سَأل ألْب أَرَسْلَان أنْ يُفَوِّض الوِزَارَة بعده إلى نِظَام المُلْك.
ثُمَّ وَرَدَ خَاقَانُ التُّرْك تِرْمِذ وخرَّبها ونَهَبَهَا، فطَرَدَهُ ألْب أَرَسْلَان عنها، فمَضَى الخَاقَان وخيَّم على جَيْحُون من جَانب بُخَارَى، وطَلَبَ المُصَالَحَة؛ مُصَالَحَة جَغْرِي بك، واجْتَمع به، ثمّ افْتَرَقا، وأثَّر المَرَضُ في جَغْرِي بك، وزادَ ضَعْفُه (a)، وكان عُمْرُهُ سَبْعِين سَنَةً، فقَضَى نَحْبَهُ في صَفَر سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين وأرْبَعِمائة في سَرْخَس، وقامَ مقامَهُ في المُلْك السُّلْطان ألْب (b) أَرَسْلَان، وكان مَلِكْشاه حينئذ ابن سِتّ سِنيْن، وعاشَ طُغْرِلبِك السُّلْطان بعد (c) جَغْرِي بك ثلاث سنين.
قَرَأتُ في كتابِ الرَّبيع، تأليفُ غَرْس النِّعْمَة أبي الحَسَن مُحَمَّد بن هِلِّل بن المحسِّن بن إبْراهيم بن هِلِّل الصَّابِئ، وأخْبَرَنَا به أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف بن عليّ البَغْدَاديّ وغيره إجَازَةً، عن أبي الفَتْحِ مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ، قال: أنْبَأنَا أبو عَبْد اللّه الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَنا غَرْسُ النِّعْمَةِ أبو الحَسَن، قال: حَدَّثني بعضُ الخُرَاسَانيَّةِ، قال: خَرَج ألْب أَرَسْلَان بن دَاوُد، المُلَقَّبُ عَضُد الدَّوْلَة، وهو صَبيٌّ إلى الصَّيْد فرأي شَيْخًا ضَعِيْفًا على رَأسِه شَوْكٌ قد قَطَعَهُ وتعبَ به، وهو ذا يُقَاسِي من حَمْلِهِ شِدَّةً وصُعُوبَةً، فقال له: يا شَيْخُ، قال: لَبَّيْكَ، قال: أتُحبُّ أنْ أُريْحَكَ ممَّا أنتَ فيه من هذا الكَدِّ والتَّعَبِ (d) والنَّصَب مع الشَّيْخُوخَة وكِبَر السِّنّ؟ فظَّنَ الشَّوْكِيُّ أنَّهُ يُعْطِيْه ما يُكْفهِ به عن ذاك ويُعِيْنُهُ (e)، فقال: إيْ واللّهِ يا مَوْلايّ، فرَماهُ بنُشَّابَةٍ قتلَتْهُ مكانَهُ!.
وهذا صَدَرَ من ألْب أَرَسْلَان في حال الصُّبُوَّة والجَهْل، وحملَهُ عليه سُكْر الشَّبَاب، أمَّا في حالة اكْتِهَاله واسْتِقرَاره في المُلْك، فكان من أعْدَلِ المُلُوك وأحْسَنهم سِيْرة، وأرْغَبِهم في الجِهَادِ ونُصْرة الدِّين.
стр. 2452
قَرَأتُ في مُنْتَخَبٍ من كتاب زُبْدَة التَّوَاريخ للأميْر أبي الحَسَن عليّ بن الشَّهِيْد أبى الفَوَارِس نَاصِر بن عليّ الحُسَيْنيّ (١)، قال: لمَّا اسْتَبَدَّ السُّلْطان ألْب أرسْلَان بالأمْر، واسْتَوَى على سَرير المُلْك، بَسَطَ على الرَّعَايا جَنَاحَ العَدْلِ، ومَدَّ عليهم ظلَّ الرَّأفَة والبَذْلِ، وقَنعِ من الرَّعَايا بالخَرَاج الأصْليّ في نَوْبَتَين من كُلِّ سَنَة، وكان يَتَصَدَّق في كُلِّ سَنَةٍ في شَهْر رَمَضَان بأربعة آلاف دِيْنارٍ ببَلْخ، وألف بمَرْو، وألف بهَرَاة، وألف بنَيْسَابُور، ويَتَصَدَّق بعَشرة آلاف دينارٍ في حَضْرته.
وكَتَبَ السُّعَاةُ إليهِ سِعَايةً بنِظَام المُلْك (a)، وتَعَرُّفًا بمكَاسِبهِ، ووضَعُوه على طَرَف مُصَلَّاهُ، فدَعا السُّلْطانُ نِظَامَ المُلْك وقال له: خُذْ هذا الكتابَ، فإنْ صَدَقُوا فيما كَتَبُوه فهَذِّب أخْلاقكَ، وأَصْلِح أحْوَالكَ، وإنْ كَذَبُوا فاغْفِر للجَارِم (b)، واشْغل السَّاعِي بمُهِمٍّ من مُهمَّات الدِّيْوَان حتَّى يُعْرِض عن الكَذِب والبُهْتَان.
قَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب بن الحُصَيْن: في شَهْر رَمَضَان - يعني من سَنَة ستّ وخَمْسِين وأرْبَعمائة - وصَل رِكَابيٌّ من تِبْرِبن بكتابٍ من (c) نِظَام المُلْك يُخْبر أنَّ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان أوْغَل في الغَزَاة ببلادِ الخَزَر، وبَلَغَ حيثُ لَم يبلغُ أحدٌ من المُلُوِك، وافْتَتَح بَلَدًا عَظيْمًا يُسَمَّى أسبيذ شَهْر (d)، وقَتَل نحو ثلاثين ألف رَجُل، وسَبَى ما يُوْفي على خَمْسِين ألف مَمْلُوك، وهَادَن مَلِكَ الأَبْخَاز، وعاد من ذلك الثَّغْر، ونَزَلَ على مَدِينَة آنِي من بلاد الرُّوم (e)، ففَتَحَها عَنْوَةً، وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ تَشْتَمِل على سَبْعمائة ألف دارٍ، وأَسَرَ منه خَمْسمائة ألف إنْسَان.
стр. 2453
قال: وهو أوَّلُ مَنْ ذُكِرَ على مَنَابِر مَدِينَة السَّلام بالسُّلْطان عَضُدِ الدِّين ألْب أَرَسْلَان.
وقَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب أيضًا: سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، في أوَّلها غَزَا السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان جَيْحُون، وكان معه زِيَادَة على مائتي ألف فارس، وعَبَرَ عَسْكَرُه إليهم في نَيف وعِشْرين يَوْمًا من صَفَر، وكان قد قَصَدَهُ شَمْسُ المُلُوك تِكِيْن بن طُمْغَاج (١)، وأتاهُ وأصْحَابه بمُسْتَحْفِظ قَلْعَة يُعْرَفُ بيُوسُف الخُوارَزْمِيِّ، وحُمِلَ إلى قُرْب سَرِيْره، وهو مع غُلَامَيْن، فتقدَّم بأنْ يُضْرب له أرْبَعة أوْتاد، وتُشَدّ أطْرَافُه إليها، فقال: يا مُخَنَّث، مثْلي يُقْتَل هذه القَتْلة! فاحْتَدَّ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان، وأخَذَ القَوْسَ والنُّشَّابَة، وحَرِصَ (a) على قَتْله، وقال للغُلَامَيْن: خَلِّياهُ، فخَلَّيَاهُ ورَمَاهُ، فأخْطَأهُ، ولم تُخْطئ له قَطُّ نُشَّابَة غير هذه، فعَدَا يُوسُف إليهِ، وكان السُّلْطانُ جالِسًا على سُدَّة، فنَهَض ونَزَل فعَثَر ووَقعَ على وَجْهِهِ، وقد وصَلَهُ يُوسُف فبَرَك عليه وضَرَبَهُ بسِكِّين كانت معه في خَاصِرتِه، ودَخَل السُّلْطان إلى خَيْمته وهو مُثْقَل، ولَحِقَ بعضُ الفَرَّاشين يُوسُفَ فقَتَلَهُ بمَرْوَةٍ (b) كانت في يده، وقَضَى ألْب أَرَسْلَان نَحْبَهُ، وجُلِسَ للعَزَاء به ببَغْدَاد في ثامن جُمَادَى الآخرة، ومولدُه سَنَة أرْبَعٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، وبَلَغ من العُمر أرْبعيْن سنةً وشَهْرين. ودُفِنَ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان عند قَبر أبيه بمَرْو.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بنُ الفَضْل بن عَبْدِ المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: مَلَكَ البِلاد ألْب أَرَسْلَان
стр. 2454
وهو مُحَمَّدُ بن دَاوُد، كَسَر قُتَلْمش بدِيه نَمَك (a) في ذِي الحِجَّة سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين، واسْتَخْلَصَ المُلْك، وغَزَا الرُّوم في شَعْبان سَنَة ثَلاثٍ وسِتَّين، وكَسَرَ الرُّوم، وأَسَر مَلِكهُم، ونُودي عليه في السُّوق، ثمّ مَنَّ عليه وخَلَّاه، ورَدَّهُ إلى مُلْكه، وقُتِل ببُلَيْدَة يُقالُ لها: نَرَزْم (b)؛ على طَرَف جَيْحُون، سَلْخ صَفَر، أو غُرَّة شهر رَبيع الأوَّل سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، وحُمِلَ إلى مَرْو، ودُفِنَ بجَنْب أبيهِ.
أنْبَأنَا عُمَرُ بن طَبَرْزَد، عن أبي القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، عن مُحَمَّد بن هِلِّل، قال: حَدَّثني أبو الحَسَن البُصْرَوِيّ الشَّاعر، قال: رأيْتُ أبا طَاهِر بن أبي قِيْرَاط العَلَويّ في المَنَام وأنا أقُول له: ما فَعَلَ اللّهُ تعالى بك؟ وكُنْتُ أعْلَم فَسَادَ اعْتِقَاده، فلم يُجبْنيّ، فلمَّا كَرَّرت عليه القَوْل وهو على حَالهِ في تَرْك الإجَابَة قال لي: دَعْ عنك هذا فقد ضَرَبَ اللّهُ نَيْسَابُور اثْنَين وسَبْعِين عَصَا، وانْتَبَهْتُ، ففَسَّرته على بعض مَنْ يَدْخُل إليَّ ممَّن له بذاك مَعْرفَة، فقال: عُدَّ يا سَيِّدَنا اثنَيْن وسَبْعِين يوْمًا وانْظُر ما يتجدَّد بنَيْسَابُور. فكان قَتْل عَضُد الدَّوْلَةِ ألْب أَرَسْلَان بن دَاوُد سُلْطانها على جَيْحُون في الجانب الشَّرْقيّ، وقد عَبَرَ لقِتَالِ شَمْس المُلْك بن بُوْرِيجان (c) صاحب سَمَرْقَنْد وبُخَارَى وتلك الأعْمَال في اليَوْم الثَّالث والسَّبْعين من المَنَام، وكان ذلك عَجيْبًا، ويُقالُ إنَّ أهل بُخَارَى وسَمَرْقَنْد وما يُتَاخِمُها من الأعْمَال اجتمعُوا بسَمَرْقَنْد لمَّا أظلَّتهُم من عَسَاكِر ألْب أَرَسْلَان، وكانت عَظِيمَة، والأكْثَر يَقُول: إنَّها قاربت مائتي ألف فارس، وأنَّهُ (d) لم يَكُن لسُلْطَانهم ولهم به قُوَّة، وبدأ الاجْتياحُ والنَّهْب
стр. 2455
في الأعْمَال، وباتَ صُلَحَاءُ النَّاس بسَمَرْقَنْد في الجَامِع مُدَّة أسْبُوع يَصُومُون ويُفْطِرون على الرَّمَادِ والمِلْح، ويَدْعُون اللّه كفايتَهم ما قد أظلَّهم، وأمْرُ مَنْ قد قَصَدَهُم، فلم تَنْسلخ أيَّام الأسْبُوع حتَّى وَرَدَ إليهم خَبَر قَتْله، وأنَّ يُوسُفَ - أحد أصْحَاب شَمْس المُلْك - لمَّا أُخِذَ منِ قَلْعَة هناك أُحْضر بينَ يَدَيْهِ، فتهدَّدَهُ وتوعَّده، ثمّ ضَرَب إليهِ نُشَّابةً، وقال لغُلَاميْن [تُرْكيَّيْن] (a) كانا يمسكانه: خَلِّياه ورَمَاه فلم يُصِبْهُ، وعَدَا إليهِ يُوسُف فبَرَك عليه وجَرَحه بسِكِّين كانت في خُفِّه جراحةً عاش منها ثلاثة أيَّام ومات.
