الدَّوْلَةِ من خَرْشَنَة (١) إلى حِمْص، وزوَّجَهُ ابنَتَهُ فاطِمَة، وكان الوَليُّ الحَسَن بن طَاهِر بتَوكْيل الإخْشِيْذ، فسُرَّ سَيْفُ الدَّوْلَة بذلك، وعقد النِّكَاح، ونَثَر سَيْفُ الدَّوْلَة في مَضْربه على الحاضِريْن ثلاثين ألف دِيْنارٍ، ونَثَر خَارِجَ المَضْرب أرْبَعمائة ألف دِرْهَم، وحَمَل إلى الحَسَن بن طَاهِر مَالًا كَثِيْرًا وخلَعًا وحُمْلَانًا.
قُلتُ: والحَسَن بن طَاهِر هذا هو وَالد طَاهِر بن الحَسَن بن طَاهر الّذي مَدَحَهُ المُتَنَبِّي (٢) بقَوْله: [من الطويل]
أعيدُوا صَبَاحي فهو عندَ الكَوَاعِبِ
وَسَنَذْكُره في حَرْف الطَّاء (٣) إنْ شاء اللَّه تعالَى.
ولمَّا زُرْت الخَلِيل ﷺ في سَنَة سَبْعٍ وثَلاثين وستمائة، مَضَيْتُ من زِيَارته إلى مَشْهَد اليَقِيْن فزُرْته (٤)، ورَأيْتُ في مَغَارة عند باب المَشْهَد قَبْرًا يَزُوره النَّاسُ مَكْتُوب عنده على لَوْح من الرُّخَام نَقْشًا هذا قَبْرُ فاطِمَة بنت الحَسَن بن طَاهِر بن يَحْيَى بن الحَسَن، وعلى لَوْحٍ آخر من الرُّخَام لذلك القَبْر مَكْتُوب نَقْشًا في الحَجَر: [من البسيط]
أسكنتَ مَنْ كان في الأحْشَاء مَسْكنُه … بالرَّغم منِّي بين التُّرْبِ والحَجَرِ
يا قَبْر فاطِمَةٍ بنت ابن فاطِمَةٍ … بنْت الأئمَّة بنْتِ الأنْجُم الزُّهُرِ
стр. 3012
يا قَبْرَ بنْت الزَّكِيّ الطَّاهِر … الحَسَن بن طَاهِرٍ من نَماه أطْهَرُ البَشَرِ
يا قَبْر كَم فيك من دِيْن ومن وَرَع … ومن حَيَاءٍ ومن صَوْن ومن خَفَرِ
وعلى اللَّوْح بخَطِّ النَّقَّاش الّذي نَقَش اللَّوْحَيْن: صَنَعَهُ مُحَمَّد بن أبي سَهْل النَّقَّاش بمِصْر، وصَاحِبة القَبْر هي بنْتُ الحَسَن بن طَاهِر هذا، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقال أبو الغَنائِم الزَّيْدِيّ النَّسَّابَة في كتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِيْن (١): أنَّ الحَسَن بن طَاهِر تُوفِّي بمِصْر في شَوَّال سَنَة ستٍّ وثَلاثين وثَلاثِمائة، وذَكَرَ أنَّ أُمّهُ أُمّ وَلدٍ.
وقال ابنُ خِدَاع (a) في كتاب المُعَقِّبين من وَلَد الحَسَن والحُسَين (٢)، ووَقَعَ إليَّ بخَطِّه: وكان لأبي مُحَمَّد الحَسَن حَظٌّ من الدُّنْيا، وتقدُّمٌ عند السُّلْطان، تُوفِّي بمِصْر سَنَة ستٍّ وثَلاثين وثَلاثِمائة.
ذَكَرَ مُحَمَّد بن أَسْعَد الجَوَّانِيّ النَّسَّابَة في كتابه المَوْسُوم بنُزْهَة القَلْب المُعَنَّى في نَسَب بني المُهَنَّا، أنَّ أبا مُحَمَّد الحَسَن بن طَاهِر تُوفِّي بمِصْر سَنة ستٍّ وثَلاثين وثَلاثِمائة.
стр. 3013
وقال القُضاعيُّ: تُوفِّي في شَوَّال من سَنة ستٍّ وثَلاثين وثَلاثِمائة. أنْبَأنَا بذلك أحْمَد بن أزْهَر، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، عنه.
الحَسَنُ بن طَاهِر الوَزِير (١)
وَزِيرُ سُليْمان بن قُطَلْمش صَاحِب أنْطَاكِيَة، كان معه وَزِيرًا له بأنْطَاكِيَة، وأُسِرَ في الوَقْعَة الّتي قُتِلَ فيها سُليْمان بالنَّاعُورَة، ثمّ أطْلَقَهُ تاج الدَّوْلَة تُتُش بن أَلْب أَرَسْلَان في صَفَر سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فسَارَ إلى أنْطَاكِيَة، ولم يَزَل بها إلى أنْ وَصَل السُّلْطان مَلِكْشاه إلى حَلَب وتَسَلَّمها في شَعْبان من السَّنَة المَذْكُورَة، ثمّ سارَ إلى أنْطَاكِيَة فسَلَّمها إليه الحَسَنُ بن طَاهِر الوَزِير المَذْكُور، واسْتَخْدَمَهُ مَلِكْشاه في الأمْوَال بأنْطَاكِيَة، ووَلَّى البَلَد يَغِي سغَان بن أَلْب، وتَرَكَهُ في عَسْكَرٍ معه.
стр. 3014
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
حَرْفُ العَيْن في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن عَامِر بن الحَسَن، أبو عليّ الكِلابِيّ البَابِيّ الحَنَفِيّ القَاضِي (١)
من وَلدِ العبَّاس بن الوَلِيد.
قاضي باب بُزَاعَا، من أهْلِ البَاب هو وسَلَفه، ومَوْلدُه ومَنْشَأهُ بها، أقامَ بها قَاضِيًا بعد أبيه عَامِر سِنِين عِدَّةً، وسَمِعَ الحَدِيْث بحَلَب من أبي الفَرَج يَحْيَى بن مَحْمُود بن سَعْد الثَّقَفِيّ الأصْبَهَانِيّ، وحَدَّثَنَا عنه بالبَاب، وكان شَيْخًا حَسَنًا، جَمِيل السِّيْرَة، مَسْتُورًا، عَفِيْفًا، وله أمْلَاكٌ بتلك النَّاحِيَةِ. سَألتُه عن مَوْلدِه فقال: في سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة.
أخْبَرَنا القَاضِي أبو عليّ الحَسَنُ بن عَامِر بن الحَسَن البَابِيّ بمَنْزِله بباب بُزَاعَا، قراءةً منِّي عليه، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج يَحْيَى بن مَحْمُود بن سَعْد الثَّقَفِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أَبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد بن الحَسَن الحَدَّادُ، قِراءَةً عليهِ وأنا حَاضِرٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم أحْمَدُ بن عَبْد اللَّه الحافظ، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهيم بن عبد اللَّه بن علِيّ، المَعْرُوف بابنِ أبي العَزَائِم، قال: حَدَّثَنَا أبو عَمْرو أحْمَدُ بن حَازِم بن أبي غَرَزَة، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بن مُوسَى، عن بُكَيْر بن عَامِر، عن عبد الرَّحْمن بن أبي
стр. 3015
نُعْم (a)، عن مُغِيرَة بن شُعْبَةَ، قال (١): رأيْتُ رسُول اللَّه ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ تَوَضَّأ، ومَسَح على خُفَّيْهِ، فقلتُ: نَسِيْتَ يا رَسُول اللَّه، لَم تَخْلَعْهُما، قال: بل أنْتَ نَسِيْتَ، بهذا أمَرَني ربِّي .
تُوفِّي القَاضِي حَسَنُ بن عَامِر البَابِيّ بباب بُزَاعَا يَوْم الأَحَد السَّادِس عَشر من صَفَر سَنَة ستٍّ وعشرين وستمائة، وكُنْتُ بعد وَفَاته بيَومٍ واحدٍ قد قَدِمْتُ البَابَ مُتَوَجِّهًا في رِسَالَةٍ.
الحَسَنُ بن العبَّاس بن الحَسَن بن الحُسَين أبي الجِنّ ابن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر ابن مُحَمَّد بن عِليّ بن الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب، أبو مُحَمَّد الحُسَيْنيّ، القَاضِي القُمِّيّ (٢)
انْتَقَلَ أبُوه العبَّاس بن الحَسَن من قُمّ إلى حَلَب، وانْتَقَلَ معه ابنهُ الحَسَن وإخْوَته البَاقُونَ في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، ثُمَّ انْتَقَلَ أبو مُحَمَّد وإخْوَته إلى دِمَشْق، ووَلِيَ أبو مُحَمَّد قَضاء دِمَشْق، ثمّ إنَّ الحاكِم أرْسَلَهُ عنه إلى حَلَب إلى أبي نصْر مَنْصُور بن لُؤْلُؤ السَّيْفِيّ، فتُوفِّي بها وكان رَئيسًا، نَبِيْلًا، جَوَادًا، مُمَدَّحًا.
стр. 3016
قَرأتُ بخَطِّ الشَّريف أبي الحَسَن إِدْرِيس بن الحَسَن الإِدْرِيسِيّ الحَسَنيّ: قال لي الشَّريفُ نِظَام الدِّين أبو العبَّاس بن أبي الجِنّ الحُسَيْنيّ: كانت نَقْلَتنا إلى حَلَب -يريدُ نَقْلَة الحَسَن أبي مُحَمَّد القَاضِي وأخيْهِ مع أبيهما، إلى حَلَب من بَلَد العَجَم- أيَّام سَيْف الدَّوْلَةِ.
قَرأتُ بخَطِّ الشَّريف أبي الغَنائِم عَبْد اللَّه بن الحَسَن بن مُحَمَّد الزَّيْدِيّ في كتابه المُجَرَّد في النَّسَب (١)، قال: والعَقِبُ من أبي الفَضْل العبَّاس بن الحَسَن بن الحُسَين بن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن إسْمَاعِيْل: أبو مُحَمَّد الحَسَن القَاضِي، كان بدِمَشْق، وأبو طَالِب مُحَمَّد، وأبو عَبْد اللَّه الحُسَين، وأبو الحَسَن عليّ القَاضِي كان ببَعْلَبَك، أُمُّهُم مُرِّيَّةٌ من العَرَب اسْمُها تَقِيَّة. قال أبو الغَنائِم: كان القَاضِي أبو مُحَمَّد الحَسَن مُقَدَّم أهْل بَيْتهِ ورَئيسَهُم، وكان جَوَادًا، وُصُولًا، بارًّا بأهْله، ﵁.
ونَقَلْتُ من كتاب المَجْدِيّ في أنْسَابِ الطَّالِبيِّيْن، تأليف الشَّريف أبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ العَلَويّ العُمَرِيّ، المَعْرُوفُ بابنِ الصُّوْفيّ (٢)، جَمَعَهُ للشَّرِيْف مَجْد الدَّوْلَة أبي الحَسَن بن فَخْر الدَّوْلَة أبي يَعْلَى حَمْزَة بن حَاكِم الدَّوْلَة، صَاحِب هذه التَّرْجَمَة الحَسَن بن العبَّاس. وذَكَرَ في أثناء الكتاب شَيئًا من نَسَب أبي الحَسَن، فقال (٣): ومنهم، يعني من ولد العبَّاس بن الحَسَن بن الحُسَين أبي الجِنّ الشَّريفُ القَاضِي بدِمَشْق هو: الحَسَنُ بن العبَّاس بن الحَسَن بن الحُسَين أبي الجِنّ، ماتَ
стр. 3017
عن أوْلَادٍ سَادة وَلُوا نِقَابَةَ النُّقَبَاءِ بمِصْر، والنِّقَابَةَ والقَضَاءَ بدِمَشْق، وذَكَرَ من عَقِبهِ من صَنَّف له الكتابَ.
