وأخْبَرَني قاضِي القُضَاة زَيْن الدِّين أبو مُحَمَّد ابن شَيْخنا عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان أنَّ مَوْلد القَاضِي أبي المَكَارِم بن أبي الحَجَّاج في سَنَة تِسْعٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة، وذَكَرَ لي أنَّهُ أخْبَره بذلك.
أخْبَرَنا أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد القُوصِيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي نَجْم الدِّين أبو المَكَارِم الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن حَمْزَة بِظَاهِر دِمَشْق، قال: أخْبَرَنا الفَقِيه أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عليّ الخِرَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد بن أبي الحَدِيْد السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر جَدِّي مُحَمَّد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَرَائِطِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بن عَرَفَة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن خَازِم أبو مُعاوِيَة الضَّرِيْر، عن سَلَّام أبي شُرحْبِيل، عن حَبَّة بن خَالِد، وسَوَاء بن خَالِد (٢)، قالا: دَخَلنا على رسُول اللَّه ﷺ وهو يُعَاِلجُ شيئًا فأعَنَّاهُ، فقال رسُول اللَّه ﷺ : لا تَيْأَسَا من الرِّزْق ما تَهَزْهَزَتْ رُؤوسكما؛ فإنَّ الإنْسان تَلدهُ أُمُّه أحْمَرَ ليسَ عليه قِشْر ثُمَّ يَرْزقُه اللَّهُ تعالَى.
تُوفِّي القَاضِي أبو المَكَارِم بنُ أبي الحَجَّاج بحَلَب يَوْم السَّبْت ثالث عَشر شَهْر رَبِيع الأوَّل من سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وستمائة، ودُفِنَ خارج مَدِينَة حَلَب بالقُرْبِ من مقام إبْراهيم ﵇، في تُرْبَةٍ مَعْرُوفةٍ به.
стр. 3047
وحَدَّثني شَيْخُنا ضِيَاء الدِّين صَقْر بن يَحْيَى بن صَقْر الشَّافِعيّ أنَّهُ حَضَر وَفَاتَهُ، وأنَّهُ الْتَفَت إليه قبل مَوْته، وقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (١)، قال: فقَرأتُ أنا بعْدَها: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). قال: فَجَعَل يُكَرِّرها معي مِرَارًا وماتَ. قال: وكان يقُول عند موْته في كُلِّ وقْتٍ: لا إلَه إلَّا اللَّه، تَقَوَّى بها فَاهُ من قَلْبٍ مُخْلصٍ.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن سَعيد الحَرَّانيُّ (٣)
حَدّثَ بحَلَب [. . .] (a)، سَمِعَ منه بها، ورَوَى عنهُ أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ بن الحَسَن الشَّهْرَزُورِيّ المالِكِيّ عَابِر الأحْلَام.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن صالح، أبو الفَتْح الأصْبَهَانِيّ الكَاتِب الكِيَا (٤)
كاتبُ بَليْغُ، وَقَفْتُ له على رسالة إلى أبي المُظَفَّر الأذْرِيّ، ذَكَرَ له مَوْت سُلْطانه الّذي كان يَخْدمه، وأنَّهُ أُلْزمَ بعدَهُ بتولِّي أمْر الملك، فمن الرِّسَالَة ما قَرأتُه
стр. 3048
بخَطِّ الحافِظ السِّلَفِيّ قال: واعْلَمَ أنَّهُ، أدَامَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ، لَقي أَممًا وشاهَدَ عَرَبًا وعَجَمًا، لكنَّه يَلْق فيهم مثْل نَفْسه، ولم يُصَادِف إلَّا قاصرًا عن مَحَاسِنه، فَقِيْرًا إلى اقْتِبَاس فَضْله، ولَيْتَ شِعْري هل أعْجَبتهُ تلك الدِّيَار، وهل عَظُمَت في هِمَّته العَظِيمَة تلك الآثار، وهل تأمَّل وثَاقَة سُور حَلَب، وجَوْدَة مَوْقع الحِصْن من البَلْدَة، فما كان يَصْلح إلَّا له، وما كُنْت تصلح إلَّا لها (١).
قال: وأعْظَم من ذلك كُلّه في نَفْسِي، وأشَدّها إتْعابًا لفِكْري، وأكْثَرها مَؤُونة ونَفَقَة بحَدسي، مَلْعَب أفَاميَة، ولقد دُرْتُ فيه مِرَارًا، وقلَّبْتُ فِكْري في المُرَاد منها صُعُودًا وانْحِدَارًا، وتأمَّلْتُ ذلك البنَاء الهَائِل تأمُّلًا شَافِيًا، وأرْسَلتُ طَرْفي في عَجَائِبهِ فعادَ حَائِرًا خَاسِئًا، ولَم يَنْكشِف لي إلى هذه الغاية حَقِيْقَة المَغْزَى منها وبها، نَعَم؛ هل انْجَذَب إلى مَغْنَاطِيْس فَضْله شُعَرَاء مَعَرَّة النُّعْمَان، فإنِّي لَم ألْقَ فيها إلَّا شَاعِرًا، حتَّى قَدَّرْتُ عَوَامّهم؛ لو شَاؤوا لخَرَج كَلَامهم في تَعَاملهم وتَحَاوُرهم مَوْزُونًا مُقَفًّى لوفُور عَدَدِ الشُّعَراءِ فيها، ومُوَاتَاةِ الوَزْن والمَعَاني الجَيِّدة طَبعْ أَهْليها، وأظُنُّها تُوَلِّد الشُّعَراء طَبْعًا وخِلْقةً، كما تُوَلِّد بعض التُّرب أحْرَار البُقُول خَلصةً فيها وجبلَّةً، وهل أدْرَك أبا العَلَاء المَعَرِّيّ المَحْجُوب، حَجَبَ اللَّهُ عنه السُّوء، وهو أَدِيْبهم الرَّاجحِ، وعَالمِهم الفَاضِل، وشاعِرهم البَارِع، وعَهْدِي به رَاجِعًا من بَغْدَاد ولم يَصْح بجَانبَي لَيْلَهِ النَّهار، ولَم يقَع على شَبَابِه لوَقَائِع الدَّهْر غُبَار. وذَكَرَ تَمَام الرِّسَالَة.
وكان أبو الفَتْح هذا قد قَرَأ على أبي الحُسَين أحْمَد بن فَارِس، وكان بينَهُ وبين أبي القَاسِمِ ابن المَغْرِبيّ مُكَاتَباتُ.
стр. 3049
الحَسَنُ بن عَبْدِ اللَّه بن الفَضْل بن مُحَمَّد بن نَوْفَل الحَلَبِيّ، أبو المَحَاسِن بن أبي عَبْد اللَّه (١)
من بَيْت الكتابة والرِّئَاسَة والتَّقَدُّم، وكان شَيْخًا حَسَنًا، بَهيَّ المَنْظَر، وله شِعْرٌ حَسَنٌ.
اجْتَمَعْتُ به بحَضْرَة وَالدِي، ولم أسْمَعْ منه شَيئًا من نَظْمه، وأنْشَدَنا عنه ابنُهُ أبو غَانِم.
أنْشَدَني كَمَال الدِّين أبو غَانِم الفَضْل بن الحَسَن بن عَبْد اللَّه بن الفَضْل بن نَوْفَل، بالرَّامُوْسَة (٢)؛ قَرْيَة على باب حَلَب، قال: أنْشَدَني وَالدِي أبو المَحَاسِن لنَفْسِه، ثمّ سَيَّرَ إليَّ دَفْتَرًا بخَطِّ وَالدِه من شِعْره، فقَرَأتُ الأبْيَات -الّتي أنْشَدَني- فيه من خَطِّه (٣): [من الكامل]
مَنْ سَاءَهُ أنْ باتَ في أَسْرِ الهَوَى … قَلِقَ الجَوَانِح دَامِيَ الآمَاقِ
فلقَدْ غَدَوْتُ وقد سَبَتْني أعْيُنُ الـ … ــأتْرَاك مَسرورًا بشَدِّ (a) وثَاقِي
ها مُهْجَتي فلتَفْعل الأحْدَاق ما … شَاءَت فَمحْمُولٌ (b) على الأَحْدَاقِ
أَحْسِن بهنَّ إذا انتَقَبْن أهلَّةً … تَكْسُو البُدُورَ التِمَّ ثَوْبَ مُحَاقِ
وإذا أسفَرنَ فما الشُّمُوسُ طَوَالعًا … في الغايةِ القُصْوَى من الإشْرَاقِ
стр. 3050
ناهيْكَ من حُسْنٍ بغير تَصَنُّع … لكنَّهُ من صَنْعَة الحَلَّاقِ
وأنْشَدَني أبو غَانِم الفَضْل الكَاتِب لوَالدِه أيضًا: [من الطويل]
إذا ما سَألتَ المَرْءَ يَوْمًا فلا تكُنْ … لَجُوجًا فحِرْمانُ الفَتَى في لَجاجِهِ
وكُن قَائلًا ما تَسْمَعَنْ من مَعَاذِرٍ … ففَاعِلُ هذا مُدْركُ نَيْلَ حَاجِهِ
تُوفِّي أبو المَحَاسِن الحَسَنُ بن نوْفَل بحَلَبَ سَنَة اثْنَتَيْن وسِّتِمائة، ودُفِنَ في المَقَابِر خارج باب أنْطَاكِيَة.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بنِ عَمْرو بن سَعيد بن مُحَمَّد ابن دَاوُد بن المُطَهَّر بن زِيَاد بن رَبِيْعَة بن الحَارِث بن رَبِيْعَة ابن أنْوَر بن أرْقَم بن أسْحَم -وقيِل: أنْوَر بن أسْحَم- ابن النُّعْمان، وهو السَّاطِع ابن عَدِيّ بن عَبْد غَطَفَان بن عَمْرو بن بَرِيْح ابن جَذِيْمَة بن تَيْم اللَّات، أبو حَمْزَة الفَقِيه الحَنَفِيّ المَعَرِّيّ التَّنُوخِيّ القَاضِي (١)
قاضي مَنْبِج، أخُو أبي القَاسِمِ المُحَسِّن بن عَبْد اللَّه.
وكان فَقِيهًا مُجِيْدًا، حَنَفِيّ المَذْهَب، رَاوِيًا للحَدِيْثِ، قَرَأتُ بخَطِّه لب كتاب خَلْقِ الإنْسان للأصْمَعِيّ (٢): حَدَّثني أبو الحَسَن عليّ بن نَصْر البَرْنيِقِيّ، قراءةً عليه، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن بَسَّام، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن سُلَيمان الأخْفَشُ، فذَكَرَ الكتابَ إلى آخره.