ألْب أَرَسْلَان - ويُسَمَّى مُحَمَّدًا أيضًا - ابن رِضْوَان بنُ تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بك بن سُلْجُوق بِن تُقَاق، أبو شُجَاعَ، المُلَقَّب تاج الدَّولَة الأخْرَس (١)
وألْب أَرَسْلَان الّذي قَدَّمْنا ذِكْره (٢) جَدُّ أبيهِ.
مَلَكَ حَلَبَ حين مات أبُوه رِضْوَانُ وهو صَبيٌّ، وتولَّى تَدْبِيرَ أمْره خَادِمٌ أبيضُ كان من خَدَم أبيه اسْمُه لُؤْلُؤ ويُعْرَفُ باليَايَا، فلم تتمّ له سَنَة حتَّى قَتَلهُ غِلْمَانه بالمَرْكز من قَلْعَة حَلَب، ووافقهُم على ذلك لُؤْلُؤ اليَايَا.
وكان أَلْثغَ لا يُحْسنُ الكَلَام؛ فدُعِيَ بالأخْرَس لذلك. وكان مُهَوَّرًا قليل العَقْل، سَفَّاكًا للدَّم، مُنْهَمِكًا في المَعَاصِي.
стр. 2456
سَمِعْتُ وَالدِيّ، يرَحِمَهُ اللّهُ، يقُول: جَمعَ تاجُ الدَّوْلَة الأخْرَسُ ابن رِضْوَان جَمَاعَة من الأُمَراء والأجْنَادِ وأدْخَلهُم إلى مَوضِع بالقَلْعَة شبيهٍ بالسِّرْداب أو المَصْنعَ لينظرُوه، فلمَّا حصَلُوا كلّهُم فيه قال لهم: أيْشٍ تقُولونَ فيمَن يَضْربُ رقابَكُم كُلَّكم هَا هُنا، فتضَرَّعوا إليهِ، وأيْقَنُوا بالقَتْل، وقالوا: يا مَوْلَانا، نحن مَمَالِيْكُك وبحُكْمك، وخَضَعُوا له حتَّى أخْرَجَهم، ثمّ إنَّهم خَافُوا على أنْفُسهم منه فاجْمَعُوا على قَتْله فقَتلُوه.
وقال لي الأَمِيرُ بَدْرَانُ ابن جَنَاح الدَّوْلةَ حُسَيْن بن مَالِك بن سَالَم: كان جَدِّي مَالكٌ من جُمْلَةِ الأُمَرَاءِ الذّين فَعَل بهم (a) ذلك، فلمَّا نَزَل من القَلْعَة سَار عن حَلَب إلى قلعَة جَعْبَر، وتَرَك المقام بحَلَبَ خَوْفًا على نَفْسهِ.
قال: ومَضَى أكْثر الأُمَرَاء من حَلَب من خِدْمته إلى أنْ قُتِلَ؛ عَمِلَ عليه لُؤْلُوٌ الخَادِمُ مَمْلُوكُ أبيهِ مع جَمَاعَةٍ من الأُمَرَاءَ، فقَتلُوه.
قال: ثُمّ إنَّ لُؤْلُؤ خَافَ فأخَذَ الأمْوَال منِ قَلْعَة حَلَب، وسَار طَالِبًا بلاد الشَّرْق، فلمَّا وصَل إلى دَيْر حَافر قال سُنْقُر الجَكَرْمشيّ: تَتْركونَهُ يقْتُلُ تاجَ الدَّولَة، ويأخُذُ الأمْوَال، ويَمْضِي! فصَاح بالتُّرْكِيّة - يعني: الأرْنَب الأرْنب، فضَرَبُوه بالسِّهَام فقَتَلُوه.
قال: ولمَّا هَرَب لُؤْلُؤ أقامت القَلْعَةُ في يَدِ آمِنَة خَاتُون بنت رِضْوَان يَوْمَيْن، فلمَّا قُتِلَ لؤلُؤ، مَلَّكوا سُلْطان شَاه بن رِضْوَان. هكذا قال لي.
ولُؤْلُؤ هو الّذي نَصَب سُلْطان شاه بعد قَتْل أخيه، وبقي سَنَة وثَمانية أشْهُر يُدَبِّر دَوْلَته.
стр. 2457
وقَرَأتُ في كتابِ عُنْوَان السِّيَر، تأليفُ مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ (١)، قال: وولي بعدَهُ - يعني رِضْوَان - أبَو شُجَاع مُحَمَّد بن رِضْوَان، وكان لا يُحْسنُ أنْ يَتَكلَّم، واسْتَولَى على حَلَب وله من العُمْر تِسْع عَشرةَ سَنَةً، وقَتَلَ خَلْقًا من أصْحَاب أبيهِ، فاغْتَالَهُ خَادِمٌ كان خَصِيْصًا به اسْمُه لُؤْلُؤ، في رَجَب سَنَة ثَمانٍ وخَمْسِمائَة، وكان مُلْكُه بحَلَب سَنَةً واحدةً.
قال لي بَدْارِن بن حُسَيْن بن مَاِلك: بَلَغَني أنَّ تاج الدَّوْلَة الأخْرَس خَرَجَ يَوْمًا إلى عَيْن المُبارَكَة، ونَصَب بها خَيْمَةً، وأخَذَ معه أرْبَعيْن جَارِيَةً، ووطئَهُنَّ كُلّهُنَّ في ذلك اليَوْم.
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّدُ بن هِبَةِ اللّه بن مُحَمَّد القَاضِيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيُّ (٢)، قال: ألْب أَرَسْلَان (a) بن رِضْوَان بن تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان التُّرْكِيِّ، وَلِيَ إِمْرَة حَلَب بعدَ مَوْت أبيهِ رِضْوَان في جُمَادَى الآخرة سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِمائَة وهو صَبيٌّ عُمْرُه سِتّ عَشْرةَ سَنَةً، وتَولَّى تَدْبِير أمْره خَادِمٌ لأبيهِ اسْمُه لُؤْلُؤ (b)، ورفَع عن أهْل حَلَبَ بعضَ ما كان جُدِّد عليهم من الكُلَف، وقَتَل أخوَيهِ مَلِك شَاه وميريجا (c)، وقَتَلَ جَمَاعَةً من البَاطِنِيَّة، وكانت دَعْوتُهم قد ظَهَرت في حَلَب في أيَّامِ أبيهِ، ثمّ كاتَب طُغْتُكِيْن أميرَ دِمَشْق، ورغبَ في اسْتِعْطافه، فأجابَهُ طُغْتُكيْن إلى ذلك، ودعا له (d) على مِنْبَر دِمَشْق في شَهْر رَمَضَان من هذه السَّنَة، ثمّ قَدِمَ ألْب أَرَسْلَان في هذا الشَّهْر دِمشْق، وتلقَّاهُ طُغْتكِيْن
стр. 2458
وأهْلُ دِمَشْق في أحْسَن زيّ وأنْزلَهُ في قلعَةِ دِمَشْق، وبالغ في إكْرَامِه، فأقامَ بها أيَّامًا، ثمّ عاد إلى حَلَب في أوَّل شَوَّال، وصَحِبَهُ طُغْتُكِين، فلمَّا وَصَل حَلَب لم يَر (a) طُغْتكِيْن ما يُحبُّ ففَارَقَهُ وعاد إلى دِمَشْق.
وسَاءَتْ سِيْرةُ ألْب أَرَسْلَان بحَلَبَ، وانْهَمَكَ في المَعَاصِي واغْتِصَاب الحُرَمِ، وخَافَهُ لؤلُؤ اليَايَا (b)، فقتَلَهُ بقَلْعَة حَلَب في الثَّاني من شَهر ربيع الآخرة من سَنَة ثَمانٍ وخَمْسِمائَة، ونَصَبَ أخًا له طِفْلًا عُمْرهُ سِتُّ سنين، وبقي لؤلُؤ بحَلَب إلى أنْ قُتِلَ في آخر سَنَة عَشْر وخمْسِمائَة (c).
قَراتُ في مُدْرَجٍ وَقَعَ إليَّ بخَطِّ العَضُد مُرْهَف بن أُسامَة بن مُنْقِذ فيه تَعَاليْقِ من الحَوَادِث في السِّنِيْن، قال: وفيها - يعني سَنَة ثَمانٍ وخَمْسِمائَة - قُتِلَ الأخرسُ ابن المَلِك رِضْوَان في يَوْم الاثْنَين خامِس شَهْر رَبيع الآخر.
قُلتُ: ومن العَجَب العَجِيب، الّذي فيه عِبْرَة لكُلِّ أَريب، أنَّ رِضوَان لمَّا مَلَك حَلَبَ قَتَل أخَوين كانا له (١)، فقُوبِلَ في عَقبهِ، فلمَّا ولي ألْب أَرَسْلَان قتَلَ أخَوَيه ابني رِضْوَان.
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي عبد الله مُحَمَّد بن علي العظيميّ (٢)، وأنْبَأنَا بهِ أبو اليُمْن الكِنْدِيّ عنه، قال: سَنَة سَبع وخَمْسِمائَة، فيها ماتَ المَلِكُ رِضْوَان (d) بحَلَب، وجَلَسَ مَوضِعَهُ ولدُه تاجُ المُلُوك ألْب أَرَسْلَان، وصار أتَابِكه لُؤْلُؤ الخادِم، وقَتَلوا
стр. 2459
من الخَدَم والخَوَاصّ جَمْعًا حتَّى اسْتَقام أمْرهم، وقَبَضَ على إخْوته.
وفيها قَتَلَ تاجُ الدَّوْلَة ابن المَلِك رِضْوَان أخَوَيهِ: مَلِك شَاه وإبْرهيم؛ صَبِيَين أحْسَن النَّاس صُوَرًا، وقَتَلَ خَادِم أبيه التُّونْتَاش المجني (a)، وقتل الْفَتكِيْن الحاجِب، وخافَهُ النَّاس، فألَّبَ عليه خَادِمُه أتَابِكُه لُؤلُؤٌ مَنْ قَتَلَهُ.
ثُمَّ قال (١): سَنَة ثَمانٍ وخَمْسِمائَة، فيها قُتِلَ تاج الدَّوْلَة ألْب رَسْلَان (b) بن رِضْوَان صاحب حَلَب بدَارِه في قلعَة حَلَب بتَدْبير أتَابِكه لُؤْلُؤ الخَادِم، وأجْلَسُوا موضِعه أخَاهُ المَلِك سُلْطان شَاه بن رِضْوَان.
كذا قال العُظَيْميّ: مَلِك شَاه وإبْراهيم! وهو وَهْمٌ وإنَّما هو وميريجا، وأمَّا إبْراهيم فإنَّهُ آخر مَنْ بقي من وَلد رِضْوَان، ولم يبقَ من ذُرِّيَّة رِضْوَان إلَّا عَقبه إلى يَومنا هذا.
ألْب أَرَسْلَان بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مَلكْشاه بن ألْب أَرَسْلَان بن جَغرِي بك التُّرْكيِّ (٢)
كان هو وأخُوه فَرُّخْشَاه المَعْرُوفُ بالخفَاجي في كَفَالَة زَنْكيِّ بن آقْ سُنْقُر، وكان فَرُّخْشَاه بالمَوْصِل، وكان أبوهمُا السُّلْطان مَحْمُّود قد كَتَبَ لزَنْكيِّ تَوْقِيعًا
стр. 2460
بالشَّام، فاتَّفقَ أنَّ فَرُّخْشَاه بَلَغَ وأدْرَك وتأسَّد، وكانت زَوْجة زَنْكيِّ السُّكْمانيَّة تُرَبِّيه ففَهَّدتهُ، وحدَّثَته نفسُه بالمُلْك، وكان نَصِيْرُ الدِّين جَقَر (a) نائبَ زنْكِي بالمَوْصِل، وكان ظَالِمًا، فرَكِبَ في بعضِ الأيَّام، ودَخَل إلى دَار المَلِك للتَّسْليم عليه فقُتِلَ في الدِّهْلِيْز، وأرْكبوا المَلِك، ودَخَلَ القَلْعَة فقُتِلَ بها.
