو أُسْتَاذِي، حَائِكًا ثمّ تَأدَّب، وصارَ مُعَلِّمًا فقال فيه الأُصَيْلح: [من الخفيف]
أيُّ عَقْلٍ لحاَئِكٍ في الأنَام … لا ولو قِيْدَ نَحْوَهُ بزمَامِ
نصْفُه نازلٌ مع الجِنّ في البِئْـ … ـر (e) وباقيْهِ قَاعِدٌ في قيَامِ
стр. 2387
مَن اسْمُهُ الأعَزُّ
الأعَزُّ بن فَضَائِل بن العُلِّيق، أبو نَصْر (١)
حَدَّثَ عن شهدَةَ بنت الإِبَرِيّ، ولَاحِقِ بن كَارِه، وأبي الحُسَين بن يُوسُف.
أخْبَرَني بعضُ أهْل الحَدِيث أنَّهُ سَأله عن دُخُوله حَلَب، فأخْبَره أنّهُ دخَلها.
الأعَزُّ بن كَرَم بن مُحَمَّد بن عليِّ، أبو مُحَمَّد الحَرْبِيُّ التَّاجِرُ المَعْرُوف بابنِ الإسْكَاف، ويُعْرف أيضًا بابن كَدَايَاه (٢)
من أهْل الحَرْبِيِّةِ، سَمِعَ الحَدِيْث من أبي المَعَالِي عُمَر بن بُنَيْمان المُسْتَعمل، وأبي القَاسِم يَحْيَى بن ثَابِت (a) بن بندَار البَقَّال، وأبي العِزّ عَبْد المُغِيْث بن زُهَيْر بن زُهَيْر الحافِظ الحَرْبِيّ وغيرهم. وأجَازَت له الكَاتِبةُ شُهدَةُ بنتُ الإِبَرِيّ وغيرها، وحَدَّثَ بالكَثِيْر.
ورَوَى لي عنه صَاحِبُنا أبو حَفْص عُمَر بن عليّ بن دَهْجَان البَصْرِيّ حَدِيثًا،
стр. 2388
وذَكَر لي أنّهُ دَخَلَ حَلَب، وسَافر في التِّجَارَة إلى كَثِيْر من البِلاد شرْقًا وغَرْبًا. قال لي: وكان شَيْخًا صَالِحًا (a)، مَهِيْبًا، سَهْلًا، حَسَنَ الوَجْه، مَلِيْحَ الشَيْبَةِ، سَخِيًّا كَريْمًا، ذا مُرُوَّة (b)، وَقَفَ الوُقُوفَ، وسَبَّل السَّوَابلَ، وكان كَثِيْر الصَّدَقَة والمَعْرُوف، كان يطُوف باللَّيْلِ عِلى المَسَاكِيْن والأرَامِلِ بنَفْسهِ، فيُعْطيهم سِرًّا ولا يَعْلمُون مَنْ هو. قال لي: وكانَ مَوْلدُهُ في سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين وخَمْسمائة.
حَدَّثَنَا عِزّ الدِّيِن أبو حَفْص عُمَر بن عليِّ بن دَهْجَان البَصْرِيُّ بالجانب الغَرْبِيِّ من بَغْدَاد، وكَتَبَهُ لي بخَطِّه، قال: أخْبَرَنا الأعزُّ بن كَرَم، بقراءتي عليه وهو يَسْمَعُ بالحَرْبِيَّةِ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بنُ ثَابِت بن بُنْدَار، قِراءَةً عليهِ في شَعْبان سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة، قال: أخْبَرَنا أبي أبو المَعَالِي ثَابِت، قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عُمَر بن بُكَيْر البَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن جَعْفَر بن سَلْمِ الخُتَّلِيّ، قال: حدثنا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن عليّ بن مُسْلِم الأبَّار، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي بَكْر المُقَدَّمِيّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ مَهْدِي، قال: حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عن أبي الزَّنَادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هُرَيْرَة (١)، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: لا يَقُولنَّ أحَدُكم اللَّهُمَّ اغْفِر لي إنْ شئتَ، فإنَّهُ لا مُكْرهَ له، ولكن ليعْزمِ المَسْألَةَ.
أخْبَرَني ابن دَهْجَان البَصْرِيّ أنَّ الأعَزَّ بن كَرَم تُوفِّي في يَوْم الثّلاثَاء التَّاسع والعشرين من صَفَر سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وستمائة، ودُفِنَ يَوْم الأرْبَعَاءِ ببَاب حَرْبٍ، ﵀.
стр. 2389
الأعْسَرُ بن مُهَارِش الكِلابِيّ
فارسٌ، شَاعِرٌ، أعْرَابيّ من بني كِلَاب، قَدِمَ حلَبَ على سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن بن حَمْدَان، وحَكَى له حِكايَةَ عِشْقه الصَّيْقَلَ (a) بنت طَرَّاد بن خَشْرَم الأسَدِيّ، فاسْتَحْسنَ سَيْفُ الدَّوْلَة خَبَرَهُ وزوَّجَهُ إيَّاها، وأحْسَنَ إليهما.
قرأتُ الحِكايَة في مَجْمُوعٍ عَتِيق مَكْتُوب في أيَّام سَيْفِ الدَّوْلَةِ، أو قَريب من عَصْره، وشَاهدتُها في المَجْمُوع على الصُّورَة الّتي أذْكرُها بخَطِّ بعض الأَخْبَارِيِّيْن في جُزءٍ وَقَفْتُ عليهِ في وَقْف الإمَام النَّاصِر أبي العبَّاس أحْمَد بالخَلاطِيَّة في الجانب الغَرْبيّ ببَغْدَاد.
قال: وبَلَغَني أنَّ سَيْف الدَّوْلَةِ، ﵀، وفَد عليه الأعْسَرُ بن مُهَارِش الكِلابِيّ في ثلاثين رَجُلًا من بني كَلَاب، بعدما صالَح سَيْف الدَّوْلَة بني كِلَاب، فدَخَلُوا عليه فخطَبُوا خُطَبًا حَسَنَةً، فأجازَهُم، وأعْطاهُم، وكانوا أتُوا في رَسَائِل، فأقامُوا يَنْتَظرُونَ الجَوَاب لرَسَائِلهم.
وكان الأعْسَرُ يحضُر مَجْلِس الأَمِير سَيْف الدَّوْلَة في كُلِّ يوم، فإنَّهُ ذات يَوْم في مَجْلِسهِ، إذ أخَذُوا في حديث العِشْق والتَّتَيَمُّ، فقال أبو فِرَاسٍ الحَارِث بن حَمْدَان: أيُّها الأَمِير، بَلَغَني أنَّ مع الأعْسَر طَرْفًا من ذلك فاسْألهُ يُخبرك، فقال سَيْفُ الدَّوْلَة: حَدِّثنا حيَّاكَ اللَّهُ فإنَّا نُحِبُّ حديثَكَ، فقال: أيُّها الأَمِيرُ، أمَّا إذ سَألْتَني قبل إعْلامي لك فإنِّي سأُحدِّثُكَ: إعْلَمِ أيُّها الأَمِير، أطالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، أنَّا كُنَّا نَسْكن بِسِنْجَار، وخيامُنا هناك، وكان على فرْسَخين منِ حِلَّتنَا حِلَّهُ بَني أَسَدٍ، وكان لي فيها وَدُّ كان لوالدي وصَدِيْق يُقال لهُ طَرَّاد بن خَشْرَم، وكُنت كَثِيْرًا أطْرقُه وأسَلِّم عليه وعلى جَمَاعَةٍ أوَدُّهُم من الحِلَّةِ.
стр. 2390
وإنِّي طَرَقْتُه -أيُّها الأَمِير- في بعضِ الأوْقَاتِ، فلَّا قَربتُ من الحِلَّةِ، وإذا أنا بعَطْعَطَةٍ وزعْقَاتٍ، فأجرَيْتُ فَرَسي فإذا أنا بأهْلِ الحِلَّة في حَرْبٍ عظيمٍ وأمْرٍ مَهُولٍ، فتقدَّمْتُ إلى أوَّلِ بيْتٍ لقِيَنِيّ، فقُلتُ: يا أهل البَيْت، أنعَمُوا صَباحًا، فخرجَت وُليدَةٌ سَوْداءُ فقالت: وأنت نعِم لك الصَّبَاح. قُلتُ: ما أوْقَع الحَرْبَ بين هذين الفَيْلَقَين؟ فقالت: إعْلَم أنَّ طَرَّادَ بن خَشْرَم له ابنَةٌ يُقال لها صَيْقَل من أحْسَنِ النّسْوَان، لم يَرَ أحَدٌ مثلها، وأنَّ خُفَاف بن نُدْبَة كان وَدًّا لوالدِها وصَدِيْقًا، وكان يَطْرقُهُ كَثِيْرًا ويُقِيم عندَهُ، فرأتْهُ ابنَتُهُ ورآها فتحابَبَا وتعاشَقَا، وزادَ ذلك حتَّى فَشَا في الحَيّ، فلمَّا كان قَرِيبًا وَجَّهَ يهًدّدُه، ويقُول له: واللَّهِ لئن لم تُزَوِّجني لأكْبِسَنَّ الحِلَّةَ ولأدُوْسَنَّها ببَني قُشَيْر، فقال له: ما أنت إلَّا أهْل لذلك، ولكن قد فَشَا الحَدِيْثُ بين أهْلِ الحَيّ، وأنا أكْرَهُ القَالَة القَبِيْحَةَ، فعَاودَهُ فسَبَّهُ، وخَرَج خُفَاف مُغْضبًا يَزْأَرُ، ولم نَشْعُر بهِ حتَّى طَرَقَنا البَارِحَةَ بُسْحرة (a)، في بَني أبيهِ من بَني قُشَيْر وأحْلَافِهِم من عَجْلان وطَيِّءٍ، وقد طَحَنُوا الحِلَّةَ طَحْنًا، فلمَّا سمعْتُ ذلك تَهَلَّزْتُ (١) للحرْب، وأرَدْتُ أُرِي أهْلَ الحِلَّة شَجَاعتي وفُروسِيَّتي، وتنَكَرْتُ، واخْتلَطْتُ ببَني أَسَدٍ، ثمّ خرجتُ بين الصَّفَّيْن والقَوْمُ زَرْدقًا (٢) زَرْدقًا، فضَرَبْتُ مَيْمَنَةً ومَيْسَرةً وقَلْبًا وارْتَجَزْتُ وقلت: [من الرجز]
مَنْ منْكُم يَنْشَطُ للنُّزُول … إلى شُجَاعٍ بَطلٍ بُهْلُول
يُفَرِّق الجَمْعَ ولا يَزُول … يُرْدِيكُم من فَوْق ذي الخُيُول
حتَّى يُغَادِي جَيْشَكُم مَفْلول
стр. 2391
فانتَدَبَ لي شَابٌّ من بني عَجْلان يُقال له حَنْظَلَةُ بن دَارِم، فخرَج وجَالَ بين الصَّفَّيْن وقال: [من الرجز]
أنا الشُّجَاع البَطَل البُهْلُول … لتَعْلمنَّ غبَّ ما تقُول
سوفَ أُعَمِّمِكَ على الفُلُول … بصَارِم ليسَ يُرَى مَفْلُول
وتَدَانَى إليَّ وتَدانَيْتُ إليهِ، وكفَّ العَسْكَران، وأحْجَمُوا ينظُرونَ إلينا، فطَالَ بيننا الضَّرْبُ إلى أنْ ضَرَبْتُه ضَرْبةً على حَبْل (a) عَاتقِه حَلَّت كَتِفَهُ وأرْديتُه عن فَرَسِه، وجرّيتُهُ إلى أصْحَابيّ، وجُلْتُ دين الصَّفَّيْن وأنْشَأت وأنا (b) أقول: [من الرجز]
من شِيْمَتِي الكَرُّ على القَبَائِل … والخَوْض في دَمِ الفَتَى المُقَاتِل
إنِّي أَنا الفَارِسُ والحُلَاحل … قَبيْلَتي تَسْمُو على القَبَائِل
مَعْرُوفة بالكَرِّ في الجَحَافِل
فبرَزَ لي رَجُلٌ من طَيِّء يُعْرَفُ بهَمْدَان بن عِكْرِمَة، فجالَ بين الصَّفَّيْن وارْتَجز وهو يَقُول: [من الرجز]
الحَرْبُ تارات (c) أبا مُقَاتِل … لا تَحْسِبَني مثل ذَاك الفَاشِل
لتَعْلَمنَّ أيّنا حُلَاحِل … وأيّنا يُفَلِّلُ الحَجَافِل
ويَقْتُل السَّادَات في القَبَائِل
ودَنا منِّي ودَنَوتُ منه، وجَرَى بيننا أمرٌ عظيم، وبَدَرني بضَرْبةٍ في قِمَّتي (١) كَشَطَتْ من رَأسي قِطْعَةً، وضَرَبْتُهُ ضَرْبةً في هَامَتِه قَطَعتها، وحَمَل أصْحَابهُ عليه فأخَذُوه.