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن الشِّيْرَازيّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (١)، قال: الحَسَنُ بن العبَّاس بن الحَسَن بن الحُسَين أبي الجِنّ بن عليّ بن مُحَمَّد بن عليِّ بن إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب، أبو مُحَمَّد الحُسَيْنيّ، وَلِيَ القَضَاءَ بدِمَشْق خِلَافَة أبي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن النُّعْمان قاضي أبي عليّ مَنْصُور، المُلَقَّب بالحاكِم، وكان أصْلُهُم من قُمّ، فانْتَقَلَ أبُوهُ العبَّاس إلى حَلَب، وانْتَقَلَ الحَسَنُ وإخْوَته إلى دِمَشْق، ووَلي قضَاءَها، ثمّ أرْسَله المُلَقَّبُ بالحاكِم رَسُولًا إلى أمير حَلَب، فقال أبو الحَسَن ابن الدُّوَيْدَة المَعَرِّيّ فيه، لمَّا أنْ قَدِمَ إلى حَلَب (٢): [من الطويل]
رَأَى الحاكِمُ المَنْصُور غَايَةَ رُشْده … فأرْسَلَهُ للعَالَمين دَلِيْلا
أَتَى ما أَتَى اللَّهُ العَلِيُّ مَكَانُهُ … فأرْسَل من آلِ الرَّسُولِ رَسُولًا
فماتَ، فلمَّا تُوفِّي رَثَاهُ الشُّعَراءُ، فقال فيه الشَّريفُ أبو الغَنائِم عَبْدُ اللَّهِ بن الحَسَن بن مُحَمَّد الحُسَيْنيّ (a) النَّسَّابَة: [من الوافر]
فُرُوعُكَ يا شَرِيْفُ شَهِدْنَ حَقًّا … بأنَّ الطَّاهِرينَ لها أُصُولُ
على حَالِ الرِّسَالَة في صَلَاحٍ … فُقِدْتَ وهكذا فُقِدَ الرَّسُولُ
قال الحافِظُ أبو القَاسِم (٣): قَرأتُ بخَطِّ عَبْد المُنْعِم بن عليّ بن النَّحْوِيّ: وفي لَيْلَة الأرْبَعَاء لاثْنتَين (b) وعشرين لَيْلَةً خَلَتْ من جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة أرْبَعمائة،
стр. 3018
وَرَد من حَلَب فَيْجٌ بكتاب أبي تُرَاب مُحَسِّن بن أبِي الجِنّ يَذْكُر فيه أنَّ عَمَّهُ أبا مُحَمَّد بن أبي الجِنّ الشَّريف القَاضِي ماتَ بحَلَب يَوْم الاثْنَين لأرْبَع عَشرة لَيْلَة خَلَتْ من جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة أرْبعمائة.
أنْبَأنا أبو الوَحْش بن نسِيْم، قال: أخْبَرنا عليّ بن أبي مُحَمَّد الدِّمَشْقيّ (١)، قال: ذَكَرَ أبو مُحَمَّد بن الأكْفَانيّ أنَّ أبا مُحَمَّد تُوفِّي في جُمَادَى الأُوْلى سَنَة أرْبَعمائة. قال غيرُه: بحَلَب، وحُمِلَ إلى دِمَشق فدُفِنَ فيها.
قَرَأتُ بخَطِّ أبي الغنائم الزَّيْديّ، قال: وتُوفِّي القَاضِي أبو مُحَمَّد بحلَب سَنَة أرْبَعمائة، ونُقِلَ إلى دِمَشْق.
وقَرأتُ بخَطِّ أبي الخَطَّاب عُمَر بن مُحَمَّد العُلَيْميّ، وذَكَرَ أنّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ عَبْد المُنْعم بن عليّ النَّحوِيّ، قال: وفي جُمَادَى الآخرَة وصَل تَابُوتُ الشَّرِيف أبي مُحَمَّد بن أبي الجِنّ من حَلَب، فدَفَنُوهُ ببُسْتَانه الّذي [. . .] (a) في قَصْرِه.
ذِكْرُ مَن اسْمُ أبيْهِ عَبْدِ اللَّه ممَّن اسْمُه الحَسَن
الحَسَنُ بن عَبْدِ اللَّه بن أحْمَد بن عَبْد الجَبَّار بن أبي حَصِيْنَة (b) السُّلَمِيّ، الأَمِير أبو الفَتْح المعَرِّيُّ (٢)
شَاعِرٌ مُجُيْدٌ بَليْغٌ، كَثِيْرُ الشِّعْر، أقَامَ بحَلَب في أيَّام بني مِرْدَاس، وكان
стр. 3019
وَجِيْهًا عندَهم، وتأمَرَّ في زَمنِهِم، رَوَى عنهُ شَيئًا من شِعْره أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إبْراهيمِ بن الحَسَن التَّنُوخِيّ الحَلَبِيّ، وابن ابنهِ نَصْرُ بن مَنْصُور بن الحَسَن بن أبي حَصِيْنَة، وأبو العَلَاء أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن سُلَيمان المَعَرِّيّ التَّنُوخِيّ.
وجَمعَ أبو العَلَاء دِيْوان شِعْره وشَرَح غَرِيْبَهُ ومَعَانيَهُ (١)، وقال في مُقدِّمَة الدِّيْوَان (٢): الدَّهْرُ مَديدٌ طَويْلٌ، يَجُوزُ أنْ يَحْدُثَ في آخره كما حَدَث في أوَّلهِ، لأنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ قَدِيرٌ على المُمْتَنِعاتِ، كُلّ ما حَكَم به فهو آت، تَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، وجَلَّتْ نَعْماؤُهُ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُنْشِئَ في هذا العَصْر من الشُّعَراءِ مَنْ هو لَاحِقٌ بالمُتَقدِّمين، وشَبِيهُ مَنْ سَلَفَ من الفُحُول الأوَّلين.
وكان مَوْلاي الأَمِير الجلِيْل أبو الفَتْحِ الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن أبي حَصِيْنَة سَألَني أنْ أجْمَعَ (a) شِعْرَهُ، فقُرئ عليّ (b) ما أنْشَأهُ من أنْوَاعَ القَرِيْض، فوَجَدْتُ لَفْظَهُ غير مَرِيْض، ومَعَانيه صحَاصًا مُخْتَرعة، وأغْرَاضَهُ بعِيْدةً مُبْتَدَعة، وهو وإنْ كان مُتَأخِّرًا في الزَّمان، فكأنَّهُ ممَّن (c) فَرَط في عَهْد النُّعْمان، ومَنْ سَمعَ كَلَامَهُ عَلِمَ أنَّهُ لم يُعَرْ (d) شَهَادة، ولا حُرِمَ في إبْداع الكَلِم سِيَادة.
وكَفَاهُ شَهَادةُ هذا العَالِم النِّحْرِير له بما شَهِدَ، وتَصَدِّيه لجَمْع شِعْره، وعَاشَ أبو الفَتْح بعد أبي العَلَاء مُدَّة سنين.
стр. 3020
أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (١)، قال: الحَسَنُ بن عَبْدِ اللَّه بن أحْمَد بن عَبْد الجَبَّار بن أبي حَصِيْنَة، أبو الفَتْح السُّلَمِيّ المَعَرِّيّ الشَّاعِرُ ذَكَرَ لنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّدُ بن المُحَسِّن بن المِلْحِيُّ أنَّهُ قَدِمَ دِمشْق، وله في وَصْفها أبياتٌ من قَصِيْدَة ذَكَرَها ابنُ ابنهِ أبو المُظَفَّر نَصْر بن مَنْصُور بن الحَسَن بدِمَشْق عنه، منها (٢): [من الكامل]
لو أنَّ دَارًا أخْبَرَتْ عن نَاسِها … لسَأَلْتُ رَامَةَ عن ظِبَاءَ كِنَاسِها
بل كَيْفَ تَسْألُ دِمْنَةً ما عِنْدَها … عِلْمٌ بوَحْشَتِها ولا إينَاسِها
مَمْحُوُّة العَرَصَات يَشْغَلُها البِلَى … عن سَاحِبَات الرَّبْطِ فَوْق دهَاسِها
بِيْضٌ إذا انْضَاِع النَّسِيمُ من الصَّبَا … خِلْنَاهُ ما يَنْضَاعُ من أَنْفَاسِها
يا صَاحِبَيَّ سَقَى مَنَازِلَ جِلَّقٍ … غَيْثٌ يُرَوِّي مُمْحِلَات طِسَاسِها
فرِوَاقَ جَامِعها فبابَ بَرِيْدهًا … فَمسَارِبَ (a) القَنَوات من بَانَاسِها
فلقَدْ قَطَعْتُ بها زَمانًا للصِّبَا … واللَّهْو مُحْضَرًا كخُضْرَة آسِهَا
قَبْلَ النَّوَى وسِهَامُهُ مَشْغُولةُ … الأفْوَاق لم تَبْلغُ إلى بِرْجاسِها
مَن لي برَدِّ شَبِيْبةٍ قَضَّيْتُها … فيها وفي حِمْصٍ وفي مِيْمَاسِها
وزمَان لَهْو بالمَعَرَّةً مُوْنَقٍ … بسِيَاثِهَا وبجانِبَيْ هِرْمَاسِهَا
قَرأتُ بخَطِّ مُؤَيَّد الدَّوْلَة أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ، وأنْبَأنَا به أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عليّ عنه، قال: الَأمِيرُ أبو الفَتْح بن أبي حَصِيْنَة، هو الحَسَنُ بن عَبْد اللَّهِ بن أحْمَد بن عبد الجبَّار بن أَبي حَصِيْنَة، وهو غَزِير القَرِيْحَة،
стр. 3021
كَثِيْر الشِّعْر، مُجِيْد بَلِيْغ، وكان مَدَحَ الأَمِير أسَدَ الدَّولَة أبا صالح عَطِيَّة بن صالح بن مِرْدَاس بقَصِيدَة أوَّلُها (١): [من الطويل]
سَرَى طَيْفُ هِنْدٍ والمَطِيُّ بنا تَسْرِي … فأَخْفَى دُجَى لَيْلٍ وأبْدَى سَنَا فَجْر
فيها:
خَلِيلَيَّ فُكَّاني من الهَمِّ وارْكَبا … فِجَاجَ المَوَامِي الغُرّ (a) في النُّوَب الغُبْر
إلى مَلِك من عَامرٍ لو تَمَثَّلَتْ … مَنَاقِبهُ أغْنَتْ عن الأنْجُمِ الزُّهْرِ
إذا نحنُ أثْنَيْنا عليه تلَفَّتَتْ … إلينا المَطَايَا مُصْغِيَاتٍ إلى قُتْرِ (b)
منها:
وفَوق سَرِير المُلْكِ من آل صالِحٍ … فَتًى وَلدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ
فَتَى وَجْهُهُ أبْهَى من البَدْر مَنْظَرًا … وأخْلَاقُهُ أشْهَى من الماءِ والخَمْرِ
فيها:
أبَا صالحٍ أشْكُو إليك نَوَائبًا … عَرَتْني كما يَشْكُو النَّبَاتُ إلى القَطْرِ
لتَنْظُرَ نحوي نَظْرةً لو نَظَرْتَها … إلى الصَّخْر فَجَّرْتَ العُيُونَ من الصَّخْرِ
وفي الدَّار خَلْفِي صِبْيَةٌ قد تَرَكتُهم … يُطِلُّون إطْلَال (c) الفِرَاخِ من الوَكْرِ
لعَلَّ بَشِيرًا منكَ يأتي إليهِمِ … بأنَّكَ قد آمنْتُهم عَضَّة الدَّهْرِ
ومنها:
جَنَيْتُ على رُوْحِي برُوْحِي جِنَايةً … فأثقلْتُ ظَهْري بالَّذي شَبَّ (d) من ظَهْرِي
стр. 3022
عِدَاد الثُّرَيَّا مثْل نِصْفِ عِدَادِهم … ومن نَسْلُه ضِعْفُ الثُّرَيَّا مَتَى يُثْرِي
فهَبْ هِبَةً يَبْقَى عليكَ ثَنَاؤُها … بَقَاء النُّجُوم الطَّالعات الّتي تَسْري
فلمَّا فَرَغَ من إنْشَادها، أحْضَر الأَمِيرُ أسَدُ الدَّولَةِ القَاضِيَ والشُّهُودَ، وكَتَبَ له، وأَشْهدَ على نَفْسه بتَمْلِيك ابن أبي حَصِيْنَة ضَيْعَتَيْن من مُلكِه لها ارْتِفَاعٌ كَثِيْرٌ، وأجازَهُ، وأحْسَنَ إليه، فأثْرَى وتَمَوَّل، وعَمَّر بحَلَب دَارًا خَسِرَ عليها مَالًا كَثِيْرًا، وكَتَبَ على إزَار رَوْشَنها (١): [من السريع]
دَارٌ بَنَيْناها وعِشْنَا بها … في نِعْمَةٍ (a) من آل مِرْدَاسِ
قَوْمٌ مَحَوْا بُؤْسي ولم يَتْركُوا … عليَّ للأيَّام (b) من بَاسِ
قُلْ لبني الدُّنْيا أَلَا هكذا … فليَفْعَلِ النَّاسُ مع النَّاسِ
هكَذا نَقَلْتُهُ من خَطِّ أبي المُظَفَّر أُسامَة في تَعْلِيقه الّذي عَلَّقَهُ لابن الزُّبَيْر، وقد ذَكَرَ أُسامَة بن مُنْقِذ في مَوضع آخر هذه الحِكايَة أنَّها وقَعَت لابن أبي حَصِيْنَة مع مُعِزّ الدَّولَة ثِمَال بن صالح، وهو أصَحُّ؛ أخْبَرَنا بذلك الأَمِينُ أبو القَاسِم الحُسَيْن بن هِبَة اللَّه بن مَحْفُوظ بن الحَسَن بن صَصْرَى، فيما أَذِنَ لنا في روَايَتِهِ عنْهُ، وسَمِعْتُ منه بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ، قال: كان ابن أبى حَصِيْنَة مَدَّاحًا للأميرِ تاج الأُمَرَاءِ مُعِزّ الدَّولَة أبي العُلْوَان ثِمَال ابن أسَد الدَّولَة صالح بن مِرْدَاس، فامْتَدَحَهُ بقَصِيدَة شَكَا فيها كَثْرة أوْلَادِهِ، وكان له أرْبَعة عَشر ولدًا، أوَّلُها: [من الطويل]
سَرَى طَيْفُ هِنْدٍ والمَطِيُّ بنا تَسْرى … [فأَخْفَى دُجَى لَيْلٍ وأبْدَى سَنَا فَجْر] (c)
стр. 3023
جَنَيْتُ على نَفْسِي بنَفْسِي جنايةً … فأثْقَلْتُ ظَهْري بالَّذي شَبَّ من ظَهْري
عِدَادُ الثُّرَيَّا مثْل نِصْفِ عِدَادِهم … ومَنْ نَسْله ضِعْفُ الثُّريَّا مَتَى يُثْري
وأخْشَى اللَّيالِي الغَادِرات عليهم … لأنَّ اللَّيالِي غيرُ مَأمُونة الغَدْرِ
ولي منْكَ إقْطَاعٌ قَدِيم وحَادِثٌ … تقلَّبْتُ فيهِ تحت ظلّكَ من عُمْري
وما أنا بالمَمْنُوع منْهُ ولا الّذي … أخَافُ عليه منْكَ حَادِثَةً تَجْري
ولكنَّني أَبْغِيْهِ مُلْكًا مُخَلَّدًا … خُلُود القَوَافي البَاقِيَات على الدَّهْرِ
والقَصِيدَةُ طَوِيلَةٌ.
