← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

قال شَيْخُنا أبو القَاسِم: وأنْشَدَنا لنَفْسِه: [من مجزوء الكامل] يا ابنَ الجُوَيْنيّ الّذي … يَجْنِي ويَنْسَى ما جَنَى كم غَارِسٍ في جَنَّةٍ … تَعِبت يَدَاهُ وَما جَنَى يا آمِنَ الدُّنْيا التّي … تَصِلُ المَنَايا بالمُنَى كم حَلَّ في جِسْمٍ خُمَا … رُ الفَقْر مِن سُكْرِ الغِنَى يا بائعًا دَارَ البَقَا … أتُقِيْمُ في دَارٍ الفَنَا يا دَارَ دُنيانا الّتي … تُقْصِي وتُبْعِدُ منْ دَنَا خَيْرُ القَنَايا أنْ يَجُو … دَ العَبْدُ فِيكِ بما اقْتَنَى قال شَيْخُنا أبو القَاسِم: قال لنا الجُوَيْنِيّ: وقدُ أَعْني نَفْسِي على طَرِيق اللُّزُوم: [من مجزوء الكامل] يا ليتَ شِعْري ما يُقا … لُ إذا الجُوَيْنِيُّ انْتَقَلْ ما كانَ يِفْعَلُهُ يُقا … ل وما عَدَاهُ لَم يُقَلْ مَنْ يَسْتَقِلْ من ذَنْبهِ … من قبلِ مَصْرَعِهِ يُقَلْ قال أبو القَاسِم: قال لنا الجُوَيْنِيّ: وقلتُ بعَقْبِ إفاقَتي من مَرَض صَعبْ: [من السريع] يا رَبّ عَافيتَ من العِلَّهْ … تَفَضُّلًا فاعْفُ عَنِ الزَّلَّهْ الحَمْدُ للَّهِ الّذي عَمَّني … مِن فَضْلِهِ ما لَم أكُنْ أهْلَهْ وصَانَني شُكْرًا لنُعْماهُ عن … مَوَاقِفِ الذِّلَّة والبذْلَهْ فكَم لَهُ عنْديَ مِن نِعْمَةٍ … ديْمَتُها وَطْفَاءُ مُنْهَلَّهْ أهْفُو ويَعْفُو فارْتَجُوا فَضْلَهُ … لَكنَّكُمْ لا تَأْمَنُوا عَدْلهْ أخْبرَني أبو السَّعَادَات بن أبي بَكْر بن حَمْدَان أنَّ الجُوَيْنِيّ تُوفِّي سَنَة اثْنَتَيْن وثمانين وخَمْسِمائَة.

стр. 3082

ثمّ قَرَأتُ بالقَاهِرَة في دَرْج وَقَعَ إليَّ بخَطِّ الجُوَيْنِيّ في آخره: كَتَبَهُ العَبْدُ الخائفُ من ذَنْبهِ، اللَّاجئُ إلى كَّنَف ربِّهِ ، حَسَن بن عليّ بن إبْراهيم الجُوَيْنِيّ، في سَنَة خَمْسٍ وثمانين وخَمْسِمائَة وله حينئذٍ من العُمر اثْنَتان وثَمانُون سَنَةً بَحْمد اللَّه ومَنِّه. وأنْبَأنَا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المنذِريّ (١)، قال في ذِكْر مَنْ تُوفِّي سَنَة أرْبَعٍ وثمانين وخَمْسِمائَة من كتاب التَّكْمِلَة لوَفَيَات النَّقَلَه. وفىِ التَّاسِع من صَفَر تُوفِّي الشَّيْخ الفَاضِل أبو عِليّ الحَسَن بن عليّ بن إبْراهيم الجُوَيْنِيّ الكَاتِب، بالقَاهِرَة، حَدَّثَ عن أبي مَنْصُور مَوْهُوب بن أحْمَد الجَوَالِيْقِيّ، وهو مَشْهُورٌ بجَوْدَة الخَطِّ، وله أَدَبٌ وشِعْرٌ حَسَنٌ، أنْشَدَنا عنه غير واحدٍ من أصْحَابه، وقيل: إنَّهُ تُوفِّي سَنَة ستٍّ وثَمانين. قُلْتُ: وهو الصَّحيْحُ. الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم بن يَزْدَاد بن هُرْمُز بن شَاهُوْه، أبو عليّ الأهْوَازِيّ المُقْرِئ (٢) وكان يُعْرَف بإمَام الحَرَمَيْن. قَدِمَ حلَبَ في سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، وحَدَّثَ بها عن أبي القَاسِمِ تَمَّام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ، وأبي الحُسَين عَبد الوَهَّاب بن الحَسَن الكِلابِيّ، وسَمعَ بمَعَرَّهَ

стр. 3083

النُّعْمَان أبا عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللَّه بن إبرْاهيم الطَّرَسُوسِيّ قَاضِيَها، وحدَّث بغيرها عن أبي القَاسِم نَصْر بن أحْمَد المَرْجِيّ، وأبيهِ عليّ بن إبْراهيم، وأبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عُثْمان بن القَاسِم بن مَعْرُوف، وأبي طَلْحَة عَبْد الجَبَّار بن مُحَمَّد بن الحَسَن الطَّلْحِيّ البَصْرِيّ، وأبي عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن القَاسِم بن دَرَسْتَوَيْه، والقَاضِي المُعَافَى بن زكَرِيَّاء بن طَرَارَا الجَرِيْرِيّ، وأبي الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد بن نَفِيْس الإمَام، وأبي الحَسَن عليّ بن الحَسَن بن القَاسِم بن عَبْد اللَّه الطَّرَسُوسِيّ، وأبي زُرْعَة أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ، وأبي الفَتْح مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عليّ بن النُّعْمان نَزِبلُ الرَّمْلَة، وأبي القَاسِم عَبْد العَزِيز بن عُثْمان بن مُحَمَّد الصُّوْفيّ، وأبي الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الرَّفَّاء السَّامُرِّيّ، وأبي الحَسَن أحْمَد بن إبْراهيم بن فِرَاس، وأبي العبَّاس أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي سَعيد الكَرْخِيّ قاضي مكَّة، وأبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن يُوسُف الشَّيْبَانِيّ، وأبي القَاسِم عبد الرَّحْمن بن عُمَر بن نَصْر، وأبي مُحَمَّد طَلْحَة بن أسَد بن المُخْتَار الرَّقِّيّ، وأبي عليّ الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن بن شَوَّاش الأرْتاحِيّ، وأبَوَي بَكْر: ابن هِلال الحِنَّائِيّ، ومُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن بن أبي المُغِيْث، وأبي العبَّاس مُنِير بن أحْمَد بن الحَسَن المِصْرِيّ الخَلَّال، وأبي عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن الحَسَن المَاوَرْدِيّ، وأبي الحُسَين جَعْفَر بن عَبد الرَّزَّاق بن عَبد الوَهَّاب، وهِبَة اللَّه بن مُوسَى بن الحُسَين المُزكِيّ المَوْصِليّ، وعَبد الوَهَّاب الميدانيّ، وأبي بَكْر بن أبي الحَدِيد، وأبي مُسْلِم الكَاتِب، وعليّ بن بُشْرَى العَطَّار، وأبَوَي نَصْر ابن الجَبَّان، وابن الجَنَدِيّ.

стр. 3084

رَوَى عنهُ أبو الفَتْح عَبْد اللَّه بن إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن الجِلّيّ الحَلَبِيّ، والخَطِيبُ أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت، وأبو سَعْد إسْمَاعِيْل بن عليّ الرَّازِيّ السَّمَّان، والحافِظ أبو مَنْصُور المُظَفَّر بن الحُسَين بن إِبْراهيم بن هَرْثَمَة الفَارسِيّ، وعليّ بن مُحَمَّد بن شُجاع الرَّبَعيّ، وأبو بَكْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عليّ الهَرَويّ المقرِئ مُجَاوِر المَسْجِد الأقْصَى، وأبو زَكَرِيَّاء عبد الرَّحيم بن أحْمَد بن نَصْر البُخاريّ، وعَبْد العَزيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، وأبو عليّ الحَسَن بن الحُسَين التَّفْلِيْسِيّ، وعليّ بن الخَضِر السُّلمِيّ، والفَقِيه أبو الفَتْح نَصْرُ بن إبْراهيم المَقْدِسِيّ، ونَجَا بن أحْمَد العَطَّار، وصِهْرُه أبو الحَسَن عَبْد البَاقِي بن أحْمَد بن هبَة اللَّه وأبَوَا عَبْد اللَّهِ: ابن أبي الحَدِيْد السُّلمَيّ، ومُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحُسَين الطُّوْسيَّ، وأبو عليّ إسْمَاعِيْل بن العبَّاس بن أحْمَد الصَّيْدَلانيّ النَّيْسَابُوريّ، وأبو طَاهِر بن الحِنَّائيّ، وأبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم النَّسِيب العَلَويّ، وأبو القَاسِم بن أبي العَلَاء. وله كُتُبٌ صَنَّفها في القِرَاءَات وفي غيرها، منها: المَوْجز في القِرَاءَاتِ السَّبْعَة، وكتاب في القِرَاءَات العَشَرة، وكتاب الوَجيْز في القِرَاءَات الثَّمانيَةِ، وكان يَطْعن على أبي الحَسَن الأشْعَرِيّ، ولهُ كتابُ في ذَمِّه، وَقفتُ عليه، ورَدَّ عليه الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ في كتابٍ سمَّاهُ: تَبْيين كَذب المُفْتَري فيما نَسَب إلى الإمَام أبي الحَسَن الأشْعَرِي. أخْبرَنا عَمِيِّ أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَني أبي أبو الفَضْل هِبَة اللَّه بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قال: حَدَّثني الشَّيْخُ أبو الفَتْحِ عَبْد اللَّه بن إسْمَاعِيْل بن أحْمَد الجِلّيّ الحَلَبِيّ، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم الأهْوَازِيّ، إمْلاءً بحَلَب في شَوَّال سَنَة ثَلاثٍ وعِشْرين وأرْبَعِمائة، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين عَبدُ الوَهَّاب بن الحَسَن بن الوَلِيد الكِلابِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أَيُّوبَ سُليْمان بن مُحَمَّد الخُزَاعِيّ، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن خَالِد الأزْرَق، قال:

стр. 3085

حَدَّثَنَا بَقِيَّة بن الوَلِيدِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جُرَيْج، عن عَطَاء بن أبي رَبَاح، عن أبي هُريْرَة (١)، قال: دَخَل رسُول اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ فإذا النَّاس على رَجُلٍ، فقال: ما هذا؟ قالُوا: عَلَّامَةٌ يا رسُول اللَّه، قال: وما عَلَّامَةٌ؟ قالوا: أعْلَم النَّاسِ بالشِّعْر، وأعْلَم النَّاسِ بكَلَام العَرَب وما اخْتَلَفَ فيه العَرَبُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : عِلْمٌ لا ينفَعُ، وجَهْل لا يَضُرُّ، العِلْمُ ثَلَاثٌ ما خَلَاهُنَّ فَضْلٌ: عِلْمُ آيةٍ مُحْكَمة، أو سُنَّة قَائِمة، أو فَرِيْضَة عَادِلَة. أخْبَرَنا أبو المَعَالِي أحْمَد بن الخَضِر بن هِبَة اللَّه بن طَاوُس الدِّمَشقيّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى حَمْزَة بن أحْمَد بن فَارِس بن كَرَوَّس السُّلمَيّ، قال: أخْبَرَنا الفَقِيه نَصْرُ بن إبْراهيم بن نَصْر المقدِسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم بن يَزْدَاد المُقْرِئ بدِمَشْق سَنَة ثلاثين وأرْبَعِمائة، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عَبد الوَهَّاب بن الحَسَن بن الوَلِيدِ الكِلابِيّ، قال: حَدَّثَنَا طَاهِرُ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا عُثْمان بن عبد الرَّحْمن، قال: حَدَّثَنَا حَفْصُ بن سُلَيمان، عن كَثِيْر بن زَاذَان، عن عَاصِم بن ضَمْرَة، عنِ عليّ بن أبي طَالِب ﵁ (٢)، قال: قال رسُولُ اللَّهِ ﷺ : منْ قَرأ القُرْآنَ بلفظه واسْتَظَهَرهُ، أدْخَلَهُ اللَّهُ الجنَّةَ، وشَفَّعَهُ في عَشرةٍ من أهْلِ بيتِهِ؛ كُلُّهُم قد وَجَبَتْ لهُ النَّارُ. أخْبْرَنا أبو الوَحْش بن نَسِيم كتابةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (٣)، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد بن صَابِر (a): قال لي أبو مُحَمَّد مقَاتِل بن

стр. 3086

مَطَّكُوْد: قال لي أبو عليّ: وُلدتُ يَوْم الأرْبَعَاء السَّابِع والعشْرين من المُحَرَّم سَنَة اثْنَتَيْن وسِتِّين وثَلاثِمائة. أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن الحافِظ (١)، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي عليّ الأهْوَازِيّ، وأنْبَأنَاه (a) أبو طَاهِر بن الحِنَّائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ، قال: رأيْتُ رَبّ العِزَّة في النَّوْم وأنا بالأهْوَاز، وكأنّهُ يَوْم القِيامَة، فقال لي: بَقِي علينا شيءُ، اذْهَب فَمَضَيْتُ في ضَوْءٍ أشَدُّ بياضًا من الشَّمْس، وأنْوَر من القَمَر حتَّى انْتَهَيْتُ إلى طَاقة أمَام بابٍ، فلم أزَل أمْشي عليه، ثمّ انْتَبَهْتُ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين بن رَوَاحَة الأنْصَاريّ بحَلَب، وأبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود بن الحُسَين السَّاوِيّ الصُّوْفيّ بالقَاهِرَة، قالا: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: سَمِعْتُ أبا البَرَكَاتِ الخَضِرُ بن شِبْل بن الحَسَن الحَارِثِيّ صَاحِبُنا بدِمَشْق يَقُول: سَمِعْتُ الشَّريف النَّسِيب أبا القَاسِم عليّ بن إبْراهيم بن العبَّاس العَلَويّ المَعْرُوفُ بابنِ أبي الجِنّ يَقُول: أبو عليّ الأهْوَازِيّ المُقْرِئ ثِقَةٌ، ثِقَةٌ. أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة اللَّه الدِّمَشقيُّ (٢)، قال: الحَسَنُ بن عليِّ بن إبْراهيم بن يَزْدَاد بن هُرْمُز بن شَاهُوْه (b)، أبو عليّ الأهْوَازِيّ المُقْرِئ، سَكَنَ دِمَشْق، وقَدِمَها يَوْم الأَحَد الثَّالث عَشر من ذِي الحِجَّة سَنَة إحْدَى وتِسْعِين وثَلاثِمائة، قَرأ القُرْآن بروَاياتٍ كَثِيْرة، وأقْرَأَهُ، وصَنَّفَ كُتُبًا في القِرَاءَات.

