مُحَمَّد بن عبد الرَّحيم المَازِنِيّ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن القَاسِم الكَوْكَبِيّ، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن أبي العَيْنَاءِ، قال: لمَّا ماتَ الحَسَنُ بن سَهْل، قال أبي: واللَّهِ لئن أتْعَبَ المَادِحين، لقد أطالَ بُكَاءَ البَاكِيْن، ولقد أُصِيْبَتْ بهِ الأيَّامُ، وخرِسَتْ بمَوْتِه الأقْلَامُ، ولقد كان بَقِيَّةً [وفي النَّاس بَقِيَّة] (a)، فيكفَ اليَوْم وقد بادَتِ البَرِيَّة؟.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ سَلامَة في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن سَلامَة بن سَاعِد، أبو عليّ المَنْبِجِي الفَقِيهُ الحَنَفِيُّ (١)
تَفَقَّهَ ببَغْدَاد على القَاضِي أبي عَبْد اللَّه الدَّامَغَانِيّ، وسَمِعَ الحَدِيْث بها من الشَّريف أبي نَصْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الزَّيْنيّ. رَوَى عنهُ الإمَام أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، وهو من بَيْت مَذْكُور من مَنْبِج.
وتَفَقَّهَ عليه أبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن عليّ بن مَنْصُور الوَاسِطِيُّ الحَنَفِيُّ.
أخْبَرَنا الشَّريفُ افْتِخار الدِّين أبو هاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بنُ الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن سَلامَةَ بن سَاعِد الحَنَفِيّ، من أهْل مَنْبج؛ بَلْدَة بالشَّام، بقِرَاءَتي عليه، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الزَّيْنَبِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن المُخَلِّصُ الذَّهَبِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد يَحْيَى بن مُحَمَّد بن
стр. 2977
صَاعِد، قال: حَدَّثَنَا أبو عَمَّار الحُسَينُ بن حُرَيْث المَرْوَزيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَوْسُ بن عَبْد اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَينُ بن وَاقِد، عن عَبْد اللَّه بن بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّهُ قال: اللَّهُمَّ بَارِك لأُمَّتِي في بُكُورها.
أخْبَرَنا أبو هاشِم بن أبي المَعَالِي الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو سَعْد السَّمْعَانيّ ونَقَلْتُه أنا من خَطِّ السَّمْعَانيّ بعد سَمَاعِي من شَيْخنا أبي هاشِم، قال: الحَسَنُ بن سَلامَة بن سَاعِد المَنْبِجِيّ، أبو عليّ، من أهْل مَنْبج، إحْدَى بلادِ الشَّام، ورَدَ بغداد، وتَفَقَّهَ بها على قاضِي القُضَاة أبي عَبْد اللَّهِ الدَّامَغَانِيّ على مَذْهَب أبي حَنِيْفَة ﵀، وبَرَعَ فيه، وسَكَنَ بَغْداد، وتَوَطَّنَها، ثمّ عُدِّلَ، وقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وكان له يَدٌ بَاسِطةٌ في المُتَّفِقِ والمُخْتَلِف، لَقِيتُه في رِباطِ شَيْخنا إسْمَاعِيْل بن أبي سَعْد شَيْخ الشُّيُوخ، أوَّل ما وَردْتُ بغدَاد نَوْبةً وَاحدةً، وقَرَأتُ عليهِ أحَادِيْثَ من الجُزءِ السَّادِسِ من حَدِيْث المُخَلِّصِ عن الشَّريف أبي نَصْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الزَّيْنَبِيّ، وما أَعْرفُ من حَالِه إِلَّا الخَيْر، غيرَ أنِّي سَمِعْتُ بعضَ النَّاسِ يَنْسُبُهُ إلى رَأي الاعْتِزَال، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي سَعْد السَّمْعَانيّ، وأخْبَرَنا بهِ أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: تُوفِّي أبو عليّ الحَسَنُ بن سَلَامَة المَنْبِجِيّ في جُمَادَى الآخرة سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة ببَغْدَاد.
الحَسَنُ بن سَلامَة بن مُحَمَّد، المعرُوف بابنِ الحَلَبِيّ أبو عليّ
الحَرَّانيّ الدَّار، المِصْرِيّ المَوْلد، وإنَّما عُرِفَ بابن الحَلَبِيّ، لأنَّ بعض أجْدَادِهِ خَرَجَ صُحْبَة الحَاجّ على الشَّام، فأقَامَ بحَلَب إلى أنْ عادَ الحَاجُّ، فقَدِمَ حَرَّان معهم، فعُرِفَ بالحَلَبِيّ.
стр. 2978
سَكَنَ أبوه سَلامَة مِصْرَ، ووُلد أبو عليّ الحَسَن هذا له بها، ثمّ خَرَجَ بوَلده هذا إلى بَلْدتِه حَرَّان، فسَكَنَها إلى أنْ ماتَ، واجْتازَ في طَرِيقِه بحَلَب، وسَافَرَ إلى بغدَاد وخُرَاسَان.
وسَمِعَ ببَغْدَاد من أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ قاضي المَارَسْتَان، ومن أبي بَكْرِ مُحَمَّد بن الحَسَن الحَاجِيّ، وغيرهما، رَوَى عنهُ الشَّيْخُ أبو الثَّنَاء حَمَّاد بن هِبَةِ اللَّهِ الحَرَّانيُّ.
حَرْفُ الشِّيْن
فَارِغ
حَرْفُ الصَّادِ في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بنُ صَاحِب بن حُمَيْد الشَّاشِيُّ، أبو عليّ (١)
رَحَلَ إلى الشَّام، والجَزِيْرَة، والعِرَاق، والجِبَال، والأهْوَاز، والحِجَاز، وخُرَاسَان، رحلةً وَاسِعَةً، وسَمِعَ الكَثِيْر؛ سَمِعَ بأنْطَاكِيَةَ دَاوُد بن أحْمَد بن حَيَّان الأنْطَاكِيّ، وقد سُقْنا عنهُ حَدِيثًا في تَرْجَمَةِ دَاوُد بن أحْمَد (٢) فيما يأتي من كتَابنا هذا.
وسَمِعَ إسْحَاق بن مَنْصُور، وعَبْدَة بن سُلَيمان، والحَسَن بن مُحَمَّد بن الصَّبَّاح، وأبا زُرْعَة الرَّازِيّ، وعليّ بن خَشْرَم، وعَمْرو بن عَبْد اللَّه الأوْدِيّ، ومُحَمَّد بن
стр. 2979
عَوْف الحِمْصِيّ، وهُبَيْرَة بن الحَسَن الزَّاهِد، ومُحَمَّد بن عبد اللَّه بن يَزِيد المُقْرِئ، ومُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز الدِّيْنَورِيّ، ويُونُس بن عَبْد الأعْلَى الصَّدَفِيّ، وعِيسَى بن غَيْلان، وغيرهم.
رَوَى عنهُ أبو عليّ النَّيْسَابُوريّ الحافِظ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن عُمَر الجِعَابِيّ الحافِظ، ومُحَمَّد بن المُظَفَّر الحافِظ، ومُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الوَرَّاق، وإبْراهيم بن مُحَمَّدُ بن حَمْزَة الأصْبَهَانِيّ، وعُمَر بن مُحَمَّد بن سَبَنْك (a)، وكان رَجُلًا صَالِحًا ثِقَةً.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْد اللَّه بن عُمَر، وعَبْد الرَّحمن بن عُمَر في كِتَابَيْهما، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر القَزْوِينيّ، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر أنَّ أبَوَي عُثْمان الصَّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، وأبَوَي بَكْر البَيْهَقِيّ والحِيْرِيّ كَتَبُوا إليه، قالوا: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الحافِظُ، قال: الحَسَنُ بن صَاحِب بن حُمَيْد، أبو عليّ الشَّاشِيّ، الرَّجُل الصَّالِح، كَثِيْر السَّمَاع والرِّحْلَة، كتَبَ ببلادِ خُرَاسَان، والجِبَال، والأهْوَاز، والعِرَاقَيْن، والحِجَاز، والشَّام، والجَزِيرَة، عن مثْل عليّ بن خَشْرَم، وإسْحَاق بن مَنْصُور، وأبي زُرْعَة، والحَسَن بن مُحَمَّد بن الصَّبَّاح، وعَمْرو بن عَبْد اللَّه الأوْدِيّ، ومُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن يَزِيد المُقْرِئ، ويونُس بن عَبْد الأعْلَى، ومُحَمَّد بن عَوْف الحِمصِيّ، وكُلِّ من هؤلاءَ من ناحيةٍ أُخْرى، رَوَى عنهُ أبو عليّ النَّيْسَابُوريّ، وإبْراهيم بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الأصْبَهَانِيّ، ومُحَمَّد بن عُمَر الجِعَابِيّ، وهُم حُفَّاظُ الدُّنْيا.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: الحَسَنُ بن صَاحِب بن حُمَيْد، أبو عليّ الشَّاشِيُّ، أحَدُ الرَّحَّالينَ، كَتَبَ ببلادِ خُرَاسَان، والجِبَالِ، والعِرَاق، والحِجَاز، والشَّام،
стр. 2980
وقَدِمَ بَغْدَادَ في سَنَهَ إحْدَى عَشْرة وثَلاثِمائة، وحَدَّثَ بها عن عليّ بن خَشْرَم، وإسْحَاقَ بن مَنْصُور، وأبي زُرْعَة الرَّازِيّ، وعَمْرو بن عَبْد اللَّه الأوْدِيّ، ومُحَمَّد بن عَوْف الحِمْصِيّ، وعَبْدَة بن سُلَيمان البَصْرِيّ، نَزِيلُ مِصْر، وعِيسَى بن غَيْلان، وهُبَيْرَة بن الحَسَن الزَّاهِد، ومُحَمَّد بن عبد العزِيْز الدِّيْنَورِيّ، وغيرهم. رَوَى عنهُ أبو بَكْر ابن الجِعَابِيّ، ومُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الوَرَّاق، وعُمَر بن مُحَمَّد بن سَبَنْك (a)، ومُحَمَّد بن المُظَفَّر، وكانَ ثِقَةً.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد المُؤدِّبُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ (١)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليّ المقرِئ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه النَّيْسَابُوريّ الحافِظُ، قال: سَمِعْتُ عليّ بن بُنْدَار الزَّاهِد يقُول: تُوفِّي الحَسَن بن صَاحِب بالشَّاش سَنَة أرْبَع عَشرة وثَلاثِمائة.
الحَسَنُ بن صَافي بن عَبْد اللَّه، أبو نِزَار بن أبي الحَسَن النَّحْوِيَّ البَغْدَاديّ، مَوْلَى حُسَيْن ابن الأُرْمَوِيّ التَّاجر، ويُعْرَفُ بمَلِك النُّحَاةِ (٢)
فَقِيْهٌ، نَحْويٌّ، لُغَويٌّ، شَاعِرٌ، نَاثِرٌ، حَسَن الشِّعْر والرَّسَائِل، عَارِفٌ بالنَّحو واللُّغَة، وله مُصَنَّفات في كُلِّ فَنّ منها، وله مَسَائِل أَمْلَاها في عِلْم النَّحو وغيره.
стр. 2981
كان أبوه مَوْلَى حُسَين المَذْكُور، ووُلد أبو نِزَارِ ببَغْدَاد، ونَشَأ بها، واشْتَغَلِ بالفِقْه على الشَّيْخ أحْمَد الأَشْنَهِيّ، وعلى أبي الفَتْح بن بَرْهَان، وأسْعَد المِيْهَنِيّ، وسَمِعَ الحَدِيْث من أبي طَالِب الزَّيْنَبِيّ.
وقَرأ النَّحو على أبي الحَسَن عليّ بن أبي زَيْد الفَصِيْحِيّ، ومَهَرَ فيه، ولَقَّبَ نَفْسَهُ مَلِك النُّحَاة، وتَصَدَّر للإِفَادة ببَغْدَاد، وأخْبَرَني مَنْ أثقُ به أنَّهُ قَرَأ بخَطِّه على كتابٍ بوَقْف المَدْرَسَة النِّظَاميَّة: وكَتَبَ أبو نِزَار ملكُ العُلَمَاء عُمُومًا، والنُّحَاة خُصُوصًا.
وسَافر من بغداد إلى خُرَاسَان، وكَرْمَان، وغَزْنَة، ودَخَل إلى مَلِك غَزْنَة وأكْرَمَهُ واحْتَرَمَهُ، ثمّ قَدِمَ حلَبَ، وأقام بها مُدَّةً، وكان يُقْرئ بها الأدَبَ بالمَسْجِد الجامع، وقرأ عليه بهِا أبو المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيّ، وأَبو طَالِب الحُسَين بن مُحَمَّد بن أَسْعَد بن الحَلِيم وغيرهما.