стр. 3051
نَقَلْتُ من خَطِّ القَاضِي أبي البَيَان مُحَمَّد بن عَبد الرَّزَّاق بن أبي حَصِيْن قاضي حِمْص في أشْعَار جَدّ أبيهِ أبي القَاسِم المُحَسِّن بن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَمْرو، وأنْبَأنَا شَيْخُنا أبوِ اليُمْن الكِنْدِيّ عنه، قال: وكان أخُوهُ القَاضِي أبو حَمْزَة الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَمْرو، ﵏، يتولَّى الحُكْم في مَنْبج، ويَسْتَنيب فيه، فوَصلَهُ قَومٌ منهم، يَسُومُونَهُ المسيرَ إليهم للنَّظَر في أُمُورهم، فقال: [من الخفيف]
يا أخي دَعْوَةً إذا غبْتَ عنِّي … لَم أَجِدْ مَنْ بلَفْظِها أَدْعُوهُ
إنَّ أمْرًا هو السَّبِيْل إلى الفُرْ … قَةِ أمْرُ مرضيُّهُ مَكْرُوهُ
كنتُ أرْجُوكَ للحَيَاة وللمَوْ … ت فَمن لي من بَعْدِ ذا أَرْجُوهُ
أنا أشْكُو الكُتْبَ الّتي أنا أَفْدي … كاتبِيْها من كُلِّ ما حَذِرُوهُ
مَنَعَتني مِنَ امْتِناعي من الفُرْ … قَة حتَّى رضِيْتُ ليْ ما رَضُوهُ
يُؤثِرُ النَّاسُ مَنْ يُعزِّون بالمَا … لِ إذا عزَّ في الوَرَى بَاذِلُوهُ
فيُسَمَّونَ مُؤثرين على أنفْـ …
стр. 3052
أحْبَرَنا أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن عليّ الخَطِيب التَّبْرِيْزِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو العَلَاء أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن سُلَيمان التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ لنَفْسِه في أبي حَمْزَة الفَقِيه (١): [من الخفيف]
غَيْر مُجْدٍ في مِلَّتي واعْتِقَادي … نَوْحُ بَاكٍ ولا تَرَنُّمُ شَادِ
منها:
وقَبِيْحٌ بنا، وإنْ قَدُمَ العَهْدُ … هَوَان الآباءِ والأجْدَادِ
سِرْ إنْ اسْطَعْتَ في الهَوَاءِ رُوَيْدًا … لا اخْتِيالًا على رُفَاتِ العِبَادِ
رُبَّ لَحْدٍ قد صَارَ لَحْدًا مِرَارًا … ضَاحِكٍ من تَزَاحُمٍ الأضْدَادِ
ودَفِيْن على بَقَايا دَفِيْنٍ … في طَويْل الأزْمَانِ والآبَادِ
منها:
أبَناتِ الهَدِيْل أَسْعِدْن أو عِدْ … نَ قليلَ العَزَاءِ بالإسْعَادِ
إيهِ! للَّه دَرُّكُنَّ فأنْتُنَّ … اللَّوَاتي تُحْسِنَّ حِفْظَ الوِدَادِ
ما نَسِيْتُنَّ هَالكًا في الأوَان … الخالِ أوْدَى من قَبْل هُلْكِ إيادِ
بَيْدَ أنَّي لا أرْتَضِي ما فَعَلْتُنَّ … وأطْوَاقُكُنَّ في الأجْيَادِ
فتَسَلَّبْنَ واسْتَعرنَ جَمِيعًا … من قَمِيْص الدُّجَى ثِيَابَ حِدَادِ
ثُمّ غرِّدْنَ في المآتِم واندُبْن … بشَجْوٍ معٍ الغَوَاني الخِرَادِ
قَصَدَ الدَّهْرُ من أبي حَمْزَةَ الأوَّاب … مَوْلَى حجِى وخِدْنَ اقْتِصَادِ
وفَقِيهًا أفْكَارُهُ شِدْنَ للنُّعـ … ـــمَانِ ما لَم يَشِدْهُ شِعْرُ زِيَادِ
فالعِرَاقِيّ بَعْدَهُ للحِجَازِيّ … قَلِيْلُ الخلَافِ سَهْلُ القِيَادِ
وخَطِيْبًا لو قام بينَ وُحُوشٍ … عَلَّمَ الضَّارِيَات بِرَّ النِّقَادِ
رَاوِيًا للحَدِيْث لَم يُحْوج … المَعْرُوف من صِدْقِهِ إلى الإسْنَادِ
стр. 3053
أنْفَقَ العُمْرَ نَاسِكًا يَطْلُبُ … العِلْمَ بكَشْف عن أصْلِهِ وانْتِقَادِ
مُسْتَقِي الكَفِّ من قَليْبِ زُجَاجٍ … بغُرُوب اليَرَاعِ ماءَ مِدَادِ
ذا بنانٍ لا يَلْمَسُ الذَّهَب الأحْمرَ … زُهْدًا في العَسْجَد المُسْتَفَادِ
وَدِّعا أيُّها الحَفِيَّان ذاكَ … الشَّخْصَ إنَّ الوَدَاعَ أيْسَرُ زَادِ
واغْسِلَاهُ بالدَّمْعِ إنْ كان طُهْرًا … وادْفِنَاهُ بين الحَشَا والفُؤَادِ
واحْبُوَاهُ الأكْفان من وَرَقِ المُصْحَفِ … كِبْرًا في أنْفُسِ الأبْرَادِ
واتْلُوا النَّعْشَ بالقراءةِ والتَّسْبِيْح … لا بالنَّحِيْب والتَّعْدَادِ
أسَفٌ غيرُ نَافِعٍ واجْتِهَادٌ … لا يُؤدَّى إلى غَنَاءِ اجْتهادِ
منها:
كيفَ أصْبَحْتَ في مَحَلِّكَ بَعْدي … يا جَدِيْرًا منِّي بحُسْنِ افْتِقَادِ
قد أقَرَّ الطَّبِيْبُ عنكَ بعَجْزٍ … وتَقَضَّى تَرَدُّدُ العُوَّادِ
وانْتهَى اليأسُ منكَ واسْتَشْعَر … الواجدُ أنْ (a) لا مَعَادَ حتّى المَعَادِ
هَجَدَ السَّاهِرُونَ حَوْلَكَ للتَّمْـ … ــرِيْضِ وَيْحٌ لأعْيُن الهُجَّادِ
أنْتَ في أُسْرَة مَضَوْا غيرَ … مَغْرُورينَ من عِيْشَةٍ بذَاتِ ضِمَادِ
تُوفِّي أبو حَمْزَة الفَقِيه الحَنَفِيّ قبل الأرْبَعمائة.
تَمَّ الجُزءُ السَّابِعِ والأرْبَعون والمائة، ويَتْلُوه في أوَّل الثَّامن والأرْبعِين والمائة: الحَسَن بن عَبْد اللَّه بن المَرْزُبَان السِّيْرَافيّ، أبو سَعيد القَاضِي النَّحْوِيّ.
الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِين، وصَلَّى اللَّه على سَيِّدنا مَحَمَّد المُصْطَفَى، وعلى آله الطَّاهِرين وأصْحَابه المُنْتَجبين، وسَلّم تَسْليمًا دَائمًا كَثيرًا.
стр. 3054
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن المَرْزُبَان، أبو سَعيد السِّيْرَافيَّ، القَاضِي النَّحْوِيّ (١)
كان أبُوه مَجُوْسِيًّا يُسَمَّى بَهْزَاد، فسمَّاهُ أبو سَعيد عَبْد اللَّه، وسَكَنَ أبو سَعِيْد بغداد، وتَوَلَّى بها قَضَاء الرُّبْع، وقَدِمَ حلَبَ على سَيْف الدَّوْلَة عليّ بن عَبْد اللَّه بن حَمْدَان، وجَمَعَ بينَهُ وبين أبي علِيّ الفَارسِيّ، وجَرَت بينهما مُبَاحَثَاتٌ في النَّحو بحَلَب، وقيل: هي كانت سَبَبَ وضْعِ أبي عليّ المَسَائِل الحَلَبِيَّة.
وكان أبو سَعيد مَاهِرًا في سَائر العُلُوم: عِلْوُ القُرْآن، والفِقْه، واللُّغَة، والنَّحو، والكَلَام، وعُلُوم الشِّعر، والمَنْطِق، والنُّجُوم، والحِسَاب. وكان حَنَفِيّ المَذْهَب، زَاهِدًا، وَرِعًا. وكان يُوَرِّق بالأُجْرَة، ويَكْتُب خَطًّا حَسَنًا.
стр. 3055
قَرَأ القُرْآن على أبي بَكْر بن مُجَاهِد، وقرأ النَّحو على أبِي إسْحَاق الزَّجَّاج، وأبي بَكْر المَبْرَمَان، وأبي بَكْر بِن السَّرَّاج، ورَوَى عن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن مَزْيَد بن أبي الأزهَر، وأبي بَكْر بن دُرَيْد، وأبي عُبَيْد بن حَرْبُوَيْه، وعبد اللَّه بن مُحَمَّد بن زِيَاد النَّيْسَابُوريّ، وأبي عليّ الكَوْكَبِيّ، قَرَأ عليه أبو بَكْر بن مُجَاهِد الحِسَاب، وأبو بَكْر المَبْرَمَان القُرْآن، وهمُا شَيْخاهُ، ورَوَى عنهُ مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد بن رِزْمَة، والحُسَين بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الخَالِعِ، وعليّ بن أيُّوب القُمِّيّ، وأبو حَيَّان التَّوْحِيْدِيّ. وشَرَحَ كتاب سِيْبَوَيْه، وكتاب الأَيْمان لمُحَمَّد بن الحَسَن.
أخْبَرَنا أبو جَعْفَر يَحْيَى بن أبي مَنْصُور بن عَبْد اللَّه بن الدَّامَغَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور أبي، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن سَوَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد بن عليّ بن إبْرَاهيم بن رِزْمَة، قِال: أخْبَرنا أبو سَعِيْد الحسَنُ بن عَبْد اللَّه بن المَرْزُبان السِّيْرَافيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن مَنْصُور بن مَزْيَد بن أبي الأزْهَر، قال: حَدَّثَنَا الزُّبيرُ بن بَكَّار (١)، قال: حدَّثَني إبْرِاهيم الحِزَامِيّ، عن مُحَمَّد بن مَعْن الغِفَارِيّ، قال: أتَت امْرأةٌ عُمَر بن الخَطَّاب ﵀، فقالت: يا أَميرَ المُؤْمنِيْن، إنَّ زوْجي يَصُوم النَّهَارِ، ويقُوم اللَّيْل، وإنِّي أكْرَهُ أنْ أشْكُوهُ، وهو يَعْمَل بطَاعَة اللَّهِ، فقال: نِعْم الزَّوْج زوْجُكِ، فجعَلَتْ تُكَرِّرُ عليه القَوْل، وهو يُكَرِّرُ عليها الجَوَاب، فقال له كَعْبٌ الأسْدِيّ (a): يا أَمِيرَ المُؤْمنيْن، هذه المَرْأة تَشْكُو زَوْجَها في مُبَاعدَته إيَّاها عن فِرَاشه، فقال له عُمَرُ: كما فَهمْت كَلَامَها فاقْض بينهما، فقال كَعْبٌ: عليَّ بزَوْجها، فأُتِيَ بهِ، فقال له: إنَّ امْرَأتكَ هذه تَشْكُو، قال: أفي طَعَام أو شَرَاب؟ قال: لا، فقالت المَرْأةُ: [من الرجز]
يا أيُّها القَاضِي الحَكِيم رَشَدُه (b) … أَلْهَى خَلِيلي عن فِرَاشِي مَسْجِدُه
زَهَّدَهُ في مضْجعِي تَعَبّدُه … نَهَارهُ وليلُهُ ما يَرْقُدُه
стр. 3056
فلَسْتُ في أَمْر النِّسَاء أَحْمَدُه … فاقْضِ القَضَا كَعْبُ ولا تُردِدُه
فقال زَوْجُها: [من الرجز]
زَهَّدَني في فَرْشِها وفي الحَجلْ … أنَّي امْرُؤٌ أذْهَلَنِي ما قَدْ نَزَلْ
في سُوْرة النَّمْل وفي السَّبْع الطُّوَل … وفي كِتَاب اللَّه تَخْوِيْفٌ جَلَلْ
فقال كَعْبٌ: [من الرجز]
إنَّ لها حَقًّا عليكَ يا رَجُل … نَصِيْبُها في أرْبَع لمَن عَقَلْ
فاعْطِها ذاكَ ودَعْ عنكَ العِلَل
ثُمَّ قال: إنَّ اللَّه قد أحَلَّ لك من النِّسَاء مَثْنَى وثلاثَ ورُبَاع، فلكَ ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ تَعْبُد فيهنَّ ربَّكَ ولها يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، فقال عُمَرُ: واللَّه ما أدْري من أيّ أَمْرَيْكَ أعْجَبُ! أَمن فَهْمك أمْرهمُا، أم من حُكْمك بينهما، إذْهَب فقد وَلَيتُكَ قَضَاءَ البَصْرَة.
أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد البَغْدَاديّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور ابن خَيْرون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (١)، قال: الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن المَرْزُبان، أبو سَعِيْد القاضي السِّيْرافيُّ النَّحَويُّ، سَكَن بغداد، وحدَّث بها عن مُحمَّد بن أبي الأزْهَر البُوْشَنْجيّ، وأبي عُبَيْد بن حَرْبُوَيْه (a) الفَقِيه، وعبد اللَّه بن مُحَمَّد بن زِيَاد النَّيْسَابُوريّ، وأبي بَكْر بن دُرَيْد، ونَحْوهم.
