نِظَامَ المُلْكِ أخَاهُ كان يَقُول: كُنْتُ أتَمَنَّى أنْ يكُونَ لي قَرْيَةٌ خَالِصَةٌ ومَسْجِدٌ أتَّخذ فيه لطَاعِة ربِّي، ثُمَّ بعدَ ذلك تَمَنَّيْتُ أنْ يكُونَ لي قِطْعَةٌ من الأرْض بشِرْبها، أتَقَوَّتُ برَيْعِهَا، ومَسْجِد أتَخَلَّى فيه لعِبَادَة ربِّي في جَبَل، ثمّ الآن أتَمَنَّى أنْ يكُونَ لي رَغِيفٌ كُلّ يَوْم، ومَسْجِدٌ أتَعَبَّد فيه لرَبِّي.
قال أبو سَعْد: قال وَالدِي ﵀: وسَمِعْتُه يَقُول: كُنْتُ لَيْلَة من اللَّيالِي عندَهُ وأنا على أحَدِ جَانبَيْهِ، والعَمِيْد خَلِيفَة على الجانب الآخرِ، وبجَنْب العَمِيْد خَلِيفَة فَقِيْرٌ مَقْطُوع اليَدِ اليُمْنَى، قال: فشَرَّفني الصَّاحِب بالمُؤَاكَلَة، وجَعَل يلحَظُ العَمِيْدَ خَلِيفَة كيفَ يُؤَاكل الفَقِيْر، قال: فتَنَزَّه خَلِيفَةُ من مُؤَاكَلَةِ الفَقِيْر لَمَّا رَآهُ يَأكُل بيَسَارِه، فقال لخَلِيفَة: تَحَوَّل إلى هذا الجانب، وقال للفَقِير إنَّ خَلِيفَة رَجُلٌ كَبِيرٌ في نَفْسه يَسْتَنْكفُ من مُؤَاكَلَتِكَ، فتقدَّم إليَّ، وأخَذَ يُؤَاكِلُهُ!.
وقال: قَرأتُ بخَطِّ الإمَام وَالدِي ﵀: سَمِعْتُ الفَقِيه أبا القَاسِم عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق الطُّوْسيّ يَقُول: دَخَل أَخي نِظَامُ المُلْك على الإمَام أبي الحَسَن الدَّاوُودِيّ، وقَعَد بينَ يَدَيْهِ، وتَوَاضَعَ له غايةَ التَّوَاضُع، فقال له الإمَامُ أبو الحَسَن: أيُّها الرَّجُلُ، إنَّ اللَّه سَلَّطَكَ على عَبِيْده، فانْظُر كيف تُجِيْبُه إذا سَألكَ عنهم.
قُلتُ: هذا أبو الحَسَن الدَّاوُودِيّ هو: عبد الرَّحْمن بن مُحمّد بنِ المُظَفَّر بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن أحْمَد البُوْشَنْجيّ؛ كان من العُلَمَاء الأبْرَار، وهو يَرْوي كتاب البُخاريّ عن الحَمُّوِيّ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب، وأخْبَرَنَا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر إجَازَةً عنه، قال: وكان نِظَام المُلْك من طُوْس، وأهْل طُوْسِ يُقال لهم في اصْطِلَاح النَّاس: بَقَر طُوْس، وكان للخِزَانَة صَائِغٌ يُقالُ له حُسَين، حَسَنُ الصِّناعَةِ في الصِّيَاغَة، قال: اسْتَدْعاني يَوْمًا نِظَام المُلْك، وقال:
стр. 3117
احْضر لي قَوَالب لعَمَل سُخُوتٍ، فأحْضرْتُها له، فأوَّل ما وَقَعَتْ يَدُه على قَالبٍ فيه صُوْرَة البَقَر، وقد كُنْتُ غَفَلْتُ عن الحَدِيْثِ، فعَجِلَ وقال: يا أُسْتَاذُ، ما تُخَلِّينا من يَدكَ! فلَم يَتْرُك الظّرْفَ واللُّطْفَ مع جَلَالَة قَدْرِه، وكِبَر سِنِّهِ.
أخْبرَني أبو عليّ الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل (a) القيْلَويّ بحَلَب، قال: قَرَأتُ في بَعْض مُطَالَعاتي أنَّ الشَّريف أبا يَعْلَى ابن الهَبَّارِيَّة كان له رَسْم على الوَزِير نِظَام المُلْك، فنَظَم قِطْعَتَين من الشِّعْر، أحدَيْهُما يَمْدَحُهُ فيها ويَقْتَضيه رَسْمُه، والأُخْرى يَهْجُوه فيها، وتَرَك الوَرَقتَيْن اللَّتَيْن فيهما الشِّعْر في عِمَامَته، وحَضَر عندَ نِظَام المُلْك، وأرَادَ أنْ يَدْفَع إليهِ الرُّقْعَة الّتي فيها الاقْتِضَاءُ، فدَفَعَ إليهِ الأبْيَات الّتي هَجَاهُ فيها، وإذا فيها مَكْتُوبٌ (١): [من الكامل]
لا غَرْوُ أنْ مَلَكَ ابن إسْـ … ـحَاق وسَاعَدَهُ القَدَرْ
وصَفَا لدَوْلَتِهِ وخَـ … ـصَّ أبا الغَنائِم (b) بالكَدَرْ
فالدَّهْر كالدُّوْلَاب لَيْـ … ـسَ يَدُورُ إلَّا بالبَقَرْ
يَعْني بأبي الغَنائِم تَاج المُلْك، وكان من أصْحَابِ السُّلْطان مَلِكْشَاه، وكان بين نِظَام المُلْك وبينه عَدَاوَة.
قال: فلمَّا قرأ نِظَام المُلْك الأبْيَات وقَّعَ على رَأسها: يُطْلَقُ لهذا القُوَّادِ رَسْمُهُ مُضَاعَفًا، ونَاولَهُ إيَّاها، فأخَذَ ابن الهَبَّارِيَّة الرُّقْعَة، فلمَّا نَظَرها أخَذَ يَعْتَذرِ، فقال له النِّظَام: لا تَقُلْ شيئًا، وخُذ الرُّقْعَةَ، وامْض إلى الدِّيْوَان، فمَضَى وأخَذَ رَسْمَهُ.
стр. 3118
قال: إنَّ ابن الهَبَّارِيَّة هَجَاهُ بعد ذلك بقَوْله: [من مجزوء الكامل]
لا يَشْمَخَنَّ بأنْفِهِ … غَيْر الكريم المُفْضِلِ
أَهْوِنْ بفَقْري والكِلَا … بُ على عِيَال أبي عَلي
فأهْدَرَ دَمَهُ، ثمّ عَفَا عنه، والقِصَّة قد ذَكَرْناها في تَرْجَمَةِ أبي يَعْلَى بن الهَبَّارِيَّة (١).
وقيل: إنَّ الأبْيات الرَّائِيِّة للأَبيوَرْدِيّ، والصَّحيحُ أنَّها لابن الهَبَّارِيَّة.
قَرأتُ بخَطِّ عَبْد المُنْعِم بن الحَسَن بن اللُّعَيْبَة في دُسْتُور جَمَعَهُ: قال الفَقِيه الأَبْيِوَرْدِيّ يَهْجُو خُوَاجَا بَزُرْك وَزِير السُّلْطان مَلِك شَاه ﵀، وهو الوَزِير أبو عليّ الحَسَن بن إسْحَاق: [من الكامل]
لا غَرْو أنْ وَزَرَ ابن إسْـ … ـحَاق وسَاعَدَهُ القَدَرْ
وصَفَتْ له الدُّنْيا وخُـ … ـصَّ أبو الغَنائِم بالكَدَر
فالدَّهْرُ كالدُّوْلَاب لَيْـ … ـسَ يَدُور إلَّا بالبَقَر
ولمَّا نَمَتْ هذه الأبْيَاتُ إلى الوَزِير ﵀، اسْتَدْعَى الأَبِيْوَرْدِيّ، وكانت أيَاديهِ عندَهُ جَمَّة، وله عليه رُسُومٌ في كُلِّ سَنَة لها قَيِّمةٌ كبيرةٌ، فلمَّا مَثَلَ بينَ يَدَيْهِ قال له: يا هذا، بِمَ اسْتَوْجَبْتُ منكَ أنْ تَهْجُوني تَعَصُّبًا لعَدُوِّي عليَّ؟ -وهذا أبو الغَنائِم الّذي ذَكَرهُ هو تَاجُ المُلْك عَدُوّ الوَزِير- فأنْكَر أنَّ هذا شِعْره، فقال له الوَزِير: إنْ لَزمْتَ الإنْكَار أحْضَرتُ مَنْ أنْشَدنيها، فَوَاقَفَكَ عليها، ومع هذا فأنْتَ تَعْلَم ما لي عندَكَ من الأيَادِي الّتي لا تُذْكر، وما كُنْتَ تَسْألُني فيه من الحَوَائِج الّتي تُؤخَذ عليها الأمْوَالُ مع الرُّسُومِ، فَلَاذَ الفَقِيهُ بالعُذْر، واعْتَرَفَ أَنَّها من جُمْلَةِ غلطَاته الّتي
стр. 3119
لا تُسْتَقَالُ، وعَثَراته القَبِيْحَة، فقال له الوَزِير: لا شَكَّ أنَّ الرُّسُومَ الّتي لك لا تَكُفّ ولا تَكْفيّ، وقد تقدَّمْتُ بإضْعَافها لك، فاقْبضها ولا تَغْلَط بعد ذلك.
ونَقَلْتُ من خَطِّ العِمَاد الكَاتِب أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد، وذَكَر [قَوْل] (a) شُعَرَاء العَجَم فيه؛ يَعني في نِظَام المُلْك: إنَّ اللَّه أقامَ الأرْضَ على قرن ثَوْر وملَّكَها الثَّوْر.
أخْبَرَنا أبو هاشِم الصَّالِحِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي بَكْر المَرْوَزيّ، قال: أنْشَدَني كَيْخُسْره بن يَحْيَى بن بَاكِيْرَ الفَارسِيّ من حِفْظه أمْلاهُ عليَّ، قال: أنْشَدَني أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بنُ عليّ التَّبْرِيْزِيّ للسَّيِّدِ العَلَويّ البَلْخِيّ: [من الوافر]
تَوَلَّى الأرْضَ أَعْجَازٌ لِئَامٌ … وبَادَ سَوَالفٌ كَرُمَتْ وَهَامُوا (b)
كذاكَ الدُّوْرُ إنْ خَرِبَتْ وأقْوَت … تَوَلَّاهُنَّ أصْدَاءٌ وهَامُ
قال عَبْدُ الكَريم: قال لي كَيْخُسْره بن يَحْيَى (c): قال لي أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ: قال له (d) السَّيِّدُ البَلْخِيُّ: لمَّا أفْضَت الوِزَارَةُ إلى نِظَام المُلْك في حَقِّه (e)، فلمَّا بَلَغَ البَيْتان إليهِ، أرْسَل بي إليهِ، واسْتَأذَنَ في زِيَارته، فأَذِنَ له فزَارَهُ وحَمَل معه بمائة ألف دِرْهَم أغْرَاضًا ودَنَانِيْر، واعْتَذَر إليهِ وكأنَّهُ هَجَاهُ بهذَين البَيْتَيْن، ثمّ تعاهَدَا على أنْ يَعُود على شُغْله في الاسْتِيْفاء، فوَفَيا بالعَهْد إلى أنْ مات.