وكان أخُوه ألْب أَرَسْلَان معْتَقَلًا بسِنْجَار، فسَارَ زَنْكِي إلى المَوْصِل، وأخْرَج ألْب أَرَسْلَان من مُعْتقَله بسِنْجَار، وعَطَفَ عليه، وأوْهمَه أنَّهُ كان في حَبْس أخيهِ فَرُّخْشَاه، وعاد زَنْكِي إلى حَلَب واسْتَصْحَب معه ألْب أَرَسْلَان، ثمّ جاء إلى حصَار قَلْعَة جَعْبَر وألْب أَرَسْلَان معه، وحَصَرَها إلى أنْ قُتِلَ بها على ما هو مَشْروحٌ في تَرْجَمَتِهِ (١)، وافْتَرَقت عَسَاكره، فَمضَى نُورُ الدِّين مَحْمُّود بن زنْكِي إلى حَلَب، واسْتَمال جَمالَ الدِّين مُحَمَّد بن عليّ بن أبي منْصُور المَلِك ألْب أَرَسْلَان، وأطْمَعَهُ في المَمْلكَة، وكاتَب زَيْنَ الدِّين عليّ كَوجَك على أنْ يَسْتَدعي سَيْفَ الدِّين غَازِي بن زَنْكِي، وكان في خِدْمَة السُّلْطان مسْعُود بأمْر وَالده زَنْكِي ليأمن غَائلَة السُّلْطان ومَكَائِده، فاتَّفَقَ وُصُول الخَبَر إليه وهو بشهرَزُور، فدَخَل المَوْصِل، ثمَّ دَخَل جَمال الدِّينِ والعَسْكَر، وبَقِي المَلِك ألْب أَرَسْلَان مُنْفَردًا فاسْتَوْحشَ، وطَلَب صَوْبَ الجَزِيْرة، فسَيَّرُوا في طَلَبه مَنْ دَاهنَهُ وأظْهَر له الطَّاعَة والعبُوديَّة عن غَازِي، وأنَّهُ إذا فارَقه زَالت عنه سِمَةُ الأتَابِكيَّة، فلا تُشمتْ به أعْدَاءَهُ، وَأنَّهُ سَيأخُذ البِلاد باسْمِكَ، فأجابَهُم ودَخَل المَوْصِلَ في أُبَّهةٍ جَمِيلةٍ واسْتِقْبالِ ونثَارٍ حتَّى دَخَل الدَّار فَخَنقُوه، واتَّفَقَ غَازِي مع نُوَّابِ أبيهِ: زَيْنِ الدِّين وجَمالِ الدِّين والدُّبَيْسيّ، وكان ذلك في سَنَة إحْدَى وأرْبعين وخَمْسِمائَة.
стр. 2461
ذِكْرُ مَن اسْمُه إلْيَاس
إلْيَاسُ بن مُحَمَّد بن إلْيَاس بن إبْراهيم التَّمِيْمِيُّ البَالِسِيُّ
حَدَّثَ عن أَبِيهِ مُحَمَّدِ بن إلْيَاس بن إبْراهيم البَالِسِيّ. رَوَى عَنْهُ انبُه أبو الأسَد مُحَمَّد بن إلْيَاس الخَطِيب اليَالِسِيّ.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّطِيْف بن يُوسُف بن عليّ البَغْدَاديّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عليّ بن الخَضر القُرَشِيّ، إجَازَة إنْ لم يكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن عُلْوَان الحَلَبيِّ، قال: أخْبَرَنا الفَقيهُ مَعْدَانُ بن كَثيْر بن الحَسَن بن المُعَمَّر (a) البَالسِيّ بحَلَب، قال: حَدَّثنا القَاضِي الأَجَلُّ أبو التَّمَّام عَبْد العَزِيْز بن مُحَمَّد بن إلياس، قال: حَدَّثَنَا والدي مُحَمَّد بن إلياس (b)، قال: حَدَّثَنَا والدي إلْيَاسُ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا والدِي مُحَمَّد بن إلْيَاس، قال: حَدَّثَنَا أبو يُوسُف مُحَمَّدُ بن سُفْيان بن مُوسَى الصَّفَّار بالمِصِّيْصَة، قال: حَدَّثنا مُحَمَّدُ بن قُدَامَة، قال: حَدَّثَنا جَرِيرُ، عن أَبيِهِ، عن جَدِّهِ (١)، قال: قال رسُول الله ﷺ : لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ.
إلْيَاسُ بن عَبْد الله، أبو الخَيْر (٢)
عَتِيق أبي مَنْصُور المُظَفَّرِ بن عَبْدِ القَاهِر بن الحَسَن الشْهرَزُورِيّ، قاضي المَوْصِل.
سَمِعَ بالمَوْصِل خَطِيْبَها أبا الفَضْل عَبْد الله بن أحْمَد الطوْسيّ، ورَوَى لنا
стр. 2462
بالمَوْصل، وذَكَرَ لي أنَّهُ قَدِمَ حلَبَ مع مَوْلاه حين اجْتازَ بها رَسُولًا، قال لي: وقَدِمْتُها مِرَارًا كَثِيْرة في بَحارهَ، وكان شَيْخًا حَسَنًا صحيح السَّمَاعَ أمِيْنًا.
أخْبَرَنا إِلْيَاسُ بن عَبْد الله مَوْلَى ابن المثَّهْرَزُورِيّ بالمَوْصِل (a)، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل عَبْد اللهَ بن أحْمَد بن الطُّوْسيّ الخَطِيب بالمَوْصِل، قال: أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر ميْمُون بن مَحمُود بن أحْمَد في دَاره المَعْمُورة بترمِذ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن إسْحاق المَرْغِيْنَانيِّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيخُ أبو القاسِم الحَكِيم الأشباريانيّ (b)، قال: أخْبَرَنا نَسْطُور (c) الرّوميّ بقَرْيَةٍ من قُرى بَارَات (d) يُقال لها تكركان (e)، قال: قال رسُول الله ﷺ (١): مَنْ لذَّذَ أخاهُ بما يَشْتَهِي، كَتَبَ اللهُ له ألف حَسَنة، ومَحا عنه ألف سَيِّئة، ورَفَع له في الجنَة ألفَ دَرَجَة، ويُطْعمه الله تعالَى من ثلاث جِنَان: من العَدَن، والفِرْدَوْس، والخُلْد.
تُوفِّي أبو الخَيْر إلْياس (f) بالمَوْصِل سَنَة ثلاث وخَمْسين وسّتمائة.
إلْيَاس بن [ … ] (g) الفَقِيه المُلَقَّب بنَاصِح الدِّين (٢)
فَقِيهٌ كان بسِيْوَاس يُدرِّسُ الفِقْهَ على مَذْهَب أبي حَنِيْفَة ﵁،
стр. 2463
فأرْسَله صاحبُ سِيْوَاس الملك يَاغي بَسَنْ (a) ابن الدَّانِشْمَنْد إلى حَلَب ليأخُذ الفَتَاوَى من أئمّتها على المَلك فَخْر الدِّين بِسبَب يَمِيْن جَرَت بين ابن (b) الدَّانشمَنْد وبين فَخْر الدِّين، فادَّعَى أَنَّهُ قد نَقَض العَهْد وخالَف اليَميْن حين نَزَل يُحاصر آمِد، والغالب عليها يَوْمئذٍ المَلَاحِدَة، وكانوا يَوْمئذٍ مُعَاهدِين لمَنْ خالف المَلِك ابن الدَّانشْمَنْد، فدَخَل بلادَ المَلِكِ فَخْر الدِّين ونَهَبَها، ونفذ الفَقِيه إلْيَاس لأخْذ خُطُوط الأئمَّة بها، وكانا قد تحالفا على أنْ يكُون كُلُّ واحدٍ منهما صدِيْقَ صَديقِ الآخر، وعَدُوَّ عَدُوِّه كائنًا مَنْ كان.
وكان بحَلَب يَوْمئذٍ عَلاء الدِّين عبد الرَّحْمن الغَزنَويّ، وتَاج الدِّين عَبْد الغَفُور الكَرْدَرِيّ (١) الحَنَفيَّان، وشَرَف الدِّين عَبْد الله بن أبي عُصْرون، ﵏ أجْمَعِين.
أَلْيُوْن المَرْعَشيِّ (٢)
كان رُوميًّا من أهْل مَرْعَش، وكان قد مَضَى مع مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك في أيَّام أخيه سُليْمانَ بن عَبْد المَلِك، فَملَّكَهُ الرُّومُ عليهم بالقُسْطَنْطِينِيَّة.
قال البلخِيُّ في تَارِيخْهِ (٣): وجَهَّز سُليْمانُ مَسْلَمَة [فسارَ] (c) حتَّى بَلَغَ
стр. 2464
القُسْطَنْطِينِيَّة في مائهَ ألف وعشرين ألفًا، وكان اسْتَصْحَبَ ألْيُونَ المَرْعَشيِّ ليدُلّهُ على الطَّريق والعَورَات، وأخَذ عُهُودَهُ ومَوَاثيقَهُ على الوَفَاء والمُنَاصَحة، فعبَروا الخلَيْج وحاصَرُوا القُسْطَنْطِينِيَّة، فلمَّا بَّرح بهم الحِصَارُ، عَرَضوا الفِدْيَة على مَسْلَمَةَ فأبَى أنْ يفتحها إلَّا عَنْوَةً، قالوا: فابْعَثْ إلينا أَلْيُوْنَ فإنَّهُ رَجُلٌ منَّا، ويَفْهَم كَلامَنا مُشَافهةً (a)، فبَعَثَه إليهم، فسَألُوه عن وَجْهِ الحيْلَة فقد ضَاقَ بهم (b) الأمر، فقال: يا أهْلَ قُسْطَنْطِينِيَّة، إنْ مَلَّكْتُموني عليمك لَم أَفْتَتحها (c) لمَسْلَمَة، فبَايَعُوه على الملك والأَمْرَة، فخرج أَلْيُوْن وقال لمَسْلَمَة: قد أجَابُوني أنَّهُم يفتَحُونها (d)، غير أنَّهم لا يفتَحُون ما لَم تَنَحَّ عنهم، قال مَسْلَمَةُ: أَخْشَى والله أنَّ هذا منك غَدرٌ، فحَلَفَ له أَلْيُوْنُ أنْ يدْفَع إليه كُلّ ما في قُسْطَنْطِينِيَّة (e) من ذَهَب وفِضّة ودِيباج وسَبْي، ورَحَل مَسْلَمَةُ، وتَنَحَّى إلى بعض الرَّسَاتِيْق، ودخَل أَلْيُوْن، فلبس التَّاج، وقَعَد على سَرِير المُلْك، وأمَرَ بنَقْل الطَّعَام والعُلوفَات من خارج فملأُوا الأَهْرِاء وشَحَنُوا المَطَاميْر، وبلغَ الخَبَرُ مَسْلَمَة (f) فعَلم أنَّه كان غَدَرًا، فأقْبل رَاجِعًا فأدْرك شَيئًا من الطَّعَام، وغلقُوا (g) الأبْوَابَ دونهُ، وبَعَثَ إلى أَلْيُوْن يُنَاشِدُه (h) الوَفَاء إلى العَهْدِ (i)، فأرْسَل إليهِ أَلْيُوْن: مَلِكُ الرُّوم لا يُبَاج بالوَفَاءَ! وؤل بفنائهم مَسْلَمَة ثلاثين شَهْرًا، حتَّى أكَلَ أهْلُ عَسْكره المَيْتَةَ والعَظْم، وقُتِلَ منهم خَلْق عَظيم، ثمّ رَحَل وانْصَرَف.