стр. 3057
حدَّثَنا عنهُ الحُسَين بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الخَالِع، ومُحَمَّدُ بن عَبْد الوَاحِد بن رِزْمَة، وعليّ بن أَيُّوب القُمِّيّ، وكان يَسْكُن بالجانب الشَّرْقيّ، ووَلِيَ القَضَاءَ ببَغْدَاد، وكان أبُوه مَجُوْسِيًّا اسْمُه بَهْزَاد، فسمَّاهُ أبو سَعيد: عَبْد اللَّه.
قال الخَطِيبُ (١): سَمِعْتُ رئيسَ الرُّؤَسَاء، شرَف الوُزَرَاءِ، جَمَالَ الوَرَى أبا القَاسِم عليِّ بن الحَسَن يَذْكُرُ أنَ أبا سَعيد السِّيْرَافيّ كان يُدَرِّسُ القُرْآنَ، والقِرَاءَات، وعُلُوم القُرْآن، والنَّحو، واللغَة، والفِقْه، والفَرَائِض، والكَلَام، والشِّعْر، والعَرُوض، والقَوَافي (a)، والحِسَاب، وذَكَرَ عُلُومًا سوى هذه. وكان من أعْلَم النَّاسِ بنَحْو البَصْرِيِّيْن، وينتَحلُ في الفِقْه مَذْهَبَ أهْل العِرَاق.
قال الخَطِيبُ (٢): قال رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ: وقَرأ على أبي بَكْر بن مُجَاهد القُرْآنَ، وعلى أبي بَكْرٍ [بن دُرَيْد اللغَة، ودَرَسَا عليه جَمعًا النَّحو، وقرأ على أَبي بَكْرِ ابن السَّرِّاج، وعلى أبي بَكْر] (b) المَبْرَمَان النَّحو، وقرأ عليهما: أحَدُهمُا القُرْآنَ، ودَرسَ الآخرُ عليهِ الحِسَابَ. قال: وكان زَاهِدًا لا يَأكُل إلَّا من كَسْب يَده، فذكَرَ جَدِّي أبو الفَرَج عنه أنَّهُ كان لا يَخْرجُ إِلى مَجْلِس الحُكْم، ولا إلى مَجْلِس التَّدْرِيس في كُلِّ يَوْم إلَّا بَعْدَ أنْ يَنْسَخَ عَشْر ورَقاتٍ، يأخُذُ أُجْرَتها عَشرةَ دَرَاهِم، تكُون قَدْرَ مَؤُونَتهِ، ثُمَّ يَخْرجُ إلى مَجْلسِه.
قال الخَطِيبُ (٣): ذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ أبي الفَوَارِسِ أبا سَعيد، فقال: كان يُذْكَرُ عنه الاعْتِزَال، ولم يَكُن يُظْهِر من ذلك شيئًا. وكان نَزِهًا عَفِيْفًا، جَمِيْلَ الأَمْر، حَسَنَ الأخْلَاقِ.
стр. 3058
قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن سَالَمِ بن عليّ بن تَمِيْم الحَلَبِيّ في مُخْتَصَر تَاريخ النَّحْوِيِّيْن لمُحَمَّد بن الحَسَن الزُّبَيْدِيّ (١): أبو سَعيد الحَسَن بن عَبْد اللَّه بن المَرْزُبَان السِّيْرَافيّ، وهو الّذي فَسَّر كتاب سِيْبَوَيْه، وكان يَنْتَحل علم المَجَسْطِيّ، وأُقْلِيْدِس، والمَنْطِق، ويتفَقَّهُ لأبي (a) حَنِيْفَة، وهو من أصْحَاب الجُبَّائِيّ، وكان يَنْزل الرُّصَافَة.
قال لي تَاج الدِّين أحْمَدُ بن هِبَة اللَّه بن الجِبْرَانِيّ النَّحْوِيّ الحَلَبِيّ: قَدِمَ أبو سَعيد السِّيْرَافيّ حَلَب، وجَمَعَ سَيْفُ الدَّوْلَة ابن حَمْدَان بينَهُ وبين أبي عليّ الفَارسِيّ، وجَرَتْ بينهما مَسَائِل، وهي كانت سَبَب وَضْعِ أبي عليّ الفَارسِيّ المَسَائِل الحَلَبِيَّة. قال: وكان قاضِي الرُّبْع ببَغْدَاد.
قَرَأتُ في كتاب الانْتِصَار المُنْبِي عن فَضَائِل المُتَنَبِيّ، تأليف أبي الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد المغرِبيّ (٢)، قال في أثْناءِ الكتاب في ذِكْر أبي سَعيد السِّيْرَافيّ، أنَّهُ كان مُؤَدِّبَ الأَمِير أبي إسْحَاق ابن مُعِزّ الدَّولَة أبي الحُسَين، وقال: يُوْشكُ أنْ يكُون حَدَّثَني المَعْرُوف بابنِ الخَزَّاز الوَرَّاق بالكَرْخ ببَغْدَاد، وأبو بَكْر القَنْطَريّ وأبو الحُسَين الخُرَاسَانيّ وهما وَرَّاقَان أيضًا من جلَّةِ أهْل هذه الصِّناعَة، أنَّ أبا سَعيد إذا أرادَ بَيْع كتاب اسْتَكْتَبَهُ بعضُ تَلَامِذَتِهِ حِرْصًا على النَّفْع منه، ونَظَرًا في دقِّ المَعِيْشَةِ كَتَبَ في آخره -وإنْ لَم يَنْظُر في حَرْف منه-: قال الحَسَنُ بنُ عَبْد اللَّه: قد قُرِئ هذا الكتابُ عليَّ وصَحَّ؛ ليُشْتَرى بأكْثَر من ثَمَن مثْلهِ.
стр. 3059
قُلتُ: وهذا بَعِيدٌ من أبي سَعيد على زُهْدِهِ ووَرَعِهِ.
قَرَأتُ في رِسَالَةٍ في تَقْرِيْظ أبي عُثْمان عَمْرو بن بَحْر الجَاحِظ، تأليف أبي حَيَّان عليّ بن مُحَمَّد بن العبَّاس التَّوْحِيْدِيّ (١)، ذَكَرَ في أوَّلها أنَّهُ لَقي جَمَاعَة من الشُّيُوخ العُلَمَاء، وأنَّهم كانوا يُقَرِّظُونَ الجَاحِظ، فذَكَرَ منهم جَمَاعَة، وقال: ومنهم أبو سَعيد السِّيْرَافيّ، شَيْخ الشُّيُوخ، وإمام الأئمَّة مَعْرفَة بالنَّحو، والفِقْه، واللُّغَة، والشِّعْر، والغَرِيْب، والعَرُوض، والقَوَافي، والقُرْآن، والفَرَائض، والحَدِيْث، والشُّرُوط، والكَلَام، والحِسَاب، والهَنْدَسَة. أفْتَى في جامع الرُّصَافَة خَمْسِين سَنَة على مَذْهَب أبي حَنيْفَة، فما وُجِدَ له خَطَأ ولا عُثر منه على زَلَّةٍ، وقَضَى ببَغْدَاد، وشَرَحَ كتاب سِيْبَويه في ثلاثة آلاف وَرَقَة ومائتي وَرَقَة بخَطِّه في السُّلَيْمَانِيّ، فما جارَاهُ فيه أحَدٌ، ولا سَبَقَهُ إلى تَمَامه إنْسَانٌ، هذا مع الثِّقَة والأمَانَة والدِّيانَة والرَّزَانَة، صَامَ أرْبَعيْن سَنَة وأكْثر الدَّهْر كُلّه.
قال لنا الأنْدَلُسِيّ: فارَقتُ بَلَدِي في أقْصَى المَغْرب طَلَبًا للعِلْم ومُشَاهَدَة العُلَمَاء، فكنتُ -إلى أنْ دَخَلْتُ بغداد، ولَقِيْتُ أبا سَعيد، وقَرَأتُ عليهِ كتاب سِيْبَوَيْه- نَادِمًا سَادمًا في اغْترَابي عن أهْلي ووَطَني، من غير جَدْوى في عِلْم، أو حَظٍّ من دُنْيا، فلمَّا سَعدْتُ برُؤية هذا الشَّيْخ، عَلِمْتُ أنَّ سَعْيي قُرن بسَعْدي، وغُرْبَتي اتَّصَلت ببُغْيَتي، وأنَّ عنائي لَم يَذْهَب هَدْرًا، وأنَّ رَجَائي لَم يَنْقَطع يأسًا.
قُلتُ: هذا الأنْدَلُسِيّ كُنْيَتُهُ أبو مُحَمَّد.
قرأتُ بخَطِّ القَاضِي الفَاضِل عبد الرَّحيم بن عليّ البَيْسَانِيّ: قال أبو حَيَّان (٢): قد سَألَهُ الوَزِير فقال: أين أبو سَعيد السِّيْرَافيّ من أبي عليّ، وأينَ عليّ بنُ عِيسَى
стр. 3060
منهما، وأين ابنُ المَرَاغيّ (a) أيضًا من الجَمَاعَة وفُلَان وفُلَان، فكان من الجَوَاب: أبو سَعيد أجْمعُ لشَمْل العِلْم، وأنْظَمُ لمَذَاهِب العَرَب، وأَدْخَلُ في كُلِّ بابٍ، وأخْرَج من كُلِّ طَرِيق، وألْزَم للجَادّةِ الوُسْطَى في الدِّيْن والخلُق، وأَرْوَى للحَدِيْث (b)، وأقْضَى في الأحْكَام، وأَفْقَهُ في الفَتْوَىِ، وأحْضَرُ بَرَكَةً على المُخْتَلفَة، وأظْهَرُ أثَرًا في المُقْتَبَسَة، ولقد كَتَب إليه نُوح بن نَصْرٍ -وكان من أُدَبَاء مُلُوك آل سَامَان (c)- سَنَة أرْبَعيْن، كِتَابًا خاطَبَهُ فيه بالإمَام، وسَأله عن مَسَائِلَ تَزيدُ على أرْبَعمائةٍ (d)، الغَالبُ عليها الحُرُوف وما أشْهَهَا، وباقي ذلك أمْثَالُ مَصْنُوعةُ عن العَرَب شَكَّ فيها، فسألَ [عنها] (e)، وكان كتابُهُ مَقْرُونًا بكتابِ الوَزِير البَلْعَمِيّ (f)؛ خَاطبَهُ فيه بإمَام المُسْلهيْن، ضَمَّنَهُ مَسَائِل في القُرْآن، وأمْثَالًا للعَرَب مُشْكِلَةً، وذَكَرَ كُتُبًا كَثِيْرهً، وتَرَدَّدت إليه.
ثمّ قال (١): وأبو عليّ فأَشَدُّ تَفَرُّدًا بِالكِتَاب، وأكْثَر إكبَبًا عليه، وأبْعَدُ من كُلِّ ما عَدَاهُ، ممَّا هو عِلْمُ الكُوْفيِّيْن وما تَجَاوَز في اللُّغَهَ كُتُبَ أبي زيْدٍ، وأطْرَافًا ممَّا لغيره، وهو يَتَّقِدُ (g) بالغَيْظ على أبي سَعيدٍ بالحَسَد (b) له كيْفَ تَمَّ له تَفْسِيرُ كتاب سِيْبَوَيْه من أوَّلهِ إلى آخرهِ بغَرِيبهِ وشَوَاهدِهِ وأمْثَالِه وأبْيَاتِهِ، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)،
стр. 3061
لأنَّ هذا شيءٌ ما تَمَّ للمُبَرّد ولا للزَّجَّاج والسَّرَّاج (a) ولا لابن دَرَسْتَوَيْه مع سَعَة عِلْمهم، وفَيْض نَيْلِهم (b). ولأبي عليّ أطْرَاف من الكَلَام أجادَ فيها.