وكان بينه وبين أبي الحُسَين بن مُنِير بها مُهَاجَاة ومُهَاتَرَة، واتَّصَل بالمَلِك العَادل أبي القاسِم مَحْمُود بن زَنْكِي وكان يُكْرمهُ ويُحْسن إليهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى دِمَشْق، وسَكَنَها إلى أنْ ماتَ بها.
رَوَى عنهُ الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن، وذَكَرَهُ في تَارِيْخهِ (١)، ورَوَى عنهُ أبو بَكْر عَبْد اللَّه بن مَنْصُور بن عِمْران البَاقِلّانِيّ الوَاسِطِيّ، وقرأ عليه عليّ بن
стр. 2982
الحَسَن بن عَنْتَر المَعْرُوف بشُمَيْم الحِلِّيّ، وسَلَكَ طَرِيقَتَهُ في التَّرَفُّع على النَّاس والتَّعَظُّم.
رَوَى لنا عنْهُ الشَّريف أبو المحاسِن الفَضْل بن عَقِيل بن عُثْمان العبَّاسيّ، والقَاضِي أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن الشِّيْرَازيّ الدِّمَشقيَّان شَيئًا من شِعْره بدِمَشْق. وكان شَرِيْف النَّفْس، صَحِيْح العَقِيْدَة، عَفِيْفًا، نَزِهًا عن الدَّنَايَا.
قال لي القَاضِيِ شَمْس الدِّين أبو نَصْر (a) مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن مُحَمَّد بن مَمِّيْل الشِّيْرَازيّ، قاضي دِمَشْق (١): كان مَلِكُ النُّحَاةِ حَسَن العَقِيْدَة، عَفِيْفًا، وسَمِعْته يقُول وأشَارَ إلى لحيَتهِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَم أنِّي زَنَيْتُ زَنْيَةً في الإسْلَام فلا تَغْفِر لهذه الشَيْبَةِ.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلب بن الفَضْل الهاشِمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن أبي بَكْر السَّمْعَانيّ، قال: الحَسَنُ بن أبي الحَسَن أبو نِزَار المُلَقَّب بحُجَّة العَرَب ومَلِك النُّحَاةِ، من أهْلِ بَغْدَادَ، وأظُنُّ أنَّه وَاسِطِيٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ، أحَدُ الفُضَلَاء المُبرّزين، وكان حَسَن الشِّعْر، مَتِيْن اللَّفْظ، سَافر عن بَغْدَاد، وتَغَرَّب، وانْتَشَر ذِكْرُه في الآفاق، ودَخَل بلاد: غَزْنَة (b)، وكَرْمَان، ولم يَدْخُل بلاد خُرَاسَان، وانْصَرَفَ إلى كَرْمَان وخَرَجَ منها إلى الشَّام، وقيل: إنَّهُ بها السَّاعَة، ولَقِيَ الأكَابِر، ولُقِّي مَوْردُه بالإكْرَام.
أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان ابن البَانِياسِيّ كتابةً، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: الحَسَنُ بن أَبي الحَسَن،
стр. 2983
واسْمُ أبي الحَسَن صَافِي، مَوْلَى حُسَيْن ابن الأُرْمَوِيّ التَّاجر، أبو نِزَار البَغْدَاديّ المَعرُوف بمَلِكِ النُّحَاةِ.
ذَكَرَ لي أنَّهُ وُلِدَ ببَغْدَاد في سَنَة تِسْعٍ وثمانين وأرْبَعِمائة، في الجانب الغَرْبيّ، في مَحَلّةٍ تعرف بشَارِع (a) دَار الرَّقِيْق، ثمّ نقل إلى الجانب الشَّرْقيّ من بغداد إلى جوار الخِلَافَة (b) المُعَظَّمة، وهناك قَرَأ العِلْم (c)، وسَمِعَ الحَدِيْث من أبي طَالِب (d) الزّيْنَبِيّ، وقَرَأ عِلْم المَذْهَب على الشَّيْخ أحْمَد الأَشْنهِيّ، وقَرا عِلْم أُول الدِّين على الشَّيْخ أبي عَبْد اللَّهِ المَغْرِبيّ القَيْرَوانِيّ، وقَرأ أُصُول الفِقْه على الشّيْخ أبي الفَتْح بن بَرْهَان، وقَرَأ عِلْم الخِلَاف على الشَّيْخ الإمَامِ أَسْعَد المِيْهَنيّ، وقَرأ النَّحو على الشَّيْخ أبي الحَسَن عليّ بن أبي زَيْد الفَصيْحِيّ الإِسْتِرَابَاذِيّ، وقرأ الفَصِيْحِيُّ على عَبْد القَاهِر الجُرْجَانِيّ، وفُتِحَ له الجَامعُ ودرَّس فيه، ثُمَّ سَافَرَ إلى بِلَادِ خُرَاسَان وكَرْمَان وغَزْنَة، ثمّ دخَل إلى الشَّام، وقَدِمَ دِمشْق ثمّ خَرَج منها، ثمّ عاد إليها، واسْتَوْطَنها إلى أنْ ماتَ بها.
وذَكَرَ لي أسْماء مُصَنَّفاته: الحَاوِي في عِلْم النَّحو، مُجَلَّدَتان، العُمَد (e) في عِلْم النَّحو؛ مُجَلَّدة، المُنْتَخَب في عِلْم النَّحو، وهو كتابٌ نَفِيْسٌ، مُجَلَّدة، المُقْتَصِد في عِلْم التَّصْرِيْف، مُجَلَّدةٌ ضَخْمةٌ، أُسْلُوب الحَقّ في تَعْلِيل القِرَاءَات العَشْر وشَيء من الشَّوَاذّ؛ مُجَلَّدتان، التَّذْكِرَة السَّفريَّة، انْتَهَتْ إلى أرْبعمائة كُرَّاسَة، العَرُوض؛ مُخْتَصرٌ مُحَرَّر، مُصَنَّفٌ في الفِقْه على مَذْهَب الشَّافِعيّ حَمَّاهُ الحاكِم، مُجَلَّدَتان، مُخْتَصرٌ في أُصُول الفِقْه، مُخْتَصرٌ في أُصُول الدِّين، دِيْوَانُ مَجْمُوعٌ من شِعْره (١)، من جُمْلَته ما أنْشَدَني لنفسِه يَمْدَحُ سَيِّدنا مُحَمَّدًا رسُول اللَّه ﷺ .
стр. 2984
قُلْتُ: وقَرَأتُ هذه الأبْيَات بخَطِّ أبي نِزَار مع المُقَطَّعات الأرْبَعة الّتي تأتي بَعْدها، في مَدْح النَّبِيّ ﷺ (١): [من البسيط]
للَّه أخْلَاقُ مَطْبُوع على كَرَم … ومَنْ به يَشرُف العَلْيَاءُ والكَرَمُ
أَغَرَّ أبْلَجُ يَسْمُو عن مُسَاجَلةٍ … إذا تُذُوْكِرَت الأخْلَاق والشِّيَمُ
سَمَتْ عُلَاكَ رسُولَ اللَّهِ فارْتَفَعَت … عن أنْ يُشِيْر إلى إثْبَاتها قَلَمُ
يا مَنْ رَأى المَلأَ الأَعْلَى فَرَاعَهُمُ … وعَادَ وهو على الكَوْنَين يَحْتَكمُ
يا مَنْ لهُ دَانَت الدُّنْيا وزُخْرِفَت … الأُخْرى ومَنْ بعُلَاه تَفْخَر النّسَمُ
يا مَنْ به عادَ وَجْهُ الحَقّ مُتَّضحًا … من بَعْد أنْ ظُوْهرَتْ بالبَاطِل الظُّلَمُ
ومَنْ تواضَعَ جِبْريل الأَمِينُ لهُ … ودُوْنَ حَقّ نُهَاه هذه القسَمُ
عَلَوْتَ عن كُلّ مَدْح يُسْتَفاض … فما الجَلَال إلَّا الّذي تَنْحُوه العِظَمُ
على عُلَاكَ سَلَامُ اللَّه مُتَّصِلًا … ما شِئْتَ والصَّلَوَاتُ الغُرّ تَبْتَسِمُ
وقَرأتُ بخَطِّه، وقال الحافِظُ (٢): وأنْشدَني في مَدْحهِ ﷺ : [من البسبط]
يا قَاصِدًا يَثْرِب الفَيْحَاء مُرْتَجيًا … أنْ يَسْتَجِيْر بعَلْيَا خَاتِم الرُّسُلِ
خُذْ عن أخيْك مَقَالًا إنْ صَدَعْتَ … بهِ مُدحْتَ في آخر الأعْصَار والأُوَلِ
قُلْ يا مَن الفَخْر مَوْقُوفٌ عليهِ فإنْ … تُذُوْكِرَ الفَخْرُ لَم يَصْدفْ ولَم يَمِلِ
صِيْتٌ إذا طُلبَتْ غَايَاتُهُ خَرَقَتْ … سَبْعًا طِبَاقًا فبذَّت كُلّ ذي أمَلِ
عَلَوْتَ وازْدَدْتَ حتَّى عادَ مُمْتَدِحًا (a) … جِبريل عمَّا له قد كان لَمْ يَطلِ
стр. 2985
وعُدْتَ والكِبْرُ قد نَافَى عُلَاكَ فَما … عدَوْتَ شِيْمة سَبْطِ الخَلْق مُبْتَهِلِ
أتَتْكَ غرُّ قَوَافي المَدْح خَاضِعَةً … لدَيْكَ فاقْبَل ثَنَاءً غيرَ مُنْتَحَلِ
ثَنَاءَ مَنْ لَم يَجِدْ وَجْنَاءَ تَحْمِلُه … إليكَ أو صَدَّ بالاقتَارِ عن جَمَلِ
صَلَّى عليكَ إلَهُ العَرْش مُشْتَملًا … عليكَ يا خَيْرَ ما حافٍ ومُنْتَعِلِ
قال (١): وأَنْشَدَنا يَمْدَحُهُ ﷺ ، وهِي أيضًا ممَّا قَرأتُه بخَطِّ أبي نِزَار: [من البسيط]
مَنْ حَامِل عن أخيه بَسْطَ (a) مَألُكةٍ … يهُذُّها (b) أنْ أُفيْضَ القَالُ والقيْلُ
يقُولُ والحُجُراتُ الغُرُّ تَسْمَعُهُ … والوَفْد كُلٌّ بما يَعْنِيْه مَشْغُولُ
هل سَامِعٌ يا رسُولَ اللَّهِ أنْتَ لمن … ولاؤُهُ لكَ مَرْويٌّ ومَنْقُولُ
بلَغْتَ من غايةِ الإكْرَام مَنْزِلةً … عنها أُعِيْدَ الأَمِينُ الرُّوْحُ جِبْرِيلُ
فعَادَ مَنْ رَام كُفْوًا من مَدَائِحِهِ … يَزْهَى ومِقْوَلُهُ بالعَجْزِ مَفْلُولُ
فاقبَلْ إليكَ اخْتِصَارًا عُذْرَ قَائلِهِ … إِنَّ حَقُّ مَدْحِكَ لَم يَبْلُغْهُ تَطْويلُ
وَلْتُرضِكَ الصَّلَوَاتُ الغُرُّ دَائمةً … يَزِيْنُ أَمْرَاطَها ما شِئْتَ تَرْفيلُ
قال (٢): وأنْشَدَنا في مَدْحِهِ ﷺ ، وهي مما نَقَلْتُهُ من خَطِّه: [من المنسرح]
يا خَاتِم الأنْبِياء قَاطِبَةً … أتَاكَ لفْظُ الثَّنَاءِ يَسْتَبقُ
كُنْت نَبِيًّا وطينْ آدَمَ مَجْبُولٌ … وتلك الأنْوَار تَأتلِقُ
وعُدْتَ فينا تَدْعُو (c) إلى سُبُلِ الحَقِّ … فقَدْ أُوْضِحَتْ بكَ الطُّرُقُ