فلمَّا سَمِعَها مُعِزّ الدَّولَةِ، أمَرَ بإحْضَار شُهُودٍ أشْهَدَهُم بَتْملِيكهِ أبا الفَتْح الحَسَن بن عَبْد اللَّه بن أحْمَد بن عَبْد الجَبَّار بن أبي حَصِيْنَة ضَيْعَتَيْن من أعْمَال حَلَب ومَنْبج، فأَثْرَى، وحَسُنَتْ حَالهُ، وعَمَّر بحَلَب دَارًا، وكَتَبَ على إزَار رَوْشَنها: [من السريع]
دَارٌ بَنَيْنَاها وعِشْنَا بها … في نِعْمَةٍ من آل مِرْدَاسِ
وذَكَرَ الأبْيَات الثَّلاثة كما نَقَلتُها من خَطِّ أُسامَة.
سَمِعْتُ الأَمِيرَ بَدْرَان ابن جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن بن مالك العُقَيْلِيّ، قال: قال لي الخَطِيبُ هاشِم خَطِيْبُ حَلَب: لمَّا بَني ابنُ أبي حَصِيْنَة دَارَهُ وكَتَبَ على إزَار سَقْفها: [من السريع]
دَارٌ بَنَيْنَاها وعِشْنَا بها … في نِعْمَةٍ من آل مِرْدَاسِ
المَانِعي بُؤْسِي فلَم يتْركُوا … عليَّ للأيَّام من بَاسِ
قُلْ لبَني الدُّنْيا ألَا هَكَذا … فليَفْعَلِ النَّاسُ مع النَّاسِ
بَلَغَ نَصْر بن مَحْمُود ذلك، فكَتَبَ له دَارًا إلى جانبها، وكانت خَربةً، وهي الآن لبعض الشِّرَاف بحَضرَة البلَاط شَرْقيّ الدَّار الّتي كان كَتَبَ على رَوْشَنها
стр. 3024
الأبْيَات، وهي الآن لبعض الهاشِميِّيْن، وبَابُهَا في الزَّاويَةِ الّتي هي مُقَابِل مَسْجِد الشَّريف الزَّاهِد، قال: وأطْلَقَ له ألفَ دِيْنارٍ.
قال: وقال لي الخَطيْبُ: والدَّارُ الّتي عَمَّرها هي الدَّار الّتي تجاه حَمَّام الوَاسَانِيّ، ولها سَابَاط رَاكِبٌ على حَمَّام الوَاسَانِيّ، وهي في زَمَاننا هذا لولد قُطْب الدِّين الحَسَن بن العَجَمِيّ.
كذا قال لي بَدْرَان: بَلَغَ نَصْر بن مَحْمُود! ولَم يَعِشْ أبو الفَتْح بن أبي حَصِيْنَة إلى أيَّام نَصْر بن مَحْمُود.
وقد قيل إنَّ الحِكايَة جَرَت مع نَصْر بن صاع أخي ثِمَال بن صالح؛ فإنَّني قَرأتُ في كتاب نُزْهَة النَّاظِر ورَوْضَة الخَاطِر، تأليف عَبْد القَاهِر بن عَلَوِي المَعَرِّيّ، المَعْرُوف بابنِ خُصَا البَغْل، قال (١): قيل: امْتَدَح أبو الفَتْح بن [أبي] (a) حَصِيْنَة المَعَرِّيّ، ﵀، نَصْر بن صالِح بحَلَب، فقال له: تَمَنَّ، فقال: أتَمَنَّى أنْ أكُونَ أميْرًا، فَجَعَلهُ أميرًا يَجْلِسُ مع الأُمَرَاء، ويُخَاطَب بالَأمِير، وقَرَّبَهُ، وصَارَ يَحْضرُ في مَجْلِسه وفي زُمْرَة الأُمَرَاء، ثمّ وَهَبَهُ أرْضًا بحَلَب قِبْليّ حَمَّام الوَاسَانِيّ، فعَمَّرها دَارًا وزَخْرَفَها وقَرْنَصَها، وتَمَّمَ بُنْيانَها، وكمل زَخَارفها، ثمّ نَقَشَ على دَائر الدَّرَابْزِين: [من السريع]
دَارٌ بَنَيْنَاها وعِشْنَا بها … في دَعَةٍ من آل مِرْدَاسِ
قَوْمٌ مَحَوْا بُؤْسِي ولم يَتْركُوا … عليَّ للأيَّام من بَاسِ
قُلْ لبَني الدُّنْيا أَلَا هَكَذا … فليَفْعَلِ النَّاس مع النَّاسِ
стр. 3025
قال: فلمَّا أنْهَى العَمَل بالدَّار، عمَل دَعْوَةً، وأحْضَر نَصْر بن صالح بن مِرْدَاسٍ، فلمَّا أكل الطَّعَام، رَأى الدَّار وحُسْنَها وحُسْنَ بُنْيانها ونُقُوشها، ورَأى الأبْيَات فقَرأها، فقال: يا أمير، كمَ خَسِرْتَ على بناءَ الدَّار؟ فقال: واللَّه يا مَوْلَانا ما للمَمْلُوك عِلْم بل هذا الرَّجُل تَولِّى عِمَارتَها، فأحْضَر مِعْمَارَها، وقال له: كم قد لَحقكمُ غرامَةٌ على بناءَ هذه الدَّار؟ فقال له المِعْمار: غَرِمْنا ألْفي دِيْنَارٍ مِصْريَّة، فأحْضَرَ من سَاعته ألفي دِيْنَارٍ مِصْرِيَّة، وثَوْبَ أَطْلَس، وعِمَامَةً مُذْهَبَة، وحِصَانًا بطَوْق ذَهَب، وسَخْت (a) ذَهَب، وسَرَفْسَار ذَهَب، ودَفَع ذلك جَميعَهُ إلى الأَمِير أبي الفَتْح، وقال له: [من السريع]
قُلْ لبَني الدُّنْيا ألَا هَكَذا … فليَفْعَل النَّاسُ مع النَّاسِ
ووَقَعَ إليَّ مَدَائِح نَصْر بن صالح مُدَوَّنَةً، وفيها قَصَائِد مَدَحَهُ بها أبو الفَتْح ابن أبي حَصِيْنَة وليس فيها القَصِيدَة الرَّائيَّة، ولا الأبْيَات السِّيْنيَّة، والصَّحيح أنَّهُ مَدَحَ بهما مُعِزّ الدَّولَة ثِمَال بن صالح، وأكْثَر مَدِيْحه فيه.
وقَرأتُ بخَطِّ أبي سَالَم أحْمَد بن عَبْد القَاهِر بن المَوْصُول هذه الأبْيَات الثَّلاثة، وذَكَرَ أنَّهُ كَتَبَها في دَاره على حَيْط مَجْلسه، وقالها في أيَّام مُعِزّ الدَّولَة، يعني ثِمَال بن صالح، وقد أطْلَق شيئًا في عِمَارتها له.
وقَرأتُ بخَطِّ رَجُل من الفُضَلَاءِ في بعض الكُتُب أنَّ ابن صالِح لمَّا بَلَغَتْهُ هذه الأبْيَات نفَّذَ إليه مَالًا، قيل: مِقْدَاره ألف دِيْنار، وقيل: ثلاثة آلاف دِينْار عِوَضًا عمَّا غَرِمَهُ على الدَّار.
стр. 3026
وممَّا يَدُلُّ أنَّ هذه الوَاقِعَة كانت مع مُعِزّ الدَّولَة، أنِّي قَرَأتُ في دِيْوان شِعْر أبي الفَتْحِ بن أبي حَصِيْنَة، الَّذي جَمَعَهُ أبو العَلَاء بن سُلَيمان أبْيَاتًا مَدَحَ بها أبا العُلْوَان ثِمَال بن صالح، يَذْكُر فيها غَيْبَةً غابها في عِمارَة دَاره الّتي عَمَّرها بحَلَب، وكان قد تأخَّر عن الخِدْمَة في الحُضُور بحَضْرته أيَّامًا عدَّةً (١): [من الطويل]
وَقَفْنَا فكم هاجَ الوقُوفُ على المَغْنى … غَلِيْلًا دَخِيْلًا من لُبَيْنَى ومن لُبْنَى
وعُجْنَا عليه منذُ عِشْرِينَ حِجَّةً … تَقَضَّتْ فما عُجْنا على الحِلْم مُذْ عُجْنَا
أرَبْعَ التَّصَابي قد فَنيْتَ وحُبُّنا … لأهْلِكَ لا يَبْلَى بلَاكَ (a) ولا يَفْنَى
كأنَّكَ تَلْقى ما لَقِيْنا من الهَوَى … وتَضْنَي لفَقْد الظَّاعِنِيْن كما نَضْنَى
سَألناكَ لو أخْبَرتَنا أين يَمَّمُوا … أَوَعْسَ الحِمَى الأقْصَى أم الأوْعَسَ الأدْنَى
أم الحَيُّ لما أكْدَتِ المُزْن يَمَّمُوا … ثِمَالًا فشَامُوا من أنَامِلِهِ المُزْنَا
لقد نَجَعُوا رَبْعًا خَصِيْبًا من النَّدَى … وصَارُوا إلى مَنْ يَمْنَحُ المُدْنَ لا البُدْنا
فَتَى كَرَمٍ أفْنَى الصَّوَارِمَ في الوَغَى … ضِرَابًا وأَفْنَى بالطِّعَان القَنَا اللُّدْنَا
يدُلُّكَ من كلتَا يَدَيهِ علِىِ الغِنَى … فيُسْرُكَ في اليُسْرى ويُمْنُكَ في اليُمْنَى (b)
هو البَحْرُ إلَّا أنَّنا لا نَرَى له … سِوَى مُوْقَراتِ العِيْس من ماله سُفْنَا
نَظَمْتُ لأَسْنَى الخَلْقَ مَدْحًا وَجَدْتُهُ … سَنِيًّا فأهْدَيْتُ السَّنِىَّ إلى الأَسْنَى
أبا صالحٍ إنْ كُنْتُ في القَوْل مُحْسِنًا … فإنَّكَ قد جَازَيْتَني عنه بالحُسْنَى
وأعْدَيْتَني بالجُوْدِ حتَّى تَرَكْتَني … أجُودُ فأُفْنِي مَكْسَبي قبْلَ أنْ أَفْنَى
تَشَاغَلْتُ أبْني فيك مَدْحًا وأَبْتَني … ففيْكَ الّذي أَبْني ومنْكَ الّذي يُبْنَى
إذا نحنُ جُدْنا أو بَجَحْنا (c) بنِعْمَةٍ … فمنْكَ وممَّا جُدْتَّ ذاكَ الّذي جُدْنَا
стр. 3027
ومَنْ (a) شكر القَوْم الأُلَى منْكَ رِزْقُهُم … فإنَّكَ بالشُّكْر الّذي شَكَرُوا تُعْنَى
إذا المَرْءُ أوْلَى الفَضْل من فَضْل غيره … فمُوْليْهِ أَوْلَى بالثَّنَاءِ الّذي يُثْنَى
أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف (b) بن مَحُمود السَّاوِيّ بالقَاهِرَة، قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طاهر السِّلَفِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إبْراهيم بن الحَسَن التَّنُوخِيّ الحَلَبِيّ ببَغْدَاد في مَجْلِس أبي زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ اللُّغَويّ، قال: أنْشَدَني الأَمِيرُ أبو الفَتْح بن أبي حَصِيْنَة بحَلَب لنَفْسِه من قَصِيدَة (١): [من الطويل]
كأنَّ الفَتَى يَرْقَى من العُمْر سُلَّمًا … إلى أنْ يَجُوز الأرْبَعِين فيَنْحَطُّ
وهذا البَيْت من قَصِيدَةٍ من غُرِّ قَصَائِده (٢).