أخْبَرَنا أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن يَحْيَى بن مَنْصُور الجَنْزِيّ الإمَام يقُول: سَمِعْتُ في حَيَاة وَالدِي رَجُلًا يَقُول: أقامَ وَالدِي في حُجْرة
стр. 3120
النِّظَام الوَزِير ثلاثة أيَّام بلَيَاليها ما أكلَ فيها ولا شَرِبَ، وكان الفَرَّاشُ قد نَسِي أنْ يُقَدِّم له شيئًا إلى أنْ تَنبَه النِّظَام لذلك، فقام بنَفْسِهِ وحَمَل إليهِ الطَّعَام بنَفْسه.
قال الإمَام مُحَمَّد بن يَحْيَى: فحكَيْتُ هذه الحِيَة لوَالدِيّ، فسَكَتَ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقذٍ في تَارِيْخهِ، قال: حَدَّثَني أبي عنه -يعني عن نِظَام المُلْك- قال: كان رَجُلًا يَصُوم الدَّهْر، وله في أصْبَهَان أرْبَع نِسْوَة، يُعْمَل له في كُلِّ دَار طَعَام ولأصْحَابهِ ومنْ يكُون عندَهُ بقِيْمةٍ وَافيةٍ، فأيّ دَار أراد أنْ يَجْلسَ بها كان الطَّعَام الكَثِيْر مُعَدًّا كما قال: عَشرةً رُؤوس غَنَم مَشْوِيَّة، وعَشرة ألْوَان، وعَشر جَامَات حَلْوَاء.
سَمِعْتُ القَاضِي أبا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَفِر الحَنَفِيّ قاضي العَسْكَر ﵀، وقد جَرَى ذِكْر نِظَام المُلْك ومَيْله إلى أهْل العِلْم، يَقُول: كان نِظَام المُلْك يتعَصَّب للشَّافِعِيَّة كَثِيْرًا، فكان يُولِّي الحنَفِيَّة القَضَاء، ويُولِّي الشَّافعيَّة المَدَارِس، وبقصد بذلك أنْ يتوفَّر الشَّافِعيَّة على الاشْتِغَال بالفقْه، فيَكْثُرَ الفُقَهَاءُ منهم، ويَشْتَغل القُضَاة بالقَضَاءَ، فيقلّ اشْتِغَالهم بالفِقْه ويَتَعَطَّلُون.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب، وأنْبَأنَا عنهُ أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن عبد الرَّحْمن القَاضِي وغيرُه، قال: كان عُثْمان ابن جَمَال المُلْك ابن نِظَامِ المُلْك رَئيس مَرْو، وهناك شِحْنَة مَرْو مَمْلُوك السُّلْطان بردي فقَبَض عليه لأمْرٍ جَرى منه، ثمّ أطْلَقَهُ، فجاءَ مُسْتَغِيْثًا، فنفَذَ السُّلْطان تَاجَ المُلْك، ومَجْد المُلْك وجَمَاعَة أرْبَاب دَوْلتَه وقال لهم: أمضوا إلى خُوَاجَه حَسَن وقُولُوا: إنْ كُنْتَ شَرِيْكي في المُلْك فلذلك حُكْم، وإنْ كُنْتَ تَابِعي فيَجب أنْ تلزَم حدَّك، وهؤلاءِ أرَاذل قد اسْتَولَى كُلّ واحدٍ منهم على مَمْلَكَةٍ، فواحدٌ ببَلْخ، وواحدٌ بهَرَاة، وواحدٌ ببَلَد كَذا، ثمّ لا يُقْنعُهم ذلك حتَّى يَتجَاوَزُوا حُدُودهم في سَفْك الدِّماء. وقال
стр. 3121
للأمِيْر بَكْبُرْد، وكان من خَوَاصِّهِ: كُنْ معهم حتَّى لا يُحَرِّفُوا ما يقُولُ. فأتَوا إلى نِظَام المُلْك وقَالُوا له، فقال: نعم، قولُوا له: أمَا عَلمَ أنَّني شَرِيكُه في المُلْك، أوَ مَا يَذْكُر حين قُتِلَ أبُوه كيفَ قُمْتُ بتَدْبِير أمْره، واعْلمُوا أنَّ ثباتَ القَلَنْسُوَة مَعْذُوق بفَتْح هذه الدَّوَاة، ومَتَى أطبقَت هذه، زالَتْ يك الّتي يقرّ. فقال له الرُّسُل: قد كَبِرْتَ يا مَوْلَانا وقد ضَجِرْتَ، وقد أثَّر فيك الأمْرَان وعَدَلَا بك عن الرَّأي الّذي ما زَالَتِ الآراءُ معه، فقال لهم: قُولُوا للسُّلطَان عنِّي ما أردْتُم، فقد دَهَمني ما لحَقَني من تَوْبيخهِ!
فلمَّا خَرَجُوا من عنده، قالوا: الصَّوَابُ أنْ لا نَذْكُر ما قالَهُ، وعَرَّفُوا بَكْبُرْد حُرْمَة مَكَانهِ، وسَألُوه أنْ لا يُخْبر بما جَرى، فلم يَفْعَل، ومَضَى بَكْبُرْد من حاله وأخْبَر السُّلْطان، وبَكَّر الجَمَاعَةُ، فوَجَدُوا السُّلْطان جالِسًا يَنْتظرهُم، فقال لهم: ما قال لكُم؟ قالوا: قال أنَا وأوْلَادِي عَبِيْد دَوْلتَه، فقال السُّلْطان: لَم يَقُل هكذا، ثمّ وقَع التَّدْبِير في أمْره.
وقال: في لَيْلَة السَّبْت عَاشِر شَهْر رَمَضَان قُتِلَ نِظَام المُلْك في نَهَاوَنْد، بين نَهَاوَنْد والسَّحْنَة (١)، وهو سَائِرٌ مع العَسْكَر إلى بَغْدَاد، وذلك بعد أنْ فَرغَ من إفْطَاره، وتفرُّق مَنْ كان على طَبَقه من العُلَمَاءِ والفُقَرَاءِ والأجْنَادِ، وحُمِلَ في محَفَّة إلى مَضْرب حُرَمهِ، فأتاهُ صَبيٌّ دَيْلَميٌّ في صُوْرة مُسْتَمِيْح ومُسْتَغِيْث، فضَرَبَهُ بِسِكِّين كانت معه فقَضَى عليه، وهَربَ، فوَقَع في عَثْرة عَثَرَها بطَنب خَيْمَة فأُدْرِكَ فقُتِلَ، ورَكِبَ السُّلْطان مَلِك شَاه إلى مُخَيَّم نِظَام المُلْك، وسَكَّنَ معَسْكَره.
وحُكي أنّ أحَدَ الصَّالحين قال لنِظَام المُلْك وهُم في الإفْطَار: رَأيْتُ في بَارِحَتنا كأنَّ رسُول اللَّه ﷺ أتاكَ وأخَذَكَ فتَبعْتُهُ، فقال: ارْجع أيُّها الرّجُل فلهذا أَبْغيّ، فأَوَّلَها.
стр. 3122
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن مَسْعُود بن الحُصَيْن، وأنْبَأنَا به عنه رَفِيقُنا الحافِظ أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النَّجَّار، قال: وفي لَيْلَة السَّبْت عَاشر شَهْر رَمَضَان -يعني من سَنَة خَمْسٍ وثمانين- قُتِلَ نِظَام المُلْك، قَوَام الدِّين، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق ﵁ قَريبًا من نَهَاوَنْد، وهو سَائِرٌ مع العَسْكَر في مِحَفَّة، فضَرَبَهُ صَبِيٌّ دَيْلمَيٌّ في صُوْرة مُسْتَمِيْح أو مُسْتَغِيْث بسِكِّين كانت معه، فقَضَى عليه، وأُدْرِكَ فقُتِلَ، وجَلَس لعَزَائهِ عَمِيْدُ الدَّوْلَة ابنُ جَهِيْر ببَغْدَاد.
وفَضَائِله المَشهُورة في كُلِّ مكان وزَمَان تَنُوب عن لسَان مَادحه، وأفْعَاله الصَّالِحة من المَدَارِس، والرُّبط، والقَنَاطِر، والجُسُور، والصَّدَقَات الدَّارَّة باقيةٌ على الأيَّام.
وتحدَّثَ النَّاسُ بأنَّ قتلَ نِظَام المُلْك كان برِضًى من السُّلْطانِ وتَدْبِير تَاج المُلْك أبي الغَنائِم، وإشَارة تُرْكَان خَاتُون؛ لأنَّهم كانُوا عَزَمُوا على تَشْعِيْث خَاطِر المُقْتَدِيّ، وكان نِظَام المُلْكِ يمنَعُهُم من ذلك.
قال ابنُ الحُصَيْن: وبَلَغَني أنَّ أبا نَصْر الكُنْدُرِيّ لمَّا عُزِلَ عن وِزَارَة السُّلْطان، وفُوِّضت الوِزَارَة إلى نِظَام المُلْك، وحُبِسَ وسَعَى نِظَامُ المُلْك في قَتْلهِ، فلمَّا هَمَّ الجَلَّادُ بفَتْلهِ، قال له: قُلْ للوَزِيْر نِظَام المُلْك: بئسَ ما فَعَلْتَ، عَلَّمْتَ الأتْرَاك قَتْل الوُزَرَاء وأصْحَاب الدَّوَاوِيْن، ومَنْ حَفَرَ مَغْواةً وَقَعَ فيها، ومَنْ سَنَّ سُنَّةً فَلَهُ وِزْرها ووِزْرُ مَنْ عَمِل بها إلى يَوْم القِيامة، ورِضًى بقَضَاءِ اللَّه المَحْتُوم، فكان الأمْرُ كما قال.
قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ، قال: سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعمائة، فيها قَفَزَ بَاطِنِيَّةٌ على خُوَاجَا بَزُرْك ببَغْدَاد وهو مَحْمُولٌ في مِحَفَّتِهِ الّتي كان يُحْمَلُ فيها من ضَعْفِه وكِبَرِه في تَاسِع شَهْر رَمَضان، فجَرَحَهُ،
стр. 3123
وحُمِلَ إلى دارهِ الّتي ببَغْدَاد، فجاءَ السّلطان مَلِكشَاه يَتَفَقَّدُهُ ويتَوَجَّع له، فقال له خُوَاجَا: يا سُلْطان العالَم، كَبرْتُ في دَوْلة أبيكَ ودَوْلتكَ، كُنْتَ تَمهَّلْتَ عليَّ فما بَقِيَ مِنْ عُمري إلَّا القليل، أو صَرَفْتَني ولا أمَرْتَ أنْ يُفعَلَ بي هكذا، فأَخْرَجَ السّلطانُ مصْحَفًا في تَقْليدِه، وحَلَفَ لهُ بما فيه أنَّه لَمْ يَأمُر، ولَمْ يَعْلَم ثُمَّ قال: وكيفَ أَسْتَجِيزُ هذا وأنتَ بَرَكَة دَوْلَتي، وبمَنْزِلة أبي، وكان الّذي اتُّهِم بذلك مُتَولِّي الخِزَانَة تَاج المُلْك أبا الغَنائم.
قال ابن مُنْقِذ: حَدَّثَني أبي عنه، قال: فماتَ خُوَاجَا، ومَضَى السّلطان فمات في العَشْر الأَخير من شوّال.