وحَدَّثَني بعضُ أصْحَابنا أنَّهُ اشْتَرى من شَرْح (c) أبي سَعيدٍ بالأهْوَاز في تَوَجُّهه إلى بَغْدَاد لَاحِقًا بالخِدْمَة المَوْسُومةِ (d) به، والنِّدَامَة المَوْقُوفة عليه، بألْفي دِرهَم، وكان أصْحَابُهُ يأبَوْنَ الإقْرَار به إلَّا مَنْ يَنْعُمُ أنَّهُ أرادَ النَّقْضَ عليه، وإظْهار الخَطَأ فيه.
وكان المَلِكُ السَّعِيْدُ، ﵁، هَمَّ بالجَمْع بينهما فلم يُقْضَ [له] (e) ذلك؛ لأنَّ أبا سَعيد ماتَ في رَجَب سَنَة ثَمانٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة.
وأبو عليّ يَشْرَبُ ويتَخَالَعُ، ويُفَارِقُ هَدْيَ أهْلِ العِلْم، وطَرِيْقة الدَّيَّانِيْن، وعِبَادَة (f) المُتَنَسِّكِين، وأبو سَعيد يَصُوم الدَّهْر، ولا يُصَلِّي إلَّا في جَمَاعَة (g)، ويُقِيم على مَذْهَب أبي حَنِيْفَة، ويَلِي لقَضَاء سِنِيْن، ويَتَألَّهُ ويتحرَّج، وغَيْرُه بمَعْزِلٍ من (h) هذا، ولولا الإبقاءُ لحُرْمَةِ العِلْم، لكان القَلَم يَجْري بما هو خَافٍ، ولكنَّ الأخْذَ بحُكْم المُرُؤَة أَوْلَى، والإعْرَاض عمَّا يُوْجُب (i) اللَّائِمَةَ أحْرَى.
وكان أبو سَعيد حَسَنَ الحَظّ، ولقد أرادَهُ الصَّيْمَرِيُّ أبو جَعْفَر على الإنْشَاءِ والتَّحْرِير، فاسْتَعْفَى، وقال هذا أمْرُ يُحْتاجُ فيه إلى دُرْبةٍ، وأنا عَارٍ منها، وإلى سِيَاسَةٍ وأنا غَريْبٌ فيها: [من أحذ الكامل]
ومن العَنَاء رِيَاضَةُ الهَرِمِ (١)
стр. 3062
قال (١): وحَدَّثَنَا النَّصْريّ (a) أبو عَبْد اللَّه، وكان يَكْتُب النَّوْبَة للمُهَلَّبِيّ، بحَدِيثٍ مُفِيْدٍ (b) لأبي سَعيد؛ قال: كُنْتُ أَخُطُّ بين يَدَي الصَّيْمَرِيِّ أبي جَعْفر مُحَمَّد بن أحمد، فالْتَمَسَني يَوْمًا لأنْ أُجِيْبَ ابن العَمِيْد أبا الفَضْل عن كتاب فلم يَجْدني، وكان أبو سَعيد بحَضْرته، فبانَ أنَّهُ بفَضْل العِلْم أقْوَمُ بالجَوَاب من غَيْره، فتقَدَّم إليه أنْ يَكْتُبَ ويُجِيْبَ، فأطالَ في عَمَل نُسْخَة كَثُر فيها الضَّرْب والإصْلَاح، ثمّ أخَذَ يُحَرِّرُ، والصَّيْمَرِيُّ يَقْرأ ما يكتُبه، فوَجَدَهُ مُخالِفًا لجَارِي العَادَة لَفْظًا، مُبَاينًا لِمَا يُؤثره (c) تَرْتَيبًا، قال: ودَخَلْتُ في تلكَ الحالِ، فتَمَثَّلَ الصَّيْمَرِيُّ: [من البسيط]
يا بَارِيَ القَوس بَرْيًا ليسَ يُصْلِحُهُ … لا تَظْلم القَوْسَ واعْطِ القَوْسَ بَارِيها
ثُمَّ قال لأبي سَعِيْد: خَفِّفْ عليك أيُّها الشَّيْخ، وادْفَع الكتَابَ إلى أبي عَبْد اللَّه تِلْمِيْذِكَ ليُجِيْبَ عنه! فخَجِلَ من هذا القَوْل، فلمَّا ابتَدَأتُ من غير نُسْخَة تَحَيَّرَ منِّي أَبو سَعِيد، ثمّ قال للصَّيْمَرِيّ: أيُّها الأُسْتَاذ، ليس بمُسْتَنْكَر ما كان منِّي، ولا مُسْتَكْثَر ما كان منهُ، إنَّ مالَ الفَيءَ لا يَصِحُّ إلَّا من مُستَخرِج وجَهْبَذٍ في بَيْتِ المَالِ، والكُتَّابُ جَهَابذَةُ الكَلَام، والعُلَمَاء مُسْتَخْرجُوهُ، فتَبَسَّم الصَّيْمَريُّ وأعْجَبَهُ ما سَمع، وقال: على كُلِّ حالٍ ما أخْلَيْتَنا من فَائِدَة.
وكان أبو سَعيد بَعِيْدَ القَرِين؛ لأنَّهُ كان يُقْرَأ عليه القُرْآنُ والتَّفْسِيرُ (d) والفِقْه والفَرَائِضُ والشُّرُوط والنَّحو واللُّغَة والعَرُوض والقَوَافي والحِسَابُ والهَنْدَسَةُ والشِّعْرُ (e) والحَدِيْث والأخبار، وهو في كُلِّ هذا إمَّا في الغايةِ وإمَّا في الوَسَط.
стр. 3063
وأمَّا عليّ بن عِيسَى؛ فعَلى (a) الرُّتْبَة في النَّحو واللُّغَة والكَلَام والعَرُوض والمَنْطِق، بل أفْرَدَ صِنَاعَةً، وأظْهَرَ بَرَاعَةً، وقد عَمل في القُرْآن كِتَابًا نَفِيْسًا، هذا مع الدِّيْن المَتِيْن (b)، والعَقْل الرَّصِيْن (c).
وأمَّا ابن المَرَاغِيّ؛ ما يلحقُ هؤلاءِ مع بَرَاعَة اللَّفْظ، وسَعَة الحِفْظ، وقُوَّة (d) النَّفْس، وطل الدِّين (e)، وغَزَارَة النَّفْث، وكَثْرة الرِّوَايَةِ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين بن رَوَاحَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، إذْنًا إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبارَكُ بن عَبْد الجبَّار الصَّيْرَفِيّ (١)، قال: سَمِعْتُ الصُّوْرِيّ -يعني أبا عَبْد اللَّه الحافِظ- يَقُول: حَدَّثَني مَنْ أثِقُ به، عن أبي سَعيد الحَسَن بن عَبْد اللَّهِ السِّيْرَافيَّ أنَّهُ قال: حَضَرْتُ مَجْلِسَ أبي بَكْر ابن مُجَاهِد أوَّل ما حَضرَتُهُ وهو يُمْلِي، فجلَسْتُ في أُخْرَيَات النَّاسِ، فقال المُسْتَمْلِيّ: واجْعَلها عليهم سِنِينَ كِسِنِّي يُوسُف (٢)، فقُلْتُ: كَسِنِيْ يُوسُفَ، فلم يَفْهَم عنِّي، فقُمْتُ قائمًا فأعَدْتُ القَوْلَ، فقال ابنُ مُجَاهِد: مَنْ هذا؟ فأشَارُوا إليَّ، فتَطَاوَلتُ، وكان أبو سَعيد دَمِيْمًا (f) حَقِيْرَ المَنْظَر، فقُلتُ: كَسِنيْ يُوسُفَ، فاسْتَدْعَاني وقرَّبَني إليه، فتَحَصَّلْتُ في أعْلَى المَجْلِس بعد أنْ كُنْتُ في أدْنَاهُ.
وقال الصُّوْرِيّ في هذا المَعْنَى (٣): [من الطويل]
إذا المَرْءُ لم يُعْرَفْ له قَدْرُ مثْلِهِ … وأصْبَحَ مَغْمُوصًا (g) له حَقُّ فَضْلِهِ
стр. 3064
فلا بأسَ أنْ يثنِى (a) بصَالِح فِعْلِهِ … وما خَصَّهُ ذو الفَضْل منهُ بفَضْلِهِ
قَرأتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد الحَسَن بن الحَسَن بن أحْمَد الخَمْكَرِيّ الأدِيْب، وكان من أصْحَاب أبي الحُسَيْن بن فَارِس بن زَكَرِيَّاء اللُّغَويّ، ممَّا أخَذَهُ عن أبي الحُسَين بن فَارِس، قال: وعُرِضَ على الشَّيْخ أبي الحُسَين تَفْسِير الأبْيَات في كتاب إصْلَاح المَنْطِق لابن السِّكِّيْت، من تَصْنِيف أبي مُحَمَّد بن أبي سَعيد السِّيْرَافيّ، فنَظَرَ فيه مَليًّا ثمّ ارْتَضاهُ، وأثْنَى على أبي مُحَمَّد، ثمّ قال: أنا أُفَضِّلُه في الغَرِيْب على أبيه أبي سَعيد ﵀، ومُدَّة مقَامي بمَدِينَة السَّلام كان عندي، فقيل للشَّيْخ أبي الحُسَين: يقال إنَّ أبا سَعيْد كان في الغَرِيْب يرجعُ إليه ولا يَأنَفُ، فقال الشَّيْخُ أبو الحُسَين: وليس ذلك بعَيْبٍ، ولكن في هذا الزَّمَن قَوْمٌ يُقَدِّرُونَ أنَّهُ لا يتَبَيَّن فَضْل الرَّجُل وعِلْمهُ وأدَبُهُ إلَّا بنَقْصِهِ الآخر.
ونَقَلْتُ من خَطِّه أيضًا: قُلْتُ للشَّيْخ أبي الحُسَين أيَّدَهُ اللَّهُ: لماذا لَم تُشَاهِد عليَّ بن عِيسَى حين دخَلْتَ بَغْدَادَ؟ فقال: إنَّما تَرَكْتُهُ لمكَان أبي سَعيد السِّيْرَافيّ، ﵀، كَرِهْتُ أنْ يَسْتَوْحِشَ منه مع أنَّ عليّ بن عِيسَى كان يَشْكُوني، وأبو سَعيد ﵀ في النَّحو كان من الكِبَار المُتَقدِّمين، وأمَّا عليّ بن عِيسَى فقد نَظَرتُ في عِلْمه ولستُ أسْتَحْسِنُهُ، فقُلتُ لَهُ: قيل إنَّهُ هو أسَنُّ من أبي سَعيْد؟ فقال: نعم؛ كَذَا قيل والسَّلام.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الحافِظُ (١)، قال: حُدِّثْتُ عن أبي الحَسَن مُحَمَّد بن العبَّاس بن الفُرَات، قال: كان أبِو سَعيد السِّيْرَافيّ عَالِمًا فَاضِلًا، مُنْقَطعَ النَّظِيْر في عِلْم النَّحو خَاصَّةً، وكانت سِنُّه يوْم تُوفِّي ثَمانين سَنَةً.
стр. 3065
قَرَأتُ في تاريخ أبي غَالِب هَمَّام بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (١): وفيها -يعني سَنَة أرْبعٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة- تُوفِّي أبو سَعيد السِّيْرَافيّ ببَغْدَاد.
كَذَا قال أبو غَالِب، وقد حَكينا عن أبي حَيَّان التَّوْحِيْدِيّ أنَّهُ ماتَ سَنَة ثمانٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة في رَجَب، وهو الصَّحيحُ، وقد تابَعَهُ على ذلك هِلِّل بن المُحَسِّن ابن الصَّابِئ، وأبو القَاسِم الأزْهَريّ.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الثَّابِتِيُّ (٢)، قال: حَدَّثَنى هِلِّلُ بن المُحَسِّن، قال: تُوفِّي القَاضِي أبو سَعيْد السِّيْرَافيّ في (a) يَوْم الاثْنَين الثَّاني من رَجَب سَنَة ثمانٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة، عن أربع وثمانين سَنَةً.
وأخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، فيما أجَازَهُ لي، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٣)، قال: حَدَّثَني الأزْهَريّ، قال: تُوفِّي أبو سَعيد السِّيْرَافيّ بين صَلَاتَي الظُّهْر والعَصْر في يَوْم الاثْنَين الثَّاني من رَجَب سَنَة ثمانٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة، ودُفِنَ في مَقْبَرَة الخَيْزُرَان بعد صَلَاة العَصْر من هذا اليوم.
وقَرأتُ بخَطِّ الحافِظ السِّلَفِيّ، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ عليّ بن عَبْد المَلِك بن الحُسَين بن عَبْد المَلِك بن الفَضْل الدَّبيِقِيّ، قال: وماتَ أبو سَعيد السِّيْرَافيّ سَنَة خَمْسٍ وثمانين وثَلاثِمائة.
كذا قال والصَّحيحُ ما حَكَيناهُ عن أبي حَيَّان وابن الصَّابِئ والأزْهَريّ.
стр. 3066
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن مَنْصُور ابن حَبِيْب بن إبْراهيم، أبو عليّ الأنْطَاكِيّ، المَعْرُوف بالبَالِسِيّ (١)
من أهْلِ بَالِس، وسَكَنَ أنْطَاكِيَة، فَنُسِبَ إليها.
حَدَّثَ عن الهَيْثَم بن جَمِيل الأنْطَاكِيّ ومُحَمَّد بن كَثِيْر الصَّنْعانِيّ، ومُوسَى بن أَيُّوب النَّصِيْبِيّ، وإسْحَاق بن إبْراهيم الحُنَيْنِيّ، وأبي عبد الرَّحمن عبد اللَّه بن مُحَمَّد الكَرْمَانيّ، ومُوسَى بن دَاوُد القَاضِي، ومُحَمَّد بن المُبارَك الصُّوْرِيّ.
رَوَى عنهُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن الوَلِيد بن أيي هِشَام، وأبو العبَّاس مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّدُ بن مَلَّاس النُّيْرِيّ، وابو العبَّاس أحْمَدُ بن الحُسَين بن عليّ بن زُبَيْدَة، وأبو بَكْر مُحَمَّدُ بن إسْحَاق بن خُزَيْمَةَ، وأبو عَبْد اللَّه الحُسَين بن مُحَمَّد بن غَوْث، وأبو العبَّاس أحْمَد بن عِيسَى بن مُحَمَّد المُكْتِب، وأبو الحَسَن يُوسُف بن عبد الأَحَد، وأبو العبَّاس القَاسِم بن عَبْد اللَّه بن إبْراهيم الكَلاعِيّ، ومَكْحُول البَيْرُوتِيّ، وأبو الجَهْم بن طَلَّاب، وِأبو القَاسِم عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الرَّازِيّ، ومُوسَى بن عَبْد اللَّه بن وَرْدَان، والبَاهِلِيّ، وغَسَّان بن أبي غَسَّان القُلْزُمِيّ، وأبو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ الإمَام.
أخْبَرَنا أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن الشَّافِعيّ قِراءَةً عليه بدِمَشْق، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو القَاسمِ عليّ بن الحَسَن بن هِبَة اللَّه (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن الفَضْل بن أحْمَد سَمْكُوَيْه الخيَّاط، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الفَضْل البَاطِرْقَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الحَسَن بن يُوسُف الإمَام، قال: حَدَّثَنا
стр. 3067
أبو القَاسِم عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريمِ الرَّازِيّ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن مَنْصُور الأنْطَاكِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بن دَاوُد، عن ابن لَهِيْعَة، عن خَالِد بن أبي عِمْران، عن حَنَش، عن ابن عبَّاس، قال: وُلد نبيُّكم ﷺ يَوْم الاثْنَين، ونُبِّئ يَوْم الاثْنَين، وخَرَجَ من مَكَّة يَوْم الاثْنَين، ودَخَل المَدِينَة يَوْم الاثْنَين، وكان فَتْح بَدْر يَوْم الاثْنَين، وأُنْزِلَت المَائِدَة يَوْم الاثْنَين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١)، ورفع الرُّكْن يَوْم الاثْنَين، وقُبِضَ النَّبيَّ ﷺ يَوْم الاثْنَين.
قال الحافِظُ أبو القَاسِم (٢): والمَحْفُوظ أنَّ نُزُول المَائِدَة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ووَقْعَة بَدْر كانا يَوْم الجُمُعَة.
أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي عَبْد اللَّه بن المُقَيِّر بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّدُ بن نَاصِر السَّلَامِيِّ إجَازَةً، قال: أنْبَأنَا أبو إسْحَاق الحَبَّال، قال: أخَبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن مَرْزُوق، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ بن جَابِر، قال: حَدَّثَنَا البَاهِلِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَنُ بن عَبْد اللَّهِ البَالِسِيُّ، قال: حَدَثَّنَا الهَيْثَم بن جَمِيل، قال: حَدَّثَنَا أبو هِلالٍ الرَّاسِبيَّ، عن عَبْد اللَّه بن بُريْدَة، قال: قال عُمَر بن الخَطَّاب ﵁: إحْيَاءُ العِلْم المُذَاكَرَة، وآفَتُهُ النِّسْيَان، وإضَاعَتُهُ أنْ يُحَدِّثَ به مَنْ ليسَ له بأهْلٍ.
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد بن أبي الحُسَين (٣)، قال: كَتَبَ إليَّ أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن عَبد الوَهَّاب بن مَنْدَة، وأخْبَرَنا أبو بَكْر اللَّفْتُوانيّ عنه، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو القَاسِم، عنِ أَبيِهِ أبي عَبْد اللَّه، قال: قال لنا أبو سَعيد بن يُونُس (٤): الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن منْصُور يُعْرَفُ بالبَالِسِيّ، سَكَنَ
стр. 3068
أنْطَاكِيَةَ، وأصْلُهُ من أهْلِ بَالِس، قَدِمَ إلى مِصْر سَنَة ثمانٍ وخَمْسِين ومَائَتَيْن، فَحَدَّثَ (a) عن الهَيْثَم بن جَمِيل وغيره.
أنْبَأنَا عبد الرَّحيمِ بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد، عن أَبِيهِ أبي سَعْد عَبْد الكَريم السَّمْعَانيّ (١)، قال: والحَسَن بن عَبْد اللَّه بن مَنْصُور البَالِسِيّ سَكَنَ أنْطَاكِيَة، ذَكَرَهُ فيمَن هو من بَالِس.
أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليَّ بن الحَسَن بن هِبَة اللَّه الدِّمَشقيّ (٢)، قال: الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بن مَنْصُور بن حَبِيْب بن إبْراهيم، أبو عليّ الأنْطَاكِيّ المَعْرُوف بالبَالِسِيّ، حَدَّثَ بدِمَشْقَ ومِصْر عن الهَيْثَم بن جَمِيل، وإسْحَاق بن إبْراهيم الحُنَيْنِيّ، ومُوسَى بن دَاوُد، وَأبي عبد الرَّحْمن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد الكَرْمَانيّ، ومُحَمَّد بن كَثِيْر الصَّنْعانِيّ، ومُوسَى بن أَيُّوب النَّصِيْبِيّ.
رَوَى عنهُ أبو العبَّاس بن مَلَّاس، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن الوَلِيد بن أبي هِشَام، وأبو العبَّاس أحْمَدُ بن الحُسَين بن عليّ بن زُبَيْدَة، وأبو عَبْد اللَّه الحُسَينُ بن مُحَمَّد بن غَوْث (b)، وأبو العبَّاس القَاسِم بن عَبْد اللَّه بن إبْراهيم الكَلاعِيِّ، وأبو الجَهْم بن طَلَّاب، ومَكْحُول البَيْرُوتِيّ، وأبو العبَّاس أحْمَد بنُ عِيسَى بن مُحَمَّد المُكْتِب المَعْرُوف بالوَشَّاء، وأبو الحَسَن يُوسُف بن عبد الأَحَد، ومُحَمَّد بن إسْحَاق بن خُزَيْمَة.
стр. 3069
قَرأتُ بخَطِّ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، وأنْبَأنَا به عنه جَمَاعَة من شُيُوخنا، قال: الحَسَن بن عَبْد اللَّه بن مَنْصُور البَالِسِيّ حَدَّثَ عن مُحَمَّد بن المُبارَك الصُّوْرِيّ، والهَيْثَم بن جَمِيل، ومُوسَى بن دَاوُد، وغيرهم. رَوَى عنهُ أبو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ بمِصْر، وغَسَّان بن أبي كَسَّان القُلْزُميِّ بالقُلْزُم.
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه النَّهَاوَنْدِيّ
شَاعِرٌ، سَمِعَ بحَلَبَ أبا عَبْد اللَّه الحُسَين بن خَالَوَيْه، ورَوَى عنهُ أبْيَاتًا ذَكَرناها في تَرْجَمَةِ الصَّنَوْبَريّ (١). رَوَى عنهُ أبو الجَوَائِز الوَاسِطِيّ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد المُحْسِن بن عَبْد اللَّه بن أحْمَد بن الطُّوْسيّ، في كِتَابِهِ إليْنَا من المَوْصِل غير مَرَّة، قال: أخْبَرَنا عَمِّي عبد الرَّحْمن بن أحْمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو منْصُور عَبْد المُحْسِن بن عليّ بن مُحَمَّد البَغْدَاديّ، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت (٢)، قال: أنْشَدَنا أبو الجَوَائِز الوَاسِطِيّ، قال: أنْشَدَني أبو عليّ الحَسَن بن عَبْد اللَّه النَّهَاوَنْدِيّ الأدِيْب لنَفْسِه، في أمْرَدٍ نَصْرَانِيّ، واسْمُه عِيسَى (٣): [من مجزوء الكامل]
دَعْني أمُرُّ لطِيَّتي … لا تَعْقلَنَّ مَطِيَّتي
أَتُمِيْتُني عِشْقًا وأنْـ … ــتَ سَمِيُّ مُحْيي المَيِّتِ
تَقْبيل وَجْهكَ مُنْيَتي … ولو أنَّ فيه مَنَيِّتي
سَهْلٌ عليَّ مَنَالُهُ … لكن بَلَائي عفَّتي
стр. 3070
الحَسَنُ بن عَبْد الأعْلَى البَيَّاسيّ (١)
من أهْل بَيَّاس؛ بَلْدَة من الثُّغُور الشَّامِيَّة.
حَدَّثَ عن عَبد الرَّزَّاق. رَوَى عنهُ أحْمَد بن شُعَيْب بن عَبْد الأكْرَم الأنْطَاكِيُّ.
أخْبَرَنا يُوسُف بن خَلِيلِ الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم المُؤيَّد بن عبد الرَّحيم بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الإخْوَة، وصَاحِبتهُ عَيْن الشّمْس بنتُ أبي سَعيد [بن] (a) الحَسَن بن مُحَمَّد بن سُلَيم، قالا: أخْبَرَنا أبو الفَرَج سَعيد بن أبي الرَّجَاء الصَّيْرَفِيّ -وقالت عين الشَّمْس: إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر الثَّقَفِيّ، وأبو الفَتْحِ الكَاتِب- قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن المُقْرِئ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ شُعَيْب بن عَبْد الأكْرَم الأنْطَاكيَّ، وكان يُقالُ إنَّهُ من الابْدَال، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن عَبْد الأعْلَى البَيَّاسيّ (b)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، عن عُبَيْدِ اللَّه، عن القَاسِم بن مُحَمَّد (c)، عن عائِشَة (٣): أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان إذا رَأَى الغَيْث قال: اللَّهُمَّ سَيْبًا (d) نَافِعًا.
стр. 3071
الحَسَنُ بن عبد الرَّحْمن بِن الحَسَن بن عليّ بن جُبَيْر، أبو مُحَمَّد البَزَّازُ النَّهَاوَنْدِيُّ (١)
سَمِعَ بحَلَب صالح بن عليّ النَّوْفَلِيّ، ورَوَى عنه وعن عَبْد الَمِلك بن عَبْد الحَميْد المَيْمُونيّ الرَّقِّيّ، وسُليْمان بن عَبْد الحَميْد الحِمْصِيّ البَهْرَانِيّ.