وهذه أرْبَعُ قَصَائِد قالها في مَدْح مُعِزّ الدَّولَةِ ثِمَال بن صالِح، ذَكَرَ أبو العَلَاء بنِ عَبْد اللَّه بن سُلَيمان أنَّهُ عَمِلهُنَّ في لَيْلَةٍ واحدةٍ باقْتِرَاحِهِ ذلك عليه لغَرَضٍ جَرَى منه، ولمَّا أصْبَح وأنْشَدهُنَّ بحَضْرتهِ، أجْزَل له من العَطَاءِ، وأحْضَر له في جُمْلَته سفَطًا من مَلَابسهِ السَّنِيَّة، فلَبسَ ما فيه بينَ يَدَيْهِ، وأَقْطَعَهُ قَرْيَةً تُعْرَفُ بأَعْزَال (٣) زِيَادَةً على ما كان معَهُ من الإقْطَاعِ في ذلك الوَقْت، وذلك في سَنَة ثَلاثٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة، وهذه الأُوْلَى منهُنَّ (٤): [من الطويل]
أبَى قَلْبُهُ من لَوْعَة الحُبِّ أنْ يَخْلُو … فلا تَعْذِلُوا من ليسَ يَرْدَعُهُ العَذْلُ
стр. 3028
ولا تطْلُبُوا منِّي مَدى الدَّهْر سَلْوِةً … فما يَرْعَوي عنكمُ فُؤادِي ولا يَسْلُو
ضَنِيْتُ فلَوْ أنِّي على رَأسِ شَعْرةٍ … حُمِلْتُ ومَالَتْ لم يُنْمِها بي (a) الحَمْلُ
كأنَّ اللَّيالِي طَالبَتْني لقُرْبكُم … بتَبْلٍ فلمَّا بِنْتُم ذَهَبَ التَّبْلُ
خَلِيلَيَّ ما للرَّبْع يَخْلُو وليسَ لي … فُؤَادٌ من التَّبْرِيْجْ يَخْلُو كما يَخْلُو
وما لي إذا ما لاحَ إيْماضُ بَارِقٍ … من العَلَم النَّجْدِيِّ دَاخَلَنِي خَبْلُ (b)
لئن كان جَهْلًا ما بقَلْبي من الهَوَى (c) … فَمنْ لي بقَلْبٍ لا يُفَارِقُهُ الجَهْلُ
ومَنْ لي بوَصْل من أُمَامَةَ بَعْدَما … تقَطَّعَ منها اليَأسُ أنْ يَرجع (d) الوَصْلُ
أيَا قَلْبُ كم لا تَسْتَفيقُ من الجَوَى … وكم أنْتَ لا يَجْلُو غَرَامَك ما تَجْلُو (e)
تَحِنُّ إلى نُعْمٍ وجُمْلٍ كِلّيْهما … وما أَنْعَمَتْ نُعْمٌ ولا أجْمَلَتْ جُمْلُ
فأُقْسِم لولا أنْتَ لم يُخْلَقِ الجَوَى … ولوْلَا أبو العُلْوَان لم يُخْلَقَ الفَضْلُ
فَتًى أَتْعَبَ البيْضَ الصَّوَارِمَ في العُلَى … وجَرَّبَ فيها ما يَمُرُّ وما يَحْلُو
فلا تَحْسَبُوا أنَّ المَعَالِي رَخِيْصَةٌ … ولا أنَّ إدْرَاكَ العُلَى هيِّنٌ سَهْلُ
فما كُلُّ مَنْ يَسْعَى إلى المَجْد مُدْرِكًا … ولا كُلُّ مَنْ تَهْوَى (f) العُلَى نَفْسُه تَعْلُو
وفَوْقَ سَرِير المَجْد من آل صَالِحٍ … فَتًى ما لهُ عن شُغْلهِ بالعُلَى شُغْلُ (g)
له نَصْلُ سَيْفٍ يَقْطَعُ الهامَ حَدُّهُ … وأقْطَعُ منه حَامِلُ النَّصْل لا النَّصْلُ
إذا سَلَّهُ سَلَّ العَزِيْمَةَ قبلَهُ … فلم يُدْرَ أيّ الصَّارِمَيْن (h) له الفِعْلُ
فَتًى خُلْقُهُ خُلْقُ الغَمَام فعندَهُ … لطَالِبهِ إمَّا الوَبَالُ أو الوَبْلُ
أبَا صَالِح حَمَّلتَني كُلَّ مِنَّةٍ … فرِفْقًا بما تُسْدِي فقد ثَقُل (١) الحِمْلُ
стр. 3029
نَظَمْتُ لكَ الدُّرَّ الّذي ليسَ مثْلُهُ … وأنْتَ الّذي ما في المُلُوك له مِثْلُ
بلَوْتَ القَوَافي عندَ مَنْ لَوْ بَلَوْتَهُ … بغير القَوَافي لابْتَهَجْتَ (١) بما تَبْلُو
ولمَّا تَخَيَّرْتُ المَدِيْحَ أو الكَرَى … حَلَا في فَمِي مثل الرُّقَادِ الّذي يَحْلُو
وكادَتْ قَوَافي الشِّعْر لمَّا دَعَوْتُها … إليكَ تُوَافي قَبْلَ أَنْ وَافَت الرُّسُلُ
لك الفَضْلُ لا للغَيْثِ إنَّكَ دَائِمٌ … وما دَامَ سَحٌّ للغُيُوث ولا هَطْلُ
وَهَبْتَ لغَالِي المَدْحَ (a) مَالَكَ كُلَّهُ … كأنَّكَ لا يَغْلُو عليكَ الّذي يَغْلُو
وأنْتَ الّذي لولَاكَ لم يُعْرَف النَّدَى … وأنتَ الّذي لوْلَاك لَم يُعْرَفُ (٢) العَدْلُ
وهذه هي القَصِيدَةُ الثَّانيةُ من القَصَائِد الأرْبعَ (٣): [من البسيط]
عُوْجًا نُحَيِّ رُبُوعًا غيرَ أدْرَاسِ … بَيْن اللَّوَى وهِضَاب الأَرْعَنِ الرَّاسِي
إلى الأبَارِقِ حيثُ العيْنُ رَاتِعَةٌ … من الِحَمى بينَ أَنْقَاءٍ وأدْهَاسِ
سَقَى الدِّيَارَ بحيْثُ الخَبْتُ من هَجْرٍ … شؤْبُوبُ كُلِّ مُلِثِّ الوَبْل رَجَاسِ
دِيَار نَاسٍ صَحِبْناهُم بها زَمَنًا … يا حَبَّذا ناسُ تلكَ الدَّار من نَاسِ
إنْ أَوْحَشُوني فما أَنْسىِ بقُرْبهم … أُنْسِي فأَمزُجُ إيْحَاشِي بإينَاسِي
يا صَاحِبَيَّ أَبَرْقٌ لاحَ مُبْتَسِمًا … من دُون شَمَّاءَ (b) أم مَشْكَاةُ نِبْرَاسِ
أم نَحْنُ لمَّا جَعَلْنا قَصْدَنا حَلَبًا … بَدَا لنا النُّور من وَجْهِ ابنِ مِرْدَاس
مُتَوَّجٌ من بَني الشَّدَّادِ قد جُمِعَتْ … فيهِ المَحَامِدُ من جُوْدٍ ومن نَاسِ
مَنْ فَتَّشَ النَّاسَ من بَدْوٍ ومن حَضَرٍ … لم يَلْقَ مثْلَ أبي العُلْوَان في النَّاسِ
مُرَدَّدٌ في أُصُولٍ غير ذَاوِيَةٍ … من النَّدَى بينِ مِرْدَاس ومَيَّاسِ
ما زلْتُ أُفْرغُ في أوْصَافِهِ هِمَمي … دَهْرًا وأُتْعِبُ أقْلَامي وقِرْطَاسِي
стр. 3030
حتَّى أخَذْتُ أمانًا من مَكَارِمِهِ … أنْ لا يُقَلْقِلَ في الآفاق أَفْرَاسِي
يَشِيْبُ (a) وَفْري ولي من سَيْب (b) رَاحَتِهِ … وَفْرٌ وأعْرى وَلِي من فَضْلِهِ كَاسِي
قَسَا عليَّ زَمَاني فاسْتَجْرتُ بهِ … فبَاتَ لي غير قَاسٍ قَلْبُهُ القَاسِي
يا مَنْ مَكَارِمُه اللَّاتي عُرِفْتُ بها … مَكَارِمٌ أنْبَتَتْ شَعْري على رَاسِي
جَمِيْل فِعْلك فَخْري في بَني زَمَني … وحُسْنُ وَصْفِكَ فَخْرِي بينَ جُلَّاسِي
وطيْبُ ذِكْركَ لا ينْفَكُّ من (c) خَلَدِي … كأنَّ ذِكْرَكَ مَقْرُونٌ بأنْفَاسِي
وهذه هي القَصِيدَةُ الثَّالثَةُ من جُمْلَةِ القَصَائِد الأرْبَع الّتي عَمِلهُنَّ في تلك اللَّيْلة (١): [من البسيط]
هَاجَ الوقُوفُ برَسْم المَنْزل الخالي … صَبَابةً لم تَكُن منِّي على بَالِ
لولا ظِبَاءُ رِمَاحٍ (b) لَم أَمُتْ شَغَفًا … بظَبْيَةٍ من ظِبَاءٍ السِّرْب معْطَالِ
لو شِئْتَ نَجَّتْكَ منها كُلُّ نَاجِيَةٍ … مِرْقَالة بنْت سَامِيِ الطَّرْف مِرْقَالِ
صَهبَاءَ مَالَ من التَّأوِيْب رَاكِبُها … مَيْل (e) المُعَلَّل من صَهْبَاءَ جِرْيَالِ
تَطْوِي البَعِيْدَ ويَطْوِيها فقد جُدِلَتْ … جَدْلَ المَرِيْرَة من حَلٍّ (f) وتَرْحَالِ
إلى فَتًى من بَني الشَّدَّادِ هِمَّتُهُ … مَقْرُونَةٌ بشُعَاعِ الكَوْكَب التَّالي
مُبَارَك الوَجْه لا يَخْفى تَهلُّلُهُ … مِثْلُ الحُسَام جَلَاهُ الصَّيْقَلُ الجَالِي
تلْقَى المُعِزَّ وتَلْقَى النَّاس كُلَّهُمُ … فتَزْدَري الوَهْدَ عند البَاذِخ العَالي
صَحِبْتُهُ غير ذي مالٍ فصَيَّرَني … من جُود كفَّيْه ذا جَاهٍ وذا مَالِ
وبَاتَ يُرْدِفُ لي من سَيْب رَاحَتهِ … جُوْدًا بجُوْدٍ وإفْضَالًا بإفْضَالِ
стр. 3031
سَجِيَّةٌ من كَرِيْم الخِيْمِ مَنْصِبُهُ … مُرَكّبٌ في كِرَامٍ غَير بُخَّالِ
أبْطَالُ حَرْبٍ وإنْ حَاوَلْتَ فَضْلَهُمُ … في السِّلْم ألفَيْتَ منهم غيرَ أبْطَالِ
أَمْحَلْتُ قِدْمًا فما زالَتْ غَمَائِمُهُم … تَجُودُ مَغْنَايَ حتَّى زَال إمْحَالي
واللَّهُ يَكْلَؤُهُم ممَّا أُحَاذِرُهُ … إنَّ المُهَيْمنَ نِعْمَ الحافِظُ الكَالِي
وهذه هي القَصِيدَةُ الرَّابعةُ ممَّا عَمِلَهُ في تلك اللَّيْلة، وأنْشَدَها معَهُنَّ بحَضْرتِه في ذلك اليَوْم (١): [من الرجز]
هَلْ تَعْرفُ الرَّبْعَ الّذي تَنَكَّرَا … بين المَوَاعِيْسِ إلى وَادِي القُرَى
إلى الشَّرَى يا حَبَّذا ذاكَ الشَّرَى … حَيْثُ تَرَى منْهُ الكَثِيْبَ الأعْفَرَا
مُعَمَّمًا بنَورِهِ مُؤَزَّرًا … يفْشِي (a) نَسِيمَ الرِّيح ذاكَ العَبْهَرَا
والرَّنْد فَيَّاحَ الشَّذَا والعَرْعَرا … حتَّى تَسُوْفَ بالوِهَادِ والذُّرَى
عُوْدًا قُمَارِيًّا ومِسْكًا أذْفَرًا … مَنَازِلًا ذَكَّرْنَ مَنْ تَذَكَّرَا
عَيْشًا هَنِيْئًا وزَمَانًا أنْضَرَا … يا صَاحِبَيَّ غلِّسًا أو هَجِّرَا
وقَبِّلَا العِيْسَ المَخُوفَ الأغْبَرَا (b) … طَلَائِحًا تَنْفُخُ في صُفْرِ البُرَى
كأنَّها من الوَجِيْفِ والسُّرَى … قِسِيُّ رَامٍ أو جَرِيْدٌ حُسِّرَا
قَلائِصًا باتَتْ لُغُوبًا حُسَّرًا … يَكْتُبْنَ بالأيْدِي على وَجْهِ الثَّرَى
من الذَّمِيْل أَحْرُفًا وأَسْطُرًا … قُلْنا لها والنَّجْم قد تَغَوَّرَا
والصُّبْحُ قد أَسْفَرَ أو ما أَسْفَرَا … وهي من الإدْلَاج تَخْفَى أنْ تُرَى
يا عِيْسُ أُميِّ المَلِكَ المُؤَمَّرَا … وانْتَجِعي ذَاكَ الجَنَابَ الأخْضَرَا
