قال أبو عُثْمان: أخْبَرَنا يَحْيَى بن فُلَيْح: أنَّ عَبْد الملَكِ لمَّا تَوَجَّه إلى مَسْكَن، انْتَشر عليه من حَالِه، ولم يَسْتطِعْهُ من وَلَّاه السَّاقَة، فذَكَرَ ذاك لرَوْح بن زِنْبَاعٍ، فقال: واللّه لقد رأيتُ غُلامًا أخْلِقْ به، فلو ولَّيْتَهُ، فدَعا به فولَّاهُ السَّاقَة، فلمَّا رَحَل النَّاسُ، تخَلَّفَ ثِقَلُ رَوْح بن زِنْبَاعٍ، وأمَرَهُم بالرَّحِيْل فتَلَكَّؤُوا، فأمَرَ بعَقْر دَوَابِّهم، فلمَّا بلغَ ذلك رَوْحًا أَتَى عَبْدَ المَلِك ثمّ قال: ما أصْبْنا من صَاحِبكَ، ثمّ أخْبَرهُ بما صَنَعَ، وضَبَط السَّاقَة فلم يكُن يتخلَّف أحَدٌ.
قال: ومنهم مَنْ قال: كان هذا في سَنَة اثْنَتَيْن وسَبْعِين، قال: وفيها دخَلِ عَبْدُ المَلِك الكُوفَة، فوجَّه منها المجاج بن يُوسُف إلى ابن الزُّبَيْر بعد هَزِيمَة مُصْعَب.
وقال: ثمّ كانت سَنَة اثنتَيْن وسَبْعِين، فكان فيها مُحَاصَرة الحَجَّاج ابن الزُّبَيْر، وقَطْع المَوَادّ عنهُ، وأقام الحجَّ للنَّاس الحجَّاج ولم يَطُف بالبَيْتِ؛ مَنَعَهُ ابنُ الزُّبَيْر من ذلك.
أنْبَأنَا أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد اللّه الأسَدِيّ، عن الحافِظ أبي القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَتْنا أُمُّ البَهَاء فاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّد، قالت: أخْبَرَنا أبو طَاهِر بن مَحمُود الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن المُقْرئ، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّيِّب الزَّرَّاد، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّه بن سَعْد، قال: قال أبيّ، قال: ودَخَل عَبْد المَلِك الكُوفَة، وبعثَ منها (a) الحَجَّاجَ بنَ يُوسُف إلى عَبْد اللّه بن الزُّبَيْر، ورجع عَبْد المَلِك إل دِمَشْق، فحَجَّ الحَجَّاجُ على المَوْسِم سَنَة اثْنَتَيْن وسَبْعِيِن، فلَمِ يَطُف بالبيت، وحَاصرًا بن الزُّبَيْر قَريبًا (b) من سَبْعة أشْهُر، وقَطَعَ عنه المَوَادّ، وحَجَّ بالنَّاس الحَجَّاجُ سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين
стр. 2557
وهو بمَكَّة يَوْمئذٍ وأميرِ المَدِينَة يَوْمئذٍ طَارِق، ثمّ جُمِعَتْ له مَكَّة والمَدِينَة، ثُمَّ حَجَّ بالنَّاسِ الحَجَّاجُ سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين.
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللّه القَاضِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب المَاوَرْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبوِ عَبْد اللّه أحْمَد بن إسْحَاق، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن عِمْران الأُشْنانِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُوسى بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بن خَيَّاطِ (٢)، قال: سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين أقامَ الحَجّ الحَجَّاج بن يُوسُف، وقال (٣): سَنَة أرْبَعٍ وَسَبْعِين أقام للنَّاس الحَجّ الحَجَّاج بن يُوسُف.
أنْبَأنَا عُمَر بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بنِ السَّمَرْقنديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم نَصْر بن أحْمَد بن نصْر، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد اللّه بالكُوفَة، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن زَيْد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عُقْبَة، قال: حَدَّثَنَا هَارُون بن حَاتِم، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن عَيَّاش، قال: ثمّ بايع النَّاس عَبْد المَلك بن مَرْوَان، فحجَّ بالنَّاس الحَجَّاج سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين، وابن الزُّبَيْر مَحْصُور. وحَجَّ بِالنَّاسِ الحَجَّاجُ سَنَة ثْنَتين وسَنَة ثلاث وأرْبَع وسَبْعِين، ثمّ حَجَّ بالنَّاسِ عَبْد المَلِك بن مَرْوَان سَنَة خَمْسٍ وسَبْعِين.
وقال أبو القَاسِم بن السَّمَرْقنَديّ: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن الطَّبَريّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ اللّه بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوب، قال: حَدَّثَني سَلَمَة، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بن عِيسَى، عن أبي مَعْشَرٍ، قال: وكان الحَجَّاج بن يُوسُف حَجَّ وابن الزُّبَيْر مَحْصُور سَنَة اثْنَتَيْن وسَبعِين.
قال ابنُ بُكَير قال اللَّيْثُ: وحَجَّ عامئذٍ بالنَّاس الحَجَّاج بن يُوسُف، فقاتَل هو وابن الزُّبَيْر، وأقام للنَّاس الحَجّ. وفي سنة ثلاثٍ وسبعِين حَجَّ بالنَّاسِ الحَجَّاج بن يُوسُف.
стр. 2558
قال يَعْقُوب: ويُقال: حَجَّ بالنَّاسِ سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين الحَجَّاج بن يُوسُف.
قال يَعْقُوب: وفي سَنَة تسْعين فُتحَ على الحَجَّاج بُخَارى. وفي سَنَة إحْدَى وتِسْعِين فُتحَ على الحَجَّاجِ بن يُوسُف بَلْخِ. وفي سَنة اثْنَتَيْن وتِسْعِين فُتحَ للحجَّاج خفَّان (a). وفي سَنَة أرْبَعٍ وتِسْعِين فُتح للحجَّاج بن يُوسُف السِّنْد وبِيْل (١). وفي سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين فُتح على الحَجَّاج بن يُوسُف الصُّغْد.
قَرَأتُ في تَاريخ أبي مُحَمَّد عَبْد اللّه بن أحْمَد الفَرْغَانيّ (٢)، ما ذَكَرهُ في حَوادِث سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وثَلاثِمائة، قال: وَرَدَ على خزْرُون الإخْشِذِىِّ كتابٌ ممَّن يُكَاتبُهُ أنَّهُ وُجِدَ في هذا الشَّهْر في جَامِع المِصِّيْصَة أَزَجٌ تحت الجامع مبنيٌّ طَبقَيْن، وفيه صَنَادِيق كَثِيْرة فيها خَمْسة آلاف دِرْع، يُغَطِّي الفَارس، كُلّ دِرْع ببُرْنُس مَعْمُول منه وبه، وخَمْسَة آلاف جَوْشَن، وخَمسة آلاف خُوَذة، وخَمْسة آلاف سَاعِد حَدِيْد، وخِفَاف حَديدٍ بسَاقات، وخَمْسَة آلاف رُمْح بأسنَّتها، ونِفْط ودُهْن بَلَسَان، وقِسِيّ كَثِرة للرِّجْل، ونُشَّاب، وخَوَابِي فيها كُبُود قد طُبِخَتْ وجُفِّفَتْ وطُيِّبَتْ للقُوْت في الحِصَار يُقْتَاتُ بها، وأنَّهُ وُجِدَ طابق حَديد بحَلقَة فقُلِعَتْ فوُجِدَ الأَزَجُ، ووُجِدَ على الأَزَج مَكْتُوب: من عَهْدِ عَبْدِ المَلِك بن مَرْوَان، وبعضُه: الحَجَّاج بن يُوسُف، وبعضٌ: هَارُون الرَّشِيْد.
стр. 2559
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوْفِيقِي
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد اللّه، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أَسْعَد بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء القَاضِي (١)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن القَاسِم الأنْبارِيّ، قال: حَدَّثَني أبيّ، قال: أخْبَرَني أحْمَدُ بن عُبيد، عن أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن زِيَاد الأعْرَابِيّ، قال: بَلَغَني أنَّهُ كان رجُل من بَني حَنِيْفَةَ يُقالُ له جَحْدَر بن مَالِك، فتَّاكًا شُجَاعًا، قد أغارَ على أهْل حَجْر (a) ونَاحِيَتها، فبلغَ ذلك الحَجَّاجَ بن يُوسُف، فكَتَبَ إلى عَامِلِهِ باليَمَامَة يُوَبِّخُهُ بتَلَاعُب جَحْدَر به، ويَأمرُه بالاجْتهادِ (b) في طَلَبهِ والتَّجرُّدِ في أمْره، فلمَّا وَصَل الكتابُ إليهِ، أرْسَل إلى فتْيَةٍ من بني يَرْبُوع من بني حَنْظَلَة، فجعَل لهم جُعْلًا عَظيْمًا إنْ هم قتلُوا جَحْدَرًا، أوَ أتَوا به أسِيْرًا، فانْطَلق الفتيَةُ، حتَّى إذا كانوا قريبًا منه أرْسَلُوا إليهِ أنَّهم يُريدُونَ الانْقِطَاعَ (c) إليهِ والتَّحَرُّزَ بهِ، فاطْمأنَّ إليهم، ووَثق بهم، فلمَّا أصَابُوا منه غِرَّة، شَدُّوهُ كِتَافًا وقَدِمُوا به على العَامِل، فوَجَّهَ به معهم إلى الحَجَّاج، وكَتَبَ يُثْنِي عليهم خَيْرًا، فلمَّا أدْخِلَ على الحَجَّاج قال له: مَنْ أنتَ؟ قال: أنا جَحْدَرُ بن مالك، قال: ما حَمَلَكَ على ما كان منك؟ قال: جُرْأة الجَنَانِ، وجَفَاءُ السُّلْطان، وكَلَب الزَّمان! فقال له الحَجَّاجُ: وما الّذي بلغَ منك فيَجْتَرئ جَنَانُكَ،
стр. 2560
ويَجْفُوك سُلْطانُكَ، ويَكْلَب زَمَانُكَ؟ قال: لو بَلَاني الأَمِيرُ، أكْرَمَهُ اللّه، لوَجَدَني من صَالِحي (a) الأعْوَان وبُهْمِ الفُرْسَان، ولوجَدَني من أنْصَح رعيَّتهِ، وذلك أنِّي ما لقيْتُ فَارِسًا قَطُّ إلَّا كنتُ عليه في نَفْسِي مُقْتَدرًا. قال له الحَجَّاجُ: إنَّا قَاذِفُون بك في حَائرٍ فيه أسَدٌ عَاقِرٌ ضَارٍ، فإنْ هو قتلكَ كَفَانا مَؤُونتَكَ، وانْ أنتَ قتلْتَهُ خلَّينا سَبيلَكَ، قال: أصْلَح اللّه الأَمِير، أعْظَمْتَ (b) المنَّة، وأعْطَيتَ المُنْيَةَ، وقرَّبتَ (c) المحْنَة. فقال الحَجَّاجُ: فإنَّا لَسْنَا بتَارِكيْكَ لتُقَاتلَهُ إلَّا وأنتَ مُكَبَّلٌ بالحَدِيدِ! فأمَرَ بهِ الحَجَّاجُ فغُلَّتْ يَمِيْنُه إلى عُنُقِه، وأرْسلَ به إلى السِّجْن، فقال جَحْدَر لبَعْض مَنْ يَخْرُج إلى اليَمَامَةِ: تَحْمَّلْ عنِّي شِعْرًا، وأنْشَأ يقول: [من الوافر]
