إل تُرْغَان (١)، من قَبِيلَة سَاب يُو. نَقَلتُ ذلك من خَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن عليّ العُظَيميّ (٢)، وأنْبَأنَا به أبو اليُمْن الكِنْدِيّ وغيره عنهُ.
وتزوَّج آقْ سُنْقُر دَايَةَ السُّلْطان إِدْرِيس بن طُغان شَاه، وحَظِي عند السُّلْطانِ مَلِك شَاه، وقَدِمَ معَهُ حَلَب في سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعمائة حين قَصَد تاج الدَّوْلَة تُتُش أخاه، فانْهَزَم عن حَلَب، وكان قَصَدها ومَلكهَا السُّلْطان مَلِك شَاه في شَهْر رَمَضَان من سَنَة تْسِعٍ وسَبْعِين، وخرج عنها إلى أنْطَاكِيَة وملكها، وخيَّم على ساحل البَحْر أيَّامًا، وعاد إلى حَلَب، وعيَّدَ بها عِيْد الفِطْر، ورَحَلَ عنها، وقرَّر وِلَايَة حَلَبَ لقَسِيم الدَّولَةِ آقْ سُنْقُر في أوَّل سَنَة ثَمانين وأرْبَعِمائة، فأحْسَن فيها السِّيَاسَةَ والسِّيْرَةَ، وأقام الهَيْبَةَ، وجَمعَ الدُّعَّارَ، وأفْنَى قُطَّاعَ الطَّريق، ومُخِيْفي السُّبُل (a)، وتتبَّع اللُّصُوص والحَراميَّة في كُلِّ مَوضعٍ، فاسْتَأصَل شَأْفَتَهُم، وكتَبَ إلى الأطْرَاف أنْ يفعلُوا مثْل فِعْله لتأمن الطُّرُق وتُسْلك السُّبُل، فشُكِرَ بذلك الفِعْل وأمنَت الطُّرُق والمَسَالك، وسارَ النَّاس في كُلِّ وَجْهٍ (b) بعد امْتِناعهم لخَوْفهم من القُطَّاع والأشْرَار، وعَمِرت حَلَبُ في أيَّامِهِ بسَبَب ذلك بورُودِ التّجَّار إليها والجَلَّابين من جميع الجِهَاتِ، ورغبَ النَّاسُ في المقام بها للعَدْل الّذي أظْهَره فيهم، ﵀.
وفي أيَّامه جَدَّد عِمارَة مَنَارَة حَلَب بالجامع في سَنَة اثنتَيْن وثَمانين وأرْبَعِمائة، واسْمُه مَنْقُوشٌ عليها إلى اليَوْم (٣). وهو الّذي أمرَ ببناء مَشْهَد قَرَنْبِيَّا، ووَقَف عليه
стр. 2417
الوَقْف وأمر بتَجْدِيد مَشْهَد الدَّكَّة.
أخْبَرَني عِزّ الدِّين أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن الأَثِيْر الجَزَرِيّ، قال (١): كان قَسِيمُ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر أحْسَنَ الأُمَرَاءَ سِيَاسَةً لرعيَّتهِ، وحِفْظًا لهم، وكانت بلادُه بين عَدْلٍ عامٍّ، ورُخْصٍ شَاملٍ (a)، وأمنٍ وَاسعٍ، وكان قد شَرَط على أهْل كُلّ قَرْيَة في (b) بلادِهِ متى أُخذ عند أحدِهم (c) قَفْل، أو أحَدٌ من النَّاس، غرَّمَ أهلها جميع ما يُؤخَذُ من الأمْوَالِ من قليل وكَثِيْر، فكانت السَّيَّارة، إذا بلَغُوا قَرْيَةً من بلادهِ، ألْقَوا رحَالَهُم ونَامُوا، وقام أهْلِ القَرْيَة يَحْرسُونَهُم إلى أنْ يَرْحَلُوا (d)، فأمِنَت الطُّرُق، وتحدَّث الرُّكبَانُ بحُسْن سِيْرتهِ.
سَمِعْتُ وَالدِي القَاضِي أبا الحَسَن، ﵀، يقُول لي فيما يَأْثِرهُ عن أسْلَافه: إنَّ قَسِيمَ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر كان قد نادَى في بَلَد حَلَب بأنْ لا يَرْفعَ أحدٌ مَتاعه ولا يحفظُه في طَريق، لِمَا حَصَل من الأمن في بلادِهِ.
قال (٢): فخرَجَ يَوْمًا يصيَّدُ، فَمرَّ على قَرْيَةٍ من قُرَى حَلَب، فوجَد بعض الفَلَّاحِين قد فَرغ من عَمَل الفَدَّان وطَرح عن البَقَر النِّيْرِ ورَفعَهُ على دَابَّةٍ ليحْملَهُ إلى القَرْيَة، فقال له: ألَم تَسْمَع مُناداة قَسِيم الدَّوْلَة بأنْ لا يرْفع أحدٌ مَتاعًا ولا شَيئًا من مَوِضِعه؟ فقال له: حَفِظَ اللَّهُ قَسِيمَ الدَّوْلَة؛ قد أمِنَّا في أيَّامِهِ، وما نَرْفع هذه الآلَة خَوْفًا عليها أنْ تُسْرق، لكن هنا دَابَّةٌ يقال لها ابنُ آوَى تأَتي إلى هذا النِّيْر فتأكُل الجِلْدَ الّذي عليه، فنحنُ نَحْفَظه منها، ونَرْفعُه لذلك.
قال: فعاد قَسِيمُ الدَّوْلَة من الصَّيْد، وأمر الصَّيَّادين (a) فتَتَّبَعُوا بناتِ آوَى في
стр. 2418
بَلَد حَلَب فصَادُوها حتَّى أفنوها من بَلَد حَلَب.
قُلتُ: وهي إلى الآن لا يُوجَد في بَلَد حَلَب منها شيء إلَّا في النَّادر دون غيرها من البِلَادِ.
قَرَأتُ في كتاب عُنْوَان السّيَر، تأليف مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ (١)، قال: وأقْطَع السُّلْطانُ حَلَبَ وقَلْعَتَها مَمْلُوكه آقْ سُنْقُر، ولقَّبَهُ قَسِيم الدَّوْلَة، وذلك في سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فأحْسَن السِّيْرَة، وظَهَرَ منه عَدْل لم يُعْرَف بمثله، واسْتَغَلَّها في كُلِّ يَوْم ألف وخَمْسِمائَة دِيْنار، ولم يزل بها حتَّى قتلَهُ تاجُ الدَّوْلَةِ تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان (a) في سَنَهَ سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة.
قُلتُ: وكان تاج الدَّوْلَة تُتُش قتلَهُ صَبْرًا بينَ يَدَيْهِ بسَبْعِين؛ قَرْيَةٌ من قُرَى حَلَب من نُقْرَة بَني أَسَدٍ على نَهْر الذَّهَب، وقيل: بكَارِس إلى جَنْبها (b) ؛ وذلك أنَّ تُتُش كان قد حَصَل في نَفْسه شيءٌ من قَسِيم الدَّوْلَة، وكان قَسِيمُ الدَّوْلَة يَسْتَصْغرُ (c) أمرَ تُتُش، حتَّى أنَّني قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليِّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ: سَنَة أرْبَعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، وفيها نَزَل تاجُ الدَّوْلَة إلى السُّلْطان، يعني نَزَل تُتُش إلى مَلِكشاه، فلمَّا رآه تَرَجَّل له، وكان في الصَّيْدِ، خِيْفَة أنْ يتَخيَّل منه، وحَضَر هو وقَسِيمُ الدَّوْلَة في حَضْرته، فقال تاجُ الدَّوْلَة تُتُش: كان من الأمْر كَذَا وكذا، فقال له قَسِيم الدَّوْلَة: تَكْذب، فقال له السُّلْطان: تَقُول لأخي كَذَا! قال: نعم، يُطْلِعُ اللَّهُ في عَيْنَيهِ ما يُريدُه لكَ، ويُطْلِعُ في عَيْنيَّ ما أُرِيْدُه لك.
قُلتُ: وعاد تُتُش من خِدْمَةِ أخيهِ (d) إلى دِمَشْق، فلمَّا تُوفِّي السُّلْطان
стр. 2419
مَلِكْشاه برز تاج الدَّوْلَة تُتُش في شَهْر رَبيع الأوَّل من سَنَة سَبْعٍ وثَمانين، وخَرَج معهُ خَلْقٌ من العَرَب، ولَقِيَهُ عَسْكَرُ أنْطَاكِيَة بالقُرْبِ من حَمَاة مع يَغِي سغَان (a)، وسار تاجُ الدَّولَة، وقَطَع العَاصِي في شَهْر رَبيع الآخر من السَّنَة (b)، ورَعى عَسْكَره الزِّرَاعَات، ونَهَب المَوَاشِي وغيرها.
واتَّصَل الخَبَرُ بآقْ سُنْقُر وهو بحَلَب، وكاتَبهُ السُّلْطانُ بَرْكْيَارُق وخَطَبَ له بحَلَبَ، فجَمَع وحَشَد، واسْتَنْجَدَ بمَن يُجَاوره، فوصَل إليه كَرْبُوقَا صَاحِب المَوْصِل، وبُزَان صَاحب الرُّهَا، ويُوسُف بن أَبَق (c) صاحب الرَّحْبَة في أَلفي فَارِس وخَمْسِمائَة فارس، مُنْجِدين قَسِيمِ الدَّوْلَة على تُتُش، وحصَل الجميع بحَلَب، ووَصَل تاج الدَّوْلَة تُتُش إلى الحَانُوتَة، ورَحَلَ منهِا إلى النَّاعُورة (١)، وأغارت خَيْلُه على المَوَاشِي بالنُّقْرَة، وأحْرَقُوا بعض زَرْعها، ورَحَلَ من النَّاعُورَة قَاصِدًا نَحْر (d) الوَادِي؛ وَادِي بُزَاعَا، فتهيَّأ آقْ سُنْقُر للقائه، والخُرُوج إليه، واسْتَدعى مُنَجِّمًا ليأخُذ له الطَّالع فحضَر عندَهُ واخْتَار له وَقْتًا، وقال: تَخْرُج السَّاعَة، فرَكب ومعه النَّجْدَةُ الّتي وَصَلته، وجَمَاعَةٌ كَثِيْرة من بني كِلَاب مع شِبْل بن جَامِع ومُبَارَك بن شِبْل، وكان أطْلَقهما من الاعْتِقَال، ومُحَمَّد بن زَائِدَة، وجَمَاعَة من أحْدَاث حَلَب، والدَّيْلَم والخُرَاسَانيَّة، في أحْسَن زيّ، وأكْمَل عُدَّة. وقيل: إنَّهُ قُدّر عَسْكَره بعشرين ألف فارس، وقيل: كان يَزِيدُ عن ستّة آلاف، وقصدَ تاج الدَّولِة يَوْم السَّبْت (e) التَّاسع من جُمَادَى الأُوْلَى من السَّنَة، وقَطَع آقْ سُنْقُر سَوَاقي نَهَر سَبْعِين قَاصِدًا عَسْكَر تُتُش، فأقامُوا على حالهم، وكان أوَّلَ من بَرَز للحرْب آقْ سُنْقُر، فالْتَقَى الفَرِيْقان.
стр. 2420
ولم يثق آقْ سُنْقُر بمَن كان معه من العَرَب، فنَقَلهم من المَيْمَنَة إلى المَيْسَرة في وَقْت المَصَافّ، ثمّ نَقَلهُم إلى القَلْب، فلم يغْنُوا شيئًا، وحمل عَسْكَر تُتُش على عَسْكَر آقْ سُنْقُر، فلم يثْبت، وانْهَزَمت العَرَبُ وعَسْكر كَرْبُوقَا وبُزَان -وكَرْبُوقَا وبُزَان معهم- إلى حَلَب، ووَقَع فيهم القَتْل، وثَبَت قَسِيم الدَّوْلَة، فأُسِر وأكْثَرُ (a) أصْحَابه، وحُمِلَ إلى تاج الدَّوْلَة تُتُش، فلمَّا مثَل بينَ يَدَيْهِ أمَرَ بضَرْب عُنقه وأعْنَاق بعض خَواصِّه ودخَل تُتُش إلى حَلَب ومَلَكها على ما نَذْكُره في تَرْجَمَتِهِ (١) إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وبَلَغَني أنَّ تاج الدَّوْلَة تُتُش قال لقَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر لمَّا أُحْضر بينَ يَدَيْه: لو ظفرتَ بي ما كُنْتَ صَنَعْت؟ قال: كُنْتُ أقتُلك، فقال له تُتُش: فأنا أحْكم عليك بما كُنْتَ تَحْكُم عليَّ، فقتلَهُ صَبْرًا.
وقَرأتُ بخَطِّ بعض الحَلَبِيِّيْن أنَّ السُّلْطانَ مَلِك شَاه ابن العَادِل وصَل -يعني إلى حَلَب- في شَعْبان سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين، فتسَلَّم البَلَد والقَلْعَة، وسَلَّمهما إلى قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر، فأقَامَ بحَلَب ثَمان سنين فقُتِل بكَارِس من أرْض النُّقْرَة؛ نُقْرَة بَني أَسَد في صَفَر سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، قتَلَهُ تاج الدَّوْلَة تُتُش ابن العَادِل.
وقَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن مَسْعُود بن الحُصَيْن الشَّيْبَانِيّ في تَارِيْخهِ (٢): في جُمَادَى الأُوْلَى -يعني سَنَة سَبْعٍ وثمانين- كان المَصَافُّ بين تاج الدَّولَة تُتُش وبين الأَمِيرَين (b) آقْ سنْقُر وبُوْزَان ومَنْ أمَدَّهمُا بهِ بَرْكْيَارُوق قَريبًا من حَلَب، فلمَّا الْتَقَى الصَّفَّان اسْتأمن ابن أبَق إلى تُتُش وانْهَزَم الباقُون، وأسِرَ آقْ سُنْقُر، فجيء به إلى تُتُش، ففال له تُتُش: لو ظفرت بي ما كُنتَ صَانِعًا فيَّ؟
стр. 2421
قال: أقتلُكَ، قال: فإنِّي أحْكُم عليك بحُكْمك فيَّ، وقتلَهُ.
