الحَسَنُ بن أحْمَد بن الحَسَنِ - وقيل: ابن الحُسَين - أبو علي الوَرَّاق الخَّواص المِصِّيْصيُّ (١)
سَمعَ بطَرَسُوس أبا عَبْد اللّه مُحمَد بن عمُر الغُلْفِيّ، ورَوَى عنهُ وعن سُليْمان بن مُحَّمد الخُزَاعِيّ. رَوى عنهُ تمَام بن مُحَد الرَّازِيّ.
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن مُحمَّد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن أبي مُحمَّد (٢)، قال: أنبأنَا أبو مُحمَّد بن الأكْفانِيّ، ونَقَلْتُه منِ خَطِّهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن أحْمَد بن صصْرَى، قال: أخْبَرَنا تمام بنُ مُحمَّد الرَّازِيّ، قال: حَدَّثنا أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن الحُسَين الخَوَّاص المصّيْصيّ في مَسْجِد باب الجابيَةِ، قال: حَدَّثنا أبو عَبد اللّه محمَّد بن عُمَر الغُلفِيّ بجامع طَرَسُوس، قال: حَدَّثنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد اللّه الهاشميّ الرَّقِّيّ بالرَّمْلَة، قال: دَخلتُ في بلادِ الهِنْد إلى بعض قُرَاها، فرأيْتُ شَجَر وَرْد أسْوَد، يتفَتَّح عن وَرْدَةٍ كبيرة طَيِّبَة الرَّائِحَة، سَوْدَاء عليها مَكْتُوب كما يَدُور بخَطٍّ أبيض: لا إلَه إلّا الله مُحمَّد رسُول اللّه، أبو بَكْر الصِّدِّيْق، عمُر الفَارُوق. فشَكَكْتُ في ذلك وقلتُ إنَّهُ عَملُ مَعْمُول، فعَمَدْتُ إلى جُنْبُذَة لم تفْتَح، ففَتَحْتُها، فكان فيها وَرْدَةٌ سَوْداء، فيها مَكْتُوب بخَطٍّ أبيضَ كما رِأيتُ في سَائر الوَرْد، وفي البَلَدِ منه شيء كَثِيْرٌ عظيم، وأهْل تلك القَرْيَة يَعْبدُون الحجارة، لا يَعْرفُون اللّه .
الحَسَن بن أحْمَد بن الحسَن بن عَبْد الله بن الحَسَن بن الحُسين التَّميْمِيّ، أبو طَاهِر بن أبي العبَّاس بن أبي طَاهِر بن وَاصِل (٣)
أصْلُهُ من مَعَرَّة النعْمَان، وانتقل سَلَفه منها عندما هَجَمَ الفِرنْج المَعَرَّة إلى
стр. 2802
دِمَشْق، وأُمُّهُ من بني أبي الوَقَار، ويُعْرَفُ بابن أبي الوَقَار لذلك، مَوْلدُهُ بدِمَشْق، وسَألتُه عنه فقال لي تخميْنًا: في سَنَة سَبع وسَبْعِين، أو ثَمانٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة.
شَيْخ حَسَن صالح مَسْتُور، عليه سيمَاء الخَير، سَمعَ بدِمَشْق أبا سَعْد عَبْد الوَاحِد بن عليّ بن حَمُّوْيَه الجُوينَيّ، وأبا طَاهِر الخشُوعيِّ، والعِمَاد أبا عَبْد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِدٍ الأصبَهَانِيّ الكاتِبَ، وأبا تُرَاب الكَرْخِيّ البَغْدَاديّ، وذكرَ أنَّهُ سمعَ أبا المُظَفَّر أُسامَة بن مُرشِد بن مُنْقِذ.
وحدَّثَ بدِمَشْقَ والقَاهِرَة، وذكَرَ لي أنهُ دَخَلَ حَلَب مَرَّتَين، وأنَّهُ دَخَل بلاد المغرب وأقام بتُونُس مُدَّة خَمْسة عَشَر سَنة، سَمعْتُ منه شيئًا يَسِيْرًا بدِمَشْق.
أخْبَرَنا أبو طَاهِر الحَسَن بن أحْمَد بن الحَسَن التمِّيْمِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمعُ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الوَاحِد بن عليّ بن محمُد بنِ حَمُّوْيَه الجُوينَيّ شَيْخِ الشُّيُوخ، قِراءَةً عليهِ بدِمَشْق وأنا أسمعُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكر وجِيْهُ بن طَاهِر بن مُحمَّد الشَّحَّاميِّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي الإمَامُ أبو نَصْر مُحمَّد بنُ عليّ بن عُبَيْدِ اللّه بن أحْمَد بن وَدْعَان، قال: حَدَّثَنا أبو عَبْد اللّه الحُسين بن مُحمَّد الصَّيْرَفِيّ البَغْدَاديّ، قال: حَدَّثنا الحسين بن عِصمة الأهوازِي، قال: حَدَّثنا أبو بكر محمَّد بن بشار الأنبارِيُّ، قال: حَدَّثنا أبي، قال: حَدَّثنا أبو سَلمة مُوسَى بن إسْمَاعِيلْ المنقَري، قال: حَدَّثنا حَمَّادُ بن سَلمَة، عن ثَابِت البُنَانِيّ، عن أنسَ بن مالِك، قال (١): خَطَبَنا رسُول اللّه ﷺ على نَاقَته الجَدْعَاء، فقال: أيُها النَّاسُ، كأنَّ المَوْتَ على غيرنا كُتِب، وكأنَّ الحقَّ فيها على غيرنا وَجَب، وكأنَّ الذين نُشَيِّع من الأمْوَاتِ سفرٌ عمَّا قريبٍ إلينا رَاجعُون، نُبَوِّئُهِم أجْدَاثَهم، ونأكُلُ تراثَهُم كأنَّا مخلَّدُونَ بعدَهُم، نسيْنا كُلَّ وَاعظةٍ، وأَمِنَّا كُلّ جَائِحةٍ، طُوْبَى لمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عن عُيُوب النَّاسِ، طُوْبَى لمَن أنْفَقَ مَالًا اكْتسَبَهُ من
стр. 2803
غير مَعْصِيَةٍ، وجَالَسَ أهْلَ الفِقْه والحِكمة، وخَالَطَ أهْلَ الذُّلِّ والمَسْكَنة، طُوْبَى لمَن ذَلَّ في نفسِه، وحَسُنتْ خليْقَتُه، وطابَتْ سَرِيرتُه، وعَزلَ عن النَّاسِ شَرَّهُ، طُوْبَى لمن أنْفَقَ الفَضْل من مَالِه، وأمْسَكَ الفَضْل من قَوْله، ووسعَتْهُ السُّنَّةُ، ولَم تستَهوه البِدْعَة.
الحَسَنُ بن أحْمَد بن صالح بن إسماعِيْل بن عُمَر بن حَمَّاد بن حَمْزَة السَّبِيْعي، أبو محمَّد الكُوْفيّ، ثم الحلِبي الحافظُ (١)
رَحَلَ وسَمِعَ الكَثير، وأصلهُ من الكُوفَة، وانتقَلَ أهْلُه إلى حَلَب، وأقامُوا بها، ومنهم جَمَاعة من أهْل الحَديِث مثل أبي بَكْر مُحمَّد بن الحُسَين بن صالح، وأبيه الحُسَين، وإلى بعضهم ينسَبُ دَرْب السَّبِيعْيِّ بحَلَب.
وأبو مُحَمَّد هذا كان حَافِظًا مُتْقِنًا، حَدَّثَ عن أبي عُثْمان سَعيد بن عُثْمان الوَرَّاق، وعليّ بن أحْمَد الجُرْجَانِيّ، وعبد اللّه بن إسْحَاق بن أبي مُسْلِم الصفْرِيّ، ومُحَمَّد بن الفَضْل بن العبَّاس نزيلُ حَلَب، وعليّ بن عَبْد الحمَيْد الغَضَائرِيّ، وأبي بَكْر أحْمَد بن هَارُون البردِيْجِيّ، ومُحمَّد بن حُبَّان (a) البَصْرِيّ، وأبي جَعْفَر مُحمَّد بن
стр. 2804
جَريرِ الطَّبَريّ، وعبد اللّه بن مُحمَّد بن نَاجِيَة أبي عَبْد اللّه، وأحمد بن الحسَن بن عَبْد الجبَار الصُّوْفيّ، وعُمَر بن أيوبَ السَّقَطِيّ، وعبد اللّه بن ثَابِت بن يَعْقوب، ومُحمَّد بن مُحمَّد بن نَصْر الكاغَدِيّ، ويَمُوْت بن المُزرِّع العَبْدِيّ، وأبى مَعْشَر الدَّارِميّ، وقَاسِم بن زَكَرِيَّاء المُطَرِّز، والحَسَن بن مُحَمَّد بن عَنْبَر الوَشَّاء، وأبي الحَسَن عليِّ بن إسْمَاعِيْل الشَّعِيريِّ، وجَعْفَر بن مُحمَّد بن مُوسَى الحافِظ، وأبي بَكْر البَاغَنْدِيّ، وجَمَاعَة سِوَاهُم من الحلبِيِّيْن، وغيرهم.
رَوَى عنهُ الحافظُ أبو الحَسَن عليِّ بن عُمَر الدَّارَقُطْنِيّ، وأبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عَبْد اللّه، وأبو نُعيَم أحمَدُ بن عَبْد الله الحافظان الأصْبَهَانيِّان، وأبَوَا بَكْر البرقَانِيِّ، وعبد اللّه بن مُحمَّد بن عَبْد الحمَيْدِ القطَّان، وأَبو طَالِب مُحمَّد بن الحُسَين بن أحْمَد بن عَبْد اللّه بن بُكَير التَّاجرُ.
وكانَ مَوْلدُهُ قبل الثَّلاثمائة.
أخْبَرَنا الشَّيْخ الإمَام أبو مُحمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عَبْد اللّهِ بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحمَّد بن عليِّ الأنْصَاريِّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد المِهْرَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحمَّد بن مُحَمَّد المنصُورِيّ، قال: حَدَّثنا أبو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيِّ، ح.
قال شَيخُنا عبد الرَّحْمن: وأخْبَرَنا السَّيِّد حَمْزهُ بن هِبَةِ اللّه الحَسَنيّ كتابة، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحمَّد بن مُحمَّد المنصُورِيِّ، قال: حَدَّثنا أبو الحَسَن، ح.
قال عبدُ الرَّحْمن: وأنبأنَا مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، عن أبي الحُسَين بن المُهتَدي، عن أبي الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو الحجَّاج يُوسُف بن خلِيل بن عَبْد اللّه الدِّمَشقيّ، قَال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح نَاصِر بن مُحَمَّد بن أبي الفَتْح القَطَّان الأصْبَهَانيِّ بها، قال: حَدَّثنا أبو الفَتْح إسْمَاعِيْل بن الفَضْل بن أحْمَد بن الإخْشِيْد السَّرَّاج، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمعُ، قال:
стр. 2805
أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحمَّد بن عبد الرَّحيم، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عُمَر بن أحْمَد الدَّارَقُطْنِيّ الحافِظ، قال: حَدَّثنا الحَسَنُ بن أحْمَد بن صالح الحلِبيّ، قال: حَدَّثنا سَعيد بن عُثْمان الوَرَّاق، قال: حَدَّثنا أبو التُّقَى هِشَام بن عَبد المَلِك، قال: حَدَّثنا بَقِيَّة، عن إسْمَاعِيل، عن عُبيدِ الله بن عُمَر، عن نَافع، عن ابن عُمَر (١)، قال: قال رسُول اللّه ﷺ : لا زَكَاةَ في مال امرئٍ حتَّى يَحُول عليه الحولُ.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْد اللّه بن عُمَر، وعَبْد الرَّحمن بن عُمَر، في كِتابيهما، قالا: أخْبَرَنا أبو الخير القَزْوينِي، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر أنَّ أبَوَي عُثْمان الصَّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، وأبَوَي بَكْر البهيَقِيّ والحِيْرِيّ كَتَبُوا إليه، قالوا: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الحاكم الحافِظ، قال: حَدَّثني أبو مُحمَّد الحَسَن بن أحْمَد بن صالح السَّبِيْعيِّ الحافِظ، قال: حَدَّثنا جَعفَر بن مُحمَّد بن مُوسَى النَّيْسَابُوِرِيِّ بحَلَب، قال: حدثنَا عَبْدُ اللّه بن هاشمِ بن حِبَّان الطُّوْسيّ، باتخاب صَالح جَزَرَة، قال: حَدَّثنا يَحْيَى بن سَعيد القَطَّان، عن مالك (٢)، قال: حدَّثني الزُّهْرِيّ، عن عَطَاء بن يسَار: أنَّ مُعاوية باعَ سقَايةً من فِضَّة بأقَلّ أو أكْثَر من وَزْنها، فقال أبو الدَّرْدَاء: سَمِعْتُ رسُولَ اللّه ﷺ ينهي عن مثْل هذا إلَّا وَزْنًا بوَزْن.
قال الحاكِم أبو عَبْد اللّه الحافِظ: ذَاكَرَني عليّ بن عمر الحافِظُ بهذا الحَدِيْث، فتحَيَّرتُ فيه وقُلتُ: يا سُبْحَان اللّهِ، الرُّوَاةُ كلّهم ثِقَات، والسَّبِيْعيِّ إمامٌ، فسَألتُ أبا الحَسَن أنْ يَحْتال لي حتَّى أسْمعهُ، فسَألَ أبا مُحمَّد ولم يُجِبْهُ، فسَمِعْتُه من أبي
стр. 2806
الحَسَن إلى أنْ قَرُب خُرُوجُنا، فقَصَدْناهُ معًا فأجَابني إليه، وحَدَّثني به لفظًا، ثمّ بعد ذلك كُلّه وَجَدْتُ الحَديِث في المُوَطَّأ مرسَلًا.