стр. 2392
واشَتمْلْتُ، وجَعَلْت أجُول بين الصَّفَّيْن، فتغيَّظ مِنِّي أمير الجَيْش وهو خُفَاف بن نُدْبَة، فقال: مَنْ هذا الّذي قد فلَّلَ جُمُوعَمُ وقَتَل أبْطَالكُم؟ قالوا: ما نَعْلمِ غير أنَّهُ بَطَلٌ، فقال: دونَكم فَرسِي الغَضْبَان، فأُتي بفَرَسِه، فركبَهُ وتَدَرَّعَ وخرَج وهو غَائِصٌ في الحَدِيْدِ، وبارَزني فتجاوَلنا، ومَضَتْ بيننا عَرْكات، ورأيتُهُ ثَبْتًا جريَّ الجنان، قَوِيَّ القَلْب لا رَعْدِيد ولا فَشل، فلمَّا لم يكُن لي معه شيءٌ خاتَلْتُه وأخَذْتُ من طَريق الخَدِيعَة، وقُلتُ: أخَذتُكَ ورَبّ الكَعْبَة، وأريْتُه أنّي أَضْرب رجلَيْهِ فاشْتَغَل بها، فضَرَبْتُ يدَهُ [فـ]ــأطرْتُها، ونَفَرت بهِ فَرَسُهُ فأرْدَتهُ، وحَمَل أصْحَابي (a) فأخَذُوه وهو حَيُّ إلَّا أنَّ يدَهُ قد ذَهَبَتْ ونصْف سَاعِده، فلمَّا علمُوا أنَّ رئيسَهُم قد مَضَى وقَع الصُّرَاخُ والبُكَاء وانْطَفَأ الحَرْبُ، وكَفَّ النَّاس وعلمُوا المَوَاتِيم.
وأتيْتُ طَرَّاِدًا، فقُلتُ لَهُ: ما هذه الحُرُوبُ؟ فأخَذَ يُحَدِّثُني، وقال لي: لولا أنَّ اللَّهَ مَنَّ علينا برجُلٍ لا أعْلَمُ مَنْ هو، غير أنِّي رأيتُ دَابَّتَهُ حَنْفَاءَ -وكانت فَرَسِي حَنْفَاء غير أنَّهُ لم لَكُن مثلها في السِّبَاق والرَّكْض- فقُلتُ لَهُ: إنْ رأيْتَ الفَارس (b) حَاسِرًا تَعْرفه، قال: نعم فحدَرْتُ لثَامِي، فقال: اللَّهُ أكْبَر، الأعْسَرُ ورَبِّ الكَعْبَة! مَرْحَبًا، وقام فقبَّل رَأسِي ورَأسَ بَني عَمِّي، وكان صَحبَني (c) من الحِلَّة خَمْسٌ من بَني عَمِّي كانُوا معي في الحَرْب.
وبقي خُفَافٌ تلك اللَّيْلة إلى الصَّبَاح يَنْزف دَمُهُ، ولم تأتِ الظَّهِيْرَةُ حتَّى قَضَى نَحْبَهُ، ووعً في الحَيِّ البُكَاءُ والنَّحِيْبُ، وفرغُوا من أمْره، وأَخْذِ أُهْبَتِهِ ودُفِنَ، وكثُر البُكَاءُ والنَّحِيْب في بني قُشَيْر.
стр. 2393
وأَقمْتُ عند طَرَّاد ثلاثًا، ثمّ ودَّعْتُهُ في اليَوْم الرَّابِع وقُلتُ: المُضيّ، قال: واللَّهِ لا أقمتَ عندي إلَّا عَشْرًا لأُكْرِمَكَ وأُقْضِي بعضَ واجب حَقِّكَ، فسَألَهُ بنُو عَمِّي الانْصراف فأذِنَ لهم بعد شِدَّة. فأقمتُ أنا (a) عنده يَوْمَيْن بعد ذلك، وكُنْتُ لا أصْبر عن الشَّرَاب؛ إنَّما هو قَوَام حَيَاتي، فقُلتُ لطَرَّاد: إنِّي أُرِيدُ الشُّرْبَ، قال: وكَرَامَة، وأَنْفَذَ فأتاني من بَعْض الحَانَاتِ بشَرَابٍ، فسَمَّطتُ طَعَامًا وشَرَابًا على فَرَسي وخَرَجْتُ ومعي عَشرةٌ من شَبَاب بَني أَسَد نَتَنزَّهُ ونشربُ، وأمْعَنَّا في السَّير إلى أنْ وَقَعْنا على مَوضع خَضِر نَضِرٍ فيه شَجَرٌ قد عَرَّشَ، وزَهْر قد انْفَرش، وماء جارٍ، ومَوضع طَيِّب، فشَرِبْنَا على الغَدِير إلى قُرْب العَصْر (b)، ثمّ فَني شَرَابُنا، فكَرَرْنا راجعين، فقال لي بَنُو عَمِّي: ترغَبُ في السِّبَاق إلى الحَيِّ؟ قُلتُ: نعم، وطَمعُوا فيَّ لأنَّهم رأوا دَابَّتي حَنْفَاءَ، فأطْلقنا أعنَّةَ خُيُولِنا ومَرَرنا سبَاقًا إلى الحِلَّة، فسبَقْتُهم أنا بأجْمَعِهم بنحو الميْل، ووَقَفْتُ على كَثيْب أحْمَرَ على ظَهْر الحِلَّة على نَشَزٍ منها أنتظِرُ أصْحَابيّ، فأنا واقفٌ إذ سَمِعْتُ بُكَاءً وشجًى وحَنِيْنًا وعَوِيْلًا، فالتفَتُ فإذا أنا (c) بجَارِيَةِ جَالسةٍ على قَبر مُبَيِّضٍ جديدٍ، وهي تَبْكي بُكَاءً شجيٍّ حَرِقٍ وتَنْدبُه وهي تقُول: [من السريع]
يا وَاحِدًا لسْتُ بنَاسيهِ … نَعَى إليَّ العَيْشَ نَاعيْهِ
واللَّه ما كُنْتُ أُرَى أنَّني … أقومُ في الباكيْنَ أبْكِيهِ
واللَّه لو لَم يُقْتَبَل فدْيَةٌ … لكُنْتُ بالمُهْجَة أفْدِيْهِ
بيَّضْتُ منك القَبْر يا سَيِّدِي … لأنَّني لَسْتُ بناسِيْهِ
عَاذلَتي في جَزَي أَقْصري … قد غَلَقَ الرَّهْن بما فيهِ
فبهتُّ أنظُر إليها، وإلى حُسْن وَجْهها، ورأيْتُ ما لم أَرَ مثلَهُ قَطّ، فخَاذَيْتُها،
стр. 2394
وأنشَأت أَقُول: [من الطويل]
جَرَى الدَّمْعُ من عَيْنَيكِ كالسّلْكِ إذ (a) وَهَى … منَ العقْدِ أو كالطَّلِّ في وَرَقِ الوَرْدِ
فخلتُ البُكَا من رِقَّةِ الخَدِّ أنَّهُ … يُوثِّرُ من حَرٍّ على صَفْحَةِ الخَدِّ
فلو أنْتِ أقْصَرْتِ البُكَا ودَعيتِهِ … لنَادَاكِ بالحُسْنَى وقامَ من اللَّحْدِ
فلمَّا عَلِمَتْ بي ردَّتِ البُرْقُع على وَجْهها، فكأنَّ الشَّمْسَ كانت تحْجبُها بالغَيْم، وقالت: إعْدِل عنِّي يا عَبْدَ اللَّه، فما أنا لك بصَاحِبَةٍ فلا تكُن طَامِعًا، أمَّا تَسْتَحيي من ربِّكَ أنْ تنْظُر ما ليسَ لكَ بمُحرم؟! ولحقَني أصْحابي وأنا في النَّار، فقالوا: سَبَقْتَ واللَّهِ بالحنفَاءِ أُعيْذُك باللَّهِ، فقُلتُ: يا قَوْم، دَعُوني فإنِّي في حالةٍ، قالُوا: من أيْشٍ؟ قُلتُ: رأيْتُ هذه الجَارِيَةَ فوقَعَتْ واللَّهِ في نَفْسِي، وقد شَغَلَتْنِي عن سَائر أهْلي، فقالوا: تَدْرِي هذه مَن؟ قُلتُ: لا، قالوا: هذه ابنَةُ الأَمِير طَرَّاد، وهي الّتي وَقَع الحَرْبُ من جهَتها، وهذا قبرُ خُفَاف، قُلتُ: هذه صَيْقَلُ؟ قالوا: نعم، وكان طَرَّاد سَيِّدًا في قَوْمِه يركَبُ وحْدَه ويَرْجع في خَمْسمائةِ عنانٍ.
وسِرْنا حتَّى دخلنا الحِلَّةَ، وأنا كالمَرِيْض من جِهتها، فأقَمْتُ عندهُ عَشرةَ أيَّامٍ، فلمَّا كان اليَوْم الحَادِي عَشر قُلتُ: قد فَعَلْت ما أَمْرت، وقد أحبَبْتُ أنْ تُضِيفَ إلى أياديك المَخْلُوفَة، وأفَاعيْلِكَ المألُوفَة أنْ تُشُرفَني (b)، قال: بماذا؟ قُلتُ: تُوصِل حَبْلي بحَبْلكَ وتُزوِّجَني من الصَّيْقَل ابْنَتِكَ، قال: حبَّذا واللَّه أنْتَ، ولكن ليس تُجِيْبُ أحدًا بعد الماضي، وإنَّما الحَرْبُ جَرَى من جهتها وفي سَبَبها، ولكنِّي أُخاطبُها وتكُون (c) بمحضَرٍ منكَ.