قال: وكان آقْ سُنْقُر من أحْسَنِ النَّاسِ سياسَةً، وآمنِهم رعيَّةً وسَابِلةً (a).
وقَرأتُ بخَطِّ أبي مَنْصُور هِبَة اللَّه بن سَعْد اللَّه بن (b) الجِبْرَانِيّ الحَلَبِيّ: الصَّحيحُ أنَّ قَسِيم الدَّوْلَة قُتِلَ يَوْم السَّبْت عَاشِر جُمَادَى الآخرة سَنَة سَبْعٍ وثمان وأرْبَعِمائة.
ونَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَن عليّ بنِ مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ: سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، فيها كانت وَقْعَةُ قَسِيم الدَّوْلَة [آقْ] (c) سُنْقُر وتاج الدَّوْلَة يَوْم السَّبْت تاسع جُمَادَى الأُوْلَى. وذلك أنَّ تاج الدَّوْلَة لمَّا أراد العُبُورَ مُحْتَفيًا ليَمْضي إلى خُرَاسَان، فبلغَ خَبَرُه قَسِيمَ الدَّوْلَة، فخَرَجَ إليه، فقال لأصْحَابه: الْحَقُوني بحِبَال لِكتَاف الأسْرَى اسْتِصْغَارًا لهم، فقال سُكْمَان بن أُرْتُق: حركش هُم -أي أَرَانب هم (d) -؟ ولَم يَتَمهَّل إلى حين تَصِلهُ خَيْلهُ، فَمضَى واسْتَعْجل، فكَسَره تاجُ الدَّوْلَة بأرْض تُبَّل (e)، وأسَرَه ورَحَلَ من مَوضِع الكَسْرة إلى حَلَب فَملَكَها، واسْتَولَى على المواضع الّتي كانت لقَسِيم الدَّولَة،
стр. 2422
وجلسَ في قَلْعَة حَلَب، وشَرِب فيها.
وأحْضَر قَسِيم الدَّوْلَة، حَدَّثَنَا رُوْمِي بن وَهْب، قال: حَضَرْتُه وقد أحْضَر قَسِيمَ الدَّوْلَة، فدَخل وفي رَقَبته بَنْدُ قبائهِ يُسْحَبُ، فلا واللَّه إنْ أنْكَرتُ من عِزَّة نَفْسه شيئًا ممَّا كُنْت أعْرفه، فما زال يَمْشي حتَّى وقعَتْ عَيْنُه على تاج الدَّولَة، فجلسَ وأدَارَ ظَهْرَهُ إليه، فسَحَبُوه وكلَّمُوه، فما رَدَّ جَوَابًا ولا تحرَّكَ. فقام إليهِ تاجُ الدَّوْلةَ فكلَّمه، فلم يردّ له جَوَابًا مَرَّتَين أو ثلاثةً، فضربَ رَقَبَتهُ بيده، وقَطَع رأسَهُ فطِيْفَ به البِلَاد وحُمِلَت جُثَّتُه فدُفِنَت عند مَشْهَد قَرَنْبِيَّا (a)، وبَقي لَيْلتَين.
وسار تاجُ الدَّوْلَة إلى خُرَاسَان، وبقي قَسِيم الدَّوْلَةِ في قَبْره، وقد طُوِّف برأسِه إقْلِيْمِ الأرْض من الشَّام، من سَنَة خَمْسٍ وثَمانين إلى سَنَة ستٍّ وعشرين، إلى حين وَلّى السُّلْطانُ والخَلِيفَة المُسْتَرْشِد باللَّه ولدَهُ زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر وهو عمَاد الدِّين، عُدَّة (b) مَلِك الأُمَرَاء بَهْلَوَان جَهَان، عمَّر له مَدْرَسَةً تولَّى أمْرَهَا الشَّيْخُ الأجَلُّ الفَقِيهُ الإمَامُ أبو طَالِب ابن العَجَميِّ، ووَقَف عليها ضَيْعَتين يُسَاوي مُغِلّهما ألف دِيْنار كُلّ سَنَة، وعمر بها عِمارَةً مُعْجِزَةً، ونقَل رمَّتَهُ إليها؛ رأيتُها في سَنَة سَبْعٍ وعشرين ولم تكُن كملَت، وهي تزيد عن الوَصْف، وجَعَلَ قَبْرَهُ قُبَالَة البَيْت المَسْجِد من الشَّمال، وأجْرى إليها قناةَ ماءٍ، وغَرس وسطها، وجَعَل القَبْرَ مثْلَ قَبْر أبي حَنِيْفَة ﵁.
هكذا نَقَلْتُ من خَطِّ ابن مُنْقِذ، وفيه أَوْهَام! من جُمْلتها أنَّهُ قال: فكَسَره تاج الدَّوْلَة بأرض تُبَّل. وليس كذلك، بل بأرض سَبْعِين أو كَارِس من نُقْرَة بَني أَسَد. وتُبَّل ليست من هذه الكُورَة، وبينهما مَسَافَة يوم.
ومن جُمْلَةِ أَوْهَامه أنَّهُ قال: جلَس في قَلْعَة حَلَب، وضَرَب رقَبَةَ آقْ سُنْقُر
стр. 2423
فيها. وليس الأمْر كذلك، بل ضَرَب رَقَبته عَقِيب الكَسْرة بسَبْعِين، أو كَارِس، ورُوْمِي بن وَهْب حَكَى له صُوْرة قَتْله، لا أنَّهُ كان بحَلَب، والّذي قَتَله تاج الدَّوْلَة صَبْرًا بحَلَب هو بُزَان صَاحِب الرُّهَا، وكان انْهزَم في هذه الوَقْعَة إلى حَلَب. فلمَّا دَخَلَها تاجِ الدَّوْلَة أحْضَره وقَتله، وقيل: بل أسَرَهُ وحَمَله إلى حَلَب فقتَلَهُ على ما نَذْكرهُ في تَرْجَمَتِهِ (١) إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى.
وقال: بقي قَسِيم الدَّوْلَة في قَبْره من سَنَة (a) خَمْسٍ وثَمانين إلى سَنَة ستٍّ وعشرين. وهذا طُغْيَان من القَلَم، فإنَّ قَسِيم الدَّوْلَة قُتِلَ سَنَة سَبْعٍ وثمانين، وقد ذَكَرهُ كذلك.
وقال: عمَّر -يعني ولده زَنْكِي- لهُ مَدْرَسَةً، ووَقَفَ عليها ضَيْعَتين. والمَدْرَسَة لم يُعمِّرِها زَنْكِي، بل عمَّرها سُليْمان بن عَبْد الجَبَّار بن أُرْتُق، وابْتدأ في عمارتها في سَنة سَبْع عَشرة، واسْمُه وتاريخ عِمَارتها (b) على جِدَارها، لكنَّ قسِيمَ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر لمَّا قُتِلَ دُفِنَ إلى جانب مَشْهَد قَرَنْبِيَّا بالقُبَّة الصَّغيرة المَبْنِيَّة بالحَجِارَة من غَرْبيّ المَشْهَد، وكان قَسِيمُ الدَّوْلَة بني مَشْهَدَ قَرَنْبِيَّا لمنامٍ رَآهُ بعض أهْل زَمانهِ، ووَقَف عليه وَقْفًا، فدُفِنَ إلى جَنْبه، وعَمر على قَبْره تلك القُبَّة. فلمَّا مَلَك زَنْكِي حَلَب آثَرَ أنْ يَبْني لأبيهِ مكانًا ينقُله إليه، وكانت المَدْرَسَةُ بالزَّجَّاجِين لم تتمّ، وكان شَرَفُ الدِّين أبو طَالِب بن العَجَمِيّ هو الّذي يتولَّى عِمارَة هذه المَدْرسَة، فأشار على زَنْكِي أنْ يَنقُل أَباه إليها فنَقَله، وتَمَّم عِمارَة المَدْرَسَة، ووَقَف على مَنْ يَقْرأ على قَبْره القَرْيَة المَعْرُوفة بشَامَر (٢)، وهي جَارِيَة إلى الآن، وأمَّا كَارِس الّتي هي وقْفٌ
стр. 2424
على المَدْرَسَة، فأظُنُّها وَقْف سُليْمان بن عَبْد الجَبَّار.
وأخْبرَني أبو حَامِد عَبْد اللَّه بن عبد الرَّحْمن بن العَجَمِيِّ، قال: أراد أتَابِكُ زَنْكِي أنْ يَنْقُل أباهُ إلى مَوضِع يُحدِّدُه عليه، ويَلِيْق به، فقال له أبي: أنا قد عَمرت هذه المَدْرَسَة بالزَّجَّاجِين، وسأله أنْ يَنْقل أباهُ إليها ففَعل، واتَّخذ الجانب الشَّمالي تُرْبَة لأبيهِ، ولمَنْ يَمُوتُ من ولده وغيرهم.
وحَكَى لي والدي ﵀: أنَّ أتَابِكَ زَنْكِي لمَّا نَقَل أباه من قَرَنْبِيَّا، وأدْخَله إلى مَدْرَسَة الزَّجَّاجِين (a) لَم يُدْخَل به من باب من أبْوَاب مَدِينَة حَلَب، وأَنَّهم رَفعُوه من بعض الأسْوَار ودلُّوه إلى المَدِينَة، لأنَّهم يَتَطَّيرُونَ بدُخُول المَيَّت إلى البَلْدَة.
قال لي أبي: ووَقَف زَنْكِي القَرْيَة المَعْرُوفة بشَامَر على تُرْبَةِ أبيهِ آقْ سُنْقُر ﵀.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد (B) بن عليّ بن مُحَمَّد العُظَيْميّ (١)، وأنْبَأنَا به عنهُ (C) المُؤيَّد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ وغيره، قال: سَنَة ثَمانين وأرْبَعِمائة دَوْلة قَسِيم الدَّوْلَة وَزِيره أبو العِزّ بن صَدَقَة، فيها استقرَّت الرُّتْبَةُ بحَلَبَ للأمير قَسِيمِ الدَّوْلَةِ آقْ سُنْقُر من قِبَل السُّلْطانِ العَادلِ أبي الفَتْح، وتوطَّدَتْ له الأُمُور بها، وأقام الهَيْبَة العَظِيمَة الّتي لا يقْدر عليها أحدٌ من السَّلَاطين، وأظْهَرَ فيها من العَدْل والإنْصَاف مع تلك الهَيْبَة ما يطُول شَرْحُه. ورَخُصَتِ الأسْعارُ في أيَّامِهِ الرُّخْصَ الزَّائد عن الحَدّ، وقَرَّب الحَلَبِيِّيْن وأحبَّهم الحُبَّ المُفْرِط، وأحَبُّوه أضْعَاف ذلك، وأقام
стр. 2425
الحُدُودَ، وأحْيا أحْكَام الإسْلَام، وعمَّر الأطْرَافَ، وآمَنَ السُّبُل، وقَتَل قُطَّاع الطُّرُقات، وطَلَبَهُم في كُلَّ فَجٍّ، وشَنَق منهم خَلْقًا، وكُلَّما سَمِعَ بقَاطِع طَريق في مَوضِع قد قَصَدَه، وأخَذَهُ، وصَلَبهُ على أبْوَاب المَدِينَة. وكَثُرت في أيَّامِهِ الأمْطَار، وتفَجَّرت العُيُون والأنْهَار، وعَامَل أهلَ حَلَب من الجَمِيل بما (a) أحْوَجَهُم أنْ يتَوارثُوا الرَّحْمَة عليه إلى آخر الدَّهْر.
قال (١): وفيها -يعني سَنَة إحْدَى وثَمانين وأرْبَعِمائة- خرَجَ الأَمِيرُ قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر، ﵀، يُوَدَّع تَابُوت زَوْجَته خَاتُون دَايَةَ السُّلْطان أبي الفَتْح (b) ؛ ماتَتْ بحَلَب، وقيل: إنَّهُ جلَسَ وفي يَده سِكِّين، فأوْمأ بها إليها، فوقعَت في مَقْتَل وهوِ غير مُتَعمِّد لها، فماتَتْ في الحال، فوضعها في تَابُوت، وحُمِلَت إلى الشَّرْق، وخرَجَ لوَدَاعها يَوْم الاثْنَين مُسْتَهَلّ جُمَادَى الآخرة.
وقال (٢): سَنَة أرْبَعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، فيها تسلَّم الأَمِير قَسِيم الدَّوْلَة قَلْعَة أفَامِيَة من يد ابن مُلاعِب يَوْم الخَمِيْس ثالث رَجَب. وشَحَنَ بها بعض بني مُنْقِذ.
وقال (٣): سَنَة ستٍّ وثَمانين وأرْبَعِمائة، فيها فتَحَ الأَمِيرُ قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر ومعه تاجُ الدَّوْلَة مَدِينَة نَصِيبِيْن يَوْم الاثْنَين ثامن (c) رَبيِع الأوَّل، وقيل: في صَفَر. حَدَّثني بهذا وَالدِي الرَّئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد العُظَيْميّ، قال: كُنْتُ مع الأَمِيرِ قَسِيم الدَّوْلَة في هذا الفَتْح.
стр. 2426
قال: وفيها شَرَّقَ قَسِيمُ الدَّوْلَة، ﵀ (a)، إلى بَغْدَاد إلى عند السُّلْطان بَرْكْيَارُق (b) بن أبي الفَتْح. وعاد إلى حَلَب في شَوَّال سَنَة ستٍّ وثَمانين.