أخْبَرَنا أبو اليمن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: قال لنا القَاضِي أبو العَلَاء مُحمَّدُ بن عليّ الوَاسِطيّ: رأيت أبا الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ جالِسًا بين يَدي أبي محمَّد بن السَّبِيْعيِّ كجلُوس الصَّبيّ بين يَدي المُعَلّم هَيْبَةً له.
أخْبَرَنا أبو المُظَفّر عبدُ الرَّحيم بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السّمْعَانيّ في كِتابِه إليَّ من مرو، والقَاسِم بن عَبْد الله بن عُمر الصّفَّار في كِتابِه إليَّ من نيسَابُور - قال أبو المُظَفَّر: أخْبَرَنا أبو البَرَكَاتِ عَبْد اللّه بن مُحَمد بن الفَضْل الفَرَاوِيّ، وقال القَاسِم: أخْبَرَتْنا عَمَّةُ وَالدِي عائشَةُ بنت أحْمَد بن مَنْصُور الصَّفَّار - قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن خلف الشِّيْرَازيّ الأديب، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّدُ بن عَبْد اللّه الحافِظ الحاكمِ (٢)، قال: سَألتُ أَبا مُحمَّد الحسَن بن أحْمد (a) بن صالح السَّبِيعيّ الحافِظ بالكُوفَة عن حَديِث إسْمَاعِيْل بن رجَاء، عن الشَّعبْيّ، عن فاطِمَةَ بنت قيسٍ، فقال: لهذا الحَدِيث قِصَّة تدلُّ، على عُوَارِ مَنْ لا يصْدق في المُذَاكَرَة: قَرأ علينا عَبْدُ الله بن مُحمَّد بن نَاجِيَة مُسْنَدَ فاطِمَةَ بنت قيس سَنَة ثلاثمائة، فدخلتُ على أبي بَكْر البَاغَنْدِيّ، عند مُنْصَرَفي من مَجْلِس ابن نَاجيَةَ، فسَألني: من أين جِئْتُهُ (b)؟ فقلتُ: من مَجْلِسِ ابن نَاجِيَةَ، وقال: أَيْشٍ قَرأَ عليكم اليَوْم؟ فقُلتُ: أحَاديث الشّعبْي عن فاطِمَة بنت قيسٍ، فقال: مرّ لكُم عن إسْمَاعِيْل بن رجَاء الزُّبيدِيّ عن الشَّعبْي؟ فنَظَرْتُ في الجُزء، فلم أجد شيئا، فقال: اكتُب: ذكر أبو
стр. 2807
بَكْر بن أبي شَيْبَة، فقلتُ: عن مَنْ؟ فمنَعْتُهُ من التَّدْلِيْس، وطَالبتُه بالسَّمَاع، فقال: حَدَّثني مُحمَّد بن عُبَيْدةَ الحافِظ، قال: حَدَّثني مُحمَّد بن المُعَلَّى الأثرَم، قال: حَدَّثني أبو بَكْر بن أبي شَيْبَة، قال: حَدَّثنا مُحَمَّدُ بن بِشْر العَبْدِيّ، عن مَالِك بن مغْوَل، عن إسمْاعيل بن رَجاء، عن الشَّعبْي، عن فاطِمَة بنت قيسٍ، عن النَّبي ﷺ قِصَّةَ الطَّلَاق والسُّكْنَى والنَّفَقَة.
ثُمَّ انْصَرَفْتُ إلى حَلَب، وكان عندنا بحَلَب بَغْدَادِيّ يَحْفَظ يعرَفُ بابن سهلٍ، فذكَرتُ له هذا الحَدِيْث، فخرَجَ إلى الكُوفَة فذَاكَرَ أبا العبَّاس بن سعيد، فقَال أبو العبَّاس: ليس عند إسْمَاعِيْل بن رَجَاء عن الشَّعبْي. قال: ثُمَّ وجَد أبو العبَّاس لإسْمَاعِيْل بن رجَاء عن الشَّعبْي، فقال: قد وجَدْتُ عن إسْمَاعِيْل بن رَجَاء عن الشَّعبْي حَرْفَين، قال السَّبِيعْيُّ: قد كَتَبَ ابنُ عُقْدَةَ هذا الحَديث عن ابن سَهْل عنِّي، عن البَاغَنْدِيّ، قال السَّبِيعْيُّ: فاجْتَمَعْتُ مع فُلَانٍ - وسَمَّى شَيْخًا من أكَابر حُفَّاظ الحَديِث بحَلَب (١) - سَنَة ستّ عَشرة وثَلاثِمائة فذَاكَرتُهُ به في جُمْلَةِ أبْوَاب ذكَرناها، فلَم يَعْرفهُ. ثُمَّ اجْتَمَعْنا بالرَّمْلَةِ، فذَاكَرْتُهُ به، فلَم يعْرفهُ. ثمّ اجْتَمَعْنا بعد ذلك بدِمَشْق فاسْتَعَادَنى إسْنَادَهُ تعَجُّبًا، ولم يعْرفه. ثمّ اجْتَمَعْنا ببغْدَاد بعد ذلك بسنين، وذَكَرنا هذا الباب، فقال لي: حَدَّثنا أبو القَاسِم عليّ بن إسمْاعِيْل الصَّفَّار، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر الأثرَم، قال: حَدَّثنا أبو بَكْر بن أبي شَيْبَة - ولَم يَعْلم أنَّ هذا الأثرَم غير ذاك - قال السَّبِيعْيُّ: فذكَرتُ قصَّتي لفُلَان المُفِيد وأتَى عليه سنُون، فحدَّثَ بالحَدِيْث عن البَاغَنْدِيِّ، وحَكَى أنَّهُ دخَلَ الكُوفَة، وأنَّ أبا العبَّاس بن سَعيد سَألَهُ عنه فذكرَ القِصَّة كما وقع لى، أضافَها إلى نَفسِه، ثمّ قال السَّبِيعْيُّ: المُذَاكَرَة تكْشفُ عن مثْل هذا، فقال لي السَّبِيْعيُّ: تَذكر هذا البابَ؟ فقُلتُ: عن قُرَّة بن خَالِد، عن سَيَّارٍ، عن الشَّعبْي، فقال: حُدِّثنا عن
стр. 2808
يَحْيَى بن حَكِيم، عن خَالِد بن الحارِث، عن قُرَّة. ثمّ قال: تَحْفَظ (a) عن سَعْد الكَاتِب عن الشَّعْبِيّ؟ قُلتُ: لا، فقال: حُدِّثنا عن نَصْر بن عليّ، عن عَبْد اللهِ بن دَاوُد الخُرَيْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَعْدٌ الكَاتِب عن الشَّعْبِيّ، قُلتُ: ابن نَاجِيَة حَدَّثَكَم؟ قال: لا أدْري، فقال أبو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ: نعم ابن نَاجِيَة حدَّثَهُم به، والسَّبِيْعِيّ سَاكِتٌ، قُلْتُ له: عَبْد الله بن حَبِيْب بن أبي ثَابِت عن أَبِيهِ (b) عن الشَّعْبِيّ؟ فقال: لا أعْرِفُه، ثمّ قال لي: تَعْرف عن عَبْد الله بن حبِيْب بن أبي ثَابِت، عن أَبِيهِ، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس: أُوْحِيَ إلى مُحَمَّد ﷺ في يَحْيَى بن رَكَرِيَّا؟ فقُلتُ: حدَّثناه الشَّافِعيّ عن المِسْمَعِيِّ عن أبي نُعَيْم؟ فقال: المِسْمَعِيِّ لا يُذْكر، حُدِّثْنِا عن حُمَيْدِ بن رَبِيعِ الخَزَّاز، قال: حَدَّثنا أبو نُعَيْم، قُلتُ: وقد تُكُلِّم في حُمَيْد بن الرَّبِيْع، فقال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن إبْراهيم بن جَابِر الفَقيه، قال: حَدَّثَني عَبْدُ الله بن أحْمَد بن حَنْبَل، قال: سَألْتُ أبي عن حُمَيْد بن الرَّبِيْع فقال: دَعُوا المِسْكِين (c) وعن ماذا يُسْأل عن (d) أمره؟ ثمّ قال لي السَّبِيْعِيُّ: تحفَظُ عن خَالِد الحذَاء، عن رَجُلٍ، عن الشَّعْبي فقَط (e)؟ قُلتُ: لا. قال: حُدِّثْنا عن مُحَمَّد بن يَحْيَى القُطَعِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الأعْلَى عن خَالِد (f)، فقال له أبو الحَسَن: ما كَتبتُه في الدُّنْيا إلَّا عَنْك عن ابن نَاجِيَةَ.
قال الحاكِم أبو عَبْدِ الله (١): هذا مَجْلِسٌ كبيرٌ مَكْتُوبٌ عندي، ولي معَهُ على هذا النَّحو مَجَالِس.
стр. 2809
أنْبَأنَا القَاضِي أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد عَبْد الغَنِيّ بن سعيد، ثمّ أنْبَأنيهِ أبو طَاهِر بن الحِنّائِيّ، وأخْبَرنيهِ أبو التَّمَّام كَامِل بن أحْمَد بن أبي جَمِيل عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بنُ أَحْمَد بن عِيسَى السَّعْدِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الغَنِيّ بن سَعيد، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن عُمَر ﵀ يقُول: سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد الحَسَن بن أحْمَد بن صالِح السّبِيْعِيّ يقُول: كُنْتُ بمِصْر في مَجْلِس حَمْزَة بن مُحَمَّد الكِنَانِيّ، وفي المجلِس جَمَاعَة من أصْحَاب الحَديْث، وجَرَت المُذَاكَرَة، فذَكَرتُ لحَمْزَة بن مُحَمَّد هذا الحَدِيْث، يعني حَديثَ عبد الصَّمَد بن عَبْد الوَارِث، عن شُعْبَة، عن زَائِدَة، عن أبي حَصِيْن، عن أبي صالح، عن عائِشَة، قال صلَّى النَّبِي ﷺ في ثَوْبٍ بَعْضُه عليّ، فأنْكَره غايةَ النَّكِيْر، ولحقَني من ذلك أمرٌ عظيمٌ، وكان في المَجْلِس رَجُل قد كَتَبَ عن أبي العبَّاسِ بن عُقْدَة جَمْعَهُ حَدِيث أبي حَصِيْن، فقال: أنا آتيكم بحديث أبي حصِيْن لابن عُقْدَة، فمَضَى وأتَى بهِ، فنَظَرُوا فيه فلم يَجدُوهُ، وإذا هم ينظرُونَهُ في حَديث أبي صالح عن أبي هُرَيْرَة، فأخَذْتُ الكتاب فأخْرجته من تَرْجَمةِ أبي صالح عن عائِشَة، قد حَدَّث به ابن عُقْدَة عن عليّ بن حُسَيْن بن حِبَّان، فسُرِّيَ عنِّي.
قال عَبْدُ الغَنِيّ: وكان هذا الحَديْثُ عند حَمْزَة، عن أبي يَعْلَى، عن أبي خَيْثَمة، عن عبد الصَّمَد، عن زَائِدَة نَفْسهِ، ليسَ فيه شُعْبَة (a).
قُلْتُ أنا: وابن حِبَّان رَوَاهُ عن أحْمَد بن إبْراهيم الدَّوْرَقيّ، عن عبد الصَّمَد، عن شُعْبَة، عن زَائِدَة.
стр. 2810
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، ونَقَلْتُه أنا من خَطِّ السَّمْعانيّ من أصْل سَمَاع شَيْخنا منه، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ الحُسَين بن عَبْد المَلِك بن الحَسَن الخَلَّال الأدِيْب في داره بقِرَاءَتي عليه، قال: سَمِعْتُ أبا عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن الحَسَن الدَّقَّاق يقُول: سَمِعْتُ أبا عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن فُتُوح بن عَبْدِ الله الحافِظ بوَاسِط، يَقُول: سَمِعْتُ أبا زَكَرِيَّاء عبد الرَّحيم بن أحْمَد البُخاريّ، وأبا الحَسَن عليّ بن بَقَاء بن مُحَمَّد الوَرَّاق، قالا: سَمِعْنا الشَّيْخ أبا مُحَمَّد عَبْد الغَنِيّ بن سَعيد بن عليّ بن سَعيد بن بَشِير يقُول: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن عُمَر الحافِظ يَقُول: سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد الحَسَن بن أحْمَد بن صالح السَّبِيْعِيّ يقُول: قَدِمَ علينا حَلَب الوَزِير أبو الفَتْح الفَضْل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الفُرَات، فتَلَقَّاهُ أهل البَلَد وكنتُ منهم، فقيل له: إنِّي من أصْحَاب الحَديْث، فقال لي: تعرف إسْنَادًا اجْتَمعَ فيه أربعةٌ من أصْحَاب رسُول الله ﷺ ، كُلّ واحدٍ منهم يَرْوي عن صاحبهِ؟ فقُلتُ: نعم، وذَكَرَتُ له حديثَ السَّائِب بن يَزِيد، عن حُوَيْطِب بن عَبْد العُزَّى، عن عَبْد الله بن السَّعْدِيّ، عن عُمَر بن الخَطَّاب رَضِىَ اللهُ عنهُم في العُمَالَة، فقال لي: صَدَقْتَ وعَرفَ لي ذلك، وصَارَتْ لي بهِ مَنْزِلةٌ عنده.