ألَا قد هَاجَني فازدَدْتُ شَوْقًا … بُكَاءُ حَمَامتَيْن تَجَاوَبَانِ
تَجاوَبَتا بلَحْنٍ أعْجَميّ على … غُصْنَيْن من غَرَبٍ وبَانِ
فقُلْتُ لصَاحبيَّ وكنتُ أحْزُو … ببَعْضِ الطَّيْر ماذا تَحْزُوان
فقالا الدَّار جَامِعَةٌ قريبٌ … فقُلتُ: بل أنتما مُتَمَنِّيَان
فكان البَانُ إنْ بانَتْ سُلَيْمَى … وفي الغَرَبِ اغْتِرَابٌ غير دَاني
ألَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمعُ أُمَّ عَمْرو … وإيَّانا فذَاكَ (d) بنا تَدَاني
بَلَى ونَرَى الهِلَال كما تَرَاهُ (e) … ويَعْلُوها النَّهَارُ إذا عَلَاني
إذا جَاوَرْتُما (f) نَخَلَاتِ حَجْر … وأوْدِيَةَ اليَمَامَةِ فانْعَيَاني
وقُولَا جَحْدَرٌ أمْسَى رَهِيْنًا … يُحَاذرُ وَقْعَ مَصْقُول يَمَانِي
قال: وكَتَبَ الحَجَّاجُ إلى عَامِلِهِ بكَسْكَر أنْ يُوجِّهَ إليهِ بأسَدٍ ضَارٍ عَاتٍ، يُجَرّ على عَجَل، فلَّا وَرَدَ كتابُهُ على العَامِل امْتَثَل أمْرَهُ، فلَّا وَرَدَ الأسَدُ على الحَجَّاج،
стр. 2561
أمَرَ به فجُعِلَ في حَائِرٍ، وأُجِيْعَ ثلاثةَ أيَّام، فأرْسَل إلى جَحْدَر، فأُتِيَ به من السِّجْن ويَدُه اليُمْنَى مَغْلُولةٌ إلى عُنُقهِ، وأُعْطِيَ سَيْفًا والحَجَّاج وجُلَسَاؤُه في مَنْظَرةٍ لهم، فلمَّا نَظَر جَحْدَر إلى الأسَد أنْشَأ يقُول: [من الرجز]
لَيْثٌ ولَيْثٌ في مَجَالٍ (a) ضَنْكِ … كلاهُما ذُو أنَفٍ ومَحْكِ
وشِدَّةٍ في نَفْسِه وفَتْكِ … إنْ يَكْشف اللّهُ قِنَاع الشَّكِّ
فهو أحَقّ مَنْزِلٍ بتركِ (b)
فلمَّا نَظَر إليهِ الأسَدُ، زَأَرَ زَأرةً شَدِيدةً، وتَمَطَّى وأقْبلَ نحوِه، فلمَّا صَارَ منه على قَدْر رُمْح، وثَبَ وَثْبَةً شَدِيدةً، فتَلَقَّاهُ جَحْدَرُ بالسَّيْفِ، فضَربَهُ ضرْبةً حتَّى خَالط ذُبَابُ السَّيْف لَهَوَاته، فحَرَّ الأسَدُ كأنَّهُ خَيْمَةٌ قد صَرَعَتْها الرِّيْحُ، وسَقَطَ جَحْدَر على ظَهْره من شِدَّةِ وَثْبةِ (c) الأسَد ومَوضِع الكُبُول، فكَبَّرَ الحَجَّاجُ والنَّاس جَمِيعًا، وأنْشَأ جَحْدَر يقول: [من الكامل]
يا جُمْلُ إنَّك لو رَأيتِ كَرْيهَتي … في يَوْم هَولٍ مُسْدِفٍ وعَجَاجِ
وتَقَدُّمي للَّيْثِ أرْسُفُ (d) مُوْثَقًا … كيما أُثاوِره على الإحْرَاجِ
شَثْنٌ براثِنُهُ كأنَّ نيُوبَهُ … زُرْقُ المَعَاولِ أو شَبَاةُ زجَاجِ
يَسْمُو بنَاظِرَتَيْن تَحْسَبُ فيهما … لَهَبًا أحدُّهمُا شُعَاعُ سِرَاج
وكأنَّما خِيْطَتْ عليهِ عَبَاءَةٌ … بَرْقَاءُ أو خِرَقٌ من الدِّيْبَاج
لعَلِمْتِ أنّي ذُو حفَاظِ ماجدٌ … من نَسْلِ أقْوَام ذوي أبْرَاجِ
ثُمَّ الْتَفَتَ إلى الحَجَّاجَ فقال:
ولئن قَصَدْتَ بي (e) المَنِيَّةَ عَامِدًا … إنِّي لخَيْرُك بعد ذاكَ لَرَاجِ (f)
стр. 2562
عَلِمَ النِّسَاءُ بأنَّني لا أنْثَنِي … إذْ لا يَثِقْنَ بغَيْرَة الأزْوَاجِ
وعَلمت أنّي إنْ كَرِهْتُ نِزَالَهُ … أنِّي من الحَجَّاج لَسْتُ بنَاجِ
فقال له الحَجَّاجُ: إنْ شِئْتَ أسْنَيْنا عَطِيَّتكَ، وإنْ شئْتَ خلَّينا سَبِيلَكَ، قال: لا بل أخْتَار مُجَاوَرَة الحَجَّاج (a)، أكْرَمَهُ اللّه. ففَرَض له ولأهْل بيتِهِ، وأحسَن جَائزَتَهُ.
قال القَاضِي (١): مُسْدِف: مُظْلمٌ، من السُّدْفَة. والرَّسْفُ: مَشْيُ المُقَيَّد. والبَرَاثِنُ: مَخَالِبُ الأسَد. والشَّبَا والشَّبَاةُ: حَدُّ الأَسِنَّة. قال أبو بَكْرٍ: البَرْقَاءُ: الّتي فيها سَوَادٌ وبَيَاضٌ.
أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي الفَضْل، وأبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر، قِرَاءَةً عليْنَا من لفظه - قال أبو بَكْر: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد بن [أبي] (b) الحسُين (٢)، وقال أبو الحَسَن: أخْبَرَنا عَبْد اللّه بن عبد الرَّحْمن إجَازَةً - قالا: أخْبَرَنا عليّ بن إبْراهيم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الغَسَّانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر الدِّيْنَورِيّ (٣)، قال: وحَدَّثَنَا إبْراهيم بن نَصْر، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّه بن مُحَمَّد (c)، قال: حَدَّثَنَا حَفْصُ بن النَّضْر السُّلَمِيّ، قال: خَطَبَ الحَجَّاجُ النَّاسَ يَوْمًا فقال. أيُّها النَّاسُ، الصَّبْر عن مَحَارِم اللّه أيْسَرُ من الصَّبْر على عَذَاب اللّه. فقام إليهِ رَجُلٌ فقال: يا حَجَّاجُ، وَيْحَكَ ما أصْفَقَ وَجْهَكَ، وأقَلَّ حَياءَكَ! تَفْعَلُ ما تقعَل ثُمَّ تقُول مثل هذا؟ فأمَرَ بهِ، فأُخِذَ، فلمَّا نزَل عن المِنْبَر دعا به، فقال لهُ: لقد اجْتَرأتَ عليَّ! فقال له: يا حَجَّاج، أنْتَ تَجْتَرئ على اللّه فلا تُنْكرهُ على نَفْسِكَ، وأجْتَرِئُ أنا عليك فتُنْكِرُه عليَّ! فَخَلَّى سَبيلَهُ.
стр. 2563
أخْبَرَنا يُوسُف بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ العُكْبَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الجَازِرِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَجِ الجَرِيْرِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن المَرْزُبَان النَّحْوِيّ، قال: حَدَّثَني عليّ بن جعْفر بن بَيَان (a) الجَزرِيّ، قال: حدّثني عُمَرُ بن شَبَّة، قال: حدّثنا عليّ بن مُحَمَّد - يعني المَدَائِنِيّ - عن أبي المَضْرَحِيّ، قال: أمَرَ الحَجَّاجُ مُحَمَّد بن المُنْتَشِر ابن أخي مَسْرُوق بن الأَجْدَع أنْ يُعَذِّبَ أزَادمَرْد بن الهَرْبذ (b) فقال له أزَادمَرْد: يا مُحَمَّد، إنَّ لك شَرفًا قَديْمًا، وإنَّ مثْلي لا يُعْطي على الذُّلِّ شيئًا فاسْتأْدِني (c) وارْفُقْ بي، فاسْتأدَاهُ (٤) في جُمُعَة ثلاثمائة ألف، فغَضِبَ الحَجَّاج وأمَرَ مَعدًا (e) صَحاحِب العَذَاب أنْ يُعَذِّبَهُ، فدقَّ يَديهِ ورِجْلَيهِ فلم يُعْطِهم شيئًا.
قال مُحَمَّد: فإنِّي لأسيرُ بعد ثلاثة أيَّام إذا أنا بأزَادمَرْد مُعْتَرضًا على بَغْل قد دُقَّتْ يَدَاهُ ورِجْلَاهُ، فقال لي: يا مُحَمَّد، فكَرهْتُ أنْ آتيَهُ فيبلغُ الحَجَّاج، وتَذمَّمْتُ من تَرْكِه إذ دَعاني، فدَنَوتُ منه فقُلتُ: حَاجَتكَ؟ فقال: قد (f) وليْتَ منِّي مثل هذا فأحْسَنْت إليَّ، ولي عند فُلَانٍ مائة ألف دِرْهَم فانْطلِق فخُذْها، قُلتُ: لا والله لا آخذُ منها (g) دِرْهَمًا وأنْتَ على هذه الحال، قال: فإنِّي أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا: سَمِعْتُ (h) من أهْلِ دِيْنكَ يقُولُونَ: إذا أرادَ اللهُ تعالَى بالعِبَادِ خَيْرًا أمْطَرَهُم في أوَانه، واسْتَعْمَل عليهم خِيَارهم، وجَعَل المالَ عند سُمَحائهم، وإذا أرادَ بهم شَرًّا أُمْطِرُوا في غير إبَّانه (i)، واسْتَعْمَل عليهم شِرَارهم، وجَعَل المالَ في أَشِحَّائهم، ومَضَى. فأتيْتُ
стр. 2564
مَنْزِلي، فما وَضَعْتُ ثِيَابي حتَّى جاءني رَسُول الحَجَّاج، فأتَيْتُهُ وقد اخْتَرَط سَيْفَهُ فهو في حَجْره، فقال: أُدْنُ، فدَنَوْتُ قَليلًا، ثمّ قال: أُدْنُ، فقلت: ليس بي دُنُوٌّ وفي حَجْر الأَمِير ما أرى! فأضْحَكَهُ اللهُ تعالى لي وأغْمَدَ السَّيْفَ، فقال: ما قال لك الخَبِيْث؟ فقُلتُ: والله ما غَشَشْتُكَ منذ اسْتَنْصَحْتَني، ولا كذبتُكَ منذ صَدَّقْتَني، ولا خُنْتُكَ منذُ ائتَمَنْتَنِي، فأخْبرتُه بما قال، فلمَّا أردتُ ذِكْر الرَّجُل الّذي عنده المالَ، صَرَفَ وَجْهَه وقال: لا تُسَمِّه، وقال: لقد سَمِعَ عَدُوَّ الله الأحَادِيْث.
وقال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْد، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عِيسَى، عن العبَّاس بن هِشَام (a)، عن أَبيِهِ، عن عَوَانَة، قال: خَطَبَ الحَجَّاجُ النَّاسَ بالكُوفَة، فَحمدَ الله وأثْنَى عليه، ثُمَّ قال: يا أهْل العِرَاق، تَزْعُمُون أنَّا من بَقِيَّةِ ثَمُود، وتَزْعُمُون أنِّي سَاحِر، وتَزْعُمُون أنَّ الله جَلَّ وعزَّ علَّمَني اسْمًا من أسْمائه أقْهَركُم [به] (b)، وأنتُم أوْلياؤُهُ بزَعْمكُم وأنا عَدُوّه، فبيني وبينكم كتابُ الله تعالَى، قال : ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (٢)، فنحنُ بَقِيَّة الصَّالِحين إنْ كُنَّا من ثَمُود. وقال : ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٣)، واللهُ أعْدَل في خَلْقهِ (c) من أنْ يُعَلِّم عَدُوًّا من أعْدائِهِ اسْمًا من أسمَائهِ يَهْزمُ بهِ أوْلِيَاءَهُ. ثمّ حَمِيَ وكَثُر كَلَامُهُ (b)، فتَحَامَل على رُمَّانَةِ المِنْبَر فحطمَها! فجَعَل النَّاسُ يتلاحَظُونَ بينهم وهو يَنْظُر إليهم، فقال: يا أعْدَاءَ اللهِ، ما هذا التَّرَامُزُ؟ أنا حُدَيَّا الظَّبْي السَّانِح، والغُرَاب الأبْقَع، والكَوْكَب ذي الذَّنَب. ثمّ أمَرَ بذلك العُود فأُصْلحَ قَبْل أنْ يَنْزل من المِنْبَر.