فإنْ أزَرْنَاكِ المُعِزَّ الأزْهَرَا … فما تَرَيْنَ نَصَبًا ولا نَرَى
стр. 3032
يا خَيْرَ قَيْسٍ مَحْتِدًا وعُنْصُرَا … دُوْنَك هذا الكَلِمَ المُسَيَّرَا
أَرَّقَنِي تأليْفُهُ وأسْهَرَا … وبتُّ لا أُطْعِمُ أجْفَاني الكَرَى
حتَّى نَظَمْتُ المُؤْنَّقَ المُحَبَّرَا … قَلائِدًا من القَرِيْض نُدَّرَا
كأنَّما أنْظِمُ منها جَوْهَرًا … تِجَارَةٌ قد أَرْبحَتْ مَنْ تَجَرَا (a)
فاسْلَم ولازلْتَ الأَعَزَّ الأكْبَرَا … مُؤيَّدًا مُسَدَّدًا مُظَفّرا
مُعَمَّرًا أو لا نَرَى مُغَمَّرا (b)
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن الشِّيْرَازيّ كتابةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَرَج غَيْثِ بن عليّ الأرْمَنازِيّ ممَّا عَلَّقَهُ عن أبي الحَسَن يَحْيَى بن عليّ بن عَبْدِ اللَّطِيْف بن زُرَبْق المَعَرِّيّ أنَّ أبا الفَتْح بن أبي حَصِيْنَة كانت وفاتُهُ سَنة ستٍّ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، أو في سَنَة سَبْعٍ بحَلَب، ويقتَضى أنْ يكُون مَوْلدُه قبل التِّسْعِين وثَلاثِمائة.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن بَرَكات بن شَافِع القُرَشِيُّ، أبو الفَوَارِس الدِّمَشقيّ (٢)
حَدَّثَ بحَلَب عن أبِي بَكْر مُحَمَّد بن عُبَيْد اللَّه ابن الزَّاغُونِيّ في شْهر رَبِيع الآخر من سَنَة خَمْسٍ وأرْبعين وخَمْسِمائَة، وبغَيْرها عن أبي عليّ الحُسَين بن مُحَمَّد العَلَويّ الطَّبَريّ، والقَاضِي أبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن المُظَفَّر السَّرَّاج، وأبي الحَسَن عليّ بن حَمْزَة المُوْسَويّ، وأبي سَعيد مُحَمَّد بن نُوح الرَّصَاصِيّ، وأبي القَاسِم عُود بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن المَرْوَزيّ، وأبي الفَتْح سَالَم بن عَبْدِ اللَّهِ العُمَرِيّ، وأبي مُحَمَّد عَبْد الجَبَّار بن عَبْدِ الخَالِق بن أبي القَاسِم الشَّحَّاميِّ.
стр. 3033
وسَمعَ أبا الفَضْل مُحَمَّد بن الحُسَلى الرَّفَّاء الوَاعِظ خَطِيْب سَمَرْقَنْد، وسَمِعَ بدمَشْق الحافِظَ أبا الحُسَين هِبَةَ اللَّه بن الحَسَن بن عَسَاكِر المَعْرُوف بالصَّائِن، وَأبا القَاسِم الخَضِر بن الحُسَيْن بن عَبْدَان، وبالمَوْصل أبا بَكْر مُحَمَّد بن عليّ بن يَاسِر الجَيَّانِيّ، وبالجَزِيْرَة أبا عَبْد اللَّه بن سُبَيْع.
رَوَى لنا عنْهُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الجَزَرِيّ، وكان له شِعْرٌ حَسَنٌ.
أخْبرَنا عِزّ الدِّين أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الجَزَرِيّ، قِراءَةً عليهِ بحَلَب، وكَتَبَهُ لي بخَطِّه، قال: أخْبَرَنا أبو الفَوَارِس الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن شَافِعٍ الدِّمَشقيّ، بقِرَاءَتي عليه بها، قال: أخْبَرَنا السّيِّدُ أبو عليّ الحُسَين بن مُحَمَّد العَلَويّ الطَّبَريّ، والقَاضِي أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن المُظَفَّر المُتَوَلِّي السَّرَّاجُ قاضي بَغْ (١)، وأبو القَاسِمِ مَحْمُود بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن المَرْوَزيّ المَعْرُوف بأُوْلبة، وأبو مُحَمَّد عَبْد الجَبَّار بن عبْد الخَالِق بن أبي القَاسِم الشَّحَّامِيّ، قالوا: أخْبَرَنا أبو بَكْر الشِّيْرُوِيّ، ح.
قال أبو الفَوَارِس: وأخْبَرَنا السَّيِّدُ أبو الحَسَن عليّ بن حَمْزَة المُوْسَويّ، وأبو الفَتْح سَالِم بن عَبْدِ اللَّه العُمَريّ، وأبو سَعيد مُحَمَّدُ بن نُوح الرَّصَاصِيّ، قالوا: أخْبَرَنا أبو سَعيد مُحَمَّدُ بن مُوسَى بن الفَضْل الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس الأصَمُّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بنُ هشَام بن مَلَّاس، قال: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بن مُعاوِيَة، قال: حَدَّثَنَا حُمَيْد، عن أنَسٍ (٢) أنَّ رسُول اللَّهِ ﷺ ، قال: لغَدْوةٌ أو رَوْحَةٌ في سَبِيْل
стр. 3034
اللَّه خَيْرٌ من الدُّنْيا وما فيها، ولَقَابُ قَوْس أحَدِكُم في الجَنَّةِ خَيْرٌ من الدُّنْيا وما فيها، ولو اطَّلَعَت امْرَأةٌ من نسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ إلى الأرْض لأضَاءَت ما بينهما، ولمَلَأَتْ ما بينهما رِيْحًا، ولنَصِيْفُها على رَأسِها خَيْرٌ من الدُّنْيا وما فيها.
أنْشَدَنا أبو السَّعَادَات المُبارَكُ بن أبي بَكْر بن حَمْدَان، قال: أنْشَدَنا أبو القَاسِم ابن أبي الفَرَج بن أبي مَنْصُور اليَعْقُوبيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الفَوَارِس الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن شَافِع الدِّمَشقيّ لنَفْسِه: [من الوافر]
إذا سَدَّ اللَّئِيْمُ الباب دُوْني … وكَلْبٌ عَضَّنِي منهُ بنَابِ
فبابي للوَرَى أَبَدًا وُلُوجٌ … ونابي عن عضَاض الكَلْب نَابِ
وكَيْفَ ولي نجارٌ من قُرَيْش … ولي فَضْل إلى العَلْيَاءِ نَابِ
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن الحَسَن بن سَعيد بن عَبْد السَّلام، أبو سَعيد الخزاعيُّ المِصِّيْصيّ المَعْرُوف بابنِ الدَّقِيْقِيّ (١)
سَمِعَ بالمِصِّيْصَة أبا حَفْصٍ عُمَر بن سُلَيمان الشَّرَابِيّ مَوْلَى المُعْتَزّ باللَّه، سَنَة إحْدَى وثَلاثين وثَلاثِمائة، رَوَى عنهُ أبو مُحَمَّد بن أبي نَصْر.
أنْبَأْنَا أبو المَحَاسِن سُليْمانُ بن الفَضْل بن سُلَيمان البَانِياسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِمِ عليّ بن إبْراهيم، قال: أنْشَدنَا أبو مُحَمَّد عَبْد العَزِيْز بن أحْمَد، قال: أنْشَدَني أبو مُحَمَّد بن أبي نَصْر، قال: أنْشَدَني أبو سَعيد الحَسَنُ بن عَبْد اللَّهِ بن سَعيد بن عَبْد السَّلامِ الخُزَاعِيّ، المَعْرُوفُ بابنِ الدَّقِيْقِيّ المِصِّيْصيّ، بدِمَشْق في شهر رَبيع الآخر سَنَة خَمْسِين وثَلاثِمائة، قال:
стр. 3035
أنْشَدَني أبو حَفْص عُمَر بن سُلَيمان الشَّرَابِيّ مَوْلَى المُعْتَزّ باللَّه في المِصِّيْصَة سَنَة إحْدَى وثَلاثين وثَلاثِمائة، قال: أنْشَدَنا أبو العبَّاس عَبْدُ اللَّه ابن المُعْتَزّ باللَّهِ لنفسِه في مَنْزِلهِ ببَغْدَاد (١): [من البسيط]
يا مَنْ أَعِزُّ بذُلِّي في الخُطُوْبِ لَهُ … إذا تَعَزَّزَ مَخْلُوقٌ بمَخْلُوقِ
يا رَازِقَ الخَلْقِ صُنّي بانْفِرَادِكَ لي … بالرِّزْقِ عن كُلِّ مَرْزُوقٍ بمَرْزُوقِ
لم يَعْصِهِ أحَدٌ إلَّا بتَخليةٍ … منهُ ولَم يُرْضِهِ إلَّا بتَوفِيقِ
أنْبَأنَا أبو الوَحْش بن نَسيمِ، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو القَاسِم الدِّمَشقيّ (٢)، قال: الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن الحَسن بن سَعيد بن عَبْد السّلام، أبو سَعيد الخُزَاعِيّ المِصِّيْصيّ المَعْرُوف بابنِ الدّقِيْقِيّ، قَدِمَ دِمَشْق سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِينِ وثَلاثِمائة، وحدَّثَ عن أبي حَفْصٍ عُمَر بن سُلَيمان الشَّرَابِيّ مَوْلَى المُعْتز، رَوى عنهُ أبو مُحَمَّد بن أبي نَصْر.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّهِ بن الحَسَن بن عبد الرَّحْمن بن طَاهِر ابن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحُسَين بن عليّ، أبو عليّ بن العَجَميّ، المُلَقَّب قُطْب الدِّين (٣)
أخْبَرَني ابنُ عَمِّي أبو الفَضْل هِبَة اللَّه بن مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن أبي جَرَادَة أنَّه حَدَّثَ بحَلَب، قال: وسَمِعْتُ منه جُزءًا من الحَدِث مع بعض الطَّلَبَةِ للحَدِيْث بحَلَب، وكان أبو عليّ هذا له وَجَاهَةٌ بحَلَب، وعنده فَضْل وأدَبٌ، ووَلِيَ أوْقَاف المَسْجِد الجامع، وتَمَوَّل، وحَجَّ على طَرِيق بَغْدَاد، فاحْترم من دَار الخِلَافَة، وصارَ
стр. 3036
في الطَّريق بينَهُ وبين طَاشْتكِيْن أمير الحَاجّ مَوَدَّةٌ ومُؤانَسَةٌ ومُكَاتَبةٌ، ووَقَف على الفُقَرَاء وعلى أوْلَاده وُقُوفًا كَثِيرة.