ثُمَّ أخَذَ بيدي -أيُّها الأَمِيرُ- وأتَى بي مَضْرَبها، فأجْلَسَني بَرّا منهُ حيثُ
стр. 2395
أسْمَعُ ما يَدُور بينهما، ودَخَل إليها فقال لها (a): يا بُنَيَّة، الأعْسَرُ ممَّن تَعْلمين فَضْلَهُ وكَرَمَهُ وسُؤدَدَهُ، وقد أتانا خَاطِبًا لك فلا تَلَجِّين وأَنْعِمي، فبَكَت وقالت: واللَّهِ لئن لم تَتْرُكني لأقتلنَّ نَفْسِي. فعاوَدَها دَفعاتٍ وهي تأبَى، فخرَجَ وهو يَشْتُمها ويلْعَنُها، وخَبَّرني فجزيتُه خَيْرًا، وودَّعْتُه.
وسِرْتُ وأنا قَلْبي عند الصَّيْقَل حتَّى أتيْتُ أهْلي، ففَرحُوا بي وتَباشَرُوا، واجْتَمع أهْلي وبنو عَمِّي، فقلتُ لهم: [من مجزوء البسيط]
مَضَيْتُ من عندكُم بقَلْبي … وعُدْتُ مُضْنًى بغَيرِ قَلْبِ
وكُنْتُ حَيًّا فصِرْتُ مَيْتًا … من حَسْرَة بي تَشُدُّ كَرْبي
كِدْتُ وحَقِّ الإلهِ حَقًّا … والبَيْتِ والقاصدينَ سُغْبِ (b)
أقْضِيَ مِن حُرْقةٍ ووجْدٍ … ولَوْعَةٍ في الفُؤَادِ نَحْبي
حَسْبيَ يا صَيْقَلٌ بهذا … لا تُكْثِري في الجَفَا فحَسْبي
فبُهِتَ أهْلِي وأصْحَابي، وقالوا: ما الّذي دَهَاك؟ قُلْتُ: لا تَنْطق (c)، واسْرِع فاحْمِل إلى طَرَّاد جميعَ ما يطلبُه، واطْرَح عليه جميع مَنْ قَدِرْتَ عليه حتَّى يُزَوِّجني من ابْنَتِه، وحَدَّثْتهُ الحَدِيْثَ فاغْتَمَّ وبَكَى، وأنْفَذ إلى طَرَّاد يُرَغِّبهُ، وأكْثَر له، وهي تأبَى أنْ تتَزَوَّج بأحَدٍ.
فأقَمتُ مُدَّةً بأسْوَأ حالٍ. ثمّ إنِّي اشْتَقْتُ إليها ذاتَ يَوْمٍ وطَرَقَني خيالُها ليلًا، فغَدَوتُ أُرِيدُها، فسِرْتُ على فَرَسي حتَّى أتيْتُ الحِلَّة، فشَمَمْتُ على قَدْر ميل نَتْن رَوائح وجِيْفَة، فلمَّا وصلتُ إلى الحِلَّةِ إذا بقَتْلَى كَثِيْرة بعضهم فَوْق بعضٍ، وأهْل الحَيِّ زَرْدَق زَرْدَق، ومَحْفِل مَحْفِل في المَوَاتِيم والبُكَاء والنَّحِيْب، فتقدَّمتُ
стр. 2396
إلى بَيِتٍ لقيَني فناديتُ: يا أهْلَ البَيْت، أنْعَمُوا صَباحًا، فخرجت جَارِيَةٌ كالمهَاةِ، وقالت (a): وأنتَ نَعِمَ لك الصَّبَاحُ، ما تُرِيْغُ (b)؟ قُلتُ: ما طَرَق الحَيّ من بَني أَسَد؟ قالت وهي تَعْصِرُ عَيْنَيها من البُكَاءِ: طَرَقهُم أسَدٌ أخو خُفَاف بن نُدْبَة (c) فسَبَى حَرِيمَهُم وقَتَلَهُم وشَرَّدَهُم، وفَعَل بهم ما تَرَى. قُلتُ: فما فَعَل طَرَّاد وابْنَتُهُ صَيْقَل؟ قالت: أسَرَهمُا جَمِيعًا أسَدٌ وهُما عنده، فبَكَيْتُ لذلك، وأتَيْتُ أصْدِقائي في الحَيّ، فعزَّيتُهم وهم يَبْكُون، فهمَّت نَفْسِي أنْ أصِيْرَ إلى حَيّ بَني أَسَد لِمَا أصَابني من الحُبِّ والوَجْدِ، وأنْ أتَحَيَّلَ في تَخْليْصِها، فقُلتُ لهم: وعلى كَم فَرْسَخ نحنُ (d) من حَيّ بَني قُشَيْر؟ قالوا: ثلاثة فَرَاسِخ، فودَّعتُهم وكان مَغِيْبُ الشَّمْس وسِرْتُ على العَيُّوق والنَّسْرَين أطلبُ قاع الرِّيح، وكانُوا بها نَازِلين، فلم يَمْض الثُّلُثُ من اللَّيْل حتَّى أشرفْتُ على الحَيّ، وإذا الخيامُ والقِبَاب والأحْمَال (e) كالكَوَاكِب، ولم أَصِل إلى الحَيّ حتَّى أُطْفِئت المَصَابِيْحُ، وهَدَأ النَّبِيْحُ، وكانت لَيْلَةً مُقْمِرَةً، فنظَرْتُ والحيّ هَادٍ، والأخْبِيَة مُطَنَّبَة إلى جَوَانِب الجُدْرَاناتِ، فحملتُ في وادٍ كَثِيْر العَوْسَجِ والمَدَر فاخْتفَيْتُ فيه، ثمّ إنِّي فَكَّرتُ وخَشِيْتُ من الأسد، فارْتَقَيْتُ في أعْلَى شَجَرَةِ دَوْمٍ أنتظر رَاعِيَ غَنَم، رَاعِي إبِل، بعض عَجَائز الحيّ ممَّن يخرجُ يلتَقط الحَنْظَل، فإنِّي لكذلكَ، وإذا بجُوَيْرِيَةٍ سَمْرَاءَ قد أقبلَت ومعها عَبَاءٌ فبَسَطَتْها وأقْبل معها شَابٌّ فبَرَكا جَمِيعًا يتحادَثان ويتَشَاكيان أطْيَب من قَضْم السُّكَّر، أو من الشُّهْد المُصَفَّى، فأقاما على ذلك سَاعةً من اللَّيْل، ثمّ قال لها: يا بُصَيْرَة، ارْقُدِي حتَّى نَرْقُدَ ساعةً، قالت: واللَّهِ يا مَحْبُوبُ ما إلى ذلك من سَبيل لأنِّي مع النِّسْوَان الّذين قد (f) وُكِّلُوا بحِفْظ الصَّيْقَل، فأصْغَيْت حينئذٍ إليها، فقال لها: واللَّهِ ما بُدَّ لي
стр. 2397
من ذلك، ثمّ أكْرَهَها، ورَقَدا جَمِيعًا، فمكثا هَوِيًّا من اللَّيْل، ثمّ قامَا، وعاد الرَّجُل إلى نَوْمِه، وقامَت الجَارِيَة فنزلَتْ فاعْتَرَضْتُها في سَنِم الوَادِي، فقلتُ لها: ممَّن أنت؟ قالت: من هذا الحَيّ، قلت: اجْلِسِي، أتَعْرفيني؟ قالت: لا، قُلتُ: أنا الأعْسَرُ، وقد رأيتُكِ وما صَنَعْت مع مَحْبُوبٍ، فاكْتُمِي عليَّ أكْتُم عليكِ، قالت: قُلْ يا إنْسَان، فواللَّه لا تقُول شيئًا بعدما رَأيتنا إلَّا ويكُون عندي كقول الشَّاعِر: [من الطويل]
جَعَلْتُ فُؤادِي مقْبَرًا لسِرَارِه … فما أنْ له طُوْلَ الزَّمان ظُهُور
كذا المَيْتُ لا يرجُوا الخُرُوجَ ولا … اللِّقَا ولا النَّشْر إلَّا أنْ يكُون نُشُور
قُلتُ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، إعْلَمي أنَّ هذه الصَّيْقَل حبَّتي، وقد أتيْتُ اللَّيْلةَ أُريدُ أَخْنِسُهَا (١)، فأُرِيْدُ أنْ تتوَصَّلي إليها وتقُولين لها: إنَّ الأعْسَرَ بوَادِي الأَرَاك ومعهُ دَابَّتُه الحَنْفَاء، ومَوْعدُك الشَّجَرات فاخُرجي، قالت: وكَرَامَة، ومَضَتْ، وأتَيْتُ أنا الوَادِي فعَقَلْتُ فَرَسي وأتَّفَقْتُ بالرَّجُل، فقال: ممَّن أنْتَ؟ فأعلَمْتُه أنِّي قد رأَيْتُهما وقُلتُ: حَدِّثني حديثَكَ، قال: إعْلَم أنَّ هذه ابنَة عَمِّي، وأنَّ أسد -لَعَنَهُ اللَّهُ- أغارَ علينا، ونحنُ من بني كِنَانَة، فأخَذَ نِسْوَان جَمَاعَةٍ اسْتَعْبَدَهُم منهُنَّ ابنَةُ عَمِّي، وكُنْتُ أجدُ بها وجْدًا عَظيْمًا، فلمَّا فقَدْتُها ضَاقَتْ عليَّ الأرْض بما رَحُبت، ولم أزل أتَوَصَّلُ حتَّى خَدمْتُ أخَاهُ خُفَافًا في غَنَمِه، فكُنَّا نَجْتَمع في كُلِّ ليلةٍ، فلمَّا قُتِلَ خُفَاف صِرْتُ معه، وقد رَضيْتُ منها بهذا، ولا أقدرُ أَخْنِسُهَا لئلَّا يتبَعُنا ويأخُذنا؛ وله عُيُون ومَرَاصدُ، فقد قنعْتُ بهذا، وبَكَى فرحَمْتُه.