قال (١): سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، وكان قَسِيمُ الدَّوْلَة عاد إلى حَلَب والْتَقَى هو وتاج الدولة، فكَسَر تاجُ الدَّوْلَة قَسِيمَ الدَّوْلَة وقَتَله على نَهْر سَبْعِين شَرْقيّ حَلَب سَابِع جُمَادَى الأُوْلَى. وقيل: يَوْم السَّبْت تاسع جُمَادَى الأُولَى، وأصْبح تاجُ الدَّوْلَة يَوْم الأَحَد على حَلَب ومعه رأسُ الأَمِير قَسِيم الدَّوْلَة، ﵀، فتسلَّم تاج الدَّوْلَة مَدِينَة حَلَب العَصْر من (c) يَوْم الأَحَد عاشر جُمَادَى الأُوْلَى، وتسلَّم القَلْعَة يَوْم الاثْنَين، وقُتِلَ مع قَسِيم الدَّوْلَة، ﵀، أرْبَعة عَشر مُقَدَّمًا منهم تختكِيْن (d) شِحْنَة بَغْدَاد، وقْجْقر شِحْنَة حَلَب، وطُغان، وإِسْرَائِيل، وقُتِلَ بحَلَب غُلَامه طُغْريل (e)، وله حِكايَة مَعْرُوفة، وعليّ بن السُّلَيْمَانِيّ، وأخُوه، ومُحَمَّد البُخاريّ الّذي قفَز على أنْطَاكِيَة، وأخواجه أبو القَاسِمِ، والطُّنْدكِيْنيّ مع سُليْمان، والطّرنطاس خاص مَلِك شَاه. وانْهَزَم إلى حَلَب بُزَان وكَرْبُوقَا، ويُوسُف بن أَبَق. فأمَّا بُزَان فإنَّهُ قُتِلَ.
стр. 2427
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
آقْ سُنْقُر بن عَبْد اللَّه البُرْسُقِيّ (١)
وقيل: اسْمُه سُنْقُر، وكان مَمْلُوكَ الأَمِير بُرْسُق مَمْلُوك السُّلْطان [مُحَمَّد بن مَلِكشَاه] (a)، فترَقَّت بهِ الحالُ إلى أنْ وَلَّاهُ السُّلْطان مَحْمُود بن مُحَمَّد (b) المَوْصِلَ ووَلَّاهُ شِحْنَكِيَّة بَغْدَاد، وتَقْدمة عَسْكَرها في أيَّام المُسْتَرْشِد، ثمّ عُزل عن شِحْنَكِيَّة بَغْدَاد في سَنَة ثَماني عَشرةَ وخَمْسِمائَة فوصَل إلى المَوْصِل، واسْتَدعَاهُ الحَلَبِيُّونَ إلى حَلَب -وقد حصَرَهم الفِرِنْج وضاق بهم الأمْر- فوصَل إليهم في سَنة ثَماني عَشرةَ وخَمْسِمائَة، ورَحل الفِرِنْج عنها، ومَلَك حَلَب، وأحْسَن إلى أهْلها، وعَدَل فيهم، وأزال المُكُوس والمَظَالِم، ووَقَعَ إليَّ فُسْخَة التَّوْقِيع الّذي كتَبَهُ لأهْل حَلَب بإزالة المُكُوس والضَّرَائِب، وتَعْفيَة آثار الظُّلْم والجوْر.
وكان (c) ﵀، على ما يُحْكَى، حَسَنَ الأحْوَال، كَثِيْرَ الخَبْر، جَمِيلَ
стр. 2428
النِّيَّة، كَثِيْرَ الصَّلاة والتَّهَجُّدِ والعِبَادَة والصَّوْم، وكان لا يَسْتَعين في وُضُوءه بأحدٍ، وقُتِلَ ﵀ شَهِيْدًا وهو صَائمٌ.
وكان من حديثه في مُلْك حَلَب واسْتيلائهِ عليها: أنَّ بَلَك بن بَهْرَام بن أُرْتُق لمَّا قُتِلَ بمَنْبِج مَلَك ابن عمّه تَمُرْتاش بن إيلْغَازِي بن أُرْتُق نَفْسه، فباع تَمُرْتاش بَغْدوين مَلِك الفِرِنْج وكان أسِيْرًا في يد بَلَك، فباعَهُ نَفْسه، وهَادَنَهُ وأطْلقَه، ومات شَمْسُ الدَّولَة ابن إيلْغَازِي صاحبُ مَارِدِين، فتوجَّه تَمُرْتاش إليها واشْتَغَل بمُلك مَارِدِين وبلَادِ أخيهِ (a)، فلمَّا عَلِم بَغْدوين بذلك غَدَر بالهُدْنَة، واتَّفق هو ودُبَيْسُ بن صَدَقَة، وإبْراهيمُ ابن المَلِك رِضْوَان بن تُتُش على أنْ نازلُوا حَلَب، واتَّفَقُوا على أنْ تكون البِلاد للمُسْلِمينِ وأنَّ حَلَب لإبْراهيِمَ ابن المَلِك رِضْوَان لأنَّها كانتَ لأبيهِ، وأنْ تكُون الأمْوَال للفِرِنْج، وطال حصَار حَلَب وأشْرَفَتْ على الاسْتِيْلَاءَ عَليها، وبلغَ بهم الضُّرّ إلى حالهَ عَظِيِمَة حَتَّى أكلوا المَيْتَات والجِيَف، ووقَع فيهم المَرَضُ، فحَكَى لي وَالدِي أَنَّهم كانُوا في وقت الحِصَار مُطَرَّحِين من المَرَض في أزقَّة البلد، فإذا زحفَ الفِرِنْج، وضُرِبَ بُوق الفَزع قامُوا كأنَّما أُنْشِطُوا من عِقَال، وقاتَلُوا حتَّى يردُّوا الفِرِنْج، ثمّ يعُود كُلّ واحدٍ من المَرْضى إلى فرَاشِهِ، وما زالوا في هذه الشِّدَّةِ إلى أنْ أعانهُم اللَّه بقَسِمِ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيَّ، فأخْلَص النِّيَّةَ للَّه في نُصْرتهم، ووصَل إلى حَلَب في ذِي الحَجَّة من سَنَة ثَماني عَشرةَ وخَمْسِمائَة، وأغاثَ أهْلها، ورحَّل العَدُوّ عنها، وكانت رَغبات المُلُوك فيها إذ ذاك قليلة، لمُجَاوَرَة الفِرِنْج لها وخَرَابِ بلَدها وقلَّةِ رَيْعِهِ، واحْتَياجِ مَنْ يكُون مُسْتوليًا عليها إلى الخَزَائن والأمْوَال والنَّفَقَة في الجُنْد.
فأخْبَرَني والِدي أبو الحَسَن أحْمَدُ وعَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد، وحَدِيثُ أحدهما رُبَّما يَزِيد
стр. 2429
على الآخر، قالا (١): سَمِعْنا جَدّك -يَعْنيان أباهما أبا الفَضْل هِبَة اللَّه- يقُول: لمَّا اشْتَدَّ الحِصَارُ على حَلَب، وقلَّتِ الأقْوَاتُ بها، وضاق الأمْرُ بهم، اتَّفَق رأيُهم على أنْ يُسَيِّرُوا: أَبِي؛ القَاضِي (a) أبا غَانِم قاضي حَلَب، والشَّريف زُهْرة، وابن الجِلِّيّ، إلى حُسام الدِّين تَمُرْتاش إلى مَارِدِين وكان هو المُستَولي [على] (b) حَلَب، وهي في أيْدي نوَّابهِ، وقد تَركها ومَضَى إلى مَارِدِين، واشْتَغَل بمُلْك تلك البِلاد عن حَلَب.
قال: فاتَّفَقُوا على ذلك، وأخْرَجُوا أبي والشَّريف وابن الجِلِّيّ ليلًا من البَلَد، فلمَّا أصْبَح الصَّبَاحُ، صَاح الفِرِنْج إلى أهْل البلَدِ: أين قاضِيكم وأينَ شَرِيفُكُم؟ قال: فانْقَطَعت ظُهُورُنا وتشوَّشَت قُلُوبُنا، وأيقنَّا بأنَّهم ظَفرِوا بهم، فوصَلَنا منهم كتابٌ يُخْبر أنَّهم قد وصَلُوا إلى مكانٍ أُمِنَ عليهم بالوُصُول، فطابت قُلُوب أهل حَلَب لذلك.
قال عَمَّي ووَالدي: فسَمِعْنا والدنا يَقُول: سَمِعْتُ أبِي أبا غَانِم يَقُول (c): لمَّا وصَلنا إلى مَارِدِين، ودخَلنا على حُسام الدِّين تَمُرْتاش، وذَكَرنا له ما حَلَّ بأهْلِ حَلَب وما هُم فيه من ضِيْقِ الحِصَار والصَّبْر، وَعَدَنا بالنَّصْرِ، وأنَّهُ يتوجَّه إليها ويُرَحِّل الفِرِنْجَ عنها، وأنْزَلنا في مكانٍ بمَارِدِين، وجعلْنا نُطالبُه بما وَعَد وهو يُدَافعُنا من يَوْمٍ إلى يَوْم، وكان آخرُ كلامه أنْ قال (b): خَلُّوهم إذا أخَذُوا حَلَب عُدْتُ وأخَذْتُها، فقُلْنا في أنفُسنا: ما هذا إلَّا فُرْصَة، وقُلْنا له: لا تَفْعل ولا تُسْلِم المُسْلمِيْن إلى عَدُوّ الدِّين! فقال: وكيف أقْدرُ على لقائهم في هذا الوَقْت؟ فقال له القَاضِي أبو غانم: وأيْشٍ هُم حتَّى لا تَقْدر عليهم؟ ونحنُ أهْلُ البَلَدِ إذا وصَلْتَ إلينا نَكْفيكَ أمْرَهُم.
قال القَاضِي أبو الفَضْل: فكتبتُ كتَابًا من حَلَب إلى والدي أبي غَانِم أُخبرُه فيه بما حَلَّ بأهل حَلَب من الضُّرّ، وأنَّهُ قد آل الأمرُ بهم إلى أكل القِطَاط
стр. 2430
والكِلَاب والمَيْتة، فوقَع الكتابُ في يد تَمُرْتاش، وشَقّ عليه، وغَضِب، وقال: انظُروا إلى جَلَدِ هؤلاءِ الفَعَلَة الصَّنَعَة، قد بلغَ بهم الأمْر إلى هذه الحالة، وهم يَكْتُمون ذلك ويتجَلَّدُون ويُغرونني ويقُولونَ: إذا وصلْتَ إلينا نَكْفك أمْرهم!.
قال القَاضِي أبو غَانِم: فأمرَ تَمُرْتاش بأنْ يُوكَّلَ علينا، فوُكِّل بنا مَنْ يَحْفظنا خَوْفًا أنْ نَنْفَصل عنه إلى غيره، فأعْمَلْنا الحِيْلَة في الهَرَب إِلى المَوْصِل، وأنْ نَمْضي إلى البُرْسُقِيّ ونَسْتَصْرخُ به ونَسْتَنْجدُه، فتحَدَّثنا مع مَن يُهَرِّبُنا، وكان للمَنْزِل الّذي كنَّا فيه بابٌ يَصرُّ صَرِيرًا عَظيْمًا إذا فُتحَ أو أُغْلق، فأمَرنا بعض أصْحَابنا أنْ يَطْرح في صَائر الباب زيْتًا ويُعالجه لنَفْتَحه عند الحاجَة ولا يَعْلمُ الجَمَاعَةُ المُوَكَّلُون بنا إذا فَتَحناهُ بما نحن فيهِ، ووَاعَدْنا الغِلْمَانَ إذا جَنَّ اللَّيْل أنْ يَسْرجُوا الدَّوَابّ ويأتُونا بها، ونَخْرُجُ خفْيَةً في جَوْف اللَّيْل ونَرْكَب ونَمضِي.
قال: وكان الزَّمانُ شتاءً، والثَّلْجُ كَثِيْرٌ على الأرْض. قال القَاضِي أبو غَانِم: فلمَّا نام المُوَكَّلُون بنا، جاءَ الغِلمَانُ بأسْرهم إلَّا غُلَامي يَاقُوت، وأخْبَر غِلْمَانَ رفاقي أنْ قَيد الدَّابَّةِ تعَسَّر عليه فَتْحه وامْتَنع كَسْره، فضَاقت صُدُورنا لذلك، وقلتُ لأصْحَابي: قُومُوا أنتُم وانْتَهزوا الفُرْصَة ولا تَنْتَظروني، فقامُوا وركِبُوا والدَّلِيْل معهم يدُلّهم على الطَّريق، ولَم يعْلَم المُوكَّلُون بنا بشيءٍ ممَّا نحنُ فيه، وبَقيْتُ وَحْدِي من بينهم مُفَكِّرًا لا يأخُذني نوْمٌ حتَّى كان وقتُ السَّحَرِ فجاءني يَاقُوتُ غُلَامِي (a) بالدَّابَّةِ، وقال: السَّاعَةَ انْكَسَر القَيْد، قال: فقُمْتُ وركبتُ لا أعْرفُ الطَّريقَ، ومَشيْتُ في الثَّلْج أطلبُ (b) الجِهَة الّتي أقْصدها.