رَوَى عنهُ القَاضِي أبوالحَسَن عليّ بن الحَسَن الجرَّاحِيّ.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: الحَسَن بن عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن عليّ جُبَيْر، أبو مُحَمَّد البَزَّازُ النَّهَاوَنْدِيُّ، سَكَنَ بَغْدَاد، وحَدَّثَ بها عن صالح بن عليّ النَّوْفِليّ الحَلَبِيّ، وعَبْد المَلِك بن عَبْد الحَميْد المَيْمُونِيّ الرَّقِّيّ، وسُليْمان بن عَبْد الحَميْد البَهْرَانِيّ الحِمْصِيّ، رَوَى عنهُ القَاضِي أبو الحَسَن الجرَّاحِيّ.
الحَسَنُ بنُ عَبد الرَّزَّاق بن عَبد الوَهَّاب بن الخَضِر بن عَبد الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن عَجْلان البَالِسِيّ، القَاضِي، أبو مُسْلم
قاضي الرَّقَّة، حَدَّثَ عن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الكُشْمَيْهِنيّ. رَوَى لنا عنْهُ أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد اللَّه الدِّمَشقيّ.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو مُسْلم الحَسَنُ بن عَبد الرَّزَّاق بن عَبد الوَهَّاب بن الخَضِر بن عَبد الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن عَجْلان البَالِسِيّ، بقِرَاءَتي عليه بالرَّقَّة، قُلتُ لهُ: أخْبَركُم مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الكُشْمَيْهَنيّ قِراءَةً عليهِ وأنت تَسْمَع، فأقَرَّ بهِ، ح.
стр. 3072
وأخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الكُشْمَيْهَنِيّ بحَلَب، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن مَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَبْد الجبَّار السَّمْعَانيّ إمْلاءً، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن مَرْدَوَيْه بأصْبَهَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن عبد الرَّحْمن المُعَدَّل مع جَمَاعَة، قالوا: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن جَعْفَر بن أحْمَد بن فَارِس، قال: حَدَّثَنَا أبو مَسْعُود أحْمَد بن الفُرَات، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه بن نُمَيْر، عن الأوْزَاعِيّ، عن حَسَّان بن عَطِيَّة، عن أبي كَبْشَة، عن عَبْد اللَّه بن عَمْرو (١)، عن النَّبيَّ ﷺ قال: بلِّغُوا عنِّي ولو آيةً، وحَدِّثُوا عن بني إِسْرَائِيلَ ولا حَرَج، ومَنْ كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا فليتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ من النَّارِ.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ عَبْد الكَريم في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بنُ عَبْد الكَريم بن جَعْفَر بن المُهَذَّب، أبو مُحَمَّد المَعَرِّيّ القَاضِي (٢)
وَلي قَضَاءَ سَرْمِيْن، وكان حَنَفِيِّ المَذْهَب فَقِيهًا.
نَقَلْتُ عن ظَهْر كتاب الشُّرُوط لأبي جَعْفَرِ الطَّحَاوِيّ؛ أظُنُّه بخَطِّ أبي صالِح مُحَمَّد بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ: وَصَل القَاضِي أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عَبْد الكَريم بن جَعْفر بن المُهَذَّب إلى سَرْمِيْن مُسْتَهَلّ شَعْبان من سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، وبيَده تَقْليْدُ القَضَاءِ بناحيةِ سَرْمِيْن وأعْمَالها، والعَلَامات السُّلْطانيَّة عليه، وهو مُؤَرَّخٌ في النِّصْف من رَجَب.
يُريدُ بالعَلامَات السُّلْطَانيَّة: عَلَامةُ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان المُلَقَّب بالعَادِل.
стр. 3073
الحَسَنُ بن عَبْد الكَريم، أبو الرَّبِيْع السَّاحِليّ اليَمَامِيّ (١)
غَزَا بلاد الرُّوم، واجْتازَ بحَلَب، أو ببَعْضِ عَمَلها في غَزَاتهِ.
حَدَّثَ عن أبي رَوْق الهِزَّانِيّ، وأبي عليّ الصَّحَّاف، والمُنْتَصر بن مُحَمَّد الدِّيْبَاجِيّ، ووَاهِب بن يَحْيَى المَازِنِيّ، وعليّ بن الحَسَن القَاضِي، ومُحَمَّد بن حَمْدَويْه.
رَوَى عنهُ أبو سَعْد عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن إِدْرِيس الإِسْتِرَابَاذِيّ الحافِظ، وذَكَرَهُ في تارِيخ سَمَرْقَنْد (٢)، وقال: الحَسَنُ بن عَبْد الكَريم، أبو الرَّبِيْع اليَمَامِيِّ السَّاحِلِيُّ، كَهْلٌ وَردَ علينا سَمَرْقَنْد من ناحية أَسْفِيْجَاب مع الغُزَاةِ مُتَوجِّهًا إلى قِتَالِ الرُّومِ، كان فَاضِلًا من أصْحَاب الحَدِيْث، يَحْفَظ ويَعْلَم، ويروى عن وَاهِب بن يَحْيَى المَازِنِيّ البَصْرِيّ، وأبي عليّ أحْمَد بن مُحَمَّد بن إِبْراهيمَ الصَّحَّاف الأصْبَهَانيّ، وأبي رَوْق أحْمَد بن مُحَمَّد بن بَكْر الهِزَّانيّ البَصْرِيّ، ومُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه بن سَهْلٍ المَرْوزيّ، والمُنْتَصر بن مُحَمَّد بن المُنْتَصر الدِّيْبَاجِيّ، وعليّ بن الحَسَن القَاضِي الشَّاوْغَرِيّ. كَتَبْنا عنهُ، ماتَ بأَسْفِيْجَاب في رَجَب سَنَة تِسْعٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ عَبْد الوَاحِد في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن عَبْد الوَاحِد بن عبد الأَحَد بن مَعْدَان الحَرَّانيُّ، أبو عَبْد اللَّه الشَّاهِدُ (٣)
حَدَّثَ عن أبي بَكْر يُوسُف بن القَاسِم المَيَانِجِيّ، رَوَى عنهُ أبو مُحَمَّد عَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ.
стр. 3074
وذَكَرَهُ أبو القَاسِم الدِّمَشقيّ في تاريخ دِمَشْق، ففي طَرِيقِه من حَرَّان إلى دِمَشْق، دَخَلَ حَلَب أو بَعْض عَملها.
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه، فيما أَذِنَ لنَا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد هِبَةُ اللَّه بنُ أحْمَد، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه الحَسَنُ بن عَبْد الوَاحِد بن عبد الأَحَد بن مَعْدَان الحرَانيّ قراءةً عليه، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي أبو بَكْر يُوسُف بن القَاسِم المَيَانِجِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو خَلِيفَة الفضل بن الحُبَاب، قال: حَدَّثَنَا أبو الوَلِيد والحَوْضِيّ، قالا: حَدَّثَنَا شُعْبَة، قال: أخْبَرَني عَبْدُ اللَّه بن دِيْنار، قال: سَمِعْتُ ابنَ عُمَر يَقُول (٢): قال رسُول اللَّهِ: كُلّ بَيْعَيْن لا بَيْعَ بينهما حتَّى يَتَفرَّقا إلَّا بَيْع الخِيَار.
أنْبَأنَا أبو الوَحْش بن نَسِيم، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو القَاسِم الدِّمَشقيُّ (٣)، قال: الحَسَنُ بن عَبْد الوَاحِد بن عبد الأَحدِ بن مَعْدَان، أبو عَبْد اللَّه الحَرَّانيّ الشَّاهِدُ، حَدَّثَ عن المَيَانِجِيَّ، روى عنهُ عَبْد العَزِيْز الكَتَّانِيّ.
الحَسَنُ بن عَبْد الوَاحِد بن أحمد، أبو مُحَمَّد الأنْصَاريّ العَيْن زَرْبِيّ (٤)
من أهْلِ عَيْنْ زُرْبَة.
فَقِيْهٌ له تَصَانِيْف على مَذْهَب الشِّيْعَة، منها عُيُون الأَدِلَّة، قَرَأ الفِقْه على ابن البَرَّاج، وعلى أبي جَعْفَر الطُّوْسيّ.
стр. 3075
مَوْلدُه سَنَة ستٍّ وعشرين وأرْبَعِمائة، وتُوفِّيَ ليلَة الاثْنَين السَّادِس من صَفَر سَنَة أرْبَعٍ وتِسْعِين وأرْبَعِمائة.
الحَسَنُ بن عَبد الوَهَّاب بن عليّ الصَّائِغ، أبو عليّ -وقيل: أبو مُحَمَّد- المُقْرِئُ الحَلَبِيُّ
حَدَّثَ بحَلَب عن أبي العبَّاس مُنِير بن أحْمَد بن الحَسَن الخَلَّال، سَمِعَهُ بمِصْر، وعن أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللَّه بن إبْراهيم الطَّرسُوسِيّ، سَمِعَهُ بحَلَب، وعن أحْمَد بن مُحَمَّد بن القَاسِم الأنْمَاطِيّ.
رَوَى عنهُ شَيْخ الإسْلَام أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن يُوسُفَ الهَكَّارِيّ، وأبو سَعْد إسْمَاعِيْل بن عليّ السَّمَّان.
أنْبَأتْنا زَيْنَب بنتُ عبد الرَّحْمن الشَّعْرِيّ، عن أبي القَاسِم مَحْمُود بن عُمَر الزَّمَخْشَرِيّ، قال: حَدَّثَني أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن مَرْدَك، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمَّان، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَنُ بن عَبد الوَهَّابِ بن عليّ الصَّائِغ بحَلَب، بقِرَاءَتي عليه، قال: حَدَّثَنَا أبو عَمْرو عُثْمان بن عَبْدِ اللَّه بن إبْراهيم الطَّرَسُوسِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُمَيْر عَدِيُّ بن أحْمَد بن عَبْد البَاقِي، قال: حَدَّثَنَا يوسُفُ بن سَعيْد بن مُسَلَّم، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بن مُوسَى، عن مُبَارَك بن الحَسَن، عن مُحَمَّد بن سِيْرِيْن، عن سَعْد بن مَالك (١)، قال: قُلْتُ يا رسُول اللَّه، ادْعُ اللَّه أنْ يَسْتَجِيْبَ لي دَعْوَتي، قال: إنَّ اللَّه لا يَسْتَجِيْبُ دُعَاءَ عَبْدٍ حتَّى يُطَيِّبَ طِعْمَتَهُ.
стр. 3076
الحَسَنُ بن عُبَيْد الهَمَذَانيّ
حَدَّثَ بطَرَسُوس عن عَبْد الحَميْد بن عِصَام الجُرْجَانِيّ. رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن أَيُّوبَ بن المُعَافَى العُكْبَرِيّ.
أنْبَأنَا أبو اليُمن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، عن أبي القَاسِم هِبَة اللَّه بن أحْمَد بن عُمَر الحَرِيرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو إسْحَاق إبْراهيم بن عُمَر البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن خَالِد بن بُخَيْت الدَّقَّاق، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أيُّوبَ بن المُعَافَى العُكْبَريّ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بن عُبَيْد الهَمَذَانيّ بطَرَسُوس، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحميد بن عِصام الجُرْجَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يوسف الفِريابِيّ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان الثَّوْرِيّ، عن سُفْيان بن عُيَيْنَة، عن ابن أبي نَجِيْح، عن مُجَاهِد، أنَّهُ سُئِلَ عن الصَّالِحين، قال: هم الصَّائِمُون.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ عليّ في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم بن علّى بن مُحَمَّد الجُوَيْنِيّ، أبو عليّ البَغْدَاديّ الكَاتِب، ويُعْرَفُ بابن اللُّعَيْبَة (١)
ويُلَقَّب فَخْر الكُتَّاب.
قَدِمَ حلَبَ، وأقامَ بها مُدَّةً في أيَّام نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، وانْقَطَعَ إليه.