стр. 3087

وحَدَّثَ عن نَصْر بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن المَرْجِيّ، وأبي حَفْص الكَتَّانِيّ، وأبي طَلْحَة عَبْد الجَبَّار بن مُحَمَّد بن الحَسَن الطَّلْحِيّ البَصْرِيّ، وأبي الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الرَّفَّاء السَّامُرِّيّ، وهِبَة اللَّه بن مُوسَى بن الحُسَين المُزَنِيّ المَوْصِلِيّ، وأبي الحَسَن أحْمَد بن إبْراهيم بن فِرَاسٍ، وأبي القَاسِم عَبْد العَزِيْز بن عُثْمان بن مُحَمَّد الصُّوْفيّ، وأبي مُسْلِم الكَاتِب، وأبي العبَّاس أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي سَعيد الكَرْخِيّ، قاضي مكَّة، وأبي الفَرَج المُعَافَى بن زَّكَرِيَّاء بن طَرَارَا، وأبي الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد بن نَفِيْس الإمَام، وأبي الفَتْح مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن النُّعْمان، نَزِيلُ الرَّمْلَة، وأبي العبَّاسِ مُنِير بن أحْمَد بن الحَسَن المِصْرِيّ الخَلَّال، وأبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن الحَسَن المَاوَرْدِيّ، وأبي مُحَمَّد بن أبي نَصْر، وعَبد الوَهَّاب الكِلابِيّ، وعَبد الوَهَّاب المَيْدانيّ، وأبي بَكْر بن أبي الحَدِيْد، وأبي الحُسَين جَعْفَر بن عَبد الرَّزَّاق بن عَبد الوَهَّاب، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن عبدِ الرَّحْمن بن أبي المُغِيْث، وأبي عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن القَاسِم بن دَرَسْتَوَيْه، وأبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن يُوسُف الشَّيْبَانِيّ، وأبي القَاسِم عبد الرَّحْمن بن عُمَر بن نَصْر، وتَمَّام الرَّازِيّ، وعليّ بن بشرَى العَطَّار، وأبي نَصْر بن الجبَّان، وأبي نَصْر بن الجَنَدِيّ، وأبي بَكْر بن هِلَال الحِنَّائِيّ (a)، وأبي مُحَمَّد طَلْحَة بن أسَد بن المُخْتَار الرَّقِّيّ. رَوَى عنهُ أبو بَكْر الخَطِيبُ، وعليّ بن مُحَمَّد بن شُجاعٍ الرَّبَعِيّ، وأبو سَعْد إسْمَاعِيْل بن عليّ الرَّازِيّ السَّمَّان، وأبو زَكَرِيَّاء عبد الرَّحيم بن أحْمَد بن نَصْر البُخاريّ وعَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، وأبو عَبْد اللَّه بن أبي الحَدِيْد، وعليّ بن

стр. 3088

الخَضِر السُّلَمِيّ، وأبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحُسَين (a) الطُّوْسيّ، وأبو عليّ إسْمَاعِيْلُ بن العبَّاس بن أحْمَد الصَّيْدَلانِيّ النَّيْسَابُوريّ، والفَقيه أبو الفَتْح نَصْرُ بن إبْراهيم، وأبو عليّ الحَسَنُ بن الحُسَين (b) التَّفْلِيْسيّ، ونَجَا بن أَحْمَد العَطَّار، وصِهْرُه أبو الحَسَن عَبْد البَاقِي بن أحْمَد بن هِبَة اللَّه، وأبو طَاهِر بن الحِنَّائِيّ. وحدَّثَنَا عنه أبو القَاسِم النَّسِيبُ، وذَكرَ أنَّهُ ثِقَة، وذَكرَ أنَّهُ أخْبرَهُ أنَّهُ دخَلَ دِمَشْق سَنَة أرْبعٍ وتِسْعِين وثَلاثِمائة. أنْبأنَا أبو نَصْر بن الشِّيْرَازيّ القَاضِي، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو القَاسِم (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز الكَتَّانِيّ، قال: اجْتَمَعْتُ بهِبَة اللَّهِ بن الحَسَن بن مَنْصُور الطَّبَريّ الحافِظ ببَغْدَاد، فسَألني عن مَنْ بدِمَشْق من أهْل العِلْم، فذَكرتُ له جَمَاعَةً منهم: الحَسَنُ بن عليّ الأهْوَازِيّ المُقْرِئ فقال: لو سَلمَ من الرِّوَايَات في القِرَاءَات!. قال الحافِظُ (٢): قال لنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيِّ: قال لنا الكَتَّانِيّ: وكان مُكْثِرًا من الحَدِيْث، وصَنَّف الكَثِيْر في القِرَاءَاتِ، وكان حَسَنَ التَّصْنِيف، وجَمَعَ في ذلك شيئًا كَثِيْرًا، وقي أسَانيد القِرَاءَات غَرَائِب، كان يَذْكُر في مُصَنَّفاته أنَّهُ أخذَها رِوَايَةً وتلَاوةً، وأنَّ شُيُوخَهُ أخَذُوها كذلك رِوَايَةً وتِلَاوةً. قال الحافِظُ أبو القَاسِم (٣) بعد حَدِيثٍ ذَكرهُ عنهُ: هذا حَدِيثٍ مُنْكَرٌ، وفي إسْنَادِهِ غيرُ واحدٍ من المَجْهُولين، وللأهْوَازِيّ أمْثَالُهُ في كتابٍ جَمَعَهُ في الصِّفَاتِ، سمَّاهُ: كتاب البَيَان في شَرْحِ عُقود أهْل الإيْمان، أوْدَعَهُ أحادِيث مُنْكَرَةً، كحَدِيْث:

стр. 3089

إنَّ اللَّه لمَّا أرادَ أنْ يَخْلقُ نَفْسَهُ، خَلَق الخَيْل فأجْرَاها حتَّى عَرِقَتْ، ثمّ خَلَق نَفْسَهُ من ذلك العَرَق! ممَّا لا يَجُوز أنْ يُرْوَى، ولا يَحِلُّ أنْ يُعتَقَد. وكان مَذْهَبُهُ مَذْهَب السَّالميَّة (١)؛ يقُول بالظَّاهِر ويَتَمسَّكُ بالأحادِيث الضَّعِيْفة، الّتي تُقَوِّي له رَأيَهُ. وحَدِيْثُ إجْرَاءِ الخيل مَوْضُوعٌ؛ وَضَعَهُ بعضُ الزَّنَادِقَة ليُشَنِّعَ به على أصْحَاب الحَدِيْث في رِوَايتهم المُسْتَحِيلَ، فيقْبَلَهُ بعضُ مَنْ لا عَقْل له، ورَوَاهُ، وهو ممَّا يُقْطَعُ ببُطْلَانِهِ شَرْعًا وعَقْلًا. قال الحافظُ أبو القَاسِم (٢): سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مَنْصُور يَحْكي عن أَبِيهِ أبي العَبَّاس، ح. وأنْبَأنَا به أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد، عن أبي الحَسَن، عن أَبِيهِ أبي العبَّاس، قال: لمَّا ظَهَر من أبي عليّ الأهْوَازِيّ الإكْثار من الرِّوَايَاتِ في القِرَاءَات، اتُّهِمَ في ذلك، فسَار أبو الحَسَن رَشَاءُ بن نَظِيف، وأبو القَاسِمِ بن الضَّرَّاب (a)، وابن القَمَّاح إلى العرَاق لكَشْف ما وَقعَ في نُفُوسِهم منه، ووصَلُوا إلى بغداد، وقَرَأوا على بعض الشّيُوخ الّذين رَوَى عنهُم الأهْوَازِيّ، وجَاؤُوا بالإجَازَات عنهم وبخُطُوطِهِمِ، فَمضَى الأهْوَازِيّ إليهم وسَألَهُمِ أنْ يُرُوهُ تلك الخُطُوط الّتي معهم، ففَعَلُوا ودفَعُوها إليه، فأخَذَهَا وغيَّر أسْماءَ منْ سَمَّى لتَسْتَتر دَعْوَاهُ، فعَادَتْ عليه بَرَكَةُ القُرآن فلَم يفتَضِح. هذا مَعْنى ما سَمعْتُهُ يقُول، وبَلَغَني عنه أنَّهُم سَألُوا عنه بعضَ المُقْرِئين الّذين ذكَرَ أنَّهُ قرأ عليهم وحَلَّوْهُ له، فقال: هذا الّذي تَذْكُرونه قد قرأ عليَّ جُزْءًا أو نَحْوه.

стр. 3090

قال أبو الحَسَن: وحَدَّثني وَالدِي أبو العبَّاس، قال: عاتَبْتُ -أو عُوْتِبَ- أبو طَاهِر الوَاسِطِيّ المُقْرِئ في القِرَاءةِ على أبي عليّ الأهْوَازِيّ، فقال: أقْرا عليه العِلْمَ، ولا أُصَدِّقُهُ في حَرْفٍ واحدٍ. قال أبو الحَسَن: وحَدَّثَني أبو طَاهِر مُحَمَّدُ بن الحَسَن بن عليّ بن الملْحِيّ (a)، قال: كُنْتُ عند رَشَاء بن نَظِيف المُقْرِئ العَدْل (b) في دَارِه على باب الجامِع، وله طَاقَةٌ إلى الطَّريق فاطَّلعَ فيها، وقال: قد عَبَرَ رَجُل كذَّابٌ، فاطَّلَعْتُ فوَجدْتُه الأهْوَازِيَّ!. قَرأتُ بخَطِّ الإمَام الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ ﵀، قال: وسَمِعْتُ أبا مُحَمَّد -يعني هِبَة اللَّه بن أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن عليِّ بن طَاوُوس- يقُول: سَمِعْتُ أبا القَاسِم بن أبي العَلَاء المِصِّيْصيَّ يَقُول: قَدِمَ أبو علِيِّ الأهْوَازِيُّ دِمَشْق، وحَضَره رَشَاء بن نَظِيْف المُقْرِئُ، وحضَر ما عندَهُ، ثمّ خرج رَشَاء إلى العِرَاق وأوْدَعَ كُتُبه عنده، فلمَّا رجعَ رَأى أسَانيد أبي عليّ قد تَضَاعَفَتْ، فقال له: يا هذا، من أينَ لكَ هذه ولم تَرْحَل بعْدِي، ولا قَدِمَ دِمَشْقَ شَيْخٌ قَرأتَ عليه؟ فقَطَعَهُ وكان يَتَكلمَّ فيه. وقرأت بخَطِّه بعده: سَمعْتُه يَقُول: سَمِعْتُ عليّ بن أبي العَلَاء المِصِّيْصيّ الفَقيه يقُول: ذكَرَ أبو عليَّ الأهْوَازِيُّ، قي جُمْلَهَ ما ذكَر، أنَّهُ قَرأ على أبي الحَسَن الحَمَّامِيّ، وأبو الحَسَن مُتَأخِّر لَم يكُن الأهْوَازِيّ مُحتاجًا إليه، فلمَّا اتُّهِمَ بادِّعَائه رِوَاياتٍ اسْتَغْرَبُوها كتبُوا إلى أبي الحَسَن الحَمَّامِيّ، فذكَرَ أنَّهُ لَم يقرأ عليه قَطّ، وأُخِذَ خَطّ الحَمَّامِيِّ بذلك وحُمِلَ إلى دِمَشْقَ.