قال: فما طَلع الصُّبْح إلَّا وأنا وأصْحَابي الّذين سَبَقُوني في مكانٍ واحدٍ وقد سَارُوا من أوَّل اللَّيْل وسِرْتُ من آخره، وكانُوا قد ضَلُّوا عن الطَّريق، فنَزلنا
стр. 2431
جَمِيعًا، وصَلَّينا الصُّبْحَ، وركبْنَا، وحَثَثْنَا دَوَابَّنا، وأعمَلْنا السَّير حتَّى وصَلْنا المَوْصِل، فوجَدْنا البُرْسُقيِّ مَرِيْضًا قد أشْفَى (a)، وهو يُسْقَى أمْرَاقَ الفَراريْج المَدْقُوقة، فأُعْلِم بمَجِيْئنا، فأَذِنَ لنا، فدَخَلْنا عليه، ووجَدْناهُ مَرِيْضًا مُدْنِفًا، فشَكَونا إليه وطَلَبْنا منه أنْ يُغِيْث المُسْلمِيْن، وذَكَرنا له ما حَلَّ بهم من الحِصَار والضِّيْق وقِلَّة الأقْوَات، وما آلَ إليه أمْرُهُم، فقال: كيف لي (b) بالوُصُول إلى ذلك، وأنا على ما تَرَون؟ فقُلْنا له: يَجْعَل المَوْلى في نِيَّته وعَزْمه إنْ خلَّصَهُ اللَّه من هذا المَرَض أنْ ينْصُر المُسْلمِيْن، فقال: إيْ واللَّه، ثمَّ رفَع رأسَهُ إلى السَّماءِ وقال: اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهدُكَ على أنَّني إِنْ عُوْفيتُ من مَرَضي هذا لأنصُرَنَّهُم، قال: فما اسْتَتمَّ ثلاثة أيَّام حتَّى فارَقَتهُ الحُمَّى واغْتَذى (c)، ونادَى في عَسْكَره للغَزَاة (d)، وبرَّز خَيْمَتَهُ، وخرَجَتْ عَسَاكِرُه وعَملوا أشْغْالَهم، وتوجَّه بهم حتَّى أتى حَلَب، فلمَّا قارَبها، وأشْرَفتْ عَسَاكِرُه من المرتّب رَحَل الفِرِنْجُ، ونزلوا على جَبَل جَوْشَن وتأخَّروا عن المَدِينَة، وسَاق إلى أنْ قارب المَدِينَة وخَرَجِ أهْلها إلى لقائهِ، فقَصَد نحو الفِرِنْج وأهلُ البَلَد مع عَسْكَره، فانْهَزَم الفِرِنْجُ بين يَديه، وهو يَسِيْرُ وراءهم على مَهْل حتَّى أبْعَدُوا عن البَلَد، فأرْسَل الشَّاليْشِيَّة وأمرَهُم بردِّ العَسْكَر.
قال: فجعَل القَاضِي أبو الفَضْل بن الخَشَّاب يقول له: يا مَوْلَانا، لو ساقَ المَوْلَى خلفَهُم أخَذْناهُم بأسْرهم فإنَّهم مُنْهَزمُونَ، قال: فقال له: يا قاضي، كُن عَاقِلًا، أتَعْلم أنَّ في بلدكم ما يقُوم بكم وبعَسْكَري لو قُدِّرَ -والعِيَاذُ باللَّه- علينا كَسْرةٌ من العَدُوّ؟ فقال: لا، فقال: فما يُؤْمننا أنْ يكْسِرُونا ونَدْخل البَلَد ويَقْوَوا علينا فلا نَنْفَع أنْفُسَنا!؟ واللَّهُ تعالَى قد دَفعَ شرَّهُم فنَرجعُ (e) إلى البَلَد ونُقَوّيه، ونُرتِّب أحْوَاله وبعد ذلك نَسْتَعدَّ لهم ويكون ما يُقدِّره اللَّه تعالى ونَرْجو إنْ شَاء اللَّهُ أَنَّنا
стр. 2432
نَلْقاهم ونَكْسِرهم، قال: ورجَع ودَخَل البَلَد ورَتَّب الأحْوَال وجلبَ إليهِ الغلَالَ وأمن النَّاس واسْتَقَرُّوا.
قال: وكان ذلك في آذَار، فجعَل النَّاس يأخُذُون الحِنْطَة والشَّعِير ويَبُلُّونها بالماءِ ويَزْرَعُونها، فاسْتَغَلَّ النَّاسُ في تلك السَّنَة مُغلًا صَالِحًا. هذا مَعْنى ما حَدَّثَني به وَالدِي وعَمِّي.
ونَقَلْتُ من خَطِّ عَبْد المُنْعِم بن الحَسَن بن اللُّعَيْبَة الحَلَبِيّ: دَخَلت سَنَة تِسْعَ عَشْرةَ وخَمْسِمائَة، ووَصَلَت العَسَاكِر من الشَّرْق، ومُقدَّمها آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ، وكان الإفْرَنْج نزلوا على حَلَب في شَهْر رَمَضَان سَنَة ثَماني عَشرةَ وخَمْسِمائَة، وحَاصَرُوها، وضَيَّقُوا على أهلها، ومَضَى القَاضِي ابنُ العَدِيْم والأشْرَاف، وقَوْمٌ من مُقَدَّمِي أهْلها مُسْتَصْرِخينَ لأنَّهُ ما كان بقي من أخْذها شيء، فوصَل البُرْسُقِيُّ معهم في مُحَرَّم سَنَة تِسْعِ عَشْرة وخَمْسِمائَة، ونَزَل بَالِس. وكانت رُسُلهُ مُذْ وصَل الرَّحْبَةَ مُتَوَاترةٌ إلى حِمْص ودِمَشْق يَسْتَدعي مالكها، وسَار الأَميرُ صَمْصَامُ الدِّين عن حِمْص في أوَّل رَبيع الأوَّل، فلقي الأَمِير قَسِيم الدَّوْلةَ البُرْسُقِيّ بتَلِّ السُّلْطان (a) بعد انفصالِهِ عن حَلَب، وانْهزام الإفْرَنْجُ عنها، وكان سَرَى إليهم من بَالِس، ووَصَل إلى حَلَب، وخَرَج أهْلُ حَلَب ونَهَبُوا من خِيَامِ الإفْرَنْج مِقْدَار المائة خَيْمَة من على جَبَل جَوْشَن، وما بقي من هَلَاكهم شيء، لكنَّ اللَّه أَمْسَكَ أيْدِي التُّرْك عنهم بمَشِيئته.
قَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن الحُصَيْن في تَارِيْخهِ في حَوَادِث سَنَة ثَماني عَشرة وخَمْسمائة (b): وفي ثاني عَشْرِيّ ذي حجَّتها دَخَل البُرْسُقِيّ إلى حَلَب، وفي غَده رحَل الفِرنْجُ عن حَلَب.
стр. 2433
قُلتُ: وبعد أنْ أقام البُرْسُقِيّ بحَلَب، ورَتَّب أحْوَالها، تَرَك ولدَهُ بها، وعادَ إلى المَوْصِل فقَتَلهُ الإسْمَاعِيْليَّةُ بها على ما نَذْكُره.
قال لي شَيْخُنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الجَزَرِيّ (١): كان آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ خَيِّرًا، عَادِلًا، لَيِّنَ الأخْلَاق، حَسَنَ العِشْرة مع أصْحَابهِ.
قال لي (٢): أخْبَرَني أبي مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم، قال: حَكَى بعض الغِلْمَان الّذين كانوا يَخْدمُون البُرْسقِيّ، قال: كان يُصَلِّي البُرْسُقِيّ كُلَّ لَيْلَةٍ صلاةً كَثِيْرةً، وكان يتوضَّأ هو بنَفْسه ولا يَسْتَعِين بأحدٍ. قال: فرأيتُهُ في بعض ليالي الشِّتَاءَ بالمَوْصِل وقد قام من فراشه، وعليه فَرجيَّة وَبَرٍ صَغيرةٌ، وبيدِه إبْرِيْق نُحاسٍ، وقد قَصَدَ دِجْلَةَ ليأخُذَ ماءً يتوضَّأ بهِ، قال: فلمَّا رأيتُهُ قُمْتُ إليه لآخُذَ الإبْرِيْق من يده، فمنعَني، وقال: يا مِسْكِين، ارْجع إلى مكانك فإنَّهُ بَرْدٌ، فاجْتَهَدْتُ به لأخْذِ الإبْرِيْق من يده، فلم يَفْعل، ولَم يزل حتَّى ردَّني إلى مكاني ثمّ توضَّأ ووَقَفَ يُصَلِّي.
قال: وذَكَر لي من أحْوَاله الحَسَنةِ أشْيَاءَ يَطُول ذِكْرُها.
سَمِعْتُ شَيْخَنا الصَّاحِبَ قاضِى القُضَاة بَهَاءَ الدِّين أبا المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم، يقُول: كان البُرْسُقِيّ دَيِّنًا عَادِلًا. قال: وممَّا يُؤْثَر عنهُ أنَّهُ قال يَوْمًا لقاضي المَوْصِل -أظُنُّه المُرْتَضَى بن الشَّهْرَزُورِيّ-: أُرِيْدُ أنْ تسُاوِي بين الرَّفِيعْ والوَضِيعْ في مَجْلِس الحُكْم، وأنْ لا يَخْتَصّ أُولُو الهَيْئات والمَرَاتِب بزيادةِ احْترام في مَجْلِس الحُكْم، فقال له القَاضِي: وكيفَ لي بذلك؟ فقال: ما لهذا طَرِيقٌ إلَّا أنْ تَرْتادَ خَصْمًا يُخَاصمُني في قَضِيَّةٍ ويَدْعُوني إلى مَجْلِس الحُكْم، وأحْضُر إليك وتَلْتَزم معي ما تَلْتزمُه مع خَصْمِي، وسَوْف أُرْسِل إليك خَصْمًا لا تَشُكّ في أنَّهُ خَصْمٌ لي، ويدَّعي عليَّ
стр. 2434
بدَعْوَى، فادْعُني حينئذٍ إلى مَجْلِس الحُكْم لأحْضُر إليكَ. وجاءَ إلى زَوْجَتِه الخَاتُون ابْنَة السُّلْطان مَحْمُود -فيما أظُنّ- وقال لها: وَكِّلِي وَكِيْلًا يُطالبُني بصَدَاقك، فوَّكَلَتْ وَكِيلًا، ومَضَى الوَكِيل إلى مَجْلِس الحُكْم، وقال: لي خُصُومَةٌ مع قَسِيم الدَّوْلَة البُرْسُقِيّ وأطْلبُ حُضُورَهُ إلى مَجْلِس الحُكْم، فسَيَّر القَاضِي إليهِ ودَعَاهُ، فأجابَ، وحَضَر مَجْلِسَ الحُكْم، فلم يَقُم له القَاضِي، وسَاوَى بينَهُ وبين خَصْمِه في تَرْك القيام والاحْترَام، وادَّعَى عليه الوَكِيلُ وأثْبَتَ الوَكَالة، واعْتَرَفَ البُرْسُقِيّ بالصَّدَاق، فأمَرَهُ القَاضِي بدَفْعه إليه فأخَذَهُ، وقام إلى خِزَانته ودفَع إليه الصَّدَاقَ.
ثمّ إنَّهُ أمَرَ القَاضِي أنْ يتَّخذ مِسْمَارًا على باب دَاره يُخْتم عليه بشَمْعَة، وعلى المِسْمَار مَنْقُوش: أجِبْ دَاعِيَ اللَّه، وأنَّه من كان له خَصْم حَضَر، وخَتَم بشَمْعَة على ذلك المِسْمَار ويَمْضي بالشَّمْعَة المَخْتُومة إلى خَصْمه كائنًا مَنْ كان، ولا يَجْسُر أحَدٌ على التَّخَلُّف عن مَجْلِس الحُكْمِ.
قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ: وسُنْقُر البُرْسُقِيّ وَلي العِرَاق سنين، وبَلَغ مَبْلَغًا عَظيْمًا، ثمّ وَلي ديار مُضَر ودَارُ مُلكْهِ المَوْصِل، ثمّ حَلَب، وكَثِيْرًا من مُدن الشَّام، وجَاهَد الإفْرَنْج، ثمّ قَتَلَهُ بعض المَلَاحِدَة، لَعَنَهُم اللَّهُ، وكان سَيْفًا عليهم، قلَّما يُرى في جَيْشه مثْله، ﵀ ورَضِي عنه. رَأيتُه بالعِرَاق في حال ولَايته وبالشَّام قبل أنْ وليها.
قال لي عِزّ الدِّين أبو الحَسَن بن الأَثِيْر (١): في سَنَة عشرين وخَمْسِمائَة قُتِل آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيُّ بالجامع العَتِيق (a) بالمَوْصِل بعد الصَّلاةِ يَوْمَ الجُمُعَة؛ قَتَلَهُ بَاطِنِيَّةٌ، وكان رَأى تلك اللَّيْلة في مَنامِهِ أنَّ عدَّةً من الكِلَاب ثَارُوا به، فقَتَل بَعْضَها، ونالَ
стр. 2435
منهُ الباقُونَ أذًى شَدِيْدًا، فقَصَّ رُؤياه على أصْحَابه، فأشَاروا عليه بتَرك الخُرُوج من دَاره عدَّة أيَّامٍ، فقال: لا أترك الجُمُعَةَ لشيءٍ أبدًا، وكان يَشْهَدُها في الجَامِع مع العَامَّةِ، فحضَر الجَامعَ على عَادَتِه، فثَار به من البَاطِنِيَّة ما يَزِيدُ على عَشَرةِ أنْفُسٍ، فقَتَل بيدِه منهم ثلاثةً، وقُتِلَ ﵀.
قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَوَارِس حَمْدَانَ بن عبد الرَّحيم في تَارِيْخهِ الّذي جَمَعَهُ (١)، ووَقَعَ إليَّ منه أوْرَاق نَقَلْتُ منها في حَوَادِث سَنَة عشْرين وخَمْسِمائَة: أنَّ البُرْسُقِيّ سَلَّم حَلَبَ وتَدْبِيرها إلى وَلدِه الأَمِير عِزّ الدِّين مَسْعُود فدَخَلَ حَلَب، وأجْمَل السِّيْرَة وتحلَّى (a) بفعل الخَيْر، وسار أبوه إلى المَوْصِل والجَزِيرَتَيْن، وما هو جَارٍ في مَمْلكته حتَّى دخَل شَهْرُ ذي القَعْدَة من السَّنَة، فلمَّا كان يَوْم الجُمُعَة تَاسِع الشَّهْر قصَد الجامِعَ بالمَوْصِل ليُصَلِّي جَمَاعَةً، ويَسْمَع الخاطب كما جَرَت عادتُهُ في أكْثر الجُمَع، فدَخَل الجامعِ وقصَد المِنْبَر، فلمَّا قَرُبَ منه، وَثَبَ عليه ثَمانيةُ نَفَرٍ في زيّ الزُّهَّادِ فاخْتَرَطُوا خَنَاجِرَ وقَصَدُوه، وسَبَقوا (b) الحَفَظَةَ الّذين حولَهُ فضَرَبُوه حتَّى أثْخَنُوه، وجَرَحُوا قَوْمًا من حَفَظَته، وقَتَل الحَفَظَةُ منهم قَوْمًا، وقَبَضُوا قَوْمًا، وحُمِلَ البُرْسُقِيّ بآخر رَمَقِهِ إلى بَيْتِهِ، وهَرَب كُلُّ مَنْ في الجَامِع، وبطَلَتْ صَلَاةُ الجُمُعَةِ، ومات الرَّجُلُ من يَوْمهِ، وقَتَل أصْحَابُهُ مَن بَقي في أيْديهم من البَاطِنِيَّة، ولم يُفْلِت منهم سوى شَابٌّ كان من كَفَر نَاصِح (٢)؛ ضَيْعَة من عَمَل عَزَاز من شَمالي حَلَب.
стр. 2436
قال حَمْدَان، فيما نَقَلْتُهُ من خَطِّه: وحَدَّثَني رَجُلٌ منها أنَّهُ كان له والدةٌ عَجُوزُ لمَّا سَمِعَتْ بفَتْكَةِ البُرْسُقِيّ، وكانت تَعْرف أنَّ وَلدَهَا من جُمْلَة مَنْ نُدِبَ لقَتْلِهِ، فرحتْ واكْتَحَلَتْ، وجَلَسَتْ مَسْرُورةً كأنَّهُ عندها يَوْمُ عِيْدٍ، وبعد أيَّام وصَلَها سَالِمًا، فأحْزَنَها ذلك، وقامَتْ جزَّتْ شَعْرَها وسَوَّدَتْ وَجْهَها.
الأَكْوَع بن عَبَّادٍ المُزَنِيّ (١)
قيل إنَّهُ شَهِدَ فَتْحَ حَلَبَ مع أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، ﵁، ولهُ ذِكْرٌ في الفُتُوح.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ ألْب أرَسْلَان
ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بك بن سَلْجُوق بن تُقَاق (٢) بن سَلْجُوق، وقيل: سُلْجُق (٣)
وله ولكُلِّ واحدٍ من آبائه اسْم آخر بالعَرَبِيَّة، واسْمُه بالعَرَبِيَّةِ: مُحَمَّد بن دَاوُد بن
стр. 2437
مِيْكائِيل بن سُلَيمان، أبو شُجَاع بن أبي سُليْمان المُلَقَّب بالعَادِل النُّوْرِيّ، أصْلهم من قَرْيَة يقال لها النُّور.
وتُقَاق أوَّل مَنْ دَخَل منهم في الإسْلَام، وتُقَاق بالتُّرْكيَّةِ: القَوْس من الحَدِيد، وقيل في نَسَب سُلْجُق الأعْلَى: هو سُلْجُق بن دَاوُد بن أَيُّوَب بن دُقَاق بن إلْيَاس بن بَهْرَام بن يُوسُف بن عَزِيْز (١).
مَلَك ألْب أَرَسْلَان خُرَاسَان بعد أبيه جَغْرِي بك، وفَتَح العِرَاقَ من يد ابن عَمِّ أبيهِ قُطَلْمش بن إِسْرَائِيل سَنَة ستٍّ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، واسْتَقرَّ في السَّلْطَنَة حين تُوفِّي عَمُّه السُّلْطان طُغْرِلبِك في الثَّامن من شهر رَمَضَانَ سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، وكان ولي عَهْد عمّه، لأنَّ عمَه لَم يكُن له نَسْل، فملَّكَ ألْب أَرسْلَان بعده، وهو أوَّلُ مَنْ ذُكِرَ على مَنَابِرِ بَغْدَاد بالسُّلْطان.
وقَدِمَ حلَبَ مُحَاصِرًا لها، وفيها مَحْمُود بن نَصْر بن صاِلح بن مِرْدَاس، سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، فدام على حِصَارها إلى أنْ خَرج إليه مَحْمُود مع والدته السَّيّدة، فأنْعَم عليهِ بحَلَب، وسار إلى اللك ديُوجَانسِ (a) وقد خَرَج من القُسْطَنْطِينيَّة، فالْتَقاه وأَسَره، ثمّ مَنَّ عليه وأطْلَقَهُ (٢)، وغَزَا الخَزَر والأَبْخَاز، وبلغَ ما لم يبْلغُ أحد من المُلُوك. وكان مَلِكًا عَادِلًا مَهِيْبًا مُطَاعًا.
حدَّثني والدِي، ﵀، يَأْثِرهُ عن سَلَفِهِ، قال: قَدِمَ السُّلْطانُ -يعني ألْب أَرَسْلَان- وحَاصَر حَلَبَ، وكان نازلًا بمَيْدَان باب قِنَّسْرِيْن، ونصَبَ على
стр. 2438
بُرْج الغَنَم مِنْجَنِيْقًا، وتَواترَ ضَرْبُ المِنْجَنِيْق عليه، فأخَذَ عَوامُّ حَلَب شُقَّة أطْلَس وربطُوها على ذلك البُرْج اسْتزاءًا به، يَعْنُون أنَّ البُرْج قد صدَّعه رَأسُه من ضَرْب المِنْجَنِيْق، فسَأل السُّلْطان عِن ذلك، فقالوا: إنَّهمِ قد عَصَّبُوا البُرْج، يَعْنُونَ أنَّ البُرْج قد صَدَّعَهُ رأسُه من ضَرْب المِنْجَنِيْق، وقد عصَّبُوه على رأسه ليَسْتريح من الصُّدَاع الّذي يلحَقُه من ضَرْب المِنْجَنِيْق.
قال: فاسْتَشَاط السُّلْطانُ غَضَبًا، وفرَّق تلك اللَّيْلةَ في عَسْكَره كَذَا كَذَا ألف (١) فرْدَة نُشَّاب من الخَلَنْج غير ما كان من غيرها، وباكَرَ البَلَد بالزَّحْف حتَّى أشْرَفَ (a) على الأخْذِ، فخرَجَت إليه السَّيِّدة (٢) أُمّ مَحْمُود ومعها ابنها مَحْمُود، وحَمَلا مَفاتِيْح البَلَدِ والقَلْعَة ودَخَلا تحت طَاعته، ووطئا بسَاطة، والنَّاسُ في خِدْمته بالمَيْدَان صفَّان (b)، فدخَلَتْ وأبْنُها بين الصَّفَّيْن، وجَعَلا يُقَبِّلان الأرْض خِدْمَة له حتَّى انْتَهيا إليهِ، فأكْرَمهما وقال للسَّيِّدة: أنْت السَّيِّدةُ؟ فقالت: سَيِّدةُ قَوْمي، فاسْتَحْسَن ذلك منها، وردَّ البَلَد على ابنها وأكْرَمَهُ، وعاد إلى المَدِينَة مُكَرَّمًا مَسْرُورًا.
قال: وقَصَد بتَطْويل الحِصَار تَعْظيمَ البَلْدة لكونها مجُاورةً للرُّوم، فيَقَع عندهم أنَّ هذا السُّلْطان -مع عِظَم قَدْره، وكَثْرة عَسَاكِره- نَزَل عليها هذه المُدَّة، ولم يَنَل منها ما أراد، فلا يَطْمَعُ فيها العَدُوّ.
وقيل إنَّ السَّيِّدة أقامَتْ في البَلَد، وخَرَج مَحْمُودُ إليه، وأنَّ دُخُولَها عليه كان بالرُّها، توجَّهت إليهِ وهو مُتَوَجِّهٌ إلى حَلَب، فسَألها: أنْتِ السَّيِّدة؟ فأجابته بما ذَكَرَناهُ.
стр. 2439
وقَرأتُ بخَطِّ أبي الفَوَارِس حَمْدَان بن عبد الرَّحيم (١): أنَّ مَحْمُودًا ووالدتَهُ خَرَجا إليه، فعَفَا لهما عن حَلَب بعد أحدٍ وثَلاثين يَوْمًا من مَقامهِ. وسَمِعَ أنَّ مَلِك الرُّوم ديُوجَانِس قد خَرَجَ من القُسْطَنْطِينِيَّة على طَريق الثُّغُور والدُّرُوب، فرَحَلَ عن حَلَب بعد خُرُوج مَحْمُود إليه بخَمْسة أيَّام، وقصدَهُ حتَّى لحقَهُ على مَنَازْكِرْد، فحاربه حتَّى هَزَمَهُ، وأسَر مَلِكَ الرُّوم، وغَنِم مُعَسْكَره، وكانت عدَّة التُّرْك ستمائة ألف رَجُل.
وقَرأتُ في بعض التَّوَاريخ الّتي لم يُسَمّ جَامِعُها: أنَّ ألْب أَرَسْلَان العَادِل نَزَلَ على حَلَب مُحَاصِرًا لها في سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، وبها مَحْمُود بن نصْر بن صالح، ثمّ مَلَكَها بالأمَانِ، [و] خرَج إليه مَحْمُود بنِ نَصْر في يَوْم الثّلاثَاء سَابع عَشر جُمَادَى الآخرة من السَّنَة، فأنْعَم عليه وآمنَهُ، وولَّاهُ حَلَب من قِبَله.
ثُمَّ رَحَلَ عنها في الثَّالث والعشرين من جُمَادَى الآخرة قَاصِدًا بَلَد الرُّوم في طَلَب مَلِكهم وقد تَوَجَّه إلى مَنَازْجِرْد، فلحقَهُ في عَسَاكِره وأوْقعَ به، فهزمَهُ، وقيل إنَّ مَلِكَ الرُّوم كان في ستّمِائة ألف، وألْب أَرَسْلَان في أرْبَعمائة ألف من الأتْراك، وحَصَل مَلِكُ الرُّوم أسِيْرًا في أيْدي المُسْلمِيْن، وصَار إلى ألْب أَرَسْلَان، فِلم تَزَل المُرَاسَلات بينه وبينه إلى أنْ تقرَّر إطْلاقه على مُهَادَنَة منها: أن لا يَعْرضَ لبلَادِ المُسْلمِيْن، ثمّ سيَّره إلى بلاده، فيقال إنَّ أهْل مَمْلكَته قتلُوه لأُمُور نَقَمُوها عليه.
قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي الخَطَّاب عُمَرَ بن مُحَمَّد العُلَيْمِيّ، وأنْبَأنَا بهِ أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد النَّسَّابَة عنهُ، قال: وَجَدْتُ بخَطِّ أبي الحَسَن يَحْيَى بن عليّ بن مُحَمَّد بن زُرَيْق: ذِكْرَ أخْبَارِ السُّلْطانِ الشَّهِيْدِ المُعَظَّم ألْب أَرَسْلَان، أبي
стр. 2440
شُجَاع مُحَمَّد بن دَاوُد، بُرْهان أَمِير المُؤْمنِيْن، نَضَّر اللَّهُ وَجْهَهُ، والسَّبَبَ في وُصُوله إلى الشَّام: كان هذا السُّلْطانُ، ﵀، ولِيَ الأمْر بعد وفاهَ عَمّه السُّلْطان الأعْظَم أبي طَالِب طُغْرِلبك بن مِيْكائِيل في سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، وعُمْرُ السُّلْطان طُغْرِلبِك على ما ذُكِرَ قد أناف على ثَمانين سَنَةً، ونَازَعَ السُّلْطانَ المَذْكُورَ في المَمْلَكَة قُتَلْمش ابن عَمّه، ولم يَثْبُت لمُقَاومته، وذَكَر أنَّهُ لقيَه في تِسْعين ألفًا، ومع السُّلْطان يَوْمئذٍ اثنا عَشر ألفًا، فكَسَرهُ، وانْهَزَم قُتَلْمش على وَجْهه، وسقَطَ عن دَابَّتِه في هَزِيْمته، فوُجِدَ مَيِّتًا، وحُمِلَ ودُفِنَ بالرَّيّ. وكانت الدَّامِغَانُ دَارَ مَمْلكته، وقيل إنَّ اللِّقَاءَ بقُرْب ضَيْعَةٍ تُعْرف بِدِهْ نَمَك (١)، وكان أخُو السُّلْطان قَاورْت (a) مُتَمَلِّك كَرْمَان، وكان بينهما مُنَازَعات، وآلت الحال بينهما إلى الصُّلْح والاتِّفَاق.
وفي أيَّامِه أُغْمدَت سُيُوف الفِتْنَة بخُرَاسَان، وبَطُل ما كان عليه التُّرْكُ من الفَسَادِ والعَيْثِ قَبْل اسْتِقْرار المَمْلَكَةِ، وفَتْح البِلَادِ، وعَظُمَتْ هَيْبَتُه، واسْتَقامَتْ مَمْلكَتُه، وانْتَشر عَدْلُه ودَعْوَتُهُ.