قال: وذُكِرَ أنَّ السُّلْطَان لمَّا ماتَ اجْتَمع مَمَالِيْك خُوَاجَا بَزُرْك، وكانُوا في سَبْعة آلاف مَمْلُوك مُزوَّجيْن إلى سَبْعة آلاف مَمْلُوكة، فقَتَلُوا تَاج المُلْك على ما نَذْكُر في تَرْجَمة تَاج المُلْك (١).
كذا قال ابن مُنْقِذ: أنَّهُ قُتِلَ ببَغْدَاد وحُمِلَ إلى دَارِه الّتي ببَغْدَاد، وهو وَهْمٌ، والصَّحيحُ أنَّهُ قُتِلَ بقُرْب نَهَاوَنْد وهو مُتَوَجِّهٌ إلى العِرَاق.
نَقَلْتُ من كتاب الاسْتِظْهَار في التَّاريخ عِلى الشُّهُور (٢)، تأليف القَاضِي أبي القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد السِّمْنَانِيّ، قال: في شَهْر رَمَضان من سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعمائة قُتِل الشَّيْخُ الكَبير، قَوَام الدِّين، نِظَامُ المُلْك، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن
стр. 3124
إسْحَاق، رَضِيُّ أميْر المُؤْمنِيْن ﵁، في ظَاهِر نَهَاوَنْد وهو سَاِئِرٌ إلى العِرَاق؛ قَتَلَهُ إنْسَانٌ دَيْلهَيٌّ غِيْلَةً بعد الفِطْر لَيْلَة الجُمُعَة حَادِي عَشر منه.
وكانَ مَوْلدُهُ في ذي القَعْدة من سَنَة ثمانٍ وأربعمائة، وبقي في الأمْر وَزِيْرًا، ونَاظِرًا، ومُشْرفًا نحو خَمْسِين سَنَةً، وبَلَغَ في الوِزَارَة ما لَم يَبْلُغْهُ أحَدٌ من وُزَرَاءِ الدَّوْلَتَيْن، وكان يُضْربُ له الطَّبْلُ والقِصَاعُ ثَلاثَ صَلَوات حَضَرًا وسَفَرًا، وهو الَّذي بَنى الدّوْلَة السَّلْجُوقيَّة وأَسَّس قَوَاعِدَها، وتَفَتَّحَت الدُّنيا على يَدَيهِ، وكان صَدُوقَ اللِّسَان، جَيِّدَ الرَّأي، كَبِيْرَ النَّفْس، حَلِيْمًا، وَقُورًا، يُصَلِّي باللَّيْلِ، ويَصُومُ في أكْثَر الأوْقَاتِ.
وهو أوَّلُ وَزِيرٍ بَنَى المَدَارِسَ في البلادِ، وأجْرَى على المُدَرِّسيْن، والمُتَفَقِّهَة، والأُدَبَاءِ والشُّعَراء، وأهْل البُيُوتاتِ، والرُّؤسَاء. ولم يَنْظُر قَطّ إلى ظَهر مَحْرُوم، وما قَصَدَهُ أصدٌ في أمْرٍ إلَّا نالَهُ أو مُعْظَمَهُ، فأمَّا الحِرْمان فلا. ولم يَبْقَ عليه من عَظيم المُلْك غير ما فَعَلَهُ وبَناهُ وخَلَّدَ بهِ ذِكْرَهُ في العَالَم، وفاقَ به على جميعِ مَنْ تَقَدَّم، ﵁ وأرْضَاهُ، وأحْسَنَ له الجَزاءَ عنِّي، فلقد وَصَلني في سَبْع سَفرات بألْفٍ وأرْبَعمائة دِيْنارٍ مِنْ مَاله، غير الثِّيَاب والنُّزُل والإقامَة، وأَجْرَى عليَّ من مال بَيْت المَال سَبْعمائة دِيْنار وعِشْرين دِيْنارًا في كُلِّ سَنَةٍ، ووَلَّاني قَضَاءَ الرَّحْبَة والرَّقَّة وحَرَّان وسَرُوْج وحَلَب وأعْمَالِ ذلك كُلّه، وخَاطَبني بالقَاضِي السَّدِيْد العَالِم، بَحْر العُلَماءِ، عَيْن القُضَاة، في مُكَاتبته إليَّ، فأحْسَنَ اللَّهُ له عنِّي الجَزَاءَ.
وكان يُكْرِم العُلماءَ على اخْتِلَاف مَذَاهِبهم، وله فَضْلٌ وكَرَمٌ، وبَصِيْرةٌ بالرِّجَال، قَرِيبٌ مِن القُلُوب، لا يَتَشَاغَل إلَّا بتِلَاوَة القُرْآن وسَماعِ حَديث رسُولِ اللَّه ﷺ ، ومُنَاظَرة الفُقَهَاء بينَ يَدَيْهِ، وتقَدَّم في زمَانِهِ مَن لَم يَكُن مُتَقَدِّمًا من الرِّجَال، وتأخّر مَنْ كان مُتَقدِّمًا، واسْتَرْجعَ المَمَالِكَ كُلّها، وقَبَضَها إلى السُّلطان.
стр. 3125
وهو أوَّلُ مَنْ أقْطَع البلادَ والضِّيَاع للعَسَاكِر والأجْنَادِ، وكان يَرْعَى لأهْل البُيُوتَاتِ بُيُوتَهُم، وللعُلَماء عِلْمهم، وللشُّعَراءِ شِعْرَهُم، وللأُدَباءِ أدَبَهُم، وللأَشْرَاف شَرَفهم.
وكان أمْرُ الدَّوْلة في الزِّيادَةِ إلى أنْ شَارَكَهُ في الرَّأي غَيْرُه، ودَاخَلَ السُّلْطان سِوَاه، فهَلَكت الدَّولَةُ، ولم يَبْقَ السُّلطَانُ بعدَهُ إلَّا نَيّف وثَلاثُون يَوْمًا، ﵁.
ذكَرَ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ، في كتاب عُنْوَان السِّيَر في مَحَاسِن أهْلِ البَدْو والحَضَر (١)، وقال: نِظَام المُلْكُ، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق الطُّوْسيّ، وزَرَ للسُّلْطَان ألْب أرَسْلَان، ولوَلده السُّلطان مَلِك شَاه تِسْعًا وعِشْرين سَنَة، وقُتِلَ بالقُرْب من نَهَاوَنْد في اللَّيلة الحَادِيَة عَشرة من شَهْر رَمَضان سَنَة خَمْسٍ وثَمانين وأرْبَعمائة، وعُمرُهُ ستٌّ وسَبعُونَ سَنَةً وعَشرةُ أشْهُر، وتِسْعةَ عَشَرَ يَوْمًا، اغْتَالَهُ أحَدُ البَاطِنيَّة وقد فَرَغَ من فُطوره، وقيل إنَّ السُّلْطان مَلِك شَاه وَلَّفَ عليه مَنْ قَتَلَهُ لأنَّهُ سَئِمَ طُولَ عُمره، وماتَ بعدَهُ بشَهْر وخَمْسة أيَّامٍ.
وتقدَّم نِظَام المُلْك في الدُّنيا التَّقَدُّمَ العَظِيم، وأفْضَل على الخَلْق الإفْضَالَ الكَثِيرَ، وعَمَّ النَّاسَ بمَعْرُوفه، وبَنَى المَدَارِسَ لأصْحَاب الشّافِعيّ، ووَقَفَ عليهم الوُقُوفَ، وزَادَ في الحِلْمِ والدِّين على مَنْ تقَدَّمَهُ من الوُزَرَاءِ، ولم يَبْلُغْ أحدٌ منهم مَنْزِلَتَهُ في جميع أُمُوره، وعَبَر جَيْحُون فوَقَّع على العَامِل بأنْطَاكِيَة ما يُصْرفُ إلى (a) الملَّاحِيْنَ، ومَلَكَ من الغِلْمانِ الأتْرَاكِ ألُوفًا عدَةً، وكان جُمْهُور العَسَاكِر وشُجْعانهُم وفُتَّاكهُم من مَمَالِيْكِهِ.
وتحدَّث أبو مُحَمَّد رِزْقُ اللَّه بن عَبْد الوَهَّاب التَّمِيْميّ، قال: سَألتُه عن السَّبَب في تَعْظِيمه الصُّوْفيَّة، فقال: أتَاني صُوْفيٌّ وأنا أخْدِمُ ابن يَاخُر الأَميْر التُّرْكيّ،
стр. 3126
فوَعَظَني وقال: اخْدم مَنْ تَنْفَعُك خِدْمَتُهُ، ولا تَشْتَغل بمَنْ تَأكُله الكِلَاب غَدًا، فلَم أَعْرف مَعْنى قَوْله، فاتَّفَقَ أنَّ ابن يَاخُر شَرِب من الغَدِ، واغْتَبَقَ، وكانت له كِلَابٌ كالسِّبَاع تَفْرسُ السِّبَاعَ باللَّيْل، فغَلَبهُ السُّكْرُ وخَرَجَ وَحْدَهُ، فلم تَعْرفه الكِلَاب، فمَزَّقَتْهُ، فعَلمْتُ أنَّ الرَّجُل كُوْشِفَ، فأنا أَطْلُبُ مثَالَهُ (a).
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين بن عَبْد اللَّه بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ بحَلَب، وأبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود السَّاوِيّ بالقَاهِرَة، عن الحَافِظ أبي طَاهر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمد الأصْبَهانيّ نَزِيلُ الإسْكَنْدَرِيَّة، قال: سَمِعْتُ صَوَابَ بن عَبْد اللَّه الخَصِيَّ النِّظَامِيَّ ببَغْدَاد يَقُول: قُتِلَ مَوْلاي الوَزِيرُ أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق شَهِيْدًا في رَمَضان سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعمائة، بقُرْب نَهَاوَنْد، وكان آخر كَلَامِهِ أنْ قال: قُلْ للعَسْكَر: لا تَقْتُلوا قَاتِلي فإنِّي قد عَفَوْتُ عنهُ، وتَشَهَّد وماتَ، فَمَضَيْتُ أنا فإذا هو قُتِلَ، ولو قُلْتُ لهم لَمَا قَبِلُوا قَوْلي.
أخْبَرَنا الشَّريفُ عَبْد المُطَّلب بن الفَضْل، قال: أخْبرَنا الإمَامُ تاج الإسْلَام أبو سَعْد السَّمْعانيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر بن مُحَمَّد بن عليَ السَّلَاميّ الحَافِظ يَقُول: اسْتُشْهِدَ أبو عليّ الحَسَن بن عليّ بن إسْحَاق الوَزِير وهو مُتَوَجِّهٌ إلى العِرَاق بقَرْيَةٍ يُقالُ لها سَحْنَة، وذلك في شَهْر رَمَضَان سَنَة خَمْسٍ وثَمانيْن وأرْبَعمائة. قُلت: وزُرْتُ قَبْره بأصْبَهَان.
وقال أبو سَعْد: قَرأتُ بخَطِّ وَالدِي، ﵀، بالرَّيّ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ الفَقِيْه الأجَلّ أبا القاسِم عَبْد اللَّه بن عليَ بن إسْحَاق يَقُول: حَكَى لي بَعْضُ مَنْ رَآهُ -يَعْني أخَاهُ نِظَام المُلْك- في المَنَام، فسَألَهُ عن حَالهِ، فقال: لقد كادَ أنْ يُعْرَضَ عليَّ جَمِيع عَمَلي لولا الحَدِيْدةُ الّتي أُصِبْتُ بها.