стр. 3091

وقَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أيضًا: أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم بن يَنْ يَزدَاد بن هُرْمُز المُقْرِئ المَعْرُوف بالأهْوَازِيّ، قرأ القُرْآن بالأهْوَاز على أبي الحُسَينِ أحْمَد بن عَبْد اللَّهِ بن الحُسَين بن إسْمَاعِيْل الجُبِّيّ، صاحب أبي جَعْفَر بن جَرِير بن يَزِيد الطَّبَريّ، وأبِي الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن أَيُّوب بن الصَّلْت بن شَنَبُوذ، وعلى أبي العبَّاس أحْمَد بن مُحَمَّد بن عُبَيْدِ اللَّهِ بن إسْمَاعيْل العِجْليّ التُّسْتَرِيّ، صاحِب أبي العبَّاس أحْمَد بن عبد الصَّمَد الرَّازِيّ، وأبي بَكْر أَحْمَد بن مُوسَى بن العبَّاس بن مُجَاهِد البَغْدَاديّ، وعلى أبي الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن عُبَيْد البَغْدَاديّ المَعْرُوف بالغَضَائِريّ صَاحِب ابن شَنَبُوذ أبي الحَسَن، وابن مُجَاهِد أبي بَكْر. وببَغْدَادَ على أبي الحَسَن عليّ بن إسْمَاعِيْل بن الحسن القَطَّان المَعْرُوف بالخَاشعِ، وأبي حَفْص عُمَر بن إبْراهيمِ بن كَثِيْر الكَتَّانِيّ، وأبي الفَرَج المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء بن يحْيَى بن عُبَيْد بن طَرَارَة (a) الجرِيْرِيّ، وأبي إسْحَاق إبْراهيم بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطَّبَريّ، وأبي الفَرَج مُحَمَّد بن أحْمَد بن إبْراهيم الشَّنَبُوذِيّ، ونُظَرَائهِم، وبالبَصْرَة على أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه العِجْلِيّ اللَّالَكِيّ، صَاحِب الشَّذَائِيّ أبي بَكْر، وعلى أبي بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ البَاهِلِيّ النَّجَّار، صَاحِب القَاسِم بن زَكَرِيَّاء بن عِيسَى المُقْرِئ، وعلى أبي الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن عَبْد الحَميْد (b) الشِّمْشَاطِيّ، وعلى أقْرَانهم، وبالبَطاِئِح على أبي عُبَيْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن فيرُوز بن زَاذَان الكَرْجِيّ، صَاحِب أبي بَكْر مُحَمَّد بن هَارون بن نَافِع البَصْرِيّ المَعْرُوف بالتَّمَّار، وبدِمَشْق على أبي بَكر مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن هِلال السُّلَمِيّ، بعد أنْ طَافَ مَمَالِك الإِسْلَام، وصَار عَلمًا من الأعْلَام يُرْحَلُ إليه للقِرَاءةِ عليه، وصنَّف وتَصَدَّى للإقْرَاء والرِّوَايَة، وشُهْرَتُه تُغْني عن الإطْنَاب في ذِكْره، والإسْهَاب في أمْرِه.

стр. 3092

وأمَّا الحَدِيْثُ فقد سَمعَ بالموصِل أبا القَاسِم المَرْجِيّ الرَّاوِي، عن أبي يَعْلَى، وبدِمَشْق عِمْران بن الحَسَن الخفَّاف، وعَبد الوَهَّاب بن الحَسَن الكِلابِيّ، وأبا بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن أبي الحَدِيْد، وتمَّام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ، وبمَكَّة أبا العَبَّاس النَّسَوِيّ، وببَغْدَاد أبا حَفْص بن شَاهين، والمُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيّ، وأبا حَفْص الكَتَّانِيّ، وبالبَصْرَة مُحَمَّد بن المُعَلَّى الأزدِيّ، وابن وَصِيْف، وبمِصْر مُنِير بن الحَسَن، وأحْمَد بن عُمَر الجِهَازِيّ، والحَسَن بن عبد الرَّحْمن بن أبي عُرْوَة الحَطَّاب، وعَبْدَان بن أحْمَد الأصْبَهَانِيّ، وابن جُمَيعْ الصَّيْدَاوِيّ، وفَاتِك بن عَبْد اللَّهِ الصُّوْرِيّ، وخَلَف بن مُحَمَّد الحافِظ الوَاسِطِيّ، وغيرهم من شُيُوخ صَيْدَا، وأطْرَابُلُس، وقد تمَّ فيه رَشَاءُ بن نَظِيف بن مَا شَاء اللَّه، وهو مُقْرئٌ من أقْرَانه، سَمعَ أبا مُسْلِم الكاتب بمِصْر، ولَم يكُن من المُسْنديْن وجَرْحُ مثْل الأهْوَازِيّ في جَلَالته وعظم شَأنه يقُول بعض أقْرَانه ما لا سَبِيل إليه. ونَقَلْتُ من خَطِّ الحافِظ: سَمِعْتُه -يعني القَاضِي أبا مَنْصُور سَالِم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور العِمْرَانِيّ- بآمِد يَقُول: سَمِعْتُ وَالدِي يقُول: لَم يكُن بعد ابن مُجَاهِد في القُرَّاءِ كأبي عليّ الأهْوَازِيّ بدِمَشْق، وتَصَانيفُهُ تَدُلُّ على فَضْله، وقال أبو مَنْصُور: وهو شَيْخ وَالدِي الّذي قَرَأ عليه. أنْبَأنَا عبدُ الرَّحْمن بن أبي مَنْصُور الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد بن أبي الحُسَين (١)، قال: أنْبَأنَا أبو الفَضائِل الحَسَنُ بن الحَسَن بن أحْمَد الكِلابِيّ، قال: حَدَّثني أخي لأُمِّي أبو الحَسَن عليّ بن الخَضِر بن الحَسَن العُثْمانيّ، قال: تُوفِّي أبو عليِّ الحَسَنُ بن عليّ الأهْوَازِيّ يَوْم الاثنين الرَّابع من ذِي الحِجَّة سَنَة ستٍّ وأرْبَعين، تَكَلَّمُوا فيهِ، وظَهَر له تَصَانيْف -زَعَمُوا- أنَّهُ كذَبَ فيها.

стр. 3093

أنْبَأنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه، قال: أخْبَرَنا الحافِظ عليّ بن الحَسَن بن عَسَاكِر (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد، قال: تُوفِّي شَيْخُنا أبو عليّ الأهْوَازِيّ المُقْرِئ يَوْم الاثْنَيْن الرّابِع من ذِي الحِجَّة بعد الظُّهْر، سَنَة ستٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة، وكانت له جنَازَةٌ عَظِيمَةٌ، حَدَّثَ عن ابن المَرْجِيّ، وأبي حَفْص الكَتَّانِيّ، وعَبد الوَهَّاب بن الحَسَن بن الوَلِيد، وغيرهم، وانْتَهَت إليه الرِّئَاسَةُ في القِرَاءةِ في وَقْته، ما رَأيْتُ منهُ إلَّا خَيْرًا. قال عليّ بن الحَسَن (٢): وذَكَرَ أبو مُحَمَّد بن صَابِر، عن أبي القَاسِم عليّ بن إبْراهيم أنَّهُ ماتَ يَوْم الاثْنَين الثاني عَشر من ذِي الحِجَّة. وذَكرَ عن مُقَاتِلٍ السُّوْسِيّ أنَّهُ تُوفِّي لستٍّ بَقِينَ من ذي القَعْدَة، وذَكرَ صهْرُهُ عَبْدُ البَاقِي بن أحْمَد أنَّهُ ماتَ يَوْم الثّلاثَاءِ، ودُفِنَ يَوْم الأرْبَعَاءِ في العَشْر الأُوَل منهُ. وذَكَرَ أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بنُ عليّ بن قُبَيْس فيما وَجَدتُه بخَطِّه مِثْل ذلك. الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم، أبو القَاسِم الطَّرَسُوسِيّ حَدَّثَ عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن إسْحَاق بن خُزَبْمَةَ، وطَاهِر بن يَحْيَى بن قَبِيْصَة الفِلَقِيّ، رَوَى عنهُ أبو عُثْمان البَحِيْرِيّ، وأبو سَعيد مُحَمَّد بن عليّ بن عَمْرو النَّقَّاشُ الحافِظُ. أخْبَرَنا الشَّريفُ افْتِخار الدِّين أبو هاشِمِ عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميُّ، قال: أخْبَرَنا تاج الإسْلَام أبو سعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ (٣)، قال: أخْبَرَنا الأُسْتَاذُ أبو المُظَفَّر عَبْدُ المنعِم بن عَبْد الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ بنَيْسَابُور، قال: أخْبَرَنا أبو عُثْمان سَعيْدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد البَحِيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم الطَّرَسُوسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر

стр. 3094

مُحَمَّد بن إسْحَاق بن خُزَيْمَة الإمَام، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن حُجْر، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بنُ مُحَمَّد المُوَقَّرِيّ، عن الزُّهْرِيّ، عن أنَس بن مالِك (١)، قال: كان رسُول اللَّه ﷺ يَمُرُّ بالغِلْمَان فيُسَلّم عليهم ويَدْعُو لهم بالبَرَكَةِ. الحَسَنُ بن عليّ بن أحْمَد بن مَسْعُود، أبو مُحَمَّد الحلَبِيُّ المِلْحيُّ (٢) من أهْلِ حَلَب، وسَكَنَ دِمَشْقَ وحَدَّثَ بها. أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن أبي مَنْصُور بن نَسيمِ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ، فيما كَتَبَهُ إلينا، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسن بن هِبَةِ اللَّه الشَّافِعِيّ (٣)، قال: الحَسَنُ بن عليّ بن أحْمَد بن مَسْعُود أبو مُحَمَّد الحَلَبِيّ المِلْحيّ (a)، سَكَنَ دِمَشْقَ، وحَدَّث، سَمِعَ منه أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، فيما أُرَى. الحَسَنُ بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع بن خَلَف بن وَكِيع، أبو مُحَمَّد التِّنِّيْسِيُّ (٤) وقيل: الحَسَنِ بن عليّ بن الحَسَن بن أحْمَد بن وَكِيع، وبَعْضُهم سمَّاهُ: الحَسَن بن مُحَمَّد بن وكِيع، وكَنَّاهُ أبا مُحَمَّد، وبَعْضُهم سمَّاهُ عليّ بن الحَسَن بن وَكِيع، وكَنَّاهُ أبا الحَسَن.

стр. 3095

ووَقَعَ إليَّ نُسْخَة من شِعْره صَحِيْحة ابْتدأ في أوَّل الدِّيْوَان (١)، وقال: قال أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع، وخَتَمَهُ بقَوْله: آخر شِعْر أبي مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ بن وَكِيع، ثُمَّ إنَّهُ كَتَبَ بعدَهُ: نَقَلْتُهُ من نُسْخَة كان في آخرها مَكْتُوبًا: نَقَلْتُهُ من نُسْخَة كان في آخرها بخَطِّ ابن وَكِيع يقُول: عليّ بن الحَسَن بن عليّ بن وَكِيعِ بن خلف: إنَّني قَراتُ هذا الدِّيوَان، وهو جَمِيع شِعْري على أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد الجُوْرِيّ. ولد أبو مُحَمَّد بتِنِّيس، وكان شَاعِرًا مُجِيْدًا، ويُلَقَّب بالعَاطِس، قَدِمَ حلَبَ ومَدَحَ بها الأَمِيرَ سَيْفَ الدَّوْلةَ أبا الحَسَن عليّ بن عَبْد اللَّه بن حَمْدَان، ورَوَى عنه شَيئًا من شِعْره أبو نَصْر المُهَنَّا بن عليّ بن المُهَنَّا المَعَرِّيّ المَعْرُوف بالنَّاظِر وسمَّاهُ عليًّا، وجَمعَ منه بمَعَرَّة النُّعْمَان، وأبو مُحَمَّد بن النَّحَّاس، وسمَّاهُ الحَسَن بن مُحَمَّد، ورَوَى عنهُ أبو القَاسِم الحَضْرَيّ المَعْرُوف بالطَّحَّان، وسمَّاهُ الحَسَن بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع، وهو الصَّحيحُ، وأبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عمر، وأبو سَعْد أحْمَد بن مُحَمَّد الهَرَويّ. ذَكَرَهُ أبو القَاسِم الحَضْرَميّ الطَّحَّان في تَارِيخهِ (٢) الّذي ذَيِّلَ به على تاريْخ أبي سَعيد بن يُونُس، فقال: الحَسَنُ بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع بن خَلَف الشَّاعر أبو مُحَمَّد، أصْلُهُ بَغْدَاديّ، ومَوْلدُه هو بتِنِّيس، سَمِعْتُ منه.

стр. 3096

أنْبأنَا أبو القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ، عنِ أبي القَاسِم بن السَّمَرْقنديّ، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب الأديِب إذْنًا، قال: أخْبَرنَا أبو منْصُور الثَّعالِبيّ (١)، قال: أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ بن وَكِيِع التِّنِّيْسِيّ، شَاعِرٌ بَارعٌ، وعالِمٌ، جَامِعٌ؛ قد بَرَع على أهْل زَمَانهِ (a)، ولم يتقدَّمه أحَدٌ في أوَانهِ، وله كُلّ بَدِيْعةٍ تَسحر الأَوْهَام، وتَسْتَعْبد الأفْهَام. قَرَأتُ في كتاب العَرُوس في فَضَائِل تِنِّيْس تأليف القَاضِي أبي القَاسِم عَبْد المُحْسِن بن عُثْمان بن غَانِم الخَطِيب (٢)، قال: وأمَّا شُعَرَاءُ هذه المَدِينَة، من أهْلها ومَنْ قَطَنها منهم، ودَخَلَها، فمن أهْلها، ولو لَم أجِدْ سِوَاه لكَفَى كما قيل (٣): [من الرجز] والنَّاسُ ألْفٌ نهم كوَاحِدٍ … ووَاحِدٌ كالألْف إنْ أَمرٌ عَنَى فهو أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ بن وَكِيع، وقَبْره الآن بها في المَقْبَرَة الكُبْرَى، وله كتابٌ مُصنَّف في سَرقَات أبي الطَّيِّب المُتَنَي تَأليفه (٤)، وهو يَجمَعُ فَضْلًا جَامِعًا، وعِلمًا كَثِيْرًا بَارِعًا، في عدَّة مُجَلَّدات، ودِيْوان شِعْر ابن وَكِيع هذا أيضًا عليه أرْبَعة مُجَلَّدات على حُرُوف المُعْجَم.