وأنا أُحَدِّثُه إذ زعقَ زَعْقةً أفْزَعني، فنظرتُ فإذا أفْعَى عَظيمٌ أسْوَدُ سَالِخٌ قد لدَغَهُ، فاضْطَرب سَاعةً وخَمَد، فأصَابني واللَّه أمرٌ عظيم، ووقفتُ نصْفَ الطَّريق أنْتَظر النُّصَيْرَة، وإذا بها قد أقْبلَتْ، فقالت: قد عَرَّفْتُها فقالت: سَوْف أخْرُج، وهي اللَّهِ فَرْحَانةٌ بذلك، فعَرَّفْتُها أمرَ حَبِيْبها المِسْكِين، فبَكَت بُكَاءً
стр. 2398
عَظيْمًا، وغُشِي عليها دَفْعات، وأفَاقَتْ فتركَتْني ومَضَتْ إلى الحيَّ، ثمّ رَكِبتُ فَرَسي وقد مضَتِ الكَوَاكِبُ، وبَدَتْ كَوَاكِبُ السَّحر تَتَحَدَّرُ، وإذا بصَوْتِ الحَدِيْدِ وخَشْخَشَتهِ، وإذا بها قد أقبلَتْ في نِسْوان جَمَاعَةٍ، فلمَّا وَقَفَت بي، عَلِمَتْ مَوضِعي، فقالت: باللَّهِ يا أخَوَاتُ قفنَ غير صَاغرات حتَّى أقضي حَاجةً، قُلْنَ: واللَّه لئن جاءَ وعَلِم بإخراجك ليقْتُلْنَّا، قالت لهُنَّ: وأين خَرَج؟ قُلن: خَرَج إلى ابنِ عَمٍّ له، لهُ عليه مالٌ يُريدُ قَبْضَهُ ولعلَّه يَغِيب يوْمَهُ أو يَوْمًا وليلةً، فقالت لهنَّ: فلَسْتُ أتأخَّر، قُلن: فَامْضِي، فدخلتْ إليَّ فقالت: فُكَّ قَيْدِي، فتَمَطَّيْتُ في قيُودها فقطَعْتُها، وأرْكَبْتُها الحَنْفَاءَ وأنا أسيرُ خَلْفَها عُرْيانَ إلَّا سَرَاوِيلَ عليَّ شَاهرًا سَيْفي، وأبْطَتْ (a) عن النّسْوَان فنَذَرُوا بنا فتَزَاعقُوا وتصَارخُوا، وقام أهْلُ الحَيّ، فركبُوا خُيُولهم، فبين مُسْرِجٍ ومُلْجمٍ ومُزْعجٍ ومُرْهج، فامتَدَّ خَلْفَنا ثلاثمائة عنانٍ بين أيديهم العَبِيْد بالحِجَارَة يرْمُونا، وأنا أعْدُو (b) فكُلمَّا علمتُ أنَّهم قد قاربُوني أتقدَّم إليهم فأقْتُل واحدًا واثْنَين (c)، وأُعْطِي رِجْليَّ الرِّيحِ، فقَطَعْتُهم على ذاكَ فَرْسَخين، ثمّ صحْتُ بها: خُذِى عَرْضًا فإنَّك على غَلَط، فأخَذَت عَرْضًا، وسِرْنا وهم خَلْفَنا فصِرْنا قَرِيبًا من الحِلَّةِ، وإذا صَوْت حَوَافر، فلم نَشْعُر إلَّا وقد طَلعَ علينا أسَدٌ في مائتي رَجُل من قَوْمه شَاكِّينَ في السِّلاح، عليهم السَّكِيْنَةُ والوَقَار، فلمَّا سَمعُوا الزَّعْقَات أمْسَكُوا أعنَّتَهم وحبَسُوها (d)، وأحْجَمُوا ساعةً حتَّى عرفُوا أصْحَابهُم، وفَطنْتُ أنا بذلك فصحْتُ بها: إلْحَقِي بأهْلِكِ فأنت قريبةٌ منهم، فأطلَقَتْ للفَرَسِ عنانَهُ فمَرَّ كالرِّيح الهَبُوبِ، أو كالماء السَّكُوبِ حتَّى دَخَلت الحِلَّةَ، واجْتَمع عليَّ الفَيْلَقان ودَارُوا بي كالإكْلِيْل.
ولمَّا دَخَلَت الصَّيْقَلُ الحيَّ، أنْذَرَتْ أهْلَها، فركبُوا على كُلّ صَعْب (e) وذَلُول، واسْتَنْجَدُوا ببَني تَمِيْم وهُم أحْلَافَهُم، وسَارُوا نَحْوي فلَحقُوا بي، فقَاتلُوا
стр. 2399
عنِّي حتَّى خَلَّصُوني وفيَّ ضَرْبةٌ مُثْخنةٌ في كَتِفي، وأنا أُقاتِل، فسَاعَدَني القَوْمُ، فقَتَلنا منهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وأسَرْنا أسَدًا وانْهَزَم الباقُونَ، وأخَذْتُه أقُودُهُ إلى الحيّ، فلمَّا أُدْخِل وقعَت البشَارةُ وفرحُوا فَرَحًا تامًّا، فأقامَ مَحْبُوسًا ثلاثة أيَّامٍ، ونَفَّذَ بنُو قُشَيْر يَسْألوني أنْ أُخلِّصَ أسَدًا، فقُلتُ: لا أفْعَل أو يَدْفَعُونَ إليَّ طَرَّادًا ومائةَ ناقة حمْرًا بجلالها، قالوا: لا؛ ولكن نَدْفَع إليكَ (a) طَرَّادًا، قُلتُ: لا إلَّا ومائة ناقةٍ، فلمَّا رأوا منِّي التَّصَعُّب أنفَذُوا إليَّ طَرَّادًا ومائةَ ناقةٍ فسرَّحْتُ أسَدًا، ووقعَ الفَرَحُ في الحَيّ، وتَشَكَّرَ لي سَائرُ أهْل الحيّ، وأَقَمْتُ عَشرةَ أيَّام، وأنْفذتُ إلى طَرَّادٍ أسألهُ التَّزْويْجَ فكلَّمَهَا، فأبَتْ، فعاوَدَها دَفْعَاتٍ فأبَتْ، فكتَبْتُ إليها بشِعْر هذا وأَوْمأ إلى أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي (b): [من المتقارب]
أرَى ذلكَ القُرْبَ صَارَ إزْوِرَارًا … وصَارَ طَويْلُ السَّلَام اخْتِصَارَا
تَرَكْتني اليَوْمَ في حَيْرَة (c) … أَمُوْتُ مِرَارًا وأحْيَا مِرَارًا
أُسَارِقُكِ اللَّحْظَ في خُفْيَةٍ (d) … وأَزْجُرُ في الخَيْلِ مُهْري سِرَارَا
فلمَّا قرأت ذلكَ، ووَقَفَتْ عليه، لَم تُجِبْني عليه، وأبَتْ.
وقد رَحَلْتُ بها وبأبيها إليكَ أيُّها الأَمِيرُ -أطالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، وأدَامَ نعماءَكَ، وكثَّر في العُلوِّ ارتقاءَكَ- وأنا وأبُوها نَسْألُك أنْ تُنْفذَ إليها فتَسْألها (e) أنْ تُجِيبَ أو تحْتِمَ عليها، فاسْتَحْسَن حديثَهُ سَيْفُ الدَّوْلَة ورحمَهُ وكُلّ مَنْ حَضَر، وأنْفَذَ إلى الصَّيْقَل فأمَرَها بالطَّاعَةِ والتَّزْويْج فقَبِلَتْ، فزُفَّتْ في دَار سَيْف الدَّوْلَةِ إلى الأعْسَرِ، وأقاما في كَنَفِ سَيْف الدَّوْلَةِ في رَفاهِيَةٍ من العَيْش حتَّى أتاهُما اليَقِيْنُ.
стр. 2400
أَعْيَنُ بن ضُبَيْعَة المُجَاشِعِيّ (١)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وجَعلَهُ أميرًا على بني عَمْرو وحَنْظَلَة البَصْرَة، وقيل على رجَّالةِ البَصْرَة.
أنْبَأنا أبو الفُتُوح بن الحُصْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الأَشِيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَلِيد بن الدَّبَّاغ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن عَبْد البَرّ (٢)، قال: وكان مُعاوِيَةُ بعَثَ الحَضْرَميَّ -يعني عَبْد اللَّه بن الحَضْرَميّ- ليأخُذ البَصْرَة، وبها زِيَادٌ خَلِيفَة لابن عبَّاسٍ، فنَزل عَبْد اللَّه بن (a) الحَضْرَميّ في بني تَمِيْم، وتحوَّل زِيَاد إلى الأَزْد، وكتب إلى عليّ، فوجَّه إليه أَعْيَن بن المُجَاشِعِيّ فقُتِل.
قُلتُ: وأظُنُّ قَتْل أَعْينَ كان سَنَة تِسْعٍ وثلاثين.
الأَغَرُّ بن أحْمَد بن عَبْد المُنْعِمِ بن سِنَان، أبو الفَضْل القَاضِي الحَلَبِيّ (٣)
شَاعِرٌ (b) حَسَنُ الشِّعْر، كان بعد الأرْبَعمائة.
وكان أحد قُوَّادِ ناصِر الدَّوْلَة الحُسَين بن الحَسَن بن حَمْدَان، وكان معه بمِصْر، ويَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّهُ من بني القَاضِي الأسْوَد عَبْد المُنْعِم بن عَبْد الكَريم بن أحْمَد بن سِنَان الخَفَاجِيّ.
стр. 2401
أنْشَدَني أبو السَّعَادَات المُبارَك بن حَمْدَان المَوْصِلِيّ، قال: قَرَأتُ في مَجْمُوعٍ عَتِيق هذه الأبْيَات للأغَرّ بن سِنَان الحَلَبِيّ، وهي (a): [من الطويل]
سَهِرتُ وأجْفَاني صحَاحٌ ولَم أنَمْ … ونامَتْ ولم تَسْهَرْ وأجْفَانُهَا مَرْضى
ومِن أجلِ ذاكَ السُّقَمِ في جَفْنِ عَيْنِها … سَهِرْتُ فلم أعْرفْ رُقادًا ولا غُمْضا
فيا ليْتَ هذا العُرْفَ لَم يكُ بَيْنَنا … فأُصْبِحَ لا حُبًّا عَرفْتُ ولا بُغْضا
قرأت بخَطِّ أبي البَيَان مُحَمَّد بن عَبد الرَّزَّاق بن أبي حَصِيْن المَعَرِّيّ قاضي حِمْص في أشْعَار وَالدِه أبي غَانِم عَبد الرَّزَّاق بن عَبْد اللَّه أبي حَصِيْن في القَاضِي الأَغَرّ (b) أبي الفَضْل بن سِنَان الحَلَبِيّ، قال: وكان جَرَى منه كلام في حَقِّه عند ناصِر الدَّوْلَة -يعني ابن حَمْدَان- أوْجَبَ ذلك، وكان يُنْسَبُ إلى الأُبْنَةِ (١)، وأخْبَرَنا بذلك أبو اليُمْن الكِنْدِيّ وغيره إجَازَةً، عن أبي البَيَان القَاضِي عنه: [من الطويل]
إذا كان سِرٌّ في فُؤادِي كَتَمْته … وإنْ أُبْدِهِ يَوْمًا فأنِّيَ كَانِ
قلَبْتُم لنا ظَهْرَ المِجَنِّ ولم نكُنْ … لنَبْدَأكُم بالغَدْرِ آلَ سِنَانِ
فثالثَةُ العشْرينَ من سُوْرة النِّسَا … فراشٌ لِمَا في النَّحْلِ بَعْدَ ثَمانِ
يُريدُ بثالثة العشرين ما ذُكِرَ في الآية ﴿أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ (٢) وسَائر من ذُكِر في الآية. ويُريد بقَوْله: ما في النَّحْل بعد ثَمان: ما ذُكِرَ في الآية ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ (٣).
стр. 2402
الأُغَيْبِرُ، مَوْلَى هِشَام بن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان (١)
كان معه برُصَافَة هِشَام، وحَكَى عن ابن شِهَاب الزُّهْرِيّ، رَوَى عنهُ رِشْدِين بن سَعْدٍ.