стр. 2986
فارْقَ عليك السَّلَامُ مَرْقبةً … مصْبَحُها في العَلَاءِ تغْتَبَقُ
واشْفَعْ لمَنْ عَادَ في وَلائكَ مَشْـ … ــفُوعَ القَوَافي تُتْلَى فَتَتَّسِقُ
مِرْطُ (a) أُلَيْفَاظِهِ الَّتي انْتَظَمَتْ … يطِيْب علْيَاك في الوَرَى عَبِقُ
تَضُوع من مَجْدِك الأَثيل إذا … اسْتُقبِض ذِكْر أطْيب فيُنْتَشَقُ
قال (١): وأَنْشَدَنا في مَدْحِهِ ﷺ ، وهي ممَّا نَقَلْتُه من خَطِّ أبي نِزَار: [من الطويل]
رَأى البَرْقَ عُلْويَّ (b) الوَمِيْضِ فأنْجَدَا … وأصْدَرَ ركبٌ بالعَقِيْق فأنْجَدَا (c)
وما بَرحَتْ أنْبَاءُ ميَّةَ غضَّةً … لديهِ إلى أنْ جَارَ بالرَّكْب (d) واعْتَدَى
رَأى الشِّيْحَ مَمْطُورًا فَمَالَ بِظِلِّهِ … ومَدَّ إلى أطْرَاف طُرَّتِهِ يَدَا
أمَالَ إلى خَفْقِ النَّسِيم بِجَانِبي … عُطَالَةَ لمَّا مَرَّ فاسْتَنْزلَ النَّدَى
أُشَيْعِثُ (e) مِقْلَاقُ الوَضِيْن يَهُزُّهُ … إلى البَانِ وَجْدٌ لا يَزَالُ مُؤَبَّدَا
تَذَكَّر عَهْدًا كاظِميًّا وقَلَّ ما (f) … تَذَكَّر مَجْهُولُ المَعَارِف مَعْهَدَا
ولكنَّهُ ممَّن إذا انتسَبَ احْتَبَى … لفَخْرٍ وإنْ جَاثَاهُ (g) ذو القُوَّةِ انْتَدَى
ومَوَّارُ رَحْلِ النِّضْوِ مُنْتَصِبُ القَرَا … تَرَاهُ كما أفضَيْتَ (h) سَهْمًا مُسَدَّدا
تُنَاقِضُهُ معرُوبَةٌ (i) كُلَّمَا ونَتْ … أرَاهَا مُلَوَّى الجَانِبَيْنِ مُقَدَّدَا
يَهُزُّ إلى أعْلَامِ يَثْرِبَ هِمَّةً … كما هَزَّ ذِمْرٌ (j) يَوْمَ حَرْبٍ مُهَنَّدا
إذا زارَ مَفْتُونٌ بدُنْياه مَالِكًا … يُؤَمِّلُهُ زَارَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا
стр. 2987
ألَا دَيِّمُوا مُوْقَ الهُدَى بَاهِرَ العُلَى … كَرِيمَ العُرَى طَلْقَ النَّقِيْبَةِ أَوْحَدا
إذا المَلَأُ الأعْلَى تَنَاجُوا بذِكْرِه … ورَامُوا هُدَاهُ كان منهُ لهُمْ هُدَى
إِلَيكَ رسُولَ اللَّهِ (a) يَمَّمْتُ نَاظِمًا … قَوَافيَ ما يَمَّمْنَ غيرَكَ مَقْصَدَا
تَعَاوَضْنَ (b) ممَّن لم يَزَل مُتَقَرِّبًا … إليكَ بمَدْحٍ لا يَزَالُ مُخَلَّدا
وحَاشَاكَ يا رَبَّ العُلَى أنْ تَرُدَّهُ … بغَيرِ الّذي سَامَى لَهُ وتَرَدَّدَا
وقد وَأَبيْكَ الخَيْرِ شرَّفْتُ مَنْطِقي … بذِكْرِكَ واسْتَبْقَيْتُ (c) مَجْدًا وسُؤدَدَا
فصَلَّى عليك اللَّهُ ما شِئْتَ هَادِيًا … وشَاءَ وما اسْتَصْرفْتَ عن مُؤْمِنٍ رَدى
أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ، قال: أَنْشَدَنِي أبو بَكْر عَبْدُ اللَّه بن مَنْصُور بن عِمْران البَاقِلَّانِيّ بوَاسط من لَفْظه، قال: أَنْشَدَنِي أبو نِزَار النَّحْوِيّ لنَفْسِه يَرْثِي أَمِيرَ المُؤْمنِيْن المُسْترشِد باللَّه: [من الطويل]
مَنِ النَّافضُ البَيْدَاءَ واللَّيْلُ دَامِسٌ … عليهِ كُلُوْحٌ ظَاهِرٌ (d) وقُطُوبُ
يَغَارُ إذا لَم تَهْجُر الشَّمْسُ ضَوْءَها … ولم تَبْدُ منها رَنَّةٌ ونَحِيْبُ
نَعَى مِن بَنِي العبَّاسِ أَرْوَعَ مَاجِدًا … كَفَاهُ تُرَاثًا بُرْدَةٌ وقَضيْبُ
أَنْشَدَنِي الشَّريفُ أبو المَحَاسِن الفَضْل بن عَقِيل الدِّمَشقيّ العبَّاسيّ، قال: أَنْشَدَنِي مَلِكُ النُّحَاةِ أبو نِزَار الحَسَنُ بن أبي الحَسَن البَغْدَاديّ الشَّافِعِيّ لنَفْسِه (١): [من الرجز]
أَتُنْكرينَ الحقَّ أُخْتَ دَارِم … إذا أَصَخْتِ لمَقَالِ عَالِمِ
стр. 2988
سَألْتِني عنِ العُلَى وأَهْلِها … فلم أكُنْ يا هَنَتَا بكَاتِمِ
لِلعَرَبِ الفَخْرُ القَدِيمُ في الوَرَى … فأَعْرِضي عن نَبَأ الأعَاجِمِ
هُم الّذينَ سَبَقُوا إلى العُلَى (a) … فَهْوَ لَدَيْهمْ قَائمُ المَوَاسِمِ
وإنَّهُم إنْ نَهَضُوا لغَارَةٍ … شَنُّوا على أُسْدِ الشَّرَى الضَّرَاغِمِ
وزَحْزحُوا كِسْرَاهُمْ عن مُلكِهِ … بالمشْرَفيَّاتِ وباللَّهَاذِمِ (b)
أَنْشَدَنِي القَاضِي شَمْس الدِّين أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن الشِّيْرَازي بدَارهِ بدِمَشْق، قال: أَنْشَدَنِي مَلِكُ النُّحَاةِ لِنَفْسِه أَبْيَاتًا يَصِفُ فيها امْرأةً، قال: وشَذَّ بَعضُها عن خَاطِري منها (١): [من المنسرح]
جَارِيَةٌ كُلَّما خَضَعْتُ لها … قالَتْ عَدِمْتُ النُّحَاةَ والشُّعَرَا
طَوِيلَة القَدِّ واللِّسَانِ فما … أدْرِي أَأَهْجُو أم أمْدَحُ القِصَرَا
أَحْسَنُ منها عندي مُدَقَّقَةٌ … سَاذِجَةٌ لوْزُها قد انْقَشَرَا
فاللّبَنُ الفَارسِيُّ أضْرَسَنِي … والكَشْكُ في ذَا الدِّيَار قد كَثُرَا
أَنْشَدَنِي الشَّريفُ أبو المَحَاسِن العبَّاسيّ إمْلاءً من لَفْظه، بمَنْزِله بدِمَشْق، قال: أَنْشَدَنِي مَلِكُ النُّحَاةِ لنَفْسِه في عَلَم المُلْك ابن النَّحَّاس، وقد قَدِمَ دِمَشْق رَسُولًا إلى المَلِك العادِل نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي من المِصْرِيِّيْن، فقُتِلَ الصَّالِح بن رُزَّيْك، وبقي عَلَم المُلك ابن النَّحَّاس مُدَّةً بدِمَشْقَ ليسَ له شيءٌ ونُور الدِّين يقُومُ به، فسَألَ في تلك المُدَّة مَلِكَ النُّحَاةِ أنْ جمعَ له مُقدِّمَةً في النَّحو، فَجَمَعَها وأنْفَذَها إليهِ، وكَتَبَ على وَجْهها: [من مجزوء الرجز]
يا عَلَمَ المُلْك افْتَخِرْ … بهذِهِ المُقدِّمَهْ
ولا تَقُلْ فيما أَمَرْ … تُ لِافْتِخَارٍ وَلِمَهْ
стр. 2989
فإنَّني أفصَحُ … مَنْ فَاهَ وأَجْرَى قَلَمَهْ
قُسٌّ إذا عَايَنني … خَيَّطَ بالعِيّ فَمَهْ
ولو رَأيْتُ سِيْبَوَيْـ … ـــهِ قُلْتُ: يَا نَحْوِيُّ مَهْ
والشِّعْرُ لا يَسْتَطِيعْ ما … أقُولُ منهُ علْقَمَهْ
والفِقْه قد فُقْتُ لعَمْـ … ـرو اللَّهِ فيهِ أُمَمَهْ
أَنْشَدَنِي رَجُل من أهْلِ الأدَب، وقال: كان مَلِكُ النُّحَاة يَهْوى امْرأة كانت له، فطلَّقها، فسُئِلَ: كيفَ حَالَهُ بعدَها؟ فأنْشَدَ لنَفْسِه (١): [من الطويل]
سَلَوتُ بحَمْدِ اللَّه عنها وأصْبَحت … دَوَاعي الهَوَى من نَحْوها لا أجيْبُها
على أنَّنِي لا شَامِتٌ إنْ أصَابَها … بَلَاءٌ ولا رَاضٍ بوَاشٍ يَعِيْبها
سَمِعْتُ قاضِي القُضَاة أبا المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم، بقَرْيَة المِزَّة، قال: كان شَيْخُنا ابن المُنَقِّي رَجُلًا يُنَقِّيِ الحِنْطَة، فاشْتَغَل بالنَّحو وحَفِظَ سِيْبَوَيْه، ومَهَرَ في عِلْم النَّحو وبرَّزَ فيه حتَّى تَصَدَّر لإفَادته، وكان بينَهُ وبين مَلِك النُّحَاةِ مُنَاظَراتٌ في عِلْم الأدَب، وعند كُلّ واحِدٍ منهما من التَّعْظِيم والتَّفْخيم لأمْره شيءٌ كَثِيْرٌ، فأدَّى ذلك إلى أنْ صار بينهما عَدَاوَةٌ وإحَنٌ ومُهَاجَاةٌ، قال: فعَمِل مَلِكُ النُّحَاة في ابن المُنَقِّي: [من المنسرح]
ابن المنُقِّي نَقَاوَةَ السِّفَلِ … خُزِيْتَ يا ابنَ اللِّئَامِ من رَجُلِ
قال: وكان ابنُ المُنَقِّي ضَخْمًا أَيَّدًا، وكان مَلِكُ النُّحَاةِ يَخَافُ منه أنْ يَضْربَهُ، فَجَمعَ بينهما تَاجُ الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ وأصْلَح بينهما، وتَعَانَقا، وقَبَّل كُلُّ واحِدٍ منهما صَاحِبَهُ، وجَلَسَا عندَهُ بعد الصُّلْح، فقال ابنُ الشَّهرَزُورِيّ، أو غيره: مِمَّن
стр. 2990
نَأْكُل حَلَاوةَ الصُّلْح؟ فقال مَلِكُ النُّحَاة: منهُ، وأشَارَ إلى ابن المُنَقِّي، فقال ابنُ المُنَقِّي في الحال: نَعَم (١): [من السريع]
هَدِيَّةٌ منِّي لمَلِك النُّحَاة … رِيْح شُنَاج يَحْتَويها خُصَاهْ
لا عَسَلٌ عندي ولا سُكَّر … فليعْذر الشَّيْخ ويَأكُل خَرَاه
قال: فلمَّا قال: ويَأكُل، صَاح فيه مَلِكُ النُّحَاةِ وقال: بَسّ! لا تَزِد على هذا.
أخْبَرَني تَاج الدِّين أبو المَعَالِي الفَضْل ابن شَيْخنا أبي هاشِم بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَني الوَجِيْهُ بن عِيسَى المُحَنَّك، ح.