стр. 3097

أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أبي الفَتْح بن يَحْيَى الكُنَّارِيّ الموصِلِيّ الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْدِ القَاهِر الطُّوْسيّ الخَطِيبُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بنُ أحْمَد الشَّاشِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد عَبد الوَهَّاب بن مُحَمَّد المُقْرِئ التَّمِيْمِيّ، قال: أنشَدَنا أبو مُحَمَّد بن النَّحَّاسِ، قال: أنشَدَني أبو مُحَمَّد الحَسَن بن مُحَمَّد بن وَكِيع التِّنِّيْسِيّ لنَفْسِه (١): [من السريع] حَاسَبَني الدَّهْرُ على ما مَضَى … بدَّلَ فَرْحَاتِي بتَرْحَاتِ فلَيْتَهُ جَازَى بما نِلْتُهُ … لكنَّه أضْعَفَ مرَّاتِ أنْبَأنَا أبو حَامِد مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهاشمِيّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو مُحَمَّد عَبْدُ القَاهِر بن عَلَوِي بن عَبْد القَاهِر بن المُهَنَّا المَعَرِّيّ، قال: أنشَدَني وَالدِي ﵀، قال: أنشَدَني عَمِّي -يعني أبا نَصْر النَّاظِر- قال: أنشَدَني أبو الحَسَن عليّ بن وَكِيع التِّتِّيْسِيّ -وَفَدَ علينا المَعَرَّة- لنفسِه في الرَّوْض (٢): [من المنسرح] أمَا تَرَى الرَّوْضَ كيفَ قد أظْهَرْ … بدَائِعًا كان حُسْنُها يُستَر وابتسَمَت زَهْرَةُ الزَّمانِ لَنا … عنِ الرَّبِيِع المُحَبَّبِ الأزْهَرْ حَاكَ لَنا مِن ثيَابهِ حُلَلًا … جَوَّدَ في نَسْجِهَا وما قَصَّرْ صَوَّرَهُ اللَّهُ كي يشُوِّقَنا … إلى جِنَانِ النَّعِيْم إذ صَوَّرْ كأنَّ طَرْفَ الزَّمانِ أبْصَرَهُ … فشَاقَهُ حُسْنُ ذلكَ المْنَظَرْ فظَلَّ مُسْتَعْبَرَ الجُفُون هَوًى … لَهُ لَولا الهَوَى لَمَا اسْتَعْبر أَخْجَلَ حُسْنَ السَّماءِ فاحْتَجَبَتْ … بِسُحْبِها خجْلَةً فما تَظْهَرْ أَوْدَعَ أَسْرَارَهُ الثَّرَى زَمَنًا … ثُمَّ انثَنى مُعْلِنًا لِمَا أضْمَر

стр. 3098

فالأرْضُ تُثني على السَّحَابِ بما … دَرْهَمَ مِن نَوْرِها وما دَنَّرْ انْظُرْ بعَيْنَيكَ نَحْوَ نَرْجِسِهِ … فحُسْنُهُ فَوْقَ كُلِّ ما يَظْهَرْ كأنَّهُ والعُيُونُ تَرمقُهُ … كَوَاكِبٌ في سَمَائها تَزْهَرْ أحَاطَ مُبْيَضُّهُ بصُفْرَتهِ … فَرَاقَ بالحُسْن طَرْفَ مَنْ أبْصَرْ حَاكَي خَوَاتيمَ فِضَّةٍ جُدُدٍ … مُفَضَّضَاتٍ بأصْفَرِ الجَوْهَرْ انْظُرْ إلى روضَةِ البَنَفْسَج والآ … سِ على جَانِبَيْهِ قد خَطَّرْ كمَطرَحٍ أزْرَقٍ أُحِيْطَ على … أرْجَائِهِ فَرْوَزُ لَهُ أخْضَرْ يَشُقُّ تلك الرِّيَاضَ مُنْفَجِرًا … جَدْوَلُ ماءٍ بفَيْضِهِ يَزْخَرْ كأنَّهُ والشَّقِيْقُ مُنْبَسِطٌ … عليهِ مِن جَانِبَيْهِ قد أزْهَرْ سَاقٍ من الرُّوم شَقَّ مِن طَرَبٍ … عن يَقَقِ الصَّدْر قُرْطَقًا أحْمَرْ فالرَّوْضُ يحكي لنا الجنَانَ وما … جَرَى مِن الماءِ فيهِ كالكَوْثَرْ قُمْ تَغْتَنِمْ طِيْبَهُ وَلَذَّتَهُ … فليسَ في تَركِ ذا امرُؤٌ ويُعْذَرْ وَاغْدُ إلى مَتْجَرِ الصِّبَا عجِلًا … فتَاجِرُ اللَّهْو مُربَحُ المَتْجَرْ قَرَأتُ في تاريخ مُخْتَار الملكِ مُحَمَّد بن عُبَيْد اللَّه بن أحْمَد المُسَبِّحيّ (١) في حَوَادِث سَنَة ثَلاثٍ وتسعِين وثَلاثِمائة، قال: وفيه -يعني شَهْر رَبِيع الآخر- تُوفِّي أبو مُحَمَّد ابن وَكِيع الشَّاعِر، ويُلقَبُ بالعَاطِس بتِنِّيْس يَوْم الثّلاثَاء لسَبعْ بَقِينَ منه، وكان شَاعِرًا مَلِيْح الشِّعْر، مَطْبُوعًا، حُلْو الألْفَاظ، وكان في كَلَامِهِ حُكْلَة (٢).

стр. 3099

الحَسَنُ بن عليّ بن أحْمَد كِياءَك العَطَّار، أبو عليّ الطَّبَريّ حَدَّثَ بحَلَب، وجَمعَ منه بها أبو مَعْشَر عَبْد الكَريم بن عبد الصَّمَد الطَّبَريّ، وعدَّهُ في جُمْلَة شُيُوخه. قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ: نَفَرٌ من شُيُوخ أبي مَعْشَر الطَّبَريّ، فذكَرَ جَمَاعَة، ثم قال: قال أبو مَعْشَر الطَّبَريّ: سَمِعْتُ بمِصْر على إسْمَاعيْل الحدَاد. وذَكَرَ غيره، وقال: وسَمِعْتُ بحَلَب على أبي عليّ الحَسَن بن عليّ بن أحمَد كِيَأَكِي -كذا وبخَطِّه في الحاَشِيَة كِيَاءَك- العَطَّار الطَّبَريّ.

стр. 3100

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق بن العبَّاس، أبو عليّ الطُّوْسيُّ، الوَزِير المَعْرُوف بنِظَام المُلْك (١) ويُعْرَفُ بخُوَاجَا بَزُرْك، وخُوَاجَا بالفَارسِيَّة: الوَزِير، وبَزُرْك: العَظِيم. وَزَرَ للسُّلْطَان العَادِل ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بَك، وقَدِمَ معَهُ حَلَب في سَنَة ثَلاث وسِتِّين وأرْبَعِمائة حينَ قَدِمَها مُحَاصِرًا لها. ثُمَّ وَزَرَ بعدَهُ لولده السُّلْطان مَلِكْشَاه أبي الفَتْح، وقَدِمَ معَهُ حَلَب سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة. وسَمِعَ بحَلَب أبا الفَتْح عَبْد اللَّه بن إسْمَاعِيْل بن الجِلِّيّ الحَلَبِيَّ، ورَوَى عن أبي عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد الطُّوسيّ، وأبي بكر مُحَمَّد بن يحيى بن إبراهيم المُزَكِّي، وأبي القاسِم عَبْد الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ، وأبي حَامِد أحْمَد بن الحَسَن الأزْهَريّ، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد الصَّفَّار، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحَسَن الطَّاهِريّ،

стр. 3101

وأبَوَي مَنْصُور: شُجاع بن عليّ بن شُجاع المَصْقَلِيّ الشَّيْبَانِيّ، ومُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ القَاضِي، وأبي نَصْر عليّ بن عَبْد اللَّه الكَاغَدِيّ، وأبي بَكْر أحْمَد بن مَنْصُور بن خَلَف المُقْرِئ، وأبي القَاسِم إِسْمَاعِيْل بن زَاهِرِ الطُّوسيّ، وأبي الحُسَين عليّ بن عَبْدِ اللَّه بن أحمد، وأبي مُسْلِم مُحَمَّد بن عليّ بن مَهْرَبُزُد (a) الأدِيْب، وأميرك بن أحمد، وأحمد بن عبد الرَّحْمن الصَّائِغ، وأبي عَبْد اللَّه عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه المُذْكِر، وأبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن يَحْيَى المَرَنْدِيّ، وغيرهم. رَوَى عنهُ أبو الفَضْلِ مُحَمَّد بن عُمَر بن يُوسُف بن عُمَر الأُرْمَوِيّ، وأبو الصَّمْصَام ذو الفَقَار بن مُحَمَّد بن مَعْبَد الحَسَنيّ، وأبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد القَوِيّ اللَّاذقِيّ، وأبو نَصْرِ مُحَمَّد بن مَحْمُود الشُّجَاعِيّ، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، وأبو القَاسِم نصْر بن نَصْرِ الوَاعِظ العُكْبَرِيّ، وأبو مُحَمَّد رِزْق اللَّه بن عَبد الوَهَّاب التَّمِيْمِيّ، وأبو الفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه البِسْطَامِيّ، وأبو سُفْيان مُحَمَّد بن أحْمَد العُبْدُوْسي، وأبو بشْر مُصْعَبُ بن عَبد الرَّزَّاق المُصْعَبِيّ، وأبو الحُسَين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد السَّهْلِكيّ، وأبَوَا القَاسِم: عليّ بن طَرَّاد بن مُحَمَّد الزَّيْنَبِيّ، وإسْمَاعيْل بن مُحَمَّد بن الفَضْل الحافظ، وأبو الفَضْل مُحَمَّد بن أبي نَصْر بن المَسْعُودِيّ، وأبَو غَالِب مُحَمَّد بن إبْراهيم الصَّيْقَلِيّ، وأبو نَصْر عليّ بن هِبَة اللَّه بن مَاكُولا، وغيرهم. وعَقَدَ مَجْلِس الإِمْلَاءِ لحَديث رسُول اللَّه ﷺ . وكان وَزِيرًا عَادِلًا، سَائِسًا، قَيِّمًا بأُمُور المَمْلَكَة، فَاضِلًا، عَالمًا، جَوَادًا، حَلِيمًا، كَثِيْر الصَّدَقَة والمَعْرُوف، ووَقَفَ عدَّة مَدَارِس لطَلَبة العِلْم، وكان كَثِيْر المخُالَطة لأهْل العِلْم، مُكْرِمًا لهم، حَسَن الأخْلَاق.

стр. 3102

أخْبَرَنا أبو البَرَكَات دَاوُد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن مُلاعِب البَغْدَاديّ، قِراءَةً عليهِ بدِمَشْقَ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو الفَضْل مُحَمَّد بن عُمَر بن يُوسُف الأُرْمَوِيّ، ح. وأخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أبي المَعَالِي بن عَبْد اللَّه بن مَوْهُوب بن البَنَّاءِ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم نَصْرُ بن نَصْر الوَاعِظُ العُكْبَرِيّ، قالا: حَدَّثَنَا الصَّاحِبُ الأجَلُّ العَالِمُ العَادِلُ، نِظَام الملك، قَوَامِ الدِّين، غِيَاثُ الدَّولَةِ، وشَمْسُ المِلَّة، أتَابَك أبو عليّ الحَسَن بنُ عليّ بن إسْحَاق رَضِيّ أَمِير المُؤْمنِيْن، إمْلاءً في يَوْم الثّلاثَاءِ ثالث عَشر المحرَّم من سَنَة ثمانين وأرْبَعِمائة، بالمَدْرَسَة ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو بَكْر أحْمَد بن مَنْصُور بن خَلَف المُقْرِئ بنَيْسَابُور، قال: حَدَّثَنَا أبو طاهر مُحَمَّد بن الفَضْل بن مُحَمَّد بن إسْحَاق بن خُزَيْمَة، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس مُحَمَّد بنُ إسْحَاق السَّرَّاج، قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعيد، قال: حَدَّثَنَا مالِكُ بن أنَس، عن عَامِر بن عَبْد اللَّه بن الزُّبَيْر، عن عَمْرو بن سُلَيم الأنْصَاريّ، عن أبي قَتَادَةَ السَّلَمِيّ (١): أنَّ رسُول اللَّه ﷺ قال: إذا جاء أحَدُكُم المَسْجِدَ فليَرْكَع رَكْعَتَيْن قبل أنْ يَجْلِس. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد المَرْوَزيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد القَوِيّ المِصِّيْصيُّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق الوَزِير بأصْبَهَان، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّه أحْمَدُ بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللَّه مُحَمّد بن مُحَمَّد الخَازِميّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بن عُمَر بن عِلْك، قال: حَدَّثَنا عَبْدُان بن مُحَمَّد الزَّاهِدُ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عِيسَى، قال: حَدَّثَنَا خَلَفُ بن تَمِيْم، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن السَّرِيّ، عن مُحَمَّد بن