стр. 3127
أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود بن الحُسَين بالقَاهِرَة، قال: أنْبَأنَا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا مُسْلِم دَاوُد بن مُحَمَّد بن الحَسَن القَزْوِيْنيّ، بقَزْويْن، يَقُول: سَمِعْتُ أبا بَكْر الطَّحَّان الصُّوفيّ بهَمَذَان يَقُول: رَأى الشَّيْخُ أبو عَمْرو عُثْمانُ الكَرْجِيُّ الصَّاحِب أبا عليّ الحَسَن بن عليّ بن إسْحَاق الطُّوْسِيّ الوَزِيرَ في المَنَام، وكأنَّهُ في الجَنَّة، وهو مُتَوَّجٌ بتَاجٍ مُرَصَّع بالجَوَاهِر، قال: فقُلْتُ: بأيّ شيءٍ بلَغْتَ هذه المَنْزِلة؟ فقال: بفَضْلِ اللَّه وَحْدَهُ.
أخْبَرَنا عبْد المُطَّلب بن أبي المَعالي، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد، قال: أنْشَدَنا أبو مُضَر طَاهِر بن مَهْدِي الطَّبَريّ إمْلاءً بنَيْسَابُور، قال: وأنْشَدَني أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن الحُسَين الأرْزَنِيّ إمْلاءً من حِفْظه، قال أبو مُضَر: بمَرْو، وقال أبو عَبْد اللَّه: بجَبَل تَرْوَع - قالا: أنْشَدَني شِبْل الدَّوْلة أبو الهَيْجَاء مُقَاتِل بن عَطِيَّة البَكْريّ لنَفْسِه في مَرْثِيَّةِ نِظَام المُلْك (١): [من البسيط]
كان الوَزيرُ نِظَام المُلْك لُؤلُؤةً … يَتِيْمَةً صَاغَها الرَّحْمنُ مِنْ شَرَفِ
عَزَّتْ ولَم تَعْرف الأيَّامُ قِيْمَتَها … فَرَدَّها غِيرةً مِنْهُ إلى الصَّدَفِ
الحَسَنُ بن عليّ بن الحَسَن بن أحمد بن وَكِيْع بن خَلَف بن وَكِيْع، أبو مُحَمَّد التِّنِّيْسِيّ (٢)
وقيل: الحَسَن بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيْع، وقيلِ: الحَسَن بن مُحَمَّد بن وَكيْع، وقيل: عليّ بن الحَسَن بن وَكيع أبو الحَسَن، وقد سَبَق ذِكْرُهُ.
стр. 3128
الحَسَنُ بن عليّ بن الحَسَن بن حَرْب، أبو عليّ (١)
قَاضِي الثُّغُور الشَّامِيَّة.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الرّحيم بن يُوسُف بن هِبَةِ اللَّه بن الطُّفَيل بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحمد الحَافِظُ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبَارَكُ بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّهِ الحُسَيْن (a) بن جَعْفَر السَّلَمَاسيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمد مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن أحمد الدَّهَّان، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ مُحَمَّد بن سَعِيد بن عبْد الرَّحْمن في تَاريْخ الرَّقَّة (٢)، قال: الحَسَنُ بن عليّ بن الحَسَن بن حَرْب، قَاضِي الثُّغُور، ولِدَ سَنة ثَلَاثين ومَائتَيْن، وماتَ سَنَة ثِنْتَين وثلاثمائة بطَرَسُوْس، يُكْنَى أبا عليّ.
الحَسَنُ بنُ عليّ بن رُشَيْد، أبو عليّ المُقْرِئ الرَّسْعَنِيّ الضَّريْر
من أهْلِ رَأس عَيْن.
رَوَى بحَلَب عن أبي زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن عَمّار بن أبي القَاسِم العَصَّار شَيئًا من شِعْره، كَتَبَ عنه أبو الخَطَّاب عُمَر بن مُحَمَّد العُلَيْمِيّ.
أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن الحَسَن الدِّمَشْقيّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو الخَطَّاب عُمَر بن مُحَمَّد العُلَيْمِيّ، إجَازةً -قُلْتُ: ونَقَلْتُهُ أنا من خَطّ العُلَيْمِيّ- قال: أنْشَدَني أبو عليّ الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن بن رُشَيْد المُقْرئ الرَّسْعَنِيُّ
стр. 3129
الضَّريرُ إمْلاءً من حِفْظِهِ بحَلَب، قال: أنْشَدَني أبو زَكَرِيَّاء يَحْيى بن عمَّار بن أبي القاسِم العَصَّار الرَّسْعَنِيّ الضَّرير إمْلاءً من حِفْظه بحلَب، قال: أنْشَدَني أبو زَكَرِيَّاء يحيى بن عَمَّار بن أبي القَاسِم العَصَّار الرَّسْعَنِيّ لنَفْسِه برَأسِ عَيْن: [من الطويل]
أَرَى قَلَمِي قَدْ زَلَّ عَن كَوْنِ وَصْفهِ … وزَلَّتْ يَدِي عَنْ قَصْدِ ما أنا طَالِبُهْ
حُسَامٌ نَبا مِنْ بَعدِ حَزْمٍ وحِدَّةٍ … فَكَلَّتْ غرارَاهُ وفُلَّتْ مَضَارِبُهْ
إذا رُمْتُ حرْفًا صَدَّني وأَعَاقَني … يُغالبُني طَوْرًا وطَوْرًا أُغَالِبُهْ
فلا خَيْرَ فيمَن خَانَ وُدَّ حَبِيْبِهِ … وأسْدَلَ دَيْجُورًا وغَابَتْ كَواكِبُهْ
فَذَرْهُ بقَاعٍ بَلْقَعٍ لا يَرَى بهِ … أَنِيْسًا ولا تُلْمِمْ بهِ فتُعَاتِبُهْ
الحَسَنُ بن عليّ بن الحَسَن بن شَوَّاش المُقْرِئ الأَرْتَاحِيُّ، أبو عليّ الكَتَّانِيُّ المُعَدَّل (١)
من أرْتَاح؛ قَرْيَةٌ، من عَمَل حَلَب بالقُرْب من ثَغْر حَارِم.
انْتَقَلَ إِلى دِمَشْقَ وسَكَنَها، وتَوَلَّى بها الإشْرَاف على وَقْف الجَامِع، وأظُنُّ انْتِقَاله إلى دِمشْق عنها لغَلَبَةِ الرُّوم عليها.
حَدَّثَ عن أبي القَاسِم إسْمَاعيْل بن القاسِم بن إسْمَاعيْل الحَلَبيّ المُؤَدِّب، ويُوسُف بن القَاسِم المَيَانِجِيّ، وأبي العبَّاس أحْمد بن مُحَمَّد بن عليّ بن هَارُون البَرْدَعيّ، والفَضْل بن جَعْفَر التَّمِيْميّ، وأبي سُلَيمان بن زَبْر.
رَوَى عنهُ أبو عليّ الحَسَن بن عليّ الأهْوَازيّ، وأبو سَعد السَّمَّان، وأبو مُحَمَّد عَبْدُ العَزِيز بن أحْمد الكَتَّانيّ، وأبو طَاهِر مُحَمَّد بن الحُسَين الحِنَّائيُّ، وأبو طَاهِر بن أبي
стр. 3130
الصَّقْر الأَنْبَارِيّ، وأبو نَصر أحمدُ بن مُحَمَّد بن سَعِيْد، ونَجَا بنُ أحْمد، وأبو الفَرَج سَهْل بن بِشْرٍ، وأبو القاسِم بن أبي العَلَاءِ.
أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه مُحمَّدُ بنِ دَاوُد بن عُثمان الدَّرْبندِيّ بمَسْجِد الخَلِيْل ﵇ بحِبْرَى، وأبو عليّ حَسنُ بن أحْمد بن يُوسُف الأَوَقِيّ، وأبو الخَطَّاب عُمَر بن أَيْمَلِك بن الأَرْدَعَانِسِيِّ بالبيَت المُقَدَّس، وأبو القَاسِم هِبَةُ اللَّه بن مُحَمَّد بن الحُسَين المَقْدِسيّ، وأبو الفَضْل أحمدُ بن مُحَمَّد بن عَبْدِ العَزيْز بن الجبَّابِ المِصْرِيّ بمَكَّة، حَرَسَها اللَّهُ، وأبو القاسِم عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين بن رَوَاحة الحَموِيِّ بِحَلَب، وأبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الرَّحمن بن هِبَهِ اللَّه بن مُسَاور الخَطيْب المنْبجيّ بها، قالوا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحمدُ بن مُحَمَّد بن أحمد بن إبرَاهيم السِّلَفِيُّ، قال: أَخبَرَنا أبو طَاهِر مُحمَّدُ بن الحُسَين بن مُحَمَّد الحِنَّائيّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن الشَّوَّاش، وأبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بنُ عليّ بن سلْوَان المَازِنيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القاسِم الفَضْلُ بن جَعْفَر بن مُحَمَّد التَّيْميّ المُؤذِّنُ، قال: حدَّثنا أبو بَكْر عَبْدُ الرَّحمن بن القاسِم بن الفَرَج بن عَبْد الوَاحِد الهَاشِميّ، قال: حدَّثنا أبو مُسْهر عَبْدُ الأعْلَى بن مُسْهر الغَسَّانيّ، قال: حدَّثنا سَعيْدُ بن عَبْد العَزِيْز، عن رَبيعَةَ بن يَزِيد، عن أبي إدْرِيس الخولَانيّ، عن أبي ذَرّ ﵁ (١)، عن رَسُول اللَّه ﷺ ، عن جِبْرِيلِ ﵇، عن اللَّهِ أنَّهُ قال: يا عِبَادِي، إنِّي حرَّمتُ الظُّلْم على نفسِي وجَعَلتُه بينكم مُحَرَّمًا فلا تَظالَمُوا.
يا عِبَادِي، إنَّكم الّذين تُخْطئُون باللَّيل والنَّهَار وأنا الّذىِ أغْفِر الذُّنُوبَ ولا أُبالي، فاسْتَغْفِرُوني أغْفِرُ لكُم.
يا عِبَادِي، كُلُّكم جَائِعٌ إلَّا مَنْ أطْعَمتهُ، فاسْتَطْعمُوني أُطْعِمكم.
стр. 3131
يا عِبَادِي، كُلُّكُمُ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُه، فاستَكْسُوني أَكْسِكُم.
يا عِبَادِي، لو أنَّ أوَّلَكُم وآخرَكُم، وإنْسِكُم وجِنِّكُمُ، كانُوا على أفْجَرِ قلبِ رَجُلٍ منكم لَم يَنْقُص ذلك مِنْ مُلْكي شَيْئًا.
يا عِبَادِي، لو أَنَّ أوَّلكُم وآخرَكُم، وإنسِكُم وجِنِّكُمُ، كانُوا على أتْقَى قَلْب رَجُل منكم لَم يَزد ذلك في مُلْكي شَيئًا.
يا عِبَادِي، لو أَنَّ أوَّلكُم وآخرَكُم، وإنسِكُم وجِنِّكُمُ، كانُوا في صَعِيْدٍ واحدةٍ، فسَألُوني، فأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَان منهم ما سَأل، لَم ينقُص ذلك من مُلْكِي شيئًا إلّا كما ينقُصُ المخْيَطُ غَمسَةً. وقال ابنُ شَوَّاش فيه: غَمْسَةً واحدةً.