وأخْبَرَني بَهَاء الدِّين أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إبْراهيم بن الخَشَّاب، قال: أخْبَرَني الشَّريفُ أبو جَعْفَر عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد الهاشِميّ، قال: كان لمَلِك النُّحَاة بحَلَب تِلْمِيْذ يقال له الذُّبَابُ، وكان رَاويَة شِعْره، وكان أبو الحُسَين بن مُنِير كَثِيْرًا ما يَمْزَحُ معه إذا لَقِيَهُ ويقُول له: أيْش خَرِيَ المَلِكُ على لسَانك اليَوْم وما يُشْبه ذلك! وكان بين مَلِك النُّحَاة وبين ابن مُنِير مُهَاجَاةٌ، فمَرَّ الذُّبَاب يَوْمًا بابن مُنِير وهو جَالِسٌ على حَانُوْت بباب الجامع الغَرْبيّ تجاه مَدْرَسَة الحَلاوِيِّين، وكان يَجْلِسُ بها كَثِيْرًا عند خَيَّاطٍ بها، وبيَده قَضِيْبٌ يَعْبَثُ بهِ، فقال ابنُ مُنِير لرَاويةِ مَلِك النُّحَاة: إيْهٍ، أيْش عَمِل المَلِكُ اليَوْم؟ فقال له: ما تُريد أنْ تَسْمَع؟! فقال: لا بُدَّ، فقال: اتْركني باللَّهِ، فقال: لا بُدَّ أنْ تقُول، فقال: قال فيك: [من السريع]
لبُغْضِكَ الصِّدِّيْقَ يا ذَا الخَنَا … تَقْدَحُ في كُلِّ أبي بَكْرِ
يُعَرِّضُ بأَنَّهُ يَهْجُو مَجْد الدِّين أبا بَكْر ابن الدَّايَة، وكان نائب نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي بحَلَب، وكان مَبْسُوط اليد فيها، قال: فألْقَى ابن مُنِير القَضِيْبَ
стр. 2991
من يَده وقال: لَعَنَهُ اللَّهُ، ولعَنَ سَاعةً عَرَفْناهُ فيها، وقامَ من وَقْته. وكان ابن مُنِير شِيْعِيّ المَذْهَب.
أخْبَرَني الشَّريفُ أبو الحُسَين عليّ بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن النَّاصر الحُسَيْنيّ الحَلَبِيّ بها (١)، قال: أخْبَرَني جَدِّي لأُمِّي الشَّريفُ أبو جَعْفَر عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهاشِميّ العبَّاسيّ، والحَاجِيّ أبو غَانِم النَّجَّار الحَلَبِيّ، قالا: اجْتَمَع أبو الحُسَين بن مُنِير ومَلِكُ النُّحَاة أبو نِزَار بحَلَب، وقد خَمَشَ قِطٌّ مَلِكَ النُّحَاةِ في يَدِه، فسَألَهُ ابن مُنِير، فقال: ما هذا في يَدك؟ فقال: خَمَشَنِي قِطٌّ، فأنْشَدَه ابنُ مُنِير (٢): [من المتقارب]
عَتَبْتُ على قِطّ مَلِك النُّحَاةِ … وقُلْتُ أتَيْتَ بغير الصَّوَاب
جَرَحْتَ يَدًا خُلقَتْ للنَّدَى … وبَذْلِ الهِبَاتِ وضَرْب الرِّقَاب
قالا: فهَشَّ أبو نِزَار لهذين البَيْتَيْن، وجَعَل يَشْكُر ابنَ مُنِير، فأنْشَدَه بَيْتًا ثالثًا وهو:
فقال لي القِطُّ (a): وَيْكَ اتَّئِدْ … ألَيْسَ القِطَاطُ عُدَاةُ الكِلَاب
قالا: فلمَّا سَمِعَ مَلِكُ النُّحَاة البَيْتَ الثَّالث شَتَمهُ، وأخَذَ السَّيْفَ وقامَ إليه ليَضْربه فانْهَزَم من بين يَدَيْهِ.
ويُرْوَى أوّل البَيْت الثَّاني:
خَمَشْتَ يَدًا خُلِقَتْ للنَّدَى
стр. 2992
وذَكَرَ لي بعضُ الأُدَبَاءِ أنَّ هذه الأبْيَات الثَّلاثَة لوُحَيْش الشَّاعِر الدِّمَشقيّ في مَلِك النُّحَاةِ، قال: ولمَّا أنْشَدَهُ البَيْت الثَّالثَ قامَ إليه بالسَّيْف، فقال له وُحَيْشٌ وهو مُنْهزمٌ بينَ يَدَيْهِ: أنا ما قُلْتُ، القِطُّ قال!.
وقال لي نَجِيْبُ الدِّين أبو الفَتْح نَصْر اللَّه بن أبي العِزّ بن الصَّفَّار: إنَّ فِتْيَان الشَّاغُورِيّ ذَكَرَ له أنَّ هذه الأبْيَات له في مَلِك النُّحَاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو المَحَاسِن الفَضْل بن عَقِيل بن عُثْمان العبَّاسيّ الدِّمَشقيّ قال: كُنْتُ أصْحَبُ مَلِك النُّحَاة، وكان قد قَرأ الفِقْه على الشَّيْخ أَسْعَد المِيْهَنِيّ، وكان بدِمَشْقَ رَجُلٌ يُقال له بسْخَاذ، فحَبَسهُ القَاضِي كمال الدِّين أبو الفَضْل ابن الشَّهْرَزُورِيّ، فمَضَى مَلِكُ النُّحَاة وأنا معه ليَشْفَع في بسْخَاذ إليه، وكان قد صَحِبَ ابن الشَّهْرزُوريّ في القرَاءة على أَسْعَد المِيْهَنِيّ، فلم يَقْبَل شَفَاعَتَهُ، فاتَّكَأَ مَلِكُ النُّحَاة على يَدي وهو خارج وقد غَضِبَ لردِّه شَفَاعَته، وقال وهو خَارِجٌ: لَسْتَ واللَّه رَفِيْقي، وحَرِمَ الشَّيْخ أَسْعَد (١).
سَمِعْتُ كَمَال الدِّين مُحَمَّد بن طَلْحَة النَّصِيْبِيّ قال: سَمِعْتُ شُمَيْم الحِلَّوِيّ (a)، يَقُول: كُنْتُ أقْرأُ على مَلِك النُّحَاةِ، فاتَّفَقَ يَوْمًا أنْ كان عندَهُ جَمَاعَة يَقْرأون عليه شَيئًا من النَّحو، فَجَرَى بَحْثٌ، فقُلتُ: قال أبو عليّ الفَارسِيّ فيها كذا، وقال ابنُ جِنِّي كذا، فقال: وأيْش كان ذلك الكَلْب أبو عليّ الفَارسِيّ، وأيْش كان ذلك الكَلْب ابن جِنِّي؟! قال شُمَيْمٌ: فتقدَّمْتُ إليه وقُلْتُ له: يا سَيِّدنا، هؤلاءِ هُمْ عُلَماء
стр. 2993
النَّحو وكُبَرَاؤُه، فإذا قُلْتَ إنَّهم كِلَابٌ، وأنْتَ تُدْعَى مَلِكَ النُّحَاة؛ فتَصِيْر إذًا ملكَ الكِلَاب لا مَلِك النُّحَاةِ! قال: فقال لي: واللَّه صَدَقْتَ؛ هؤلاءِ هُم عُلَماءُ النَّحو، قال: فلم أسْمَع منه بعدَ ذلك مثْل هذا الكَلَام.
سَمِعْتُ شَيْخ الشُّيُوخِ شَرَف الدِّين عَبْد العَزِيْز بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ يَقُول: سَافرَ مَلِكُ النُّحَاةِ إلى غَزْنَة، وأرادَ أنْ يجتمع بمَلِك غَزْنَة، فقيل له: إنَّ مَلِك غَزْنَة يَجْلِسُ على سَرِيرٍ عالٍ، ويَجْلِسُ وَزِيره بجنْب السَّريْر، ولا يَقْعُد أحدٌ إلَّا تحتَ الوَزِير، فقال: مُبَارَك، فأُذِنَ له فدَخَل إلى مَلِك غَزْنَة، وجاءَ إلى السَّريْر وكان طَويْل القَامَة، فوَضَع رِجْلَهُ على المَسْنَد الّذي إلى جانب الوَزِير وتعلَّق في السَّريْر ليُقَبِّل يَدَ مَلك غَزْنَة، فتحرَّكَ له مَلِكُ غَزْنَة، فقال: أيُّها المَلِكُ، يَنْبَغي للمَلِك أنْ يقُومَ للمَلِك، فقَامَ له مَلِكُ غَزْنَة فجلَسَ فَوْق السَّريْر إلى جَانبهِ.
وذَكَرَ لي بعضُ مَنْ كُنْتُ أُحَاضِرُه، ويَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّهُ القَاضِي شَمْس الدِّين أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر، أو إبْراهيم بن سُلَيمان النَّجَّار الكَاتِب، أنَّ مَلِك النُّحَاة خَلَع عليهِ المَلِكُ العادِلُ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي خلعةً سَنِيَّةً، فلَبِسَها يَوْمًا واجْتازَ بها على حَلْقَة عَظِيمَة، فمالَ إليها لينظُر ما هي، فوجَد رَجُلًا قد عَلَّم تَيْسًا له اسْتِخْرَاجِ الخَبَايا، وتَعْريفَهُ مَنْ يُرِيْد أنْ يُعَرِّفه به من الحَلْقَة بإشَارة لا يَفْهَمُها غير ذلك التَّيْس المُعَلَّم، فوقفَ مَلِكُ النُّحَاة وهو رَاكِبٌ بالخلعَة، فقال الرَّجُل: في حَلْقَتي رَجُلٌ عَظيمُ القَدْر، شَائِعُ الذِّكْر، مَلِكٌ في زيّ سُوقَة، أعْلَمُ النَّاس، وأكْرَمُ النَّاس، وأجْمَلُ النَّاس؛ فأرني إيَّاهُ، فشَقَّ ذلك التَّيْس الحَلقَة، وخَرَج حتَّى وضَعَ يَدُه على مَلِك النُّحَاةِ، فلم يَتَمالك مَلِكُ النُّحَاة أنْ نَزَع الخلعَة ووَهَبَها لصَاحِب التَّيْس، فبلَغَ ذلك نُور الدِّين، فعَاتبَهُ على ما فَعَلَ، فقال: يا مَوْلَانا، عُذْري في ذلك وَاضِحٌ، لأنْ في هذه المَدِينَة مائة ألْف تَيْس ما فيهم مَنْ عَرِفَ قَدْري غير ذلك التَّيْس! فضَحِكَ نُور الدِّين منه.
стр. 2994
أنْبَأنَا أبو الوَحْش بن نَسِيم، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (١)، قال، ح.
وقَرأتُ بخَطِّ عُثْمان بن جَلْدَك المَوْصِلِيّ، قال: سَمِعْتُ الحافِظ أبا مُحَمَّد -يعني القَاسِم ابن الحافِظ أبي القَاسِم- يَقُول: تُوفِّي أبو نِزَار يَوْم الثّلاثَاء، ودُفِنَ يَوْم الأرْبَعَاء التَّاسِع من شَوَّال سَنَة ثَمانٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة، ودُفِنَ بمَقْبَرَة الباب الصَّغير، ﵀. وقال القَاسِم: ودُفِنَ في مَقْبَرَة باب الصَّغير ﵀، قالا: وكان صَحِيْحَ الاعْتِقَاد، كَريم النَّفْس.
قال شَيْخُنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن الشِّيْرَازيّ القَاضِي، وأخْبَرَنا بذلك ولده أبو الحَسَن عليّ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: رُؤي مَلِك النُّحَاة في النَّوْم بعد وَفَاته، فقيل له: ما فَعَلَ اللَّهُ بكَ؟ فقال: وَقفني بينَ يَدَيْهِ فأنْشَدته القَصِيدَة اللَّامِيَّة، فقيل له: ما هي؟ فقال (٢): [من المنسرح]
يا رَبّ ها قد أتَيْتُ مُعْتَر … فًا بما جَنَته يَدَايَ من زَلَلِ
ملآنَ كَفٍّ من كُلّ (a) مَأثَمةٍ … صِفْرَ يَدٍ من مَحَاسِن العَمَلِ
فكيفَ أخْشَى نارًا مُسَعَّرةً … وأنْتَ يا رَبِّ في القِيامَة لي
قال: فقال تعالَى: اذْهَبُوا به إلى الجَنَّة. قال: ولم يَعْرف أحدٌ هذه الأبْيَات له إلَّا في المَنَام.