стр. 2565
قال المُعَافَى (١): قَوْل الحَجَّاج: أنا حُدَيَّا الظَّبْي، فإنَّهُ أراد: إنَّا لثِقَتِنا بالغَلَبةِ والاسْتِعْلَاء (a) نتحدَّى ارْتِفَاع الظَّبْي سَانِحًا، وهو أحْمَدُ ما يكُون في سُرْعَتِه ومَضَائِه، والغُرَاب الأبْقَع في تَحذُّره (b) وذَكَائهِ ومَكْره وخُبْثه ودَهائهِ، وذا الذَّنَب من الكَوَاكِب فيما يُنْذر به من غَرَائِب مَكْرُوه بلائهِ (c)، والله ذو البَأْس الشَّدِيد، بالمرصَادِ له ولحِزْبه وأوْليائهِ.
أخْبَرَنا عَتِيقُ بن أبي الفَضْل ومُحَمَّد بن أحْمَد القُرْطُبِيّ من لَفْظه - قال عَتِيق: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن (٢)، وقال مُحَمَّد: أنبأنَا عَبْد الله بن سيّده - قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم النَّسِيبُ، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف، قال: أخْبرنا الحَسَن بن إسْمَاعيل، قال: أخْبرَنا أبو بَكْر بن مَرْوَان، قال: حَدًّثَنَا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا (٣)، قال: حَدَّثَنَا هاشِمُ بنُ الوَلِيد، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن عَيَّاشِ، عن الكَلْبيّ، قال: سَمِعْتُ الحَجَّاج يقُول: يَزْعُمُ أهلُ العِرَاق أنِّي بَقِيَّة ثَمُود! ونِعْمَ، والله البَقِيَّة ثَمُود (d)، ما كان مع صَالح إلَّا المُؤْمنونَ.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا إسماعِيْل بن أحْمَد بن عُمَر الحافِظ بقرَاءَتي عليه، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن الحَسَن بن مُحَمَّد الخَلَّال، قِرِاءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحمد بن مُحَمَّد بن عِمْران الجُنْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن القَاسِم بن بُنَان، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَني أبو مَنْصُور الصَّاغَانِيّ،
стр. 2566
قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيْد القَاسِم في سَلَّام، قال: حَدَّثَني أبو عَبْد الله الفَرَاوِيّ، عن مَالِك بن دِيْنار، قال: ما رَأيْتُ أحدًا أبْيَن من الحَجَّاج، إنْ كان ليَرْقى المِنْبَر، فيَذكر إحْسَانَهُ إلى أهْلِ العِرَاق، وإسَاءَتهم إليه، وتَعَدِّيهم عليه، حتَّى أقُول في نَفْسِي: إنِّي لأحْسِبُه صَادِقًا، وإنِّي لأظُنُّهم ظَالِمين.
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة الله القَاضِي، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو القَاسِم (١)، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الخَلَّال، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر في مَحْمُود، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْدِ الله أحْمَد في عَمْرو الوَاسِطِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أبي سَعْد (a)، قال: حَدَّثَني مَسْعُودُ في عَمْرو، قال: حَدَّثَني أبو عَمْرو النَّحْوِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو زَيْد الأنْصَاريّ، عن أبي عَمْرو في العَلَاء، قال: ما رَأيْتُ أحدًا أفْصَح من الحَسَن ومن الحَجَّاج، فقُلتُ: فأيُّهما كان أفْصَحَ؟ قال: الحَسَنُ.
أنْبَأنَا أبو نَصْر، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم (٢)، قال: قَرَأتُ على أبي غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي الفَتْح بن المَحَامِلِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ، قال: ذَكَرَ سُليْمان بن أبي شَيْخ، عن صالح بن سُلَيمان، قال: قال عُتْبَة بن عَمْرو: ما رَأيْتُ عقُولَ النَّاسِ إلَّا قريبًا بعضُها من بعض إلَّا الحَجَّاج وإِيَاس بن مُعاوِيَة، فإنَّ عقُولهما كانت تَرْجحَ على عقُول النَّاسِ.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب في الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد في مَنْصُور المَرْوَزيّ، قال: أخبَرَتْنا فاطِمَةُ بنْتُ أبي حَكِيم المُؤِدِّبُ قالت (b): أخْبَرَنا عليّ في الحَسَن بن الفَضْل الأدِيْبُ، قال: أَخْبَرَنا أحْمَد في مُحَمَّد بن
стр. 2567
خَالِد، قال: أخْبَرَنا عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس الجَوْهَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن سَعيد الدِّمَشقيّ، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بن بَكَّار، قال: حَدَّثَني عليّ بن صالح، قال: وخَطَبَ الحَجَّاجُ أهْل العِرَاق بعد دَيْر الجمَاجِم، فقال:
يا أهْلَ العِرَاق، إنَّ الشَّيْطانَ قد اسْتَبْطَنكُم، فخالَط اللَّحْم والدَّم والأسْمَاع والأطْرَاف والأعْضَاءَ والشَّغَاف، ثمّ أفْضَى إلى الأمْخَاخ والأسْمَاخ، ثمّ ارتفَع فعَشَّش، ثمّ باضَ وفرَّخ، فحشَاكُم شِقَاقًا ونِفَاقًا، وأشْعَركُم خِلَافًا، اتَّخَذتُمُوه دَلِيْلًا تَتْبَعُونَهُ، وقَائِدًا تُطِيْعُونَهُ، ومُؤامِرًا تَسْتَشِيرُونَهُ (a)، فكيف تَنْفَعكم تَجْربة، أو تَعظكُم مَوْعِظَة، أو يَحْجزكم إسْلَام، أو يردّكُم تِبْيان؟!
ألَسْتُم أصْحَابي بالأهْوَاز حيثُ رُمْتُم الكُفْر، وسَعَيْتُم بالغَدْر، واسْتَجْمَعْتُم للمَكْر، وظَنَنْتُم أنَّ الله يَخْذُل دِيْنَهُ وخِلَافَتهُ، وأنا أرْمِيكُم بطَرْفي وأنْتُم تسَلَّلُونَ لِوَاذًا، وتَنْهَزمُونَ سِرَاعًا.
ثمّ يَوْم الزَّاويَة، وما يَوْمُ الزَّاويَة بها كان فَشَلُكُم وتَسَارُعكم، وبراءَة اللهِ منكم، ونكُوص وليُّكم عليكم، إذ وَلَّيْتم كالإِبِل الشَّوَارِدِ إلى أعْطَانها، النَّوَافِر إلى أوْطَانِها، لا يَسْأل المَرْءُ عن أخيهِ، ولا يَلْوِي الشَّيْخ على بَنِيْه، حتَّى عضَّكُم السِّلاحُ، وتقَصَّفَت فيكم الرِّمَاح.
ثمّ يَوْمُ الجَمَاجِم، بها كانت المَعَارِكُ والمَلَاحِم (١): [من مشطور الرجز]
ضَرْب يزيلُ الهَامَ عن مَقيْلِهِ
ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عن خَلِيلِه
стр. 2568
يا أهْلَ العِرَاق، الكَفَرات بعد الفَجرات، والغَدرات بعد الخَترات، والنَّزَوات (a) بعد النَّزَوَاتِ، إنْ بَعَثْتُكُم إلى ثُغُوركُم غَلَلْتُم وخُرْتُم وخُنْتم وجَبُنْتُم، وإنْ أَمنْتُم أرْجَفْتُم واخْتَرَصْتُم وطَعَنْتُم، ونَافَقتُم، لا تَذْكُرون حَسَنَةً، ولا تَشْكرُونَ نِعْمَةً، هل اسْتخَفَّكُم ناكثٌ، أو اسْتَغْواكم غَاوٍ، أو اسْتَنْفَرَكُم عَاصٍ، أو اسْتَفَزَّكُم ظَالِمٌ، أو اسْتَعْضَدَكُم خَالِعٌ إلَّا اتَّبَعْتُمُوه وآوَيْتُموه ونَصَرتُموه.
يا أهلَ العِرَاق، هل شَغَبَ شَاغِبٌ، أو نَعَبَ نَاعِبٌ، أو زَفَرَ زَافِرٌ إلَّا كُنْتُم أشْيَاعَهُ وأنْصَارَهُ، ألَم تَنْهَكُم المَوَاعِظُ؟ ألَم تَزْجُركمُ الوَقَائِع؟!
ثُمَّ الْتَفَتَ إلى أهْل الشَّام، فقال؟ أنا كالظَّلِيْم الرَّامحِ عن فرَاخِه، يَنْفِي عنها القَذَر، ويُبَاعِدُ عنها الحَجَر، ويُكِنُّها من المَطَر، ويَحْميها من الضَّبَاب، ويَحْرُسُها من الذِّئَاب (b). يا أهْل الشَّام أنْتُم الجُنَّةُ والرِّدَاءُ، وأنتُم العُدَّةُ والحَذَاءُ.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أسْعَد بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ بن كَادشٍ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء (١)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن سَعيد الكَلْبيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء الغَلَابِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عُبَيْد الله بن عبَّاسٍ، عن عَطَاءٍ - يعني ابن مُصْعَب - عن عَاصِمٍ، قال: خَطَبَ الحَجَّاج أهْل العِرَاق بعد دَيْر الجَمَاجِم، فقال:
يا أهْلَ العِرَاق، إنَّ الشَّيْطان قد اسْتَبْطَنَكُم، فخالَط اللَّحْمَ والدَّمَ والعَصَبَ والمَسَامعَ والأطْرَاف، ثمّ أفْضَى إلى الأسْمَاخِ (c) والأمْخَاخِ، ثمّ ارْتَفَع فعَشَّشَ، ثمّ
стр. 2569
باضَ وفَرَّخَ، ثمّ دَبَّ ودَرَجَ، فَحَشَاكُم نِفَاقًا وشِقَاقًا، وأشْعَركُم خِلَافًا، اتَّخَذْتُموهُ دَليْلًا تَتَّبِعُونَهُ، وقَائِدًا تُطِيْعُونَهُ، ومُؤَامِرًا تُشَاورُونَهُ، فكيفَ تَنْفَعُكم تجربَةٌ أو يَنْفَعُكُم بَيانٌ؟!
ألَسْتُم أصْحَابي بالأهْوَاز حيثُ رُمْتُم المَكْرَ، وأجْمَعْتُم على الكُفْر، وظَنَنْتُم أنَّ الله جَلَّ وعزَّ يَخْذُل دِيْنَه وخِلَافَتَهُ، وأنا أَرْميكُم بطَرْفي وأنتم تَتَسلَّلُونَ لِوَاذًا، وتَنْهَزمُونَ سِرَاعًا يَوْم الزَّاويَة بما كان من فَشَلِكُم وتَنازُعِكُم وتَخَاذُلِمُ، وبَراءةِ الله منكُم (a)، ونكُوصِ وَليِّكم، إذ وَلَّتُم كالإِبِل الشَّاردَة (b) عن أوْطَانِها النَّوَازع، لا يْسَأل المرءُ عن أخيهِ، ولا يَلْوِي الشَّيْخُ علِى بَنيْهِ، حين عَضَّكُمُ السِّلاحُ، ونَخَسَتكُمُ (c) الرِّمَاحُ يَوْمَ دَيْر الجَمَاجِم، وما يَومُ ديْر الجَماجِم! بها كانت المَعَارِكُ والمَلَاحِمُ بـ: [من الرجز]
ضَرْب يُزيلُ الهَامَ عن مَقيْله … ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عن خَلِيلهْ
يا أهْلَ العِرَاق: الكَفرات بعد الفَجرات، والغَدَرَات (d) بعد الخَترات، والنَّزْوَة بعد النَّزَوَات، إنْ بَعَثْنَاكُم إلى ثُغُوركُم غَلَلْتُم وجَبُنْتُم، وإنْ أمِنْتُم أرْجَفْتُم، وإنْ خِفْتُم نَافَقْتُم، لا تَتَذَكَّرُونَ نِعْمَةً، ولا تَشْكُرونَ (e) مَعْرُوفًا. هل اسْتَخفَّكُم نَاكِثٌ، أو اسْتَغْوَاكُم غَاوٍ، أو اسْتَفَزَّكُم عَاصٍ، أو اسْتَنْصرَكُم ظَالِمٌ، أو اسْتَعْضَدَكُم ضَالعٌ إلَّا لبَّيْتُم دَعْوتَهُ، وأجَبْتُم صَيْحَتَهُ (f)، ونَفَرْتُم إليه خِفَافًا وثِقَالًا، وفُرْسَانًا ورِجَالًا!