يِا عِبَادِي، إنَّما هي أعمَالُكُم أحْفَظُها عليكم، فَمَن وَجَد خَيْرًا فليَحْمدَ اللَّه، ومَنْ وجَدَ غير ذلك فلا يلُومنَّ إلَّا نَفْسَهُ.
قال أبو مُسْهر: قال سَعِيد بن عَبْدِ العَزيز: كان أبو إدْرِيسْ الخولَانيُّ إذا حَدَّثَ بهذا الحَدِث جَثَا على رُكْبَتَيْه.
أنبأَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّهِ بن الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا الحافظُ أبو القاسِم الدِّمَشْقيّ (١)، قال: الحَسَنُ بن عليّ بن الحَسَن بن شَوَّاشِ، أبو عليّ الكَتَّانِيّ المُقْرئ المُعَدَّلُ، أصْلُهُ من أَرْتَاح، مَدِينَة من أعمَال حَلَب، وتَولّى الإشْرَاف على وُقُوف جَامع دِمَشْق.
حَدَّثَ عن الفَضْل بن جَعْفَر، ويُوسُفَ بن القَاسِم المَيَانِجِيّ، وإسمَاعيْل بن القَاسِم بن إسمَاعيْل، وأبي سُلَيمان بن زبْرٍ، وأبي العَبَّاس أحْمد بن مُحَمَّد بن عليّ بن هَارُون البَردَعي.
стр. 3132
رَوَى عنهُ أبو عليّ الأهْوَازِيُّ وهو من أقْرَانه، وأبو سَعْد إسمَاعيْل بن عليّ السَّمَّان، وعبْد العَزيز بن أحمد، وأبو نَصْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن سَعِيْد، وأبو الفَرَج سَهْل بن بِشْرٍ، وأبو طَاهِر مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن أبي الصَّقْر، وأبو القَاسِم بن أبي العَلَاء، ونَجَا بن أحْمَد، وأبو طَاهِر مُحَمَّد بن الحسُين الحِنَّائيّ.
أخْبَرَنا أبو الوَحْش بن نَسِيْم إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بنُ الأكْفَانيّ، قال: حدّثنا الكَتَّانيّ، قال: توفِّي شَيْخُنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن شَوَّاش في ذي القَعْدَة سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين وأرْبَعمائة.
الحَسَنُ بن عليّ بن الحَسَن بن عليّ بن عُمَر بن عليّ بن الحَسَن الأنْصَاريُّ، أبو عليّ البَطَلْيَوْسِيُّ الأَنْدَلُسيُّ (٢)
ويُكْنَى أيضًا أبا مُحَمَّد. من أهْلِ بَطْلَيَوْس؛ بَلْدة بالأنْدَلُس نحو صِقِلِّيَة.
خَرَجَ من بِلَادِ المغرب فسَمعَ في طَرِيقِه بالإسْكَنْدَيَّة الحَافِظ أبا طَاهِر أحمد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، وأبا بَكْر مُحَمَّد بن الوَليدِ الطَّرْطُوشيّ (a)، وخَرَج إلى العِرَاق، ثُمَّ إلى خُرَاسَان، وسَكَن نَيْسَابُور واشْتَغَل بها بشيءٍ من عِلْم الكَلَام والفِقْه على أبي نصْرٍ عَبْد الرّحيم بن أبي القاسِم القُشَيْريّ، وعُمَر بن أحْمَد الصَّفَّار.
стр. 3133
وسَمعَ الحَدِيثَ من أبي نَصْر القُشَيْريّ، ومن أبي القاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ، وسَهْل بن إبْرَاهيم المَسْجِدِيّ، وأبي عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن الفَضْل الفَرَاوِيّ، وأحمد بن مُحَمَّد المَيْدَانيّ، وأبي القَاسِم الفَضْل بن مُحَمَّد بن الفَضْل العَطَّار.
وحَدَّث بنَيْسَابُور بشيءٍ من حَدِيثِهِ، ثُمَّ خَرَجَ من نيسَابُور، وعَادَ إلى بغداد، وحَدَّث بها في صَفَر سَنَةَ ستٍّ وخَمْسِين، وسَمعَ منهُ بها القَاضي عُمَر بن عليّ بن الخَضر القُرَشيّ الحَافظ، وخَرَّجَ عنهُ حَدِيثًا في مُعْجَم شُيُوخه.
وقَدِمَ دِمَشْق، فأقامَ بها مُدَّةً، وحَدَّث بها بشيءٍ من مَسْمُوعَاته. ثُمَّ تَوَجَّه إلى مكَّة، حَرَسَها اللَّهُ، فأقامَ بها مُدَّةً يَسِيْرةً، وحَمَلَهُ الشَّيْخُ عُلْوَان بن عَبْدِ اللَّه بن عُلْوَان الحَلَبِيّ أخُو شَيْخنا أبي مُحَمَّد عبد الرَّحمن إلى حَلَبَ، فَحدَّثَ في طَرِيقِه بالعِرَاق، وقَدِمَ حلَبَ وحَدَّثَ بها بكتاب صَحِيْح البُخَاريّ، وسُنَن أبي دَاوُد، وغيرهما، وأقَامَ بحَلَبَ إلى أنْ ماتَ.
رَوَى عنهُ أبو سَعْد عَبْد الكَريْم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، وخَرَّجَ عنهُ في مُعْجَم شُيُوخهِ المُسَمَّى بالتَّحْبِير وفي مُذَيَّله، والحَافِظ أبو المَوَاهِب الحَسَنُ بن هِبَة اللَّه بن صَصْرَى الدِّمشْقيّ، وخَرَّج عنهُ حَدِيثًا في مُعْجَم شُيُوخه، والقَاضِي أبو الحَسَن أحمد بن مُحَمَّد بن الطَّرَسُوسيّ.
رَوَى لنا عنْهُ عمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن أبي جَرَادة، والشَّيْخ أبو مُحَمَّد عبد الرَّحمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان الأَسَدِيّ بحَلَب، وأبو مَنْصُور يُونُس بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الفَارِقِيّ بدِمَشْق.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلب بن الفَضْل الهَاشِمِيّ، قال: أخْبَرَنا تاجُ الإِسْلَام أبو سَعْد عَبْد الكَريمِ بن مُحَمَّد السَّمْعانيّ، قال: حدّثنا أبو عليّ المَغرِبيّ من لَفْظهِ بنَيْسَابُور، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر عَبْدُ الرَّحيم بن عبْد الكَريْم بن هَوَازِن القُشَيْريّ، قال: أخْبَرَنا
стр. 3134
أبو نَصْر مُحَمَّد بن المُفَضَّل النَّسَوِيّ -قَدِمَ علينا- قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد الفَقِيْه النَّسَوِيّ، قالْ حدّثنا الحَسَنُ بن سُفْيَان، قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بن المُتَوكِّل العَسْقَلانيّ، قال: حدّثنا الوَليد بنُ [مُسْلم، قال: حدَّثنا رَوْح بن جَناح، عن الزُّهْرِيّ، عن سَعِيد بن] (a) المُسَيَّب، عن أبي هُريرة ﵁ (١)، قال: قال رَسُول اللَّه ﷺ : يُؤْمَرُ جِبْرِبل كُلّ غَدَاةٍ فَيَدخُل بَحْر النُّور فيَنْغَمِسُ فيه انْغِمَاسَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ فيَنتَفِضُ انْتِفَاضَة، فيَسْقط منه سَبعُون ألْفَ قَطْرَة، يَخْلُق اللَّه تعالَى من كُلِّ قَطْرَة مَلَكًا، فيُؤْمَر بهم إلى البَيْت المَعْمُور فيُصَلُّونَ فيه، ثُمَّ يُؤْمَرُ بهم إلى حَيثُ شَاءَ اللَّهُ يُسَبِّحُونَ إلى يَوْم القيَامَة.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحمن بن عَبْدِ اللَّه بن عُلْوَان الأَسَدِيُّ الحَلَبيُّ بها، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الصّالِحُ أبو عليّ الحَسَنُ بن عليِّ بن الحَسَن الأنْصَارِيّ البَطَلْيَوْسِيِّ بحَلَب في سَنة ستٍّ وسِتِّين وخمسمائة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهر بن مُحَمَّد الشَّحَّامِيّ بنَيْسَابُور، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمن بن مُحَمَّد الكَنْجَرُودِيّ، قال: أخْبَرَنا الحَاكِم أبو أحْمَد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إسحَاق الحَافِظ، قال: أخْبَرَنا أبو عَرُوبَةَ الحُسَين بن أبي مَعْشَر السُّلمِيّ بحَرَّان، قال: حدَّثنا إسمَاعيل؛ يعني: ابن مُوسى الفَزَارِيّ، قال: أخْبَرَنا مَالك، يَعْني: ابن أَنسٍ، عن حُمَيْد، عن أنَسٍ، أنَّ أبا بَكْر وعُمَر وعُثْمان رَضِي اللَّه تعالَى عنهم كانوا يَفتتَحُون القِرَاءةَ بالحَمْد للَّهِ رَبّ العالَمِين.
стр. 3135
أخْبَرَنا يُونُس بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الفَارِقِيّ الخَطِيْبُ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن الأنْصَارِيّ البَطَلْيُوْسيّ بثَغْر حَلَب سَنَة ستٍّ وسِتِّين وخَمْسمَائة، قال: أخبَرنا زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ، قال: أخْبَرنا أبو سَعْد مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحمن، قال: أخْبَرَنا الحَاكِم أبو أحْمد، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الرّحمن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه البَيْرُوتيّ ببَيْرُوت، قال: حدَّثنا بَحْر بن نَصْر، قال: حدَّثنا خالِدُ بن عبد الرَّحمن الخُرَاسَانيّ، قال: حدَّثنا مَالِكٌ، عن الزُّهْرِيّ، عن عليّ بن الحُسَين، عن أَبِيهِ (١)، قال: قال رَسُول اللَّه ﷺ : من حُسْنِ إسْلَام المَرْءَ ترَكُهُ مَا لا يَعْنيهِ.
آخر الجُزءِ الخَمْسِين والمائة من تاريخ حَلَب
ويَتْلُوه في الحَادِي والخَمسِين: أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلب بن الفَضْل الهَاشِميّ
الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِين، وصَلَّى اللَّه على سَيِّدنا مُحَمَّد النَّبيّ، وعلى آله الطَّاهِرين، وصَحبه الأكْرَمين، وسلَّم تَسليمًا كَثيرًا، وهو حَسبي.
стр. 3136
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
الحُسَينُ بن عَبْدِ اللَّه الخَادِم (١)
مَوْلَى الحَسَن بن عَرَفَة بن يَزِيد العَبْدِيّ، رَابَطَ بعَيْن زُرْبَةَ مُدَّةً مَدِيْدةً، ورَوَى فيها عن مَوْلاهُ الحَسَن بن عَرَفَة.
رَوَى عنهُ أبو عَمْرو لاحِقُ بن الحُسَين بن عِمْران بن أبي الوَرْدِ الأنْدَلُسِيُّ.