وقَد رُوِي أنَّ هذه الوَاقِعَة [الّتي] (a) حَكَاها أبو مُحَمَّد السَّبِيْعِيّ أنَّها جَرَتْ لهُ مع الوَزِير جَعْفَر بن الفَضْل، أنْبَأنَا بذلك أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيب (١)، قال: حُدِّثْتُ عن أبي الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد الحَسَن بن أحْمَد بن صالح السَّبِيْعِيّ يقول:
стр. 2811
قَدِمَ علينا الوَزِير جَعْفَر بن الفَضْل أبو الفَضْل (a) إلى حَلَب، فتَلَقَّاهُ النَّاسُ، فكُنْتُ فيمَن تلقَّاهُ، فعُرِّفَ أنِّي من أصْحَاب الحَدِيْث، فقال: تَعْرفُ إسْنَادًا فيه أربعةٌ من الصَّحَابَةِ كُلّ واحدٍ منهم عن صَاحِبهِ؟ فقُلتُ: نعم، وذَكَرتُ له حَديثَ السَّائِب بن يَزِيد، عن حُوَيْطِب بن عَبْد العُزَّى، عن عَبْد الله بن السَّعْدِيِّ، عن عُمَر بن الخَطَّابِ في العُمَالَة، قال: فعَرِفَ لي ذلك، وصَار لي به عندَهُ مَنْزِلةٌ.
стр. 2812
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور الفَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (١)، قال: الحَسَنُ بن أحْمَد بن صالح، أبو مُحَمَّد السَّبِيْعِيّ، سَمِعَ مُحَمَّد بن حُبَّان البَصْرِيّ، وعبد الله بن نَاجِيَةَ، وأحمد بن هَارُون البَرْدِيْجِيّ، ومُحَمَّد بن جَرِير الطَّبَريِّ، والحَسَن بن مُحَمَّد بن عَنْبَر الوَشَّاء، ويَمُوت بن المُزَرِّع العَبْدِيّ، وعُمَر بن أيُوبَ السَّقَطِيّ، وقاسمِ بن زَكَرِيَّاء المُطَرِّز، وأبا مَعْشَر الدَّارِميِّ، وعُمَر بن مُحَمَّد بن نَصْر الكَاغَدِيّ، وجَمَاعةً من الغُرَبَاءِ بحَلَب.
رَوَى عنهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وحَدَّثنا عنهُ أبو بَكْر البَرْقَانِيّ، وأبو نُعَيْم الأصْبَهَانِيّ، وأبو طَالِب مُحَمَّد بن الحُسَين بن بُكَيْر وغيرهم.
وكانَ ثِقَةً حَافِظًا مُكْثِرًا، وكان عَسِرًا في الرِّوَايَة، ولمَّا كان بأخَرةٍ عَزَم على التَّحْدِيث والإمْلَاء في مَجْلِسٍ عام، فتهيَّأ لذلك ولم يَبْقَ إلَّا تَعْيينُ (a) يَوْم المَجْلِس، فماتَ.
أخْبَرَنا أبو الوَحْش بن نَسِيم في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظُ (٢)، قال: الحَسَن بن أحْمَد بن صالح، أبو مُحَمَّد السَّبِيْعِيّ الكُوْفيّ الحافِظ، حَدَّثَ عن مُحَمَّد بن حُبَّان البَصْرِيّ، وعبد الله بن مُحَمَّد بن نَاجِيَة، وأبي بَكْر البَرْدِيْجِيّ، وأبي جَعْفَر الطَّبَريّ، والحَسَن بن مُحَمَّد بن عَنْبَر الوَشَّاء، ويَمُوْت بن المُزَرِّع، وعُمَر بن أيُّوب السَّقَطِيّ، وقاسم المُطَرِّز، وأبي مَعْشَر الدَّارِيِّ، وعُمَر بن
стр. 2813
مُحَمَّد بن نَصْر الكَاغَدِيّ، وأبي عُثْمان سَعيد بن عُثْمان الوَرَّاق، وجَعْفَر بن مُحَمَّد النَّيْسَابُوريّ، ومُحَمَّد بن الفَضْل في العبَّاس نَزِيلُ حَلَب، وعليّ بن عَبْد الحَميْد الغَضَائِريّ، وعبد الله بن ثَابِت بن يَعْقُوب.
رَوَى عنهُ أبو الحَسَن الدّارَقُطْنِيّ، وأبو عَبْد الله الحافِظ، وأبو نُعَيْم الأصْبَهَانِيّ، وأبو طَالِب مُحَمَّد بن الحُسَن بن أحْمَد بن بُكَيْر، وقَدِمَ دِمَشْق وذَاكَر بها.
أنْبَأنَا زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ (١)، قال: قال مُحَمَّد بن أبي الفَوَارِس: تُوفِّي أبو مُحَمَّد السَّبِيْعِيّ (a) يَوْم الاثْنَين السَّابِع عَشر من ذِي الحِجَّة سَنَة إحْدَى وسَبعِين وثَلاثِمائة، وكانَ ثِقَةً، قد كَتَبَ كِتَابًا كَثِيرًا، وكان يَحْفَظُ حِفْظًا حَسَنًا، ويُذَاكِر، وكان عَسِرًا في الحَدِيْثِ، وكان له أخْلَاقٌ غير مَرْضِيَّةٍ.
الحَسَنُ بن أحْمَد بن عَبْد الغَفَّار بن سُلَيمان بن أَبَان الفَسَوِيّ، أبو عليّ الفَارسِيّ النَّحْوِيّ اللُّغَويّ (٢)
أخَذَ عن أبي إسْحَاق الزَّجَّاجِ، وأبي بَكْر بن السَّرَّاج، وأبي بَكْر بن دُرَيْد، وأبي الحَسَن عليّ بن سُلَيمان الأخفش، ورَوَى عن عليّ بن الحُسين بن مَعْدَان، وأبي بَكْر بن مُجَاهِد.
стр. 2814
قَرَأ عليه عَضُد الدَّوْلَة فنَّاخُسْرُو بن بُوَيْه الأدَب وحَظِيَ عنده، ورَوَى عنهُ، وكانت مكانَتُه عندَهُ جَلِيْلَة، وصنَّف له الإيْضَاح العَضُدِيّ والتّكْمِلَة، وقرأ عليه عليّ بن عِيسَى بن الفَرَج بن صالح الرَّبَعِيّ، وأبو الفَتْح عُثْمان بن جِنِّي، وأبو طَالِب أحْمَد بن بَكْر العَبْدِيّ.
ورَوَى عنهُ القَاضِي أبو القَاسِم عليّ بن المُحَسِّن التَّنُوخِيّ، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد، وعليّ بن مُحَمَّد بن الحَسَن المالِكِيّ، وأبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، وأبو القَاسِم الأزْهَريّ، وأبو عَبْد اللهِ الحُسَين بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الخَالِعُ، وأحمد بن فَارِس الأدِيْب المَنْبِجِيّ، وأبو الحَسَن الزَّعْفَرَانيّ.
قَدِمَ حلَبَ على سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن حَمْدَان، وأقام بها عنده مُدَّة، واجْتَمع بأبي عَبْد الله الحُسَين بن خَالَوَيْه، وأبي سَعيد السِّيْرَافيّ بحَضْرته، وجَرَت بينهما وبينَهُ بُحُوثٌ ومُنَاظَراتٌ ومَسَائِل، وكان يُسَمِّي ابن خَالَوَيْه الجاهِل، وذَكَرَ ذلك في غير مَوضِع من كتاب التّذْكِرَة.
وأمْلَى بحَلَب المَسَائِل الحَلبِيَّة، وهي المَسَائِل الّتي وَقَعَت له بحَلَب وتكلَّم عليها، وكان بحَلَب في سَنَة سَبع وأرْبَعين وثَلاثِمائة؛ فإنَّني وقَفْتُ على سَمَاع أحمَد بن فَارِس الأدِيْب منه في جُمَادَى الأُوْلَى من هذه السَّنَة بحَلَب، وقيل: إنَّهُ وَرَدَ حَلَب رَسُولًا إلى سَيْف الدَّوْلَة، وكان حَسَن الكَلَام، مَاهِرًا في عِلْم العَرَبِيَّة، حَسَن الغَوْص على المَعَاني الدَّقِيْقَة.
стр. 2815
ولهُ من الكُتُب المُؤَلَّفَة: كتابٌ رَدَّ فيه على أبي إسْحَاق الزَّجَّاج في كتاب مَعَاني القُرآن مَسَائِل؛ لقَّبَهُ كتاب الإغْفَال (١)، وله كتاب الحُجَّة، تكلَّم فيه على مَذَاهِب القُرَّاءِ السَّبْعَة الّذين ثَبَتَتْ قراءتهم في كتاب أبي بَكْر بن مُجَاهِد، ووُجُوهها في العَرَبِيَّة، واحْتَجَّ لكُلِّ واحدٍ منهم، وله كتاب الإيْضَاح والتَّكْمِلَة، المُلَقَّب بالعَضُدِيّ؛ عَملهُ للمَلِك عَضُد الدَّوْلَة فَنَّاخُسْرُو، وكتاب يُعْرَفُ بالعَوَامِل، وكتاب المَقْصُور والمَمْدُود، وكتاب التَّذْكِرَة؛ وهو كتابٌ عَزِيزٌ كبير الفَائِدَة، تكلَّم فيه على مَعَاني آياتٍ من القُرآن وأحَادِيْث عن النَّبِيّ ﷺ ، ومَعَاني أبْياتٍ من أشْعَار العَرَب، ومَسَائِل من النَّحو والتَّصْرِيْف، أبْدَعَ فيه، وهو كَثِيْر الفَائِدَة، وكتاب الإيْضَاح الشِّعْريّ، وله كتاب المَسَائِل الحَلَبِيَّة الّتي ذَكَرناهَا، والمَسَائِل القَصْرِيَّات، والمَسَائِل البَغْدَاديَّات، والمَسَائِل البَصْرِيَّات، والمَسَائِل العَسْكَريَّة، والمَسَائِل الشِّيْرَازيَّة، وكتاب نَقْض الهَاذُوْر.
وذكَرَ أبو حَيَّان التَّوْحِيْدِيّ (٢) أنَّهُ كان يَشْرَب ويَتَخَالع، ويُفارِق هَدْي أهْل العِلْم.