أمْجَدُ بن عَبْد المَلِك، أبو المَجْد الوَرْكَانِيّ القَاضِي
قاضي بلاد الرُّوم، ووَرْكَان قَرْيَةُ من قُرَى قَاشَان (j)، وكان فَاضِلًا، أَدِيبًا،
стр. 2465
شَاعِرًا، وَاعِظًا، مُتَفَنِّنا في عُلُوم شَتَّى، ودَخلَ حَلَب أو عَمَلها في طَريقه إلى بلادِ الرُّوم، ووَقَعَ إليَّ من شِعْره قوله: [من الطّويل]
يُؤرِّقني ذِكْري عُهُودي ومَشْهَدي (a) … متَى لَاح لي بَرْقٌ ببُرْقَةِ ثَهْمَدِ
وتُذْرِي غُروبي كُلَّما هبَّتِ الصَّبَا … دُموعًا كمُرْفَضِّ الجُمانِ المُبَدَّدِ
إذا نَشَرت أيْدي الظَّلَام فُرُوعَهُ … طُوِيتُ على جَمْرِ الغَضَا المُتَوَقِّدِ
ذِكْرُ مَن اسْمه امْرُؤ القَيْس
امْرُؤ القَيْس بن حُجْر المَلِك ابن الحارِث الَملِك ابن عَمْرو المقصُور المَلِك ابن حُجْر المُرَار المَلِك ابن عَمْرو المَلِك ابن مُعاوَيَة المَلِك ابن الحارِث المَلِك ابن يَعْرُب - وقيل: مُعاوِيَة المَلِك ابنِ ثور المَلِك - ابن مُرَتِّع (a) - وهو عَمْرو أوَّلُ مُلُوك كِنْدَة - ابن مُعاويَة بن ثَ وْر، وهو كِنْدَة، أبو وهب، وقيل: أبو عَمْرو، وقيل: أبو يَزِيد، وقيل: أبو الحارِث، وقيل: أبو كَبْشَة الكِنْدِيّ (١)
أحدُ مُلُوك كِنْدَة وابن مُلُوكهم.
стр. 2466
وقال الوَزِيرُ أبو القَاسِم بن (a) المَغْرِبيّ في كتاب النَّسَب الّذي جَمَعَهُ ووَسَمَهُ بالإينَاس (١): امْرُؤ القَيْس بن حُنْدُج.
وقال في كتاب فَائِت كتاب المُكَاثَرة عند المُذَاكَرَة (٢): وأمَّا امْرُؤ القَيْسِ بن حُجْر فاسْتُغني باشْتِهَاره عن ذِكْر شيء من أخْبَاره أو أشْعَاره فأحْببتُ أن أُثْبتَ اسْمَهُ فهو ما صَحَّ لي: حُنْدُجُ. والحُنْدُجُ: الرَّمْلَةُ العَظِيمَة، والجَمَل العَظيم، والقَيْسُ: الشِّدَّةُ.
وامْرُؤ القَيْس من شُعَرَاءِ الجَاهِلِيَّة، وهو أوَّلُ مَنْ فَتَح بابَ الشِّعر، وذَكَرَ بعضُ الرُّوَاهَ أنَّ امْرُؤَ القَيْس كان مَلِيْحَ الوَجْه، حَسَنَ الأخْلَاق، غير أنَّه كان مُبَغَّضًا إلى النِّسَاءِ.
وقَرأتُ بخَطِّ أبى عَبْدِ اللّه بن خَالَوَيْه: كان امْرُؤ القَيْس مُفَرَّكًا؛ أي تبْغِضُهُ (b) النِّسَاءُ.
وقَرأتُ بخَطِّ غيره: ويقال إنَّ بعض مَن كان يلوذُ به من النِّسَاء فَرِكَتْهُ، وقالث: أشَمُّ منْكَ رَائحَةَ كَلْب، فيُقالُ إنَّهُ أرْضِعَ من لَبَن كَلْبَةٍ.
وأُمُّهُ فاطِمَةُ بنتُ رَبِيْعَة أُخْتُ كُلَيْبٍ (c) ومُهَلْهِل ابني رَبيعَة التَّغْلِبِيّين،
стр. 2467
وكانت بَنو أَسَد قَتَلوا أباهُ حُجْرًا، وامْرُؤ القَيْس غائبٌ، فانْتدب لطَلَب ثأر أبيهِ، فلمَّا عَلم أنَّهُ لا طَاقَة له بذلك سار إلى قَيْصَر مَلِك الرُّوم، مُسْتَنجدًا به على الأخْذ بثَأر أبيهِ، واجْتازَ في طَريقه بِظَاهِرة مَدِينَة حَلَب وبجَمَاة وشَيْزَر، وقد ذَكَرَ مَوَاضع من قُرَى حَلَب وأعمالها في قَصِيْدته الرَّائِيَّة الّتي يَذْكُر فيها مَسِيْره إلى بَلَد الرَّوم، وقَصْده قَيْصَر، وأوَّلُها (١): [من الطّويل]
سَمَا لك (a) شَوْق بعدَما كان أقْصَرا … وحلَّتْ سُلَيْمَى قَرْنَ ظَبي (b) فعَرْعَرا
كنانيَّةٌ بانَتْ وفي الصَّدْر وُدُّهَا … مُجَاوِرة نَعْمَان (c) والحَيَّ يَعْمَرَا
بعَيْنَيْكَ (d) ظُعْنُ الحَيّ لما تحمَّلُوا … على (e) جانب الأفْلَاج من جنْبِ تَيْمَرَا
قال فيها:
ولمَّا بَدَتْ حَوْرَان والآل دُوْنَها … نَظَرْتَ فلم تنظُر بعَيْنَك مَنْظَرَا
تقَطَّعَ أسْبَابُ اللُّبانة والهَوَى … عشيَّة جاوَزْنا حَمَاةَ وشَيْزَرَا
عشيَّة جاوَزْنا (f) حَمَاةَ وشَيْزَر (g) … ما أخُو الجهْد لا يَلْوِي على من تَعَذَّرَا
بَكَى صَحابِي لمَّا رَأى الدَّرْب دُوْنَهُ … وأيْقَن أنا لاحقَان يقَيْصَرَا
فقُلْتُ لَهُ: لا تبكِ عَيْنُك إنَّما … نُحاوِل مُلْكًا أو نَمُوتُ فَنُعْذَرَا
قال فيها:
ألَا رُبَّ يَوْم صَالِح قد شَهِدْتُهُ … بتَاذِفَ ذَاتِ التَّلّ من فَوْق طَرْطَرَا
تَاذِف: قَرْيَةٌ في وَادِي بُزَاعا إلى جانب باب بُزَاعا من إقْلِيْم وَادِي بُطْنَان.
стр. 2468
وطَرْطَر (a): باطَلْطَل الآن تُعْرف بذلك، وقيل طَرْطَرُ اسْمُ نَهرِها (١).
وقَرأتُ بخَطِّ تُوْزُون الطَّبَريّ فيما رَوَاهُ عن أبي عُمَر الزَّاهِد، قال: وقال أبو عرو بخَطِّ الطُّوْسيّ: وأمَّا طَرْطَرُ؛ فأخْبَرَني الوَلِيدُ بن عُبَيْدٍ البُحْتُرِيّ الشَّاعِر، قال: هي قَرْيَةٌ عندنا بنَاحِية مَنْبج يُقالُ لها: باطَرْطَل؛ باللَّام.
وقَرأتُ في شِعْر امْرِئ القَيْس، عن أبي نَصْرٍ، عن أبي سَعيد الأصْمَعِيِّ رِوَايَة أبي الهَيْذَام كلَّا بن بن حَمْزَة العُقَيْلِيّ في تَفْسِير هذا البَيْت: تَاذِفُ قَرْيَةٌ بالشَّام لبني كِلَابٍ فيها حِصْنٌ، وطَرْطَرُ أيضًا قَرْيَةٌ هناك وإنَّما هي بَاطَرْطَر، ثمّ قال فيها: [من الطّويل]
ولا مثْل يَوْم قَذَارَانَ ظلْتُهُ … كأنِّي وأصْحَابي على قَرْن أعْفَرا
يقول: لم نكُن على طُمَأنينَة كأنَّا كُنَّا على قَرْن ظَبْي أعْفَر، وقَذَارَان: قَرْيَةٌ في وَادِي بُطْنَان أيضًا من شَمَالي باب بُزَاعَا مَعْرُوفة، وقد جاءَ في بعض الرِّوَايَات:
ولا مثْل يَوْم في قَذَارٍ ظلتُهُ
وهي قَرْيَةٌ أيضًا من قرَى حَلَبَ من نَاحِيَتها القِبْلِيَّة من أعْمَال السُّهُول والنَّهْريَّات القِبْليَّة، وأكثر هذه القَرْيَة جارٍ في مُلْكِيّ، والآن تُسَميَّ أقْذَار، وتُسَمَّى الّتي (b) في وَادِي بُطْنَان أقذَارَان.
ويروى في هذه القَصِيدَة (٢): [من الطّويل]
لقد أنْكَرَتْنِي بَعْلَبَك وأهْلُها … ولابْنُ جُرَيْج (٣) كان في حِمْص أنْكَرا
يُذَكِّرها أوْطَانها تَلُّ مَاسِحٍ … مَسَاكنها من بَرْبَعيصَ ومَيْسَرا
стр. 2469
وقال ابنُ الكَلْبيّ (١): بَرْبَعيص بحِمْص، وتَلُّ مَاسِحٍ (٢) بقِنَّسْرِيْن.
قَرَأتُ في كتاب أدَب الخَوَاصِّ، تأليف الوَزير أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن (a) المغرِبيّ (٣)، قال: أوَّل ما سَمعَ حُجْرٌ من شِعْر ابْنِهِ امْرِئ القَيْس قوله (٤): [من الرمل]
اسْقِيَا (b) حَجْرًا على عِلَّاتهِ … من كُمَيْتٍ لونُها لونُ العَلَقْ
قال الوَزِيرُ: وإنِّي لأسْتَقْبح أنْ يقُول قائلٌ لأبيهِ: على علّاته! وأظُنّ ذلك هو الّذي غَاضَ حُجْرِا، فلمَّا سَمِعَهُ أمَرَ السَّاقِي وَجْهِهِ وإخْرَاجِهِ، ونَهاهُ عن قَوْل الشِّعْر، ثمّ سَمِعَهُ يوْمًا وهو يَشْربُ من فَضْلَةِ أبيهِ، وهو يَقُولُ (٥): [من التقارب]
وَهِرٌّ تَصِيْدُ قُلُوبَ الرِّجال … وأفْلَتَ منها ابنُ عَمْرو حُجْر
يعني هِرَّ بنت سَلامَة بن عَبْد اللهِ بن عُلَيْم من كَلْب، وابنها الحَارِث وهو المُلقَّبُ بالخَرْسَاء. وقيل: إنَّ هِرَا جَارِيةٌ كانت لأبيهِ، والأوَّل أصَحَّ، فوَثَبَ إليهِ أبُوه فضَرَبَهُ، وأمر مَوْلَى له أنْ يقتُلُه فلم يقتُله وأظْهَرَ قَتْلَه، ثمّ نَدِمَ على ذلك.
وقال غيرُ الوَزِير أبي القَاسِمِ: إنَّهُ لمَّا نَهَاهُ أبُوه عن قَوْل الشِّعْر ولَم ينتهِ، أمر حُجْر حاجبَهُ رِبِيْعَة بقَتْله، وأخْبَر أنَّهُ قَتَلَهُ، فتَبَيَّن نَدَمه، فقال: لَم أقْتُلْهُ وإنَّما تَرَكتُه على جَبَل، فأمَرَهُ بإحْضَاره، ثمّ طردَهُ عنه، فلم يَزَل يَسِيْرُ في العَرَب ومعه قِيَانُه وهَجَائنه يَصَيَّدُ ويَشْرب الخَمْر، فبينما هو في شُرْبه إذ نُعِيَ إليهِ أبوه، وأنَّ بَني
стр. 2470
أَسَدٍ قَتَلَته، وكان مَلِكَهُم؛ قَتَلُوه لعَسْفه وظُلْمه، انتخى (a) له علْبَاءُ بن الحارِث بن حَارِثَة بن هِلال، أحَدُي بَنِي كَاهِل بن أسَد، فضَرَبَهُ بعُكَّازٍ فَأصَابَ نَسَاهُ فماتَ، وانْتَهَبُوا أمْوَاله، وكان حُجْر قَتَل أباهُ.