стр. 2995
قَرَأتُ في كتاب عَجَائِب الأشْعَار وغَرَائِب الأخْبار (١)، جَمْعُ مُسْلِم بن مَحْمُود بن نِعْمة الشَّيْزَرِيّ (٢)، قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ الإمَامُ العَالِمُ مُهَذَّب الدِّين (a) أبو السَّخَاء فِتْيَان البَانيِاسِيّ في سَنَة تِسْعٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة، قال: رأيْتُ مَلِك النُّحَاة أبا نِزَار في النَّوْم، فسَألتُه ما لَقي من رَبِّه، فقال: دَعْ هذا واسْمَعَ منِّي، ثمّ أنْشَدَني أبْيَاتًا لَم أحْفَظ منها سوى هذين البَيْتَيْن وهما المَعْنَى: [من الكامل]
فإنْ نحنُ أجْتَمعنا بعْدَ بُعْدٍ … شَفينا النَّفْسَ من ألَمِ العِتَاب
وإنْ ألْوى بنا صرفُ اللَّيالِي … فكُم من حَسْرة تحتَ التُّراب
الحَسَنُ بن الصَّبَّاح بن مُحَمَّد البَزَّارُ، أبو عليّ البَغْدَاديّ الوَاسِطِيّ (٣)
قَدِمَ في المِحْنَة إلى طَرَسُوس على المَأْمُون، فلمَّا ماتَ المَأْمُون أُطْلِق.
стр. 2996
حَدَّثَ عن حَجَّاجِ بن مُحَمَّد الأعْوَر، وسُفْيان بن عُيَيْنَة، وجَعْفَر بن عَوْن، وأبي مُعاوِيَة الضَّرِيْر، ومَعْن بن عِيسَى، ورَوْح بن عُبَادَة، وأبي المُنْذِر إسْمَاعِيْل بن عُمَر، وأبي عبد الرَّحْمن المُقْرِئ، وشَبَابَة بن سَوَّار، ومُؤَمَّل بن إسْمَاعِيْل، وغيرهم.
رَوَى عنهُ الإِمَامُ مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ، وعَبْد اللَّه بن أحْمَد بن حَنْبَل، ومُحَمَّد بن إسْحَاق الصَّاغَانِيّ، وأبو بَكْر عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن أبي الدُّنْيا، وعبدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن نَاجِيَة، وأبو مُحَمَّد يَحْيَى بن مُحَمَّد بن صاعِد، وإبْراهيم الحَرْبِيّ، وأبو إسْمَاعِيْل التِّرْمِذيّ، وجَعْفَر بن مُحَمَّد بن المُسْتَفَاض الفِرْيَابِيّ، وقاسم بن زَكَرِيَّاء المُطَرِّز، والقَاضِي أبو عَبْد اللَّه الحُسَين بن إسْمَاعِيْل المَحَامِلِيّ، وأبو القَاسِم البَغَويّ.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، بقِرَاءَتي عليه بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب بن غَيْلان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الشَّافِعيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا القَاسِم بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن الصَّبَّاح البَزَّار، قال: حَدَّثَنَا مُؤَمَّل بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان وشُعْبَةُ، عن أبي إسْحَاق، عن رَجُلٍ من آل أبي بَكْر، عن القَاسِم، قال: قال رسُول اللَّه ﷺ : السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ للفَمِ، مَرْضَاةٌ للَّه تعالَى.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت (٢)، قال: الحَسَنُ بن الصَّبّاح بن مُحَمَّد،
стр. 2997
أبو عليّ البَزَّارُ، سَمِعَ سُفْيان بن عُيَيْنَة، ومَعْن (a) بن عِيسَى، وأبا مُعاوِيَة الضَّرِيْر، ورَوْح بن عُبَادَةَ، وجَعْفَر بن عَوْن، وحجَّاج بن مُحَمَّد الأعْوَر، وأبا المُنْذِر إسْمَاعِيْل بن عُمَر، وشَبَابَة بن سَوَّار، وأبا عبد الرَّحْمن المُقْرِئ.
رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ، ومُحَمَّد بن إسْحَاق الصَّاغَانِيّ، وإبْراهيم الحَرْبِيّ، وعبد اللَّه بن أحْمَد بن حَنْبَل، وأبو إسْمَاعِيْل التِّرْمِذيّ، وأبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا، وجَعْفَر بن مُحَمَّد الفِيْريَابِيّ، وعبد اللَّه بن مُحَمَّد بن نَاجِيَة، وقاسم بن زَكَرِيَّاء المُطَرِّز، وأبو القَاسِم البَغَويّ، ويَحْيَى بن مُحَمَّد بن صَاعِد. وآخرُ مَنْ حَدَّثَ عنهُ القَاضِي المَحَامِلِيّ.
وقال الخَطِيبُ (١): أخْبَرَنا البَرْقَانِيّ، قال: قُرِئ على الحُسَين بن عليّ التَّمِيْمِيّ وأنا أسْمَعُ: حَدَّثكُم أبو قُرَيْشْ مُحَمَّد بن جُمْعَة الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بن الصَّبَّاح، وكان من أحَد الصَّالِحين.
قال الخَطِيبُ (٢): وقال ابنُ أبي حَاتِم (٣): سُئِلِ أبي عنه، فقال: صَدُوقٌ، وكان له جَلَالَةٌ عَجِيْبَةٌ ببَغْدَاد، وكان أحْمَدُ بن حَنْبَل يَرْفَعُ من قَدْره ويُجِلُّهُ.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد كتابةً، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور ابن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الحافِظ (٤)، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بنُ عليّ الصُّوْرِيّ، قال: أخْبَرَنا الخَصِيْب بن عَبْد اللَّه القَاضِي بمِصْر، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي عبد الرَّحْمن النَّسَائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبيّ، قال: أبو عليّ الحَسَن بن الصَّبَّاح بن مُحَمَّد البَزَّار ليسَ بالقَوِيّ.
стр. 2998
قال أحْمَد بن عليّ الحافِظ (١): هكذا ذَكَرهُ النَّسَائِيّ في كتاب الأسْماءِ والكُنَى، وذَكَرَهُ في تَسْمِيَةِ شُيُوخه، فقال ما أخْبَرَنا البرقَانِيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن عُمَر الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن رَشِيْق بمِصْر، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الكَريم بن أبي عبد الرَّحْمن النَّسَائِيّ، عن أبيهِ، قال: ثمّ أخْبَرَني الصُّوْرِيّ، قال: أخْبَرَني الخَصِيْبُ بن عَبْد اللَّه، قال: نَاوَلَني عَبْد الكَريم، وكَتَبَ لي بخَطِّه، قال: سَمِعْتُ أبي يَقُول: الحَسَن بن الصَّبَّاح بَغْدَاديٌّ صَالِحٌ.
وقال أحْمَد بن عليّ (٢): حُدِّثْتُ عن عَبْد العَزِيْز بن جَعْفَر الحَنْبَلِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَلَّالُ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن جَعْفَر (a)، قال: سَمِعْتُ ابنَ أحْمَد بن حَنْبَل يَقُول: سَمِعْتُ أبي يَقُول: ما يأتي على ابن البزَّار يَوْمٌ إلَّا وهو يَعْمَل فيه خَيْرًا، ولقد كُنَّا نَخْتَلِفُ إلى فُلَانٍ المُحَدِّث، وسمَّاهُ، قال: فكُنَّا نقعُدُ نتَذَاكَرُ الحَدِيْثَ إلى خُرُوج الشَّيْخ، وابنُ البَزَّار قائم يُصَلِّي إلى خُرُوج الشَّيْخ، وما يأتي عليه يَوْمٌ إلَّا وهو يَعْمل فيه أكْثر (b).
أخْبَرَنا أبو حَفْص المُؤدِّبُ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ المَلِك بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَغْدَاديّ (٣)، قال: قَرَأتُ على البَرْقَانِيّ، عن أبي إسْحَاق المُزَكِّيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن إسْحَاق السَّرَّاج، قال: سَمِعْتُ الحَسَنَ بن الصَّبَّاح يقُول: دَخَلْتُ (C) على المَأْمُون ثلاثَ مَرَّات؛ رُفِعَ إليهِ أوَّلُ مرَّةٍ: أنَّهُ يأمرُ بالمَعْرُوف -وكان نَهَى أنْ يأمُر أحَدٌ بمَعْرُوف- فأُخِذْتُ فأُدْخِلتُ عليه، فقال لي: أنت الحَسَنُ البَزَّار؟ قُلتُ:
стр. 2999
نعم يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قال: وتأمر بالمَعْرُوف؟ قُلتُ: لا ولكنِّي أنْهَى عن المُنْكَر، قال: فرَفَعَني على ظَهْر رَجُلٍ وضَرَبني خَمْسَ دِرَر، وخَلَّى سَبِيْلي. وأُدْخِلتُ عليه المَرَّةُ الثَّانيَة؛ رُفِعَ إليهِ أنِّي أشْتُمُ عليّ بن أبي طَالِب، قال: فلمَّا قُمْتُ بينَ يَدَيْهِ قال لي: أنْتَ الحَسَنُ؟ قُلتُ؟ نعم يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قال: وتَشْتمُ عليَّ بن أبي طَالِب، فقُلتُ: صَلَّى اللَّه على مَوْلاي وسَيِّدِي عليّ، يا أَمِير المُؤْمنِيْن، أنا لا أشْتمُ يَزِيدَ بن مُعاوِيَة لأنَّهُ ابنُ عَمِّكَ، فكيفَ أَشْتمُ مَوْلاي وسَيِّدِي؟ قال: خَلُّوا سَبِيْلَهُ.
وذَهَبْتُ مرَّة إلى أرْض الرُّوم إلى بَذَنْدُون (a) في المِحْنَة، فدُفِعْتُ إلى أَشْنَاس، فلمَّا ماتَ خَلّى (b) سَبِيلي.
قال السَّرَّاج: ماتَ الحَسَنُ بن الصَّبَّاح بن مُحَمَّد أبو عليّ الوَاسِطِيّ، وكان لا يَخْضِبُ، من خِيَار النَّاس، ببَغْدَاد يَوْم الاثْنَين لثمانٍ خَلَتْ من رَبِيع الآخر سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين ومَائتَيْن.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن رِزْق، قال: أخْبَرنا أحمدُ بن عيسَى بن الهَيْثَم التَّمَّار، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْد بن مُحَمَّد بن خَلَف البَزَّازُ (c)، قال: ماتَ الحَسَنُ بن الصَّبَّاح البَزَّار في رَبيع الأوَّل سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين ومَائتَيْن.
стр. 3000
الحَسَنُ بنُ صَفْوَان الأنْطَاكِيُّ
حَكَى عن طُرَّة المُوَسْوس.