أنْبَأنَا أبو نَصْر بن هِبَةِ اللَّهِ (a)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد هِبَةُ اللَّه بن أحْمَد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس الفَضْل بن سَهْل بن مُحَمَّد (b) الصَّفَّار المَرْوَزيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَمْرو لاحِق بن الحُسَين بن عِمْران بن أبي الوَرْد الأنْدَلُسِيّ، قال: حَدَّثَنَا حُسَيْن (c) بن عَبْد اللَّهِ الخَادِم، مَوْلَى الحَسَن بن عَرَفَة بن يَزِيد العَبْدِيّ بعَيْن
стр. 3137
زُرْبَة، وكان مُرَابِطًا بها نَحوًا من نَيف وعشرين سَنَةً، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن عَرَفَة، قال: قَدِمَ عَبْدُ اللَّه بن المُبارَك البَصْرَة، فدَخَلْتُ عليه، فسَألتُه أنْ يُحَدِّثَني فأبَي، وقال: أنت صَبِيٌّ!.
قال الحَسَنُ بن عَرَفَةَ: فأتَيْتُ حَمَّاد بن زَيْد فقُلتُ: يا أبا إسْمَاعِيْل، دَخَلْتُ على ابن المُبارَك فأبَى أنْ يُحَدِّثَني! فقال: يا جَارِيَة، هَاتِ خُفِّي وطَيْلَسَاني، وخَرَج معي يَتَوَكَّأ (a) على يَدي حتَّى دَخَلْنا على ابن المُبارَك، فجَلَسَ معهُ على السَّريْر، فتَحَدَّثا ساعةً، ثمّ قال له حَمَّاد: يا أبا عبد الرَّحْمن، ألَا تُحَدِّث هذا الغُلَام؟ فقال ابنُ المُبارَك: يا أبا إسْمَاعِيْل، هو صَبيٌّ لا يَفْقَه ما يَحْملُه، قال حَمَّاد: حَدِّثْهُ يا أبا عبد الرَّحْمن، فلعَلَّهُ واللَّه أنْ يكُون آخر مَنْ يُحَدِّث عنكَ في الدُّنْيا (b)، قال الحَسَنُ بن عَرَفَة: رَحِمَ اللَّهُ حَمَّادًا ما كان أحْسَنَ فَرَاسَتَهُ، أنا آخر مَنْ حَدَّثَ عن ابن المُبارَكِ. وذَكَرَ تَمَام الحِكايَة (١).
الحُسَينُ بن عَبْد اللَّهِ الصَّيْرَفِيُّ
سَمعَ بحَلَب مُحَمَّد بن حَمَّاد الدُّورِيّ، رَوَى عنهُ أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الحاكِم الحافِظُ.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد اللَّه الدِّمَشقيُّ، قال: أخْبرَنا الإمَامُ أبو الفُتُوح أَسْعَدُ بن أبي الفَضائِل بن خَلَف العِجْليّ، قِراءةً عليه وأنا أسْمَعُ بأصْبَهَان، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن الفَضْل، قرَاءَةً عليه وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن عَبْد اللَّه بن خَلَف، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه الحافِظُ (٢)، قال:
стр. 3138
حدَّثني الحُسَين بن عَبْد اللَّه الصَّيْرَفِيّ، قال: حَدَّثني مُحَمَّد بنُ حَمَّادٍ (a) الدُّوْرِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَني أحْمَدُ بن القَاسِمِ بن نَصْرِ بن دُوسْت، قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ ابن الشَّاعر، قال: اجْتَمع أحْمَدُ بن حَنْبَل، ويَحْيَى بن مَعِيْن، وعليّ بن المَدِيْنِّي في جَمَاعة منهم؛ اجْتَمعُوا فتَذَاكَرُوا أجْوَدَ الأسَانِيْدِ الجِيَاد، فقال رجُل منهم: أجْوَدُ الأسَانِيْد: شُعْبَةُ، عن قَتَادَة، عن سَعيد بن المُسَيَّب، عن عَامرٍ أخي أُمّ سَلَمَة عن أُمّ سَلَمَةَ.
وقال عليّ بنُ المَدِيْنِّي: أجْوَد الأسَانِيْد: ابن عَوْن، عن مُحَمَّد، عن عَبِيْدَة (b)، عن عليّ.
وقال أبو عَبْد اللَّه: الزُّهْرِيّ، عن سَالِم، عن أبيهِ.
وقال يَحْيَى: الأَعْمَشُ، عن إبْراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عَبْدِ اللَّه.
فقال له إنْسَان: الأَعْمَشُ مثْل الزُّهْرِيِّ! فقال: بَرئْتُ من الأَعْمَش أنْ يكُون مثْل الزُّهْرِيّ، الزُّهْرِيّ يَرَى القَرْض والإجَارة (c)، وكان يَعْمَلُ لبني أُمَيَّة، وذَكَرَ الأَعْمَشَ فمَدَحَهُ، فقال: فَقِيْرٌ، صَبُورٌ، مجُانِبٌ للسُّلْطَان، وذَكَرَ عِلْمَهُ بالقُرآنِ ووَرَعَهُ.
الحُسَينُ بن عَبْدِ اللَّهِ الأنْطَاكِيُّ (١)
حدَّث [. . .] (d)، رَوَى عنهُ أبو عَمْرو مُحَمَّد بنُ عليّ بن الحَسَن بن الخَلِيل القَطَّان.
стр. 3139
الحُسَينُ بن عَبْدِ اللَّهِ الأرْتاحِيُّ (١)
من قَرْيَةٍ بين أنْطَاكِيَة وحَلَب يُقال لها: أرْتاح، بالقُرْبِ من ثَغْر حَارِم، وهي قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ، وكان بها حِصْنٌ مانِعٌ.
رَوَى عن عَبْد اللَّه بن خُبَيْق الأنْطَاكِيّ. رَوَى عنهُ عَمّ أبي أبي نُعَيْم أحْمَد بن عَبْد اللَّه الحافِظ يَعْقُوب.
قَرأتُ في أمَالِي أبي نُعَيْم الأصْبَهَانِيّ: حَدَّثَنَا أبي ﵀، قال: قَرَأتُ في كتاب يَعْقُوبَ أخي جَدِّي حدِيثًا، قال: حَدَّثَنَا الحُسَينُ بن عَبْد اللَّهِ الأرْتاحِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن خُبَيْق، قال: حَدَّثَنَا يُوسُف بن أسْبَاط، قال: جاء رَجُل إلى أُسْتَاذنا سُفْيان الثَّوْرِيّ، فقال: إنِّي أُرِيْدُ أنْ آتيَ الشَّام فأُقيْم في بعض حُصُونها فأعْبُد رَبِّي فيه؟ فقال له سُفْيان: أُوْصيكَ بوَصِيَّةٍ، إذا أتَيْتَ الشَّام واتَّخَذْت فيها مائة صَدِيْق فاتْرك تسْعةً وتِسْعِن وكُن في الواحدِ شَاكًّا.
الحُسَين بن عَبْد اللَّهِ البَغْرَاسيُّ (٢)
من أهْلِ بَغْرَاس؛ حِصْن مَذْكُور بالقُرْبِ من أنْطَاكِيَة، وقد ذَكَرْناهُ في دِيْبَاجة كتابنا هذا (٣).
رَوَى عن أبي بَحْر عَبْد العَزِيْز بن قُرَّة (a) الثَّغْرِيّ التِّمِيْمِيّ، رَوَى عنهُ القَاضِي أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الغَفَّار بن ذَكْوَان البَعْلَبَكِّيّ.
стр. 3140
ذِكْرُ مَن اسْمُ أبيْهِ عبد الرَّحْمن ممَّن اسْمه الحُسَين
الحُسَينُ بن عبد الرَّحْمن بن طَاهِر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحُسَين الكَرَابِيْسيِّ ابن عليّ، أبو عَبْد اللَّه ابن العَجَمِيّ الحَلَبِيُّ (١)
كان أبوه عبد الرَّحْمن بن طَاهِر من أهْلِ نَيْسَابُور فانْتَقَل إلى حَلَب، وأقَام بها وعُرِفَ بالعَجَمِيّ، ووُلد له بها أوْلَاد ثلاثةٌ طَاهِر، والحُسَين هذا، والحَسَن، فأمَّا الحُسَينُ وطَاهِر فلا عَقِبَ لهما، والعَقِبُ من وَلده الحَسَن، وكان أبو عَبْد اللَّه الحُسَينُ من ذوي الزُّهْد والدِّين والوَرَع، وكان يَمِيْل إلى عَقِيْدَة الحَنَابِلَة، وتَرك التَّأويْل في أحَادِيْث الصِّفَات، وحَمْلها على ظَاهِرها، ويَطْعَن على أبي الحَسَن الأشْعَرِيّ.
رَحَلَ إلى مِصْر، ولَقِيَ بها وبغيرها جَمَاعَةً من العُلَمَاء، وحَدَّثَ بحَلَب عن الحافِظ الشَّهِيْد أبي القَاسِم مَكِّيّ بن عَبْد السَّلام بن الحُسَين الرُّمَيْلِيّ المَقْدِسِيّ، وأبي أحْمَد حَامِد بن يُوسُف التَّفْلِيْسِيّ البَرْزَنْدِيّ.
رَوَى عنهُ أحْمَد بن أحْمَد الدَّنْدَانَقَانِيّ، وعليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن منْقِذ الكِنَانِيّ، وأبو نَصْر بن ظَفَر بن أبي مُحَمَّد القُبَاتِيّ المُحْتَسِب الحَلَبِيُّ.
وله أشْعَار في الزُّهْد والحِكْمَة فيها ليْنٌ، ووَقَفْتُ لهُ على مَجْمُوع بخَطِّه يَتَضَمَّن فَوَائِد ووفَاءات وتَوَارِيْخ.
أخْبَرَنا تَاج الدِّين أبو الحَسَن مُحَمَّد بنُ أبي جَعْفَر أحْمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبي أبو جَعْفَر أحْمَد بن عليّ بن أبي بَكْر بن إسْمَاعِيْل القُرْطُبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر عبدُ الصَّمَد بن ظَفَر بن أبي مُحَمَّد الحَلَبِيّ بها سَنَة تِسْعٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة،
стр. 3141
قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الإِمَام الأجَلّ أبو عَبْد اللَّه الحُسَينُ بن عبد الرَّحْمن بن طَاهِر النَّيْسَابُوريّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الحافِظُ أبو القَاسِم مَكِّيّ بن عبد السَّلام بن الحُسين المقدِسِيّ، قال: أخْبَرَنا إِبْراهيم بن عُمَر البَرْمَكِيّ البَغْدَاديّ، قال: أخْبرنا أبو عَبْدِ اللَّه عُبَيْد اللَّه بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَمْدَان العُكْبَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَين الآجُرِّيّ [. . .] (a).
نَقَلْتُ من خَطِّ عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ الشَّيْزَرِيّ، قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ أبو عَبْد اللَّه الحُسَينُ بن طَاهِر بن العَجمِيّ الزَّاهِد الفَقِيه العَالَم بحَلَب، قال: قَرَأتُ على مَقْبَرَة بجَبَل الطُّور في أرْض بَيْت المَقْدِس بَيْتًا وهو في شَهْر رَبيع الأوَّل، وهو [من الطويل]
أرَى كُلَّ إنْسَانٍ يُعَلِّلُ نَفْسَهُ … إذا ما مَضَى عَامٌ سَلامَةَ قَابِلِ
قُلتُ: فمتى كان ذلك؟ قال: سَنَة اثْنَتَين وتِسْعِين، وهي السَّنَة الّتِي أخَذَ فيها الإفْرَنْجُ، لَعَنَهُم اللَّهُ، بَيْت المَقْدِس، يَوْم الجُمُعَة سَادس وعِشْرين شْهر رمَضَان من شَمَاليّها وشَرْقيّا من بُرْج يقال له بُرْج الطُّوْسيّ، فأجَازها.