أخْبَرَنا أبو الفَضْل المُرَجَّى بن أبي الحَسَن بن هِبَة الله الوَاسِطِيّ التَّاجر، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو طَالِب مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد (a) بن الكَتَّانِيّ (b) الوَاسِطِيّ، قال:
стр. 2816
أخْبَرَنا أبو غَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد في طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن المحسِّن بن عليّ التَّنُوخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد بن عَبْد الغَفَّار النَّحْوِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحُسَين بن مَعْدَان، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاق (١)، قال: حَدَّثَنَا مَعْمَر، عن قَتَادَة، عن زُرَارَة بن أوْفَى: أنَّ سَعْد بن هِشَام بن عَامِر كان جارًا له، فأخْبَره أنَّهُ طلَّق امْرأتَهُ، ثمّ ارْتَحَل إلى المَدِينَة ليبيْعَ عَقَارًا له ومَالًا فيَجْعَله في الكُرَاع والسِّلاح، ثمّ يُجَاهِد الرُّوم حتَّى يَمُوتَ، فلَقِيَهُ رَهْطٌ من قَوْمهِ فنهوهُ عن ذلك، وأخْبَروه أنَّ رهْطًا من قَوْمه أرادوا ذلك على عَهْد رسُول الله ﷺ ، وقال: أليسَ لكم فيَّ أُسْوَةٌ؟، فراجَعَ امْرأتَهُ. فلمَّا أنْ قَدِمَ علينا أخْبَرَنا أنَّهُ أتى ابن عبَّاس فسَأله عن وِتْرِ رسُولِ الله ﷺ ، فقال: ألَا أدُلُّكَ، ألَا أُنبئُكَ بأعْلَمِ أهْل الأرْضٍ بوِتْرِ رسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قُلتُ: مَنْ؟ قال: عائِشَةُ، فذهَبْتُ إليها، ومَرَرْتُ بحَكِيم بن أفْلَح فاسْتَلحقْتُهُ إليها، فقال: ما أنا بقَارِبِها؛ إنِّي نَهَيْتُها أنْ تقُولَ بين الشِّيْعَتَين شيئًا فأبَتْ إلَّا مُضِيًّا، فأقْسَمْتُ عليه، فقامَ معي، فأتَيْناها فسلَّمْنا عليها، ودَخَلْنا، فعَرفتْ حَكِيمًا، فقالت: مَنْ هذا معَك؟ قال: سَعْدُ بنُ هِشَام، فقالت: مَنْ هِشَامٌ؟ قال: ابنُ عامر، فقالت: نِعْم المَرْء كان عَامِرًا، قُتِلَ (a) مع رسُول الله ﷺ يَوْم أُحُدٍ. فقُلتُ: يا أُمّ المُؤْمنِيْنَ، أنْبِئيني عن خُلُق رسُولِ اللهِ ﷺ ، فقالت: أمَا تقرأ القُرْآن؟ قُلتُ: بَلى، قالت: فإنَّ خُلُقُه كان القُرْآنَ، فهَمَمْتُ أنْ أقُومَ فبَدَا لي فسَألْتُها، فقُلتُ: أنْبِئيني عن قيامِ رسُول الله ﷺ ؟ فقالت: أمَا تَقْرَأ هذه السُّورة: المُزَمِّل؟ قُلتُ: نعم، قالتْ: فإنَّ الله افْتَرضَ قيامَ اللَّيْل في أوَّلِ هذه السُّورةِ، فقامَ رسُولُ الله صَلَّى اللهُ
стр. 2817
عليه وسلَّم بأصْحَابه حَوْلًا حتَّى انتَفَخت أقْدامُهُم، وأمْسَكَ الله خَاتِمَتها اثْنَى عَشَر شَهْرًا، ثُمَّ أنْزَل اللهُ تعالَى التَّخْفيفَ في آخر هذه السُّورة، فصَار قيامُ اللَّيْل تَطوُّعًا بعد إذ كانت فَرِيْضَةً، فهَمَمْتُ أنْ أقومَ فبَدا لي فسَألتُها، فقُلتُ: أنْبئيْني عن وِتْرِ رسُولِ الله ﷺ ؟ فقالت: كُنَّا نُعِدُّ له سِوَاكَهُ وطَهُورَهُ، فيَبْعَثهُ الله لِمَا شاء أنْ يَبْعثه من اللَّيْل، فيَتَسَوَّكُ وهو يَتَوَضَّأ (a)، ثمّ يُصَلِّي تِسْعَ رَكَعاتٍ، لا يقعُد فيهنَّ إلَّا في الثَّامِنَةِ، فيَحْمد الله ويَذْكُره ويَدْعُو، ثمّ يَنْهض ولا يُسَلِّم، ويُصَلِّي التَّاسِعَة فيَجْلس فيَحْمد الله ويَذْكُره ويَدعُو، ثمّ يسُلّم تَسْليمًا يُسْمِعُنا، ثمّ يُصَلِّي رَكْعَتين وهو جَالِسٌ بعدما يُسَلِّم؛ فتلك إحْدَى عَشر رَكْعَةً. أي بُنَيَّ، فلمَّا أسَنَّ رسُول الله ﷺ وأخَذَ اللَّحْم، أوْتَر بسَبْعٍ، ثمّ صلَّى رَكْعَتَين وهو جَالِسٌ بعدما يسُلِّم، فتلك تِسْع. أي بُنَيّ، وكان رسُول الله ﷺ إذا صَلَّى صَلَاةً أحبَّ أنْ يُدَاومِ عليها، وكان إذا غَلَبَهُ عن قيام اللَّيْل شيءٌ؛ نَوْمٌ أو وَجعٌ، صَلَّى من النَّهَار اثْنَى عَشر رَكْعَةً، ولا أعْلَم نَبيّ الله ﷺ قرأ القُرآن في لَيْلَة، ولا قام ليلَةً حتَّى أصْبَح، ولا صَام شَهْرًا كَامِلًا غير شَهْر رَمَضَان، قال: فرَجَعتُ من عندها فأتيْتُ على ابن عبَّاسٍ فأنْبَأته بحديثها، فقال: صَدَقَت، أمَا أنِّي لو كُنْتُ أدخُل عليها لشَافَهْتُها به مُشَافهةً، فقال حَكِيم بن أفْلَح: أمَا أنِّي لو كُنْتُ أعْلَم أنَّك لا تدخُل عليها ما أنبأتُكَ بحَدِيْثها.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ الخَطِيبُ (١)، قال: قال لي التَّنُوخِيّ (٢): وُلِدَ أبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد بن عَبْد الغَفَّار النَّحْوِيّ الفَارسِيّ بفَسَا، وقَدِمَ بَغْدَادَ فاسْتَوْطَنها، وسَمِعْنا منه في رَجَب من سَنَة خَمْسٍ وسَبْعِين وثَلاثِمائة. وعَلَتْ مَنْزِلتُه في النَّحو،
стр. 2818
حتَّى قال قَوْمٌ من تَلامذَته: هو فَوْق المُبَرَّد، وأعْلَم منه. وصَنَّفَ كُتُبًا عَجِيْبَةً حَسَنَةً، لم يُسْبَق إلى مثْلها، واشْتُهِر ذِكْرُهُ في الآفاق. وبَرَع له غِلْمَانٌ حُذَّاق مثل: عُثْمان بن جِنّي، وعليّ بن عِيسَى الشِّيْرَازيّ وغيرهما. وخَدَمَ المُلُوك، ونَفَقَ عليهم، وتقَدَّم عند عَضد الدَّوْلَة، فسَمِعْتُ أبي يَقُول: سَمِعْتُ عَضُد الدَّوْلَة يَقُول: أنا غُلَام أبي عليّ النَّحْوِيّ الفَسَوِيّ في النَّحو، وغُلَام أبي الحُسَين الرَّازِيّ الصُّوْفيّ في النُّجُوم.
أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود بن الحُسَين السَّاوِيّ بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الأصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: سَمعْتُ القَاضِي أبا مَنْصُور العِمْرَانِيّ بآمِد يَقُول: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليَّ بن فَضَّالٍ النَّحْوِيّ يَقُول: كان عَضُد الدَّوْلَة يَقرأ الأدَبَ على أبي عليّ الفَارسِيّ، ويُبَالغ في إكْرَامِه، ويُحْضره معهُ المَائِدَة، فلمَّا كَبُرَ وأضَرَّ كان يُحْضِرهُ أيضًا على العَادَة المُسْتَمرَّة، وكان مِن رَسْمه أنَّهُ إذا فَرغ من الأكْلِ يلْتَفِتُ والفَرَّاش قائمٌ فيقْلب الماء على يَدِه، فاتَّفَقَ يوْمًا أنْ كان الفَرَّاشُ مَشْغُولًا، فلمَّا التْفَتَ الشَّيْخُ ليَغْسِلَ يَدَهُ اختلَسَهُ عَضُد الدَّوْلَةِ، وجاءَ فنَحَّى (a) الفَرَّاش فأخَذَ الإبْرِيْق وقلَبَ على يَده الماءَ، فجاءَ الفَرَّاش، فأوْمَأ إليه أنْ امْسك إلى أنْ فرَغَ، وأعْطاهُ المِنْدِيل فمسَح يَدَهُ، ورجَعَ إلى مكانِهِ، فقال الفَرَّاشُ: يا سَيِّدنا، تَعْلم مَنْ قَلَب على يدكَ الماءَ؟ فقال: أنْتَ، فقال: إنَّمَا كان مَوْلَانا عَضُد الدَّوْلَة، فقام الشّيْخ أبو عليّ قائمًا وقال: لو لم أجد من حَلَاوة العِلْم إلَّا هذا لكان فَضْلًا كَثيْرًا، ثمّ رَفَع يَدَيه نحو السَّماء وقال: أكْرَمَكَ اللهُ الّذي أكْرَمْتَني لأجْلِهِ، أكْرَمَكَ الله الّذي أكْرَمْتني لأجْلهِ، وجَعَل يُكَرِّرُه.
قَرأتُ بخَطِّ أبي مَنْصُور مَوهُوب بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الجَوَالِيْقِيّ، ﵀، في تَعْلِيقٍ له نقلَهُ من خَطِّ ابن بَرْهَان، وأنْبَأنَا به شَيْخُنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ عنه،
стр. 2819
قال فيما نقَله من خَطِّ ابن يهَان: قال أبو الفَتْحِ بعد أنْ دَعَا لأبي عليّ: كان إذا قَعَدَ على سَرِيره الّذي كان يَقْعُدَ عليه أوْقَاتَ درْسهِ لا يَرى العَالَم إلَّا دُوْنَهُ، وما كان يُفَكِّرُ في أحدٍ، حتَّى إنَّهُ كان إذا جَرَى حَدِيث عَضُدِ الدَّوْلَةِ قال: صَاحِبُ السَّطْح فعَلَ كذا، وصَاحِبُ السَّطْح قال كذا، وذلك لأنَّ المَلِك بشِيْرَاز كان يَقْعد في أكْثَر أوْقَاتهِ على سَطْحٍ له كان فيه مَجْلِسُه، فكان أبو عليّ يَجْري على ذلك ويقول: صَاحِبُ السَّطْح.
ثمّ قال أبو الفَتْح: وما كان مع ذلك إلَّا بحيثُ يَضَعُ نَفْسَهُ؛ فإنَّهُ كان فَوْق كُلِّ مَنْ نَظَر في هذا العِلْم، ولو عاشَ أبو العبَّاس وأبو بَكْرٍ وطَبَقَتُهما لأخَذُوا عنه بلا أَنَفَة، ولو أدْرَكه الخَلِيلُ وسِيْبَوَيْه لكانا يُقرَّان له ويَتَجمَّلان به. وقَرَأتُ عليهِ بالشَّام كتاب تَصْريف المَازِنِيّ، وكُنْتُ قليل المَعْرفَة إذ ذاك باللُّغَة، فسَأَلتُه عن شيءٍ من تَفْسِير اللُّغَة فيه، فنَظَر إليَّ مُغْضَبًا وعَبَّسَ وَجْهَهُ. قال أبو الفَتْح: وكَذَا طَرِيقةُ النَّحْوِيِّيْن.
قال (١): وذَاكَرْتُ بكتاب العَيْن يَوْمًا شَيْخَنا أبا عليّ، فأعْرَضَ عنه، ولَم يَرْضَهُ لِمَا فيهِ من القَوْل المَرْذُول، والتَّصْرِيْف الفَاسِد، فقُلْتُ له كالمُحْتَجِّ عليه: فإنَّ في تَصْنِيفه رَاحَة لطَالبِ الحَرْف؛ لأنَّهُ مُنْسَاقٌ مُتَوَجِّهٌ، وليس فيه التَّعَسُف الّذي في كتاب الجَمْهَرَة، فقال: أرَأيْتَ لو أنَّ رَجُلًا صَنَّف لُغَةً بالتُّرْكِيَّةِ تَصْنِيفًا حَسَنًا، هل كُنَّا نَقْبلُها منه ونَسْتَعملها!؟ أو كَلَامًا هذا نحوه؛ قد بَعُدَ عَهْدِي به.
وحَدَّثَنَا قال: حَدَّثَني أبو بَكْر، قال: ما رَأينا (a) كتاب العَيْن بسُرَّ مَنْ رَأى مع بعض أصْحَاب حُنَيْن، وكان أبو عليّ يَقُول (٢): لمَّا هَمَمْتُ بقراءةِ رِسَالة هذا الكتاب على مُحَمَّد بن الحَسَن، قال لي: يا أبا عليّ، لا تَقْرَأ هذا المَوضِع عليَّ، فأنْتَ أعْلَم به منِّي!
стр. 2820
مُحَمَّد بن الحَسَن هو: ابن دُرَيْد.
وممَّا نقلَهُ من خَطِّ ابن بَرْهَان: قال ابنُ جِنّي (١): وحَدَّثَني أبو عليّ أنَّهُ وَقَع حَرِيقٌ بمَدِينَة السَّلام، فذَهَبَ له جميع عِلْم البَصْرِيِّيْن، قال: وكُنْتُ كَتَبتُ ذلك كُلّه بخَطِّي وقَرَأتُه على أصْحَابنا، فم أَجد من الصُّنْدُوق الّذى احْتَرق شيئًا البَتَّة إلَّا نصف كتاب الطَّلَاق، فسَألتُه عن سَلْوَتَهِ وعَزَائهِ عن ذلك، فنَظَر إليَّ مُعْجبًا، ثمّ قال: بَقِيْتُ شَهْرين لا أُكَلِّم أحدًا حُزْنًا وهَمًّا، وانْحَدَرْتُ إلى البَصْرَهَ لغَلَبَة الفِكْر عليَّ، وأقَمْتُ مُدَّهً ذَاهِلًا مُتَحيِّرًا.
وممَّا نقلَهُ من خَطِّ ابن بَرْهَان، وذَكَر ابن بَرْهَان أنَّهُ نقلَهُ من خَطِّ أبي الحَسَن الزَّعْفَرَانيّ، ممَّا حَكَاهُ عن أبي عليّ: قال أبو عليّ: من كَثْرة احْتِشَامي وتَقَبُّضِي ما كُنْتُ أسْمعَ السَّمَاعات الكَثِيْرة، فلا أقول: سَمِعُوا لي، وإلَّا لو كُنْت ممَّن لا يَحْتَشم لقد كان من السَّمَاع لي بيد النَّاس غيرِ قليل. وكان أبو عليّ إذا عَبَّرَ عن لَفْظٍ ما، فلَم يَفْهَمه القَارِئة عليه وأعاد ذلك المَعْنَى عَيْنَهُ بلَفْظٍ غيره ففَهِمه، يَقُول: هذا إذا رأى ابنَهُ في قَمِيْصٍ أحْمَر عرفَهُ، وإذا رآه في قَمِيْصٍ كُحْلِيّ لَم يَعْرفه.
وكان ﵀ خَشِنَ المَلْمَس، حَزْنَ المُتَنفَّس، يُريد من مُبْتَدِئي أصْحَابهِ أنْ يَفْهمُوا اللَّفْظَة من العِلْم بالكَشْف من القَوْل، وكان رُبَّما تَوقَّفَ بعضُهُم عن فَهْم ما يَقُوله، فيَنْبُو عنه، ويقُول له: يا هذا، ألَيْسَ قد مَضَى في ذلك اليَوْم لنا شيءٌ يُشْبِهُ هذا؟ ووالله ما نعلم (a) إلى شيءٍ يومي ولا كم بعد ذلك اليَوْم من يَوْم مَجْلسِهما، ولعلَّه أنْ يكُون منذ ذلك اليَوْم إلى وَقْتهما من الأُصُول والفُرُوع ما لا يُحِيْطُ بعِلْمه إلَّا الله خَالِقُهما.