стр. 3077
وكان يَكْتُب خَطًّا حَسَنًا، وكتَبَ الكَثِيْر بخَطِّه، وتَبعَ عليّ بن هِلَالٍ في طَرِيْقته، وأحْسَن أقْلَامه قَلَم النَّسْخ، ويقَع في خَطِّه نَوَادر أجَادَ فيها، وكان كَتَبَ على عُمَر الخَطَّاط ببَغْدَاد في صَدْر عُمره، وكان خَطُّه وهو ببَغْدَاد يَمِيْل إلى طَريْقَة البَغْدَاديِّيْن، فلمَّا قَدِمَ الشَّامَ وأقَامَ بحَلَب، جَادَ خَطُّه، وكَتَبَ على طَريْقَة ابن البَوَّاب لكَثْرة نَقْله خَطّه، وأجْوَد كتابتهِ ما كَتَبهُ بحَلَب، ثمّ إنَّهُ سَافَرَ إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة فمالَت كتابتُه إلى طَريْقَة المِصْرِيِّين، وأقام بمِصْر إلى أنْ ماتَ بها، وكان لهُ شِعْرٌ لا بَأْسَ بهِ.
رَوَى عن أبي مَنْصُور بن الجَوَالِيْقِيّ، وأبي البَرَكَات عَبْد القَاهِر بن عليّ بن عَبْد اللَّه بن أبي جَرَادَة.
كَتَبَ عنهُ أبو البَرَكَات عَبْد القَاهِر بن عليّ بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيّ بها، ورَوَى عنهُ شَيْخُنا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل.
سَمِعْتُ الشَّيْخ أبا الحَسَن عليّ بن أبي بَكْر الهَرَويّ يُسِيءُ الثَّنَاءَ على أبي عليّ الجُوَيْنِيّ، ويَصِفُهُ بقلَّة الدِّين، وحَكَى لنا عنه أنَّهُ كان يكتُب المُصْحَف ورُبَّما يكون حَاضِرًا عنده شَرَابٌ مُسْكرٌ، خَمْرٌ أو نَبِيْذ، فإذا نَشَفَت الدَّوَاة واحْتَاج إلى أنْ يَسْقِيها ألْقَى عليها من ذلك الشَّرَاب، هذا مَعْنَى ما سَمِعتُه منه، نَسْأل اللَّه التَّوْبَة والعِصْمَة.
وأخْبرَني أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل القِيْلَويّ (a)، قال: أخْبَرَني ظَهِيْرُ الدِّيْن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن صَدَقَة، نائب الوِزَارَة كان ببَغْدَاد، قال: سَافَرْتُ مع أبي -يعني جَلَال الدِّين أبا الرِّضَا- لمَّا سَارَ رسُولًا عن الرَّاشِد إلى
стр. 3078
حَلَب، وكان معنا ابن المُطَّلِب الكَاتِب، والحَسَن بن عليّ بن إبْراهيم الجُوَيْنِيّ، قال: فشَرِبا ليلةً، وخَرَجا من بين الخِيمَ، فتَعَثَّرا في أطْنَاب خَيْمَة زَنْكِي، فاضْطَرَبت الخَيْمَةُ، فأحَسَّ زَنْكِي بذلك، وسَأل عنه، فقيل له: هؤلاء سُكَارَى من أهْلِ بغداد، فأمَرَ بأنْ يُصْلَبا إذا طلَعَ الصُّبْح، فبَلغَ ذلك وَالدِي فركبَ قبل الصُّبْح، ووقفَ على ظَهْر دَابَّتهِ هو وأصْحَابهُ، فلمَّا اسْتَيْقَظ زَنْكِي رآهم فسَأل عن الحالِ، فقيل له: هذا جَلَال الدِّين يَشْفَعُ في أصْحَابه الّذين أخذُوا اللَّيْلة، وأمَرَ مَوْلَانا بصَلْبِهم، فقال: سَلِّمُوا إليه أصْحَابَهُ وأطْلقُوهم، قال: فأخَذناهُم ورَجعْنا إلى الخَيْمَة، فلمَّا عُدْنا لم يَرْجع الجُوَيْنِيّ معنا وأقام بقَلْعَة حَلَب من ذلك اليَوْم.
وأظُنُّ أنَّ الجُوَيْنِيّ تابَ في آخر عُمْرِه، وأقْلعَ عمَّا كان عليه، وله أشْعَارٌ تَدُلّ على ذلك سَنَذْكُر بعضها إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى.
قَرأتُ بخَطِّ العِمَاد أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب (١)، وأخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن عُمَر بن عليّ بن حَمُّوْيَه، شَيْخُ الشُّيُوخ بدِمَشْق بها، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: فَخْر الكُتَّاب، الحَسَنُ بن عليّ الجُوَيْنِيّ، المُقِيْم بمِصْر، ذو الخَطّ الرَّائق، واللَّفْظ الشَّائق، والخُلُق العَذْب، والصَّدْر الرَّحْب، كَتَبَ إليَّ يَسْتَدْعي أقْلَامًا وَاسِطيَّةً: [من الكامل]
تقُولُ يَدِي عندَ افْتِقَادِ يَرَاعِها الأ … صَمِّ السَّمِيْعِ الأخْرَسِ المُتَكَلِّمِ
إلى كم أُمَنَّى بالجَوَادِ المُسَوَّمِ الأ … نيقِ لعَيْنِ النَّاظِرِ المُتَوسِّمِ
أُقَوِّمُ زَيْغَ الخَطِّ منه بحَاذِقٍ … صَبُورٍ جَلِيْدٍ وَاسِطِيّ مُقَوَّمِ
أَغَيْر الأجَلِّ العَالَم الصَّدْر أنْتَخي … بذاكَ عَزِيز الدَّوْلَة بنَ المُقَدَّمِ
أَغَيْرَ عِمَادِ الدِّين أرْجُوهُ سَيِّدًا … يشُيِّدُ مِن خَطِّي الصَّنيْعِ المُنَمنَمِ
стр. 3079
قَرأتُ بخَطِّ أبي البَرَكَات بن أبي جَرَادَة: أنْشَدَني فَخْرُ الكُتابِ، حَرَس اللَّهُ عِزَّهُ، لبَعْض العِرَاقِيِّيْن (١): [من الرمل]
يَنْدَم المَرْءُ على ما فاتَهُ … من لُبَاناتٍ إذا لَمْ يَقْضها
وتَرَاهُ فَرِحًا مُسْتبشِرًا … بالَّتي أَمْضَى كأن لم يُمْضِهَا
إنَّها عِنْدِي وأحْلَامُ الكَرَى … لقَرِيْبٌ بَعْضُها من بَعْضِها
وَجَدْتُ بخَطِّ الحَسَن بن إبْراهيم الجُوَيْنِيّ من شِعْره أبْيَاتًا حَمَلَها إليَّ بعضُ الأصْدِقَاء بدِمَشْق، فنَقَلتها، وهي: [من المنسرح]
ما ينفَعُ القُرْبُ وَهْوَ مُجْتنِبُ … فكم بَعِيْدٍ ودَارُهُ كَثَبُ
إذا الوِصَالُ أنتَأتْ مَطَالبُهُ … فما يَدٌ للدُّنُوِّ تُحْتَسبُ
يَشْجُو فُؤادِي الهَوَى وليسَ لَهُ … في مُخْلِصٍ مِن عَذَابهِ أَرَبُ
ما حِيْلَةُ الصَّبّ في هَوَى رَشَأ … تُبْعِدُهُ مِن وِصَالِهِ القُرَبُ
فلا نَوَالًا هَوَاهُ يَبْذُلُهُ … ولا مَزَارًا خَيَالُهُ يَهَبُ
ظَبْيٌّ هَوَاهُ للقَلْب مُجْتَذِبٌ … لكِنْ رضَاهُ للصَّبِّ مُجْتَنَبُ
لكُلِّ قَلْبٍ جَمَالُ صُوْرَتِهِ … على جَمِيل العَزَاءِ مُغْتَصبُ
كأنَّ في صَحْنِ خَدِّهِ قَبَسًا … بِأنْفُسِ العَاشِقينَ يَلْتَهبُ
نارٌ على القَلْبِ مِن تَوَرُّدِها … برْدٌ وفيهِ مِن بَعْدِها لَهَبُ
سُقْيًا لعَيْشٍ منَّ النَّعِيْم بهِ … كانَت ذُيولُ السُّرُورِ تَنْسَحبُ
أيَّام مَجْنى هَوَاي في ظِلِّها الـ … ــوصْل ومَرْعَى هُمُومي اللَّعِبُ
بينَ شُمُوسٍ تُظِلُّها سُدَفٌ … على غُصُونٍ تُقِلُّها كُثُبُ
في رَبْعِ لَهْوي بالكَرْخ يا حَبَّذَا الـ … ـــكَرْخ مَحَلًّا وحبَّذَا حَلَبُ
стр. 3080
ونَقَلْتُ من خَطِّ أبي عليّ الجُوَيْنِيّ لنَفْسِه من أبْياتٍ مَدَحَ بها أبا الفَضْل غسْيان بن جِلْب رَاغِب بالدِّيَار المِصْرِيَّةِ: [من المجتث]
يَقُولُ وَفْدُ التَّهَاني … أَبْشِرْ بِنَيْلِ الأمَانِي
فَقْد أَتَتْكَ سُعُودٌ … تَبْقَى بَقَاءَ الزَّمانِ
وكُلُّ ماضٍ بَعِيْدٍ … ممَّا تُحَاوِلُ دَانِ
يا مَنْ يُجَرِّدُ عَزْمًا … كالصَّارِم الهُنْدُوَانِي
بحَدِّكَ الْقَ أَعادِيْـ … ـــكَ لا بحَدِّ اليَمَانِي
يا مَنْ لعُلْيَاهُ سَيْرُ الأ … مْثَال في البُلْدَانِ
يا وَاحِدًا لا يُدَانيـ … ــه في البَرَايَا مُدَانِ
يا مَنْ يَرَى الجُوْد حَتْمًا … فَرْضًا على الإنْسانِ
وفي النَّوَافل يأتي … بعَارِفاتٍ حِسَانِ
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبدُ الرَّحيم بن يُوسُف بن هِبَةِ اللَّه بن الطُّفَيْل، إجَازَةً عندَ قراءتي عليه بدَار الوِزَارَة بالقَاهِرَة، قال: أنْشَدَنا فَخْرُ الكُتَّابِ الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم الجُوَيْنِيّ لنَفْسِه من قَصِيدَةٍ (١): [من الطويل]
فإنْ قُلتَ لي صَبْرًا فلا صَبْر لامْرِئٍ … غَدًا بيَدِ الأيَّام تَقْتُلُهُ صَبْرَا
وإنْ قُلتَ لي عُذْرٌ فواللَّهِ ما أرَى … لمَنْ مَلَكَ الدُّنْيا إذا لم يَجُدْ عُذْرَا
وأنْشَدَنا أبو القَاسِم بن الطُّفَيْل في كتابه، قال: أنْشَدَنا فَخْر الكُتَّاب الحَسَنُ بن عليّ الجُوَيْنِيّ لنَفْسِه، وقال لنا: قُلتُ أُخاطِبُ نَفْسِي المِسْكِينَة المُوثَقَة الرَّهِيْنة: [من السريع]
أبا عليٍّ يا رَهِيْنَ الثَّرَى … كم فُرْصَةٍ أَهْمَلتَها فَاخِرَهْ
قد فاتت الدُّنْيا فبُعْدًا لها … بَادِرْ وقمْ فاسْتَدْرِكِ الآخِرَهْ
стр. 3081
قال شَيْخُنا أبو القَاسِم: وأنْشَدَنا لنَفْسِه: [من مجزوء الكامل]
يا ابنَ الجُوَيْنيّ الّذي … يَجْنِي ويَنْسَى ما جَنَى
كم غَارِسٍ في جَنَّةٍ … تَعِبت يَدَاهُ وَما جَنَى
يا آمِنَ الدُّنْيا التّي … تَصِلُ المَنَايا بالمُنَى
كم حَلَّ في جِسْمٍ خُمَا … رُ الفَقْر مِن سُكْرِ الغِنَى
يا بائعًا دَارَ البَقَا … أتُقِيْمُ في دَارٍ الفَنَا
يا دَارَ دُنيانا الّتي … تُقْصِي وتُبْعِدُ منْ دَنَا
خَيْرُ القَنَايا أنْ يَجُو … دَ العَبْدُ فِيكِ بما اقْتَنَى
قال شَيْخُنا أبو القَاسِم: قال لنا الجُوَيْنِيّ: وقدُ أَعْني نَفْسِي على طَرِيق اللُّزُوم: [من مجزوء الكامل]
يا ليتَ شِعْري ما يُقا … لُ إذا الجُوَيْنِيُّ انْتَقَلْ
ما كانَ يِفْعَلُهُ يُقا … ل وما عَدَاهُ لَم يُقَلْ
مَنْ يَسْتَقِلْ من ذَنْبهِ … من قبلِ مَصْرَعِهِ يُقَلْ
قال أبو القَاسِم: قال لنا الجُوَيْنِيّ: وقلتُ بعَقْبِ إفاقَتي من مَرَض صَعبْ: [من السريع]
يا رَبّ عَافيتَ من العِلَّهْ … تَفَضُّلًا فاعْفُ عَنِ الزَّلَّهْ
الحَمْدُ للَّهِ الّذي عَمَّني … مِن فَضْلِهِ ما لَم أكُنْ أهْلَهْ
وصَانَني شُكْرًا لنُعْماهُ عن … مَوَاقِفِ الذِّلَّة والبذْلَهْ
فكَم لَهُ عنْديَ مِن نِعْمَةٍ … ديْمَتُها وَطْفَاءُ مُنْهَلَّهْ
أهْفُو ويَعْفُو فارْتَجُوا فَضْلَهُ … لَكنَّكُمْ لا تَأْمَنُوا عَدْلهْ
أخْبرَني أبو السَّعَادَات بن أبي بَكْر بن حَمْدَان أنَّ الجُوَيْنِيّ تُوفِّي سَنَة اثْنَتَيْن وثمانين وخَمْسِمائَة.