стр. 3103

المُنْكَدِر، عن جَابِر بن عَبْد اللَّه ﵄ (١)، قال: قال رسُول اللَّه ﷺ : إذا لعَنَ آخر هذه الأُمَّة أوَّلَها، فمن كان عندَهُ عِلْم فليُظْهره، فإنَّ كَاتِم العِلْم يَوْمئذٍ ككَاتِم ما أُنْزِل على مُحَمَّد ﷺ . أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن أبي جَرَادَة بقِرَاءَتي عليه، قال: أخْبَرَنا وَالدِي أبو الفَضْل هِبَة اللَّه بن مُحَمَّد، ح. وأخْبَرَنا أبو هاشِم الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي المُظَفَّر، قالا: أخْبَرَنا أبو الصَّمْصَام ذو الفَقَار بن مُحَمَّد بن مَعْبَد الحَسَنيّ بقِرَاءَتي عليه بالمَوْصِل، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق الوَزِيرُ بأصْبَهَان، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن إبْراهيم المُزَكِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن دَاوُد بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَني إبْراهيمُ بن عَبْد الوَاحِد، قال: حَدَّثَنَا وُرَيْزَة بن مُحَمَّد الغَسَّانِيّ، قال: حَدَّثَنَا الفَضْل بن مُحَمَّد، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه، قال: قيل لعَبْد اللَّه بن عبَّاسٍ: كَم تكتُب العِلْم؟ فقال: إذا نشَطْتُ فهو لَذَّتي، وإذا اغتمَمْتُ فهو سَلْوَتي. قَرَأتُ في كتاب زِيْنَة الدَّهْر لأبي المَعَالِي سَعْد بن عليّ الحَظِيْرِيّ الكُتْبِيّ (٢)، وذَكَرَ نِظَام المُلْك، وفال: وبَلَغَني أنَّهُ كان يَقُول الشِّعْر، والّذي وَقَعَ إليَّ من شِعْره، وهو بَدِيْع، وكان عند كبره يَتَّكئ على عَصَا (٣): [من المنسرح] بَعْدَ الثَّمانيْن ليسَ قُوَّه … لَهْفي على قُوَّة الصُّبُوَّه

стр. 3104

كأنَّني والعَصَا بكَفِّي … مُوسَى ولكن بلا نُبُوَّه قال الحَظِيْرِيّ: وله (١): [من الوافر] أتَذكُرُها وقد خَرَجَتْ عَشيًّا … بأَتْرَابٍ لها كالعِيْن رُوْدِ فَمدَّتْ من أصَابِعِها وقالَتْ: … خَضَبْنَاهُنَّ مِن عَلِقِ الوَرِيْدِ نَقَلْتُ من مَجْمُوع بخَطِّ وَلدِ أُسامَة بن مُرْشِد بن مُنْقِذ: وقال خُوَاجَه بَزُرْك ﵀: [من الطويل] أأحْبَانَنا لا شتَّتَ الدَّهْرُ شَمْلكُمْ … ولا ذُقْتُمُ مِن لَوْعَةِ البَيْنِ ما عِنْدِي تَحَمَّلْتُمُ لي كُلُّكُم شَوْقَ واحدٍ … وحَمَّلْتُموني شَوقَ كُلِّكُمُ وَحْدِي أخْبَرَنا أبو هَاشِمِ عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن أحْمَد بن السَّمَرْقنديّ: مَوْلدُهُ -يعني الصَّاحِب نِظَام المُلْك- يَوْم الجُمُعَة الحاَدِي والعِشْرين من ذي القَعْدَة سَنَة ثمان وأرْبَعِمائة. أنْبَأْنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل القَاضِي، عن أبي مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة، عن أبي نَصْر عليّ بن هِبَةِ اللَّه بن مَاكُولا قال في كتاب الإكْمَال (٢): بَزُرْك بفَتْح البَاءِ، وبعدَها زَاي مَضْمُومَة، ثمّ رَاءٌ سَاكِنة، فهو نِظَام الملك، قَوَامِ الدِّين، غِيَاثُ الدَّوْلَة، رَضِيّ أَمِير المُؤْمنِيْن، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق، يُعْرفُ بين العَجَم بالبَزُرْك، ومَعْناهُ: العَظيم. سَمِعَ الكَثِيْر، وحدَّثَ، وأمْلَى بخُرَاسَان جَمْعًا (a)، وبالثُّغُور، وبقُوْهِسْتَان وغيرها من البِلَادِ، وسَمِعْتُ منه إِمْلاءً بالرَّيّ، وسَمِعْتُ منه بنَوَاحِي خَتٍّ (٣)، وبقِرَاءة غيري، وكانَ ثِقَةً، ثبتًا، مُتَحرِّيًا، فَهِمًا، عَالِمًا.

стр. 3105

وقال ابنُ مَاكُولا في مَوضع آخر من الكتاب المَذْكُور (١): أمَّا نِظَام المُلْك فهو نِظَام المُلْك، قِوَام الدِّين، غِيَاثُ الدَّوْلَة، وزَيْن (a) الوُزَرَاءِ، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق، وُلدَ بطُوس، وسَمِعَ الكَثِيْر، وحدَّث بمَرْو، ونَيْسَابُور، والرَّيّ، وأصْبَهَان، وبَغْدَاد، وجميع بِلَادِ خُرَاسَان، وبلاد أَرَّان؛ وهي: جَنْزَة، وبَرْذَعَة، وبَيْلَقان، وسَائر البِلَادِ. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن أبي بَكْر السّمْعَانيّ (٢)، قال: الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق بن العبَّاس الطُّوْسيّ، أبو عليّ الوَزِير نِظَام الملك، العَالَمُ العَادِلُ، كَعْبَةُ المَجْد، ومَنْبَعُ الجُوْد، ومَعْدِن الكَرَم والأفْضَال، ذو القَلَم الماضي، واللِّسَان القَاضِي، والمَعْدَلَة والأمَانَة، والصَّلَاح والدِّيانَة. وكان صَاحِبَ أنَاةٍ وحِلْم، ووَقَار، وصَفْحٍ، وصَمْت، وكان مَجْلِسُه عَامِرًا بالقُرَّاءِ والفُقَهَاء، وأئمَّة المُسْلمِيْن وأعْلَام الدِّين، وأهْل الخَيْر والسّتْر والصَّلَاح. وصَارَ مثْل الكَعْبَةِ؛ يَقصِدُه كُلّ أحدٍ من الأقْطَار. وأمَرَ ببنَاءِ المَدَارِس في الأمْصَار، ورَغَّبَ في العِلْم كُلَّ أحدٍ. سَمِعَ الحَدِث الكَثِيْرَ، وأمْلَى في البِلَادِ، وحَضَرِ مَجْلسه أكْثَرُ الحُفَّاظ والمُحَدِّثِيْن، ورَغِبُوا في السَّمَاعَ منه لعُلوِ رُتْبَتِهِ، وارْتِفَاعَ دَرجَتِهِ. وأمَّا ابْتداءُ حَالتهِ: فإنَّهُ كان من أوْلادِ الدَّهَاقِيْن، وأرْبَاب الضِّيَاعَ بناحية بيْهَق، وقَصَبة الرَّاذَكَان (٣) من نَوَاحِي طُوْس، قيل إنَّهُ نُفي عن وَالدِته رَضِيعًا،

стр. 3106

وأنَّ أباهُ كان يَطُوْف به على المُرْضعَات فيُرْضِعْنَهُ حِسْبَةً حتَّى شَبَّ، ولَم يَدر أحَدٌ مَكْنُون سِرّ اللَّه في أمْره، فنَشَأ، وسَاقَهُ التَّقْديُر إلى أنْ علقَ بهِ شيءٌ من العَرَبِيَّةِ، وقادَهُ ذلك إلى الشُّرُوع في رُسُوم الاسْتِيْفاء، فلَم يَزَل الدَّهْرُ يَعْلُو به ويَنْخَفِضُ حَضَرًا وسَفَرًا، وكان يَطُوفُ في بلادِ خُرَاسَان، ووقَعَ إلى غَزْنَة في صُحبَةِ بَعْض المُتَصَرِّفيْن إلى أنْ تَنبَه بَخْتُهُ، وحَانَ وَقْتُه، ووَقَعَ في شُغْل أبي عليّ بن شَاذَان المُعْتَمد عليه ببِلْخ من جِهَة الأَمِير جَغْرِي حتَّى حَسُنَ حَالُهُ عند ابن شَاذَان، وظَهَرَ أثَرُ خِدمتِهِ، ولَاحَتْ آثارُ كِفَايَتِهِ، وصَار مَعْرُوفًا عند ذي أمْره، إلى أنْ تُوفِّي أبو عليّ بن شَاذَان، فذكر أنَّهُ أوْصَى إلى المَلِك ألْب أَرَسْلَان به، وذَكَرَ له كِفَايَته وأمَانَتُه واسْتِصَلاحُهُ لشُغْله، فنَصَبَهُ مكانَهُ، وصَارَ وَزِيرًا له. والحال بَعْدُ مَسْتُورة، والدَّوْلَة مَغْمُورة، إلى أنْ انتهَت الدَّوْلَة الرُّكْنِيَّةُ نِهَاِيتها، وكانت وِلَايَة مَرْو لألْب أَرَسْلَان مُلْكًا، وهو الوَزِيرُ المُتَمكِّنُ من الأمْر، فاتَّفَقَت وَفَاةُ طُغْرِلبَك، ولَم يكُن له من الأوْلَادِ مَنْ يَنُوبُ مَنَابَهُ، فتوَجَّه الأمْرُ إلى ألْب أَرَسْلَان، وتعيَّن للسَّلْطَنَة، فتحرَّكَ عن مَرْو، والوَزِيرُ يُرَتِّبُ أمْرَه، ويُرَتِّب قَوَاعِدَ مُلْكهِ حتَّى زحَفَ إلى نَيْسَابُور وإفى العِرَاق، وخُطِبَ له على مَنَابِر خُرَاسَان والعِرَاق. وارْتَفَعَ أمْرُ الصَّاحِب، وصارَ سَيِّد الوُزَرَاء، صَافِيًا له الوِرْدُ من سَنَة خَمسٍ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، وانْقَضَتْ أيَّامُ فتْرَة المَذَاهِب والرُّسُوم المَمْقُوتة في الدَّوْلَةِ الماضِيَةِ، وأظْهَرَ اللَّهُ مَكْنُون سِرِّه في دَوْلةِ نِظَام المُلْك، فَجَرَى له من الرُّسُوم المُسْتَحْسَنَة، ونَفْي الظُّلْم، وإسْقَاط المُؤْن والقسم، وحُسْن النَّظَر في أُمُور الرَّعِيَّةِ، وتقدير المُعَامَلات على سَنَن الإنْصَاف والعَدْل، وضَبْط الأُمُور، واسْتَقَامَتِ الأحْوَالُ، ورُتِّبَت الدَّوَاوِيْن أحْسَنَ تَرْتيب، وتَزَيَّنَتِ الأقْطَارُ بآثار العَدْل والإنْصَاف.

стр. 3107

وكان من أكْفَى الكُفَاةِ، والسُّلْطان من أعْدَل الوُلَاةِ، فصَفَى العَيْشُ، واطَّرَدَت التِّجَارَاتُ، وأهلت الطُّرُق، وقَلَّ أهْلُ العَيْث والفَسَادِ، وأخَذَ الوَزِير في بَذْلِ الصِّلَاتِ، وبناءَ المَدَارِس والمَسَاجِدِ والرِّباطَاتِ، وتَحْصِيْن العمَارات بالأوْقَاف الدَّارَّة، وتَزْييْن المَدَارِس بخَزَائن الكُتُب المُوْدَعَة فيها، المُشْتَملَة على نَفَائِس الأعْلَاق، ثمّ إسْكَان البِقَاعِ طَلَبة العِلْم والمُدَرِّسيْن في كُلِّ فَنٍّ من الفُنُون، وكُلّ ذلك من الأسْبَاب المُوثقَة للمُلكِ والبُذُور. حتَّى انْقَضَت النَّوْبَةُ للسُّلْطَان أبْى أَرَسْلَان بعد اسْتِكْمَال عَشْر سِنِيْن، إلى سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، وطَلعَ نَجْمُ الدَّوْلَةِ المَلِكْشَاهِيَّة، وظَهَرَت كفَايَةُ نِظَام المُلْكِ -بَعْدَ تَقْدير اللَّه- في تَقْرِير تلكَ المَمْلَكَة، مع اتِّفَاق الوَقْعَةِ الهَائِلَةِ للسُّلْطَانِ عند قَصْدِهم مَا وَرَاء النَّهْر، وطَغَاء الخُصُوم اللُّدّ من كلِّ ناحيةٍ، وتَزَاحمِ الأوْلَاد المُسْتَعْدِّين للمُلْك، حتّى توطَّدَتْ أسْبَاب الدَّولَهِ، واسْتَقَامَ الأمرُ، فصارَ المُلْكُ حَقِيْقَة لنِظَامهِ، ورَسْمًا واسْمًا للسُّلْطَانِ، فما كان له إلَّا إقامَة رسْم التَّخْت والاشْتِغَال باللَّهْو والصَّيْد، وكان يُحْمَل إليه الأحْمَال المَجْلُوبَة من الأقْطَار، والدَّهْر وَسْنَان، والسَّعْد جَذْلَان، والنَّحْسُ خَزْيَان. واسْتَمرَّ على ذلك عِشْرُون سَنَةً، اتَّفَقَتْ لهم فيها غَزَواتُ إلى الرُّوم، وظَفر منها بطُرَف الدُّنْيا من الأمْوَال، والعَبِيْد، والدَّوَابّ وغيرها، ثمّ نَهْضَات إلى المَوْصِل وحَلَب وتلك الدِّيَار، وحَرَكَاتٌ إلى مَا وَرَاء النَّهْر، وكان في أثناءِ ذلك ظُهُور خصُوم من الأطْرَاف يَتَمنَّون أمَانيَّ فلا يُدْرِكُونها، ويَتَحرَّكُون عن مَوَاضِعهم، وكانت عَاقِبَتُهم تَؤُول إلى أنَّهم يتَرْكُونها، وكُلّ ذلك بكَمال كِفَايَةِ نِظَام المُلْك، وتَمْهِيده القَوَاعِد، وبَركَة أيَّامهِ، وسَعَادَة جَدِّه، إلى أنْ انْتَهى الحال إلى الكَمَال، فما رَضيَت تلك النَّوْبَة المُبارَكة، والدَّوْلة المَيْمُونَة إلَّا وأنْ تُخْتَم بعَاقبةٍ تليقُ بها، وما كانت إلَّا الشَّهَادَة؛ فأدْرَكَهُ قضاءُ اللَّهِ في شهر رَمَضَان صَائمًا شَهِيْدًا،