قَرَأتُ في كتاب عُقَلَاءِ المَجَانِيْن (١)، قال: وحدَّث الحَسَنُ بن صَفْوَان الأنْطَاكِيّ، قال: كُنْتُ في دَعْوَة، ومَضَى طُرَّة المُوَسْوس فأَسْمعنا من شِعْره وطَريف فَوَائِده، ولعْبهِ بيَدَيه ورِجْلَيهِ، وازْدَدْنا سرُورًا، ولمَّا أكَلْنا وحصَلْنا على الشَّرَاب، أقْبل عليه بعضُ مَنْ كان جالِسًا، فأخذَ يوْلَع به، ويَصِيْحُ: السِّلاحَ السِّلاحَ. قال: هذا أوَّلُ الجُنُون والحَرْب وأخَذَ يوْلع به، ويَرْميهِ بشيءٍ من الفَاكِهَة، فقال له طُرَّةُ: يا فَتَى، أنتَ مَجْنُون! فأخَذَ يَقْرأ عليه ويُعوِّذهُ وهو يَزِيدُ عليه في الولَع، ثمّ رَمَاهُ بأُتْرُجَّةٍ فوَقَعَتْ في فُؤَادهِ فدَ أنْ يَهْلَك، فَخشِيْتُ منه فطَفَر (٢) عليه، ونَطَحَهُ نَطْحَةً كَسَرَ فيها أنْفَهُ، فَخشِيتُ منه، فطَفَرَ عليه ثانيةً ونَطَحَهُ نَطْحَةً كاد أنْ يَذْهَبَ باقي أنْفَهُ فيها، وَهَمَّ أنْ يَخْنُقَهُ، فقُمنا إليهِ ولَم نَزَل نَسْألهُ إلى أنْ خلَّاهُ، وشاغَلْناهُ عنه إلى أنْ شَدَدْنا ما كَسَر منه، وطَرَحْنا عليه شَيئًا من الثِّيَاب، وهَمَّ طُرَّةُ بالخُرُوج، فقُلْنا له: اجْلس نَعْمل الآن ما جَرَى، فقال: لا أفْعَل، فقُلْتُ: فإنَّهُ قد نفَّذَ يَسْتَعْدي عليكَ، فاللَّهَ اللَّهَ أنْ تَخْرُجَ فتُؤْخَذ فتُحْبَس وتُقَيَّد وتُشَدَّ، فأخَذَهُ ما كان يأَخُذُه، ثمّ قام وقال: لي يُقال هذا؟! واللَّهِ لو خَاطَبَني الوَالي لسَمِعَ منِّي الجَوَابَ، فقُلْنا: ماذا يكُون جَوَابُكَ وقد فَعَلْتَ ما فعَلْتَ؟ قال: يكُون ما تَسْمَعُ، ثمّ أخَذَ في إنْشَادِ هذه الأبْيَات: [من الكامل]
ومُعَرْبَدٍ نَادَمْتُهُ في مَجْلِسٍ … رَأَتِ العَشِيْرَةُ عِفَّتي في المَجْلِسِ
صَاح: السِّلاحَ، فقُلْتُ: شَرًّا وَاقِعًا … وذَكَرتُ بَيْتًا للفَتَى المُتَلَمِّسِ
стр. 3001
الشَّرُّ لا يُطْفيْهُ إلَّا مثْلُهُ … فَاطْفِ الشُّرُورَ بكُلِّ عَضْبٍ أَمْلَسِ
فنَطَحْتُهُ لمَّا تَغَطْرَسَ نَطْحَةً … فإذا أَخُونا في مثَالِ الأفْطَسِ
فتَعَلَّقُوا بي كي أُتِمَّ مدَامَتِي … فأَجَبْتُهم منِّي بقَلْب مُؤْيَسِ
لو أنَّ جِبْرِيلًا أتَاني قَاصِدًا … برِسَالةٍ من ربِّه لَمْ أَجْلِسِ (a)
قالُوا: فتُحْبَسُ، قُلتُ: ذاكَ هُوَ المُنَى … الحَبْسُ خَيْرٌ من ذَهَابِ الأنْفُسِ
حَرْف الضَّاد
فَارغ
حَرْف الطَّاء
الحَسَنُ بنُ طَارِق بن الحَسَن بن عَوْف، أبو عليّ الحَلَبِيِّ التَّاجر، المَعْرُوف بابنِ الوَحْشِ، ويُلَقَّب بالزَّكِيّ (١)
تَاجِرٌ من أهْلِ حَلَب، وأُولي النُّهَى والوَقَار، وذوي المَال واليَسَار، انْقَرَضَ بَيْتُهُم، ولَم يَبْقَ منه أحدٌ إلَّا من ذُرِّيَّةِ البَنَاتِ، وكان لهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وعندَهُ فَضْلٌ وأدَبٌ، وكان سَافَرَ إلى خُرَاسَان، وسَمِعَ بها الحَدِيْث من السَّيِّد أبي الرِّضَا فَضْل اللَّه بن عليّ بن عُبَيْد اللَّه الحَسَنيّ الرَّاوَنْدِيّ الأدِيْب، وحَدَّثَ عنهُ بحَلَب، ورَوَى عن أبي نَمْر المُسَلَّم بن أبي الخُرْجَين الدُّمَيْك الحَلَبِيّ.
رَوَى عنهُ الشَّريفُ أبو المَكَارِم حَمْزَةُ بن عليّ بن زُهْرَة الحَلَبِيّ شَيئًا من الحَدِيْث، وسَمِعَ منه بحَلَب، ورَوَى عنهُ شَيْخُهُ أبو الرِّضَا فَضْل اللَّه الرَّاوَنْدِيّ
стр. 3002
شَيئًا من شِعْره سَمِعَهُ منه بقَاشَان (a)، وأبو الخَطّاب عُمَر بن مُحَمَّد العُلَيْمِيّ، وسَمِعَ منه بالمَوْصِل.
أنْبَأنَا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن أبي الحَجَّاج المِصْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب في كتابهِ المَوْسُوم بخَرِيْدَة القَصْر (١)، قال: الشَّيْخُ الزَّكِيّ أبو عليّ الحَسَنُ بن طَارِق الحَلَبِيّ، من المُتَأخِّرِين، ذو نَظْمٍ كاسْمه حَسَنٍ حَالٍ، وعِلْمٍ عالٍ، وذَكَاء ذكيّ، وأصْل زَكِيّ، سَافَرَ إلى بلادنا تَاجِرًا ببضَاعَتَيْ أَدَبِه ونَسَبِه (a)، عَارِضًا في سُوق الفَضْل عُقُودَ دُرَره وغُرَره، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الشَّريفُ أبو الرِّضَا الرَّاوَنْدِيّ، فقال: أنْشَدَني ابن طَارِق الحَلَبِيّ لنَفْسِه، في الدَّاَر الّتي بناها بَهَاء الدِّين عَبْدُ اللَّه بن الفَضْل بن مَحْمُود بقَاشَان، ومن العَجِيْب أنَّ ابن طَارِق لَمْ يَخْرُج من قَاشَان إلَّا بعدَ مَوْته، وكان بين نَظْمه هذه الأبْيَات ومَوْت بَهَاء الدِّين أشْهُرٌ قَرِيبةٌ: [من البسيط]
عَمَرْتَ دَارَ فَنَاءٍ لا بقَاءَ لها … ظَنًّا بأنَّكَ عنها غَيْرُ مُنْتَقِلِ
أتْعَبْتَ نفسَكَ لا الدُّنْيا ظَفِرتَ بها … وأنْتَ لا شَكَّ في الأُخْرَى على وَجَلِ
دارُ الإقَامَة أوْلَى بالعِمَارةِ مِنْ … دارِ نَعِيْمُكَ فيها غَيرُ مُتَّصِلِ
فاعْمَلْ لنَفْسِكَ ما تَرْجُو النَّجَاةَ بِهِ … فلَيْسَ يُنجيكَ إلَّا صَالِحُ العَمَلِ
أنْبَأنَا بهذه الأبْيَات أبو حَفْص عُمَرِ بن عليّ بن مُحَمَّد بن قُشَام الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الرِّضَا فَضْل اللَّه الرَّاوَنْدِيّ إجَازةً، قال: أنْشَدَني ابن طَارِق لنَفْسِه، وذَكَرَها.
стр. 3003
قَرأتُ بخَطّ أبي الخَطَّاب عُمَر بن مُحَمَّد العُليمِيّ، وأخْبَرَنَا أبو عَبْد اللَّه مُحَمّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن النَّسَّابَةُ الدِّمَشقّي بها، عن العُلَيْمِيّ، قال: أَنْشَدَني أبو عليّ الحَسَنُ بن طَارِق بن الحَسَن التَّاجر لنَفْسِه بالمَوْصِل وكَتَبَهُ لي بخَطِّه: [من الكامل]
ولقد أقُول لمَعْشَر ودَّعْتُهم … يَوْمَ الفِرَاقِ ودَمْعُ عَيْني يَسْكُبُ
لو كانَ لي حَزْمٌ وعَزْمٌ صَادِقٌ … لعَرَفْتُ ما آتي وما أَتَجَنَّبُ
لَهْفي على شَرْخِ الشَّبَابِ وعَصْرِهِ … وَلَّى ففَارَقَنا الزَّمانُ المُذْهَبُ
هل بعدَ شَيْبِ الرَّأسِ إلَّا رِحْلَةٌ … عمَّن صَحِبْنَاهُ ودَارٌ تَخْرَبُ
والمَرْءُ يَأمُلُ أنْ يَعِيْشَ مُخَلَّدًا … والعُمْرُ يَذْهَبُ والمَنِيَّةُ تَقْرُبُ
فتَغَنَّمُوا السَّاعَات إنْ سَمَحَت بما … تَرْجُونَهُ أو بعضِ ما تَتَطَلَّبُ
فَلَخَيْرُ زَادِكُمٌ التُّقَى لمَعَادِكُمْ … يَوْمٌ مَهُولُ وليسَ منهُ مَهْرَبُ
ونَقَلْتُ من خَطِّ العُلَيْمِيّ ما أخْبَرَنا به أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد ابن تَاج الأُمَناء ابن عَسَاكِر، قِراءَةً عليهِ بدِمَشْق عنه، قال: أنْشَدَنا أبو عليّ الحَسَن بن طَارِق بن الحَسَن الحَلَبِيِّ من لَفْظه لنَفْسِه بالمَوْصِل، وكَتَبَهُ لي بلَفْظه: [من المنسرح]
لمَّا رَأيْتُ المَشِيْبَ قد نَزَلَا … وأنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ قد رَحَلَا
عَاتَبْتُ نَفْسِي وقُلْتُ: وَيْكِ أمَا … يَكْفيكِ أنَّ المَشِيْب قد نَزَلَا
وقد مَضَتْ دَوْلَة الشَّبَابِ فهَلْ … آمُلُ مِن بَعْدِهِ بهِ بَدَلَا
وقَرأتُ بخَطِّ العُلَيْمِيّ، وأخْبَرَنَا به أبو عَبْد اللَّه بن أحْمَد عنه، قال: أنْشَدَني أبو عليّ الحَسَنُ بن طَارِق بن الحَسَن المُجَهِز لنَفْسِه، وكَتبَهُ لي بخَطِّه: [من مجزوء البسيط]
لم أَسْتُر الشَّيْبَ بالخِضَابِ … لأبْتَغِي صَبْوَةَ التَّصَابي
ولا تَزَيَّنْتُ للغَوَاني … أَسْتُرُ عن مِثْلِهِنَّ ما بِي
стр. 3004
لكن لَبسْتُ السَّوَادَ لمَّا … سُلِّطَ شَيْبي على شَبَابي
قَرأتُ بخَطِّ الشَّريف أبي الرِّضَا فَضْل اللَّه بن عليّ بن عُبَيْدِ اللَّه الحَسَنيّ الرَّاوَنْدِيّ في دِيْوان شِعْره، وأنْبَأنَا عنه أبو حفْص عُمَر بن عليّ بن قُشَام الحَلَبِيّ، قال: وكَتَبَ إليَّ الشَّيْخُ الأجَلُّ زَكيِّ الدِّين أبو عليّ الحَسَنُ بن طَارِق بن الحَسَن الحَلَبِيّ، أدَامَ اللَّهُ نِعْمتهُ، وقد بَعَثَ إليَّ طَبَقًا من الحَلْوَى القَاهِرِيَّة وشَيئًا من السَّعْتَريَّةِ: [من مجزوء الرمل]
قد أتَى الصَّعْتَرُ يَسْعَى … خَادِمًا للقَاهِرِيَّهْ
هُوَ مِن صَحْرَاءِ حِمْصٍ … وأرَاضِي سَلَمْيَّهْ
وَهْيَ مِن أكْرَم أرْضٍ … في البِلَادِ السَّاحِلِيَّهْ
صُنِعَتْ من كُلِّ فَنٍّ … فَهْيَ حَلْوَاءُ هَنِيَّهْ
وَهْيَ مِن أَجْمَلِ شيءٍ … يُهَادَى في الهَدِيَّهْ
والهَدَايا سُنَّةٌ قد … سَنَّهَا خَيْرُ البَرِيَّهْ
﵌.
فكَتَبْتُ إليه: [من مجزوء الرمل]
مَرحَبًا بالقَاهِرِيَّهْ … خَدَمَتْهَا السَّعْتَرِيَّهْ
بينَ هَاضُومٍ لَطِيْفٍ … وحَلَاوَاتٍ شَهِيَّهْ
لِزَكِيِّ الدِّينِ فيها … صَنْعَةٌ جِدُّ سَوِيَّهْ
أصْبَحَتْ تحكي حُلَاهُ … وسَجَاياهُ الرَّضِيِّهْ
سَيِّدٌ بَذَّ جَمِيْعَ النَّـ … ـــاسِ جُوْدًا وحَمِيَّهْ
حَاطَهُ اللَّهُ إلَهِي … من أَذَى كُلِّ بَلِيِّهْ
стр. 3005
قَرأتُ بخَطِّ أبي المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيّ، في جُزءٍ أحْضَرَهُ إليَّ رَفِيقُنا أبو الفَتْح ابن الصَّفَّار، ذَكَرَ فيهِ جَمَاعَةً من شُيُوخ حَلَب وأحْوَالهم ومَوَالِيدهمِ ووَفَآتِهم، فقَراتُ فيه بخَطِّه: الشَّيْخُ أبو عليّ الحَسَنُ بن طَارِق بن الحَسَن، رَحَلَ في التِّجَارَة، وأقامَ بخُرَاسَان ثلاثين سَنَةً أو أكْثَر من ذلك، وسَمِعَ شَيئًا من الحَدِيْث.
مَوْلدُه سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، وتُوفِّيَ في عَامِنَا هذا لَيْلَةَ الاثْنَين الثَّالث عَشر من المُحَرَّم سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِين -يعني وخَمْسِمائَة- واللَّه المَسْؤُول حُسْنَ الخَاتِمَة، وصَلَاح العَاقِبَةِ، وإجْزال الثَّوَاب، والعَفْو والصَّفْح عن الزَّلل والتَّوْبَة.