ولمّا بلَغُه قَتْلُه (b) قال: ضَيَّعَني صَغِيرًا، وحمَّلني ثقْلَ الثَّأر كَبيرًا، اليَوْم خَمْرٌ وغَدًا أمْرٌ! وقال أبْيَاتًا، ثمّ نَهَضَ واسْتَنْهَض بَكْرَ بن وَائِل فأجَابوه، فهَجَم على بَنِي كِنَانَة، فقَتَل فيهم ظَنًّا منه أنَّهم بَنو أَسَد، حتَّى أخْبرته عَجُوز بهم، ثمّ وَاقَع بَني أَسَد، ولم يُدْرِك منهم ثأرَهُ، وبعد ذلك أبَت بَكْرُ وتَغْلِبُ أنْ تتَّبعَهُ لقَتْله كِنَانة ظُلْمًا، وآل أمْره حتَّى دَخَل الرُّوم واسْتَنْجَد بمَلِكِهم واسْمُه أسْطَاس.
قال الوَزِير أبو القَاسِم (١): وقيل إنَّهُ لمَّا قُتِلَ حُجْر، تَنَازع امْرُؤ القَيْس، ابْنُه (c)، وثَعْلَبَة بن مَالِك أحدُ بَنِي عَمْرو بن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن مُعاوِيَة بن كِنْدَة في المُلْكِ بعدَهُ، فأجْمَعَا للحَرْب، فأكْمَنَ امْرُؤُ القَيْس أصْحَابه، وبَرَز إلى ثَعْلبَةَ وَحْدَهُ، وطَعَن فيهم، فحملُوا عليه فولَّى هَارِبًا، وهُم في طَلَبه، فخرَج عليهم أصْحَابُ امْرِئ القَيْس فكَسَرُوهم وأُسِرَ ثَعْلَبَة وقَتَلَهُ صَبْرًا، وقال (٢): [من المتقارب]
لا وأبيك ابنَة العَامرِيّ … لا يدَّعي (d) القَوْمُ أنِّي أفِر
قُلتُ: قد ذَكَرَ الوَزِير أنَّهُ لمَّا قال (٣): [من المتقارب]
وهِرٌّ تَصِيْدُ (ح) قُلُوبَ الرِّجَال … وأفْلَت منها ابن عَمْرو حُجْر
стр. 2471
وَثَبَ إليهِ أبُوه وضَرَبَهُ، وأمَرَ مَوْلاهُ بقَتْله، ثمّ قال: إنَّهُ لمَّا قُتِلَ حُجْر تَنَازَع امرؤ القَيْس وثَعْلَبَة، وأنَّهُ أَسَرَ ثَعْلَبَة، وقَتَلَه صبْرًا، وقال:
لا وأبيك ابنة العَامريّ
البَيْت.
والبيتان جَمِيعًا في قَصِيدَةٍ واحدةٍ، وفي ذلك من التَّنَاقُضِ ما لا يَخْفَى.
قال الوَزِيرُ: بعضُ النَّاس يَظُنُّ أنَّ وِفَادَة امرئ القَيْس إِلى الرُّوم كانت للاسْتِجَاشَة على بَني أَسَدِ، وليس كذلك، وإنَّما سَبَبها أنَّ المُنْذِر بن ماءِ السَّماء اللَّخْمِيَّ لمَّا عاد إلى المُلْكِ أيَّام أنوشَرْوان، أنْفَذ في طَلَب بَنِي آكِل المُرَار جَيْشًا من بَكْر وتَغْلِب، فأَسَرِ منهم ستَّةَ عَشر رَجُلًا، وقيل: اثْنَى عَشر، فضرَبَ أعْنَاقهُم بالحِيْرَة، في دُور بَني مَرِيْنَا، وهي تُسَمَّى لذلك تَلّ الأمْلَاك (a)، ولذلك قال عَمْرو بن كُلْثُوم (١): [من الوافر]
فآبُوا بالنِّهاب وبالسَّبَايَا … وأُبنا بالمُلُوكِ مُصَفَّدِيْنَا
ونَجَا امرؤ القَيْس بالهَرَب، ولَجأ إلى هَانئ بن مَسْعُود بن عَامِر بن عَمْرو بن أبي رَبِيْعَة بن ذُهْل بن شَيْبَان، فاسْتَجَارَه فلم يُجره، فأتَى سَعْد بن الضِّبَاب الإيَادِيّ، وكان سَيِّدَ قَوْمه في وَقْته، فأجارَهُ زمَنًا فمَدَحَهُ وهَجَا هَانئ. وقيل: إنَّ أُمَّ سَعْد كانت تحت حُجْر، فطلَّقها وهي حَامِل، فتزوَّجها الضِّبَاب، فولدت عنده سَعْدًا فنُسِبَ إليهِ.
ثُمّ تنقَّل في الأحياء في طَيِّءٍ، وذكَرَ الوَزِيرُ كَثِيْرًا ممَّن نَزَل عليه، ثمّ قال: إنَّهُ
стр. 2472
نَزَلَ على المُعَلَّى بن تَيْم بن ثَعْلَبَة بن جُدْعان بن مَقْصُور واسْمُه لَوْذان بن ذُهْل بن رُوْمَان بن جُنْدَب بن خارِجَة بن سَعْد بن فُطْرَة بن طَيِّء، فلمَّا تغَيَّب المُعَلَّى عن بيَتْه اغْتَنَمها المُنْذِر، وقصَدَ بَيْته وفَتَّشَهُ، فأدْخَل ابنُه امْرُؤ القَيْس إلى نِسَائهِ، فلم يَجدْهُ عندهم وعاد، فَمدَحَهُم امْرُؤُ القَيْس (١): [من الوافر]
كأنِّي إذ نَزَلتُ على المُعَلَّى … نَزَلْتُ على البَوَاذِخ من شَمَامِ
فما مَلِكُ العِرَاق على المُعَلَّى … بمُقْتدر ولا الملكُ (a) الشَّامِ
أصَدَّ نشَاصَ ذي القَرْنَيْن … حتَّى تَولَّى عَارِضُ المَلِكِ الهُمَامِ
أقرَّ حَشَا امرئ القَيْس بن حُجْرٍ … بنو تَيْم مَصَابِيْحُ الظَّلَامِ
فسُمُّوا مَصَابِيْح الظَّلَام لهذا القَوْل، ثمّ خَرَج امْرُؤ القَيْس من فَوْره يريدُ قَيْصَر.
قُلتُ: وقال امْرُؤ القَيس في المُلُوك الّذين قتلهم المُنْذِر بن ماء السَّماء من بني آكِل المُرَار بالحِيْرَة (٢): [من الوافر]
ألَا يا عَيْن بَكِّي لي شَنيْنا (b) … وبَكِّي لي المُلُوك الذَّاهبِيْنَا
مُلُوكًا من بني حُجْر بن عَمْرو … يُسَاقُونَ العَشِيَّة يُقْتَلُونا
فلو في يَوْم مَعْركةٍ أُصِيْبُوا … ولكن في ديار بني مَرِيْنَا
فلم تغْسَل جَمَاجمهم بغُسْلٍ … ولكن بالدِّماءِ مُرَمَّلِيْنَا (c)
بنو مَرِيْنَا: قَوْمٌ من أهْل الحِيْرَة.
وذَكَرَ أبو عَمْرو عُثْمانُ بن بَحْر الجاحِظ في تَقْدير ما بين رسُولِ الله
стр. 2473
صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبين امْرئ القَيْس أنَّهُ (a) نحو مائتي سَنَة، أو مائة وخَمْسِين سنة، وأوْرَدَهُ في الحَيَوَان (١).
وقال الوَزِيرُ ابن المَغْرِبيّ: والصَّحيحُ الّذي يُوْجبه التَّقْريب في التَّقْدِير أنَّ بين مَوْلد النَّبِي ﷺ وبين مَوْت امْرِئ القَيْس خَمْسًا وخَمْسِين سَنَةً، وبين مَوْلد النَّبِيّ ﷺ وبين هِجْرَته ثلاثًا وخَمْسِين سَنَة.
стр. 2474
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبهِ توفيقِي
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَرُ بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليُّ بن طَرَّاد الزَّيْنَبِيّ، قِراءَةً عليهِ، وأبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو السُّعُود [بن] المُجْلِيّ (a) وغيرهمُا، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا منهم أو من أحدِهم، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن مَسْعَدَة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم حَمْزَةُ بن يُوسُف (b) السَّهْمِيُّ، قال: سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ البَصْرِيّ يَقُول: حَدَّثَنَا بَكْر بن عليّ بن مُحَمَّد الصَّيْدَلانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو هَفَّان الشَّاعر، قال: حَدَّثَنَا الأصمَعِيُّ، عن مُحَمَّد بن سِيْرِيْن، عن أبي هُرَيْرَة (١)، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : امْرُؤ القَيْس قَائِدُ الشُّعَراءِ إلى النَّار.
هكذا وقَع! وقد سَقَطَ بين الأصْمَعِيِّ وابن سِيْرِيْن: ابن عَوْن، واللهُ أعْلَمُ.
أخْبَرَنا به على الصَّوَاب أبو عليّ المُبارَك بن أبي الحَسَن بن الحُسَين بن المُطَرِّز في كتابه، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليُّ بن مُحَمَّد الأنْبارِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر عَبْد الوَاحِد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مَخْلَدَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر جُنَيْد بن حَكِيم الأزْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو هَفَّان الشَّاعرُ، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيُّ، عن ابن عَوْن، عن مُحَمَّد، عن أبي هُرَيْرَة،
стр. 2475
عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: امْرُؤُ القَيْس بن حُجْر قَائِدُ لِوَاءِ الشُّعَراء يَوْمَ القِيامَة إلى النَّار.
أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن أبي الحَسَن بن هِبَةِ الله التَّاجر، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب العَدْلُ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن أَحْمَد العَجَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن مُحَمَّد البَزَّازُ، قال: أخْبرَنا أبو الحَسَن الصِّلْحِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن عُثْمان الوَاسِطِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بَحْشَل (١)، قال: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ (a) بن الرَّبِيْع، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ، قال: أخْبَرَنا أبو الجَهْم، عن الزُّهْرِيّ، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : امْرُؤُ القَيْس صَاحِبُ لِوَاءِ الشُّعَراء وقَائِدُهُم إلى النَّار.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّنْجِيّ ببَلْخ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن حَمْدٍ الدُّوْنِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر أحْمَدُ بن الحُسَين الكَسَّارُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن السُّنِّيّ، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى - يعني المَوْصِلِيّ - قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مَعِيْن، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عن أبي الجَهْم الوَاسِطِيّ، عن الزُّهْرِيّ، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : امْرُؤُ القَيْسِ صاحِبُ لِوَاءِ الشُّعَراءِ إلى النَّار.
أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد بن يُوسُف الأَوَقِيّ بالمَسْجِد الأقْصَى، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن الحُسَين بن زَكَرِيَّاء، وأبو سَعْد مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن خُشَيْش، ح.
стр. 2476
وأخْبَرَنا أبو إِسْحاق إبْراهيم بن عُثْمان بن يُوسُف الكَاشْغَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عليّ بن صالح الكَاغَدِيّ، وأبو الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن سَلْمَان - قال أبو الفَضْل: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن علِيّ بن الحُسَين الطُّرَيْثِيثِيّ، وقال أبو الفَتْح: أخْبَرَنا أبو الفَضْل أحْمَدُ بن الحَسَن بن خَيْرُون - قالوا (a): أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد بن إبْراهيم بن شَاذَان البَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن جَعْفَر بن دَرَسْتَوَيْه النَّحْوِيّ الفَارِسِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بن سُفْيان الفَسَوِيّ (١)، قال: حَدَّثَنا حُمَيْدُ بن الرَّبيْع، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، قال: أخْبَرَنا أبو الجَهْم، عن الزُّهْرِيّ، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : امْرُؤُ القَيْس صَاحِبُ لِوَاءِ الشُّعَراءِ إلى النَّار.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر الحافِظ، قال: سَمِعْتُ إسْمَاعِيْل بن عَبْد الجَبَّار المَاكِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا يَعْلَى الخَلِيْليّ (٢) يقُول: حَدَّثَنا جَدِّي والقَاسِم بنُ عَلْقَمَة، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن أبي حَاتِم الرَّازِيّ، قال: حَدَّثَنَا حُمَيْد بن الرَّبيْع، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، قال: أخْبَرَنا أبو الجَهْم، عن الزُّهْرِيّ، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُولُ اللهِ ﷺ : امْرُؤُ القَيْس قَائِدُ لِوَاءِ الشُّعَراء (b) إلى النَّار.