يا أهْلَ العِرَاق: هل شَغَبَ شَاغِبٌ، أو نَعَبَ نَاعِبٌ، أو زَفَرَ زَافِرٌ إلَّا كُنْتم أتْبَاعَهُ وأنْصَارَهُ، ألَم تَنْفَعْكمُ المَوَاعِظُ؟ ألَم تَزْجُرْكُم الوَقَائِعُ؟ ألَم يشُدِّدِ اللهُ عليكم وَطْأَتَهُ، ويُذِيْقكُم حرَّ سَيْفه، وأَليْم بَأْسِه ومَثُلَاتِهِ؟!
стр. 2570
ثُمَّ التَفَتَ إلى أهْلِ الشَّام، فقال: يا أهْلَ الشَّامِ، إنَّما أنا لكم كالظَّلِيْم الرَّامِح عن فراخِهِ، يَنْفي عنها القَذَر (a)، ويُبَاعِدُ عنها الحَجَرَ، ويُكِنُّها من المَطَر، ويَحْمِيها من الضِّبَاب، ويَحْرسُها من الذِّئابِ.
يا أهْلَ الشَّام: أنتُم الجُنَّةُ والرِّدَاءُ، وأنتم المُلَاءَةُ والحَذَاءُ، أنتُم الأوْلِيَاءُ والأنْصَار، والشِّعَارُ دُونَ الدِّثَار، بكُم يُذَبُّ (b) عن البَيْعَة (c) والحَوْزَة، وبكم تُرْمَى كَتَائِبَ الأعْدَاءِ، ويُهْزَم مَنْ عَانَد وتَوَلَّى.
أخْبَرَنا أبو الوَحْش عبد الرَّحْمن بن أبي مَنْصُور الدِّمَشقيّ إذْنًا ولَقِيتُه بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أنْبَأنَا أبو الفَرَج غَيْثُ بن عليّ. وحَدَّثَني أبو إسْحَاق إبْراهيمِ بن طَاهِر الخُشُوعِيّ عنه، قال: أخْبَرَنا مُشَرَّف بن عليّ بن الخَضِر بن التَّمَّار إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو خَازِم (d) مُحَمَّد بن الحُسَين بن مُحَمَّد بن خَلَف، قال: قَرَأتُ على مُحَمَّد بن أحْمَد بن القَاسِم الضَّبِّيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن كَامِل، قِراءَةً عليهِ، قيل له: حَدَّثكُم أبو العبَّاس مُحَمَّد بن يَزِيد المُبَرَّد (٢) -قال ابنُ كَامِل: وأنا أشكُّ في سَمَاعهِ- قال: حَدَّثَني التَّوَّزِيّ في إسْنَادٍ ذَكَرهُ وآخرُه عَبْد المَلِك بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ، قال: بينا نحنُ بالمَسْجِد الجامع بالكُوفَة، وأهل الكُوفَة يَوْمئذٍ ذوو حالٍ حَسَنة، يَخْرُج الرَّجُل منهم في العَشَرة والعِشْرين من مَوَالِيهِ، أتانا آتٍ فقال: هذا الحَجَّاجُ قد قَدِمَ أمِيْرًا على العِرَاق، فإذا به قد دَخَل المَسْجِد مُتَعمِّمًا بعِمَامَة قد غَطَّى بها أكْثَر وَجْهِهِ، مُتَقلِّدًا سَيْفًا، مُتَنكِّبًا قَوْسًا، يَؤمّ
стр. 2571
المِنْبَرَ، فقامَ النَّاس نَحْوهُ حتَّى صَعِدَ المِنْبَر، فَمَكُث سَاعةً لا يَتَكلَّم، فقال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: قَبَّحَ اللهُ بني أُمَيَّة، حيث تَسْتَعْمِل مثل هذا على العِرَاق، فقال عُمَيْرُ بن ضَابِئٍ البُرْجُمِيُّ: ألَا أحْصِبُه لكم؟ قالوا: أمْهِل حتَّى نَنْظُر، فلمَّا رَأى عُيُون النَّاس إليهِ، حَسَر اللِّثَام عن فيه، ونَهَضَ فقال: [من الوافر]
أنا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا … متَى أَضَعِ العِمَامَةَ تَعْرِفُوني
واللهِ يا أهل الكُوفَة، إنِّي لأرَى رُؤوسًا قد أيْنَعَتْ وحان قطَافُها، وإنِّي لصَاحِبُها، كأنِّي أنْظُر إلى الدِّماء بين العَمَائِم واللِّحَى: [من الرجز]
هذا أوَانُ الشَّدّ فاشْتَدِّي زِيَمْ … قد لَفَّها اللَّيْل بسَوَّاق حُطَمْ
ليسَ براعي إبل ولا غَنَمْ … ولا بجَزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمْ
[وقال أيضًا] (a): [من الرجز]
قد لفَّهَا اللَّيْل بعَصْلَبيّ … أَرْوَعَ خرَّاج من الدَّوِّيّ
مُهاجِر لَيْسَ بأعْرَابيّ
[وقال] (b): [من الرجز]
قَدْ شَمَّرَت عن سَاقها فَشُدُّوا … وجَدَّتِ الحَرْبُ بكُم فَجدُّوا
والقَوْس فيها وَتَرٌ عَرَّدُ … مثْلُ ذِرَاع البَكْرِ أو أشَدُّ
إنِّي، واللهِ يا أهْلَ العِرَاق، ما يُقَعْقَعُ لي بالشِّنَان، ولا يُغْمَزُ جانبي كغَمْزِ التِّيْن، ولقد فُرِرْتُ عن ذَكَاءٍ، وفُتِّشْتُ عن تَجْربةٍ، وإنَّ أَمِيرَ المُؤْمنِيْن نَثَرَ كِنانَتَهُ فعَجَم عِيْدَانَها، فوَجَدَني أمرَّهَا عُودًا، وأصْلَبَها مَكْسَرًا، فرَمَاكُم بي لأنَّكُم طالَما أوْضَعْتمُ في الفِتْنَةِ، واضْطَجَعْتُم في مَرَاقِد الضَّلَالِ، والله لأحْزمنَّكُم
стр. 2572
حَزْمَ السَّلَمَة، ولأضْربنَّكُم ضَرْبَ غَرَائِب الإِبِل، فإنَّكُم لكأهْلِ ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ (١)، وإنِّي والله ما أقُول إلَّا وفَيْتُ، ولا أهُمّ إلَّا أمْضَيْتُ، ولا أخْلقُ (a) إلَّا فرَيْتُ.
وإنَّ أَمِير المُؤْمنِيْن أمَرَني بإعْطَائكُم، وأنْ أُوَجِّهَكُم لمُحَارَبَةِ عَدُوِّكم مع المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة، وإنِّي أُقْسِم باللهِ لا أجدُ رَجُلًا تخلَّفَ بعد أخْذِ عَطَائهِ بثلاثهِ أيَّام إلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ.
يا غُلَام، اقْرأ عليهم كتابَ أَمِير المُؤْمنِيْن، فقَرَأ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عَبْدِ اللهِ عَبْد المَلِك، أَمِير المُؤْمنِيْنَ، إلى مَنْ بالكُوفَة من المُسْلمِيْن، سَلَامٌ عليكم.
فلَم يَقُل أحَدٌ شيئًا، فقال الحَجَّاجُ: اكْفُفْ يا غُلَام، ثمّ أقْبَل علي النَّاسِ، فقال: أسَلمّ عليكم أَمِيرُ المُؤْمنِيْن فلم تَردُّوا عليه شيئًا؟ هذا أدَبُ ابن نُهَيّة (b)، أمَا والله لأؤدِّبَنَّكُم غير هذا الأدَب، أو لتَسْتَقِيمُنًّ، اقرأ يا غُلَامُ كتابَ أَمِير المُؤْمنِيْن، فقَرأ، فلمَّا بلغَ إلى قَوْله: سَلَامٌ عَليكم، لَم يَبْقَ في المَسْجِد أحَدٌ إلَّا قال: وعلى أَمِير المُؤْمنِيْن السَّلام.
ثمّ نَزَل، فوَضَعَ للنَّاس أُعْطياتهم، فجعلُوا يأخُذُونَ حتَّى أتاهُ شَيْخٌ يَرْعشُ كِبَرًا، فقال: أيُّها الأَمِيرُ، إنِّي من الضَّعْفِ على ما تَرَى، ولي ابنٌ هو أقْوَى على
стр. 2573
الأَسْفَار منِّي، أَفَتَقْبَله منِّي بَدِيلًا؟ فقال له الحَجَّاجُ: تَفْعَل (a) أيُّها الشَّيْخ.
فلمَّا وَلَّى قال له قائلٌ: أتَدْري مَنْ هذا أيُّها الأَمِيرُ؟ قال: لا، قال: هذا عُمَيْر بن ضَابِئ البُرْجُمِيّ الّذي يقُول أبُوه: [من الطويل]
هَمَمْتُ ولم أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَني … تركَتُ على عُثْمان تَبْكي حَلَائلُه
ودَخَل هذا الشَّيْخُ على عُثْمان مَقْتُولًا، فوَطئ بطنَهُ فكَسَر ضِلعَيْن من أضْلَاعهِ فقال: رُدُّوهُ، فلمَّا رُدَّ قال له الحَجَّاجُ: أيُّها الشَّيْخ، هَلَّا بَعَثْت إلى أَمِير المُؤْمنِيْن عُثْمان بَدِيلًا يَوْم الدَّار، إنَّ قَتْلَكَ أيُّها الشَّيْخ صَلَاحٌ للمُسْلِمين، يا حَرَسِيَّ اضْرِبَا عُنُقَهُ، فجعَل الرَّجُل يَضِيْقُ عليه بعضُ أمْره فيَرْتحلُ، ويأمر وليَّهُ أنْ يلْحقَهُ بزادِه، وفي ذلك يَقُول ابن عَبْد اللهِ بن الزُّبَيْر الأسَدِيّ: [من الطويل]
تجَهَّز فإمَّا أنْ تَزُور ابنَ ضَابِئ … عُمَيْرًا وإمَّا أنْ تَزُورَ المُهَلَّبَا
هما خُطَّتَا خَسْفٍ نَجاؤُكَ منهما … رُكُوبُك حَوْليًّا من الثَّلْج أشْهَبَا
فأَضْحَى ولو كانت خُرَاسَان دُوْنَهُ .. رآه مكان السُّوْق (b) أو هو أقْرَبا
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد، عن أبي المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي الجِنّ، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد (c) الأزْدِيّ -يعني: الحَسَن بن الحُسَين السُّكَّرِيَّ- قال: سَمِعْتُ الزِّيَادِيَّ أبا إسْحَاقَ يَقول:
стр. 2574
سَمِعْتُ الأصْمَعِيّ يَقُول: أرْجَفَ النَّاسُ بمَوتِ الحَجَّاج، فخَطَبَ فقال: إنَّ طَائفةً من أهْلِ العِرَاق وأهْل الشِّقَاقِ والنِّفَاق نَزغ الشَّيْطان بينهم، فقالُوا: ماتَ الحَجَّاج! وماتَ الحَجَّاجُ، فَمَهْ؟ وهل يرجُو الحَجَّاجُ الخَيْرَ إلَّا بعد المَوْت!؟ والله ما يَسُرُّني إلَّا أنْ أَمُوت وأنَّ لي الدُّنْيا وما فيها، وما رأيْتُ اللهَ رَضِي التَّخْلِيْدَ إِلَّا لأهْوَن خَلْقه عليه؛ إبْلِيْس، حيث قال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (١)، فأنْظَرَهُ إلى يَوْم الدِّين، ولقد دَعَا اللهَ العَبْدُ الصَّالِحُ فقال: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (٢)، فأعْطَاهُ ذلك إلَّا البَقَاء، فما عَسَى أنْ يكون أيُّها الرَّجُل؛ وكُلُّكُم ذلك الرَّجُل، كأنِّي واللهِ بكُلِّ حَيٍّ (a) منكم مَيِّتًا، وبكُلِّ رَطْب يَابِسًا، ثُمَّ نُقِلَ (b) في ثِيَاب أكْفَانهِ إلى ثلاثة أذْرُع طُوْلًا في ذِرَاعٍ عَرْضًا، فأكلَت الأرْضُ لَحْمَهُ، ومَصَّتْ صَدِيْدَهُ، وانْصَرف الحَبِيْبُ من وَلده يَقْسِم الحَبِيْبَ من مَاله، إنَّ الّذين يعقلُونَ يَعْقلون ما أقُول، ثمّ نَزَل.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِيْن بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن حَمْد بن حَامِد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليِّ بن الحُسَين الفَرَّاء في كتابه، عن أبي إسْحَاق الحَبَّال، وخَدِيجَة المُرَابِطَة -قال الحَبَّال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الجَبَّار بن أحْمَد بن عُمَرَ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الحَسَن بن الحُسَين بن بُنْدَار، وقالت خَدِيجَة: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أحْمَد بن عليّ بن الحُسَين بن بُنْدَار، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن بُنْدَار -قالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن مُحَمَّد الأدِيْبُ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن بَيَان، قال: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بن سَوَّار، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر الهُذَلِيّ، قال: مرضَ الحَجَّاج، فقال النَّاس: ماتَ. فأفاقَ
стр. 2575
فصَعِدَ المِنْبَرَ، فَحمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثمّ قال: يا أهْلَ العِرَاق والشِّقَاق والنِّفَاق والمِرَاق، قُلْتُم: مات الحَجَّاج؛ فَمَهْ؟ فواللهِ ما سَرَّني أنِّي ممَّن لا يَمُوتُ، واللهِ ما رَضِيَ اللهُ البَقَاءَ إلَّا لأهْوَن خَلْقِه عليه: إبْلِيْس، ولقد سَأل اللهَ العَبْدُ الصَّالِحُ سُليْمانُ فقال: رَبّ ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (١)، فأعْطاهُ اللهُ ذلك كُلَّهُ، ثمّ صَارَ إلى المَوْتِ.