سَمِعْتُ القَاضِي أبا مُحَمَّد الحَسَن بن إبْراهيم بن الخَشَّاب يقُولُ: أخْبَرَني القَاضي ابنُ اليَحْمُولِيّ أنَّ سَبَبَ مَوْت الحَسَن بن طَارِق أنَّهُ كان نائمًا فانْتَبَه فوَجَد على صَدْره حَيَّةً فماتَ.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ طاهر في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن طَاهِر بن الحُسَن، أبو عليّ الصُّوْرِيُّ الفَقِيه
فَقِيْهٌ من فُقَهَاء الشِّيْعَة ومُتَكَلِّمِيْهم، ولهُ مُصَنَّف في مَذْهَبهم، وتَصَدَّرَ في حَلَب لإقْرَاء الفِقْه والأُصُول، قرأ عليه أبو المَكَارِم حَمْزَة بن عليّ بن زُهْرَة الحُسَيْنيّ، ومُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيَّان.
стр. 3006
الحَسَنُ بن طَاهِر بن يَحْيَى بن الحَسَن بن جَعْفَر بن عُبَيْد اللَّه بن الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب، أبو مُحَمَّد بن أبي القَاسِم بن أبي الحُسَين النَّسَّابَةِ العَلَويّ (١)
شَرِيْفٌ حُسَيْنيٌّ، رئيسٌ، جَوَادٌ، كان مُخْتَصًّا بالإخْشِيْذ مُحَمَّد بن طُغْج، وسَيَّرَهُ إلى مُحَمَّد بن رَائِق وهو بحَلَب ليُصْلح بينهما، ثمّ تَوَجَّه صُحْبَة الإخْشِيْذ إلى حلَب، ومَضَى معه منها إلى المُتَّقِي وهو بالرَّقَّة وأكْرَمَهُ المُتَّقِيّ، ثمّ إنَّ الإخْشِيْذ سَيَّرَهُ بعد ذلك إلى سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن حَمْدَان، فأصْلَح بينهما، وزوَّجَ سَيْفَ الدَّوْلَة بابْنَة الإخْشِيْذ (a)، وكان مُثْرِيًا مُتَموِّلًا.
وذَكَرَ أبو الحَسَن الدَّيْلَمِيّ في سيْرَة سَيْف الدَّوْلَة (٢)، في حَدِيث وَقْعَة قِنَّسْرين، قال: وسَار الأَمِيرُ سَيْف الدَّوْلَة فلم يتبَعْهُ أحَدٌ من عَسْكَر الإخْشِيْذ، وقَطَعَ الفُرَات من جِسْر مَنْبج، وسَارَ الإخْشِيْذ فنَزَل الرَّقَّة، ونَزَل سَيْف الدَّوْلَة مقابل عَسْكَر الإخْشِيْذ، ومَشَى الحَسَنُ بن طَاهِر في الصُّلْح بينهما، واسْتَقَرَّ على أنْ أفْرَج الإخْشِيْذُ لسَيْف الدَّوْلَة عن حَلَبَ وحِمْصَ وأنْطَاكِيَة، وكان ذلك في شَهْر رَبيع الأوَّل سَنَة أرْبَعٍ وثلاثين، يعني: وثَلاثِمائة.
قَرأتُ في كتاب نُزْهَة القَلْب المُعَنَّى، في نَسَب بَني المُهَنَّا، تأليف الشَّريف النَّقِيْب مُحَمَّد بن أَسْعَد الجوَانِيّ النَّسَّابَة (٣)، قال: كان الحَسَن بن طَاهِر قد قَدِمَ
стр. 3007
على الإخْشِيْذ بمِصْر، وتوسَّطَ بينَهُ وبين مُحَمَّد بن رَائِق، وبينَهُ وبين سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، واتَّسَعَ أمرُ الحَسَن بن طَاهِر واخْتَصّ به الإخْشِيْذُ حتَّى بلَغَ ارْتِفَاع ضِيَاعهِ مائة ألف دِيْنار.
وَقَعَ إليَّ نُسْخَة كتاب منِ إنْشَاء البَخْتَرِيّ في الصُّلْح بين الإخْشِيْذ ومُحَمَّد بن رَائِق، كَتَبَهُ عن الإخْشِيْذ مُحَمَّد بن طُغْج وقال في أثْناءِ الكتاب: ويَسَّر لنا من أبي مُحَمَّد الحَسَن بن طَاهِر، أعَزَّهُ اللَّهُ، مَيْمُون النَّقِيْبةِ، مَأْمُون السِّفَارة، فسَعَى بيننا بحُسْن النِّيَّةِ، وصِدْق الرَّوِيَّة، وِعرْق النُّبُوَّة، وإرَادَة المَصْلَحة، فعَطَفَنا على فَضِيْلةِ السِّلْم، فتَسَابقنَا إليها تَسَابُقَ فَرَسَيْ رِهَانٍ اجْتَهَدا جَرْيًا، فوَرَدَا معًا فأحْرَزْنا غَايَتَها، وفُزْنا بشَرَفها، وحَوَيْنا مَزِيَّتَها، وَفِئْنا إلى أَمْرِ اللَّهِ، وتَعَاطَيْنَا السَّوَاءَ، وآثْرنا الوَفَاءَ. وذَكَرَ تَمَام الكتاب.
قَرَأتُ في سِيْرَة الإخْشِيْذ مُحَمَّد بن طُغْج، جَمْع الحَسَن بن إبْراهيم بن زُوْلَاق (١)، قال: وكان الإخْشِيْذ قد اخْتَصَّ من الأشْرَاف بعَبْد اللَّه بن أحْمَد بن طَبَاطَبا، وبالحَسَن بن طَاهِر بن يَحْيَى، وكانا لا يُفَارقانِهِ، هذا حَسَنيٌّ وهذا حُسَيْنيٌّ، وبينهما عَدَاوَةُ الرِّئَاسَةِ والاخْتِصَاص، إلَّا أنَّ الحَسَنَ بن طَاهِر نَابَ عنهُ وسَافرَ في صحَابه، وتوسَّطَ بينَه وبين مُحَمَّد بن رَائِق مَرَّتَين، وتوسَّطَ بينَهُ وبين ابن حَمْدَان، وذَكَرَ (٢) أنَّ سِفَارَة الحَسَن بن طَاهِر بين الإخْشِيْذِ ومُحَمَّد بن رَائِق في الصُّلْح كانت في سَنَة ثَمانٍ وعشرين، وذَكَرَ (٣) أنَّ الإخْشِيذ رَدَّ مُزَاحِم بن مُحَمَّد بن رَائِق
стр. 3008
حين سَيَّرَهُ ابن رَائِق إليه بعد أنْ أحْسَنَ إليه مع الحَسَنِ بن طَاهِر إلى أبيهِ، وزوَّجَ الإخْشِيْذُ ابنتَهُ فاطِمَة من مُزَاحِمِ بن مُحَمَّد بن رَائِق، تَوَلَّى ذلك أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن طَاهِر، وأنَّ الحَسَنِ بن طَاهِر سَفَرَ في الصُّلْح بينهما، وقَرَّر الأمْرَ، وسَيَأتي ذِكْرُ ذلك مُسْتَوفًى في موضِعهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى.
وذكَرَ ابن زُوْلَاق أيضًا في سِيْرَة الإخْشِيْذ هذه (١)، قال: ووَرَدَ في سَنَة تِسْعٍ وعشرين نَعِيُّ أبي عليّ عُبَيْدِ اللَّه بن طَاهِر والد مُسَلَّم، فلَم يتأخَّر عن تَعْزِيَتهِ أحَدٌ، وكان الحَسَنُ بن طَاهِر أخُوهُ عَلِيْلًا، فكُتِمَ ذلك عنه، فرَكِبَ الإخْشِيذْ إلى أبي جَعْفَر مُسَلَّم فعَزَّاهُ، وسَقَاهُ الشَّرَابَ، ثمّ سَأل: هل عَلمَ أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن طَاهِر بوَفَاة أخيهِ؟ فقالُوا: لا، فرَكِبَ إليه عَائِدًا، وعَزَّاهُ.
قال ابنُ زُوْلَاقٍ (٢): وكان الحَسَنُ بن طَاهِر قد خَدَم الإخْشِيْذَ ونَابَ عنهُ، وكان السَّفِيْر بينَهُ وبين مُحَمَّد بن رَائِق، وانْتَفَع معَهُما، حتَّى بلَغَ ارْتِفَاع أمْلَاكِهِ مائة ألف دِيْنار سِوَى أرْزَاقه وأرْزَاوَ بَنِيْهِ وعَبِيْدِه ومَوَالِيهِ، وكان أيضًا هو السَّفِيْر بين الإخْشِيْذ وبين مَنْ نَازَعَهُ.
قال ابنُ زُوْلَاق (٣): وحَدَّثني بعضُ الكُتَّب، قال: كان مُحَمَّد بنُ رَائِق لمَّا سارَ لقِتَال الإخْشِيْذ، رَاسَلَهُ الإخْشِيْذ بأبي مُحَمَّد الحَسَن بن طَاهِر بن يَحْيَى الحُسَيْنيّ، وكانت كُتُب الحَسَن بن طَاهِر تَرِد من الشَّام إلى أخيهِ الحُسَين بن طَاهِر شَقِيْقه، وكان يَنُوبُ عنه ويُوْقِفُ الإخْشِيْذ على ما يَرِدُ عليه، ويُوْقفه على كُتُبه، وكان إذا كَتَب إلى الإخْشِيْذ كَتَبَ مع الطَّائِر، ويَكْتب كَثِيْرًا إلى أخيهِ الحُسَين، فقال أبو عَبْد اللَّه الحُسَين بن طَاهِر: فوَرَد عليَّ كتابُ أخي الحَسَن بن طَاهِر من الشَّام يقُول فيهِ: وتَسْأل الإخْشِيْذ أنْ يُعْفيَني من ضَمَان
стр. 3009
بُلْبَيْس وفَاقُوْس، فإنِّي قد عَجزتُ عنهما لقلَّة فَائِدَتهما وكَثْرة غِشْيَان البَوَادِي لهما (a)، ولَم تكُن هاتان الضَّيْعَتان في يَد أخي! فَحَملتُ الكتاب وجئْتُ به إلى الإخْشِيْذ وقَرَأتُه عليه، فقال: هاتُوا حَدِيد بن الحَصَّان؛ يعني: كاتِب دِيْوَان الخَرَاج، فقال: في يَد أبي مُحَمَّد الحَسَن بن طَاهِر ضَمَان بلبيسِ وفَاقُوْس؟ قال: لا، قال: فأطْرَقَ، ثمّ قال: ما قَصَّرَ أبو مُحَمَّد فيما قالَهُ، عَزَم مُحَمَّد بن رَائِق يَجيْئنا على غَفْلَةٍ إلى مِصْر، فأشارَ أبو مُحَمَّد بحِفْظ فَاقُوْس وبُلْبَيْس، يَخْرج السَّاعَة إلى فَاقُوْس ثلاثة آلاف فارس ورَاجِل، وإلى بُلْبَيْس مثْلها، وتُزْاح عِلَلهم (b)، ويكُونُون على غَايةِ اليَقَظَة ولا يَنامُونَ اللَّيْل، ويَحْفظُونَ هذه المَوَاضعَ.
قال الحُسَينُ بن طَاهِر: فعَجِبْتُ من فِطْنَته، وكَتَبْتُ إلى أخي: قد أعْفَاك من ضَمَان فَاقُوْس وبُلْبَيْس وضَمَّنَهما ممَّن يَقْدر عليهما. لأنَّ الحَسَن بن طَاهِر كان يَتَّقي مُحَمَّدُ بن رائِق أنْ تقَع كُتبه في يَدِيهِ، فإنَّها وَقَعَتْ في يَديه مرَّةً، فحَدَّثني سُلَيمان بن الحَسَن (c) بن طَاهِر، قال: أرْسَل مُحَمَّد بن رَائِق إلى أبي فركبَ وأخَذَني معه، فدَخَلَ عليه وهو مُقَطّب، فلمَّا جَلَسَ لِمَ يكُن منه إليهِ الانْبِسَاط الّذي يَعْرفُه، فقال له: أيْشٍ خَبَر الأَمِير؟ فقال: قد وَقَعَتْ في أيْدينا كُتبُكَ إلى مُحَمَّد بن طُغْج، قال: مع مَنْ؟ قال: مع صَاحِبكَ المَعْرُوف بالزُّطِّيّ، فقال: سُبْحَان اللَّه، ما أصَابَ الأَمِير الدِّين ولا السِّيَاسَة! فأمَّا الدِّين؛ فنَهَى جَدِّي رسُول اللَّه ﷺ أنْ يَطَّلع أحدٌ في كتاب أخيهِ بغير أَمْره (d)، والسِّيَاسَة، انْخِرَاق الهَيْبَة، أَفَلَيْسَ يَعْلمِ الأَمِيرُ أنّي جئْتُه من قِبَل مُحَمَّد بن طُغْج، أَفَلِي بُدٌّ من مُكَاتبَته وتَعْظيم أمْره في غَيْبَتهِ، وأنْ أُطْلعَهُ على ما يَحْتَاجُ إليه، فهذه رُسُل الأرْض،
стр. 3010
فأيْشٍ يقُول (a) الأمِير في رُسُل السَّماءِ؟ قد واللَّه كَتَبْتُ (b) مع الطَّائِر أكْثَر من هذا، وأسْتَوْدِعُ اللَّه الأَمِير، ما يَرَاني بَعْدها! فأخَذَ بذَيْلِهِ وما زالَ يرْفُقُ به ويَتَرضَّاهُ ويقُول له: أنْتَ أوْلَى من احْتمل.