أخْبَرَني ولدُه بَهَاء الدِّين أبو القَاسِم عَبْد المَجِيْد بن الحَسَنِ، قال: سَمِعْتُ وَالدِي يقُول إنَّهُ كان يَقْرأ القُرْآن في صِبَاه بالمَسْجِد الجَامع على رجُلٍ من القُرَّاء يُقال له ابنُ الضُّرَيْبَة، وكان يَقْرأ معه أخُوه أبو الفَضْل بن عَبْد اللَّه بن الحَسَن، قال: وكان أخي ذَكِيًّا فَطِنًا يحفظُ سَرِيْعًا، وكنتُ بَطِيء الحِفْظ، وَاقِف الخَاطِر، حتَّى أنَّني تَعبتُ أيَّامًا في حِفْظ قَوْله تعالَى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم﴾ (١) ولا أحْفَظُها! فقال ابنُ الضُّرَيبة يَوْمًا: لا إلَه إلَّا اللَّهُ، هذا أخُو أبي الفَضْل، فأخَذَتني الأنَفَة على نفسِي وصغرت (a) عندي لذلك، ودَعْوتُ اللَّه تعالَى أنْ يُسَهِّلَ لي حِفْظَ القُرْآن، ثم اجْتهَدْتُ حتَّى بلَغَ من أمْري أنَّني كُنْتُ آخُذ ستِّين آيةً وسَبْعِين آيةً وأحْفَظها.
حَدَّثَّني وَالدِي ﵀، قال: كان للقُطْب أبي عليّ بن العَجَمِيّ جبٌّ فيه حِنْطَة، في دَاره، فأمَرَ بفَتْحه وبيعَ ما فيهِ من الحِنْطَة، ففُتِحَ لتُبَاع الحِنْطَة عند تحرُّك السِّعْر، فوجَدُوا الماء في رَأس الجُبّ فَوْقَ الحِنْطَة، فجاؤُوا إليه وأخْبَرُوه بذلك، فقال: في سَبِيْل اللَّه. ثمّ نَزحُوا الماء، فوَجَدُوه قد جَرَى من قناةٍ إلى رَأس الجُبّ، ولم يَصِل منه إلى الحِنْطَة إلَّا القليل، وفسَد شَيءٌ يَسِيْرٌ من الحِنْطَة، فأُخْبِر بذلك فقال: الحَمْدُ للَّهِ، وقد جَعَلْتُه في سَبِيْل اللَّهِ، لا أرْجِعُ فيه، فأخَذَ ثَمنَهُ، وصَرَفَهُ في ملكٍ اشْتَراهُ بحَلَب، ووَقَفَهُ على فُقَراءِ المُسْلمِيْن.
وحَدَّثَني شَرَف الدِّين أبو حَامِد عَبْدُ اللَّه بن عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن العَجَمِيّ، قال: لمَّا وَقَعَت الفِتْنَة بحَلَب بين السُّنَّة والشِّيْعَة، وهي الفِتْنَة الّتي قُتِلَ ابن
стр. 3037
الخَشَّاب بسَبَبها، نَهَبَ الشِّيْعَةُ دَارَ القُطْب ابن عمِّي بالقُرْبِ من الزَّجَّاجِين، ونُهِبَتْ دَار الشَّيْخ أبي يَعْلَى ابن أمِيْن الدَّولَة، وكانت بالقُرْبِ من دار القُطْب بالجُرْن الأصْفَر، وكان عنده أمْوَال الأيْتَام بحَلَب مُوْدَعةً، وكان القُطْب في القَرْيَة، فلمَّا قُتِلَ ابن الخَشَّابِ وسَكَنت الفِتْنَة، ظَفروا بشيءٍ من الذَّهَب المَنْهُوب، فأرْسَلَهُ الوَالي إلى القُطْب، وقال له: هذا قد خَلَّصْنَاهُ من ذَهَبكَ، فقال: قد نُهِبَتْ دَارُ ابن أمِيْن الدَّولَة، وفيها أمْوَالُ الأيْتَامِ، ولا أتحَقَّقُ يَقِيْنًا أنَّ هذا عَيْن مالي، وأخَاف أنْ يكُون للأيْتَام، فأرْسِلوهُ إلى الشَّيْخ أبي يَعْلَى فلا حاجَةَ لي فيه!.
أخْبرَني أبو القَاسِم عَبْدُ المَجِيْد بن الحَسَن بن العَجَمِيّ أنَّ أباهُ تُوفِّي في ذي القَعْدَة من سَنَة ثمانٍ وثمانين وخَمْسِمائَة، ودُفِنَ في دَاره الّتي انْتَقل إليها بعد النَّهْب بالبلَاط، فأقام بها دَفِينًا إلى أنْ نقَلَهُ ابنُ ابنهِ منها إلى تُرْبَةٍ جُدِّدَت له ولابنِه ظَاهِر باب النَّصْر بالقُرْبِ من الهَزَّازَة (١)، في سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين وستمائة.
الحَسَنُ بنُ عَبْد اللَّه بن الحَسَن الخُتَّلِيّ، أبو عليّ بن أبي طَاهِر الفَقِيه الشَّافِعيّ (٢)
إمَام جَامع دِمَشْق، قَدِمَ حلَبَ حَاجًّا مع إسْمَاعِيْل بن عبد الرَّحْمن الصَّابُونِيّ، حين قَدمَ الشَّامَ، ومرَّ معه بحَلَب، وحَدَّثَ عنهُ وعن أبي سَعيد فَضْل اللَّه بن أبي الخَيْر المِيْهَنِيّ.
стр. 3038
رَوَى عنهُ أبو مُحَمَّد هِبَهُ اللَّه بن أحْمَد بن الأكْفانِيّ، وعَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، وسَمعَ منه أبو طَاهِر إبْراهيم بن حَمْزَة الجَرْجَرَائيّ.
أنْبَأنَا أبو المحاسِن سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن أبي طَاهِر الخُتَّلِيّ الفَقِيه، قَدِمَ علينا، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد فَضْل اللَّه بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس المُسْتَغْفِرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس بن أبي الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبي أبو الحَسَن، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن زّكَرِيَّاء الغَلَابِيّ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن، عن الحَسَن (a)، عن الحَسَن بن أبي الحَسَن البَصْرِيّ، عن الحَسَن أنّ النَّبِيّ ﷺ قال: إنَّ أحْسَنَ الحَسَن الخُلُق الحَسَن.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بن أبي مَنْصُور في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (٢)، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد هِبَةُ اللَّه بن أحمد، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: أخْبَرَنا أبو عليِّ الحَسَن بن عَبْد اللَّه بن الحَسَن الخُتَّلِيّ، الشَّيْخ الفَقِيه الشَّافِعيّ، إمَام الجَامِع بدِمشْق، قال: حَدَّثَنَا أبو عُثْمان إسْمَاعِيْل بن عبد الرَّحْمن الصَّابُونِيّ إمْلاءً بدِمَشْق، فذَكَرَ حَدِيثًا.
أنْبَأْنَا أبو نَصْر بن الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو القَاسِم الدِّمَشقِيِّ (٣)، قال: الحَسَنُ بن أبي طَاهِر بن الحَسَن، أبو عليّ الخُتَّلِيِّ الفَقِيه، سَكَنَ دِمَشْقَ،
стр. 3039
وحَدّثَ بها عن أبي سَعيد بن [أبي] (a) الخَيْر المِيْهَنِيّ، وإسْمَاعِيْل بن عبد الرَّحْمن الصَّابُونِيّ، ومعهُ قَدِمَ دِمَشْق حَاجًّا. حَدَّثَ عنهُ عَبْد العَزِيْز.
أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن بن الفَضْل بن البَانِياسِيّ كتابةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحافِظُ (١)، قال: الحَسَن بن عَبْد اللَّه بن الحَسَن، أبو عليّ الخُتَّلِيّ الشَّافِيّ الفَقِيه، إمَام جَامع دِمَشْق، سَمِعَ أبا عُثْمان الصَّابُونِيّ، سَمِعَ منهُ شَيْخُنا (b) أبو طَاهِر إبْرَاهيْم بن حَمْزَة الجَرْجَرائيّ، وأبو مُحمَّد بن الأكْفَانيّ. وهو الحَسَن بن أبي طَاهِر الّذي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
قال الحافِظُ أبو القَاسِم (٢): قَرأتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ: تُوفِّي شَيْخُنا أبو عليّ الحَسَن بن عَبْد اللَّه بن الحَسَن الخُتَّلِيّ الإِمَام، ﵀، يَوْم الأرْبَعَاء ضُحَى نَهار لتسْع بَقِينَ من شَعْبان من سَنَة ستِّين وأرْبَعِمائة، وصُلِّي عليه العَصْر يَوم الأرْبَعَاء في الجَامِع بدِمَشْق، ودُفِنَ في باب الفَرَادِيسْ، ﵀ ورَضِي عنهُ.
أنْبَأنَا أبو الوَحْش بن نَسِيم، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحافِظ (٣)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبدُ العَزِيْز الكَتَّانِيّ، قال: تُوفِّي أبو عليّ الحَسَنُ بن أبي طَاهِر الخُتَّلِيّ الشَّافِعيّ القَاضِي الفَقِيه، إمَام الجاَمع بدِمَشْق، يَوْم الأرْبَعَاء الحَادِي والعشْرين من شَعْبان سنَة ستِّين وأرْبَعِمائة، وكان يُحَدِّثُ بحَديِثٍ واحدٍ عن فَضْل اللَّه بن أحمد، وحَدَّثَ عن إسْمَاعِيْل بن عبد الرَّحْمن الصَّابُونِيّ.
стр. 3040
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بِن حَمْدانِ بن حَمْدُون بن الحَارِث بن لُقْمَان ابن رَاشِد -وتَمَامُ نَسَبهِ قد مَرَّ في تَرْجَمَةِ أبي فِرَاس (١) ابن عَمّه- أبو مُحَمَّد بن أبي الهَيْجَاء التَّغْلِبيّ، الأَمِير ناصِر الدَّوْلَة، صَاحِب المَوْصِل (٢)
قَدِمَ حلَبَ هو وأوْلَادُه إلى أخيهِ الأَمِير سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن عند قَصْد مُعِزّ الدَّولَة ابن بُوَيْه بلادَهُ مُسْتَنْجِدًا به في سَنَة سَبْعٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة، فأكْرَمهُ سَيْف الدَّوْلَة، وأعْظَم له ولأوْلَاده الأَنْزَال والضِّيَافَهَ، وأجْلَسَهُ على السَّريْر وجَلَسَ دُوْنه إعْظَامًا له، ومَدَّ يَدَهُ ليَنْزَع خُفَّهُ، فأعْطاهُ ناصِر الدَّوْلَة رِجْله ومَكَّنَهُ من ذلك فنَزَعه، وكان ناصِر الدَّوْلَة هو الأكْبَر، فسَلَك معه ما كان يَسْلُكُه أوَّلًا قبل أنْ يَرْتَفع شَأن الأَمِير سَيْف الدَّوْلَة، وشقَّ ذلك على سَيْف الدَّوْلَة في البَاطِن واحْتَمَلَهُ ولَم يُظْهرهُ.