стр. 2821
وممَّا نقَلَهُ من خَطِّ ابن بَرْهَان: قال أبو الفَتْحِ: وكان أبو عليّ، ﵀، كَثِيْرًا ما يَرُومُ إبرازَ الشَّيء إلى لَفْظه وهو نَصْبُ عَيْنه، ونَجِيُّ فِكْره، وسَاتِرُ بينِه وبين كُلّ مَرئيّ غيره، إلَّا أنَّهُ مع ذلك مُعَازِلُه مُتَأبٍّ عليه غير مُسْمِح ولا مُنْقادٍ معه، فإنْ لم يَكُن إلَّا آخِذُ عنه سَهْلَ المَذْهَب سُرْحَهُ، طَيِّع الطَّبْع سُجَحَهُ (١)، قد جَاوَدَهُ (a) إلى الأمَد، وقاوَدَهُ إلى الخَبَار والجَدَد (٢)، وفَاتَشَهُ الأنْقَاب، وصَحِبَهُ في كُلِّ أوْبٍ وباب، أَجْبَلَا فلم يُنْبطا، وكانا (b) حريّ أنْ يُحْتذَى ويخْتَلِطا، ثمّ كيف لنا بعْدُ بساعةٍ من سَاعاته، ونَفْثَةٍ من رَقَياته، وعَفَا اللهُ عنهُ فَما أقَلّ العَوَض في هذا السَّوَاد منه.
قَرأتُ بخَطِّ سَعيد بن المُبارَك بن الدَّهَّان النَّحْوِيّ: ذَكَرَ أبو الفَتْحِ في النَّوَادر (٣) أنَّ كُتُب أبي علَيّ الفَارسِيّ احْتَرَقت بالبَصْرَة في رَبِيع الأوَّل سَنَة خمْسٍ وثَلاثِمائة بدار أبي الرَّيَّان الأهْوَازِيّ الكَاتِب، وكان قد أسْكَنه إيَّاها، ولَم يكُن بالدَّار تلك السَّاعَة، فلمَّا عَلِمَ جاء إلى الدَّار فوقَع من غُلَامه المِفْتاح، وكان الخَشَب سَاجًا فلم يَنْكَسر، فصَعَدُوا إلى السُّطُوح، وكان للدَّرَجة بابٌ مُغْلَقٌ فلَم يَنْفَتح، وقَويَت النَّار فحالَتْ بينه وبين الكُتُب، وكان في الدّار أثاثٌ كَثِيْر لصَاحِبها، فغُشِيَ على الشَّيْخ، وحُمِلَ على الظَّهْر إلى دَارٍ أُخرى لأبي الرَّيَّان، فبقي يَوْمًا وليلة لا يَنْطق، وثلاثة أيَّام لا يَأكُل ولا يشرب إلَّا اليَسِير بالكَرَاهيَّة، وبقي وَاجِمًا سَنَةً لا يُقْرئ ولا يَقْرأ. وكان أبو الرّيَّان يَخْدمه ويُسليه بكُلِّ ما يَقْدر عليه، وكانت الكُتُب أرْبَعمائة
стр. 2822
مُجَلَّدٍ، فأعْطَاه ثلاثمائة دِيْنار مَغْربيَّة وأرْبَعين حُزْمة كاغَد، وكان يَستحثّه (a) ويقُول له: النَّاس يقُولُون عنك صَحَفيٌّ لأنَّكَ عَجَزت عن العِلْم بعد مضي الكُتُب، وكان قد سَلَّم له المُجَلَّد الأوَّل من كتاب سِيْبَوَيْه لأنَّهُ كان معه، وكان لأبي الرَّيَّان نُسْخَة بخَطِّ السِّيْرَافيّ فوَهَبها له وعَادَ إلى القراءة.
قَرأتُ في تاريخِ أبي غَالِب هَمَّام بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ، قال (١): وحَدَّثَني الشَّيْخ أبو العَلَاء، ﵀، أنَّ أبا عليّ كان صَدِيْقًا لجذه القَاضِي أبي الحَسَن سُليْمان بن مُحَمَّد، وكان صَادقَهُ بأنْطَاكِيَة، ثمّ إنَّ أبا عليِّ مَضَى إلى العِراق، وصَار له جاة عَظِيمُ من المَلِك فنَّاخُسْرُو، وأنَّ بعضَ النَّاسِ وقَعَت له حاجةُ في العِرَاق احْتَاج فيها إلى كتابٍ من القَاضِي أبي الحَسَن سُليْمان إلى أبي عليّ الفَارسِيّ، فلمَّا وَقَف على الكتاب قال: إنِّي نَسيْتُ الشَّامَ وأهْلَهُ.
قال: وكان أهْلُ بَغْدَاد يقُولُون: في زَمانه لو عاشَ سِيْبَوَيْه لاحْتَاج إليهِ.
أنبأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيْبُ (٢)، قال: الحَسَن بن أحْمَد بن عَبْد الغَفَّار بن سُلَيمان، أبو عليّ الفَارسِيُّ النَّحْوِيُّ، سَمع عليّ بن الحُسَين بن مَعْدَان صاحب إسْحَاقَ بن رَاهَوَيْه، وكان عنده عنه جُزءٌ واحدٌ. حَدَّثَنَا عنه الأزْهَريّ، والجوهَرِيّ، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد، وعليّ بن مُحَمَّد بن الحَسَن المالِكيِّ، والقَاضِي أبو القَاسِم التَّنُوحيّ. ومن مُصَنَّفاته: كتابُ الإيْضَاح في النَّحو، وكتاب المقصُور والمَمْدُود، وكتاب الحُجَّة في القِرَاءات.
قَرأتُ بخَطِّ أبي طَاهِر السِّلَفِيِّ، وأنْبَأنَا به أبو القَاسِم بن الطُّفَيْل وابن رَوَاحَة وغيرهما، قال: أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن عَبْد الغَفَّار الفَارسِيّ النَّحْوِيّ، رَوَى عن
стр. 2823
أبي إسْحَاق الزَّجَّاج، وأبِي بَكْر السَّرَّاج، وأبي بَكْر بن مُجَاهِد المُقرِئ، وأبي الحَسَن الأخْفَش ونُظَرَائهِم، وروى عن عليّ بن الحُسَين ابن عَمّ إسْحَاق بن رَاهَوَيْه فَوَائِد، رَوَى عنهُ عَبْد السَّلام البَصْرِيّ ببَغْدَاد، وعُثْمان بن جِنِّي بالمَوْصِل، وابنه العَلَاء بن عُثْمان بِصُوْر، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن [ … ] (a) بمِصْر، وأبو نَصْر الكِسَائِيّ بأصْبَهَان.
وقد رَوَى عنهُ عليّ بن عيسَى الرَّبَعيِّ، وأبو مُحَمَّد المَدَائني، وعُبَيْد الله (a) بن جرْو، وهِلِّل بن إبْراهيم الصَّابِئ، وأبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، ومن توالِيفه: كتاب الحُجَّة، وكتاب الإيْضَاح، وغيرهما.
قَرأتُ بخَطِّ بهاءَ الشَّرَف أبي عليّ الحَسَن بن جَعْفَر بن المُتَوَكِّل الهاشميِّ، وأنْبَأنَا به أبو الحَسَن بن المُقَيِّر عنه، قال: حَدَّثَني أبو الحَسَن عليّ بن أبي زيْد الفَصِيْحِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن عَبْد الله الخَطِيب، قال: قيل إنَّهُ دَخَل أبو عليّ الفَارسِيّ إلى عَضُد الدَّوْلَة وقد عَزَم على التَّوَجُّه إلى الأهْوَاز، فقال: خَارَ الله للملِكِ في عَزِيْمَته، وبلَّغهُ الأمَل في طَلِبَتِهِ، أنشدَنا شَيْخ لنا (١): [من المنسرح]
وَدَّعْتُهُ حين لا تُودِعُه … نَفْسُ ولكنَّها تَسِيرُ مَعَه
ثُمَّ تولَّى وفي الفُؤَادِ له … ضيْق مَحلٍّ وفي الدُّمُوع سَعَه
فقال له: أحْسَنَ اللهُ جَزَاءَ الشّيْخ، وأطَالَ بَقَاءَهُ، وأنْشَدَنا بعضُ أشْيَاخنا (٢): [من السريع]
قالُوا لَهُ قد سَار أحْبَابُهُ … وبدَّلوه البُعْدَ بالقُرْبِ
стр. 2824
تاللهِ ما سَارَتْ نَوَى ظَاعِنٍ … سَار من العَيْن إلى القَلْبِ
فقال أبو عليِّ: أبَتْ مَكَارِمُ مَوْلَانا أنْ تُخْلي خَادِمَهَا من فَائِدَة.
قلتُ: وذَكَرَ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَبْد الله بن العبَّاس بن عَبْد الحَميْد الحَرَّانيّ في كتاب رَوْضَة الأُدَبَاء (١) أنَّ أبا عليّ دعا لعَضُد الدَّوْلَة وقال: أيَأْذن مَوْلَانا في نَقْل هذين البَيْتَيْن؟ فأذِنَ له، فاسْتَملاهما منه وكتبهما عنه.
وذَكَرَ أبو عَبْد الله أيضًا أنّ عَضُد الدَّوْلَة عَرَضَ عليه أنْ يكُون في صُحْبَتهِ، فقال: أنا من رجالِ الدُّعَاءَ لا اللِّقَاء، فخَارَ الله للمَلِك في نَهْضَته، وبارَك له في عَزِيْمتهِ، وجَعَل الفَتْح تُجاءَهُ (a) والمَلائِكَة أنْصَاره، فقال له عَضُد الدَّوْلَةِ: بارَكَ الله فِيكَ؛ فإنّي أثقُ بطَاعتكَ، وأتَيَقَّنُ صَفَاءَ طويَّتكَ.
قَرَأتُ في تاريخٍ سيَّرَهُ إليّ بعض الشِّرَاف الهاشِميِّيْن بحَلَب، جَمْعُ أبي غَالِب همَام بن الفَضْل بن المُهذَّب المَعَرِّيّ (٢)، قال: وفيها يعني سَنَة اثْنَتَيْن وسَبْعِين وثَلاثِمائة تُوفِّيَ أبو عليّ الحَسَن بن عَبْد الغَفّار الفَارسِيّ النّحْوِيِّ ببَغْدَاد.
وقَرأتُ بخَطِّ القَاضِى أبي المَحَاسِن المُفَضَّل بن مُحَمَّد بن مِسْعَرٍ النَّحْوِيِّ المَعَرِّيّ في كتابه الَّذي جَمَعَهُ في أخْبَار النَّحْوِيّين، قال: تُوفِّي - يعنى أبا عليّ - سَنَة سَبع وسَبْعين وثَلاثِمائةٍ.
стр. 2825
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: قال مُحَمَّد بن أبي الفَوَارِس: في سَنَة سَبع وسَبْعِين وثَلاثِمائة تُوفِّيَ أبو عليّ الفَسَوِيّ النَّحْوِيّ، ولم أسْمَعْ منه شيئًا، وكان مُتّهَمًا بالاعْتِزَال.
وقال الخَطِيبُ (٢): حَدَّثَني أحْمَدُ بن عليّ بن (a) التّوّزِيّ، قال: تُوفِّيَ أبو عليّ الفَارسِيّ النَّحْوِيِّ في يَوْم الأَحَد السَّابِع عَشر من شهر رَبيع الأوَّل سَنَة سَبعٍ وسَبْعِين وثَلاثِمائة.
قَرَأتُ في دِيْوان شِعْر الشّريف الرَّضِيّ مُحَمَّد بن الحُسَين العَلَويّ (٣): قال يَرْثِي أبا عليِّ الحَسَن بن أحْمَد الفَارسِيّ النَّحويّ، وتُوفّي ليْلَة الأحَدِ السَّابع عَشر من شَهْر رَبيع الأوَّل سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وثَلاثِمائة، ودُفِنَ بالشُّوْنِيْزِيَّة عند قَبْر أبي بَكْر الرَّازيّ الفَقِيْه، وكان قد نيَّف على التِّسْعين.
وقَراتُ بخَطِّ الحافِظ السِّلَفِيِّ، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلهُ من خطِّ عليِّ بن عَبْد المَلِك بن الحُسَين بن عَبْد المَلِك الدَّبِيْقيّ: وماتَ أبو عليّ الفَارِسِيُّ سَنَةَ سَبعْ وسَبْعين وثَلاثمائة.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّلِ المَقْدِسِيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طَاهِر السِّلَفيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المبُارك بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد العَتِيْقِيّ، قال: ذِكْرُ وَفَاة بعض الشُّيُوخ الّذين أدْرَكتهم، وكَتبتُ عنهم، وسَمِعْتُ منهم سَنَة سَبع وسَبْعِين وثَلاثِمائة، وفيها تُوفِّيَ أبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد بن عَبْد الغَفَّار الفَسَوِيّ الفَارسِيّ النَّحْوِيِّ.
стр. 2826
الحَسَنُ بن أحْمَد بن علي بن مهْرَان القُهُسْتَانِيّ، أبو القَاسِم الأدِيْبُ (١)
سَمِعَ بالمِصِّيْصَة مُحَمَّد بن عُمَر بن يَحْيَى المُقْرِئ، رَوَى عنهُ الحاكِم أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَبْد الله الحافِظُ، ووَفَدَ على سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن حَمْدَان، وكان يَغْشَى مَجْلسَهُ، وكان أَدِيبًا فَاضِلًا، شَاعِرًا.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْد الله بن عُمَر القُرَشِيّ وعَبْد الرَّحمن بن عُمَر الغَزَّال في كتَابَيْهما، قالا: أخْبَرَنا أبو الخَيْرِ القَزْوِينيّ، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر: أنَّ أبَوَي عُثْمان الصّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، وأبَوَي بَكْر البَيْهَقِيّ والحِيْرِيّ كَتَبُوا إليه: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَبْد الله الحافظ (٢)، قال: حَدَّثَني أبو القَاسِم - يعني الدِّهِسْتَانيّ (a) - قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عُمَر بن يَحْيَى المُقرِئ بالمِصّيْصَة، قال: حَدَّثَنَا يوسف بن سَعيد بن مُسَلَّم، قال: حَدَّثَنَا حَجَّاج بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا شُعْبَة، عن سَهْل بن أبي صالح، عن أَبِيهِ، عن أبي هُريرَة (٣)، قال: قال رسُول الله ﷺ : مَنْ كان في حاجة أخيهِ، كان الله في حاجَتِه، والله تعالَى في عَوْن العَبْدِ ما كان العَبْدُ في عَوْن أخيه.