وكان شَرِيْفًا، قَوِيّ النَّفْس، جَرِيْئًا في خِطَابهِ، وأكْثَر نِعْمَته اكْتَسَبها في هذه الوَسَاطَة بين هذين الرّجُلين.
وذَكَرَ ابنُ زُوْلَاق في هذا الكتاب (١)، في حَديث اجْتِمَاعَ الإخْشيْذ والمُتَّقِيّ على الرَّقَّةِ، قال (٢): وطَلَب منه المُتَّقِيّ الحَسَن بن طَاهِر الحُسَيْنيّ فأدْخَله إليه، وكَنَّى المُتَّقِي الحَسَن (c) بن طَاهِر في مَجْلِسهِ، وعَطَسَ المُتَّقِيّ فشَمَّتهُ الحَسَنُ بن طَاهِر، فقال المُتَّقِيّ: يَرْحَمكُ اللَّه أبا مُحَمَّد.
قُلتُ: وهذا من المُتَّقِيّ زِيَادَةٌ عَظِيمَةٌ في الحُرْمَة، فإنَّ الخلَيفَة كان لا يُكْنِي أحَدًا، حتَّى أنَّهُ بَلَغَني أنَّهُ قال في هذه النَّوْبَة للإخْشِيْذ: كيفَ أنْتَ يا أبا بَكْر، فاسْتَعْظَم الإخْشِيْذ ذلك، وكَتَب إلى نَائبهِ بمِصْر، وقال له: أكْرَمَني أمِير المُؤْمنِيْن وكَنَاني وقال لي: كيف أنْتَ يا أبا بَكْر؟.
وذَكَرَ ابنُ زُوْلَاق (٣) في مَسِيْر الإخْشِيْذ إلى قِنَّسْرِيْن، والْتِقَائهِ مع سَيْف الدَّوْلَة، واسْتِظْهار سَيْف الدَّوْلَةِ على الإخْشِيْذ، وأنَّ الإخْشِيْذ عاد واسْتَظْهر على سَيْف الدّوْلَة، وأنَّ الأَمِير سَيْف الدَّوْلَةِ عَسْكَر مُوَاجهًا للإخْشِيْذ، فاخْتَار الإخْشذ المُسَالَمة ورَاسَلَهُ بالحَسَن بن طَاهِر على مَالٍ يَحْملُه إليه، وأنْ يكُونَ لسَيْفِ
стр. 3011
الدَّوْلَةِ من خَرْشَنَة (١) إلى حِمْص، وزوَّجَهُ ابنَتَهُ فاطِمَة، وكان الوَليُّ الحَسَن بن طَاهِر بتَوكْيل الإخْشِيْذ، فسُرَّ سَيْفُ الدَّوْلَة بذلك، وعقد النِّكَاح، ونَثَر سَيْفُ الدَّوْلَة في مَضْربه على الحاضِريْن ثلاثين ألف دِيْنارٍ، ونَثَر خَارِجَ المَضْرب أرْبَعمائة ألف دِرْهَم، وحَمَل إلى الحَسَن بن طَاهِر مَالًا كَثِيْرًا وخلَعًا وحُمْلَانًا.
قُلتُ: والحَسَن بن طَاهِر هذا هو وَالد طَاهِر بن الحَسَن بن طَاهر الّذي مَدَحَهُ المُتَنَبِّي (٢) بقَوْله: [من الطويل]
أعيدُوا صَبَاحي فهو عندَ الكَوَاعِبِ
وَسَنَذْكُره في حَرْف الطَّاء (٣) إنْ شاء اللَّه تعالَى.
ولمَّا زُرْت الخَلِيل ﷺ في سَنَة سَبْعٍ وثَلاثين وستمائة، مَضَيْتُ من زِيَارته إلى مَشْهَد اليَقِيْن فزُرْته (٤)، ورَأيْتُ في مَغَارة عند باب المَشْهَد قَبْرًا يَزُوره النَّاسُ مَكْتُوب عنده على لَوْح من الرُّخَام نَقْشًا هذا قَبْرُ فاطِمَة بنت الحَسَن بن طَاهِر بن يَحْيَى بن الحَسَن، وعلى لَوْحٍ آخر من الرُّخَام لذلك القَبْر مَكْتُوب نَقْشًا في الحَجَر: [من البسيط]
أسكنتَ مَنْ كان في الأحْشَاء مَسْكنُه … بالرَّغم منِّي بين التُّرْبِ والحَجَرِ
يا قَبْر فاطِمَةٍ بنت ابن فاطِمَةٍ … بنْت الأئمَّة بنْتِ الأنْجُم الزُّهُرِ
стр. 3012
يا قَبْرَ بنْت الزَّكِيّ الطَّاهِر … الحَسَن بن طَاهِرٍ من نَماه أطْهَرُ البَشَرِ
يا قَبْر كَم فيك من دِيْن ومن وَرَع … ومن حَيَاءٍ ومن صَوْن ومن خَفَرِ
وعلى اللَّوْح بخَطِّ النَّقَّاش الّذي نَقَش اللَّوْحَيْن: صَنَعَهُ مُحَمَّد بن أبي سَهْل النَّقَّاش بمِصْر، وصَاحِبة القَبْر هي بنْتُ الحَسَن بن طَاهِر هذا، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقال أبو الغَنائِم الزَّيْدِيّ النَّسَّابَة في كتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِيْن (١): أنَّ الحَسَن بن طَاهِر تُوفِّي بمِصْر في شَوَّال سَنَة ستٍّ وثَلاثين وثَلاثِمائة، وذَكَرَ أنَّ أُمّهُ أُمّ وَلدٍ.
وقال ابنُ خِدَاع (a) في كتاب المُعَقِّبين من وَلَد الحَسَن والحُسَين (٢)، ووَقَعَ إليَّ بخَطِّه: وكان لأبي مُحَمَّد الحَسَن حَظٌّ من الدُّنْيا، وتقدُّمٌ عند السُّلْطان، تُوفِّي بمِصْر سَنَة ستٍّ وثَلاثين وثَلاثِمائة.
ذَكَرَ مُحَمَّد بن أَسْعَد الجَوَّانِيّ النَّسَّابَة في كتابه المَوْسُوم بنُزْهَة القَلْب المُعَنَّى في نَسَب بني المُهَنَّا، أنَّ أبا مُحَمَّد الحَسَن بن طَاهِر تُوفِّي بمِصْر سَنة ستٍّ وثَلاثين وثَلاثِمائة.
стр. 3013
وقال القُضاعيُّ: تُوفِّي في شَوَّال من سَنة ستٍّ وثَلاثين وثَلاثِمائة. أنْبَأنَا بذلك أحْمَد بن أزْهَر، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، عنه.
الحَسَنُ بن طَاهِر الوَزِير (١)
وَزِيرُ سُليْمان بن قُطَلْمش صَاحِب أنْطَاكِيَة، كان معه وَزِيرًا له بأنْطَاكِيَة، وأُسِرَ في الوَقْعَة الّتي قُتِلَ فيها سُليْمان بالنَّاعُورَة، ثمّ أطْلَقَهُ تاج الدَّوْلَة تُتُش بن أَلْب أَرَسْلَان في صَفَر سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فسَارَ إلى أنْطَاكِيَة، ولم يَزَل بها إلى أنْ وَصَل السُّلْطان مَلِكْشاه إلى حَلَب وتَسَلَّمها في شَعْبان من السَّنَة المَذْكُورَة، ثمّ سارَ إلى أنْطَاكِيَة فسَلَّمها إليه الحَسَنُ بن طَاهِر الوَزِير المَذْكُور، واسْتَخْدَمَهُ مَلِكْشاه في الأمْوَال بأنْطَاكِيَة، ووَلَّى البَلَد يَغِي سغَان بن أَلْب، وتَرَكَهُ في عَسْكَرٍ معه.
стр. 3014
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
حَرْفُ العَيْن في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن عَامِر بن الحَسَن، أبو عليّ الكِلابِيّ البَابِيّ الحَنَفِيّ القَاضِي (١)
من وَلدِ العبَّاس بن الوَلِيد.
قاضي باب بُزَاعَا، من أهْلِ البَاب هو وسَلَفه، ومَوْلدُه ومَنْشَأهُ بها، أقامَ بها قَاضِيًا بعد أبيه عَامِر سِنِين عِدَّةً، وسَمِعَ الحَدِيْث بحَلَب من أبي الفَرَج يَحْيَى بن مَحْمُود بن سَعْد الثَّقَفِيّ الأصْبَهَانِيّ، وحَدَّثَنَا عنه بالبَاب، وكان شَيْخًا حَسَنًا، جَمِيل السِّيْرَة، مَسْتُورًا، عَفِيْفًا، وله أمْلَاكٌ بتلك النَّاحِيَةِ. سَألتُه عن مَوْلدِه فقال: في سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة.
أخْبَرَنا القَاضِي أبو عليّ الحَسَنُ بن عَامِر بن الحَسَن البَابِيّ بمَنْزِله بباب بُزَاعَا، قراءةً منِّي عليه، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج يَحْيَى بن مَحْمُود بن سَعْد الثَّقَفِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أَبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد بن الحَسَن الحَدَّادُ، قِراءَةً عليهِ وأنا حَاضِرٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم أحْمَدُ بن عَبْد اللَّه الحافظ، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهيم بن عبد اللَّه بن علِيّ، المَعْرُوف بابنِ أبي العَزَائِم، قال: حَدَّثَنَا أبو عَمْرو أحْمَدُ بن حَازِم بن أبي غَرَزَة، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بن مُوسَى، عن بُكَيْر بن عَامِر، عن عبد الرَّحْمن بن أبي
стр. 3015
نُعْم (a)، عن مُغِيرَة بن شُعْبَةَ، قال (١): رأيْتُ رسُول اللَّه ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ تَوَضَّأ، ومَسَح على خُفَّيْهِ، فقلتُ: نَسِيْتَ يا رَسُول اللَّه، لَم تَخْلَعْهُما، قال: بل أنْتَ نَسِيْتَ، بهذا أمَرَني ربِّي .
تُوفِّي القَاضِي حَسَنُ بن عَامِر البَابِيّ بباب بُزَاعَا يَوْم الأَحَد السَّادِس عَشر من صَفَر سَنَة ستٍّ وعشرين وستمائة، وكُنْتُ بعد وَفَاته بيَومٍ واحدٍ قد قَدِمْتُ البَابَ مُتَوَجِّهًا في رِسَالَةٍ.
الحَسَنُ بن العبَّاس بن الحَسَن بن الحُسَين أبي الجِنّ ابن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر ابن مُحَمَّد بن عِليّ بن الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب، أبو مُحَمَّد الحُسَيْنيّ، القَاضِي القُمِّيّ (٢)
انْتَقَلَ أبُوه العبَّاس بن الحَسَن من قُمّ إلى حَلَب، وانْتَقَلَ معه ابنهُ الحَسَن وإخْوَته البَاقُونَ في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، ثُمَّ انْتَقَلَ أبو مُحَمَّد وإخْوَته إلى دِمَشْق، ووَلِيَ أبو مُحَمَّد قَضاء دِمَشْق، ثمّ إنَّ الحاكِم أرْسَلَهُ عنه إلى حَلَب إلى أبي نصْر مَنْصُور بن لُؤْلُؤ السَّيْفِيّ، فتُوفِّي بها وكان رَئيسًا، نَبِيْلًا، جَوَادًا، مُمَدَّحًا.