أنْبَأنا زَيْنُ الأُمَناءِ الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: أنْبَأنَا أبَوَا مُحَمَّد هِبَةُ اللَّه بن الأكْفانِيّ وعبدُ اللَّه بن السَّمَرْقَنْديّ، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا العَلَاءُ بن أبي المُغِيرَة، قال: أخْبَرَنا عليُّ بن بَقَاء الوَرَّاقُ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الغَنِيّ بن سَعيد، قال: حَدَّثَني الحُسَين بن عَبْدِ اللَّه أبو القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد البَاهِلِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الوَزِير، قال: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، قال: حَدَّثَني رِشْدِين (a) بن سَعْد، قال: حَدَّثَني أُغَيْبِرُ مَوْلَى هِشَام بن عَبْد المَلِك، قال: سَمِعْتُ ابنَ شِهَاب الزُّهْرِيّ يقُول: ثلاثةٌ ليس من أُمَّةِ مُحَمَّد ﷺ : الجَعْدِيُّ والمَنَانِيُّ والقَدَرِيُّ. قال بعضُ أصْحَابنا: هم أصْحَاب مَانِي الزِّنْدِيق؛ كَذَا قَيَّدَهُ عَبْدُ العَزِيْز.
قُلتُ: قولهُ: هم أصْحَاب مَاني، يعني المَنَانِيَّة.
стр. 2403
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ أفْلَح
أفْلَحُ أبو كَثِيْر، -وقيل: أبو عبد الرَّحْمن- مَوْلَى أبي أَيُّوب الأنْصَاريّ (١)
وكان يُكْنَى بولديه: كَثِيْرٍ وعَبْدِ الرَّحمن.
كان مع مَوْلاهُ بصِفِّيْن وفي غَزَاة الرُّوم، وكان لا يُفَارقه، وأدْرَك زَمان عُمَر بن الخَطَّاب، وقيل: سَمِعَ منه، ورأى عُثْمان بن عَفَّان، وعبد اللَّه بن سَلَامٍ.
ورَوَى عن (a) مَوْلاه أبي أَيُّوبَ، وحَكَى عن مُعَاذ بن عَفْرَاءَ، رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن سِيْرِيْن، وأبو الوَلِيد عَبْد اللَّه بن الحَارِث، وأبو الوَرْد بن أبي بُرْدَةَ، وأبو بَكْر بن (b) مُحَمَّد بن عَمْرو بن حَزْم، وأبو سُفْيان مَوْلَى ابن أبي أحمد، ووَاقِد (c) بن عَمْرو بن سَعْد بن مُعَاذ.
[. . .] (d)، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن
стр. 2404
المُذْهِب، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن جَعْفَر القَطِيْعِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد مَوْلَى بني هاشِم، قال: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ -يعني ابنَ يَزيد- قال: حَدَّثَنَا عَاصِم، عن عَبْد اللَّهِ بن الحَارِث، عن أفْلَحَ مَوْلَى أبي أَيُّوب، عن أبي أَيُّوب (١): أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ نَزَل عليهِ، فنَزل رسُولُ اللَّه ﷺ أسْفَل، وأبو أَيُّوبَ في العُلوِّ، [فانْتَبَه أبو أيُّوبَ ذات لَيْلة، فقال: نَمْشي فَوْقَ رَأسِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ! فتَنَحَّوْا، فبَاتُوا في جَانبٍ، فلمَّا أصْبَح ذَكَر ذلك للنَّبيّ ﷺ ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : أسْفَلُ أَرْفَقُ بي. فقال أبو أيُّوب: لا أعْلُو سَقِيْفةً أنتَ تحتها، فتَحوَّل أبو أيُّوب في السُّفْلَى والنَّبيّ ﷺ في العُلوّ] (a). فكان يَصْنَعُ (b) طَعَامَ النَّبِيّ ﷺ فيبعَثُ إليه، فإذا رُدَّ إليهِ سَأل عن مَوضِع أصْابع النَّبِيّ ﷺ ، فيَتَّبعُ أثرَ أصَابِع (c) النَّبِيّ ﷺ ، فيَأكُلُ من حيثُ أثرُ أصابعِهِ، فصَنَعَ ذَات يَوْمٍ طَعَامًا فيه ثُوْمٌ، فأرْسَل به إليه، فسَأل عن مَوضِع أثَرِ أصَابِع النَّبِيّ اللَّه ﷺ ، فقيل: لَم يَأكُل، فصَعِدَ إليه فقال: أحَرَامٌ؟ فقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ علييه وسلَّم: أكْرَهُه، قال: فإنِّي أكْرَه ما تَكْرَهُ، أو قال: ما كرهْتَهُ. وكان النَّبِيّ ﷺ يُؤْتَى (٢).
أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلَمِيّ، وأبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، إذْنًا منهما، -قال أبو مُحَمَّد: حَدَّثَنَا أبو
стр. 2405
بَكْر الخَطِيبُ (١)، وقال أبو القَاسِم: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن هِبَةِ اللَّه الطَّبَريّ- قالا: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن الحُسَين، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قال: حَدَّثَنَا عَمَّار بن الحَسَن، عن سَلَمَة بن الفَضْل، عن ابن إسْحاق، قال: ثمّ سار خَالِدٌ حتَّى نَزَلَ على عَيْن التَّمْر، وأغارَ على أهْلها، فأصَاب منهم، ورابط حِصْنًا بها فيه مُقَاتلةٌ كان كِسْرَى وضعَهُم فيه، وسَبَى من عَيْن التَّمْر فكان من تلك السَّبَايَا أفْلَح مَوْلَى أبي أَيُّوب الأنْصَاريّ، ثمّ أحد بني مَالِك بن النَّجَّار.
أنْبَأنَا أبو حَفص عُمَر بن مُحَمَّد، عن أبي غَالِب بن البَنَّاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين ابن الآبِنُوسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن بِيْري إجَازَةً، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّه الزَّعْفَرَانيّ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي خَيْثَمَة (٢)، قال: أخْبَرَنا مُصْعَبُ بن عَبْدِ اللَّه، قال: أفْلَحُ مَوْلَى أبي أَيُّوب الأنْصَاريّ، يُكْنَى أبا كَثِيْر، وهو من سَبْي عَيْن التَّمْر، وابْنُه كَثِيْر بن أفْلَح وأخوه عَبْد الرَّحمن بن أفْلَح، وأخُوه مُحَمَّد بن أفْلَح، رُوِيَ عنهم.
قال أبو حَفْص: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن نَاصِر، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن خَيْرُون، وأبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، وأبو الغَنائِم بن النَّرْسِيّ، واللَّفْظُ له، قالوا: أخْبرَنا أبو أحمد الوَاسِطيُّ -زادَ ابنُ خَيْرونَ: وأبو الحُسَين الأصْبَهانيّ- قالا: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَهْل، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل (٣)، قال: أفْلَحُ أبو كَثِيْر مَوْلَى أبي أَيُّوب الأنْصَاريّ يُعَدُّ في أهل المَدِينَة. رَأى عُثْمان، وعبد اللَّه بن سَلام، وأبا أَيُّوب. سَمِعَ منه مُحَمَّد بن سِيْرِيْن، وأبو بَكْر بن عَمْرو بن حَزْم، وعبدُ اللَّه بن الحَارِث أبو الوَلِيد. وقال مُوسَى، عن جَرِير: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا: أخْبَرَني أفْلَحُ مَوْلَى أبي أَيُّوبَ، قال لي مُعَاذ بن عَفْرَاءَ في زَمَن عُمَر: بِعْ هذه الحُلَّةَ. كَنَّاهُ يَزِيد بن هارون.
стр. 2406
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، عن أبي البَرَكَات الأنْمَاطِيّ، قال: أخْبَرَنا ثَابِتُ بن بُنْدَار، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليّ الوَاسِطِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد البَابَسِيْريّ، قال: أخْبَرَنا الأحْوَصُ بن المُفَضَّل الغَلَابِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: قال أَبو زَكَرِيَّاءَ: أفْلَح مَوْلَى أبي أَيُّوب كان يُكْنَى أبا كَثِيْر.
وقال أبو البَرَكاَت الأنْمَاطِيّ: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن رَبَاح بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا أبو بِشْر مُحَمَّد بنُ أحْمَد بن حَمَّاد، قال: حَدَّثَنَا مُعاوِيَةُ بن صالح، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى يقول في تَسْمِيَةِ تَابِعي أهل المَدِينَة ومُحَدِّثيهم: أفْلَحُ مَوْلَى أبي أَيُّوب الأنْصَاريّ.
أنْبَأنَا ابن طَبَرْزَد، عن أبي غَالِب بن البَنَّاءِ، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن الفَهْم، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَعْد (١) قال في الطَّبَقَةِ الأُوْلَى من تَابِعي أهل المَدِينَة: أفْلَحُ مَوْلَى أبي أَيُّوبَ الأنْصَاريّ، ويُكْنَى أبا كَثِيْر، قال مُحَمَّد بن عُمَر: وكان أفْلَحُ من سَبْي عَيْن التَّمْر الّذي سَبَى خَالِد بن الوَلِيد في خِلَافَة أبي بَكْر الصِّدِّيْق وبَعَثَ بهم إلى المَدِينَة، وقد سَمعْتُ مَنْ يذْكر أنَّ أفْلَحَ كان يُكْنَى أبا عبد الرَّحمن، وسَمِعَ من عُمَر، وله دارٌ بالمَدِينَة، وقُتِلَ يَوْم الحَرَّة في ذِي الحِجَّة سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين في خِلَافَة يَزِيد بن مُعاوِيَة، وكانَ ثِقَةً قليلَ الحَدِيْث.
أنْبَأنَا الكِنْدِيُّ، عن أبي البَرَكَات الأنْمَاطِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمدُ بن الحَسَن الكَرْخِيّ، وأحمدُ بن الحَسَن بن خَيْرُون، قالا: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن الحَسَن الأصْبَهَانِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد الأهْوَازِيّ، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن أحْمَد الأهْوَازِيّ، قال: حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بن خَيَّاط (٢) قال في الطَّبَقَةِ الثَّانيَة من أهْل المَدِينَة: أفْلَح مَوْلَى أبي أَيُّوب
стр. 2407
خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب، يُكْنَى أبا عبد الرَّحْمن، قُتِلَ يَوْم الحَرَّة سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين.
أخْبَرَنا أبو نَصْرِ مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه القَاضِي، فيما أَذِنَ لَنا في رِوَايته، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن شُجاع، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن يُوسُفَ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عُمَر، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَعْد (٢) قال في الطَّبَقَةِ الأُوْلَى من تَابِعي أهل المَدِينَةِ: أفْلَح مَوْلَى أبي أَيُّوب الأنْصَاريّ، ويُكْنَى أبا عبد الرَّحْمن، وهو من سَبْي عَيْن التَّمْر، الّذين سَبَى خَالِد بن الوَلِيدِ، وله دارٌ بالمَدِينَة، وقُتِلَ يَوْم الحَرَّة سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين.
أنْبَأنَا الكِنْدِيُّ، عن أبي البَرَكَات الأنْمَاطِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن العَتِيْقِيّ، قال: أخْبَرَنا الوَلِيد بن بَكْر، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا صالح بن أَحْمَد، قال: حَدَّثَني أبي (٣)، قال: أفْلَحُ مَوْلَى أبي أَيُّوب مَدَنِيٌّ، تَابِعيٌّ، ثِقَةٌ، من كِبَار التَّابِعِين.