стр. 2827
قال الحاكِم: سَمِعْتُ أبا القَاسِم الزَّاهِد يقُول: رأيت في المنام مُنْشدًا يُنْشد هذا البيت: [من الطويل]
أتفرَحُ بالأيَّام تَمْضِي وتَنْقَضِي … وعمرُكَ فيها لا مَحَالَة تذْهَبُ
قال: فلمَّا اسْتَيْقَظتُ أضَفْتُ إليه بَيْتًا آخر:
عَجَبْتُ لمُخْتَار الغِنَى وَهْوَ فقرُهُ … وعَامِرِ دَارٍ وَهْوَ في الدَّارِ يخرَبُ
قال الحاكِم: وسَمِعْتُ أبا القَاسِم يَقُول: كُنَّا نَخْتَلفُ إلى مَجَالِس سَيْفِ الدَّوْلَةِ بالشَّام، فكاد أنْ يقَعَ في نفَسِي ما ليسَ من مَذْهَبي، فقُلْتُ: [من البسيط]
الدَّهْرُ سَاوَمني عُمْرى فقُلْتُ له … لا بعْتُ عُمْري بالدُّنْيا وما فيها
ثُمَّ اشْتراهُ تَفَارِيقًا بلا ثَمَنٍ … تَبَّتْ يدا صَفْقهٍ قد خابَ شَارِيْهَا
ذَلَّتْ صعَابُ المَعَاني لي فأدْركها … فهمي ونفسي أعْيتني مَعَانِيْها
قال: وأنْشَدَني لنَفْسِه في المحْبَرَة: [من الطويل]
له قلبُ زنْدِيق ووَجْهُ مُؤَخّدٍ … وآذَان مُرْجيءٍ وحُلْقُومُ مُجْبِرِ
وقَسْوَةُ مَعْشُوقٍ وذلَّةُ عَاشِقٍ … وظَاهِرُ كَافُورٍ وبَاطِنُ عَنْبَرِ
أنْبأنا أبو المُظَفَّر عبد الرَّحيمِ بن أبي سَعْد عَبْد الكَرِيْم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَني أبي أبو سعْد، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال في كتاب الأنْسَاب (١): وأبو القَاسِم الحَسَنُ بن أحْمَد بن عليّ بن عِهْرَان القُهُسْتَانِيّ الأدِيْب، كان أَدِيبًا فَاضِلًا، شَاعِرًا بَارِعًا، دَخَل بلاد الشَّام، وسَمعَ بها بالمِصِّيْصَة مُحَمَّد بن عُمَر بن يَحْيَى المُقْرِئ. سَمِعَ منه الحاكِم أبو عَبْد الله الحافِظ، وذَكَرَهُ في التَّاريخ، فقال: أبو القَاسِم الأدِيب الفَقِيه الزَّاهِد، ح.
стр. 2828
وأنْبَأنَا أبو بَكْر بن عُمَر وعَبْد الرَّحمن بن عُمَر، قالا: أخْبَرَنا أبو الخَيْر القَزْوِيني، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الشَّحَّاميِّ عن أبَوَي بَكْر البيهَقيِّ والحِيْرِيّ، وأبَوَي عُثْمان الصَّابُونيِّ والبَحِيْرِيّ، قالوا: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَبْد الله الحافِظُ (١)، قال: الحَسَنُ بن أحْمَد بن عليّ بن مِهْرَان القُهُسْتَانِيّ أبو القَاسم الأدِيْبُ الفَقيه الزَّاهِدُ، سَمِعَ الحَدِيْثَ بالعِرَاقَيْن والحَجاز ومِصْر والشَّام، وكانت رِحْلَتُه فِي التَّصَوَّف، وكان الأَمِيرُ أبو عليّ بن نَاصِر الدَّوْلَة جَالَسَهُ وتلْمْذَ له، وتخَرَّج به، وَردَ نَيْسَابُور غير مَرَّة فلم يُحَدِّث، ثُمّ سَألتُه فحدَّث بنَيْسَابُور سَنَة إحْدَى واثْنَتَيْن وتِسْعِين وثَلاثِمائة، وتُوفِّيَ بقَاين في ذِي الحَّجِة سَنَة ثَلاثٍ وتِسْعِين وثَلاثِمائة.
الحَسَنُ بن أحْمَد بن عليّ بن المُعَلِّم، أبو علي الحَلَبيّ (٢)
فَقِيْة من فُقَهَاء الشِّيْعَة، أدِيبٌ شَاعرٌ مُتَكلِّم، قَرأ الفِقْه على أبي الصَّلَاح الحَلَبيّ، واشْتَغَل بعِلْم الأُصُول والأدَب وعِلْم العَرَب، وصَنَّف للشِّيْعَة كتابين، أحدهما يُعْرَفُ بالتّاجِيّ، والآخر يُعْرَفُ بمَعَالِم الدِّين، ولهُ كتابٌ في الأُصُول شَرَحَ فيه المُلَخَّص.
ولَازَمَ المَسْجِد الجامع بحَلَب، وقرأ عليه الحَلْبِيُّون الفِقْه والأدَبَ، وكان له شِعْرٌ جَيِّدٌ فَصِيح، ورَسَائِل حَسَنة، وكَتَبَ في صِبَاهُ لسُبُكْتُكِيْن مَمْلُوك أمير الجيُوش الدِّزْبِرِي، وكان وَلَّاهُ مَوْلاهُ قلعَة حَلَب حين مَلكها - أعني سُبكْتُكِين - وكانَ مَوْلدُ أبي عليّ الحَلَبي بمَعَرّة النُّعْمَان في حُدُود الأرْبَعمائة قَبْلَها، وانتقَلَ مع أبيهِ إلى حَلَب.
стр. 2829
قرأ عليه الأدَب جَدُّ أبي؛ أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة، والوَزِير أبو نَصْر بن النَّحَّاس، وقَرأ عليه الفِقْه والأُصُول أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن سَعيد الخَفَاجِيّ الحَلَبِيِّ، وإيَّاهُ عَنَى أبو مُحَمَّد بقَوْله في القَصِيدَة الّتي كَتَبَها من القُسْطَنْطِينِيَّة يعتب فيها أهْله وأصْدِقَاءَهُ (١): [من الكامل]
واقْرَ السَّلامَ على الفَقِيهِ وقُلْ له … وهو (٤) العتادُ لدَفْعِ كُلّ مُلِمَّة
حاشَاكَ أنْ تَصِفَ الوِدَادَ وأهْلَهُ … ويكُون حبُّكَ كُلُّه بالقُوَّة
ماكان ضَرَّكَ لو بَعَثْتَ تحيَّةً … وكَتَبْتَ خَمْسَة أسْطُرٍ في رُقْعَة
أَبمثل هذا يَخْصِبُ البُسْتَان أو … يَزْدَاد حُسْنُ الدَّار في السَّهْلِيَّة
السهلِيَّةُ: مَحَلَّةٌ من مَحَالِّ حَلَب، كانت دار أبي عليّ بها. والبُسْتَان: هو بُسْتَان المَيْدَان خارج باب قِنَّسْرِيْن.
وكان قد مَدَح أبو عليّ بن المُعِلّم سَدِيْد الدَّوْلَة ابن الرَّعْبَانِيّ بقَصِيدَةٍ حَسَنة أوَّلُها: [من الطويل]
دَعَاني فتلكَ الدَّار دانٍ بَعِيْدُها … أُرَاجعُ أشْوَاقي لها وأُعِيْدُها
فكان ثَوَاب أبي عليّ من سَدِيْد الدَّوْلَة أنْ تَنَجَّزَ لهُ تَوْقيعًا من صَاحِب حَلَب مُعِزّ الدَّولَة ثِمَال بن صالح صاحب صَلَب ببُسْتَان المَيْدَان هذا المَذْكُور.
وأبياتُ الخَفَاجِيّ أنْشَدَنا إيَّاها الحطِيبُ أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن هاشِم بن أحْمَد بن هاشِم، قال: أنْشَدَني أبي هاشِمٌ، قال: أنْشَدَني أبي أحْمَدُ، قال: أنْشَدَني أبو مُحَمَّد الخَفَاجِيّ لنَفْسِه، أو قال: أنْشَدنيها أخي أبو نَصْر بن هَاشِم، قال: أنْشَدَني الخَفَاجيّ إنْ لَم أكُن سَمِعْتُها منه.
стр. 2830
وقَرأتُ بخَطِّ أبي البَيَان نَبَأَ بنِ مَحْفُوظٍ الأدِيْب الدِّمَشقيّ، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من نُسْخَةٍ نُقِلَت من خَطِّ عَبْد الوَدُود بن عِيسَى النَّحْوِيّ منِ شِعْر أبي مُحَمَّد الخَفَاجِيّ، وعليها بخَطِّ عَبْد الوَدُود النَّحْوِيّ عند ذِكْر أبيات أبي مُحَمَّد عند قَوْله: وأقر السَّلام على الفَقيه إلى آخر الأبْيَات الأرْبَعة: هذا هو الشَّيْخ الفَاضِل أبو عليّ المَعْرُوفُ بابنِ المُعَلّم ولم يكن فَقِيهًا فقَط، لكن كان ذا فَضَائِل، من جُمْلتها شِعْر وكتابة، وهو ممَّن تحمَّل بهِ الشِّيْعَةُ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة في أوَّل جُزء يتضمَّن قَصَائِد وأقْطَاعًا من شِعْر أبي عليّ بن المُعَلّم: وُلد بمَعَرَّة النُّعْمَان، وانْتَقَلَ أبُوه إلى حَلَب وهو معه، ولَزِمَ المَسْجِد الجامع، وقَرَأ عِلْم الأُصُول ومَذْهَب أهْل البيت ﵈، والأدَب وعِلْم العَرَب، فمالَ إليه النَّاس، وأحبُّوه لوَاضِح طَرِيقَته، وتَنَقَّلَت بهِ الحالُ، وكَتَبَ لسُبُكْتُكِين في عُنْفُوَان شَبَابهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى اللُّزُوم للجَامِع.