وكان سَبَبُ ظُهُوره إلى الشَّام، ما حَدَّثَنِي به الفَقِيهُ أبو جَعْفَر مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن البُخَاريّ (b) رسُولُ ناصِر الدَّوْلَةِ ابن حَمْدَان، المُتَغَلِّب على مِصْر إليه، يَسْتَدعي عَسَاكِرَهُ لتُسَلِّم (c) ديار مِصْر، ويُغَيِّر الدَّعْوَة، وذلك لمَا كان بينه وبين جَمَاعَة من الأُمَرَاء بمِصْر، منهم يَلْدكُوز العَجَمِيّ وغيره بمِصْر، وَأمير الجُيُوش بَدْر
стр. 2441
الجَمَالِيّ بالشَّام، وكانت المُرَاسَلَةُ في سَنَة اثْنَتَيْن وسِتِّين على يدِ الفَقِيهِ المَذْكُور، فحين وَرَد عليه إلى خُرَاسَان، جَهَّز العَسَاكِر الّتي تملأُ الفَضَاءَ، وتَضِيْق بها (a) الدّهْنَاء، عِدَّةً وعُدَّةً، ووصَل من بِلَادهِ على طَريقِ دِيَار بَكْر، ونَزَل الرُّهَا في أوَّل سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين، وأقام عليها نيفًا وثَلاثين يوْمًا، وسيَّر الفَقِيهَ المَذْكُور رَسُولًا إلى مَحْمُود بن نَصْر بن صَالِح صاحب حَلَب يَسْتدعيه إلى وَطْء بسَاطه وخِدْمَته أُسْوَة مَنْ وَفَد عليهِ من المُلُوك، مثْل شَرَف الدَّوْلَة مُسْلِمِ بن قُرَيْشٍ، وابن مَرْوَان، وابن وَثَّاب، وابن مَزْيَد، وأُمَرَاء التُّرْك والدَّيْلَم، فلم يَفْعَل، وخَاف منهُ.
فسَار عن الرُّهَا إلى الشَّام قَاصدًا له، وقَطَعَ الفُرَاتَ في النِّصْف من شَهْر رَبيع الآخر من السَّنَة، وهو اليَوْم التَّاسع عَشر من كانُون الثَّاني، وكان قد رَاسَلَهُ السُّلْطانُ في سَنَة اثْنَتَيْن وسِتِّين يأمرُه بإقامة الدَّعْوَة العبَّاسيَّة، والمُسَارَعة إلى الخِدْمَة، وأنْفَذ له خلعًا وتشريفًا، فامْتَثل ما أمَرَه من إقامة الدَّعْوَة للإمام القَائِم بأمْرِ اللَّه أَمِير المُؤْمنِيْن، والسُّلْطان المُعَظَّم بعده، ولبس الخَطِيبُ السَّوَاد، وبطلَت الدَّعْوَةُ المِصْرِيَّةُ من الشَّام في شَوَّال من سَنَة اثْنَتَين وسِتِّين.
ولمَّا قَطَع السُّلْطانُ المُعَظَّم الفُرَاتَ من نَهْرِ الجَوْز، نزَل بعض المُرُوج على الفُرَاتِ، فرآه حَسَنًا، فأُعْجِب به، فقال له الفَقِيه أبو جَعْفَر (١): يا مَوْلَانا، أحْمَد اللَّه تعالَى على ما أنْعَم به عليك، فقال: وما هذه النّعْمَةُ؟ فقال: هذا النَّهْرُ لم يَقْطَعْهُ قَطُّ تُرْكِيٌّ إلَّا مَمْلُوك، وأنتُم اليَوْم قد قَطَعْتُموه مُلُوكًا (b)، قال: فلعَهْدي به وقد أحْضَر جَمَاعَةً منِ الأُمَرَاءَ والمُلُوك، وأمَرَني بإعادةِ الحَدِيْث، فأعدْتُه، فَحمدَ اللَّه هو وجَمَاعَة مَنْ حَضَر عندَهُ حَمْدًا كَثِيْرًا.
стр. 2442
ونَزَلَ السُّلْطانُ المُعَظَّمُ بنُقْرَة بَني أَسَدٍ إلى أرض قِنَّسْريْن إلى الفُنَيْدق (١)، والرُّسُلُ مُتَرَدِّدَةٌ إلى مَحْمُود ليَخْرُج إلى الخِدْمَة، وهو خائفٌ منه مُمْتَنِعٌ عليه، وتَمادَى الأمرُ نحو شَهْرين، وحصَّن مَحْمُود حَلَب، وجَفَل النَّاسُ من سَائر الشَّام إليها، ودَخَل الرُّعْبُ في قُلُوب النَّاسِ لعِظَم (a) هَيْبَته وبَأْسه ونَجْدَتهِ وما اجْتمع إليه من العَسَاكِر الجَمَّة والجُيُوش الكَثِيْفَة الضَّخْمَة (b)، وكان الأمرُ بخلاف ما ظَنّ النَّاس من ذلك الخَوْف (c)، وأنَّهُ، ﵀، لمَّا يَئِسَ من خُرُوج مَحْمُود إليه عاد مُنْكَفئًا من مَنْزِل يُعْرَفُ بالفُنَيْدق، ونَزَلَ حَلَبَ في آخر جُمَادَى الآخرة من السَّنَة، وكانت الخيامُ والعَسَاكِرُ من حَلَب، إلى نُقْرَهَ بَني أَسَد، إلى عَزَاز، إلى الأثَارِب، مُتَقاربَةٌ بعضُها من بعضٍ، وبعضُ العَسَاكِر ببلَد الرُّوم وسَائر مُرُوج الشَّام. وسَار بعضُ عَسَاكِره مع ابن جَابِر في سِقْلَاب المَوْصِلِيّ، أحد الكُتَّاب، إلى طَرابُلُس لتَقْرير أمْرها.
وأقام مُحَاصِرًا لحَلَب شَهْرًا واحدًا وبَوْمَيْن، ولم يقاتلها غير يَوْم واحدٍ، فحَدَثَني مَنْ كان مع الأمير مَحْمُود صَاحِب حلَب وهو يَطُوف داخل السُّور لتَحْريض النَّاس على القِتَالِ في وَقْت (d) الزَّحْف، وأنَّهُ لم يَعْبر مَحَلَّةً من مَحَالِّ حَلَب إلَّا وأهْلُها قد أشْرَفُوا على الهَجْم عليهم، ونُقِبَ البُرْج المَعْرُوف ببُرْج الغَنَم، وهو أحْصَنُ بُرْجٍ بها، وعُلِّق فظَفِر أهْلُ حَلَبَ بمَن دَخَل (e) ذلك النَّقْبَ، فأخَذُوا بعضَهُم ووِقع الرَّدْمُ على البَاقنِن، وحَمَل السُّلْطانُ في ذلك اليَوْم (f)، فوقَعَتْ يَدُ فَرَسه في خَسْف كان هُناك، وأصَابَ في الحالِ رأسَ فَرَسِه حَجَر المَنْجَنِيْق فرَكِبَ غيرها وعاد وصَرَف النَّاس عن الحَرْب بعد أنْ أشْرفَ البَلَدُ على الأخْذ.
стр. 2443
وذُكِرَ عن هذا السُّلْطان أنَّهُ قال: أخْشَى أنْ أفْتحَ هذا الثَّغْر بالسَّيْفِ فيَصيرَ إلى الرُّوم، وراسَل السُّلْطانُ أُمَرَاءَ بني كِلَاب وأحْضَرهم من البَرِّيَّة، فوصَلُوا إليه، وعزَمَ على تقليدِ بعضهم وتَرْكه في مُقاتَلة (a) مَحْمُود، وعَوْده لأجْل ما بلغه من ظُهُور مُتَمَلّك الرُّوم ووُصُوله في الخَلْقِ العَظِيْمِ إلى بلادِ أَرْمِينيَة طَالِبًا لبِلَادِ خُرَاسَان، فشَعَر مَحْمُودٌ بوُصُول أُمَرَاءِ العَرَب، وأنَّهُ إنْ تمَّ ذلك خَرَج الشَّام من يده، فراسَل السُّلَيْمَانِيّ المُتَرَدِّد إليه كان في المُرَاسَلَة، يُعْلمه أنَّهُ قد عَزَم على وَطْء بسَاطِه وخِدْمته خَوْفًا ممَّا أشْرَف عليه، وخرَجَ إلى السُّلْطان (b) على غَفْلَةٍ منه في أوَّل شَعْبان من السَّنَة، فرأى منه من الإكْرَامِ والتَّشْرِيْف والخِلعَ (c) ما زادَ على أُمْنِيَّته، وفي الحال ردَّه إلى حَلَب، وقال: ارْجعِ إلى وَالدتكَ، وكانت والدتُه المَعْرُوفة بالسَّيِّدة علويَّة بنتُ وَثَّاب قد خَرَجَت إليه برسَالةِ ابْنها عند كَوْنه بالرُّهَا، وتردَّد خُرُوج مَحْمُود دفْعَةً بعد أُخْرى، وقرَّر معه السُّلْطانُ أنْ يَخْرُجَ بعَسْكَره ويُضِيفَ إليه السُّلَيْمَانِيّ، وأنْ يَتَوجَّها إلى بلاد دِمَشْق والأعْمَال المِصْرِيَّة ليفْتَحها، ففعَل ما أمر به (d).
وحَكَى الأَمِيرُ أبو الحَسَن عليُّ بن مُنْقِذ أنَّ خُوَاجَا بُنُ بُزُرْك الوَزِير سَألَهُ عندَ حُضُوره عنده وَقْت (e) خُرُوج مَحْمُود إليه عمَّن قُتِلَ بحَلَب في (f) يَوْم الحَرْب، فقال: إنَّهم نَفَرٌ يَسِيْر، فتعجَّب من ذلك، وقال: في ذلك اليَوْم رمي من الخِزَانَة بثمانين ألف فردَة نُشَّاب، سوى ما رَمَاهُ بَقِيَّة العَسْكَر، ودَفعَ اللَّهُ عن أهْل الشَّام، ولم يقاتل فيه مَدِينَةٌ ولا حِصْنٌ ولا سُبِيَتْ حُرْمَةٌ، ولا اعْتَرض لأحَدٍ (g) من المُسْلمِيْن وذلك من حُسْنِ سِيْرة (h) هذا السُّلْطان، وعِظَم هَيْبَته تَغَمَّدهُ اللَّهُ بالغُفْرَان.
وعاد السُّلْطانُ مُنْكَفئًا إلى بلادهِ على طَريق العِرَاق، مُعَرِّجًا منه نحو بلادِ
стр. 2444
أَرْمِينيَة قَاصِدًا لمتُمَلِّك الرُّوم، وأسْرَعَ في سَيْره بمَنْ خَفّ معَهُ، ووصَل فالْتَقَى مُتَمَلِّكَ الرُّوم بالقُرْبِ (a) من خِلَاط وتلك البِلاد، فاعْتَبر مَنْ وَصَلِ معه من عَسْكَره، فكانت عِدَّتُهم ثلاثةَ عَشر ألفًا، وتَصَافَّ العَسْكَران في يَوْم جُمُعَة، ووَقَف السُّلْطانُ عن قِتَالهِ (b) انْتِظَارًا لوَقْت الصَّلاة والدُّعَاءِ على مَنَابِر الإسْلَام، وتَرقُّبًا للإجَابَة في نُصْرة المُسْلِيْن، فلمَّا صَلَّى الظُّهْر ناجَزَهم الحَرْبَ فأظْفره اللَّهُ تعالَى بعَسْكَر الرُّوم، وأجْراهُ على جَمِيل العَادَة في الظَّفَر، ومَكَّنه ممَّن بَغَى وكَفَر، ونَهَبَ العَسْكَرَ بأَسْره، وأسَرَ مُتَمَلِّك الرُّوم، وأقامَهُ بينَ يَدَيْهِ ومعه باز وكَلْب صَيْدٍ، ثمّ أنْعَمَ عليه، وخَلَعَ وأكْرَمَهُ، واصْطَنَعَهُ وسيَّرَهُ مع قِطْعَةٍ من عَسْكَره ليُعيْدَهُ إلى بلادِهِ ومَمْلَكَته، فاخْتَلَّت الأُمُور عليه، ولم يتمّ له ما أراد، وذكر أنَّهُ كُحِّل ومات بعد مُدَّة.
ولَم يَجْرِ (c) في الإسْلَام منذ ظَهَر مثْلُ هذا الظَّفَرِ، ولا أُسِرَ للرُّوم مُتَمَلِّكٌ قبلِ هذا في الإسْلَام، وكان السُّلْطان سَأل مُتَمَلِّك الرُّوم عند حُضُوره بينَ يَدَيْهِ ما سبَبُ خُرُوجه وتَعْريضه نفسه وعَسْكَره لهذا الأمر، فذَكَرَ أنَّهُ لم يُرد إلَّا حَلَب، إذ كان كُلّ ما جَرَى على الرُّوم كان مَحْمُود هو السَّبَب فيه، والبَاعِث عليه لمَنْ قَصَدَها من التُّرْك.
وغَنِمَ من هذا العَسْكَر ما يَفُوت الإحْصَاء والعَدَّ، وتُجاوز الأمَدَ والحَدَّ، وبِيْعَ من غَنائمهِ ما يسُاوي مائة دِيْنار (d) بدِيْنارٍ واحدٍ، فللَّه الحَمْدُ على ذلك كَثِيْرًا.
قُلتُ: ومن ذلك اليَوْم عُرِفَ تَلُّ السُّلْطان بتَلِّ السُّلْطان (e) لنُزُول ألْب أَرَسْلَان على التَّلّ، وكان يُعْرف المكان أوَّلًا بالفُنَيْدق، وكان فيه فُنْدُق صَغِير
стр. 2445
يأوي إليهِ النّاس، شَاهدْتُه قبل أنْ يُجدِّد الأَمِير سَيْف الدِّين عليّ بن سُلَيمان بن جَنْدَر هذا الخانَ الّذي هو الآن موجُود.
قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ في سَنَة ثَلاثٍ وسِتّين وأَرْبَعِمائة، في ذِكْر العَادِل ألْب أَرَسْلَان وحِصَاره حَلَب، قال: حدَّثَ الأَمِيرُ أتَابَك طُغْتِكِين صَاحِب دِمَشْق أبيّ، قال: كُنْتُ حَامِلًا (a) وراءَ السُّلْطان السِّلَاح حين ضَرَبَهُ حَجَر المِنْجَنِيْق، ولو سَلِم ساعةً لأخَذَها، وكان قد وَصَل الشَّام يُرد الطُّلُوع إلى مِصْر ليَفْتَحَها، ولو طلَعَ لأخَذَ البِلادَ جَمِيْعَها، وأخَذَ مِصْر.