أنْبَأنَا عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه الأسَدِيّ، عن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، قال: أنْبَأنَا أحْمَدُ بن عليّ (٤)، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا عُثْمانُ بن أحْمَد الدَّقَّاق، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أحْمَد بن النَّضْر (a)، قال: حَدَّثَنَا مُعاوِيَةُ بن عَمْرو، عن أبي إسْحاق الفَزَارِيّ، عن ابن عَوْن، عن مُحَمَّد بن سِيْرِيْن، قال: حَلَفَ مَسْلَمَةُ بن مَخْلَد لا يركَبُ معهُ في البَحْر أعْجَميٌّ، فقال له رجُلٌ: ما أراكَ إلَّا قد حَرَمْتَ خَيْر
стр. 2408
الجُنْد، قال: مَنْ هُو؟ قال: أبو أَيُّوبَ، قال: لا أرْكبُ مَرْكبًا ليس معي فيهِ أفْلَحُ، قال: ما كُنْتُ أرَى يَميني بلَغَتْ أفْلَحَ وذوي أفْلَح (a) فلقي أبا أَيُّوب فقال: إنّي كنتُ حلفْتُ ألَّا يركب معي في البَحْر أعْجَميٌّ، فهذه مراكب الجُنْد فاخْتَر أيُّها شئتَ فاحْمل (b) فيه أفْلَحَ، وارْكب أنت معي، فقال: لا حَسَدَ عليك ولا على سَفِيْنَتكَ، ما كنتُ لأركبَ مَرْكبًا ليس معي فيه أفْلَحُ! فلمَّا رأى ذلك أعْتَقَ رَقَبةً، وقال لأفْلَح: اركب مَعَنا.
كَتَبَ إلينا أحْمَدُ بن أزْهَر من بَغْدَاد أنَّ أبا بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي أنْبَأهُم عن أبي مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن الفَهْم الفَقِيهُ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَعْد (١)، قال: أخْبَرَنا يَزِيدُ بن هَارُون، قال: أخْبَرَنا هِشَامُ بن حَسَّان، عن مُحَمَّد بن سِيْرِيْن أنَّ أبا أَيُّوبَ كاتَب أفْلَح على أرْبَعيْن ألفًا، فجعَل النَّاسُ يُهَنِّئُونَه ويقُولونَ: ليهْنكَ العِتْق أبا كَثِيْر. فلمَّا رجَع أبو أَيُّوبَ إلى أهْلِه نَدم على مُكاتَبتهِ، فأرْسل إليه فقال: إنِّي أُحبُّ أنْ تردَّ الكتابَ إليَّ، وأنْ تَرْجع كما كُنْتَ، فقال له ولدُه وأهْلُه: لِمَ ترجع رقيقًا وقد أعْتقكَ اللَّهُ؟ فقال أفْلَح: واللَّه لا يَسْألني شيئًا إلَّا أعطَيْتُه إيَّاهُ، فجاءَه بمُكَاتَبته فكَسَرها، ثمّ مَكثت (c) مَا شَاء اللَّه، ثمّ أرسلَ إليه أبو أَيُّوب فقال: أنتَ حُرٌّ وما كان لك من مالٍ فهو لك.
أخْبَرَنا أبو حَفْص الدَّارْقَزِّيّ، فيما أذِنَ لنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، عن أبي غَالِب بن البَنَّاء، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن بن الآبِنُوسِيّ، عن أحْمَد بن عُبَيْد بن بِيْري، قال:
стр. 2409
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ الحُسَين، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي خَيْثَمَة (١)، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زَيْد، عن أَيُّوبَ وهِشَام، عن مُحَمَّد أنَّ أبا أَيُّوب أعْتَقَ أفْلَحَ وقال: مَالُك لك.
قال (٢): وحَدَّثَنَا مُوسَى بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بن أبي مُطِيع، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن قُرَيْر أنَّ مُحَمَّد بن سيْرِيْن حدَّثه، قال: كان لأفْلَح مَوْلَى أبي أَيُّوب بِرْذَوْن فباعَهُ، فقال له أبو أيُّوب: يا أَفْلَحُ، ما جَعَلَ فُلَانًا أحقّ (a) بحمالةٍ منك؟.
أخْبَرَنا أبو نَصْر القَاضِي إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٣)، قال: أفْلَح، أبو كَثِيْر (b)، ويُقال (c): أبو عبد الرَّحْمن، مَوْلَى أبي أَيُّوبَ الأنْصَاريّ، أدْرَك زمَان عُمَر، ورَأى عُثْمان وعَبْد اللَّه بن سَلام، وحَدَّثَ عن مَوْلاه أبي أيُّوب، رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن سِيْرِيْن، وأبو بَكْر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حَزْم، وابو الوَلِيدُ عَبْدُ اللَّه بن الحَارِث، نَسِيْبُ ابن سِيْرِين، ووَاقِد (d) بنُ عَمْرو بن سَعد بن مُعَاذ، وأبو الوَرْد بن أبي بُرْدَة، وأبو سُفْيان مَوْلَى ابن أبي أحمد، وكان مع مَوْلاهُ أبي أيُّوبَ في مغَازِيه.
أنْبَانَا عُمَرُ بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن الحَسَن، وعليّ بن أحْمَد بن حُمَيْد، قالا: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا عُثْمانُ بن أحْمَد بن السَّمَّاك، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن البَرَاء، قال: أخْبَرَنا عليُّ بن المَدِيْنِيّ، قال: وماتَ أفْلَحُ مَوْلَى أبي أَيُّوبَ سنة ثلاثٍ وسِتِين قبل يوم الحَرَّة.
стр. 2410
قُلتُ: وقد ذَكَرنا فيما نقلنَاهُ أنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الحَرَّة؛ وهو أصَحُّ.
أخْبَرَنا ابن طَبَرْزَد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن نَاصِر، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن خَيْرُون، وأبو الحُسَين بن الطُّيُورِيِّ، وأبو الغَنائِم بن النَّرْسِيّ، واللَّفْظُ لهُ، قالوا: أخْبَرَنا أبو (a) أحْمَد الغُنْدجَانيّ -زادَ ابنُ خَيْرونَ: وأبو الحُسَين الأصْبَهانيّ- قالا: أخْبرَنا أحمد بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن سَهْل، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن إسْمَاعِيل البُخاريّ (١)، قال: قال لي إبْراهيم بن مُوسَى، عن هِشَام بن يُوسُفَ، عن مَعْمَر، قال ابن سِيْرِيْن: قُتِلَ كَثِيْرُ بنُ أفْلَح وأبُوه، وكانا مَوْلَيَيْن لأبي أيُّوبَ الأنْصَاريِّ يَوْمَ الحَرَّهَ، فلَقِيتُه في المَنَام فقُلتُ: أَشُهَداءُ أنتُم؟ قال: لا.
أنْبَأنَا الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو القاسم (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن طَاوُوس، قال: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم بن أبي عُثْمان، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا الحُسَنِنُ بن صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا (٣)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الحُسَينُ، قال: حَدَّثَنَا سَعيدُ بن عَامِر، قال: حَدَّثَنَا هِشَامُ بن حَسَّان، قال: قال مُحَمَّد بن سِيْرِيْن: بينا أنا ذاتَ لَيْلَة نائم إذا رأيتُ أفْلَحَ -أَو كَثيْر ابن أفْلَح، شَكَّ أبو مُحَمَّد، يعني سَعِيْدًا- وكان قُتِلَ يَوْمَ الحَرَّةِ، فعرفْتُ أنَّهُ مَيِّتٌ، وأنِّي نائمٌ، وإنَّما رُؤْيا رأيتُها، فقُلتُ: ألَسْتَ قد قُتِلتَ؟ قال: بَلي، قُلتُ: فما صَنَعْتَ؟ قال: خَيْرًا، قلتُ: أشُهَداءُ أنْتُم؟ قال: لا، إنَّ المُسْلِميْن إذا اقْتَتلُوا فقُتِلَ بينهم قَتْلَى فليسُوا بشُهَدَاء. قال سَعيدٌ: قال هِشَام: كلمةً خَفِيَتْ عليَّ، فقُلتُ لبعض جُلَسائه: ماذا قال؟ قال: ولكنَّا نُدَباء (b).
стр. 2411
أفْلَح العُتَقِيّ الأنْدَلُسِيّ (١)
مولى العُتَقِيِّيْنَ، قَدِمَ حلَبَ في سَنَةِ سَبْعٍ وعشرين، أو ثَمانٍ وعشرين وثَلاثِمائة، وسَمعِ بها من أبي بَكْر مُحَمَّد بن شَهْمَرد (a) الفَارِسيِّ، وسُليْمان بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن رُوَيْط الحَلَبِيّ، وسَمعَ بقِنَّسْرِيْن من أبي البَهِيّ مُحَمَّد بن عبد الصَّمَد القُرَشِيّ، وببَالِس من أبي بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن بَكْر المَعْرُوف بابنِ حَمْدُون.
ذَكَرهُ القَاضِي أبو الوَليدِ عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن يُوسُفَ بن الفَرَضِيُّ الأنْدَلُسِيُّ في كتاب تاريخ الأنْدَلُسِيِّيْن (٢) فقال: أفْلَحُ مَوْلَى مُحَمَّد بن هَارُون العُتَقِيّ، رَأت له كُتبًا من أُسْمِعتهُ (b) بالمَشْرِق سَنَة سَبْعٍ وعشرين، وثَمان وعشرين وثَلاثِمائة ببَغْدَاد من المَحَامِلِيّ، ومن أبي الحَسَن عليّ بن الحَسَن بن العَبْد، وبالرَّقَّة من أبي عليّ مُحَمَّد بن سَعيد بن عبد الرَّحْمن الحَرَّانيّ، وبحَلَب من أبي بَكْر بن شَهْمَرد الفَارِسِيّ، وابن رُوَيْط العَدْلِ (c)، وبدِمَشْقَ من أبي الطَّيِّب أحْمَد بن إبْراهيم بن عَبدِ الوَهَّاب -يُعْرَفُ بابن عَبَادِل- وأبي يَحْيَى زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى بن مُوسىَ القَاضِي البلخِيّ، وأبي عليّ الحَسَن بن حَبِيْب بن عَبْد المَلِك، وبالرَّمْلَة من أبي بَكْر [أحمد بن عَمْرو بن جَابِر، وبقِنَّسْرِيْن من أبي البَهِيّ مُحَمَّد بن عبد الصَّمَد القُرَشِيّ، وببَالِس من أبي بَكْر] (d) مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن بَكْر المَعْرُوف بابنِ حَمْدُون. ولَم أقف لأفْلَحَ هذا على خَبَر إلَّا ما حكيتُه عن كُتُبه (e).
стр. 2412
أفُوْلَا
خَتَن طريانُوس (a) المَلِك، مَرَّ معه بأنْطَاكِيَةَ حتَّى انْتَهى إلى بَيْت المَقْدِس وهو خَرَابٌ، فأمرَهُ المَلِكُ طريانُوس بعِمارَة البَلْدَة، ووَلَّاهُ إيَّاها، وأمَرَهُ أنْ يُسَمِّيها إِيلِيَاء (١)، ومكَّنَهُ من الأمْوَال.