كما أنْشَدَني: [من الطويل]
تُسَوِّفُني نفسِي سَتَعْمَلُ صَالِحًا … وأعْلَمُ أنَّ السَّوْفَ لا شَكَّ قَاتِلي
فَلِلَّهِ قَوْمٌ فَكَّرُوا فتَيقَّظُوا … ومَالُوا على اللَّذَّاتِ مَيْلَةَ قَافِل
رِجَالٌ إذا هَمُّوا أثَارُوا وقبَّلُوا … مُتُونَ مَطَايَاهُم صُدُورَ المَنَازِلِ
تَزَوَّدْ من الدُّنْيا فإنَّكَ رَاحِلٌ … ولا تَغْتَرِرْ منها بعَذْبِ المَنَاهِلِ
فكُلُّ نُعيْمٍ لا مَحَالَةَ زَائِلٌ … وكُلُّ نُعَيْمٍ زَالَ ليْسَ بطَائِلِ
стр. 3142
شَاهَدْتُ في جُزءٍ بخَطِّ أبي المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن أحمد بن أبي جَرَادَة أثْبَت [فيه] (a) ذِكْر جَمَاعَة من شُيُوخ حَلَب وحَالهم، قال: الشَّيْخان الفَقِيهَان أبو مُحَمَّد طَاهِر وأبو عَبْد اللَّه الحُسَين، فذَكَر مَوْلد طَاهر ووَفَاته، ثُمَّ قال: ومَوْلد أخيهِ الحُسَين في سَنَة ثمانٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة، وتُوفِّيَ يَوْم عَرفَة سَنَة أرْبَعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة، رَوَيا عن الفَقِيه أبي حَامِد التَّفْلِيْسِيّ وغيره، ولهما رِحْلةٌ إلى مِصْر، ولَقِيَا جَمَاعَةً من العُلَمَاء بها وبغَيْرها.
هكذا وقَعَ بخَطِّ أبي المَكَارِم: عن الفَقِيه أبي حَامِد التَّفْلِيْسِيّ! وهو وَهْمٌ، وإنَّما هو أبو أحْمَد حَامِد بن يُوسُف، وذَكَرَهُ في عدَّة مَواضِع في هذا الجُزء على الوَهْم، وكأنَّهُ علَّق الجُزء من خَاطِره لبعض المُحَدِّثِيْن بدِمشْق، فوَهم في كُنْيَة التَّفْلِيْسِيّ، ولم يَعْرف اسْمه، واشْتَبه عليه اسم أبيْهِ بكُنْيَتهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
بَلَغَني أنَّ خُتْلغُ آبَه أميرَ حَلَب اعْتَقَل الشَّيْخ أبا عَبْد اللَّه ابن العَجَمِيّ وابن أخيهِ أبا طَالِب عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن عبد الرَّحْمن بقَلْعَة حَلَب، بِسعَايَة بعض الشِّيْعَة بحَلَب، ونقلُوا إليه عنهما أنَّ المجَنّ الفُوْعِيّ أوْدعَ عندهمُا وَدِيْعَة، وكان خُتْلغُ [آبَه] قد تَتَّبع جَمَاعَةً من الحَلَبِيِّيْن وصادِرْهَم ظُلمًا وعُدْوَانًا، وكان الشَّيْخ أبو عَبْد اللَّه لا يَأكُل طَعَامًا إلَّا بمِلْح يُقَدِّمُهُ على طَعَامهِ، عَمَلًا بالسُّنَّة، قالوا: فثُقِبَت كِعَاب الشَّيْخ أبي طَالِب ابن أخيه، وأحْضَر في ذلك اليَوْم لهما طَعَام، فقال الشَّيْخ أبو عَبْد اللَّه لغُلَامه: ما أتَيْتَني بمِلْحٍ؟ فقال: لا، فامْتَنع عن الأكْل إلى أنْ يأتيه بالملْح، فقال له ابنُ أخيه أبو طَالِب: ما يَشْغَلكَ ما نحنُ فيه عن طَلَب المِلْح في هذا الوَقْت؟! فقال له أبو عَبْد اللَّه: ما بَقيْتُ أقْعُدُ عندَكَ، ولَبِسَ ثَوْبهُ وردَاءَهُ وجلَسَ! قالوا: فضَحِكَ أبو طَالِب وقال: إنْ تَرَكُوكَ!
стр. 3143
فلَم يَسْتَتم كَلَامَهُ حتَّى جاء رَسُول خُطْلُبَا (١)، وأخْرَج أبا عَبْد اللَّه من الاعْتِقَالِ وتَرَك أبا طَالِبٍ على حالِهِ.
وسَمِعْتُ عمِّي أبا غَانِم مُحمّد بن هِبَةِ اللَّه بن أبي جَرَادَة يقُول: حدَّثني الخَطيْبُ أبو طَاهر هَاشِم بن أحْمد بن عَبْد الوَاحِد بن هَاشِم، قال: كان صَاحب حَلَب قد اعْتَقَلَ أبا طَالِب عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن عبد الرَّحْمن بن العَجَمِيّ وعَمَّهُ الشَّيْخ أبا عَبْد اللَّه بن عبد الرَّحْمن بقَلْعَة حَلَب، فرَأى أبو عَبْد اللَّه ابن أخيهِ أبا طَالِب قَليْل الصَّبْر، كَثِيْر التَّمَلْمُل، ضَيِّق الصَّدْر، فقال له: يا أبا طَالِب، تَصْبر أو أُخَلِّيكَ وأنْزِل؟ فقال له: إنْ تَرَكُوكَ فانْزل! فما مَضَى إلَّا هُنَيْئَةٌ وإذا بَرسُول صَاحِب حَلَب قد جَاءَ وأخْرَج الشَّيْخ أبا عَبْد اللَّه من الاعْتِقَالِ، وتَرَك أبا طَالِب مَكَانَهُ.
سَألتُ أبا بَكْر أحْمَد بن عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحْمن العَجَمِيّ الحَلَبِيّ عن وَفَاةِ عَمّ جَدِّهِ أبي عَبْد اللَّه بن العَجَمِيّ، فقال: تُوفِّي سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَةٍ بحَلَب.
ثُمَّ وَقَعَ إليَّ بالقَاهِرَة تاريْخٌ لمُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (٢) بخَطِّه، فَنَقَلْتُ منهُ في حَوَادِث سَنَة أرْبَعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة -وأنْبَأنَا به أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ وغيرُه عنه- قال: ماتَ الشَّيْخُ الإمَامُ أبو عَبْد اللَّهِ بن العَجَمِيّ، ﵀، الدَّيِّنُ، الزَّاهِدُ، ورَثَيْتُهُ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ، في حَوَادِث سَنَة أرْبعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة، قال: وفي ثالث ذِي الحَجَّة تُوفِّي الشَّيْخُ
стр. 3144
أبو عَبْد اللَّه الزَّاهِدُ بن العَجَمِيّ، ﵀. حَدَّثَني مَنْ حَضَرَهُ، قال: جئْتُ أفْتَقدُه وهو في آخر قُوَّتِهِ، فقُلْتُ: كيفَ تَجِدُكَ؟ وأَوْمَأ إليَّ إيْمَاءً، فما شَكَكْتُ أنَّهُ تلكَ السَّاعَة يَمُوتُ، فقال: امْضُوا فعَليَّ مُهْلَةٌ إلى بَعْد غَدٍ، وكان قد عَطَسَ ثلاثَ عَطْسَاتٍ كُلّ عَطْسةٍ ليَوْم، فكان الأمْرُ كما ذَكَرَ، ﵀.
الحُسَين بن عَبْد الرَّحْمن بن مَرْوَان، أبو عَبْد اللَّه الأسْدِيُّ -وقيل فيه: الأزْدِيّ- القَاضِي الصَّابُونِيِّ الأنْطَاكِيِّ (١)
وهو وَالدُ أبي عَبْد اللَّه الحُسَين بن الحُسَين قاضي الثُّغُور الّذي قَدَّمنا ذِكْرهُ (٢)، ووَالدُ عُبَيْد اللَّه بن الحُسَين قاضي أنْطَاكِيَة، ووَلي هذا القَضَاءَ أيْضًا، وحَدَّثَ بحَلَب عن أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد الكِنْدِيّ، ورَوَى عن عَبْد اللَّه بن الحُسَين العُقَيْلِيّ، روَى عنهُ أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن الحُسَين بن صالح السَّبِيْعِيّ، ومُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي الزُّبَيْر المَنْبِجِيّ.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، وأبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان الأسَدِيّ، وابنُهُ أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحمن القَاضِي، ومُحَمَّد بن أحْمَد بن الطَّرَسُوسِيّ، قالوا: أخْبَرَنا أبو سَالِم أحْمَد بنُ عَبْد القَاهِر بن المَوْصُول الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليُّ بن عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَةَ الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثَني أبو الفَتْح عَبْدُ اللَّه بن إسْمَاعِيْل بن الجِلّيِّ الحَلَبِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْد اللَّه بن أبي نُمَيْر القُطْبِيِّ الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحُسَين بن صالح السَّبِيْعِيّ الحَلَبِيّ الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللَّهِ الحُسَينُ بن
стр. 3145
عَبْد الرَّحمن الصَّابُونِيِّ القَاضِي الأنْطَاكِيِّ بحَلَب، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد الكِنْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمِ بن الجَرَّاح، عن أبي يوسف، عن أبي حَنِيْفَة، عن عَبْد المَلِك بن عُمَيْر، عن عَطِيَّة القُرَظِيّ، قال (١): عُرِضتُ على النَّبِيّ ﷺ يَوْم قُرَيْظَةَ، فقال: انْظُرُوا فإنْ كان أنْبَتَ فاضْربُوا عُنُقَهُ، فوجَدُوني لَم أُنْبت، فخلَّى سَبِيلي.
قَرَأتُ في دِيوان شِعْر العبَّاس بن الوَلِيد الخيَاط أبي الفَضْل المِصِّيْصيّ، من نُسْخَةٍ رَثّةٍ سَيَّرها إليَّ القَاضِي أبو مُحَمَّد بن الخَشَّاب، قال فيه: وله في القَاضِي الصَّابُونيِّ الأعْوَر يَمْدَحُهُ: [من المنسرح]
قَاضٍ على الثَّغْر مِن بَني أَسَدٍ … قد مَاتَ حُسَّادُهُ مِنَ الحَسَدِ
لا يُشْمِتُ البُخْلَ بالسَّمَاحِ ولا … تَرَاهُ والمُنْكَراتِ في بَلَدِ
تَرَى يَدَ الجَوْرِ من قضيَّتِه … بالعَدْلِ مَقْطُوعةً من العَضُدِ
هكذا قال في الشِّعْر من بَني أَسَد، بفَتْح السِّيْن! ولعَلَّهُ راهُ مَكْتُوبًا في نِسْبَته الأسْدِيّ فظَنَّهُ أسَدِيًّا بتَحْريك السِّيْن، والصَّحيحُ أنَّهُ أزْدِيّ، ويُقال فيه: الأسْدِيّ والأزْدِيّ بسُكُون السِّيْن وبالزَّاي جَمِيعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأَزْد بن عِمْران بن عَمْرو مُزَيْقياء بن عَامِر مَاء السَّماء ابن حَارِثَة بن الغِطْرِيْف في امْرئ القَيْس البِطْرِيْق ابن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأَزْد بن الغَوْث بن نَبْت في مَالِك من الأَزْد أيْضًا. وأكْثَر ما ينسَبُ وَلد الأَزْد بن عِمْران بالسِّيْن السَّاكنة، وهم رَهْط المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة، وفِي الأَزْد أيْضًا بَطْن أَسَدِيُّونَ يُقال لهم: بَنو أَسَد، بتَحْريك السِّيْن، وهو: أسَد بنُ شُريك -بضَمِّ الشِّيْن- ابن مَالِك بن عَمْرو بن مَالِك بن فَهْم، ولهم خِطَّةٌ بالبَصْرَة، يُقال لها: خِطَّةُ بَني أَسَدٍ، وليس
стр. 3146
بالبَصْرَة خِطَّة لبَني أسَد بن خُريْمَة. وفي الأَزْد: أسَدُ بن الحارِث بن العَتِيْك بن الأَزْد بن عِمْران، فيُحْتَمل أنْ يكُون القَاضِي الصَّابُونيِّ منهم، فيُقال فيه: الأزْديّ والأسْدِيّ والأسَدِيّ، واللهُ أعْلَمُ.