أيُّها الرَّجُل، وكُلُّكُم ذلك الرّجُل، كأنِّي بك وقد انْطُلِقَ بكَ على سَرِيرك إلى ثلاث أذْرُعِ من الأرْض في ذِرَاعين، ثمّ سُنَّ عليك التُّرابُ سُنًّا، فأكَلَتِ الدِّيْدانُ لَحْمَكَ، ومصَّتْ دَمَكَ، ورجَعِ الحَبِيْبان أحَدُهُما يَقْسِم للآخر: حَبِيْبكَ من وَلدكَ يَقْسم حَبِيْبكَ من مَالِكَ، ثمّ يَمُرُّون بحُبْوَةِ قَبْركَ بعد ثالثةٍ فإنَّهم لم يَعْرفُوكَ! أمَا إنَّ الّذين يَعْلمُونَ، يَعْلَمُون ما أقُول.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَتْنا فاطِمَةُ بِنْتُ أبي حَكِيم الخَبْرِيّ قالت (a): أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن الشَّاعر، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن خَالِد الكَاتِب، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن المُغِيرَة، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن سَعيد الدِّمَشقيُّ، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بن بَكَّار، قال: حَدَّثَني عليّ بن صالح، عن عَامِر بن صالح، قال: مرضَ الحَجَّاجُ مَرَضًا شَدِيْدًا، فأرْجَفَ أهْل العِرَاق بمَوْتِه، فخَرَجَ مُنْدَملًا من مَرَضِهِ حتَّى أوْفَى على ذِرْوَةِ المِنْبَر، فقال: ألَا إنَّ أهْلَ العِرَاق، أهْلُ الشِّقَاقِ والنِّفَاق، نَفَخَ الشَّيْطان في مَنَاخرِهم، فقالوا: ماتَ الحَجَّاجُ، وماتَ الحَجَّاجُ! وإنْ مُتُّ فمَهْ؟ والله ما أُحِبُّ ألَّا أمُوت، وهل أرْجُو الخَيْر كُلَّهُ إلَّا بعدَ المَوْت؟
стр. 2576
وما رأيتُ الله -عَلَا ذِكْرُهُ وتقدَّسَتْ أسْمَاؤهُ- رَضِي التَّخْلِيْدَ لأحدٍ من خَلْقِه إلَّا لأخَسِّهِم وأهْوَنهم عليه: إبْلِيْس. ولقد سَألَ العَبْدُ الصَّالِحُ رَبَّه فقال: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (١) ففَعَل، ثُمَّ اضْمَحَلَّ، فكأَنْ لَم يَكُن.
يا أيُّها الرَّجُل، وكُلُّكُم ذلك الرَّجُل، والله لكأنِّي بي فيكم قد صَار كُلّ حَيّ منَّا مَيِّتًا، وكُلّ رَطب يَابِسًا، ونُقِلَ امْرؤٌ في ثِيَابِ طُهْره إلى أرْبَع أذْرُعِ طُولًا في ذِرَاعَيْن عَرْضًا، وأكَلَتِ الأرْض شَعْره وبَشَرَهُ، ومَصَّتْ صَدِيْدَهُ ودَمَهُ، ورجَعِ الحَبِيْبتان (a): أهْلهُ ووَلدُه، يَقْتَسمان حَبِيْبهُ من مَالِه، ألَا إنَّ الّذَين يَعْلَمُون، يَعْلمُونَ ما أَقُول حَقًّا، ثمّ نَزَل.
أخْبَرَنا عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِيْن، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن حَمْد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن الفَرَّاءِ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن الحَسَن بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّاب، ح.
وأخْبَرَنا عَتِيقٌ السَّلَمَانِيّ، وأبو الحَسَن بن أحْمَد من لَفْظه -قال عَتِيق: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (٢)، وقال أبو الحَسَن: أنْبَأنَا عَبْدُ الله بن صَابِر - قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنا رشَاء بن نَظِيف، قالا: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّاب، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَرْوَان (٣)، قال: حَدَّثَنَا يُوسُف بن عَبْد الله الحُلْوَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُسْلِم بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ الجُفْرِيّ (b)، قال:
стр. 2577
سَمِعْتُ مَالِك بن دِيْنار يقُول: سَمِعْتُ الحَجَّاج على هذه الأعْوَاد وهو يَقُول: امْروٌ وزَنَ (a) عَمَلَهُ، امْروً حاسَبَ نَفْسَهُ، امْرؤٌ فَكَّر فيما يَقْرَأهُ في صَحِيفَتهِ ويَراه في مِيْزَانِهِ، وكان عند قَلْبهِ زاجراً، وعند هَمِّه آمِرًا، امْرؤٌ أخذَ بعنان عَمَله كما يأخُذُ بخِطَام جَمَلِهِ، فإنْ قادَهُ إلى طَاعةِ الله تبعَهُ، وإنْ قادَهُ إلى مَعصِيَةِ الله كفَّهُ (b).
أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بَنِيْن، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله الأَرْتاحيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَرَّاء في كتابه، عن أبي إسْحَاق الحَبَّال، وخَدِيجَة المُرَابِطَة - قال الحَبَّال: أخْبَرَنا عَبْدُ الجَبَّار بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا الحَسَن بن الحُسَين بن بُنْدَار، وقالت خَدِيجَةُ: أخْبَرَنا يَحْيَى بن أحْمَد بن عليّ بن الحُسَين بن بُنْدَار، قال: حَدَّثني جَدِّي عليَّ بن الحُسَين بن بُنْدَار- قالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن مُحَمَّد الأدِيْبُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن ابن أُخْت هَانئ، قال: أخْبَرَني الحَسَن بن عَرَقَة، عن زِيَاد بن السَّكَن، عن الشَّعْبيِّ، قال: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ على المِنْبَر يقُول: أمّا بَعْدُ؛ فإنَّ الله كتَبَ على الدُّنْيا الفَنَاءَ، وعلى الآخرة البَقَاءَ، فلا فَنَاءَ لِمَا كَتَب عليهِ البَقَاء، ولا بَقَاءَ لِمَا كَتب عليه الفَنَاءَ، فلا يغُرنَّكُم شَاهِدُ الدُّنْيا عن غَائِب الآخرة، واقهَرُوا طُولَ الأمَلِ بقِصَر الأجَل.
وقال: حَدَّثَنَا مَحُمْود بن مُحّمد الأدِيْب، قال: حَدَّثَنا الحَنَفِيّ - يعني: أحْمَدَ بن الأَسْوَد - قال: حَدَّثَنَا رُفَيْعُ بن سَلَمَة العَبْدِيّ، عن أبي عُبَيْدَةَ، قال: خَطَبَ الحَجَّاجُ، فقال: والله ما يَسُرُّني ما مَضَى لي من الدُّنْيا بعِمَامَتي هذه، ولَمَا بَقِيَ منها أَشْبَه بما مَضَى من الماءِ بالماءِ.
أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إبْرَاهيمِ بن مُسَلَّم الإرْيِلِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَتْنا شُهْدَة بنت أحْمَد بن الفَرَج، قالت: أخْبَرنا طَرَّاد بن مُحَمَّد الزَّيْنَبيّ، قال: أخْبَرَنا
стр. 2578
أبو الحَسَين عليّ بن مُحَمَّد بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا (١)، قال: حَدَّثني مُحَمَّد بن عُمَر بن عليّ الثَّقَفِيّ، قال: حَدَّثني عُبَيْدُ بن حُسَيْن بن ذَكْوَان المُعَلَّم، عن سَلاَّم بن مِسْكِين، قال: خَطَبَ الحَجَّاجُ - أو قال: خَطَبنا - فقال: أيُّها الرَّجُل، وكُلُّكُم ذلك الرَّجُل، زمُّوا أنْفُسَكُمُ، واخْطِمُوها بأزمَّتها إلى طَاعةِ الله، وكفُّوها بخُطَمها عن مَعْصِيَة الله.
وقال حَدَّثَنَا ابن أبي الدُّنْيا (٢)، قال: حَدَّثَني أبو مُحَمَّد التَّيْمِيّ، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا شِهَاب بن خِرَاش، قال: حَدَّثَنَا سيَّار أبو الحَكَم، قال: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ بن يُوسُف على المِنْبَر يقُول: يا أيُّها الرَّجُل، وكُلُّكُم ذلك الرَّجُل، رَجُل خَطم نفسَهُ وزمهَّا، فقادَها بخِطَامها إلى طَاعةِ الله، وعَنَجها بزِمَامها عن مَعَاصِي الله.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَاتِ عَبدُ الوَهَّاب بن المُبارَك الأنْمَاطِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعاً، قال: أخْبَرَنا ثَابِتُ بن بُنْدَار بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أبو تَغْلِب عَبدُ الوَهَّاب بن عليّ بن الحَسَن المُلْحَمِيّ، قال: حَدَّثَنَا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيّ (٣) إمْلاءً، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن القَاسِم الأنْبارِيُّ، قال: أخْبَرَنا أحمدُ بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن شَبَّة، عن أشْيَاخِهِ، قال: لمَّا وَلَّى عَبْدُ المَلِك بن مَرْوَان الحَجَّاجَ بن يُوسُف العِرَاق، اتَّصَل به سَرفُهُ في القَتْل، وأنَّهُ أعْطَى أصْحَابه الأمْوَال، فكَتَب إليه عَبْدُ المَلِك:
стр. 2579
أمَّا بَعْدُ؛
فقد بلَغَني سَرَفُكَ في الدِّماءِ، وتَبْذِيرُكَ الأمْوَال، وهذا لا أحْتَمله لأحدٍ من النَّاسِ، وقد حَكَمتُ عليك (a) في القَتْل في العَمْد بالقَوَدِ، وفي الخَطَأ بالدِّيَةِ، وأنْ تَرُدَّ الأمْوَال إلى مَوَاضِعَها (b) ؛ فإنَّما المالَ مَالُ الله ، ونحنُ خُزَّانَهُ، وسَيَّان مَنْعُ حَقٍّ وإعْطَاءُ بَاطِلٍ، فلا يُؤمننَّكَ إلَّا بالطَّاعَة، ولا يُخيْفنَّك (c) إلَّا المَعْصِيَة.