стр. 3041
قرأتُ في آخر كتاب البَديع في القِرَاءَاتِ لابن خَالَوَيْه، بخَطِّ أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن عُبَيْدِ اللَّه بن أبي أُسامَة الحَلَبِيّ الأدِيْب: تَمَّ كتاب البَدِيْع، وذلك في شَوَّال سَنَة سَبْعٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة بحَلَب، أيَّام زَارَ سَيِّدُنا الأَمِيرُ ناصِر الدَّوْلَةِ، سَيِّدَنا الأَمِيرَ سَيْفَ الدَّوْلَة، أطالَ اللَّهُ بَقَاءَهُما، مع سَائرِ الأُمَرَاءِ أوْلَاده، أدَامَ اللَّهُ عِزَّهُم.
وإيَّاهُ -أعْني ناصِر الدَّوْلَة- عَنَى أبو فِرَاس بقَوْله في قَصِيْدَتهِ الرَّائِيَّة الّتي يَفْخرُ فيها بقَوْمِهِ (١): [من الطويل]
وفِيْنَا لدِيْن اللَّه عِزٌّ ومَنْعَةٌ … ومنَّا (a) لدِيْن اللَّه سَيْفٌ ونَاصِرُ
هُما وأَمِيرُ المُؤْمنيْنَ مُشَرِّدٌ … أجَارَاهُ لمَّا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُجَاوِرُ
وردَّاهُ حتَّى مَلَّكَاهُ سَرِيْرَهُ … بسَبْعِين ألْفًا (b) بينها المَوْتُ سَافِرُ
وسَاسَا أُمُورَ المُسْلميْن سِيَاسَةً … لها اللَّهُ والإِسْلَامُ والدِّيْنُ شَاكِرُ
أرادَ بذلك أنَّ ناصر الدَّوْلَة وأخاهُ سَيْف الدَّوْلَة أجَارَا المُتَّقِيّ من البَرِيْدِيِّيْنَ، وكان سَيْفُ الدَّولة بين يَدَي نَاصِر الدّوْلَة وذلك أنَّ المُتَّقِي خَرَجَ هَارِبًا من البَرِيْديِّيْنَ ومعه مُحَمَّدُ بن رَائِق والوَزيِرُ ابن مُقْلَة، فتَلقَّاهُم سَيْفُ الدَّوْلَة بتَكْرِيت، وحَمَل إليهم الأمْوَالَ والكُسَى والدَّوَابّ، وسَارَ بهم إلى أخيهِ ناصِر الدَّوْلَة (٢).
قال أبو عَبْد اللَّه بن خَالَوَيْه في شَرْح هذه الأبْيَات لأبي فِرَاس: وقد كان يُرْوَى قَديْمًا في خُطْبَةٍ لأَمِير المُؤْمنِيْن صَلَواتُ اللَّه عليه، يعني عليًّا ﵇:
стр. 3042
كأنِّي بأبْناءِ الخِلَافَة من بني العبَّاسِ على مُتُون الأفْرَاسِ يَسْتَنْجِدُونَ العَرَبَ وسَائِر النَّاس؛ قد غَلَبَهُم عَبِيْدٌ أغْتَامٌ (١) غَصَبُوهُم الكَرَامَةَ، فما يُجيْرُهُم أحَدٌ إلَّا هُم.
قال: وكان سَيْفُ الدَّوْلَة يَقُول: صَدَق أَمِيرُ المؤمنِيْن واللَّه، لقد اجْتَهَدْتُ بالمُتَّقِيّ وابنهِ أنْ يَرْكَبا العَمَارِيَّات والشَّهَارِيّ (a) علىِ كَثْرة ما قُدْتُ إليهما، فأَبَيا أنْ يُغَيِّرا فَرَسَيْهما أو ثَوْبَيْهما إلى المَوْصِل، فقام أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عَبْد اللَّه بنُصْرَتهِ، فلَقيهُ نَاصِرُ الدَّولة.
قال: ولمَّا لَقَّبَ المُتَقِي الحَسَن بن عبْد اللَّه ناصِرَ الدَّوْلَة، قال الشَّاعرُ فيهِ: [من البسيط]
مَن كانَ شَرَّفَهُ فيما مَضَى لَقَبٌ … فنَاصِرُ الدِّينِ ممَّن شَرَّفَ اللَّقَبَا
دَعَوْكَ نَاصِرَهُمْ لمَّا نصَرْتَهُمُ … وأَعْجَزَ العُجْمَ ما حَاوَلْتَ والعَرَبَا
قال ابنُ خَالَوَيْه: قال لي الأَمِيرُ أبو فِرَاسٍ: سَمِعْتُ الأمِيرَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ يَقُول: أنْفَقَ أخي في مُدَّة أحَدَ عَشَر شَهْرًا اثْنَتين وسَبْعِين ألفَ ألفِ دِرْهَمٍ، أكْثَرُها من ذَخَائِره.
وقال أبو عَبْدِ اللَّه بن خَالَوَيْه: ولِم يَزَل -يعني ناصِر الدَّوْلَة- مَشْهُورًا بالبَأْس، مَوْصُوفًا بالشَّجَاعَة والإقْدَام، حدَّثني من سَمِعَهُ، قال: كُنْتُ مع أبي صَبِيًّا قد زَحَف إلينا عَمِّي الحُسَين ليستَقْيد من وَقْعَتنا كانت به، فطلَبْتُ من أبي جَوْشَنًا، فمنَعَني لصبَاي، وكان معنا ابنُ خال أبي مُحَمَّد عليّ بن دَاوُد بن وُهْزَاد الكُرْدِيّ، فقال لي: يا أبا مُحَمَّد، حُسَيْن حَمُوكَ، وهو الّذي تَعْرفُ وواللَّه لئن لَم يَرَ قِتَالك لأدْفَع
стр. 3043
إليكَ ابنتَهُ، فما التقَت الخَيْلَان حتَّى ضَرَبتُ فَارِسًا فيهم، وجئتُ إلى أبي وأَرَيْتُهُ الدَّمَ يَقْطُرُ من كُمِّي.
قَرَأتُ في كتاب المَأْثُور في مُلَح الخُدُور، تأليف أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين الوَزِير المَغْرِبيّ، ورَأيتُهُ بخَطِّهِ، قال: ومن وَلد أبي الهَيْجَاءِ أبو مُحَمَّد الحَسَن، وأبو الحَسَن عليّ ناصِر الدَّوْلَة وسَيْفُها رَحمَهُما اللَّه، المُتَجَاذِبَان مُلاءَة المَجْدِ، والجَارِيَان على سَاقَة الكَرَم والفَضْل، وفي مَدْحِهما يقُول أبو العبَّاس أحْمَدُ بن مُحَمَّد الدَّارِمِيِّ النَّامِيّ المِصِّيْصيّ ﵀ (١): [من الرجز]
بجَبَلَيْ وَائِلٍ ورُكْنَي عِزِّها … وعَارِضَيْ أُفْقِ نداهَا المُنْهَمِلْ
تَوَازنَ القِسْمان في المَجْد اعْتَلَى … تَسَاوِيَ العَيْنَيْن في اللَّحْظ اتَّصَلْ
يا حَسَنُ بنَ المُحْسِنين دَعْوَةً … للمَجْد تُدْعَاهَا وأُخْرَى للوَهَلْ
ويا عليُّ كم دُعَاءٍ بكَ مِن … ثَغْرٍ مَحُوفٍ ورَجَاءٍ مُبْتَهَلْ
هذا مَقَامي بين بَحْرَيْن فلا … ثَمْدًا مَنَحْتُ ظَمَئي ولا وَشَلْ
ذَكَرَ مُحَمَّدُ بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ، في كتاب عُنْوَانِ السِّيَر في مَحَاسِن البَدْو والحَضَر (٢)، وقَرَأتُه فيه، قال: ناصِرُ الدَّوْلَة أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن أبي الهَيْجَاء عَبْد اللَّه بن حَمْدَان، لَقَّبهُ المُتَّقِيّ للَّه بهذا اللَّقَب، وهو ثاني من لُقِّبَ في الدَّوْلةِ. ولَقَّبَ أخاهُ أبا الحَسَن سَيْف الدَّوْلَة، ووَلي ناصِر الدَّوْلَةِ إمارَة الأُمَرَاءِ ببَغْدَاد ووَاسِط في سَنَة ثلاثين وثَلاثِمائة، وضَرَبَ دَنَانِيْر سَمَّاها الإبْرِيْزيَّة، وبيْعَ الدُّنْيار منها باثْنَى عَشر دِرْهَمًا، وزوَّجَ ابنَتَهُ عَدَوِيَّة من الأَمِير أبي مَنْصُور ابن المُتَّقِيّ للَّه على صَدَاق تعجَّل منه مائة ألف دِيْنارٍ، وكانت إمارَتهُ ببَغْدَاد ثلاثة عَشَر شهرًا وثلاثة أيَّام.
стр. 3044
وَجَدْتُ في بعض تَعَالِيْقي أنَّ ناصِر الدَّوْلَةِ الحَسَنَ بن عَبْد اللَّه بن حَمْدَان، سخطَ على كاتبٍ له، وألْزَمَهُ مَنْزِلَهُ، فاسْتُؤْمِر في إسْقَاطِ المُقَرَّر له، فقال: إنَّ المُلُوكَ يُؤَدِّبُونَ بالهِجْرَان ولا يُعَاقِبُونَ بالحِرْمانِ.
ووقَّعَ في رُقْعَة صَدِيْق كَتَبَ إليه يَعْتَذرُ من التَّأخُّر عن حَضْرته: أنْتَ في أوْسَع العُذْر عند ثِقَتي بكَ، وفىِ أَضْيَقِه عندَ شَوْقي إليكَ.
أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيِّ إذْنًا، عن أبي القَاسِم بن أحْمَد، عن أبي أحْمَد المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ (١) إجَازَةً، قال: وكان النَّاسُ يَكْتُبونَ على الدَّنَانِيْر (a): مُحَمَّد رسُول اللَّه، فزادَ ناصِر الدَّوْلَة: صَلَّى اللَّهُ عليهِ، فكانت هذه مَنْقَبَة لآل حَمْدَان ما كانت لغيرهم؛ تفرَّدَ بها ناصِرُ الدَّوْلَة.
قال: ورَأيتُ له تَوْقِيعًا على قِصَّة مُتَظَلِّم: قد نَصَبَ اللَّه الحُكَّام، وأنْفَذَ أوامرهُم على الوُلَاةِ كما أنْفَذَها على الرَّعِيَّةِ، ولو كان إلينا تَصْريفهم في الحُكَّام على مُرَادِنا، لكفَفْناهُم عمَّا نَكْره من الأُمُور المُعِيْنَة علينا، لكن لا وِلَايَةَ لنا عليهم إلَّا في الاسْتِبْدَالِ بالمُتَسمِّح منهم، فإنْ أعَادَك إلينا ضَعْفًا لا افْتتَنانًا عضَدْناه بالإمْدَاد، وأغْنَيْنَاهُ عن الاسْتِنْجَادِ.
قال مُحَمَّد بن عَبْد الَمَلِك بن الهَمَذَانيّ، في كتاب عُنْوَان السِّيَر (٢): ولَم أَيَزَل -يعني ناصِر الدَّوْلَة- مُسْتَوليًا على ديار المَوْصِل وغيرها حتَّى قَبَضَ عليه ابنُهُ أبو تَغْلِب
стр. 3045
في سَنَة ستٍّ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، وكانت إمَارتُه هناك اثنتَيْن وثَلاثين سَنَةً، وتُوفِّيَ يَوْم الجُمُعَة الثَّاني عَشر من شَهْر رَبيع الأوَّل سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة.