أخْبَرَنا مُرَجَّا بن أبي الحَسَن الوَاسِطِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد بن الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَخْلَد، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عُثْمان بن سَمْعَان الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا عُثْمانُ بن نَصْر الطَّائيّ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن أكْثَم، قال: حَدَّثَنَا المَأمونُ أَمِير المُؤمنِيْن، عن هُشَيْم، عن أبي الجَهْم، عن الزُّهْرِيّ، عن أبي سَلَمَة، عن
стр. 2477
أبى هُرَيْرَة، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : امْرُؤُ القَيْس قَائِدُ الشُّعَراء بأزمَتهِم إلى النَّار.
أخْبَرَنا فِرَاسُ بن عليّ العَسْقَلانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر الخشُوعِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الأكْفانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحِنَّائيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الله، قال: حَدَّثَنَا أبو يُوسُف يعْقُوب بن أحْمَد الجصَّاص، قال: حَدَّثّنَا حُمَيْدٌ، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عن أبي الجَهْم، عن الزُّهْرِيّ، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : امْرُؤُ القَيْس صَاحِبُ لِوَاء الشُّعَراءِ في النَّار.
أنْبَأنَا أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن حَمَد بن عَبْد الله الكِبْرِيْتيّ (a)، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن الحُسَين بن مَهْرَابزد (٢) النَّحْوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنا أبو عَرُوبَة الحُسَين بن مُحَمَّد بن مَوْدُود الحَرَّانيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن يَحْيَى بن كَثِيْر، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ بن مُحَمَّد بن شُجَاعٍ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْم، عن أبي الجَهْم، عن الزُّهْرِيّ، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : امْرُؤُ القَيْسِ قَائِدُ الشُّعَراءِ في النَّار لأنَّهُ أوَّلُ مَنْ أحْكَم قَوَافيَها.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُفُ بن خَلِيل بن عَبْد الله الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا أبو
стр. 2478
القَاسِم يَحْيَى بن أَسْعَد بن يَحْيَى بن مُحَمَّد بن بَوْش الأَزَجِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ أحْمَد في عُبَيْدِ الله بن مُحَمَّد بن كَادِش العُكْبَرِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن الحُسَين بن مُحَمَّد الجَازِرِيّ قراءةً، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو الفَرَجِ المُعَافَى بني زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى النَّهْرَوَانيّ الجَرِيْرِيّ (١)، قِراءَةً عليه وأنا أسْمَعُ، قال: حَدَّثَتَا أحْمَد بن عَبْد الله بن نَصْر بن بُجَيْر القَاضِي، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان بن سَيْف، قال: حَدَّثَنا حَبَّان (a) أبو عَبْد الله جَارُ أبى عَاصِم، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب، قال: حَدَّثَني فَرْوَة بن سَعيد بن عُفَيْف بن مَعْدِي كَرْب، عن أَبِيهِ، عن جدِّه (٢)، قال: بينا نحنُ عند رَسُولِ اللهِ ﷺ إذ أقْبَل وَفْدٌ من اليَمَن، فقالُوا: يا رسُولَ الله، لقد أحْيَانا الله ببَيْتَيْن من شِعْر امْرِئ القَيْس، قال: وكيف ذاك؟ قالوا: أقْبَلْنا نُرِيدُكَ حتَّى إذا كُنَّا ببعضِ الطَّريق أخْطَأنا الطَّريقَ، فمَكثنا ثلاثًا لا نَقْدِرُ عليه، فتفَرَّقْنا إلى أُصُول طَلْحٍ وسَمُرٍ ليَمُوتَ كُلُّ رَجُلٍ منَّا في ظِلِّ شَجَرَة، فبينا نحنُ بآخر رَمَق، إذا رَاكِبٌ يُوْضِعُ على بَعِيْر، مُعْتَمٌ، فلمَّا رآهُ بعضُنا قال والرَّاكِبُ يَسْمَعُ (٣): [من الطويل]
لمَّا رَأتْ أنَّ الشَّريْعَةَ هَمُّها … وأنَّ البَيَاضَ من فَرَائِصِهَا دَامِي
تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الّتي عندَ ضَارِجٍ … يَفِيءُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
فقال الرَّاكِب: مَنْ يقُولُ هذا الشِّعْر؟ وقد رَأى ما بنا من الجَهْدِ، قال: قُلْنا: امْرُؤُ القَيْس بن حُجْر، قال: ما كَذَب، وإنَّ هذا لضَارِجٌ، أو: ضَارِجٌ عندَكُم، فنظَرْنا فإذا بَيْنَنا وبين الماءِ نحوٌ من خَمْسِين ذِرَاعًا، فَحَبَوْنا إليه على الرّكَبِ، فإذا
стр. 2479
هو كما قال امْرُؤُ القَيْس: عليه العَرْمَضُ يَفئُ عليه الظِّلُّ. فقال رسُولُ اللهِ ﷺ : ذاكَ رَجُلٌ مَذْكُورٌ في الدُّنْيا، منْسِيٌّ في الآخِرة، شَرِيْفُ في الدُّنْيا، خَامِلٌ في الآخِرة، بيَدِه لِوَاءُ الشُّعَراءِ يَقُودُهم إلى النَّار.
قال: وأخْبَرَنا أبو الفَرَج المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء (١)، قال: وحدَّثناهُ أحْمَدُ بن عِيسَى بن السُّكَيْن البَلَدِيُّ، قال: حَدَّثَني أبو (a) دَاوُد سُليْمان بن سَيْفٍ الحَرَّانيّ، قال: حَدَّثَنَا حَبَّانُ (b) بن هِلَالٍ أبو عَبْدِ الله البَصْرِيّ جَار أبي عَاصِم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْد الله بن السَّائِب، قال: حَدَّثَنَا فَرْوَة بن عُفَيف - أو قال: عَفِيْف - ابن مَعْد يكَرِب، عن أَبيِهِ، عن جَدِّه، قال: كُنْتُ عند النَّي ﷺ فأتاهُ قَوْمٌ من الأعْرَاب؛ حُفَاةً عُرَاةً، فقالوا: يا رسُولَ اللهِ، لقد أنْجَانا اللهُ ببَيْتَيْن من شِعْر امْرِئ القَيْس بن حُجْر. فقال: كيف ذاك؟ قالُوا (c): يا رسُولَ اللهِ، أقْبلنَا نُريدكَ، حتَّى إذا كُنَّا ببَعْضِ الطَّريق أضْلَلْنَاهُ ثلاثًا، لا نَقْدِرُ عليه، فبَيْنا نحنُ كذلك، عَمد كُلُّ (d) رَجُلٍ منَّا إلى ظِلِّ شَجَرَةٍ أو سَمُرة لَيمُوتَ تَحتها، فإذا رَاكِبٌ على بَعِيْر له يُوْضِعُ، فلمَّا رآهُ بعضُنا قال - والرَّاكِبُ يَسْمَعُ - (٢): [من الطويل]
لمَّا رَأتْ أنَّ الشَّريْعَةَ هَمُّها … وأنَّ البَيَاضَ من فَرَائِصَها دَامِ
تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الّتي عندَ ضَارِج … يَفِيءُ عليها الظِّلُّ عَرْضُها طَامِ
قال: فقال الرَّاكِبُ: يا عَبْدَ اللهِ، مَنْ يقُول هذا الشِّعْرَ؟ قال: امْرُؤُ القَيْسِ بن حُجْر. قال: واللهِ ما كذَبَ، وإنَّ عنده الآن لضَارِجًا عليه العَرْمَض يَفِيءُ عليه الظِّلُّ، قال: فنَظَرْنا فإذا ليس بَيْنَنا وبينه إلَّا قَدْر عِشْرين ذِرَاعًا. فقال النَّبِيُّ ﷺ : ذاك رَجُلٌ مَذْكُورُ في الدُّنْيا، مَنْسِيَّ في الآخرة، بيدِهِ لِوَاءُ الشُّعَراءَ يَقُودُهم إلى النَّارِ.
стр. 2480
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل بن سَلامَة السَّلَمَانِيُّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو القَاسِم عليّ بن الحسَن بن هِبَةِ اللهِ الشَّافِعيّ (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّدُ بنُ أحْمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو المَعَالِي بن عبد الرَّحْمن بن صَابِر إجَازَةً، قالا: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم النَّسِيبُ، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف بن مَا شَاءَ اللهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّاب (a)، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَرْوَان المالِكِيّ (٢)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن مُوسَى بن حَمَّاد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سَهْل الأزدِيُّ، عن هِشَام بن مُحَمَّد، عن أَبِيهِ، قال: أقْبَل قَوْمٌ من اليَمَنَ يُرِيدونَ النَّبِيّ ﷺ فأضَلُّوا الطَّريقَ، وفَقَدُوا الماء، فمَكَثُوا ثلاثًا لا يقدرُون على الماءِ، فجعَل الرَّجُل منهم يَسْتَذْري بفَيءِ السَّمُرَةِ أو الطَّلْح آيسًا من الحَيَاةِ حتَّى خَفَتَ كَلَامُهُم من العَطَش، فبينا هم كذلك أقْبَلَ رَاكِبٌ وهو يُنْشِدُ بَيْتَيْن لامْرِئ القَيْس (٣): [من الطويل]
لمَّا رَأتْ أنَّ الشَّريْعَةَ هَمُّها … وأنَّ البَيَاضَ من فَرَائِصِهَا دَامِي
تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الّتي عندَ ضَارِجٍ … يَفِيءُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
فقال الرَّاكِبُ: مَنْ يقُولُ هذا؟ قالوا: امْرُؤُ القَيْس، فقالوا: فأين ضَارِجُ؟ قال: هو ذا خَلْفكُم، فانْحَرفُوا إليه، فإذا ماءٌ غَدَقٌ، وإذا عليه العَرْمَضُ والظِّلُّ يَفِيءُ عليه، فشَرِبُوا منه وحَمَلُوا حتَّى بلغُوا الماءَ، فأتَوا النَّبِيَّ ﷺ فأخْبَرُوه وقالوا: أحْيَانا [الله] (b) ببَيْتَيْن من شِعْر امْرِئ القَيْسِ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : ذاكَ رَجُلٌ مَذْكُورٌ في الدُّنْيا، شَرِيْف فيها، مَنْسِيٌّ في الآخرة، خَامِلٌ فيها، يَجِيءُ يَوْم القِيامَة مَعَهُ لِوَاءُ الشُّعَراءِ إلى النَّار.