стр. 3108

ووُجئَ في الطَّريق بين أصْبَهَان ومَدِينَهَ السَّلام ليْلةً، ومَضَى إلى رَحْمَة اللَّه سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعِمائة. وما كانت إلَّا زَوال بَرَكَته وحِشْمَته حتَّى تغيَّرتِ الأُمُور، واضْطَرَبت المَمْلَكَة، وتَشَوَّشَت أُمُور العَالَم، ونُسِيَتْ تلك الرُّسُوم، وما رَكَدَتْ بعد سنين آثار تلك النَّائِرة، والظَّنّ أنَّها لا تَعُودُ إلى مثْل ذلك، واللَّهُ أعْلَمُ. قال أبو سَعْد: سَمِعَ بأصْبَهَان أبا مُسْلِم مُحَمَّد بن عليّ بن مَهْرَبُزُد الأدِيْب، وأبا مَنْصُور شُجاع بن عليّ بنشُجاع المَصْقَلِيّ، وبنَيْسَابُور أبا القَاسِم عَبْد الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ، وأبا حَامِد أحْمَد بن الحَسَن الأزْهَريّ، وخَلقًا يَطُول ذِكْرهُم. رَوَى لنا عنْهُ عمِّي الشَّهِيْد أبو مُحَمَّد الحَسَنِ بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، وأبو بشر مُصْعَبُ بن عَبد الرَّزَّاق المُصْعَبيِّ بمَرْو، وأبو نصْر مُحَمَّد بن مَحْمُّود الشُّجَاعِيّ بسَرْخَس، وأبو الحُسَين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن السَّهْلِكيّ ببِسْطَام، وأبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن الفَضْل الحافِظ بأصْبَهَان، وأبو القَاسِمِ عليّ بن طَرَّاد بن مُحَمَّد بن عليّ الزَّيْنَيِّ ببَغْدَاد، كَتَب عنهُ إمْلاءً بجامع الرُّصَافَة، وأبو الفَتْح نَصْر اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد القَوِيّ اللَّاذِقيِّ بدِمشق، وأبو الفتح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه البِسْطَامِيّ ببَلْخ. أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن، عن أبي مَنْصُور بن الجَوَالِيْقيّ، عن الخَطِيب أبي زَكَرِيَّاء التَّبْريْزِيّ أنَّ فَخْرَ المُلْك ابن نِظَامِ المُلْك حَدَّثَهُ أنَّ وَالدَهُ كان يَكْتُب للأَمِيْر يَاخُر صَاحِب بَلْخ، وفي رَأس كُلّ حوْل يُصَادره، ويأخُذ ما معه، ويقُول له: قد سَمِنْتَ، ويَدْفع إليه فَرَسًا ومِقْرَعَة، ويقُول: هذا يَكْفِيكَ، فلمَّا طال عليه هَرَبَ منه، ولَقِيَهُ أصْحَابُ يَاخُر فأخَذُوه وهو على فَرَسٍ بَطيء فلقي رِكَابيًّا فأعْطَاهُ فَرَسَهُ، فقَوِيت نَفْسُه، وهَرَبَ منهم، ودَخَل إلى دَاوُد بن مِيْكائِيِل، فلمَّا رآهُ أخَذَ

стр. 3109

بيَده، وسَلَّمه إلى وَلدِه ألْب أَرَسْلَان وقال له: هذا حَسَنُ الطُّوْسيّ فتَسَلَّمُهُ، واتَّخَذَهُ وَالدًا، ودَخَل يَاخُر في الحال، وقال: هذا كَاتبي وقد أخَذَ أمْوَالي، وكان قد رَكِب خَلْفَه، فقال له دَاوُد: لا خِطَابَ لكَ معي، والخِطَابُ لوَلدِي مُحَمَّد، فلم يَتَمكَّن من خِطَابِه، ولمَّا خَاطَبَهُ فيه لَم يَسْمَح بهِ. دَاوُد بن مِيْكائِيل هو: جَغْرِي بَك، ومُحَمَّد ابنُهُ هو: ألْب أَرَسْلَان، ولكُلِّ واحدٍ من مُلُوك السَّلْجُوقِيَّة اسْمَان: اسْمٌ عَرَبيٌّ، واسْمٌ تُرْكِيٌّ. أخْبَرَنا عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: سَمِعْتُ أبا مَنْصُور عليّ بن عليّ بن عَبْد اللَّه الأَمِين يقُولِ: سَمِعْتُ الأَمِير أبا الحُسَيْن العُبَّادِيّ يَقُول: حين جَاءَنا نَعِيُّ نِظَام المُلْك في شَهْر رَمَضَان سَنَة خَمْسٍ وثمانين، قال: كُنْتُ بسَرْخَس في مَجْلِس شَيْخي أبي عليّ الفَارَمَذِيّ فقال في أثْناء كَلَامِهِ: وهذا الحَسَن سَدٌّ للفِتَن، مُشْفِقٌ على المُسْلمِيْن، وكان يُشِيْرُ إليهِ، فنَظَرتُ فإذا النِّظَام جَالِسٌ تَحْتَ سَرِيْره، ثمّ قال الأَمِير العُبَّادِيّ: أخافُ بعد قَتْله ظُهُور الفِتَن؛ فإنَّ الشَّيْخ قال: هو سَدٌّ للفِتَن. أخْبَرَنا عَبْدُ المُطَّلِب، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد بن أبي بَكْر بن أبي المُظَفَّر، قال: قَرأتُ بخَطِّ وَالدِي ﵀: سَمِعْتُ الفَقِيه الأجَلّ أبا القَاسِم -يعني عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق، أخا نِظَام المُلْك- يَقُول: كان أخي نِظَام المُلْك يُمْلِي بالرَّيّ، فلمَّا فَرَغ قال: إنِّي لأعْلِم أنِّي لسْتُ أهْلًا لِمَا أتَولَّاهُ من هذا الإمْلَاءِ، لكنِّي أُرِيْدُ أَرْبِطُ نَفْسِي على قِطَار نَقَلَة (a) حَدِيْث رسُول اللَّه ﷺ . وقال: قال وَالدِيّ، ﵀، وحَمِعْتُه -يعني الفَقِيه الأجَلّ- يَقُول: سَمِعتُهُ -يعني نِظَام المُلْك- يقُول: مَذْهَبي في عُلُوّ الحَدِيْث غير مَذْهَب أصْحَابنا، إنَّهُم يَذْهبُونَ

стр. 3110

إلى أنْ الحَدِيْث العَالِي ما قَلّ رُوَاتُهُ، وعندي: أنَّ الحَدِيْث العَالي ما صَحَّ عن رسُول اللَّه ﷺ ، وإنْ بَلَغَتْ رُوَاتُهُ مائة. قَرأتُ بخَطِّ الحَسَن بن جَعْفَر بن عبد الصَّمَد بن المُتَوَكِّل، وأنْبَأنَا به أبو الحَسَن ابن المُقَيِّر عنه، قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ الإمَام أحْمَد بن محمُود بن إبْراهيم الضَّرِيْر الأَزَجِيّ المَعْرُوف بابنِ الصَّيَّادِ، صَاحِب الشَّيْخ أبي سَعْد المُعَمَّر بن عليّ بن المُعَمَّر الوَاعِظ المَعْرُوفُ بابنِ أبي عِمَامَة، قال: سَمِعْتُ من لَفْظ الشَّيْخ أبي سَعْد الوَاعِظ قال: لمَّا قَدِمَ السُّلْطانُ مَلِك شَاه إلى بَغْداد، كان وَزِيره الحَسَنَ بن عليّ بن إسْحَاق، نِظَام المُلْك، في سَنَة ثَمانين وأرْبَعمائة، قَصَدَ النَّاسُ نِظَام المُلْك، واسْتَجْدَوْهُ، وكَثُر عليه النَّاسُ والشُّعَراء، فلم يَرُدَّ أَحدًا ممَّن قَصَدَهُ، حتَّى قيل إنَّهُ لمَّا خَرَجَ إلى النَّهْرَوَان تقدَّم بأنْ يُثْبَت ما خَرَجَ منه مُدَّة مقامِهِ، فكان مائة ألف ونَيِّف وأرْبَعين ألف دِيْنار. أخْبَرَنا أبو هاشِم بن أبي المَعَالِي الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور، قال: وقَرأتُ بخَطِّ وَالدِي: سَمِعْتُ الفَقِيه الأجَلّ -يعني أبا القَاسِم عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق- يَقُول: كُنْتُ بمَكَّة، وأَرَدْنا الخُرُوج إلى عَرَفَات، فأخْبَرَني رَجُلٌ أنَّ إنْسَانًا من الخُرَاسَانيَّة ماتَ في بعض الزَّوَايا، وأنَّهُ انْتَفَخَ وفَسَد، ولزمَني القيام بحَقِّه لمَّا أُدِّيَتِ الأمَانَةُ إليَّ فيه، فتَمَكَّثْتُ لذلك. قال: فرَآني بعضُ مَنْ كان يَأْتَمِنُهُ الصَّاحِبُ نِظَام المُلْك على أُمُور الحَاجّ، فقال لي: ما وقُوفكَ هَا هُنا والقَوْم قد ذَهَبُوا؟ فقُلتُ: أنا وَاقِفٌ لكَذا وكذا، فقال: اذْهَب ولا تَهْتَمّ لأمْر هذا المَيِّت؛ فإنَّ عندي خَمْسِين ألْف ذِرَاع من الكِرْبَاس لتَكْفين المَوْتى من جِهَة الصَّاحِب نِظَام المُلْك. أخْبَرَنا أبو هاشِم بن أبي المَعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا تاج الإِسْلَام أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: وكان أكْثَر مَيْله إلى الطَّائِفَة المُتَصَوِّفَة مع الإيْمان بما كانوا يَتَوسَّلُون بهِ إليهِ

стр. 3111

من فُنُون الرُّؤْيا، فيَقْبَلهم على ذلك، ويُقَرِّبهم، ويُنْجِح حَوَائجِهم، ويُوْصل إليهم مآربَهُم، ويَقْضي دُيُونهم، ويُدرُّ عليهم الإدْرَارَات والمَرْسُومات. وحُكي عن بُعْض المُعْتَمَديْن أنَّهُ قال: حَاسبْتُ مع نَفْسِي وطالعْتُ الجَرَائِد، فبَلغَ ما قضَاهُ الصَّدْر من دُيُون واحدٍ من المُتَنَمِّسيْن المقبُولينَ عنده في مُدَّة سنيْن يَسِيْرة ثمانين ألف دِيْنار حُمْر، وكان صَادِقًا فيما حَكاهُ. نَقَلْتُ من خَطِّ عِمَاد الدِّين أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب، وأَنْبَأني عنه أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر وغيره، قال: ومَنَاقِبُ نِظَام المُلْك أكْثَر من أنْ تُحْصَى، وحَكَى مَنْ أحْضَر مُحَاسبَة ابن أسمحا (a) اليَهُودِيّ بإحَالاته وتَوْقِيعَاته، فوَجَدَها في أشْهُر قد اشْتَملت على ثلاثين ألف دِيْنارٍ، ليسَ فيها تَوْقيع إلَّا لفَقِيْه، أو فَقِيْر، أو شَرِيف، أو لرَجُلٍ من أهْلِ بيتٍ. أخْبَرَنا أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: سَمِعْتُ أبا الفَضْل مَسْعُود بن مَحْمُود الطَّرَازِيّ ببُخَارَى يقُول: سَمِعْتُ شَيْخَنا الحَسَن بن الحُسَين الأنْدَقِيّ يَحْكي عن عَبْد اللَّه السَّاوجِيّ أنَّهُ قال: كان الوَزِير نِظَام المُلْك اسْتَأذن السُّلْطان مَلِك شَاه في سَفَر الحَجِّ، فأَذِنَ له، وكان ببَغْدَاد، فعَبَر الدجلَة، وعَبَرُوا بالقُمَاشَاتِ والآلَاتِ، وضُرِبَت الخِيَامُ على شَطِّ الدِجْلَةِ، فكُنْتُ أرِيْدُ أنْ أدْخُل إليهِ يَوْمًا، فرَأيتُ على باب الخَيْمَة واحدًا من الفُقَرَاء يَلُوح منِ جَبِيْنه سيماءُ القَوْم، فقال لي: يا شَيْخ، أمَانَةٌ تُوْصلها إلى الصَّاحِب، قُلْتُ: نَعَم، فأعْطَاني رُقْعَةً مَطْويَّة، فدَخَلْتُ، ولَمْ أنْشُر الرُّقْعَةَ، وما نَظَرتُ فيها، وحَفِظتُ الأمَانَة، فوضَعْتُ الرُّقْعَة بين يَدِي الوَزِير فنَظَر فيها، فبَكَى بُكَاءً كَثِيْرًا حتَّى نَدمْتُ، وقُلتُ في نفسِي: لَيْتَني كُنْتُ نَظَرْتُ فيها، فإنْ كان شيءٌ يَسُوءُه ما دفعْتُه إليهِ، ثمّ قال لي: يا شَيْخُ،