قَرأتُ بخَطِّ ثَابِت بن سِنَان بن ثَابِت في جُزءٍ وَقَعَ إليَّ بخَطِّه؛ جَمَعَ فيه وَفَاءات الأعْيَان، قال في ذِكْر مَنْ ماتَ سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة: الأَمِيرُ ناصِرُ الدَّوْلَة أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عَبْدِ اللَّه بن حَمْدَان، ماتَ وهو مُعْتَقَلٌ في القَلْعَة؛ اعْتَقَلَهُ ابنُهُ أبو تَغْلِب فيها، بذَرَبٍ عَرَضَ له بعَقب قُوْلَنْج، وكانت وَفاتُهُ يَوْم الجُمُعَةِ لاثْنتي عَشْرة لَيْلَة خَلَتْ من شَهْر رَبيع الأوَّل، وقد تجاوزَ في السِّنِّ ثَمانين سَنَةً.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن حَمْزَة بن أبي الحَجَّاج العَدَوِيّ الشَّافِعيّ، أبو المَكَارِم الدِّمَشقيّ القَاضِي (١)
قاضي حَلَب، فَقِيْهٌ فَاضِلٌ، حَسَنُ السَّمْت، كَثِيْرُ الصَّلَاح والخَيْر، وَلي القَضَاءَ بحَلَب خِلَافَةً عن شَيْخنا قاضِي القُضَاةِ أبي المَحَاسِن يُوسف بن رَافِع بن تَمِيْم، وكان سَمِعَ الحَدِيْث بدِمَشْق من الفَقِيه أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عليّ بن المُسَلَّم الخِرَقِيّ، وحَدَّثَ بحَلَب بشيءٍ يَسِيْر، ولم يَتَّفق لي سَمَاع شيءٍ منه، وِرَوى لنا عنْهُ أبو المَحَامِد إسْمَاعيْل بن حَامِدٍ القُوصِيّ، وكان يُدَرِّسُ بدِمَشْق، بالمَدْرسَة الظَّاهِريَّةِ على الشَّرْف الأَعْلَى ظَاهِر دِمَشْق، واسْتَدعاهُ شَيْخُنا قاضِي القُضَاة أبو المَحَاسِن واسْتَنابهُ في القَضَاء بحَلَب، وفوَّضَ إليه تَدْرِيس الفِقْه على مَذْهَب الإمَام الشَّافِعيّ بالمَدْرَسَة النُّورِيَّة الشَّافعيَّة المَعْرُوفة بمَدْرَسَة النِّفَّرِيّ، وتقدَّم عند المَلِكِ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوبَ، وسَيَّرَهُ رَسُولًا عنه إلى عَمِّه المَلِك العادِل أبي بَكْر بن أَيُّوب، وكان يُحْضره المَشُورَة في آخر أمْرِه.
стр. 3046
وأخْبَرَني قاضِي القُضَاة زَيْن الدِّين أبو مُحَمَّد ابن شَيْخنا عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان أنَّ مَوْلد القَاضِي أبي المَكَارِم بن أبي الحَجَّاج في سَنَة تِسْعٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة، وذَكَرَ لي أنَّهُ أخْبَره بذلك.
أخْبَرَنا أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد القُوصِيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي نَجْم الدِّين أبو المَكَارِم الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن حَمْزَة بِظَاهِر دِمَشْق، قال: أخْبَرَنا الفَقِيه أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عليّ الخِرَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد بن أبي الحَدِيْد السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر جَدِّي مُحَمَّد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَرَائِطِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بن عَرَفَة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن خَازِم أبو مُعاوِيَة الضَّرِيْر، عن سَلَّام أبي شُرحْبِيل، عن حَبَّة بن خَالِد، وسَوَاء بن خَالِد (٢)، قالا: دَخَلنا على رسُول اللَّه ﷺ وهو يُعَاِلجُ شيئًا فأعَنَّاهُ، فقال رسُول اللَّه ﷺ : لا تَيْأَسَا من الرِّزْق ما تَهَزْهَزَتْ رُؤوسكما؛ فإنَّ الإنْسان تَلدهُ أُمُّه أحْمَرَ ليسَ عليه قِشْر ثُمَّ يَرْزقُه اللَّهُ تعالَى.
تُوفِّي القَاضِي أبو المَكَارِم بنُ أبي الحَجَّاج بحَلَب يَوْم السَّبْت ثالث عَشر شَهْر رَبِيع الأوَّل من سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وستمائة، ودُفِنَ خارج مَدِينَة حَلَب بالقُرْبِ من مقام إبْراهيم ﵇، في تُرْبَةٍ مَعْرُوفةٍ به.
стр. 3047
وحَدَّثني شَيْخُنا ضِيَاء الدِّين صَقْر بن يَحْيَى بن صَقْر الشَّافِعيّ أنَّهُ حَضَر وَفَاتَهُ، وأنَّهُ الْتَفَت إليه قبل مَوْته، وقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (١)، قال: فقَرأتُ أنا بعْدَها: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). قال: فَجَعَل يُكَرِّرها معي مِرَارًا وماتَ. قال: وكان يقُول عند موْته في كُلِّ وقْتٍ: لا إلَه إلَّا اللَّه، تَقَوَّى بها فَاهُ من قَلْبٍ مُخْلصٍ.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن سَعيد الحَرَّانيُّ (٣)
حَدّثَ بحَلَب [. . .] (a)، سَمِعَ منه بها، ورَوَى عنهُ أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ بن الحَسَن الشَّهْرَزُورِيّ المالِكِيّ عَابِر الأحْلَام.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن صالح، أبو الفَتْح الأصْبَهَانِيّ الكَاتِب الكِيَا (٤)
كاتبُ بَليْغُ، وَقَفْتُ له على رسالة إلى أبي المُظَفَّر الأذْرِيّ، ذَكَرَ له مَوْت سُلْطانه الّذي كان يَخْدمه، وأنَّهُ أُلْزمَ بعدَهُ بتولِّي أمْر الملك، فمن الرِّسَالَة ما قَرأتُه
стр. 3048
بخَطِّ الحافِظ السِّلَفِيّ قال: واعْلَمَ أنَّهُ، أدَامَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ، لَقي أَممًا وشاهَدَ عَرَبًا وعَجَمًا، لكنَّه يَلْق فيهم مثْل نَفْسه، ولم يُصَادِف إلَّا قاصرًا عن مَحَاسِنه، فَقِيْرًا إلى اقْتِبَاس فَضْله، ولَيْتَ شِعْري هل أعْجَبتهُ تلك الدِّيَار، وهل عَظُمَت في هِمَّته العَظِيمَة تلك الآثار، وهل تأمَّل وثَاقَة سُور حَلَب، وجَوْدَة مَوْقع الحِصْن من البَلْدَة، فما كان يَصْلح إلَّا له، وما كُنْت تصلح إلَّا لها (١).
قال: وأعْظَم من ذلك كُلّه في نَفْسِي، وأشَدّها إتْعابًا لفِكْري، وأكْثَرها مَؤُونة ونَفَقَة بحَدسي، مَلْعَب أفَاميَة، ولقد دُرْتُ فيه مِرَارًا، وقلَّبْتُ فِكْري في المُرَاد منها صُعُودًا وانْحِدَارًا، وتأمَّلْتُ ذلك البنَاء الهَائِل تأمُّلًا شَافِيًا، وأرْسَلتُ طَرْفي في عَجَائِبهِ فعادَ حَائِرًا خَاسِئًا، ولَم يَنْكشِف لي إلى هذه الغاية حَقِيْقَة المَغْزَى منها وبها، نَعَم؛ هل انْجَذَب إلى مَغْنَاطِيْس فَضْله شُعَرَاء مَعَرَّة النُّعْمَان، فإنِّي لَم ألْقَ فيها إلَّا شَاعِرًا، حتَّى قَدَّرْتُ عَوَامّهم؛ لو شَاؤوا لخَرَج كَلَامهم في تَعَاملهم وتَحَاوُرهم مَوْزُونًا مُقَفًّى لوفُور عَدَدِ الشُّعَراءِ فيها، ومُوَاتَاةِ الوَزْن والمَعَاني الجَيِّدة طَبعْ أَهْليها، وأظُنُّها تُوَلِّد الشُّعَراء طَبْعًا وخِلْقةً، كما تُوَلِّد بعض التُّرب أحْرَار البُقُول خَلصةً فيها وجبلَّةً، وهل أدْرَك أبا العَلَاء المَعَرِّيّ المَحْجُوب، حَجَبَ اللَّهُ عنه السُّوء، وهو أَدِيْبهم الرَّاجحِ، وعَالمِهم الفَاضِل، وشاعِرهم البَارِع، وعَهْدِي به رَاجِعًا من بَغْدَاد ولم يَصْح بجَانبَي لَيْلَهِ النَّهار، ولَم يقَع على شَبَابِه لوَقَائِع الدَّهْر غُبَار. وذَكَرَ تَمَام الرِّسَالَة.
وكان أبو الفَتْح هذا قد قَرَأ على أبي الحُسَين أحْمَد بن فَارِس، وكان بينَهُ وبين أبي القَاسِمِ ابن المَغْرِبيّ مُكَاتَباتُ.
стр. 3049
الحَسَنُ بن عَبْدِ اللَّه بن الفَضْل بن مُحَمَّد بن نَوْفَل الحَلَبِيّ، أبو المَحَاسِن بن أبي عَبْد اللَّه (١)
من بَيْت الكتابة والرِّئَاسَة والتَّقَدُّم، وكان شَيْخًا حَسَنًا، بَهيَّ المَنْظَر، وله شِعْرٌ حَسَنٌ.
اجْتَمَعْتُ به بحَضْرَة وَالدِي، ولم أسْمَعْ منه شَيئًا من نَظْمه، وأنْشَدَنا عنه ابنُهُ أبو غَانِم.
أنْشَدَني كَمَال الدِّين أبو غَانِم الفَضْل بن الحَسَن بن عَبْد اللَّه بن الفَضْل بن نَوْفَل، بالرَّامُوْسَة (٢)؛ قَرْيَة على باب حَلَب، قال: أنْشَدَني وَالدِي أبو المَحَاسِن لنَفْسِه، ثمّ سَيَّرَ إليَّ دَفْتَرًا بخَطِّ وَالدِه من شِعْره، فقَرَأتُ الأبْيَات -الّتي أنْشَدَني- فيه من خَطِّه (٣): [من الكامل]
مَنْ سَاءَهُ أنْ باتَ في أَسْرِ الهَوَى … قَلِقَ الجَوَانِح دَامِيَ الآمَاقِ
فلقَدْ غَدَوْتُ وقد سَبَتْني أعْيُنُ الـ … ــأتْرَاك مَسرورًا بشَدِّ (a) وثَاقِي
ها مُهْجَتي فلتَفْعل الأحْدَاق ما … شَاءَت فَمحْمُولٌ (b) على الأَحْدَاقِ
أَحْسِن بهنَّ إذا انتَقَبْن أهلَّةً … تَكْسُو البُدُورَ التِمَّ ثَوْبَ مُحَاقِ
وإذا أسفَرنَ فما الشُّمُوسُ طَوَالعًا … في الغايةِ القُصْوَى من الإشْرَاقِ
стр. 3050
ناهيْكَ من حُسْنٍ بغير تَصَنُّع … لكنَّهُ من صَنْعَة الحَلَّاقِ
وأنْشَدَني أبو غَانِم الفَضْل الكَاتِب لوَالدِه أيضًا: [من الطويل]
إذا ما سَألتَ المَرْءَ يَوْمًا فلا تكُنْ … لَجُوجًا فحِرْمانُ الفَتَى في لَجاجِهِ
وكُن قَائلًا ما تَسْمَعَنْ من مَعَاذِرٍ … ففَاعِلُ هذا مُدْركُ نَيْلَ حَاجِهِ
تُوفِّي أبو المَحَاسِن الحَسَنُ بن نوْفَل بحَلَبَ سَنَة اثْنَتَيْن وسِّتِمائة، ودُفِنَ في المَقَابِر خارج باب أنْطَاكِيَة.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بنِ عَمْرو بن سَعيد بن مُحَمَّد ابن دَاوُد بن المُطَهَّر بن زِيَاد بن رَبِيْعَة بن الحَارِث بن رَبِيْعَة ابن أنْوَر بن أرْقَم بن أسْحَم -وقيِل: أنْوَر بن أسْحَم- ابن النُّعْمان، وهو السَّاطِع ابن عَدِيّ بن عَبْد غَطَفَان بن عَمْرو بن بَرِيْح ابن جَذِيْمَة بن تَيْم اللَّات، أبو حَمْزَة الفَقِيه الحَنَفِيّ المَعَرِّيّ التَّنُوخِيّ القَاضِي (١)
قاضي مَنْبِج، أخُو أبي القَاسِمِ المُحَسِّن بن عَبْد اللَّه.
وكان فَقِيهًا مُجِيْدًا، حَنَفِيّ المَذْهَب، رَاوِيًا للحَدِيْثِ، قَرَأتُ بخَطِّه لب كتاب خَلْقِ الإنْسان للأصْمَعِيّ (٢): حَدَّثني أبو الحَسَن عليّ بن نَصْر البَرْنيِقِيّ، قراءةً عليه، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن بَسَّام، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن سُلَيمان الأخْفَشُ، فذَكَرَ الكتابَ إلى آخره.