стр. 2481
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة الله بن مُحَمَّد القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أنْبَأنَا أبو عليّ مُحَمَّد بن سَعيد بن نبهان (a)، وأبو القَاسِمِ غَانِم بن مُحَمَّد بن عُبَيْدِ الله البرجِيّ، عن أبي عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر أحْمَد بن يَعْقُوبَ بن يُوسُف الأصْبَهَانِيّ بَرْوزَوَيْه (b)، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن الحَسَن الأعْرَج، عن البَرْقِيّ، عن ابن الكَلْبِيّ: أنَّ قَوْمًا أتوا رسُول الله ﷺ فسَألوه عن أشْعَرِ النَّاس، فقال: أئتُوا ابن الفُرَيْعَة - يعني حَسَّان - فأتَوهُ، فقال: ذُو القُرُوحِ - يعنِي امْرأ القَيْس - فرجَعُوا فأخْبَرُوا رسُول الله ﷺ ، فقال: صَدقَ، رفِيْعٌ في الدُّنْيا، خَامِلٌ في الآخرة، شَرِيْف في الدُّنْيا، وَضِيْعٌ في الآخرة، وهو قَائِدُ الشُّعَراءِ إلى النَّار. أو كما قال.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم الفَقِيهُ، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن مَنْصُور اِلمالِكِيّ، وأبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أبي نُعَيْم النَّسَوِيّ الصُّوْفيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عُثْمان بن القَاسِم بن أبي نَصْر، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو عليّ مُحَمَّد بن القَاسِم بن مَعْرُوف، قال: فحَدَّثَني عليُّ بن بَكْر، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن الخلَيل، قال: أخْبَرَنا أبو زيْد بن عَبِيْدة (c)، قال: حَدَّثَني عليُّ بنُ الصَّبَّاح، قال: حَدَّثَنَا هِشَامِ بن مُحَمَّد، عن فَرْوَة بن سَعيد بن عُفَيْف بن مَعْدي كَرْب، عن أبيهِ، عن جدِهِ، قال: قَدمَ قَوْمٌ من اليَمَن على رسُولِ الله ﷺ فقالوا: يا مُحَمَّدُ، أحْيانا اللهُ ببَيْتَيْن من شعْر امْرِئ القَيْسِ بن حُجْر، قال: وكيف ذاك؟ قال: قالوا؟ أقْبَلْنا نُريدُك فضَلَلْنَا، فبَقيْنا ثلاثًا بغير ماءٍ، فاسْتَظْلَلْنا بالطَّلْح والسَّمُر، فأقْبَل رَاكِبٌ
стр. 2482
مُتَلثِّمٌ بعِمَامَةٍ، وتَمثَّل رَجُلٌ منَّا ببَيْتَيْن (١): [من الطويل]
لمَّا رَأتْ أنَّ الشَّريْعَةَ هَمُّها … وأنَّ البَيَاضَ من فَرَائِصِهَا دَامِي
تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الّتي عندَ ضَارِجٍ … يَفِيءُ عليها الطَّلْح عَرْمَضُهَا طَامِي
فقال الرَّاكِبُ: مَنْ يقولُ هذا الشِّعْر؟ قال: امْرُؤ القَيْس بن حُجْرٍ، قال: فلا واللهِ ما كَذَب! هذا ضَارِجٌ عندَكُم، فحَبَوْنَا على الرُّكَبِ إلى ماءٍ كما ذَكَر: عليه العَرْمَضُ يَفيءُ عليه الطِّلْح، فشَرِبْنا رِيَّنَا، وحَمَلنا ما بَلَّغَنا الطَّريقَ. فقال النَّبِيُّ ﷺ : ذاك رَجُلٌ مَذْكُورُ في الدُّنْيا، شَرِيْفٌ فيها، مَنْسِيٌّ في الآخِرة، خَامِلٌ فيها، يجيءُ يَوْمَ القِيامَة معه لِوَاءُ الشُّعَراء إلى النَّار.
ويقال إنَّ لبَيْدًا قَدِمَ المَدِينَة قَبْل إسْلَامه، فقال نَفَرٌ من قُرَيْش لرَجُل منهم: انهَضْ إلى لَبِيْدٍ فاسْأله أنْ يَسأل رسُولَ الله ﷺ : مَنْ أشْعَرُ النَّاسِ؟ فنَهَضَ إليه فسألَهُ، قال: إنْ (a) شِئْت أخْبَرتُكَ مَنْ أعْلَمُهُم؟ قال: بل أشْعَرُهم. قال: يا حَسَّان أعْلمْهُ، فقال حَسَّان: الّذي يقُول (٢): [من الطويل]
كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْر رَطْبًا ويَابِسًا … لدَى وَكْرِهَا العُنَّابُ والحَشَفُ البَالي
قال: هذا امْرُؤ القَيْس، فَمن الثَّاني؟ قال: يا حَسَّانُ، اعْلِمْهُ، قال: الّذي يقُول (٣): [من المتقارب]
كأنَّ تَشَوُّفَهُ بالضُّحَى … تَشَوُّفَ أزْرَق ذِي مَخْلَبِ
إذا سُلَّ عنهُ جلَالٌ له … يُقالُ سَلِيْبٌ ولم يُسلَبِ
قال لَبِيْد: وهذا له أَيضًا، فقال رسُول الله ﷺ : لو أدْرَكْتُه لنفَعْتُه، ثمّ قال: معه لِوَاءُ الشُّعَراءِ يرم القِيامَة حتَّى يَتَدهْدَأ بهم في النَّار. فقال
стр. 2483
لَبِيْد: ليتَ هذه المَقَالَةُ قيلَتْ لي وإنَّني أُدَهْدَأُ في النَّارِ! ثمّ أسْلَم بعدُ لحسُن إسْلَامُهُ.
أخْبَرَنا عُمَرُ بن طَبرزَد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقنديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد عَبد الوَهَّاب بن عليّ بن عَبد الوَهَّاب بن السُّكَّرِيّ البَزَّاز (a) إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد العَزِيْز الطَّاهِريّ (b) قِراءَةً عليه، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سَلْم بن رَاشِد الخُتَّلِيّ، قال: أخْبَرَنا أَبو خَليفَة الفَضْلُ بن الحبُاب الجُمَحِيّ، قال: حدَّثنا أبو عَبْد الله مُحمّد بن سَلَّام بن عُبَيْد اللهَ بن زيَاد الجُمَحيّ في كتاب طَبَقاتِ الشُّعَراءَ الجَاهليِّيْن (c): في الطَّبَقَةِ الأوْلَى امْرُؤُ القَيْس بن حُجْر بن الحَارِث بن عَمْرو بن حُجْرٍ آكِل المُرَار بن عَمْرو بن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن يَعْرُب بن ثَوْر بن مُرْتِع (d) بن مُعاوِيَة بن كِنْدَة.
قال ابنُ طَبَرْزَد: وأنْبَأنَا أبو غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي الفَتْح بن (e) المَحَامِليّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الدَّارَقُطْنيّ، قال: قال ابنُ الكَلْبيّ: إنَّما سُمِّي حُجْرُ بن عَمْرو بن مُعاوِيَة الأكْرَمين آكِلَ المُرَارِ لأَنَّ امْرأتَهُ هِنْد بنت ظَالَم بن وَهْب بن الحَارِث بن مُعاوِيَة الأكْرَمِيْن لمَّا أغارَ عليه ابن الهَبُوْلَة (٢) السَّلِيْحِيُّ، فأخَذَها فقال لها: كيفَ تَرَين الآن حُجْرًا فقالت (g): أراهُ واللهِ خَبِيْثَ الطَّلَب، شَدِيدَ الكَلَب، كأنَّهُ بَعِيْرٌ أكَلَ مُرَارًا. والمُرَارُ: نَبْتٌ حارٌّ يَأكُله البَعِيْر فيتَقَلَّصُ منه مِشْفَرُه، وكان حُجْرُ أفْوَهَ خَارِج الأسْنَان، فشبَّهَتْهُ به فسُمِّي آكِلَ المُرَار بذلك.
стр. 2484
أنْبَأنَا أحْمَدُ بن أزْهَر بن عَبدِ الوَهَّاب بن السَّبَّاك، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أنْبَأنا أبو مُحَمَّد الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْد الله المَرْزُبانيّ إجَازَةً، قال في مُعْجَم الشُّعَراءِ (١): امْرُؤ القَيْس بن حُجْر بن الحَارِث بن عَمْرو المَقْصُور بن حُجْر آكِل المُرَار الكِنْدِيّ، وامْرُؤ القَيْس أحَدُ مُلُوك كِنْدَة، وابن مُلُوكهِم، وسُمِّي عَمْرو المَقْصُور لاقْتِصَاره على مُلْك كِنْدَة دونَ غيرهم، وسُمِّي حُجْرٌ آكِل المُرَار، لأنَّ امْرأتَهُ قالت: هو شَدِيْدُ الكَلَب، سَرِيعُ الطَّلَب، مُزْبدٌ شِدْقاهُ، كأنَّهُ جَمَلٌ آكِلُ مُرَارٍ، فسُمِّي بذلك. والمُرَارُ: نَبْتٌ حَارٌّ يتقَلَّصُ منه مِشْفَرُ البَعِيْر.
وقد اخْتُلفَ في نَسَب آكِل المُرَار، فقال أبو عُبَيْدَةَ: هو آكِلُ المُرَار بن عَمْرو بن مُعاوِيَة بن عَمْرو بن مُعاوِيَة في ثَور، وثَوْر هو كِنْدَةُ.
وقال عُمَرُ بن شَبَّة ومَنْ قال بقَوْله: هو آكِل المُرَار بن عَمْرو بن حُجْر - وهو أوَّلُ مُلُوك كِنْدَة - ابن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن مُعاوِيَة بن ثَور بن كِنْدَهَ بن مُرَتَّع (a) بن عُفَيْر.
وقال مُحَمَّدُ بن سَلَّام (٢): هو آكِلُ المُرَار بن عَمْرو بن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن مُعاوِيَة بن ثَوْر بن مُرَتِّع بن مُعاوِيَة بن كِنْدَة.
وقال هِشَامُ بن مُحَمَّد الكَلْبيّ (٣): كِنْدَةُ اسْمُه ثَوْر (b) بن عُفَيْر بن عَدِيّ بن الِحَارِثِ بن مُرَّة بنِ أُدَد بن زَيْدِ بن يَشْجُبَ بن عَرِيْب بن زَيْد بن كَهْلَان بن سَبَأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطَان.
стр. 2485
وقد خُوْلِفَ ابن شَبَّة وابن سَلَّام وابن الكَلْبيّ في هذا النَّسَب، والخِلَافُ فيه مَشْرُوحٌ في الكتاب المُوْنِق (١).
قال: وقيل كُنْيَةُ امْرِئ القَيْسِ أبو عَمْرو، وقيل: أبو الحَارِث، وقيل: أبو كَبْشَة. ويُلَقَّبُ: ذَا القُرُوح، ويقال: ذُو القَرْحِ، ونُسِبَ إلى ذلك للُبْسه الحلَّة المَسْمُومة الّتي أهْدَاها إليه قَيْصَرُ فقرَّحَتْ جَسدَهُ. وهو المَلِكُ الضِّلِّيْلُ، وسُمِّي بذلك لأنَّ مُلْكَ كِنْدَةَ ضَلَّ على يدِه لمَّا تَنَقَّلَ في أحْياءِ العَرب طَالِبًا بثَأر أبيهِ، ثمّ ارْتَحل إلى قيصَرَ يستَنْجدهُ، فمات بأرْضِه، وبَطل مُلْكُهُم، وأُمُّهُ فاطِمَةُ بنت رَبِيْعَة أُخْت كُلَيْبٍ (a) ومُهَلْهِل ابْني رَبِيْعَة التَّغْلِبِيَّيْن.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليِّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، وال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرَنا جَدِّي، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن زَبْر، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بن عُلَيْلٍ العَنَزِيّ، قال: حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بن بِشْرٍ، قال: سَمِعْتُ الأصْمَعِيِّ يَقُول: امْرُؤ القَيْس بن حُجْرٍ، يُكْنَى أبا يَزِيد، وأبا وَهْب.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْد الله بن عُمَر بن عليّ بن الخَضِرِ القُرَشِيّ التَّاجر - قَدِمَ علينا حَلَبَ - قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو السَّعَادَاتِ المُباركُ نَصْر الله (b) بن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد القَزَّازُ، وشُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج الإِبَرِيّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو البَقَاء يعيْشُ بن عليّ بن يَعِيْش الحَلَبِيِّ النَّحْوِيّ، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل عَبْدُ الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قالوا: أخْبَرَنا الحَاجِبُ أبو
стр. 2486
الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن العَلَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ المَلِك بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللّه بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن إبْراهيم بن عِليّ الكِنْديّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن جَعْفَر بن سَهْل الخَرَائِطِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا عليَّ بن الأعْرَابِيّ، قال: حَدَّثَنا عليُّ بن عُمْرُوس، عن هِشَام بن السَّائِب الكَلْبِيّ، عن أَبيِهِ، عن أبي صالِح، قال: كان يَدْخُل مَكَّة رجالٌ مُتَعَمّمُونَ من جَمَالهم مَخَافة أنْ يُفَتَنَ بهم، منهم: عَمْرو الطُّهَوِيُّ (a)، وأُعَيْفرُ (b) اليَرْبُوعيَّ، وسُبَيْعٌ الطُّهَوِيّ، وحَنْظَلَة بن مَرْثَد (c) من بني قَيْس بن ثَعْلَبَة، وكان يُقال له: بَرْجَد من حُسْنِه، والزِّبْرَقَان بن بَدْر، وعَمْرو بن حُمَمَة الدَّوْسِّيّ (d)، وأبو خَيْثَمَة (e) بن رَافِع، وزَيْد الخَيْل بن مُهَلْهِل الطَّائيّ، وقَيْس بن سَلَمَة، وشَرَاحِيْل الجُعْفِيّ (f)، وذو الكَلَاع الحْمَيرِيّ، وامْرُؤ القَيْسِ بن حُجْر الكِنْدِيّ، وجَرِير بن عَبْدِ اللّه البَجَليّ.