قَرأتُ بخَطِّ أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في كتابه الّذي عَلَّقَه للرَّشِيْد بن الزُّبَيْر (a)، وأنْبَأنَا بهِ أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر عنه، قال: ومن شُعَرَاءِ الشَّام الفَقِيه أبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد المُعَلّم، وُلد بمَعَرَّة النُّعْمَان، وانْتَقَلَ أبُوه إلى صَلَب وهو معه، ولَزِمَ الجَامع، وقَرَأ عِلْم الأُصُول، ومَذْهَبَ أهْل البَيْت ﵈، والأدَب وعِلْم العَرَب، وتَنَقَّلَتْ بهِ الحالُ ثُمَّ لَزِمَ الجامِعَ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيِّ، في شِعْر جَدِّ جَدِّي أبي الفَضْل هِبَة الله بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الّذي رَوَاهُ عنه، أبْيَاتًا كَتَبَها إلى الفَقِيه أبي عليّ بن المُعلِّم في غَرَضٍ له، وأخْبَرَنا بها المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ بن
стр. 2831
الحَسَن الطُّوْسيّ كتابةً، قال: أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد اللهِ بن أبي جَرَادَة، قال: أنْشَدَنا القَاضِي أبو الفَضْل هِبَةُ الله بن أبي جَرَادَة، وكتَبها إلى أبي عليّ بن المُعَلّم يسْتَنْهضهُ في ولده أبي غَانِم مُحَمَّد، وكان يُعَلِّمه الأدَبَ (١): [من البسيط]
أبا عليٍّ هو الدَّهْرُ الخَؤُونُ وما … يَحْظَى بجَدْواهُ إلَّا الجاهِلُ الغُمُرُ
ولسْتُ أُنْكِر إنْ عُرِّيْتَ من نَشَبٍ … وقد أطَافَتْ بك الآدَابُ والفقَرُ
كالطَّوْد لا يَرْتَقي يَوْمًا أعاليَهُ … سَيْلٌ وإنْ كان مَحْفُوفًا بهِ الزَّهْرُ
أَغْنَاكَ فَضْلُكَ عن مالٍ تُجَمِّعُهُ … لقد تنَوَّقَ في تَعْويضكَ القَدرُ
من كُلِّ قافيةٍ كالنّجْم سَاِئِرَة … ما عاقَ إدْلَاجَها أَين ولا ضَجَرُ
نتِاج فِكْرٍ خلَا ممَّا يُقَسِّمُهُ … كأنَّ ألْفَاظَها مِن حُسْنِها دُرَرُ
تُطوَّفُ الأرْضَ من سَهْلٍ إلى جَبَلٍ … حتَّى لقد مَلَّ من تَطْوافِها السَّفَرُ
أو خُطْبَةٍ لضُرُوبِ العِلْم جَامِعَةٍ … وللفَصَاحَةِ في تَأليفِها أَثَرُ
جَعَلتها حُجَّةً للدِّين قاهِرةً … لمَعْشَرٍ أظْهَرُوا ضدَّ الّذي سَتَرُوا
غَلُّوا النِّفَاقَ ولولا الخَوْف كانَ لَهُمْ … إلى التَّظَاهُرِ إسْرَاعٌ ومُبْتَدَر
تحْيى القُلُوبُ بذِكْريْها إذا تُلِيَتْ … كالأرْض أحيَتْ بها العَرَّاصَةُ الهُمُرُ
أَغْنَى كلامُكَ عن عَبْد الحَميْد كما … أغْنَى عن النَّجْم يُسْتَضْوى بِهِ القَمَرُ
تَقُومُ كُتْبُكَ في إصْلَاحَ مُنْحَرفٍ … ما لا تَقُومُ بهِ الخَطيَّةُ السُّمُرُ
كم موْقفٍ لكَ في القُرْآنِ قد شَهِدَتْ … به المَحَارِيْبُ والآياتُ والسُّوَرُ
ومن يَدٍ لكَ لم تَقْصِدْ بها عوَضًا … ولا تخلَّلَها مَنّ ولا كَدَرُ
أسْدَيتَها طَلَبًا للأجْرِ في نَفَرٍ … فبَعْهُم شَكَرُوا وبَعْضُهم كَفَرُوا
حَقًّا فما أنتَ إلَّا رَوْضَةٌ أُنُفٌ … وما لسَانُكَ إلَّا الصَّارِمُ الذكَرُ
ومَنْ يُجَاربْكَ يَكْبُو دُوْنَ مَطْلَبِهِ … أَنَّى يُسَاوِي الحَضِيضَ الأنْجُمُ الزُّهُرُ
стр. 2832
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان وغيره، عن أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في ما اخْتَاره من شِعْر أبي عليّ بن المُعَلّم وكَتَبَهُ للرَّشِيْد بن الزُّبَيْر، ووَقَعَ إليَّ أيضًا في جُرء من شِعْر أبي عليّ بن المُعَلّم بخَطِّ أبي المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن أبي جَرَادَة: [من الكامل]
خُذْ مِن زمانِكَ واغْتَنم إمْكانَهُ … ودَعِ التَّعَلُّلَ والأمَانِيَ جَانِبَا
واصْبِر لأحْكَامِ الزَّمانِ فإنَّها … نُوَبٌ تَجيءُ نَوَائِبًا ومَوَاهِبا
ماذا أفَدْتَ بما جمَعْتَ وما الّذي … أغْنَاكَ صنْعُكَ إنْ بكيتَ الذَّاهِبَا
فتعَمَّدِ الحُسْنَى ومَالِ على التُّقَى … وسُمِ النَّجَاةَ وكُنْ مُجِدًّا طَالِبا
ما مرَّ مرَّ وما تَبَقَّى فُرصَةٌ … وهيَ اللَّيالِي تَسْتَجِدُّ مَذَاهِبا
قَدْ أنْذَرَتْكَ الحادِثَاتُ وبَصَّرتْ … وأرَتكَ فيكَ منَ الزَّمانِ عَجَائِبا
حَالًا تَحُول وعِيْشَةً مَرْبُوبةً … ونَوىً تَشُطُّ وشَعْرَ فَوْدٍ شَائِبَا
فعَلَام تَخْتَالُ اللَّيالِي ضلَّةً … وتَعُدُّ أحْكَامَ الوُجُود نَوَائِبا
فتَغَنَّم الأيَّامَ غيرَ مُرَاجعٍ … أسَفًا ولا مُبْقٍ لديْكَ مَآربا
قالا: وكان له صَدِيْقان تُوفِّيَا في يَوْمٍ واحدٍ، فقال فيهما (١): [من البسيط]
تَقَاسَما العَيْشَ رَغْدًا والرَّدَى رنَقًا … وما عَلِمْتُ المَنَايا قبلُ تُقْتَسَمُ
وحَافَظا الوُدّ حتَّى في حِمَامِهما … وقَلّ ما في المَنَايا تُحْفَظُ الذِّمَمُ
نَقَلْتُ من خَطِّ الرَّئِيس حَمْدَان بن عبد الرَّحيم الأثارِبيّ: لأبي عليّ بن المُعِلّم: [من الطويل]
ومِن عَجَبٍ أَنّي عليْكَ مُحَسَّدٌ … وأنِّي على دَعْوَى هَوَاكَ مُلَامُ
ولَم تُسْلِني الأَيَّامُ عنْكَ بِمَرِّها … ولا كَفَّ من وجْدٍ عليْك مَلَامُ
стр. 2833
غَرَامٌ على عَهْد الصِّبَا وإلى النُّهَى … وشَوْقٌ على شَيْب العِذَارِ علَامُ
حُلُومٌ تَوَقَّاها الهَوَى وبَقِيَّةٌ … مِنَ الصَّبْر عفَّاها جَوَىً وغَرَامُ
ويُسْتَام رُشْدِي فيكَ لو كُنْتُ وَاجِدًا … سَبِيْلًا إلى ما في هَوَاكَ أُسَامُ
وقَرأتُ بخَطِّ حَمْدَان بن عبْد الرَّحيم في تَعْلِيقٍ له: لأبي عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن المُعِلّم الحَلَبِيِّ: [من الكامل]
أَسْتَأثِرُ الحُسْنَى بعَزْمٍ صَادِقٍ … وإذا قَدَرتُ فعَلْتُ فِعْل الجَاهِلِ
لا العِلْمُ رَادِعيَ الغدَاةَ ولا التُّقَى … أبدًا قَرين الإثْم حلْف البَاطِلِ
أتَبَصَّرُ الأمْرَ الجَليَّ وأنْثَني … عنهُ بصُوْرَةِ جَاهِلٍ أو غَافِلِ
وأَلُومُ إنْ بَخِلَ الصِّحَابُ وإنَّني … من بينِهِمْ نفسُ الضَّنِيْنِ البَاخِلِ
يا لَلِرِّجَالِ وللطِّبَاعِ تحكَّمَتْ … فتملَّكَتْ قَوْدَ اللَّبِيْب العَاقِلِ
فدَعِ التَّعَلُّلَ واقْتَبِلْها عَزْمةً … فالسَّيْفُ يقطَعُ عندَ قَصْدِ الحَامِلِ
وتَعَمَّدِ الصُّنْعَ الجَمِيْل مُوَاصلًا … عَمَلَ العَلِيْم بهِ وعِلْمَ العَامِلِ
لا عُذْرَ إنْ أنصَفْتَ نَفْسَك جَاهِدًا … وطلَبْتَ وَاضحَةَ الطَّريق السَّابِلِ
وقَرأتُ بخَطِّه لأبي عليّ أيضًا [من الكامل]
أمَّا غَرَاميَ فَهْوَ حيثُ تَرَيْنَهُ … من سُقْمِ جِسْمي واخْتِلَاف عَوَائدِي
أَصْبُو لعَارِضَة النَّسِيم وأنْثَني … ظمآنَ أشْرَقُ بالزُّلَالِ البَارِدِ
وعَجِبتُ من لَيْلي وزَعْمِي طُولَهُ … عَجَبَ الحُلِّيّ (a) من المُعَنَّى الوَاجِدِ
ما طَالَ لَيْلي فيكِ لكن خَالَفَتْ … حَالُ المُسَهَّد فيهِ حَالَ الرَّاقِدِ
стр. 2834
وَقَعَ إليَّ بخَطِّ بعض الحَلَبِيِّيْن كُرَّاسَةٌ من شِعْر أبي عليّ بن المُعَلّم، فاخْتَرتُ منها قَوْله، وكَتَب به إلى الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عَبْد الله بن سِنَانٍ الخَفَاجِيّ يُعَاتبُهُ: [من الكامل]
يا صَاحِبَيَّ وما عَرفْتُ مُصَاحِبًا … إلَّا قضيَّة دَهْره نتَقلَّبُ
أمَّا نَظَرْتَ نظرْتَ صَوْبَ غَمامةٍ … وإذا انْتَجَعْتَ حَيًّا فبرق خُلَّبُ
كالرَّوْضَةِ الغَنَّاءِ عاقَرها النَّدَى … وإذا ظللْتَ بهِ فقَفْر سَبْسَبُ
لا للجميْل ولا لدَفْع مُلمَّة … يوْمًا ولا لسَمَاعِ شَكْوى تَقْرُبُ
لا تَذْكُرَنَّ لي الصَّدِيْقِ فإنَّه … قَوْلٌ يُقَال ومذْهَبٌ مُسْتَغربُ
غزَّتْ مطَالبهُ فأعْوَز نَيْلُه … إلَّا مُنَىً من ضَلّةٍ تتَطَلّبُ
وإذا جَهلْتَ النَّاسَ لَم أَكُ … جَاهِلًا نفسِي ولا من حالها أَسْتَصْعِبُ
عُجَمَاءُ عن فَهْم الجِمِيل وإنَّها … عجْمَاء تُعْربُ في القَبِيْح وتُغْربُ
ومَرِيْضَة الآرَاءِ طَوْع ضلَالها … لا تَعْرْعَوِي جَهْلًا ولا تَسْتَعْتِبُ
وأخٍ على حُكْم الصّفَاءِ تخذتهُ … للأمْر عرف للَّيَالي يعْزُبُ
ضَاقتْ عن الحُسْنَى عَوَارف طَوْله … وثَنَاهُ طَوْعَ هَوَاه قَلْبٌ قُلَّبُ
تَبع اللَّيالِي شِيْمةً وخَلِيْقَةً … وعلى مَذَاهِبها يَجيءُ ويَذْهَبُ
مُتَمرِّض طَوْعَ الحَفِيْظة عَاتِب … ما بتُّ من هَفَواته أتَعَتَّبُ
أُضْحى أَسِيْرَ هَوَاهُ وهو طَليْقُه … وأُجِدُّ وهو بوُدِّه مُتَطرِّبُ
وإذا هَزَزْتَ هَزَزْتَ مَنْ لا يَرْعَوي … وإذا عتَبْت عتَبْت مَنْ لا يُعْتِبُ
أحْنُو عليه بعزَّة مَأْثُورة … عندِي وعَاطِفَةٍ ترقّ وتَعْذُبُ
فإذا جَفَا واصلْتُه وإذا هَفَا … أوجَدْتُه أنّي المُسِيءُ المُذْنِبُ
هذي لعَمْرُكَ يا أُخيَّ سَجِيَّةٌ … فينا ودِينٌ للزَّمَان ومَذْهَبُ
فاعْدِلْ إذا جَارَ الزَّمان وكُن … على حُكْم البَصِيْرة عاذرًا مَنْ تَصْحَبُ
стр. 2835
وَسُم الصَّدِيْق مسَام نَفْسكَ واقْتصِد … فالأمْرُ أيْسَرُ والمنَيَّة أقْرَبُ
ما أجْهَل الأقْوَام جَدُّوا في السُّرَى … طَلَبًا لمَن لا يُسْتَبان فيُطْلَبُ
وأقَلّ تَوْفِيْق الفَتَى مع طَوْلهِ … لا مَوْردٌ عَذْبٌ ولا مُسْتَعذبُ
فإذا عَجِبْت من الزَّمان وأهْلِهِ … فانْظُر بأمْركَ فالقَضِيَّة أعْجَبُ
تَدْعُو إلى الحُسْنَى وأنْتَ مُجانبٌ … أبَدًا لها ولأهْلِها تَتَجَنَّبُ
فاعْذر أخاكَ وكُن بما هذَّبتَهُ … ورجَوْتَ صَالِحَهُ بهِ يتهَذَّبُ
سِيَّان ما أصْبَحْتُما تَرَيانِهِ … شَرَّقْت وهو على هَوَاه مُغَرِّبُ
ومن شِعْره أيضًا [من الطويل]
خَلِيلَيَّ هَلْ مَاءُ العُذَب كعَهْدِهِ … بَرُودٌ وهَل ظِلُّ الأرَاكِ عَلِيْلُ
وكيفَ أعَالي الرَّملِ منذُ تقابَلَتْ … تَمُرُّ عليه شَمْأَلٌ وقَبُولُ
فقَدْ طَالَ عَهْدِي بالدِّيَارِ وأهْلِها … فعَهْدِي ولَيْلي والسِّقَامُ طَويلُ
قِفَا تَعْلَما صَوْبَ الغَمَام فإنَّني … أميْلُ معَ الأشْوَاق حيثُ تَمِيْلُ
ولا تُنْكِرَا أَنَّ الدِّيَار تَنَكَّرَتْ … فَللِشَّوْق فيها والنِّزَاعَ دَلِيْلُ
رسُومٌ تَبقَّاهَا البِلَى لصَبَابَةٍ … تَراجَعُ فيها أو يُبَلُّ غَلِيْلُ
مَوَاثلُ قد عَرَّى الزَّمانُ عِرَاصَها … فما يخْتَفي سُقْمٌ بها ونحُولُ
فيا سَاكني أرْضَ الحِمَى إنَّ جَوَّهُ … رَطِيْبٌ وإنَّ الرِّيحَ فيْهِ بَلِيْلُ
فما لعُيُونٍ تَجتَلِيْهِ مَرِيْضَةٌ … وما لفُؤَادٍ يَطّبِيْهِ عَلِيْلُ
وما لدُمُوع العَاشِقينَ تَجُوْدُهُ … وأقْذَاؤُهَا طَوْع الغَرَام محُولُ
وممّا نَقَلْتُهُ من الجُزءِ المَذْكُور من شِعره: [من البسيط]
عَلَاقَةٌ تَسْتَجِدُّ الشَّوْقَ عارضَةً … وصَبْوَةٌ تَسْتَزِلُّ الحِلْمَ والرّشَدَا
ظللتُ منها على عِلْم وبَيِّنَةٍ … أرَى الغَوَايةَ رُشْدًا والضَّلَال هُدَى
стр. 2836
ومن شِعْره أيضًا منه: [من الطويل]
أَهَجْرًا وقد مالَتْ بكُم غَرْبةُ النَّوَى … وباتَ غُرَابُ البَيْنِ للبَيْنِ يَنْعَبُ
دَعُوا للنَّوَى هِجْرَانَكُمْ وتجنَّبُوا … معَ القُرْبِ منكُمْ أنْ يكُونَ تجنُّبُ
وقال وقد سار مُعِزُّ الدَّولَةِ ثِمَال بن صالح إلى مِصْر ثمّ عاد إلى حَلَب: [من الطويل]
مَضَيْتَ وخلَّفتَ المَطَامِعَ جَمَّةً … تَفِيْضُ وأَبْنَاء الأمَانِي ظَوَامِيَا
وأقبلْتَ إقْبَال السَّحَاب تَبَسَّمَتْ … بَوَارقهُ ثُم انْثَنَيْن بَوَاكِيَا
فما كان ذاكَ العَيْشُ إلَّا تَعِلَّةً … ولا كانت الأيَّامُ إلَّا لَيَالِيا
ولمَّا اسْتَبانَ الرَّأيَ فيها إمَامُها … ولَم يَرَ في كَفّ الحَوَادِثِ كَافِيَا
أعَادَ إلى الطَّرْف المُسَهَّد غُمْضَهُ … وردَّ على مَرْضَى البِلَاد العَوَافِيَا
كان أبو عليّ بن المُعِلّم حيًّا في سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة؛ فإنَّ مُعِزّ الدَّولَة ثِمَالًا عاد إلى حَلَب من مِصْر في هذه السَّنَة، فقد تُوفِّي بعد ذلك.