وكَتَب في أسْفَل الكتاب: [من الطويل]
إذا أنْتَ لم تَتْرُكْ أُمُوراً كرهْتَها … وتَطْلُبْ رِضَاي في الّذي أنْتَ طَالِبُه
وتَخْشَى الّذي يَخْشَاهُ مثلُكَ هَارِبًا … إلى الله منه ضيَّع الدُّرّ جَالِبُه
فإنْ تَرَ منِّي غَفْلَةً قُرَشِيَّةً فيا … رُبَّما قد غصَّ بالماءَ شَارِبُه
وإنْ تَرَ منِّي وَثْبَةً أَمَويًّةً فهذا … وهذا كُلّه أنا صَاحِبُه
فلا تَعْدُ ما يأتيكَ منِّي فإنْ تَعُد … تَقُم فاعْلَمَنْ يَوْماً عليكَ نَوَادِبُه
فلمَّا وَرَدَ الكتابُ على الحَجَّاج وقرأهُ، كَتَب جَوَابَهُ:
أمَّا بَعْدُ؛
فقد جَاءَني كتابُ أَمِير المُؤْمنِيْن، يَذْكُر فيهِ سَرَفي في الدِّماءِ، وتَبْذيري الأمْوَال، فوالله ما بالغْتُ في عقُوبَةِ أهْلِ المَعْصِيَةِ، ولا قضَيْتُ حَقّ أهْلِ الطَّاعَة، فإنْ يَكُن قَتْلِي العُصَاةَ سَرَفاً، وإعْطَائي أهْل الطَّاعَة تَبْذِيراً، فليُمْضِ لي أَمِير المُؤْمنِيْن ما سَلَفَ، وليُحَدِّد لي أَمِير المُؤْمنِيْن فيما يَحْدُث حَدًّا أَنْتَهي إليه ولا أتَجَاوزُه.
وكَتَبَ في أسْفَل الكتَاب: [من الطويل]
إذا أنا لم أطْلُبْ رِضَاَك وأتَّقي … أذَاكَ فيَوْمِي لا تَوَارَتْ كَوَاكِبُهْ
стр. 2580
إذا قَارَفَ الحَجَّاجُ فيك خَطِيْئَةً … فقَامَتْ عليه في الصَّبَاحِ نَوَادِبُهْ
أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتَ من ذي هَوَادَةٍ … ومَنْ لَم تُسَالِمْهُ فإنِّي مُحَارِبُهْ
إذا أنا لَم أُدْنِ الشَّفِيْقَ لنُصْحِهِ … وأُقْصِ الّذي تَسْرِي إليَّ عَقَارِبُهْ
فَمنْ يتَّقي يَوْمي ويَرْجُو إذاً غَدِي … على ما أرَى والدَّهْر جَمًّا عَجَائِبُهْ
أنْبَأنَا أحْمَد بن أزْهَر بن السَّبَّاك، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، عن أبي مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، عن أبي عُبَيْد الله المَرْزُبانيّ، قال في مُعْجَم الشُّعَراء (١): كَتَب إليه - يعني الحَجَّاجَ - عَبْدُ المَلِك بن مَرْوَان بأبياتٍ يُنْكِرُ عليه فيها إسْرَافَهُ في الدِّماء والأمْوَال، فأجابَهُ الحَجَّاجُ: [من الطويل]
إذا أنا لَم أطْلُبْ رِضَاكَ وأتَّقي … أذَاكَ فيَوْميِ لا تَوَارَى كَوَاكِبُهْ
وما لامْرئ يَعْصي الخَلِيفَة جُنَّةً … تَقِيه من الأمْر الّذي هو رَاهِبُهْ
أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتَ من ذي قَرَابَةٍ … وإنْ لَم تُسَالِمْهُ فإنِّي مُحَارِبُهْ
إذا قَارَفَ الحَجَّاجُ فيك خَطِيْئَةً … فقامَتْ عليه في الصَّبَاح نَوَادِبُهْ
إذا أنا لَم أُدْنِ الشَّفِيْق لنُصْحِهِ … وأُقْصِ الّذي تَسْري إليك عَقَارِبُهْ
وأُعْطِيِ المُوَاِسِي في البَلَاءِ عَطِيَّةً … تَرُدُّ الّذي ضَاقَتْ عليه مَذَاهِبُهْ
فَمنْ يتقِي يَوْمِي ويَرْعَى مَوَدَّتي … ويَخْشى غَدِي والدَّهْرُ جَمّ عَجَائِبُهْ
والأمْرُ إليكَ اليَوْمَ ما قُلْتَ قُلْتُه … وما لَم تَقُلْهُ لمِ أقُلْ ما يُقَارِبُهْ
فقِفْ بي على حَدِّ الرِّضَا لا أجوزُه (a) … يَدَ الدَّهْر حتّى يَرْجعَ الدُّرَّ حَالِبُهْ
وإلَّا فَذَرْنِي والأُمُورَ فإنَّني … رَفِيْقٌ شَفِيقٌ أحْكَمَتْهُ تَجارِبُهْ
قال المَرْزُبانيُّ: وله أيْضاً جَوَابٌ لعَبْد المَلِك أوَّلُه: [من الطويل]
لعَمْري لقد جَاءَ الرَّسُولُ بكُتْبِكُمْ … قَرَاطِيْسَ تُمْلَى ثمّ تُطْوَى فتُطْبَعُ
стр. 2581
كتابٌ أتَاني فيهِ لِيْنٌ وغِلْظَةٌ … وذكَّرت والذِّكَرَى لذي اللُّبِّ تَنْفَعُ
قال: وهي أبْياتٌ.
وأخْبَرَنا بها أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَليِل بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ أحْمَدُ بن عُبَيْد الله بن كَادِشٍ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن الحُسَين الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء القَاضِي (١)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْد، قال: أخْبَرَنا أبو حَاتِم، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْدَةَ (a)، قال: لمَّا قَتَلَ الحَجَّاجُ ابنَ الأشْعَث، وصَفَتْ لهُ العِرَاقُ، قَدَّم قَيْساً، واتَّسَعَ في إنْفاق الأمْوَال، فكَتَب إليه عَبْد المَلِك:
أمَّا بعدُ؛
فقد بلَغَ أَمِير المُؤْمنِيْن أنَّكَ تُنْفقُ في اليَوْم ما لا يُنْفقُه (a) أَمِيرُ المُؤْمنِيْن في أسْبُوع، وتُنْفق في الأسْبُوع ما لا يُنْفقُه أَمِيرُ المُؤْمنِيْن في الشَّهر: [من الطويل]
عليكَ بتَقْوَى الله في الأمْر كُلَّهِ … وكُن لوَعِيْدِ الله تَخْشَى وتَضْرَعُ
ووَفِّرْ خَرَاجَ المُسْلِميْنَ وفَيْئَهُم … وكُن لهم حِصْناً تُجِيْرُ وتَمْنَعُ
فكَتَبَ إليه الحَجَّاجُ: [من الطويل]
لعَمْري لقد جَاءَ الرَّسُولُ بكُتْبِكُمْ … قَرَاطِيْسَ تُمْلَى ثمّ تُطْوَى فتُطْبَعُ
كِتَابٌ أتَاني فيهِ لِيْنٌ وغِلْظَةٌ … وذكَّرت والذِّكْرَى لذي اللُّبِّ تَنْفعُ
وكاتَ أُمُورٌ تَعْتَرينِي كَثِيْرةٌ … فأرضَخُ أو أعْتَلُّ حيناً فأمْنَعُ
إذا كنتُ سَوطاً من عَذَابٍ عليهِمُ … ولَم يكُ عِنْدي في المَنَافِع مَطْمَعُ
стр. 2582
أيَرْضَى بذاكَ النَّاسُ أم يَسْخَطُونَهُ … أمُ أحْمَدُ فيهم أم أُلَامُ فأُقْذَعُ
وكانَتْ بِلادٌ جئتُها حيثُ جِئْتُها … بها كُلُّ نِيْرَانِ العَدَاوَةِ تَلْمَعُ
فقَاسَيْتُ منها (a) ما علمْتُ ولَم أَزَلْ … أُصَارعُ حتَّى كدْتُ بالمَوْتِ أُصْرَعُ (b)
فكم أرْجَفُوا من رَجْفَةٍ قد سَمعْتُها … ولو كانَ غيري طَارَ ممَّا يُرَوَّعُ
وكنتُ إذا هَمُّوا بإحْدَى هَنَاتِهم … حَسَرْتُ لهم رَأسِي ولا أتَقَنَّعُّ
فلَوْ لَم تَذُدْ (c) عِنيّ صَنَادِيْدُ منهُمُ … تَقَسَّمَ أعْضَائي ذِئَابٌ وأَضْبُعُ
فكتب إليه عَبْدُ المَلِك: اعْمَل برَأيكَ.
أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الدِّمَشقيِّ (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر، عن أبي المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنا رَشَاءُ بن نَظِيف، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن عِيسَى المُؤدِّبُ، قال: حَدَّثَنَا ابن عائِشَةَ، عن أَبيِهِ، قال: خَطَبَ الحَجَّاجُ يَوْماً، ثُمَّ أنْشَد قَوْل سُوَيْد بن أبي كَاهِلٍ (٣): [من الرمل]
كيفَ تَرْجُونَ (d) سِقاطِي بَعْدَما … جَلَّلَ الرَّأسَ بياضٌ وصَلَعْ
رُبَّ مَن أنضَحْتُ (e) غَيْظاً صَدْرَهُ … لو تَمنَّى لي مَوْتاً لم يُطَعْ
ويَرَاني كالشَّجَا في صَدْره … عَسِراً مَخْرجُهُ لا يُنْتَزَع
جُرذٌ (f) يَخْطِرُ ما لم يَرَني … فإذا أُسْمِعُه (g) صَوْتي انْقَمَع
стр. 2583
لم يَضِرْنِي (a) غَيْر أن يَحْسُدَني … فهو يَزْقُو مثل ما يَزْقُو الضُّوَعِ (b)
ويُحَيِيَّني إذا لاقيتُهُ … وإذا يخْلُو له لَحِمْي رَتَع
قد كَفَاني اللهُ ما في نَفْسه … وإذا ما يَكْفِ شَيئاً لم (c) يُضَعْ
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج بن خَلِيل الأَدَمِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مَسْعُود بن أبي مَنْصُور مُحَمَّد بن الحَسَن الجَمَّال، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مَحْمُود بن إسْمَاعِيْل الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحُسَين بن فَاذشَاه، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسمِ سُليْمان بن أحْمَد بن أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن يَحْيَى ثَعْلَب، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بن بَكَّار، قال: حَدَّثَني عَبْدُ الله بن إبْراهيم الجُمَحِيّ، قال: حَدَّثَني سَعيد بن سَلَم، قال: كان الحَجَّاجُ بن يُوسُف يُنْشدُ قَوْل مَالِك بن أسْماء بن خارِجَة: [من المنسرح]
يا مُنْزِلَ الغَيْثِ بَعْدَما قَنَطُوا … ويا وَلِيَّ النّعْمَاء والمِنَنِ
يكُون ما شِئْتَ أنْ يَكُونَ وما … قدَّرْتَ أنْ لا يكُونَ لم يَكُنِ
يا جَارَةَ الحيَّ كُنْتِ لي سَكَنًا … ولَيْسَ بعضُ الجِيْرَان بالسَّكَنِ
أذْكُر من جارَتي ومَجْلِسِها … طَرَائفاً من كَلَامها الحَسَنِ
ومن حَدِيثٍ يزيدُني مِقَةً … ما لحديث المَوْمُوْق من ثَمَنِ
أخْبَرَنا أبَو القَاسِم عَبْد الغَنِيَّ بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّدُ بن حَمْد بن حَامِد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليِّ بن الحُسَين الفَرَّاءُ في كتابهِ، عن أبي إسْحَاق الحَبَّال وخَدِيجَة المُرَابِطَة - قال الحَبَّال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الجَبَّار بن أحمد، قال: أخْبَرَنا أَبو بَكْر الحسَن بن الحُسَين بن بُنْدَار، وقالت خَدِيجَة: أخْبْرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أحْمَد بن عليّ بن الحُسَين بن بُنْدَار، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي عليّ بن
стр. 2584
الحُسَين - قالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن مُحَمَّد الأدِيْبُ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْد الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلَّام، قال: حَدَّثَنَا أبو كَثِيْر عَبْدُ القَاهِر بن السَّرِيّ، قال: كتَبَ الجَجَّاجُ إلى قُتَيْبَة بن مُسْلِم:
أمَّا بَعْدُ؛
فإنِّي نَظَرتُ في سِنيّكَ فوجَدْتُها مثل سِنيَّ، وكَتَب (١): [من الطويل]
وإنَّ امْرأً قد سَارَ خَمْسِين حِجَّةً … إلى مَنْهَلٍ من وِرْدِهِ لقَرِيْبُ
إذا ما مَضَى القَرْنُ الّذي كُنْتَ فيهم … وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأنْتَ غَرِيْبُ
وما الدُّنْيا إلَّا كما قال الشَّاعِرُ (٢): [من الطويل]
أرَاهَا وإنْ كانت تُحَبُّ فإنَّها … سَحَابَةُ صَيْفٍ عن قَلِيلٍ تَقَشَّعُ
أخْبَرَنا عَتِيق السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (٣)، ح.
وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: أنْبَأنَا عَبْدُ الله بن عبد الرَّحْمن، قالا: أخْبَرَنا عليّ بن إبْراهمِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن العَدْل، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد [الحَسَن] (a) بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الدِّيْنَورِيّ (٤)، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا هَارُون بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا ضمْرَهَ، عن ابن شَوْذَب، قال: رُبَّما دَخَلَ الحَجَّاج على دَابَّته حتَّى يقفَ على حَلْقَة الحَسَن، فيسمَعُ إلى (b) كَلَامه، فإذا أرَادَ أنْ يَنْصَرف يَقُول: يا حَسَن، لا تُمِلّ النَّاسَ، قال: فيقُول الحَسَن: أصْلَح اللهُ الأَمِير، إنَّهُ لَم يَبْقَ إلَّا مَنْ لا حَاجَة له.
стр. 2585
وقال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الدِّيْنَورِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم الحَرْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو سَلَمَة، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن سَلَمَة، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن زَيْد، قال: قيل لسَعِيد بن المُسَيّب: ما بالُ الحَجَّاج لا يَهِيْجُكَ كما يَهِيْج النَّاس؟ قال: لأنَّهُ دَخَل المَسْجِد مع أبِيهِ (a) فصَلَّى فأسَاءَ صَلَاتَهُ، فَحَصَبْتُهُ، فقال الحَجَّاجُ: لا أزَالُ أُحْسن صَلَاتي ما حَصَبَني سَعِيدٌ.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ بدِمَشْق، وأبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريُّ، قال: أخْبَرَنا أبو إسْحَاق البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن مَاسِي، قال: حَدَّثَنَا أبو مُسْلم الكَجِّيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله الأنْصَاريّ - قال ابنُ عَوْن: حَدَّثَنيهِ - قال: دَخَلْتُ أنا ومُسْلِم البَطِيْن على أبي وَائِل، فقُلْنا لجَارِيَةِ له يُقالُ لها بُرَيْرَةَ (b): قُولي لأبي وَائِل يُحَدِّثُنَا ما سَمِعَ من عَبْد الله بن مَسْعُود، فَقالت: يا أبا وَائِل، حَدِّث القَوْمَ ما سَمِعْتَ من ابن مَسْعُود، قال: سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُود يَقُول: أيُّها النَّاسُ، إنَّكم مَجْمُوعُونَ في صَعِيدٍ واحدٍ يَسْمَعُكُم الدَّاعي ويَنْفُذُكُم البَصَر (c)، ألَا وإنَّ الشَّقِي مَنْ شَقي في بَطْن أُمَّه، والسَّعِيْد مَنْ وُعِظَ بغيره، فقُلْنا لها: قُولي له: بما تَشْهَدُ على الحَجَّاج؟ قالت: يا أبا وَائِل، بما تَشْهَدُ على الحَجَّاج، تَشْهَدُ أنَّهُ في النَّار؟ فقال: سُبْحَان الله! أحْكُمُ على الله .
أخْبَرَنا عَتِيق بن أبي الفَضْل، ومُحَمَّد بن أحْمَد، قِراءةً من لَفْظه - قال عَتِيق: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، وقال مُحَمَّد: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي بن صَابِر - قالا:
стр. 2586
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا رَشَاءُ بن نَظيف، قال: أخْبَرَنا الحَسَن بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَرْوَان (١)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مُحْرِز، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْز بن مُنِيْب، عن عَبْد الله بن عُثْمان بن عَطَاء الخُرَاسَانيّ، قال: حَدَّثَني شِهَابُ بن خِرَاش، قال: حَدَّثَني عَمِّي يَزِيد بن حَوْشَب، قال: بَعَثَ إليَّ المَنْصُور أبو جَعْفَر فقال: حَدِّثني بوَصِيَّةِ الحَجَّاج بن يُوسُف، فقُلتُ: اعْفِني يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قال: حَدِّثني بها، فقُلتُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا ما أوْصَى بهِ الحَجَّاجُ بن يُوسُف: أوْصَى (a) أنَّهُ يَشْهَدُ أنَّ لا إلَه إلَّا الله، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه ورَسُوله، وأنَّهُ لا يَعْرف إلَّا طَاعَةَ الوَلِيد بن عَبْد المَلِك، عليها يَحْيَا، وعليها يَمُوت، وعليها يُبْعَث. وأوْصَى بتِسْعمَائة دِرْع حَدِيد: سِّتِمائة منها لمُنَافِقي أهْلِ العِرَاق يغْزُونَ بها، وثَلاثِمائة للتّرْك.
قال: فرفَع أبو جَعْفَر رأسَهُ إلى أبي العبَّاس الطُّوْسيّ، وكان قائمًا على رَأسِه، فقال: هذه والله الشِّيْعَة لا شِيْعَتكُم.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِيْن المِصْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن حَمْد بن حَامِد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن علىّ بن الحُسَين الفَرَّاءُ في كتابهِ، عن أبي إسْحَاق الحَبَّال، وخَدِيجَة المُرَابِطَة - قال الحَبَّال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الجَبَّار بن أحْمَد بن عُمَر، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الحَسَن بن الحُسَين بن بُنْدَار، وقالت خَدِيجَةُ: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أحْمَد بن عليّ بن الحُسَين بن بُنْدَار، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن بُنْدَار - قالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن
стр. 2587
مُحَمَّد الأدِيْبُ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عُمَر النُّفَيْلِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُسْهِر، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن عَبْد العَزِيْز، قال: قال عُمَر بن عَبْد العَزِيْز (a): ما حَسَدْتُ أحدًا على شيءٍ قَطُّ إلَّا الحَجَّاج؛ حَسَدْتُهُ على اثْنَتَين: حُبِّه للقُرْآن وإعْطَائه [أهْله] (b)، وقَوْله عند مَوْته: اللَّهُمَّ إنَّ النَّاس يَزْعُمُون أنَّكَ لا تَغْفر لي، فاغْفِر لي.
وقالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود الأدِيْب، قال: حَدَّثَنَا حَنَشُ بن مُوسَى، قال: أخْبَرَنا المَدَائِنيُّ، عن جُوَيْرِيَة أنَّ الحَجَّاج قال عند المَوْت: اللَّهُمَّ اغْفِر لي، فإنَّ هؤلاء يَزْعُمُون أنَّكَ لا تَغْفر لي. فبلَغَت الحَسَن كَلمَتُه قال: أوَقَالَها؟ قالوا: نَعم، قال: عَسَى.
وقالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْد الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الجَعْد، قال: أخْبَرَنا المَاجُشُون، عن الزُّهْرِيّ، قال: قال لي عُمَر بن عَبْد العَزِيْز: ما آسَى إلَّا على كلمة بَلَغَني أنَّ الحَجَّاج قالَها عند مَوْته: اللَّهُمَّ اغْفِر لي، فإنَّ النَّاس يَزْعُمُون أنّكَ لا تَغْفر لي.
وقالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن الهَيْثَم، قال: أخْبَرَنا الوَلِيدُ بن هِشَام، قال: لمَّا احْتُضر الحَجَّاج بن يُوسُف جَعَل يَقُول: لئن كُنْتُ على ضَلَالة لبئس حين المنْزَع، ولئن كنْتُ على هُدَىً لبئس حين المجْزَع.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ، عن أبي الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم الفَقِيه، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي العَلَاء، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرَنا أبو سُليْمان بن زَبْر، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مَلَّاس، قال: حَدَّثَنَا رَبيعَةُ بن الحَارِث الحِمْصِيّ، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان بن سَلَمَة، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن حِمْيَر، قال:
стр. 2588
حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِك، قال: حَدَّثَنَا الأحْوَصُ بن حَكِيم العَنْسِيّ (a)، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه، قال: حَضَرْتُ نَزيع الحَجَّاج بن يُوسُفَ، فلمَّا حضَرَهُ المَوْت جَعَل يَقُول: ما لي ولكَ يا سَعيد بن جُبَيْر.
أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر يُوسُف بن زُغلِي (b) بن عَبْد الله سِبْط [ابن] (c) الجَوْزِيّ (١) بحَلَب، قال: أخْبَرَنا جَدِّي أبو الفَرَج عبدُ الرَّحْمن بن عليَّ بن مُحَمَّد (٢)، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْل بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن أحْمَد بن أبي الصَّقْر، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد الله مُحَمَّدُ بن الفَضْل بن نَظِيْف، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن الحَسَن الرَّازِيّ، قال: حَدَّثَنَا هَارُون بن عِيْسى، قال: حَدَّثَنَا أبو عبْد الرَّحْمن المقرِئ، قال: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا ابن ذَكْوَان: أنَّ الحَجَّاج بَعَثَ إلى سَعيد بن جُبَيْر، فأصَابَهُ الرَّسُول بمَكَّة، فلمَّا سَارَ بهِ الرَّسول ثلاثة أيَّامٍ، رآهُ يَصُوم نَهارَهُ، ويَقُوم
стр. 2589
ليْلَهُ، فقال له الرَّسُولُ: والله إنِّي لأعْلَم أنِّي أذْهَبُ بكَ إلى مَنْ يقتُلك، فاذْهَب أىَّ الطَّريق شِئْتَ، فقال له سَعيد: إنَّهُ سيبْلغُ الحَجَّاج أنَّك أخَذْتَني، وإنْ خلَّيت عنِّي خفْتُ أنْ يَقْتُلَكَ. قال: اذهَبْ بي إليه، فذَهَبَ به، فلمَّا دَخَلَ قال له الحَجَّاجُ: ما اسْمُكَ؟ قال: سَعيد بنُ جُبَيْر، فقال: شَقِيُّ بن كُسَيْر، فمَال: أُمِّى سَمَّتْني، قال: شَقِيْتَ، قال: الغَيْبُ يَعْلمه غيرُكَ، قال الحَجَّاجُ: أمَا والله لأُبَدِّلنكَ من دُنْياك نارًا تَلَظَّى، قال: لو عَلمْتُ أنَّ ذلك إليكَ ما اتَّخَذْتُ إلهًا غيرك. فسَألَهُ عن رسُولِ اللهِ ﷺ وأصْحَابهِ إلى أنْ قال: ما تقُول فيَّ؟ قال: أنْتَ بنَفْسكَ أعْلَم، قال: بُثَّ فيَّ عِلْمكَ، قال: إذًا أَسُوؤكَ ولا أسُرُّكَ، قال: بُثَّ. قال: نعم، ظَهَرَ منك جَوْرٌ في حَدِّ الله، وجُرْأةٌ على مَعَاصِيهِ بقَتْلك أوْلِيَاء الله ، قال: والله لأُقَطِّعنَّكَ قطَعًا، قال: إذًا تُفْسد علىَّ دُنْيايَ وأُفْسِدُ عليك آخِرَتكَ، والقِصَاصُ أمَامَكَ، قال: الوَيْلُ لك (a)، قال: الوَيْلُ لمَنْ زُحْزِحَ عن الجَنَّة وأُدْخِل النَّار، قال: اذْهَبُوا به فاضْربُوا عُنُقه. قال سَعِيد: فإنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَه إلَّا الله، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه، فلمَّا ذَهَبُوا به ليُقْتَل تَبَسَّم، فقال الحَجَّاجُ: مِمَّ ضَحِكْتَ؟ قال: من جُرْأتِكَ على اللهِ ، قال: أضْجِعُوه للذَّبْح، فأُضْجِعَ، فقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (١). فقال: أقْلبُوا ظَهْره إلى القِبْلَة، فقَرَأ سَعِيدٌ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢)، فقال: كُبُّوهُ على وَجْهِهِ، فقرأ سَعِيدٌ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (٣)، فذُبِحَ. فبلَغ ذلك الحَسَن، فقال: اللَّهُمَّ يا قاصِمَ الجَبَابِرَهَ اقْصِمِ الحَجَّاجَ. فما بقيَ إلَّا ثلاثًا؛ وقَعَ في جَوْفه الدُّوْدُ فمات.