стр. 3112

أَدْخِلْ عليَّ صَاحِبَ الرُّقْعَة، فخرجتُ فلم أجدْهُ، فطلبتُه فم أظْفَر بهِ، فأَخْبَرْتُ الوَزِيرَ أنِّي لم أجدْهُ، فدَفعَ إليَّ الرُّقْعَةَ، فإذا فيها: رَأيْتُ النَّبِيّ ﷺ في المَنَامِ، وقال لي: اذهَبْ إلى الحَسَن، وقُلْ له: أينَ تَذْهَب إلى مَكَّة، حَجُّكَ هَا هُنا، أمَا قُلْتُ لكَ أَقِم بين يَدَي هذا التُّرْكِيّ وأَغِثْ أصْحَابَ الحَوَائِج من أُمَّتِي؟ فرجَع النِّظَام، وما خَرَج. قال: وكان يقُول لي الوَزِير مَرَّات: لو رَأيتَ ذلك الفَقِيْر حتَّى نَتَبرَّك بهِ؟ فرَأيتُهُ يَوْمًا على شَطِّ الدِجْلَة وهو يَغْسِل خرَيْقاتٍ له، فقُلتُ لَهُ: إنَّ الصَّاحِب يَطْلبُكَ، فقال: ما لي وللصَّاحِب؟! كانت عندي أمَانَةٌ فأدَّيْتُها. قال أبو سَعْد: وعبدُ اللَّه السَّاوجِيّ هو: عَبْد اللَّه بن حَسْنُوَيْه بن إسْحَاق السّاوجِيّ من أهْلِ سَاوَة، نَفَقَ سُوْقُهُ على الوَزِير نِظَام المُلْك حتَّى أنْفَقَ عليه وعلى الفُقَرَاء بإشَارته واقْترَاحهِ في مُدَّة يَسِيْرة قَريبًا من ثَمانين ألف دِيْنارٍ حُمْر. قَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن مَسْعُود بن الحُصَيْن (١)، وأنْبَأنَا عنه صَدِيْقُنا ورَفِيْقُنا الحافِظ أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النَّجَّار، قال: وفيهِ -يعني مُحَرَّم سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعِمائة- مَرِضَ نِظَامُ المُلْك، فلَم يُدَاوِ نَفْسَهُ بغَيْرِ الصَّدَقَة، فعُوْفي. أخْبَرَنا أبو هاشِم بن الفَضْل العبَّاسيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: وأمَّا مَيْلُه -يعني نِظَام المُلْك- إلى أهْل العِلْم، ورَغْبته في أُولي الفَضْل فهو أنَّهُ لا يَخْلُو مَجْلسه عنهم في أيّ قُطْر كان، وكان بابُهُ مَجْمَع الأفَاضِل من الفُقَهَاء للمُنَاظَرة بينَ يَدَيْهِ، والشُّعَراءِ والمُتَرسِّلين؛ يَعْرضُونَ بضَائعَهُم عليه، فيُقَابل كُلّ أحدٍ بما يَلِيْقُ به من خلْعَةٍ أو صِلَةٍ، أو إدْرَار على قَدْر حَالهِ.

стр. 3113

قال: سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن حَمَّاد الطَّحَّان بقَاسَان (١)، يَقُول: سَمِعْتُ عَبْد اللَّه بن هَارُون البَزَّاز يقُول: كان نِظَام المُلْك في مَجْلِس الشَّيْخ أبي عليّ الفَارَمَذِيّ، فبَكَى حتَّى ابتَلَّ شابه، فقال له: لا تَبْك كي تَرْشَويّ، يعني: تَصِير ثِيَابُك مَبْلُولة، ثمّ قال بعد سَاعة: لو كانت الدُّنْيا بحَذَافيْرها لإنْسَان وأنْفَقَها في المَصَالِح وسُبلِ الخَيْر لا يَصِل إلى اللَّه بها؛ ثمّ قال بعد سَاعة: يَنْتقل من الدَّسْت إلى مَوضِع الحِسَاب، وقال بالفَارسِيَّة: أرْبيشْكَاه بحِسَاب كاهَتْ خُوَاهَنْد بُرْد. وقال أبو سَعْد السَّمْعَانيّ: سَمِعْتُ أبا البَرَكَات إسْمَاعِيْلَ بن أبي سَعْد الصُّوْفيّ ببَغْدَادَ مُذَاكَرَةً يقُول: سَمِعْتُ مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ، وكان مُخْتصًّا بنِظَام المُلْكِ، قال: كان النِّظَام إذا دَخَل عليهِ الأُسْتَاذ أبو القَاسِم القُشَيْريُّ والإمَام أبو المَعَالِي الجُوَيْنِيّ يقُومُ لهما ويَجْلِس في مَسْنَده كما هو، وإذا دَخَل عليهِ أبو عليّ الفَارَمَذِيّ يقُومُ إليهِ ويُجْلِسُه في مكانِهِ، ويَجْلسُ بينَ يَدَيْهِ، فقال لي أبو المَعَالِي الجُوَيْنِيّ يَوْمًا: قُلْ للصَّدْر عنِّي: يَدْخُل عليكَ الأُسْتَاذ أبو القَاسِم وهو إمامٌ في كَذَا وكَذَا عِلْم، لا تُكْرمهُ هذا الإكْرَام الّذي تُكْرِم به هذا الشَّيْخ؛ يعني: أبا عليّ الفَارَمَذِيّ؟! قال مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ: وفي ضَمْن هذا الكَلَام تَعْريض بنَفْسه أيضًا، فاغْتَنَمْتُ خَلْوةً من النِّظَام وقُلتُ: يا مَوْلَانا، إمَام الحَرَمَيْن قال لي كَذَا على كذَا، وحَكَيْتُ له ما قال ليّ، فقال النِّظَام: هو وأبو القَاسِم القُشَيْريّ وأمْثَالهما إذا دَخَلُوا عليَّ يقُولُون لي: أنتَ كَذَا وأنْتَ كَذا، ويُثْنُون عليَّ، ويُطْرُونَني بما ليسَ فيَّ، فيُزِيْدُني كَلَامهم عجبًا وتِيْهًا في نَفْسِي، وإذا دَخَل عليَّ هذا الشَّيْخ -يعني أبا عليّ الفَارَمَذِيّ- يَذْكُر لي عُيُوبَ نَفْسِي وما أنا فيه من الظُّلْم، فتَنْكَسر نَفْسِي وأرْجع عن كَثِيْر ممَّا أنا فيه؛ ذكر لي هذا أو مَعْناه؛ فإنِّي كَتَبْتُهُ من حِفْظي.

стр. 3114

وقال السَّمْعَانيُّ: قَرَأتُ في بعض مُسْوَّدَاتِ وَالدِي ﵀ بالرَّيّ بخَطِّه: سَمِعْتُ الفَقِيهَ الأجَلَّ أبا القَاسِم عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق يَقُول: سَمِعْتُ الصَّاحِب نِظَام المُلْك يُوْصي ابنِ ويقُول: إنَّك شَرَعْتَ في أمْرٍ -يَعْني الفِقْه- فلا تَقْنَع فيه بالاسْم، وإذا تَنَاهَيْتَ فيه، فلا تُغَرِّر بنَفْسكَ، وأيْقِن أنَّ ما لا تَعْلَم أكْثَر ممَّا تَعْلَم. ثمّ حَكَى الصَّاحِبُ أنَّ الإمَام أبا حَامِد الغَزَّاليّ (a) الصُّوْفيّ كان رَحَلَ إلى أبي نَصْر الإسْمَاعِيْليِّ بجُرْجَان، وعَلَّق عنه، ثمّ رجَعَ إلى طُوْس، فقُطِع عليه الطَّريقُ، وأُخِذ تَعْلِقُه، فقال لمُقَدَّم قُطَّاعِ الطَّريق: ردُّوا عليَّ تَعْلِيْقَتِيّ، فقال: وما التَّعْلِيقَة؟ قال: مِخْلَاةٌ فيها كُتُب عِلْميّ، وقصَصْتُ عليه قِصَّتي، فقال لي: كيف تعلَّمْتَ وأنْتَ تأخُذ (b) هذه المِخْلَاة تتجرَّد عن عِلْمكَ، وبقيْتَ بلا عِلْم! ورَدَّهَا عليَّ. فقُلتُ: هذا مُسْتَنْطَقٌ أنْطَقَهُ اللَّهُ ليُرْشِدَني لأمْريّ، قال: فدَخَلْتُ طُوْسَ، وأَقْبَلْتُ على أمْري ثلاث سِنِيْن حتَّى تحَفَّظْتُ جميعَ ما علَّقت، فصِرْتُ بحِثُ لو قُطِعَ الطَّريق لا أُحْرَم عِلْمِي. قال أبو سَعْد: قَرَأتُ في كتَاب سِرّ السُّرُور (١) لصَدِيْقنا القَاضِي أبي العَلَاءِ مُحَمَّد بن مَحْمُود الغَزْنَوِيّ أنَّ نِظَامَ الملك كان في بَعْضِ أَسْفَاره إذ صَادَفَ رَاجِلًا في زيِّ العُلَمَاءِ قد مَسَّهُ الكَلَالُ، وأضْجَرَهُ التَّعَب، فقال له نِظَام المُلْك: أيُّها الشَّيْخُ، أَعَيِيْتَ أم أُعْيَيْتَ؟ فقال الرَّجُلُ: أَعْيَيْتُ يا مَوْلَانا، فتقدَّم إلى حَاجِبِه ليُقَرِّبَ إليهِ

стр. 3115

بعضَ الجَنَائِبَ، ويَصْلح من شَأنه، وأخَذَ في اصْطِناعِهِ، وإنَّما أرادَ ليَمْتَحن فَضْلَهُ وعِلْمَهُ باللُّغَة، فإنَّ عَيِيَ في اللِّسَان وأَعْيَى في المَشْي. قال: وذُكِرَ أنَّهُ وَلَّى رَجُلًا قَضاءَ سرْخَس، فلم يَرْتَض طَرَائقَهُ فيه، فصَرَفَهُ بآخر، وتَوَسَّل المَعْزُول بشَفَاعَةِ بعض الأكَابِر، فوقَّع نِظَام المُلْك على ظَهْر كتاب الشَّفَاعَة: قَلَّدْنَاهُ أمْرًا عَظِيم الخَطر، ليَوْم الفَزَع الأكْبَر، فاثَّاقَل وتقَاعَد عن حُسْن القِيَام بهِ، ولَم يُبَال بالتَّفْرِيطِ في جَنْب اللَّهِ، ألَم يَعْلَم أنَّهُ المُقَلَّدُ لا المُخَلَّد!. أخْبَرَنا أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن الحُسَين اليَزْدِيّ الفَقِيه، قال: سَمِعْتُ أبا نَصْر مَحْمُود بن الفَضْل الأصْبَهَانِيّ يَقُول: سَمِعْتُ نِظَام المُلْك أَبا عليّ الحَسَن بن عليّ بنِ إسْحَاق الوَزِير، برَّدَ اللَّهُ مَضْجِعَهُ، يَقُول: رَأيْتُ في المَنَام إبْلِيْسَ في صُوْرة رجُلٍ طُوَال مصْفَار اللَّوْن كَوْسَجًا، فلمَّا وَقَع بَصَري عليه عَرَفتُ أنَّهُ إبْلِيْسُ، فمُلتُ: لا حَوْل ولا قُوَّةَ إلَّا باللَّه، فلم يَبْرح من مَوضِعِهِ فأعدْتُ هذه الكَلِمَة عليه مَرَّات بصَوْتٍ، وأنا أقُول في نَفْسِي: ما أعْجَبَ ذلك، هذا إبْلِيْسُ ولا يَهْربُ من قَوْل لا حَوْل ولا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ، فكُنْتُ في ذلك وأنا رَافِع صَوْتي بها إذ تَرَآى لي بَيْتٌ خَلْفَ ظَهْره فدَخَلَ، فقُلتُ لَهُ: يا لَعِيْن، أنْتَ خَلَقَك اللَّهُ وأمَرَكَ بسَجْدةٍ واحدةٍ، فَخالفْتَهُ، حتَّى لعنَكَ ولَعَنَ مُتَابعِيْكَ، وأنا الحَسَن بن عليّ بن إسْحَاق أمَرَني بالسَّجْدَة، فأَسْجُد له كُلَّ يَوْم سَجْدَات، لا جَرَمَ ما من حَاجَةٍ أرْفَعُهَا عليه إلَّا ويَسْتَجِيْبُها لي وأنا في كُلِّ نِعْمَة ورَاحةٍ منه. فقال: [من مخلع البسيط] مَنْ لَم يَكُنْ للوِصَالِ أهْلًا … فكُلُّ إحْسَانِهِ ذُنُوبُ أخْبَرَنا أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: قَرأتُ بخَطِّ وَالدِي ﵀: سَمِعْتُ الفَقِيهَ الأجَلَّ أبا القَاسِم عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق يَذْكُر أنَّ الصَّاحِب