قال: وحَدَّثَني مَوْلاي أبيّ، قال: كانت خِيَامُهُ من شَماليّ مَسْجِد مَرْج دَابِق إلى قَنَاطِر قِنَّسْرِيْن، أيّ مَوضِعٍ عَبَرْتَ فيه ورأيت السُّرَادِقَ والخِيَام قُلْتَ في هذه السُّلْطان.
وقال هَمَّامُ بن الفَضْل (١): كانت خِيَامُ السُّلطان على المَعْشَرِيَّةِ (٢)، وهي مُتَّصِلةٌ إلى الفُرات بعضُها ببعضٍ.
وقال: قال أبي: وحَدَّثَني وَزِيرُ تاج الدَّوْلَة أبو النَّجْم (b)، قال: شَرِبَ السُّلْطان على حَلَب وسَكِرَ، وضَلَّ رُشْدُه بالسُّكْر، فقال: هاتُوا الأَمِير البَدَوِيّ، يعني مَحْمُود،
стр. 2446
لأضْرب رَقَبتَهُ، فجاءَ الغِلْمَانُ إلى خُوَاجَا بُزُرْك وقالوا: قد قال السُّلْطان كَذَا وكذا، فمَضَى إليهِ خُوَاجَا بُزُرْك، وقال له: يا سُلْطان العَالَم، يَظْهَر عنك مثْل هذا، وكان السُّلْطان قد بلغَ منه السُّكْر، فضَرَبَهُ بالمَغْسَل الّذي في دَسْت الشَّرَاب، وقال: أُريدُه، ففَتَح أثرًا في وَجْهِهِ فمَضَى خُوَاجَا إلى جانب السُّرَادِق إلى خَاتُون، فقال: بَادِريْنا (a) يا خَاتُون وإلَّا السَّاعَة يتلف العَسْكَر ويَنْهب بعضُهُ بعضًا، كان كَذَا وكذا، فقامَت تَمْشِي إليهِ. فقال لها: خَاتُون ما جاءَ بك؟ فقالت: نَم أنْتَ سَكْران. وتفَرَّقُوا، فلمَّا أصْبَحت قالت له: ما تَحْتَشم؟ تَفْتَح عليك بابَ غَدْر! قال: لا إنْ شَاءَ اللّهُ! قالت: بَلى؛ البَارِحَةَ أردْتَ تُحْضر الأَمِير البَدَوِيّ وتَضْرب رَقَبتهُ، وأنْتَ قد أعْطَيْتَهُ أمانَكَ، هذا (b) وأنت تُريد تَفْتَح مِصْر وما دُوْنَها، وفعَلْتَ كَذَا وكَذَا بخُوَاجَا بُزُرْك! قال: واللّهِ ما معي عِلْم من هذا جَميْعه، ولمَّا حضر عنده خُوَاجَا قال له: يا حَسَنُ، ما هذا الأثَرُ في وَجْهكَ؟ فقال (c): يا سُلْطانَ العَالَم، هذا أثَر (d)، وقَعْتُ البَارِحَة وأنا خارج من خَيْمَتي ضَرَبني عَمُودُ الخَيْمَة، ولم يُعْلِمهُ بذلك، فاسْتَحْسَن النَّاسُ منه ذلك.
ثمّ رحَل السُّلْطان من حَلَب يُريدُ مِصْر، فرَحَل مَرْحَلَةً واحدةً فجاءهُ الخَبَرُ بأنَّ مَلِكَ الرُّوم ذيُوجانِس (e) قد خَرَج لمَّا رَأى البِلاد خَاليةً من العَسَاكِر، فرَحَل على أدْرَاجهِ يُرِيد مَلِكَ الرُّوم.
قَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِدِ بن مَسْعُود بن الحُصَيْن (١): سَارَ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان - يعني في سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة - إلى دِيَار بَكْر، فخرج إليهِ
стр. 2447
نَصْر [الدَّولَة] (a) ابن مَرْوَان وخَدَمَهُ بمائةِ ألف دِيْنار، وقَصَد حَلَب وحَاصَرَها، فخرج إليهِ مَحْمُود بن نَصْر ليلًا، ومعه والدتُه، فدَخَلا على السُّلْطان، فقالت له: هذا وَلَدِي فافْعَل به ما تُحبّ، ففَعل معه الجَمِيلَ، وخَلَعَ عليه.
وغَزَا السُّلْطانُ ألْب أَرَسْلَان بلادَ الرُّوم، وخَرَجَ أمرُ الخلَيفَة القَائِم إلى الخُطَبَاءِ على المَنَابِر بالدُّعَاءِ له بما صِيْغَتُه (١): اللَّهُمَّ أَعْلِ رَايةَ الإسْلَام ونَاصِرِهِ، وادْحَض الشِّرْكَ بجَبِّ غَاربهِ، وقَطْع أوَاصِره، وامْدُد المُجَاهِدينَ في سَبِيلكَ، الّذين في طَاعَتك بنفُوسِهم سَمحُوا، وعلى مُتَابعَتك بمهُجَهم (b) فازُوا ورَبحُوا، بالعَوْن الّذي تُطِيل (c) بهِ باعَهُم، وتَمْلأُ بالأمْن والظَّفَر رباعَهُم، واحْبُ (d) شَاهَنْشَاه الأعْظَم بُرْهانَ أَمير المُؤْمنيْن بالنَّصْر الّذي تُنْشَرُ (e) بهِ أعْلَامُه، ويَسْتَبْشر (f) بمَكَانِه من اخْتِلَاف الظِّلَالِ (g) أَيَّامُهُ، وأَوْلِهِ من التَّأييدِ الضَّاحِكَة مَباسِمُه، القَائِمة أسْوَاقُهُ ومَوَاسِمُه، ما تَقْوَى (h) به في إعْزَاز دِيْنك يَدهُ، ويَقْضي (i) بأنْ يَشْفَع يَوْمَه (j) في الكُفَّار غَدُه، واجْعَل جُنُودَهُ بمَلائكتِكَ مَعْضُودَة، وعَزَائمهُ على اليُمْن والتَّوْفِيق مَعْقُودَة، فإنَّهُ قد هَجَر في كَريم مَرْضَاتكَ الدَّعَةَ، وتَاجركَ من بَذْلِ (k) المالِ والنَّفْس ما انتَهج فيه مَسَالكَ أوَامركَ المُمْتَثلة المُتَّبَعَة، فإنَّكَ تقُولُ، وقَوْلُكَ الحَقُّ:
стр. 2448
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (١).
اللَّهُمَّ فكما أجَابَ نداءَكَ (a) ولبَّاهُ، واجْتَنَبَ التَّثاقُّلَ عن السَّعْي في حِيَاطَة (b) الشَّريْعَةِ وأبَاهُ (c)، ولَاقَى أعْدَاءَك بنَفْسِه، ووَاصَل في الانْتِصَار لدِيْنك يَوْمه بأَمْسه، فأنت (d) اخْصُصْهُ بالظَّفَر، وأعِنْهُ في مقَاصِده بحُسْن مَجاري القَضَاءِ والقَدَر، وحُطْهُ (e) بحِرْزٍ يَدْرَأُ عنهُ من الأعْدَاءِ (f) كُلّ كَيْد، ويَشْمَله من جَمِيْل صُنْعكَ (g) بأقْوَى أَيْد، ويَسِّرْ له كُلَّ مَرَام يُحَاولُه، ومطْلَب يَرُومُه (h) ويُزَاولُهُ، حتَّى تكُون نَهْضَتهُ (i) المَيْمُونَة عن النَّصْر مُسْفرة، ومُقْلَة أحْزَاب الشِّرْك (j) مع إصْرَارهم على الضَّلَالِ غير مُبْصرة، فابْتَهِلُوا مَعَاشِرَ المُسْلمِيْن إلى اللّه تعالى في الدُّعَاءِ (k) له بنِّيَّةٍ صَافيَة (l)، وعَزِيْمَةٍ صَادِقة، وقُلُوب خَاشِعَة، وعَقَائد في ريَاض الإخْلَاص (m) رَاتِعة، ووَاصِلُوا الرَّغْبَة إلى اللّه (n) في إعْزَاز جانبهِ، وفَلِّ غَرْب مُجَانبهِ، وإعْلَاءِ رَايَتِه، وإنالتَه من الظَّفَر أقْصَى حَدِّه وغَايَتهِ (o).
وأنفَذ السُّلْطانُ في مُقدِّمته أحَدَ الحُجَّاب، فصَادَفَ عند خِلَاط صَلِيبًا تحتَهُ مُقَدَّمُ (p) الرُّوْسيَّة في عَشْرة آلاف من الرُّوم، فحاربُوهم، وأعْطَى الله المُسْلمِيْن النَّصْرَ عليهم، فأُخِذَ الصَّلِيب، وأُسِرَ المُقَدَّم، وتقاربَ السُّلْطانُ وعَظيمُ الرُّوم في
стр. 2449
مكان يُعْرَفُ بالزّهْرَة (a) بين خِلَاط ومَنَازِكْرْد في يَوْم الأرْبَعَاء خامس (b) ذي القَعْدَة، وكان السُّلْطانُ في خَمْسةَ عَشرَ ألفًا، وصاحبُ الرُّوم في مَائِيْنَ أُلُوف.
ورَاسَل السُّلْطانُ مَلِكَ الرُّوم (١) في الهُدْنَةِ، فقال مَلِك الرُّوْم: لا هُدْنَة (c) إلَّا بالرَّيّ، فعَزَم اللّه على السُّلْطان على الرّشْد، ولَقِيَهُ يَوْم الجُمُعَة وقْت الزَّوَال، وهو سَابعُ ذي القَعْدَة، وأعْطَى اللّه المُسْلِمِيْن النَّصْر فقَتلُوا منهم قَتْلًا ذَريعًا، وأُسِرَ مَلِك الرُّوم، وضَرَبَهُ ألْب أَرَسْلَان ثلاث مَقَارِع، وقطعَ عليهٍ ألْفَ ألف وخَمْسِمائَة ألف دِيْنار، وأيّ وَقْتٍ طَلَبَ السُّلْطانُ عَسَاكِرَ الرُّوم نَفَّذَها مَلِكُهم إليهِ، وأنْ يسُلِّم كُل أسِيْر من المُسْلمِيْن عنده (d).
ذَكَرَ صَاحِبُ كتَاب مَلِك نَامَه (٢) الّذي صنَّفهُ لألْب أَرَسْلَان مُحَمَّد بن دَاوُد أنَّهُ اسْتَفَادَ أَنْسَابَهُم وأحْسَابَهُم من الأَمِير إِينْانج بك، إذْ كان أسَنَّ القَوْم وأعْرفهُم بأنْسَابهم وأحْسَابهم، قال: كان الأَمِيرُ سَلْجُوق بن دُقَاق من أعْيَان تُرْك خَزَر، وكان دُقَاقُ يُلَقَّبُ بتَمر بَالغ أي: شَدِيد القَوْس.
قال إِيْنَانج بك (e): لمَّا مَرَّ زَمان على الأَمِير دُقَاق، وُلد له مَوْلُود مُبَارَك
стр. 2450
سمَّاه سَلْجُوقًا، وكان يُلَقِّبه بسُبَاشِي (١)، يعني: مُقَدَّم الجَيْش، وكان لسَلْجُوق أرْبعة أوْلَاد: مِيْكائِيل، ومُوسَى، وأَرَسْلَان المُلَقَّب بيَبْغُو أكلان، وآخر تُوفِّي في زَمان شَبَابهِ.
وكان للأمير مِيْكائِيل بن سَلْجُوق ولدان: طُغْرِلبِك، ودَاوُد جَغْرِي بك، فعَلَى هذا يكُون ألْب (a) أَرَسْلَان مُحَمَّد بن جَغْرِي دَاوُد بن مِيْكائِيل بن سَلْجُوق بن دُقَاق.
وقَراتُ في بعض التَّوَاريخ (٢): أنَّ أباه جَغْرِي بك عَهِدَ إليهِ في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وأرْبَعِمائة حين مَرض باليَرَقَان، وضَعُف مَزَاجُه، وجَهَّز إليهِ السُّلْطان مَوْدُود جَيْشًا إلى خُرَاسَان، ففوَّض وِلَايَة عَهْده إلى ابْنِه ألْب أَرَسْلَان، فأقام ألْب أَرَسْلَان ببَلْخ مُدَّةً حتَّى انْكَشَفثْ عنهُ وَعْثاءُ السَّفَر.
ولمَّا سَمِعَ مَوْدُود بذلك جَمعَ الجُنُود ولَزمُوا مكانَهُمِ، فحَمَل عليهم السُّلْطانُ ألْب أَرَسْلَان حَمْلَةً ساق التَّقْدير منها إلى جُيُوش غَزْنة قَتْلًا ذَرِيعًا، وانْهزامًا سَرِيعًا، وأَسَر ألْب أَرَسْلَان ألفَ رَجُل من القُوَّادِ، وغَنِم من الخَيْلِ والسِّلاح ما لا يَدْخُل في الحِسَاب، فلمَّا دَخَلَ على أبيهِ جَغْرِي بك سُرَّ بذلك وزَالَ مَرَضُهُ، ثمّ سَار بعد ذلك جَغْرِي بك وألْب أَرَسْلَان إلى تِرْمِذ ووالي القَلْعَة بها الكَاتِب البَيْهَقِيّ، فخَرَجَ منها، وتَوَجَّه إلى غَزْنَة، وسَلَّها إلى جَغْرِي بك، ففوَّض جَغْرِي بك وِلَايَة بَلْخ وطَخَيْرستَان وتِرْمِذ ووَخْش ووَلْوَالِج (b) إلى ألْب أَرَسْلَان، وشَدَّ أزْرَهُ بوِزَارَة أبي (c) عليّ بن شَاذَان، فعمر بلادَهُ بحُسْن كفَايَتهِ، ولمَّا قَرُبَ مَوْتُه
стр. 2451
سَأل ألْب أَرَسْلَان أنْ يُفَوِّض الوِزَارَة بعده إلى نِظَام المُلْك.