стр. 3082
ثمّ قَرَأتُ بالقَاهِرَة في دَرْج وَقَعَ إليَّ بخَطِّ الجُوَيْنِيّ في آخره: كَتَبَهُ العَبْدُ الخائفُ من ذَنْبهِ، اللَّاجئُ إلى كَّنَف ربِّهِ ، حَسَن بن عليّ بن إبْراهيم الجُوَيْنِيّ، في سَنَة خَمْسٍ وثمانين وخَمْسِمائَة وله حينئذٍ من العُمر اثْنَتان وثَمانُون سَنَةً بَحْمد اللَّه ومَنِّه.
وأنْبَأنَا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المنذِريّ (١)، قال في ذِكْر مَنْ تُوفِّي سَنَة أرْبَعٍ وثمانين وخَمْسِمائَة من كتاب التَّكْمِلَة لوَفَيَات النَّقَلَه. وفىِ التَّاسِع من صَفَر تُوفِّي الشَّيْخ الفَاضِل أبو عِليّ الحَسَن بن عليّ بن إبْراهيم الجُوَيْنِيّ الكَاتِب، بالقَاهِرَة، حَدَّثَ عن أبي مَنْصُور مَوْهُوب بن أحْمَد الجَوَالِيْقِيّ، وهو مَشْهُورٌ بجَوْدَة الخَطِّ، وله أَدَبٌ وشِعْرٌ حَسَنٌ، أنْشَدَنا عنه غير واحدٍ من أصْحَابه، وقيل: إنَّهُ تُوفِّي سَنَة ستٍّ وثَمانين.
قُلْتُ: وهو الصَّحيْحُ.
الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم بن يَزْدَاد بن هُرْمُز بن شَاهُوْه، أبو عليّ الأهْوَازِيّ المُقْرِئ (٢)
وكان يُعْرَف بإمَام الحَرَمَيْن.
قَدِمَ حلَبَ في سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، وحَدَّثَ بها عن أبي القَاسِمِ تَمَّام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ، وأبي الحُسَين عَبد الوَهَّاب بن الحَسَن الكِلابِيّ، وسَمعَ بمَعَرَّهَ
стр. 3083
النُّعْمَان أبا عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللَّه بن إبرْاهيم الطَّرَسُوسِيّ قَاضِيَها، وحدَّث بغيرها عن أبي القَاسِم نَصْر بن أحْمَد المَرْجِيّ، وأبيهِ عليّ بن إبْراهيم، وأبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عُثْمان بن القَاسِم بن مَعْرُوف، وأبي طَلْحَة عَبْد الجَبَّار بن مُحَمَّد بن الحَسَن الطَّلْحِيّ البَصْرِيّ، وأبي عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن القَاسِم بن دَرَسْتَوَيْه، والقَاضِي المُعَافَى بن زكَرِيَّاء بن طَرَارَا الجَرِيْرِيّ، وأبي الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد بن نَفِيْس الإمَام، وأبي الحَسَن عليّ بن الحَسَن بن القَاسِم بن عَبْد اللَّه الطَّرَسُوسِيّ، وأبي زُرْعَة أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ، وأبي الفَتْح مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عليّ بن النُّعْمان نَزِبلُ الرَّمْلَة، وأبي القَاسِم عَبْد العَزِيز بن عُثْمان بن مُحَمَّد الصُّوْفيّ، وأبي الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الرَّفَّاء السَّامُرِّيّ، وأبي الحَسَن أحْمَد بن إبْراهيم بن فِرَاس، وأبي العبَّاس أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي سَعيد الكَرْخِيّ قاضي مكَّة، وأبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن يُوسُف الشَّيْبَانِيّ، وأبي القَاسِم عبد الرَّحْمن بن عُمَر بن نَصْر، وأبي مُحَمَّد طَلْحَة بن أسَد بن المُخْتَار الرَّقِّيّ، وأبي عليّ الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن بن شَوَّاش الأرْتاحِيّ، وأبَوَي بَكْر: ابن هِلال الحِنَّائِيّ، ومُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن بن أبي المُغِيْث، وأبي العبَّاس مُنِير بن أحْمَد بن الحَسَن المِصْرِيّ الخَلَّال، وأبي عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن الحَسَن المَاوَرْدِيّ، وأبي الحُسَين جَعْفَر بن عَبد الرَّزَّاق بن عَبد الوَهَّاب، وهِبَة اللَّه بن مُوسَى بن الحُسَين المُزكِيّ المَوْصِليّ، وعَبد الوَهَّاب الميدانيّ، وأبي بَكْر بن أبي الحَدِيد، وأبي مُسْلِم الكَاتِب، وعليّ بن بُشْرَى العَطَّار، وأبَوَي نَصْر ابن الجَبَّان، وابن الجَنَدِيّ.
стр. 3084
رَوَى عنهُ أبو الفَتْح عَبْد اللَّه بن إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن الجِلّيّ الحَلَبِيّ، والخَطِيبُ أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت، وأبو سَعْد إسْمَاعِيْل بن عليّ الرَّازِيّ السَّمَّان، والحافِظ أبو مَنْصُور المُظَفَّر بن الحُسَين بن إِبْراهيم بن هَرْثَمَة الفَارسِيّ، وعليّ بن مُحَمَّد بن شُجاع الرَّبَعيّ، وأبو بَكْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عليّ الهَرَويّ المقرِئ مُجَاوِر المَسْجِد الأقْصَى، وأبو زَكَرِيَّاء عبد الرَّحيم بن أحْمَد بن نَصْر البُخاريّ، وعَبْد العَزيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، وأبو عليّ الحَسَن بن الحُسَين التَّفْلِيْسِيّ، وعليّ بن الخَضِر السُّلمِيّ، والفَقِيه أبو الفَتْح نَصْرُ بن إبْراهيم المَقْدِسِيّ، ونَجَا بن أحْمَد العَطَّار، وصِهْرُه أبو الحَسَن عَبْد البَاقِي بن أحْمَد بن هبَة اللَّه وأبَوَا عَبْد اللَّهِ: ابن أبي الحَدِيْد السُّلمَيّ، ومُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحُسَين الطُّوْسيَّ، وأبو عليّ إسْمَاعِيْل بن العبَّاس بن أحْمَد الصَّيْدَلانيّ النَّيْسَابُوريّ، وأبو طَاهِر بن الحِنَّائيّ، وأبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم النَّسِيب العَلَويّ، وأبو القَاسِم بن أبي العَلَاء.
وله كُتُبٌ صَنَّفها في القِرَاءَات وفي غيرها، منها: المَوْجز في القِرَاءَاتِ السَّبْعَة، وكتاب في القِرَاءَات العَشَرة، وكتاب الوَجيْز في القِرَاءَات الثَّمانيَةِ، وكان يَطْعن على أبي الحَسَن الأشْعَرِيّ، ولهُ كتابُ في ذَمِّه، وَقفتُ عليه، ورَدَّ عليه الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ في كتابٍ سمَّاهُ: تَبْيين كَذب المُفْتَري فيما نَسَب إلى الإمَام أبي الحَسَن الأشْعَرِي.
أخْبرَنا عَمِيِّ أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَني أبي أبو الفَضْل هِبَة اللَّه بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قال: حَدَّثني الشَّيْخُ أبو الفَتْحِ عَبْد اللَّه بن إسْمَاعِيْل بن أحْمَد الجِلّيّ الحَلَبِيّ، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم الأهْوَازِيّ، إمْلاءً بحَلَب في شَوَّال سَنَة ثَلاثٍ وعِشْرين وأرْبَعِمائة، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين عَبدُ الوَهَّاب بن الحَسَن بن الوَلِيد الكِلابِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أَيُّوبَ سُليْمان بن مُحَمَّد الخُزَاعِيّ، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن خَالِد الأزْرَق، قال:
стр. 3085
حَدَّثَنَا بَقِيَّة بن الوَلِيدِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جُرَيْج، عن عَطَاء بن أبي رَبَاح، عن أبي هُريْرَة (١)، قال: دَخَل رسُول اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ فإذا النَّاس على رَجُلٍ، فقال: ما هذا؟ قالُوا: عَلَّامَةٌ يا رسُول اللَّه، قال: وما عَلَّامَةٌ؟ قالوا: أعْلَم النَّاسِ بالشِّعْر، وأعْلَم النَّاسِ بكَلَام العَرَب وما اخْتَلَفَ فيه العَرَبُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : عِلْمٌ لا ينفَعُ، وجَهْل لا يَضُرُّ، العِلْمُ ثَلَاثٌ ما خَلَاهُنَّ فَضْلٌ: عِلْمُ آيةٍ مُحْكَمة، أو سُنَّة قَائِمة، أو فَرِيْضَة عَادِلَة.
أخْبَرَنا أبو المَعَالِي أحْمَد بن الخَضِر بن هِبَة اللَّه بن طَاوُس الدِّمَشقيّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى حَمْزَة بن أحْمَد بن فَارِس بن كَرَوَّس السُّلمَيّ، قال: أخْبَرَنا الفَقِيه نَصْرُ بن إبْراهيم بن نَصْر المقدِسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم بن يَزْدَاد المُقْرِئ بدِمَشْق سَنَة ثلاثين وأرْبَعِمائة، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عَبد الوَهَّاب بن الحَسَن بن الوَلِيدِ الكِلابِيّ، قال: حَدَّثَنَا طَاهِرُ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا عُثْمان بن عبد الرَّحْمن، قال: حَدَّثَنَا حَفْصُ بن سُلَيمان، عن كَثِيْر بن زَاذَان، عن عَاصِم بن ضَمْرَة، عنِ عليّ بن أبي طَالِب ﵁ (٢)، قال: قال رسُولُ اللَّهِ ﷺ : منْ قَرأ القُرْآنَ بلفظه واسْتَظَهَرهُ، أدْخَلَهُ اللَّهُ الجنَّةَ، وشَفَّعَهُ في عَشرةٍ من أهْلِ بيتِهِ؛ كُلُّهُم قد وَجَبَتْ لهُ النَّارُ.
أخْبْرَنا أبو الوَحْش بن نَسِيم كتابةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (٣)، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد بن صَابِر (a): قال لي أبو مُحَمَّد مقَاتِل بن