وَقَعَ إليَّ رسالة للوَزِير أبي نَصْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن النَّحَّاس الحَلَبِيّ، كَتَبَها إلى أبي طَاهِر مُحَمَّد بن الحَسَن المَعْرُوف بالجديّ، وذَكَر فيها أبا عليّ بن المُعَلّم، وقال بعد ذِكْره: وعلى ذِكْره، نَضَّرَ اللّهُ وَجْهَهُ، فعندَ اللّه نحْتَسبُ ذلك الشَّيْخ الجامِعَ لأشْتَاتِ الفَضائِل، وضَرَائِر المَحَاسِن، فلقَد كان أثْبَتَ شُيُوخَ زَمانِهِ فَهْمًا، وإنْ لم يفُتْهُم علمًا، وأقْوَاهُم تَصَوُّرًا ونَفْسًا، وإنْ أَوْفَوا عليه مُطَالعةً ودرْسًا، وأَنَّى لإخْوَانه الغَابِرين بعدَهُ، الّذين لا بُدَّ أنْ يَرِدُوا - وإنْ أنْظَرَهُم الأجَلُ - وردَهُ مثْله، ولا مِثْلَ له طِيْبَ مُعَاشَرةٍ، وحُسْنَ مُذَاكَرَةٍ، وحِفْظًا للغَيْب، ومُثَابرةً على سَتْرِ العَيْب: [من الطويل]
سَقَاهُ ولولا دِيْنهُ وعَفَافُهُ … لقُلْتُ شَآبِيْبَ الشَّرَاب المُشَعْشَعِ
стр. 2837
الحَسَنُ بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن إبْراهيم الحَلَبِيِّ (١)
المعرُوف وَالدُهُ بالعَرِيْف الصَّنَادِيْقِيّ، كان ينزل بُسوق الصّنَادِيْقِيِّيْن بحَلَب، وسَمِعَ بها أبا الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن الطُّيُوريّ العَدْل الحَلبيّ، والشَّيخ أبا عُبيد اللّهِ عَبْد الرَّزَّاق بن عبد السَّلام بن أبي نُمَيْر العَابِد، وسَعِيْد بن يَحْيَى بن الحُسَين بن مُحَمَّد بن الرّبيع بن سِنَان الخَفَاجِيّ، وصالح بن جَعْفَر بن عَبد الوَهَّاب العبَّاسيّ القَاضِي الحَلَبِيّين. وحدَّثَ بشيءٍ يَسِيْر، سَمِعَ منه الشَّيْخُ الفَقِيهُ مُشْرِق بن عَبْدِ اللّهِ العَابِدُ الحَنَفِيّ، والحَسَن بن دَاوُد بن بَابْشَاذ، والحُسَين بن الحَسَن الطَّرَسُوسِيّ وغيرهم، وتُوفِّيَ سَنَة ثمانٍ وعشرين وأرْبَعِمائة أو بعدَها؛ فإنَّهُ حدَّث في هذه السَّنَة.
الحَسَنُ بن أحْمَد بن المُؤَمَّل، أبو مُحَمَّد الكَفْرطَابِيّ (٢)
ذَكَرَهُ الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن في تاريخ دِمَشْق (٣)، بما أنْبَأنَا بهِ القَاضِي أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللّه، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحافِظ، قال: الحَسَن بن أحْمَد بن المُؤَمَّل أبو مُحَمَّد بن الكَفْرطَابِيّ، له ذِكْرٌ.
توفِّي أبو مُحَمَّد بن الكَفْرطَابِيّ، فيما بَلَغَني (٤)، في الثُّلُث من لَيْلَة الأرْبَعَاء (a) لأرْبَع عَشرة لَيْلَةٍ بَقِيَت من رَجَب سَنَة أرْبَعٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة.
стр. 2838
حَسَنُ بن أحْمَد بن يُوسُف الأَوَقِيّ، أبو عليّ الصُّوْفيّ (١)
مَنْسُوبٌ إلى أَوَه (٢)، شَيْخٌ صَالِحٌ وَرِعٌ تَقِيٌّ، مُجْتَهدٌ في العِبَادَةِ، اجْتَمَعْتُ به في البَيْت المُقَدَّس، وشَاهَدْتُ منه وَليًّا من أوْلِيَاءِ الله تعالَى، قد أجْمعَ النَّاسُ كُلُّهُم قَاطِبَةً على خَيْره وصَلَاحهِ، صَائم النَّهَار، قائم اللَّيْل، قد أثَّرت العِبَادَةُ وقيام اللَّيْل في بَدَنهِ، نَحِيْل البَدَن، مُصْفَّر اللَّوْن، ذَابِل الشَّفَتين، مُنْقَطِع إلى اللَّه، مُسْتَغْن عن النَّاس، مُعْرِض عن الدُّنْيا وزُخْرُفها.
دَخَلَ الشّام، ومرَّ بحَلَب مُجْتازًا في طَريقِهِ إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة في سَنَة سَبْعِين وخَمْسِمائَة، في دَوْلة المَلِك الصَّالِح إسْمَاعِيْل بن مَحْمُود بن زَنْكِي.
وأقامَ بالإسْكَنْدَرِيَّةِ، وصَحِبَ بها الحافِظ أبا طَاهِر السِّلَفِيّ، وخَدَمهُ، وسَمِعَ منهُ الكثير، وسَمِعَ من غيره من شُيُوخ الإسْكَندريَّةِ مثل أبي الجُيُوش عَسَاكِر بن عليّ بن نَصْر المُقْرِئ، وأبي المَحَاسِن المُشَرَّف بن مُؤيَّد بن عليّ الهَمْدانِيّ وغيرهم، وكان سَمِعَ بمَكَّة أبا الفَضْل يُونُس بن مُحَمَّد بن بُنْدَار، ورَابَط بعد ذلك بعَكَّا مُدَّةً، ونَزل بالخَضْرَاِء وهي دُوَيْرَة بناها المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن أَيُّوب بعَسْقَلان، ووقَفَ بها الأجْزاء الّتي سَمِعَها، وأقام بها إلى أنْ خُرِّبت، فانْتَقَلَ إلى البَيْت المُقَدَّس، ولَزِمَ المَسْجِد الأقْصَى، وأقام بدُوَيْرَة الصُّوْفيَّة الّتي قِبْليّ المَسْجد إلى جانب المحرَاب، وانْقَطَعَ إلى اللّه تعالَى إلى أنْ سُلّم البَيْت المُقَدَّسِ إلى الفِرِنْج في سَنَة ستٍّ وعشرين، وانْتَقَلَ منه النَّاس، فلم يَبْرح مكانَهُ، ولَزِمَ موضِعَهُ ذلك وعبادَته إلى أنْ أدْرَكَهُ أجَلُهُ، ﵀.
стр. 2839
قرَأتُ عليه الكَثِيْر من مَسْمُوعَاته مُدَّة مقَامي بالبَيْت المُقَدَّس، وكان
وَالدِيّ، ﵀، يَحْضُر معي مَجْلِس السَّمَاع بالمَسْجِد، وذلك في سَنَة تِسْعٍ
وسِتمائة، وكانت تُعْجبُهُ قِرَاءتي الحَدِيْث؛ أوَّل ما حَضَرتُ عنده وطَلبتُ السَّمَاع
منه قال لي: هَاهُنا مَنْ يُحَدِّث غيريّ، فأعَدْتُ الطَّلَب منهُ، فأخْرَج إليَّ جُزءًا، فلمَّا
قرأتهُ مالَ إليَّ وأخْرَج إليَّ جميعَ ما كان عندَهُ من مَسْمُوعَاته، وتطفَّل (a) بذلكَ،
وكان يَجْتَمع معي جَمْعٌ وَافِرٌ للسَّمَاع منهُ، ﵀.
أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَنُ بن أحْمَد بن يُوسُف الأَوَقِيّ بالمَسْجِد الأقْصَى، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد الأصْبَهَانِيّ بالإسْكَنْدَرِيَّة، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه القَاسِم بن الفَضْل بن أحْمَد بن أحْمَد بن مَحْمُودٍ الثَّقَفِيّ رَئيس أصْبَهَان، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمَش الزِّيَادِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن يَعْقُوب الكَرْمَانيّ، قال: حَدَّثَنَا بَحْرُ (b) بن بَحْر الكَرْمَانيّ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زَيْد، عن مُجَالِد، عن الشَّعْبِيّ، عن جَابِر بن عَبْد اللّهِ (١) ﵄، قال: قال رسُول اللّه ﷺ : إنَّكُم اليَوْم على دِيْن، وإنِّي مُكاثرٌ بكمُ الأُمَمَ، فلا تَمْشُوا القَهْقَرَى بَعْدي.
أخْبَرَنا أبو عليّ الأَوَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر الحافِظ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخان: أبو الفَتْحِ مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد بن عليّ الوَكِيل، وعُمَر بن مُحَمَّد بن عِلْكُوَيْه الزَّاهِد، قالا: حدَّثنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عبد الرَّحْمن المُعَدَّل إمْلاءً، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ اللّه بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا هَارُون، قال: حَدَّثَنَا أبو عَامِر العَقَدِيّ، قال: حَدَّثَنَا
стр. 2840
مُحَمَّدُ بن هِلالٍ، عن أَبِيهِ، قال: قال أبو هُرَيْرَة وهو يُحَدِّثنا (١): كان رسُول اللّه ﷺ يَجْلِسُ مَعَنا في المَسْجِد (a) يُحَدِّثُنا، وإذا قامَ قمنَا قيامًا حتَّى نَرَيه قد دخَل بعض بُيُوت أزْوَاجِه، قال: فحَدَثَنا يَوْمًا فقُمْنا حين (b) قام، فنَظَر إلى أعْرَابيّ قد أدْرَكَهُ فَجَبَذَهُ (٢) بردَائهِ فحمَّرَ رَقَبَتهُ. قال أبو هُرَيْرَة: وكان ردَاؤه خَشِنًا، فالْتَفَتَ إلى الأعْرَابيّ فقال له الأعْرَابِيّ: احْمل لي على بَعِيْريَّ هذين، فإنَّك لا تَحْمِل من مالكَ ولا من مال أبيْكَ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : لا، واسْتَغْفِرُ اللّه؛ ثلاثًا، حتَّى تُقِيدَني في جَبْذَتِكَ الّتي جَبَذْتني. قال: فكُلّ ذلك يقُول له الأعْرَابِيّ: لا واللّه لا أُقيدُكَها، قال: فالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إلينا، ونحنُ مثل الخَيْل سُرَاعًا كُلّنا نُبادِر الأعْرَابِيّ أنْ نأخُذَهُ، فقال: عَزَمْت على كُلّ رجُلٍ سَمِعَ صَوْتي وقَوْلي أنْ لا يَبْرَح مقَامَهُ حتَّى آذَنَ لهُ، فقال عُمَرُ: يا رسُول اللّه، ائذَن لي فيه، فقال: لا تَعْجَل يا أبا حَفْصٍ، ثمّ دَعَا رَجُلًا فقال: احْمِلَ له على بَعِيْرَيهِ هذَيْن؛ على بَعِيْر شَعِيْرًا وعلى بَعِيْر تَمْرًا، ثمّ الْتَفَتَ إلينا فقال: انْصَرفُوا على بَرَكَةِ اللّه .
أخْبَرَنا حَسَن بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طَاهِر، قال: قرأتُ على أبي عليّ الحَسَن بن حَمْزةِ بن مُحَمَّد بن عليّ الحَجاليّ بالكُوفَة سَنَة ثمانٍ وتِسْعِين وأرْبَعِمائة، عن أبي الحُسَين مُحَمَّد بن عليّ بن خُشَيْش التَّمِيْمِيّ المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن عليّ بن دُحَيْم الشّيْبَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بنُ أحْمَد بن أبي حِكْمَة التَّمَّار، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن أبي سُلَيم، عن الحَسَن