ثُمَّ وَرَدَ خَاقَانُ التُّرْك تِرْمِذ وخرَّبها ونَهَبَهَا، فطَرَدَهُ ألْب أَرَسْلَان عنها، فمَضَى الخَاقَان وخيَّم على جَيْحُون من جَانب بُخَارَى، وطَلَبَ المُصَالَحَة؛ مُصَالَحَة جَغْرِي بك، واجْتَمع به، ثمّ افْتَرَقا، وأثَّر المَرَضُ في جَغْرِي بك، وزادَ ضَعْفُه (a)، وكان عُمْرُهُ سَبْعِين سَنَةً، فقَضَى نَحْبَهُ في صَفَر سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين وأرْبَعِمائة في سَرْخَس، وقامَ مقامَهُ في المُلْك السُّلْطان ألْب (b) أَرَسْلَان، وكان مَلِكْشاه حينئذ ابن سِتّ سِنيْن، وعاشَ طُغْرِلبِك السُّلْطان بعد (c) جَغْرِي بك ثلاث سنين.
قَرَأتُ في كتابِ الرَّبيع، تأليفُ غَرْس النِّعْمَة أبي الحَسَن مُحَمَّد بن هِلِّل بن المحسِّن بن إبْراهيم بن هِلِّل الصَّابِئ، وأخْبَرَنَا به أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف بن عليّ البَغْدَاديّ وغيره إجَازَةً، عن أبي الفَتْحِ مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ، قال: أنْبَأنَا أبو عَبْد اللّه الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَنا غَرْسُ النِّعْمَةِ أبو الحَسَن، قال: حَدَّثني بعضُ الخُرَاسَانيَّةِ، قال: خَرَج ألْب أَرَسْلَان بن دَاوُد، المُلَقَّبُ عَضُد الدَّوْلَة، وهو صَبيٌّ إلى الصَّيْد فرأي شَيْخًا ضَعِيْفًا على رَأسِه شَوْكٌ قد قَطَعَهُ وتعبَ به، وهو ذا يُقَاسِي من حَمْلِهِ شِدَّةً وصُعُوبَةً، فقال له: يا شَيْخُ، قال: لَبَّيْكَ، قال: أتُحبُّ أنْ أُريْحَكَ ممَّا أنتَ فيه من هذا الكَدِّ والتَّعَبِ (d) والنَّصَب مع الشَّيْخُوخَة وكِبَر السِّنّ؟ فظَّنَ الشَّوْكِيُّ أنَّهُ يُعْطِيْه ما يُكْفهِ به عن ذاك ويُعِيْنُهُ (e)، فقال: إيْ واللّهِ يا مَوْلايّ، فرَماهُ بنُشَّابَةٍ قتلَتْهُ مكانَهُ!.
وهذا صَدَرَ من ألْب أَرَسْلَان في حال الصُّبُوَّة والجَهْل، وحملَهُ عليه سُكْر الشَّبَاب، أمَّا في حالة اكْتِهَاله واسْتِقرَاره في المُلْك، فكان من أعْدَلِ المُلُوك وأحْسَنهم سِيْرة، وأرْغَبِهم في الجِهَادِ ونُصْرة الدِّين.
стр. 2452
قَرَأتُ في مُنْتَخَبٍ من كتاب زُبْدَة التَّوَاريخ للأميْر أبي الحَسَن عليّ بن الشَّهِيْد أبى الفَوَارِس نَاصِر بن عليّ الحُسَيْنيّ (١)، قال: لمَّا اسْتَبَدَّ السُّلْطان ألْب أرسْلَان بالأمْر، واسْتَوَى على سَرير المُلْك، بَسَطَ على الرَّعَايا جَنَاحَ العَدْلِ، ومَدَّ عليهم ظلَّ الرَّأفَة والبَذْلِ، وقَنعِ من الرَّعَايا بالخَرَاج الأصْليّ في نَوْبَتَين من كُلِّ سَنَة، وكان يَتَصَدَّق في كُلِّ سَنَةٍ في شَهْر رَمَضَان بأربعة آلاف دِيْنارٍ ببَلْخ، وألف بمَرْو، وألف بهَرَاة، وألف بنَيْسَابُور، ويَتَصَدَّق بعَشرة آلاف دينارٍ في حَضْرته.
وكَتَبَ السُّعَاةُ إليهِ سِعَايةً بنِظَام المُلْك (a)، وتَعَرُّفًا بمكَاسِبهِ، ووضَعُوه على طَرَف مُصَلَّاهُ، فدَعا السُّلْطانُ نِظَامَ المُلْك وقال له: خُذْ هذا الكتابَ، فإنْ صَدَقُوا فيما كَتَبُوه فهَذِّب أخْلاقكَ، وأَصْلِح أحْوَالكَ، وإنْ كَذَبُوا فاغْفِر للجَارِم (b)، واشْغل السَّاعِي بمُهِمٍّ من مُهمَّات الدِّيْوَان حتَّى يُعْرِض عن الكَذِب والبُهْتَان.
قَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب بن الحُصَيْن: في شَهْر رَمَضَان - يعني من سَنَة ستّ وخَمْسِين وأرْبَعمائة - وصَل رِكَابيٌّ من تِبْرِبن بكتابٍ من (c) نِظَام المُلْك يُخْبر أنَّ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان أوْغَل في الغَزَاة ببلادِ الخَزَر، وبَلَغَ حيثُ لَم يبلغُ أحدٌ من المُلُوِك، وافْتَتَح بَلَدًا عَظيْمًا يُسَمَّى أسبيذ شَهْر (d)، وقَتَل نحو ثلاثين ألف رَجُل، وسَبَى ما يُوْفي على خَمْسِين ألف مَمْلُوك، وهَادَن مَلِكَ الأَبْخَاز، وعاد من ذلك الثَّغْر، ونَزَلَ على مَدِينَة آنِي من بلاد الرُّوم (e)، ففَتَحَها عَنْوَةً، وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ تَشْتَمِل على سَبْعمائة ألف دارٍ، وأَسَرَ منه خَمْسمائة ألف إنْسَان.
стр. 2453
قال: وهو أوَّلُ مَنْ ذُكِرَ على مَنَابِر مَدِينَة السَّلام بالسُّلْطان عَضُدِ الدِّين ألْب أَرَسْلَان.
وقَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب أيضًا: سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، في أوَّلها غَزَا السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان جَيْحُون، وكان معه زِيَادَة على مائتي ألف فارس، وعَبَرَ عَسْكَرُه إليهم في نَيف وعِشْرين يَوْمًا من صَفَر، وكان قد قَصَدَهُ شَمْسُ المُلُوك تِكِيْن بن طُمْغَاج (١)، وأتاهُ وأصْحَابه بمُسْتَحْفِظ قَلْعَة يُعْرَفُ بيُوسُف الخُوارَزْمِيِّ، وحُمِلَ إلى قُرْب سَرِيْره، وهو مع غُلَامَيْن، فتقدَّم بأنْ يُضْرب له أرْبَعة أوْتاد، وتُشَدّ أطْرَافُه إليها، فقال: يا مُخَنَّث، مثْلي يُقْتَل هذه القَتْلة! فاحْتَدَّ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان، وأخَذَ القَوْسَ والنُّشَّابَة، وحَرِصَ (a) على قَتْله، وقال للغُلَامَيْن: خَلِّياهُ، فخَلَّيَاهُ ورَمَاهُ، فأخْطَأهُ، ولم تُخْطئ له قَطُّ نُشَّابَة غير هذه، فعَدَا يُوسُف إليهِ، وكان السُّلْطانُ جالِسًا على سُدَّة، فنَهَض ونَزَل فعَثَر ووَقعَ على وَجْهِهِ، وقد وصَلَهُ يُوسُف فبَرَك عليه وضَرَبَهُ بسِكِّين كانت معه في خَاصِرتِه، ودَخَل السُّلْطان إلى خَيْمته وهو مُثْقَل، ولَحِقَ بعضُ الفَرَّاشين يُوسُفَ فقَتَلَهُ بمَرْوَةٍ (b) كانت في يده، وقَضَى ألْب أَرَسْلَان نَحْبَهُ، وجُلِسَ للعَزَاء به ببَغْدَاد في ثامن جُمَادَى الآخرة، ومولدُه سَنَة أرْبَعٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، وبَلَغ من العُمر أرْبعيْن سنةً وشَهْرين. ودُفِنَ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان عند قَبر أبيه بمَرْو.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بنُ الفَضْل بن عَبْدِ المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: مَلَكَ البِلاد ألْب أَرَسْلَان
стр. 2454
وهو مُحَمَّدُ بن دَاوُد، كَسَر قُتَلْمش بدِيه نَمَك (a) في ذِي الحِجَّة سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين، واسْتَخْلَصَ المُلْك، وغَزَا الرُّوم في شَعْبان سَنَة ثَلاثٍ وسِتَّين، وكَسَرَ الرُّوم، وأَسَر مَلِكهُم، ونُودي عليه في السُّوق، ثمّ مَنَّ عليه وخَلَّاه، ورَدَّهُ إلى مُلْكه، وقُتِل ببُلَيْدَة يُقالُ لها: نَرَزْم (b)؛ على طَرَف جَيْحُون، سَلْخ صَفَر، أو غُرَّة شهر رَبيع الأوَّل سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، وحُمِلَ إلى مَرْو، ودُفِنَ بجَنْب أبيهِ.
أنْبَأنَا عُمَرُ بن طَبَرْزَد، عن أبي القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، عن مُحَمَّد بن هِلِّل، قال: حَدَّثني أبو الحَسَن البُصْرَوِيّ الشَّاعر، قال: رأيْتُ أبا طَاهِر بن أبي قِيْرَاط العَلَويّ في المَنَام وأنا أقُول له: ما فَعَلَ اللّهُ تعالى بك؟ وكُنْتُ أعْلَم فَسَادَ اعْتِقَاده، فلم يُجبْنيّ، فلمَّا كَرَّرت عليه القَوْل وهو على حَالهِ في تَرْك الإجَابَة قال لي: دَعْ عنك هذا فقد ضَرَبَ اللّهُ نَيْسَابُور اثْنَين وسَبْعِين عَصَا، وانْتَبَهْتُ، ففَسَّرته على بعض مَنْ يَدْخُل إليَّ ممَّن له بذاك مَعْرفَة، فقال: عُدَّ يا سَيِّدَنا اثنَيْن وسَبْعِين يوْمًا وانْظُر ما يتجدَّد بنَيْسَابُور. فكان قَتْل عَضُد الدَّوْلَةِ ألْب أَرَسْلَان بن دَاوُد سُلْطانها على جَيْحُون في الجانب الشَّرْقيّ، وقد عَبَرَ لقِتَالِ شَمْس المُلْك بن بُوْرِيجان (c) صاحب سَمَرْقَنْد وبُخَارَى وتلك الأعْمَال في اليَوْم الثَّالث والسَّبْعين من المَنَام، وكان ذلك عَجيْبًا، ويُقالُ إنَّ أهل بُخَارَى وسَمَرْقَنْد وما يُتَاخِمُها من الأعْمَال اجتمعُوا بسَمَرْقَنْد لمَّا أظلَّتهُم من عَسَاكِر ألْب أَرَسْلَان، وكانت عَظِيمَة، والأكْثَر يَقُول: إنَّها قاربت مائتي ألف فارس، وأنَّهُ (d) لم يَكُن لسُلْطَانهم ولهم به قُوَّة، وبدأ الاجْتياحُ والنَّهْب
стр. 2455
في الأعْمَال، وباتَ صُلَحَاءُ النَّاس بسَمَرْقَنْد في الجَامِع مُدَّة أسْبُوع يَصُومُون ويُفْطِرون على الرَّمَادِ والمِلْح، ويَدْعُون اللّه كفايتَهم ما قد أظلَّهم، وأمْرُ مَنْ قد قَصَدَهُم، فلم تَنْسلخ أيَّام الأسْبُوع حتَّى وَرَدَ إليهم خَبَر قَتْله، وأنَّ يُوسُفَ - أحد أصْحَاب شَمْس المُلْك - لمَّا أُخِذَ منِ قَلْعَة هناك أُحْضر بينَ يَدَيْهِ، فتهدَّدَهُ وتوعَّده، ثمّ ضَرَب إليهِ نُشَّابةً، وقال لغُلَاميْن [تُرْكيَّيْن] (a) كانا يمسكانه: خَلِّياه ورَمَاه فلم يُصِبْهُ، وعَدَا إليهِ يُوسُف فبَرَك عليه وجَرَحه بسِكِّين كانت في خُفِّه جراحةً عاش منها ثلاثة أيَّام ومات.
ألْب أَرَسْلَان - ويُسَمَّى مُحَمَّدًا أيضًا - ابن رِضْوَان بنُ تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بك بن سُلْجُوق بِن تُقَاق، أبو شُجَاعَ، المُلَقَّب تاج الدَّولَة الأخْرَس (١)
وألْب أَرَسْلَان الّذي قَدَّمْنا ذِكْره (٢) جَدُّ أبيهِ.
مَلَكَ حَلَبَ حين مات أبُوه رِضْوَانُ وهو صَبيٌّ، وتولَّى تَدْبِيرَ أمْره خَادِمٌ أبيضُ كان من خَدَم أبيه اسْمُه لُؤْلُؤ ويُعْرَفُ باليَايَا، فلم تتمّ له سَنَة حتَّى قَتَلهُ غِلْمَانه بالمَرْكز من قَلْعَة حَلَب، ووافقهُم على ذلك لُؤْلُؤ اليَايَا.
وكان أَلْثغَ لا يُحْسنُ الكَلَام؛ فدُعِيَ بالأخْرَس لذلك. وكان مُهَوَّرًا قليل العَقْل، سَفَّاكًا للدَّم، مُنْهَمِكًا في المَعَاصِي.