وكان أفُوْلَا حَكِيمًا عَالمًا بالنُّجُوم، فلمَّا رَأى أفُوْلَا الآيات والعَجَائِب الّتي كان تَلَامِيْذُ الحَوَرايِّيْن يَعْملُونها رغبَ في النَّصْرانيَّةِ واعْتَمد وتَنَصَّر، ولم يكن مع ذلك يترُك عَمَل النُّجُوم والسِّحْر الّذي كان قَديْمًا يَعْمل به، فلمَّا رَأى ذلك تَلَاميْذُ الحَوَارِيِّيْن نَهَوْهُ عنه نَهْيًا شَدِيْدًا، فلم ينْتَهِ فحَرَّمُوه وأقْصَوه، فَحَمَلهُ الغَضَبُ والأنَفَةُ والحَيَّةُ إلى أنْ بَعَثَ (b) المَصَاحِفَ الّتي انْتَسَخَها بَطْلَمْيُوس فانْتَسَخَ جَمِيْعَها، ثمّ نزَعَ إلى اليَهُودِيَّةِ فتهوَّد ونَسَخَ (c) مَصَاحِفَ بالعِبْرَانِيَّةِ والسُّرْيَانيَّة من الكَلَام الرُّوميّ من تلْقاءِ نَفْسهِ، والحُجَجِ الباطنَة ما قدَّر أنْ يُبْطِلِ به أمرَ المَسِيْح ومجَيئَهُ وظُهُورَه، فتلك الكُتُب الّتي كَتَبها (d) في أيْدِي اليَهُود إلى يوْمهم هذا، وتَفْسِير الاثْنَين وسَبْعِين مُصْحَفًا الّتي فُسِّرَتْ لبَطْلَمْيُوس في أيْدِي اليُونَانِّيْن إلى هذه الغاية.
ذَكَرَ هذا سَعيدُ بن بِطْرِيْق في تَارِيْخهِ (٢)، ونَقَلْتُه من خَطِّ يَحْيَى بن عليّ بن عَبْد اللَّطِيْف المُؤرِّخ المَعَرِّيّ.
стр. 2413
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ إقْبَال
إقْبَالُ بن مَنْصُور بن أبي الخَيْر بن بَالغ، أبو العِزّ التَّاجر
كَتَبَ عنه بَمْنبج عُمَر بن مُحَمَّد العُلَيْمِيّ المَعْرُوف بابنِ حَوَائج كَشْ (a).
أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّدُ بنُ أحْمَد بن مُحَمّد بن الحَسَن الدِّمَشقيّ النَّسَّابَة بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو الخَطَّاب عُمَرُ بن مُحَمَّد العُليمِيّ -إجَازَةً، ونَقَلْتُه أنا من خَطِّ العُلَيمِيّ- قال: أنْشَدَني أبو العِزّ إقْبَالُ بن مَنْصُور بن أبي الخيَر بن بَالِغ بمَنْبج لمُحَمَّد بن نَصْر بن بَسَّام (١): [من الخفيف]
يا ثَقِيلًا على القُلُوب إذا … عَنَّ لها أيْقَنَتْ بطُوْل البعَادِ
يا قَذًى في العُيُون يا غُلَّةً (b) … بين التَّراقي حَرَارةً (c) في الفُؤَادِ
يا طُلُوع العَذُولِ (d) ما بين إلْفٍ … يا غَرِيْمًا أتَى على ميْعَادَ
يا ركُودًا في يَوْم غَيْم وصَيْفٍ … يا وجُوهَ التِّجار يَوْم الكَسَادِ
خَلّ عَنَّا فإنَّما أنت فينا … واو عَمْرو وكالحَدِيْث المُعَادِ
وامْض في غير صُحْبَةِ اللَّه … ما عشْتَ ملَقًّى من كُلّ فَجّ ووَادِ
يتَخَطَّى بك المَهَامَة والبيْدَ … دَلِيْلٌ أعْمَىِ كَثِيْرُ الرُّقَادِ
خَلْفَكَ الثَّائرُ المُصَمِّمُ بالسَّيْف … ورجْلَاك فوْق شَوْك القَتَادِ
إقْبَالُ بن عَبْد اللَّه الخَادِم
كان خَادِمًا لسَالِم بن مَالِك العُقَيْلِيّ، حَسَنَ الصُّورَة، له في الفُرُوسِيَّة اليدَ
стр. 2414
الطُّولَى، ويَكْتُب الخَطّ البَدِيْع على طَريْقَة عليّ بن هِلال المَعْرُوف بابنِ البَوَّاب، وكان ذَكيًّا فَطِنًا.
كان مع مَوْلاه سَالِم بحَلَب، فأهْدَاه إلى نِظَام المُلك حين توسَّط له مع مَلِك شَاه بقَلْعَة جَعْبَر، وقد ذَكَرنا قِصَّته في تَرْجَمة سَالِم بن مَالِك (١) في حرْف السِّيْن من هذا الكتاب.
إقْبَالُ بن عَبْدِ اللَّه الحَبَشِيُّ الخَادِمُ، المُلَقَّبُ جَمَالُ الدَّوْلةَ (٢)
عَتِيقُ ضَيْفَةَ خَاتُون بنت المَلِك العادِل أبي بَكْر بن أَيُّوب، كان أحد خَدَمها المُخْتَصِّين بها، فسخطَ عليه المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب وقيَّدهُ وحَبَسه في قَلْعَة عَزَاز، فأخْرَجَهُ الأتَابِك طُغْرِل بن عَبْد اللَّه الظَّاهِريّ في ولايَته بعدَ مَوْت (a) المَلِك الظَّاهِر، ولم يمُكنه من الصُّعُود إلى قَلْعَة حَلَب فمَضَى إلى دِمَشْق، واسْتَقلَّ المَلِك العَزِيز مُحَمَّد ابن المَلِك الظَّاهِر بمَمْلَكَة حَلَب، فأعادَتْهُ سيِّدَتهُ والدة المَلِك العَزِيز ضَيْفَة خَاتُون إلى خِدْمتها بقَلْعَة حَلَب.
ولمَّا ماتَ ولدُها المَلِك العَزِيزُ، وصارَ تَدْبِيرُ مَمْلَكَة ولده المَلِك النَّاصِر إلى جَدّتهِ المَذْكُورَة، قدَّمت إقْبَالَ المَذْكُور، وتمكَّن في الدَّولَة، وحَكَم على الأُمَرَاء والرَّعِيَّةِ، وتولَّى أُمُورَ المَمْلَكَة، وحَكَم في حَلَب حُكْم المُلُوك، وكان عنده إقْدامٌ وجُرْأةٌ، وظُلْمٌ وسَمَاحَةٌ، وحُمْقٌ وجَهْلٌ، فدام أمْره كذلك إلى أنْ تُوفيِّت مولَاتُه، فازْدَاد تَمكُّنُه، واسْتَقلَّ بالتَّصَرُّف في المُلْكِ، وأهَان أكَابِرَ الأُمَرَاءِ، وانْقادُوا له إلى أنْ قَدِمَ التَّتَار
стр. 2415
إلى ظَاهِر حَلَب في سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وسِتّمائة، فمرض لشِدَّة خَوْفه في صَفَر من السَّنَة المَذْكُورَة، وتُوفِّيَ في الشَّهْر المَذْكُور، ودُفِنَ في التُّرْبَة الّتي أنْشَأها لنَفْسِه ظَاهِر مَدِينَة حَلَب، ووَقَفها مَدْرسَةً على أصْحَاب الإمَام أبي حَنِيْفَة ﵁ (١).
وممَّا بلَغَ من جُنُونهِ وجَهْله أنَّهُ قال يَوْمًا من الأيَّام، وقد أطْغَاهُ ما هو فيه: أنا خَيْرٌ من رسُول اللَّه ﷺ ، وكان في خِدْمته فرَّاش أعْرفُه، فقال له: تَكْذب يا عَبْدَ السّوءِ، ومَنْ أنْتَ؟ فأمَرَ به فضُرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وهو يشتِمُه إلى أنْ تَرَكَهُ. نعُوذ باللَّه من اللخِذْلان.
وذَكَر لي يَوْمًا أنَّ أباهُ كان مَلِكَ الحَبَشَة، واللَّهُ أعْلَمُ بحاله.
الأقْرَعُ بن فَارع الطَّائيّ
قيل إنَّهُ شَهِدَ فَتْحَ حَلَب مع أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، ﵁، ولهُ ذِكْرٌ في الفُتُوح.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ آقْ سُنْقُر
آقْ سُنْقُر بن عَبْد اللَّه، المَعْرُوف بقَسِيم الدَّوْلَة (٢)
مَمْلُوك السُّلْطان أبي الفَتْح مَلِك شَاه، وقيل إنَّهُ لَصِيقٌ له، وقيل اسْمُ أبيهِ
стр. 2416
إل تُرْغَان (١)، من قَبِيلَة سَاب يُو. نَقَلتُ ذلك من خَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن عليّ العُظَيميّ (٢)، وأنْبَأنَا به أبو اليُمْن الكِنْدِيّ وغيره عنهُ.
وتزوَّج آقْ سُنْقُر دَايَةَ السُّلْطان إِدْرِيس بن طُغان شَاه، وحَظِي عند السُّلْطانِ مَلِك شَاه، وقَدِمَ معَهُ حَلَب في سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعمائة حين قَصَد تاج الدَّوْلَة تُتُش أخاه، فانْهَزَم عن حَلَب، وكان قَصَدها ومَلكهَا السُّلْطان مَلِك شَاه في شَهْر رَمَضَان من سَنَة تْسِعٍ وسَبْعِين، وخرج عنها إلى أنْطَاكِيَة وملكها، وخيَّم على ساحل البَحْر أيَّامًا، وعاد إلى حَلَب، وعيَّدَ بها عِيْد الفِطْر، ورَحَلَ عنها، وقرَّر وِلَايَة حَلَبَ لقَسِيم الدَّولَةِ آقْ سُنْقُر في أوَّل سَنَة ثَمانين وأرْبَعِمائة، فأحْسَن فيها السِّيَاسَةَ والسِّيْرَةَ، وأقام الهَيْبَةَ، وجَمعَ الدُّعَّارَ، وأفْنَى قُطَّاعَ الطَّريق، ومُخِيْفي السُّبُل (a)، وتتبَّع اللُّصُوص والحَراميَّة في كُلِّ مَوضعٍ، فاسْتَأصَل شَأْفَتَهُم، وكتَبَ إلى الأطْرَاف أنْ يفعلُوا مثْل فِعْله لتأمن الطُّرُق وتُسْلك السُّبُل، فشُكِرَ بذلك الفِعْل وأمنَت الطُّرُق والمَسَالك، وسارَ النَّاس في كُلِّ وَجْهٍ (b) بعد امْتِناعهم لخَوْفهم من القُطَّاع والأشْرَار، وعَمِرت حَلَبُ في أيَّامِهِ بسَبَب ذلك بورُودِ التّجَّار إليها والجَلَّابين من جميع الجِهَاتِ، ورغبَ النَّاسُ في المقام بها للعَدْل الّذي أظْهَره فيهم، ﵀.
وفي أيَّامه جَدَّد عِمارَة مَنَارَة حَلَب بالجامع في سَنَة اثنتَيْن وثَمانين وأرْبَعِمائة، واسْمُه مَنْقُوشٌ عليها إلى اليَوْم (٣). وهو الّذي أمرَ ببناء مَشْهَد قَرَنْبِيَّا، ووَقَف عليه
стр. 2417
الوَقْف وأمر بتَجْدِيد مَشْهَد الدَّكَّة.