قَرَأتُ في رِسَالَة أبي عليّ الحَاتِمي في الشِّعْر والشُّعَراءِ (٢)، قال: ولا خِلَافَ بين الرُّوَاةِ أنَّ امرأ القَيْسِ كان رَاوِيَةَ أبي دُؤَادٍ (g)، وأنَّهُ لم يزل يَقْتَضبُ شِعْرَهُ ويَنْتَزعُ مَعَانِيَهُ؛ فمن ذلك قول أبي دُؤَاد: [من الطويل]
إذا ما جَرَى شَأْوَيْن وابْتَلّ عَطْفُهُ … أنافَ بجذْع مثْل جِذْع السَّحُوق
فقال امْرُؤُ القَيْس (٣): [من الطويل]
إذا ما جَرَى شَأْوَيْن وابتَلَّ عَطْفُهُ … تقُول هَزِيزُ (h) الرّيْح مَرَّت بأَثْأَبِ (i)
стр. 2487
وقال أبو دُؤَادٍ: [من الطويل]
وقد أغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُنَاتها … بمُنْجَردٍ ضَافي (a) السَّبيْب عَتِيْق
فقال امْرُؤُ القَيْس (١): [من الطويل]
وقد أغْتَدى والطَّيْرُ في وُكُنَاتِها … بمُنْجَردٍ قَيْد الأَوَابِدِ هَيْكَل
أنْبَأنَا أَبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ إجَازَةً، قال: أجاز لي أبو عُبَيْد اللّه مُحَمَّد بن عِمْران المَرْزُبانيّ.
قُلتُ: ونَقَلْتُهُ من نُسْخَةٍ عليها خَطّ المَرْزُبانيّ وسَمَاعِ عَبْد السَّلام البَصْرِيّ فيها، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الجَوْهَرِيّ، إمْلاءً من كتَابهِ، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَن بن عُلَيْل العَنَزِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عبد اللّه بن مُحَمَّد التَّوَّزِيّ، قال: قَرَأتُ على أبي عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى، ح.
قال العَنَزِيّ (a): وحَدَّثَنَا إبراهيم بن سَعْدَان، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن الأَثْرَم، قال: قرأتُ على أبي عُبَيْدَة (٢)، قال: اتَّفَقت العَرَبُ العُكَاظِيُّونَ أنْ لا يعدُّوا من الشَّيء إلَّا ثلاثةً، ثمّ يكفُّوا ولا يزيدُوا عليها شيئًا، فإنْ لَحِقَ بعد ذلك شيءٌ لم يَعُدُّوه، فاتَّفَقُوا على أنَّ أشْعَرَ الشُّعَراءِ في الجاهِلِيَّة ثلاثةٌ: امْرُؤُ القَيْس بن حُجْرٍ الكِنْدِيّ، ونَابِغَة بني ذُبْيَان، وزُهَيْرُ بن أبي سُلْمَى. ثمّ اخْتَلَفُوا، فقال بعضُهم: امْرُؤ القَيْس أوَّلُهم؛ فَتَح لهم الشِّعْرَ فاسْتَوقَفَ، وبَكَى في (c) الدِّمَن وذَكَر ووَصَفَ ما فيها ثمّ قال: دَعْ ذَا؛ رَغْبةً [منه] (d) عن المَنْسِبَةِ.
стр. 2488
وكتب فَوْقه التَّشْبِيْه وعلَّم عليه "ص"، فتبَعُوا أثَرَهُ (a).
وهو أوَّلُ مَنْ شبَّهَ الخَيْل بالعَصَا واللِّقْوَةِ والسِّبَاع والظِّبَاء (b) والطَّيْر، قال: واللِّقْوَة: العُقَابُ، فشَبَّهُوها بهذه الأوْصَاف، وكان ما شبّه بالعَصَا قوله (١): [من الطويل]
كُيَمْتٌ كأنَّها هَرَاوَة مِنْوَالِ
وما شبَّهَ باللِّقْوَة - وهي العُقَاب - قَوْله (٢): [من الطويل]
كأنِّي بفَتْخَاءِ الجِنِاحَين لِقْوَةٍ … صَيُوْدٍ من العُقْبان طأطَاتٍ شمْلَال
وما شبَّهَ بالسِّبَاع [قوله] (c): [من الطويل]
له (d) أيْطَلا ظَبْي وسَاقَا نعامَةٍ … وإرْخَاءُ سِرْحَانٍ وتَقْريبُ تَتْفُلِ
وقال مَنْ فَضَّل النَّابِغَة: هوَ أوْضَحُهم كَلَامًا، وأقَلَّهُم سَقَطًا (e) وحَشْوًا، وأجْوَدَهُم مَقَاطِعَ، وأحْسَنهم مَطَالِعَ. ولشِعْره دِيْبَاجةٌ إنْ شِئْتَ قُلتَ: ليس بشِعْرٍ مُؤلَّفٍ من تَأَتّيْهِ ولِيْنِه، وإنْ شئتَ قُلتَ: صَخْرٌ لو رَديْتَ به الجِبَال لأزَلْتها.
وقال الّذين فضَّلُوا زُهَيْرًا: هو أمْدَحُ القَوْم، وأشَدُّهُم أَسْرَ شِعْرٍ.
قُلْتُ: هذا من قولهم: أَسَرَ قَتَبَهُ أسْرًا، أي: شَدَّهُ بالقدِّ.
أنْبَأَنَا أبو حَفْص عُمَرُ بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، عن أبي القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، عن أبي مُحَمَّد عَبد الوَهَّاب بن عليّ بن عَبد الوَهَّاب السُّكَّرِيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن عَبْد العَزِيْز الطَّاهِريّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا
стр. 2489
الفَضْلُ بن الحُبَاب، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بن سَلَّام الجُمَحِيُّ (١)، قال: أخْبَرَني يُونُسُ بن حَبيْب أنَّ عُلمَاءَ البَصْرَة كانُوا يُقَدِّمُونَ امْرأَ القَيْس بن حُجْر، وأنَّ أهْل الكُوفَة كانوا يُقَدَّمُونَ الأعْشَى، وأنَّ أهْلَ الحِجَاز والبَادِيَة يُقَدِّمُونَ زُهَيْرًا والنَّابِغَة.
قال ابن سَلَّامِ (٢): وأخْبَرَني أَبَانُ بن عُثْمان البَجَليّ، قال: مَرَّ لبَيْدٌ بالكُوفَة في بني نَهْدٍ فأتْبَعُوه رسُولًا سَؤُولًا، فَسَألَهُ: مَنْ أشْعَرُ النَّاس؟ قال المَلِكُ الضِّلِيْلُ، فأعادُوه إليه، قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: الغُلَامُ القَتِيْل - وقال غيرُ أبَان: ابن العِشْرين؛ يعني طَرَفَة - قال: ثمّ منْ؟ قال: الشَّيْخُ أبو عَقِيْل، يَعْني نَفْسَهُ.
قال مُحَمَّد بن سَلَّام (٣): أخْبَرَني شُعَيْب بن صَخْر، عن هَارُون بن إبْراهيم، قال: سَمِعْتُ قَائلًا يقول للفَرَزْدَق: مَنْ أشْعَرُ النَّاس يا أبا فِرَاس؟ قال: ذو القُرُوح؛ يعنى امْرأ القَيْس، قال: حين يقُول ماذا؟ قال (a): حين يقول (٤): [من الوافر]
وَقَاهُم جَدُّهُم ببني أبيهمْ … وبالأشْقَيْنَ ما كانَ العقَابُ
قال ابنُ سَلَّام (٥): واحْتَجَّ لامْرِئ القَيْس مَنْ يُقَدِّمُه وليس أنَّهُ قال ما لم يقُولُوا، ولكنَّهُ سَبَقَ العَرَبَ إلى أشْيَاءَ ابْتَدعَها، اسْتَحْسَنَتْها العَرَبُ، واتَّبَعَتْهُ فيها الشُّعَراءُ؛ منه: اسْتِيْقَافُ صَحْبه، والبُكَاءُ في الدِّيَار، ورِقَّةُ النَّسِيب، وقُرْب المأْخَذ (b)، وتَشْبِيهُ النِّسَاءِ بالظِّبَاءِ والبَيْض، وتَشْبيهُ الخَيْل بالعِقْبان والعِصيِّ، وقَيْد الأوَابد. وأجادَ في التَّشْبِيْه، وفَصَل بين النَّسِيب (c) وبين المَعْنَى. وكان أحْسَنَ [أهْل] (d) طَبَقته تَشْبِيهًا، وأَحْسَنُ الإسْلَاميِّين تَشْبيهًا ذُو الرُّمَّة.
стр. 2490
قُلتُ: وإلى ذلك أشَار عُمَرُ بن الخَطَّاب ﵁ بقَوْله، وذكر امرأَ القَيْس فقال: خَسَفَ لهم عَيْنَ الشِّعْر، وافْتَقَرَ عن مَعَانٍ عُوْر أصَحَّ بَصَرٍ.
وقد تكلَّم أبو سُليْمان الخَطَّابيّ على مَعْنى قَوْل عُمَر ﵁، بما أخْبَرَنا به المُؤيَّد بن مُحَمَّد في كتابهِ، عن أبي عَبْدِ اللّه الفَرَاوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عَبْدُ الغَافِر بن مُحَمَّد الفَارِسِيّ، قال: قال أبو سُليْمان الخَطَّابيّ في حَدِيث عُمَر: أنَّهُ ذكر امْرأَ القَيْس فقال: خَسَفَ لهم عَيْنَ الشِّعْر وافْتَقَر عن مَعَانٍ عُوْر أصَحّ بَصَرٍ، فَسَّرَهُ ابن قُتَيْبَة في كتابِه فقال: خَسَفَ: من الخَسِيْف وهو البئر تُحْفَر (a) في حِجَارة فيُسْتَخرج منها ماءٌ كَثِيْرٌ. وافْتَقَر: فَتَحَ، وهو من الفَقِيْر، والفَقِيرُ: فَم القَنَاة، وقَوْله: عن مَعانٍ عُوْر، يُريدُ أَنَّ امْرأ القَيْس من اليَمَن وليسَتْ لهم فَصَاحَةٌ.
قال أبو سُليْمان: هذا لا وَجْهَ له ولا مَوضِع لاسْتِعْماله فيمن لا فَصَاحَةَ له، إنَّما أُرِيْدَ بالعَوَر هَاهُنا غمُوض المَعَاني ودِقَّتَها، من قَوْلك عَوَّرت الرَّكيَّةَ، إذا دَفَنْتَتها (b)، ورَكيَّة عَوْرَاءُ، قال الشَّاعِرُ (١): [من الرجز]
ومَنْهَل أعْوَر إحْدَى العَيْنَين … بَصِيْرة الأُخرى أصَمّ الأُذنَيْن
جَعَل العَيْن الّتي تَنْبع بالماء بَصِيْرةً، وجَعَل المُنْدَفنَة عَوْرَاءَ؛ فالمَعَاني العُوْرُ على هذا هي البَاطِنَةُ الخَفِيَّة، كقَوْلك: هذا كَلَام مُعَمَّىً أي غَامِضٌ غيرِ وَاضِح، أرادَ عُمَرُ أنَّهُ قد غاصَ على مَعَانٍ خَفِيَّةٍ على النَّاسِ، فكَشَفَها لهم، وضَرَبَ العَوَرَ مثَلًا لغمُوضِها وخَفَائها، وصِحَّة البَصَر مثَلًا في ظُهُورها وبَيَانها، وذلك كما أجْمَعَتْ عليه الرُّوَاةُ من سَبْقه إلى مَعَانٍ كَثِيْرة لم يَحْتَذ فيها على مثال مُتَقَدِّم؛ كابْتِدائهِ في القَصِيدَة بالتَّشْبِيْب والبُكَاءَ في الأطْلَال، والتَّشْبِيْهَاتِ المُصِيْبَة، والمَعَاني المُقْتَضَبة