стр. 2590
وقال ابن المُسَلَّم: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد جَعْفَر بن أحْمَد بن الحُسَين السَّرَّاج، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز بن بُنْدَار الشِّيْرَازيّ بمَكَّة، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن قال الهَمَذانيّ، قال: حَدَّثَنَا أَوْس بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ إسْحَاق السَّرَّاجِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي الدُّنْيا، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عَبْدِ الله التَّمِيْمِيّ، قال: لمَّا مَاتَ الحَجَّاج بن يُوسُف، لم يُعْلَم بمَوْتِهِ حتَّى أشْرَفَتْ جَارِيةٌ فبَكَتْ فقالت: ألَا إنَّ مُطْعِم الطَّعَام، ومُفَلِّقَ الهَام، وسَيِّدَ أهْلِ الشَّام قد ماتَ، ثمّ أنْشَأت تقُول: [من البسيط]
اليَوْمَ يَرْحَمُنا مَنْ كان يَغْبِطُنا … واليَوْمَ يأمَنُنَا مَنْ كان يَخْشَانا
أنْبَأنَا أبو الوَحْش بن نَسِيم، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبدُ العَزِيْز الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرَنا أبو المَيْمُون بن رَاشِد، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَة (٢)، قال: حَدَّثَني مَحْمُود بن خَالِد وغيره، قالا: حَدَّثَنَا يَزِيد بن عَبْد رَبِّهِ، قال: حَدَّثَنَا عُمَيْر بن المُغَلِّس، قال: حَدَّثَني أيُوب بن مَنْصُور (a)، قال: سَمِعْتُ عَمْرو بن قَيْسٍ يقُول: قال لي الحَجَّاج: مَتَى كان مَوْلدُكَ يا أبا ثَوْر؟ قُلتُ: عامَ الجَمَاعَة، سَنَةَ أرْبَعيْن، قال: وهي مَوْلدِي. قال: فتُوفِّي الحَجَّاجُ سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين، وتُوفِّيَ عَمْرو بن قَيْسٍ سَنة أرْبَعيْن، كذلك أخْبَرَني مَحْمُود. الصَّوَابُ: أبو مَنْصُور.
قال الحافِظُ أبو القَاسِم (٣): أخْبَرَتْنا أُمُّ البَهَاءَ فاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّد، قالت: أخْبَرَنا أبو طَاهِر بن مَحْمُود، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو الطَّيِّب مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا عُبَيْد الله بن سَعْد الزُّهْرِيّ، قال: قال أبي: ثُمَّ تُوفِّي الحَجَّاج لأرْبَع وعشرين من رَمَضَان، يعني: سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين.
стр. 2591
قال (١): وحَدَّثَنَا عُبَيْد الله بنُ سَعْد، قال: حَدَّثَنَا هَارُون بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا ضَمْرَة، عن ابن شَوْذَب، قال: وَلِيَ الحَجَّاج العِرَاق وهو ابن ثلاثٍ (a) وثلاثين، وماتَ وهو ابنُ ثلاثٍ (b) وخَمْسِين سَنَةً.
أنْبَأنَا القَاضِي أبو القَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، عن أبي مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلَمِيّ، عن عَبْد العَزِيْز الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا مَكِّيّ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو سُليْمان بن زَبْر (٢)، قال: حَدَّثَنَا الهَرَويّ، قال: قَرَأتُ على الرَّشِيْدِيّ أنَّ مُوسَى بن هَارُون البُرْدِيّ (c) حدَّثَهُم، قال: سَمِعْتُ ابنَ عُيَيْنَة يَقُول: ماتَ الحَجَّاجُ سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين في شَوَّال، وهو يَوْمئذٍ ابن أربع وخَمْسِين.
قال (٣): وأخْبَرَنا أبي أبو مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْل -هو ابن إسْحَاق- قال: قال ابنُ المَدِيْنِيّ: ماتَ الحَجَّاجُ سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين.
أنْبَأنَا عُمَر بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، إذْنًا إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عُبَيْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا عُثْمان بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بن إسْحَاق، قال: حَدَّثَني أبو عَبْد الله (٤)، قال: حَدَّثَنا يَحْيى -يعني ابن سَعيد- قال: ماتَ الحَجَّاجُ بن يُوسُف سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين.
стр. 2592
وقال: حَدَّثَنَا حَنْبَل، قال: وحَدَّثَنَا هَارُون بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا ضَمْرَة، قال: قال ابنُ شَوْذَب: وَلِيَ الحَجَّاج العِرَاقَ وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين، ومات وهو ابن ثلاث وخَمْسِين.
قال: وحَدَّثَنَا أبو نُعَيْم، قال: والحَجَّاج بن يُوسُفَ في سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين، ماتَ في رَمَضَان لَيْلَة سَبْع وعشرين، ووَليَ سَنَة خَمْسٍ وسَبْعِين.
قال: وقال أبو نُعَيْم: قَدِمَ الحَجَّاجُ الكُوفَة وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين، ووَلينا عشرين سَنَةً، وماتَ وهو ابن ثلاثٍ وخَمْسِين.
وقال ابنُ السَّمَرْقَنْديّ: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن النَّقُّور، وأبو مَنْصُور بن العَطَّارِ، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر المُخَلِّصُ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْد الله بن عبد الرَّحْمن، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيّ، قال: تُوفِّي الحَجَّاج وهو ابن ثلاثٍ وخَمْسِين سَنَة، ووَليَ العِرَاق عشرين سَنَةً.
قال: وحَدَّثَنَا الأصْمَعِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَهْل بن أبي الصَّلْت، قال: ماتَ الحَجَّاجُ في رَمَضَان سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين.
وقال ابنُ السَّمَرْقَنْديّ: أخْبَرَنا أبو الفَضْل عُمَر بن عُبَيْد الله، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَاحِد بن مُحَمَّد بن عُمَر، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن إسْحَاق، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْل بن إسْحَاق، قال: سَمِعْتُ عليّ بن المَدِيْنِيّ يقُول: مات الحَجَّاج سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين، وفيها مات إبْراهيم، وفيها قُتِلَ سَعيد بن جُبَيْر.
وقال ابنُ السَّمَرْقَنْديّ: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن اللَّالكَائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قال: قال ابنُ بُكَيْر: هَلَكَ الحَجَّاجُ في سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين، وهَلَك الوَلِيدُ سَنَة ستٍّ وتِسْعِين.
стр. 2593
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحمّد بن هِبَة الله، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنه، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن بن أبي الحُسَين (١)، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب المَاوَرْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن السِّيْرَافيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن إسْحَاق، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَنَا خَلِيفَة العُصْفُرِيّ (٢)، قال: وفيها -يعني سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين- مات الحَجَّاج في شَهْر رَمَضَان وهو ابن ثلاث وخَمْسِين.
أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد الأَوَقِيّ، فيما أذِنَ لنا في رِوَايَته عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا المُبارَكُ بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن قَشِيْش الحَرْبيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن عُثْمان الصَّفَّار قال: أخْبَرَنا عَبْد البَاقِي بن قَانِع قال: سَنَة خَمْسٍ وتِسْعين، وفيها مات الحَجَّاج بن يُوسُفَ بعد سَعِيدٍ بأيَّامٍ، وهو الصَّحِيْحُ. ثم قال ابن قَانِع بعدَ ذلك: سَنَة ستٍ وتسعين وقيل فيها ماتَ الحَجَّاجُ بن يُوسُفَ.
أنْبَأنَا عبد الرَّحْمن بن أبي مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (٣)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن الحَسَن بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن الحُسَين، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل (٤)، قال: قال يَحْيَى بن سَعِيد: ماتَ الحَجَّاج سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَات الأنْمَاطِيّ (٥)، إذْنًا إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن الصَّوَّاف، قال: حَدَّثَنَا أبو جَعْفَر مُحَمَّدُ بن عُثْمان بن أبي
стр. 2594
شَيْبَة، قال: وَلي الحَجَّاج العِرَاق سَنَة سَبْعِين فأقام بالكُوفَة خَمْسَ سنين، وأقامَ بوَاسِط عشرين سَنَةً، وماتَ في سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين.
أنْبَأنَا الكِنْدِيّ، عنِ أبي عَبْد الله بن البَنَّاء (١)، عن أبي تَمَّامِ، عن أبي عُمَر الخَزَّاز (a)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي خَيْثَمة، قال: أخْبَرَنا سُليْمان بن أبي شَيْخ، قال: وقال أبو سُفْيان الحِمْيَرِيّ: وَلي الحَجَّاج العِرَاق عشرين سَنَةً، قَدِمَها سَنَة خمْسٍ وسَبْعِين، وماتَ سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين في شَهْر رمَضَان لَيْلَة سَبْع وعشرين، وَلي في خِلَافَة عَبْد المَلِك بن مَرْوَان إحْدَى عَشرة سنةً، وتسع سنين في خِلَافة الوَلِيدِ، وكان الحَجَّاجُ وَلِيَ الحِجَاز ثلاث سنين، وله ثَلاثُون سَنَة، ثمّ وَلي العِرَاق فماتَ وله ثلاثٌ وخَمْسُون سَنَةً، ودُفِنَ بوَاسِط.
قَرَأتُ في تاريخ سَعيد بن كَثِيْر بن عُفَيْر (٢): ثمّ كانت سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين، ففيها قَدِمَ الحَجَّاج الكُوفَة، ومنهم مَنْ قال: قَدِمَها في رَجَب سَنَة خَمْسٍ وسَبْعِين. وقال: ثمّ كانت خمس وتِسْعِين، وفيها مات الحَجَّاج بن يُوسُف بوَاسِط، وكان يُكْنَى أبا مُحَمَّد، مات لأرْبَعٍ بَقِينَ من شَهْر رَمَضَان، ومنهم مَن قال: لثَلاثٍ خَلَوْنَ من شَهْر رَمَضَان، وقد بلَغ من السِّنِّ ثلاث وخَمْسِين سَنة.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل بن سَلامَة، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد بن هِبَة الله (٣)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن أحمد، عن عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن، قالا: أخْبَرَنا عليّ بن إبْراهيم الحُسَيْنيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن المُقْرِئ، قال: أخْبرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعيل،
стр. 2595
قال: أخْبَرنا أحمد بن مَرْوان (١)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم الحَرْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا هَارُون بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عن ابن شَوْذَب، قال: لمَّا ماتَ الحَجَّاجُ قال الحَسَن البَصْرِيّ: اللَّهُمَّ قد أمتَّهُ فأَمتْ عنَّا سُنَّتَهُ، ثمّ قال: إنَّ الله قال لمُوسَى ﵇: ذكِّر بَني إِسْرَائِيل أيَّامَ الله، وقد كانت عليكم أيَّامٌ كأيَّام القَوْم.
أنْبَأنَا عُمَر بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ (٢)، إجَازَةً إنْ لَم يكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عُبَيْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن بِشْرَان، قال: أخْبرنا عُثمان بن أحمَد، قال: حدَّثنا حَنْبل بن إسْحاق، قال: حدّثنا عبد الله بن عُمَر، قال: حدَّثنا عُثمان بن عَمْرو المَخْزوميّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن زَيْد، قال: كُنْتُ عند الحَسَن فجاءَهُ رَجُلٌ، فقال: ماتَ الحَجَّاجُ، فسَجَد الحَسَنُ.
وقال أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ (٣): أخْبَرَنا أبو بَكْر بن الطَّبَريّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن جَعْفَر، قال: وحَدَّثَنَا يَعْقُوب، قال: حَدَّثَني ابن نُمَيْر، قال: حَدَّثَنَا ابن إِدْرِيس، عن إسْمَاعِيْل بن حَمَّاد، عن أَبِيهِ، قال: بَشَّرْتُ إبْراهيم بموت الحَجَّاج فبَكَى، وقال: ما كُنْت أرَى أحدًا يَبْكي من الفَرَح.
أنْبَأنَا المُؤيَّد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، عن أبي عَبْد الله الفَرَاوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ (٤)، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر الفَقِيه، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر القَطَّان قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن يُوسُف السُّلَمِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن ابن طَاوُس، قال: دَخَلَ رَجُلٌ على أبي فقال: ماتَ الحَجَّاجُ بن يُوسُف يا أبا عبد