أخْبَرَني عِزّ الدِّين أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن الأَثِيْر الجَزَرِيّ، قال (١): كان قَسِيمُ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر أحْسَنَ الأُمَرَاءَ سِيَاسَةً لرعيَّتهِ، وحِفْظًا لهم، وكانت بلادُه بين عَدْلٍ عامٍّ، ورُخْصٍ شَاملٍ (a)، وأمنٍ وَاسعٍ، وكان قد شَرَط على أهْل كُلّ قَرْيَة في (b) بلادِهِ متى أُخذ عند أحدِهم (c) قَفْل، أو أحَدٌ من النَّاس، غرَّمَ أهلها جميع ما يُؤخَذُ من الأمْوَالِ من قليل وكَثِيْر، فكانت السَّيَّارة، إذا بلَغُوا قَرْيَةً من بلادهِ، ألْقَوا رحَالَهُم ونَامُوا، وقام أهْلِ القَرْيَة يَحْرسُونَهُم إلى أنْ يَرْحَلُوا (d)، فأمِنَت الطُّرُق، وتحدَّث الرُّكبَانُ بحُسْن سِيْرتهِ.
سَمِعْتُ وَالدِي القَاضِي أبا الحَسَن، ﵀، يقُول لي فيما يَأْثِرهُ عن أسْلَافه: إنَّ قَسِيمَ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر كان قد نادَى في بَلَد حَلَب بأنْ لا يَرْفعَ أحدٌ مَتاعه ولا يحفظُه في طَريق، لِمَا حَصَل من الأمن في بلادِهِ.
قال (٢): فخرَجَ يَوْمًا يصيَّدُ، فَمرَّ على قَرْيَةٍ من قُرَى حَلَب، فوجَد بعض الفَلَّاحِين قد فَرغ من عَمَل الفَدَّان وطَرح عن البَقَر النِّيْرِ ورَفعَهُ على دَابَّةٍ ليحْملَهُ إلى القَرْيَة، فقال له: ألَم تَسْمَع مُناداة قَسِيم الدَّوْلَة بأنْ لا يرْفع أحدٌ مَتاعًا ولا شَيئًا من مَوِضِعه؟ فقال له: حَفِظَ اللَّهُ قَسِيمَ الدَّوْلَة؛ قد أمِنَّا في أيَّامِهِ، وما نَرْفع هذه الآلَة خَوْفًا عليها أنْ تُسْرق، لكن هنا دَابَّةٌ يقال لها ابنُ آوَى تأَتي إلى هذا النِّيْر فتأكُل الجِلْدَ الّذي عليه، فنحنُ نَحْفَظه منها، ونَرْفعُه لذلك.
قال: فعاد قَسِيمُ الدَّوْلَة من الصَّيْد، وأمر الصَّيَّادين (a) فتَتَّبَعُوا بناتِ آوَى في
стр. 2418
بَلَد حَلَب فصَادُوها حتَّى أفنوها من بَلَد حَلَب.
قُلتُ: وهي إلى الآن لا يُوجَد في بَلَد حَلَب منها شيء إلَّا في النَّادر دون غيرها من البِلَادِ.
قَرَأتُ في كتاب عُنْوَان السّيَر، تأليف مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ (١)، قال: وأقْطَع السُّلْطانُ حَلَبَ وقَلْعَتَها مَمْلُوكه آقْ سُنْقُر، ولقَّبَهُ قَسِيم الدَّوْلَة، وذلك في سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فأحْسَن السِّيْرَة، وظَهَرَ منه عَدْل لم يُعْرَف بمثله، واسْتَغَلَّها في كُلِّ يَوْم ألف وخَمْسِمائَة دِيْنار، ولم يزل بها حتَّى قتلَهُ تاجُ الدَّوْلَةِ تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان (a) في سَنَهَ سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة.
قُلتُ: وكان تاج الدَّوْلَة تُتُش قتلَهُ صَبْرًا بينَ يَدَيْهِ بسَبْعِين؛ قَرْيَةٌ من قُرَى حَلَب من نُقْرَة بَني أَسَدٍ على نَهْر الذَّهَب، وقيل: بكَارِس إلى جَنْبها (b) ؛ وذلك أنَّ تُتُش كان قد حَصَل في نَفْسه شيءٌ من قَسِيم الدَّوْلَة، وكان قَسِيمُ الدَّوْلَة يَسْتَصْغرُ (c) أمرَ تُتُش، حتَّى أنَّني قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليِّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ: سَنَة أرْبَعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، وفيها نَزَل تاجُ الدَّوْلَة إلى السُّلْطان، يعني نَزَل تُتُش إلى مَلِكشاه، فلمَّا رآه تَرَجَّل له، وكان في الصَّيْدِ، خِيْفَة أنْ يتَخيَّل منه، وحَضَر هو وقَسِيمُ الدَّوْلَة في حَضْرته، فقال تاجُ الدَّوْلَة تُتُش: كان من الأمْر كَذَا وكذا، فقال له قَسِيم الدَّوْلَة: تَكْذب، فقال له السُّلْطان: تَقُول لأخي كَذَا! قال: نعم، يُطْلِعُ اللَّهُ في عَيْنَيهِ ما يُريدُه لكَ، ويُطْلِعُ في عَيْنيَّ ما أُرِيْدُه لك.
قُلتُ: وعاد تُتُش من خِدْمَةِ أخيهِ (d) إلى دِمَشْق، فلمَّا تُوفِّي السُّلْطان
стр. 2419
مَلِكْشاه برز تاج الدَّوْلَة تُتُش في شَهْر رَبيع الأوَّل من سَنَة سَبْعٍ وثَمانين، وخَرَج معهُ خَلْقٌ من العَرَب، ولَقِيَهُ عَسْكَرُ أنْطَاكِيَة بالقُرْبِ من حَمَاة مع يَغِي سغَان (a)، وسار تاجُ الدَّولَة، وقَطَع العَاصِي في شَهْر رَبيع الآخر من السَّنَة (b)، ورَعى عَسْكَره الزِّرَاعَات، ونَهَب المَوَاشِي وغيرها.
واتَّصَل الخَبَرُ بآقْ سُنْقُر وهو بحَلَب، وكاتَبهُ السُّلْطانُ بَرْكْيَارُق وخَطَبَ له بحَلَبَ، فجَمَع وحَشَد، واسْتَنْجَدَ بمَن يُجَاوره، فوصَل إليه كَرْبُوقَا صَاحِب المَوْصِل، وبُزَان صَاحب الرُّهَا، ويُوسُف بن أَبَق (c) صاحب الرَّحْبَة في أَلفي فَارِس وخَمْسِمائَة فارس، مُنْجِدين قَسِيمِ الدَّوْلَة على تُتُش، وحصَل الجميع بحَلَب، ووَصَل تاج الدَّوْلَة تُتُش إلى الحَانُوتَة، ورَحَلَ منهِا إلى النَّاعُورة (١)، وأغارت خَيْلُه على المَوَاشِي بالنُّقْرَة، وأحْرَقُوا بعض زَرْعها، ورَحَلَ من النَّاعُورَة قَاصِدًا نَحْر (d) الوَادِي؛ وَادِي بُزَاعَا، فتهيَّأ آقْ سُنْقُر للقائه، والخُرُوج إليه، واسْتَدعى مُنَجِّمًا ليأخُذ له الطَّالع فحضَر عندَهُ واخْتَار له وَقْتًا، وقال: تَخْرُج السَّاعَة، فرَكب ومعه النَّجْدَةُ الّتي وَصَلته، وجَمَاعَةٌ كَثِيْرة من بني كِلَاب مع شِبْل بن جَامِع ومُبَارَك بن شِبْل، وكان أطْلَقهما من الاعْتِقَال، ومُحَمَّد بن زَائِدَة، وجَمَاعَة من أحْدَاث حَلَب، والدَّيْلَم والخُرَاسَانيَّة، في أحْسَن زيّ، وأكْمَل عُدَّة. وقيل: إنَّهُ قُدّر عَسْكَره بعشرين ألف فارس، وقيل: كان يَزِيدُ عن ستّة آلاف، وقصدَ تاج الدَّولِة يَوْم السَّبْت (e) التَّاسع من جُمَادَى الأُوْلَى من السَّنَة، وقَطَع آقْ سُنْقُر سَوَاقي نَهَر سَبْعِين قَاصِدًا عَسْكَر تُتُش، فأقامُوا على حالهم، وكان أوَّلَ من بَرَز للحرْب آقْ سُنْقُر، فالْتَقَى الفَرِيْقان.
стр. 2420
ولم يثق آقْ سُنْقُر بمَن كان معه من العَرَب، فنَقَلهم من المَيْمَنَة إلى المَيْسَرة في وَقْت المَصَافّ، ثمّ نَقَلهُم إلى القَلْب، فلم يغْنُوا شيئًا، وحمل عَسْكَر تُتُش على عَسْكَر آقْ سُنْقُر، فلم يثْبت، وانْهَزَمت العَرَبُ وعَسْكر كَرْبُوقَا وبُزَان -وكَرْبُوقَا وبُزَان معهم- إلى حَلَب، ووَقَع فيهم القَتْل، وثَبَت قَسِيم الدَّوْلَة، فأُسِر وأكْثَرُ (a) أصْحَابه، وحُمِلَ إلى تاج الدَّوْلَة تُتُش، فلمَّا مثَل بينَ يَدَيْهِ أمَرَ بضَرْب عُنقه وأعْنَاق بعض خَواصِّه ودخَل تُتُش إلى حَلَب ومَلَكها على ما نَذْكُره في تَرْجَمَتِهِ (١) إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وبَلَغَني أنَّ تاج الدَّوْلَة تُتُش قال لقَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر لمَّا أُحْضر بينَ يَدَيْه: لو ظفرتَ بي ما كُنْتَ صَنَعْت؟ قال: كُنْتُ أقتُلك، فقال له تُتُش: فأنا أحْكم عليك بما كُنْتَ تَحْكُم عليَّ، فقتلَهُ صَبْرًا.
وقَرأتُ بخَطِّ بعض الحَلَبِيِّيْن أنَّ السُّلْطانَ مَلِك شَاه ابن العَادِل وصَل -يعني إلى حَلَب- في شَعْبان سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين، فتسَلَّم البَلَد والقَلْعَة، وسَلَّمهما إلى قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر، فأقَامَ بحَلَب ثَمان سنين فقُتِل بكَارِس من أرْض النُّقْرَة؛ نُقْرَة بَني أَسَد في صَفَر سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، قتَلَهُ تاج الدَّوْلَة تُتُش ابن العَادِل.
وقَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن مَسْعُود بن الحُصَيْن الشَّيْبَانِيّ في تَارِيْخهِ (٢): في جُمَادَى الأُوْلَى -يعني سَنَة سَبْعٍ وثمانين- كان المَصَافُّ بين تاج الدَّولَة تُتُش وبين الأَمِيرَين (b) آقْ سنْقُر وبُوْزَان ومَنْ أمَدَّهمُا بهِ بَرْكْيَارُوق قَريبًا من حَلَب، فلمَّا الْتَقَى الصَّفَّان اسْتأمن ابن أبَق إلى تُتُش وانْهَزَم الباقُون، وأسِرَ آقْ سُنْقُر، فجيء به إلى تُتُش، ففال له تُتُش: لو ظفرت بي ما كُنتَ صَانِعًا فيَّ؟