стр. 3116

نِظَامَ المُلْكِ أخَاهُ كان يَقُول: كُنْتُ أتَمَنَّى أنْ يكُونَ لي قَرْيَةٌ خَالِصَةٌ ومَسْجِدٌ أتَّخذ فيه لطَاعِة ربِّي، ثُمَّ بعدَ ذلك تَمَنَّيْتُ أنْ يكُونَ لي قِطْعَةٌ من الأرْض بشِرْبها، أتَقَوَّتُ برَيْعِهَا، ومَسْجِد أتَخَلَّى فيه لعِبَادَة ربِّي في جَبَل، ثمّ الآن أتَمَنَّى أنْ يكُونَ لي رَغِيفٌ كُلّ يَوْم، ومَسْجِدٌ أتَعَبَّد فيه لرَبِّي. قال أبو سَعْد: قال وَالدِي ﵀: وسَمِعْتُه يَقُول: كُنْتُ لَيْلَة من اللَّيالِي عندَهُ وأنا على أحَدِ جَانبَيْهِ، والعَمِيْد خَلِيفَة على الجانب الآخرِ، وبجَنْب العَمِيْد خَلِيفَة فَقِيْرٌ مَقْطُوع اليَدِ اليُمْنَى، قال: فشَرَّفني الصَّاحِب بالمُؤَاكَلَة، وجَعَل يلحَظُ العَمِيْدَ خَلِيفَة كيفَ يُؤَاكل الفَقِيْر، قال: فتَنَزَّه خَلِيفَةُ من مُؤَاكَلَةِ الفَقِيْر لَمَّا رَآهُ يَأكُل بيَسَارِه، فقال لخَلِيفَة: تَحَوَّل إلى هذا الجانب، وقال للفَقِير إنَّ خَلِيفَة رَجُلٌ كَبِيرٌ في نَفْسه يَسْتَنْكفُ من مُؤَاكَلَتِكَ، فتقدَّم إليَّ، وأخَذَ يُؤَاكِلُهُ!. وقال: قَرأتُ بخَطِّ الإمَام وَالدِي ﵀: سَمِعْتُ الفَقِيه أبا القَاسِم عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق الطُّوْسيّ يَقُول: دَخَل أَخي نِظَامُ المُلْك على الإمَام أبي الحَسَن الدَّاوُودِيّ، وقَعَد بينَ يَدَيْهِ، وتَوَاضَعَ له غايةَ التَّوَاضُع، فقال له الإمَامُ أبو الحَسَن: أيُّها الرَّجُلُ، إنَّ اللَّه سَلَّطَكَ على عَبِيْده، فانْظُر كيف تُجِيْبُه إذا سَألكَ عنهم. قُلتُ: هذا أبو الحَسَن الدَّاوُودِيّ هو: عبد الرَّحْمن بن مُحمّد بنِ المُظَفَّر بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن أحْمَد البُوْشَنْجيّ؛ كان من العُلَمَاء الأبْرَار، وهو يَرْوي كتاب البُخاريّ عن الحَمُّوِيّ. قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب، وأخْبَرَنَا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر إجَازَةً عنه، قال: وكان نِظَام المُلْك من طُوْس، وأهْل طُوْسِ يُقال لهم في اصْطِلَاح النَّاس: بَقَر طُوْس، وكان للخِزَانَة صَائِغٌ يُقالُ له حُسَين، حَسَنُ الصِّناعَةِ في الصِّيَاغَة، قال: اسْتَدْعاني يَوْمًا نِظَام المُلْك، وقال:

стр. 3117

احْضر لي قَوَالب لعَمَل سُخُوتٍ، فأحْضرْتُها له، فأوَّل ما وَقَعَتْ يَدُه على قَالبٍ فيه صُوْرَة البَقَر، وقد كُنْتُ غَفَلْتُ عن الحَدِيْثِ، فعَجِلَ وقال: يا أُسْتَاذُ، ما تُخَلِّينا من يَدكَ! فلَم يَتْرُك الظّرْفَ واللُّطْفَ مع جَلَالَة قَدْرِه، وكِبَر سِنِّهِ. أخْبرَني أبو عليّ الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل (a) القيْلَويّ بحَلَب، قال: قَرَأتُ في بَعْض مُطَالَعاتي أنَّ الشَّريف أبا يَعْلَى ابن الهَبَّارِيَّة كان له رَسْم على الوَزِير نِظَام المُلْك، فنَظَم قِطْعَتَين من الشِّعْر، أحدَيْهُما يَمْدَحُهُ فيها ويَقْتَضيه رَسْمُه، والأُخْرى يَهْجُوه فيها، وتَرَك الوَرَقتَيْن اللَّتَيْن فيهما الشِّعْر في عِمَامَته، وحَضَر عندَ نِظَام المُلْك، وأرَادَ أنْ يَدْفَع إليهِ الرُّقْعَة الّتي فيها الاقْتِضَاءُ، فدَفَعَ إليهِ الأبْيَات الّتي هَجَاهُ فيها، وإذا فيها مَكْتُوبٌ (١): [من الكامل] لا غَرْوُ أنْ مَلَكَ ابن إسْـ … ـحَاق وسَاعَدَهُ القَدَرْ وصَفَا لدَوْلَتِهِ وخَـ … ـصَّ أبا الغَنائِم (b) بالكَدَرْ فالدَّهْر كالدُّوْلَاب لَيْـ … ـسَ يَدُورُ إلَّا بالبَقَرْ يَعْني بأبي الغَنائِم تَاج المُلْك، وكان من أصْحَابِ السُّلْطان مَلِكْشَاه، وكان بين نِظَام المُلْك وبينه عَدَاوَة. قال: فلمَّا قرأ نِظَام المُلْك الأبْيَات وقَّعَ على رَأسها: يُطْلَقُ لهذا القُوَّادِ رَسْمُهُ مُضَاعَفًا، ونَاولَهُ إيَّاها، فأخَذَ ابن الهَبَّارِيَّة الرُّقْعَة، فلمَّا نَظَرها أخَذَ يَعْتَذرِ، فقال له النِّظَام: لا تَقُلْ شيئًا، وخُذ الرُّقْعَةَ، وامْض إلى الدِّيْوَان، فمَضَى وأخَذَ رَسْمَهُ.

стр. 3118

قال: إنَّ ابن الهَبَّارِيَّة هَجَاهُ بعد ذلك بقَوْله: [من مجزوء الكامل] لا يَشْمَخَنَّ بأنْفِهِ … غَيْر الكريم المُفْضِلِ أَهْوِنْ بفَقْري والكِلَا … بُ على عِيَال أبي عَلي فأهْدَرَ دَمَهُ، ثمّ عَفَا عنه، والقِصَّة قد ذَكَرْناها في تَرْجَمَةِ أبي يَعْلَى بن الهَبَّارِيَّة (١). وقيل: إنَّ الأبْيات الرَّائِيِّة للأَبيوَرْدِيّ، والصَّحيحُ أنَّها لابن الهَبَّارِيَّة. قَرأتُ بخَطِّ عَبْد المُنْعِم بن الحَسَن بن اللُّعَيْبَة في دُسْتُور جَمَعَهُ: قال الفَقِيه الأَبْيِوَرْدِيّ يَهْجُو خُوَاجَا بَزُرْك وَزِير السُّلْطان مَلِك شَاه ﵀، وهو الوَزِير أبو عليّ الحَسَن بن إسْحَاق: [من الكامل] لا غَرْو أنْ وَزَرَ ابن إسْـ … ـحَاق وسَاعَدَهُ القَدَرْ وصَفَتْ له الدُّنْيا وخُـ … ـصَّ أبو الغَنائِم بالكَدَر فالدَّهْرُ كالدُّوْلَاب لَيْـ … ـسَ يَدُور إلَّا بالبَقَر ولمَّا نَمَتْ هذه الأبْيَاتُ إلى الوَزِير ﵀، اسْتَدْعَى الأَبِيْوَرْدِيّ، وكانت أيَاديهِ عندَهُ جَمَّة، وله عليه رُسُومٌ في كُلِّ سَنَة لها قَيِّمةٌ كبيرةٌ، فلمَّا مَثَلَ بينَ يَدَيْهِ قال له: يا هذا، بِمَ اسْتَوْجَبْتُ منكَ أنْ تَهْجُوني تَعَصُّبًا لعَدُوِّي عليَّ؟ -وهذا أبو الغَنائِم الّذي ذَكَرهُ هو تَاجُ المُلْك عَدُوّ الوَزِير- فأنْكَر أنَّ هذا شِعْره، فقال له الوَزِير: إنْ لَزمْتَ الإنْكَار أحْضَرتُ مَنْ أنْشَدنيها، فَوَاقَفَكَ عليها، ومع هذا فأنْتَ تَعْلَم ما لي عندَكَ من الأيَادِي الّتي لا تُذْكر، وما كُنْتَ تَسْألُني فيه من الحَوَائِج الّتي تُؤخَذ عليها الأمْوَالُ مع الرُّسُومِ، فَلَاذَ الفَقِيهُ بالعُذْر، واعْتَرَفَ أَنَّها من جُمْلَةِ غلطَاته الّتي

стр. 3119

لا تُسْتَقَالُ، وعَثَراته القَبِيْحَة، فقال له الوَزِير: لا شَكَّ أنَّ الرُّسُومَ الّتي لك لا تَكُفّ ولا تَكْفيّ، وقد تقدَّمْتُ بإضْعَافها لك، فاقْبضها ولا تَغْلَط بعد ذلك. ونَقَلْتُ من خَطِّ العِمَاد الكَاتِب أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد، وذَكَر [قَوْل] (a) شُعَرَاء العَجَم فيه؛ يَعني في نِظَام المُلْك: إنَّ اللَّه أقامَ الأرْضَ على قرن ثَوْر وملَّكَها الثَّوْر. أخْبَرَنا أبو هاشِم الصَّالِحِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي بَكْر المَرْوَزيّ، قال: أنْشَدَني كَيْخُسْره بن يَحْيَى بن بَاكِيْرَ الفَارسِيّ من حِفْظه أمْلاهُ عليَّ، قال: أنْشَدَني أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بنُ عليّ التَّبْرِيْزِيّ للسَّيِّدِ العَلَويّ البَلْخِيّ: [من الوافر] تَوَلَّى الأرْضَ أَعْجَازٌ لِئَامٌ … وبَادَ سَوَالفٌ كَرُمَتْ وَهَامُوا (b) كذاكَ الدُّوْرُ إنْ خَرِبَتْ وأقْوَت … تَوَلَّاهُنَّ أصْدَاءٌ وهَامُ قال عَبْدُ الكَريم: قال لي كَيْخُسْره بن يَحْيَى (c): قال لي أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ: قال له (d) السَّيِّدُ البَلْخِيُّ: لمَّا أفْضَت الوِزَارَةُ إلى نِظَام المُلْك في حَقِّه (e)، فلمَّا بَلَغَ البَيْتان إليهِ، أرْسَل بي إليهِ، واسْتَأذَنَ في زِيَارته، فأَذِنَ له فزَارَهُ وحَمَل معه بمائة ألف دِرْهَم أغْرَاضًا ودَنَانِيْر، واعْتَذَر إليهِ وكأنَّهُ هَجَاهُ بهذَين البَيْتَيْن، ثمّ تعاهَدَا على أنْ يَعُود على شُغْله في الاسْتِيْفاء، فوَفَيا بالعَهْد إلى أنْ مات. أخْبَرَنا أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن يَحْيَى بن مَنْصُور الجَنْزِيّ الإمَام يقُول: سَمِعْتُ في حَيَاة وَالدِي رَجُلًا يَقُول: أقامَ وَالدِي في حُجْرة

стр. 3120

النِّظَام الوَزِير ثلاثة أيَّام بلَيَاليها ما أكلَ فيها ولا شَرِبَ، وكان الفَرَّاشُ قد نَسِي أنْ يُقَدِّم له شيئًا إلى أنْ تَنبَه النِّظَام لذلك، فقام بنَفْسِهِ وحَمَل إليهِ الطَّعَام بنَفْسه. قال الإمَام مُحَمَّد بن يَحْيَى: فحكَيْتُ هذه الحِيَة لوَالدِيّ، فسَكَتَ. قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقذٍ في تَارِيْخهِ، قال: حَدَّثَني أبي عنه -يعني عن نِظَام المُلْك- قال: كان رَجُلًا يَصُوم الدَّهْر، وله في أصْبَهَان أرْبَع نِسْوَة، يُعْمَل له في كُلِّ دَار طَعَام ولأصْحَابهِ ومنْ يكُون عندَهُ بقِيْمةٍ وَافيةٍ، فأيّ دَار أراد أنْ يَجْلسَ بها كان الطَّعَام الكَثِيْر مُعَدًّا كما قال: عَشرةً رُؤوس غَنَم مَشْوِيَّة، وعَشرة ألْوَان، وعَشر جَامَات حَلْوَاء. سَمِعْتُ القَاضِي أبا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَفِر الحَنَفِيّ قاضي العَسْكَر ﵀، وقد جَرَى ذِكْر نِظَام المُلْك ومَيْله إلى أهْل العِلْم، يَقُول: كان نِظَام المُلْك يتعَصَّب للشَّافِعِيَّة كَثِيْرًا، فكان يُولِّي الحنَفِيَّة القَضَاء، ويُولِّي الشَّافعيَّة المَدَارِس، وبقصد بذلك أنْ يتوفَّر الشَّافِعيَّة على الاشْتِغَال بالفقْه، فيَكْثُرَ الفُقَهَاءُ منهم، ويَشْتَغل القُضَاة بالقَضَاءَ، فيقلّ اشْتِغَالهم بالفِقْه ويَتَعَطَّلُون. قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب، وأنْبَأنَا عنهُ أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن عبد الرَّحْمن القَاضِي وغيرُه، قال: كان عُثْمان ابن جَمَال المُلْك ابن نِظَامِ المُلْك رَئيس مَرْو، وهناك شِحْنَة مَرْو مَمْلُوك السُّلْطان بردي فقَبَض عليه لأمْرٍ جَرى منه، ثمّ أطْلَقَهُ، فجاءَ مُسْتَغِيْثًا، فنفَذَ السُّلْطان تَاجَ المُلْك، ومَجْد المُلْك وجَمَاعَة أرْبَاب دَوْلتَه وقال لهم: أمضوا إلى خُوَاجَه حَسَن وقُولُوا: إنْ كُنْتَ شَرِيْكي في المُلْك فلذلك حُكْم، وإنْ كُنْتَ تَابِعي فيَجب أنْ تلزَم حدَّك، وهؤلاءِ أرَاذل قد اسْتَولَى كُلّ واحدٍ منهم على مَمْلَكَةٍ، فواحدٌ ببَلْخ، وواحدٌ بهَرَاة، وواحدٌ ببَلَد كَذا، ثمّ لا يُقْنعُهم ذلك حتَّى يَتجَاوَزُوا حُدُودهم في سَفْك الدِّماء. وقال
следующие страницы →