وقد رَوَى أبو حَفْص العَتَكيِّ عن ابْنهِ عُبَيْد الله بن الحُسَين، فقال: أخْبَرَنا عُبيد الله بن الحُسَين القَاضِي الأزْدِيّ، وهو أخُو الحُسَين بن الحُسَين. وسَيَأتي ذلكَ في تَرْجَمَةِ عُبَيْد الله بن الحُسَين (١) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
الحُسَنُ بن عَبْد الرَّحمن، أبو عليّ (٢)
قاضي حَلَب، رَوَى عنهُ النَّسَائيّ، وقال: ثِقَة. ويُحْتَمل أنْ يكُون القَاضِي الصَّابُونيِّ، وكنَّاه أبا عليٍّ، واللهُ أعْلَمُ.
الحُسَينُ بن عبد الرَّحمن الحلَبيُّ
رَوَى عن أبيهِ، رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن أحْمَد الكُوْفيّ.
أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، فيما أَذِنَ لنا في روَايَتهِ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٣)؛ عَمِّي، قال: أخْبَرَنا أبو المَعَالِي الحُسَين بن حَمْزَة بن الحُسين الشَّعِيْريّ (a)، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن
стр. 3147
ثَابِتٍ الخَطِيبُ (١)، قال: حَدَّثّني مُحَمَّدُ بن عليّ بن عَبْد الله الصوْرِيِّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحمن بن عُمَر التُّجِيْبيِّ بمِصْر، قال: أخْبَرَنا أبو هُريرَة أحْمَدُ بن عَبْد الله بن الحَسَن (a) بن أبي العِصَام العَدَوِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس عيسَى بن عبد الرَّحيم، قال: حَدَّثَني عليّ بن مُحَمَّد - هو ابنُ حَيُّوْن (b) - قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بنُ أحْمَد الكُوْفيِّ، قال: حَدَّثَني الحُسَينُ بن عبد الرّحْمن الحَلَبيِّ، عن أيهِ، قال: أمَرَ المَأْمُون أنْ يُحْمَل إليهِ عشرة من الزَّنَادقَة سُمُّوا له من أهْلِ البَصْرِة، فجُمِعُوا، فأبْصَرهُم طُفَيْليُّ فقال: ما اجْتَمع هؤلاء إِلَّا لصَنيعٍ! فانْسَلَّ فدَخَل وسطهم، ومَضَى بهم المُوَكَّلونَ حتَّى انْتَهَوا بهم إلى زَوْرقٍ أُعِدَّ لهم، فدَخَلوا الزَّوْرَقَ، فقال الطُّفَيْليُّ: هي نُزْهَةٌ! فدَخَل معهم الزَّوْرقَ، فلم يكُ بأسْرَع بأنْ قُيِّد القَوْم وقُيِّدَ معهم الطُّفَيْليِّ، فقال الطُّفَيْليُّ: بلَغَ تَطْفِيْلي (c) إلى القُيُود!.
ثمّ سُيِّر بهِم إلى بَغْدَاد، فدَخَلُوا على المَأْمُون، فجَعَل يدعُو بأسْمَائهم رَجُلًا رَجُلًا، فيأمُر بضرْب رِقَابهم، حتَّى وصَل إلى الطُّفَيْليِّ، وفد اسْتَوفَوا (d) عدَّةَ القَوْم، فقال للمُوَكَّليْن بهم: ما هذا؟ فقالوا: والله ما نَدْري! غير أنَّا وجَدْناهُ مع القَوْم فجئْنَا بهِ، فقال المَأْمُونُ: ما قِصَّتُكَ ويْلكَ؟ فقال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، امرأتُه طَالِقٌ إنْ كان يَعْرفُ من أقْوالهم شَيْئًا، ولا يَعْرفُ إلا اللهَ ومُحَمَّد النَّبيّ ﷺ ، وإنَّما أنا رَجُلٌ رَأيْتُهم مُجْتمعين، فظَننتُ - صَنِيعًا يَغْدُونَ إليهِ، فضَحِكَ المَأْمُون وقال: يُؤدَّب.
стр. 3148
وكان إبْراهيم بن المَهْدِيّ قائمًا على رَأس المَأْمُون، فقال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قُلتَ لي: أَدِّبْهُ (a)، أحَدِّثُكَ بحَدِيثٍ عَجَيْبٍ عن نَفْسِي؟ فقال: قُلْ يا إبْراهيم، قال: يا أَمِير المؤمنِيْن، خَرَجْتُ من عندِكَ يَوْمًا في سِككِ بَغْدَاد مُتَطَرِّبًا (b) حتَّى انْتَهَيْتُ إلى مَوضع سَمَّاهُ، فشَمَمْتُ - يا أَمِير المؤمنِنن - من جَنَاح (c) أبَازيْر قُدُور قد فاحَ طِيْبها، فتاقَتْ نفسِي إليها وإلى طيْب رِيْحها، فوَقفْتُ على خَيَّاطٍ وقلتُ له: لِمَن هذه الدَّارُ؟ فقال: لرَجلٍ من التُّجَّار من البزَّازين، قلتُ: ما اسْمُه؟ قال: فُلَان ابن فُلَان، فرَمَيْتُ بطَرْفي إلى الجَنَاح، فإذا في بَعْضِهِ شُبَّاكٌ، فأنْظُر (d) إلى كَفّ قد خَرَجَ من الشُّبَّاكِ قابضًا على بَعْضه ومِعْصَم (e)، فشَغَلني - يا أَمِير المؤمنِيْن - حُسْن الكَف والمِعْصَم عن رَائحة القُدُور، فبقيْتُ باهتًا (f) سَاعةً، ثُمّ أدْرَكَني ذِهْني، فقُلْتُ للخَيَّاط: هو ممَّن يشربُ النَّبِيْذَ؟ قال: نَعم، وأحْسَبُ عنده اليَوْم دَعْوَة، وليس يُنَادم إلا تُجَّارًا مثْله مَسْتُورين.
فإنِّي لكذلك، إذ أقبل رَجُلان نَبِيْلان رَاكِبَان من رَأس الدَّرْب، فقال الخيَّاط: هؤلاء مُنَادمُوه، فقُلْتُ: ما أسْماؤُهما، وما كُنَاهمُا؟ فقال: فُلَان وفُلَان، وأخْبَرَني بكُناهمُا، فحَرَّكْتُ دَابَّتي وداخَلْتهما، وقُلْتُ: جُعلتُ فِدَاكُما، قد اسْتَبْطأكُما أبو فُلَان أعَزَّهُ اللهُ، وسَايرتُهما حتَّى أتينا إلى الباب، فأجَلَّاني وقَدَّمَاني، فدَخَلْتُ ودَخَلا، فلمَّا رآني معهما صَاحِب المَنْزل لَم يَشُكَّ أنِّي منهما بسَبِيْل، أو قَادِمٌ قَدِمْتُ عليهما من مَوضِع، فرحَّبَ وأجْلسَني في أفْضَل المَواضع (g)، فجِيءَ - يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن - بمَائِدَة (h)، وعليها خُبْزٌ نَظِيْف، وأُتِيْنَا بتلكَ الألْوَان، فكان طَعْمُها أطْيَبَ من رِيْحها، فقُلْتُ في نفسِي: هذه الألْوَان قد أكَلْتُها، بقيَت الكَفُّ أَصِلُ إلى صَاحِبتها!.
стр. 3149
ثُمّ رُفِعَ الطَّعَام، وجيءَ بالوَضُوءِ، ثُمَّ صِرْنا إلى مَنْزِل المُنَادَمَة، فإذا أشْكَل مَنْزِلٍ - يا أَمِير الؤمنين - وجَعَل صَاحِبُ المَنْزل يُلْطِفُني (a) ويُقْبل عليَّ بالحدِيْث، وجَعَلوا لا يشُكُّون أَنَّ ذلك منه لي عن مَعْرفَةٍ مُتَقدِّمةٍ، وإِنَّما ذلك الفِعْلُ كان منه لِمَا ظَنَّ أنِّي منهما بسَبِيْل، حتَّى إذا شرِبْنا أقْدَاحًا، خَرَجت علينا جَارِبَة - يا أَمِير المُؤْمنيْن - كأنَّها غُصْن بانٍ يَتَثَنَّى، فأقْبَلَت تَمْشي، فسَلَّمَتْ غير خَجِلَة، وثُنِيَت (b) لها وسَادةٌ فَجلسَت، وأُتِي بعُودٍ فوُضع في حَجِرها، فجَسَّته فاسْتَبنْتُ (c) في جَسِّها (d) حذْقَها، ثُمّ انْدَفَعَت تُغَنِّي (١): [من الطويل]
تَوهّمَها طَرْفي فأصْبحَ (e) جَدُّهَا … وفيه مكانَ الوَهْم من نَظَري أثَرُ
فصَافحَها قَلْبي فآلَم كَفّها (f) … فمن مَسَّ قَلْبي في أنَامِلِها (g) عَقْرُ
فهَيَّجَتْ - يا أَمِير المُؤْمنِيْن - بَلَابلي، فطَرِبْتُ لحُسْن شِعْرها وحِذْقها. ثُمّ انْدَفَعَت تُغَنِّي: [من الطويل]
أشَرتُ إليها هل عَرَفتِ (h) مَوَدَّتي … فردَّت بطَرْف العَيْن إنِّي على العَهْدِ
فحَدتُّ عن الإظْهار عَمدًا لسرِّها … وحَادَتْ عن الإظْهار أيْضًا على عَمْدِ
فصحْتُ: السِّلامَة! (i) - يا أَمِيرَ المؤمنِيْن - وجَاءَني من الطَّرَب ما لَم أمْلك نَفْسِي، ثَمّ انْدَفَعت تُغَنِّي الصَّوْت الثَّالِثَ: [من الطويل]
أليسَ عَجَيْبًا أنَّ بيتًا يَضُمُّني … وإيَّاكَ لا نَخْلو ولا نتَكَلَّمُ
سِوَى أعْيُن تَشْكُو الهَوَى بجُفُونها … وتقطِيع أنْفَاسٍ (j) على النَّاي تضرم
стр. 3150
إشَارة أَفْوَاهٍ وغمْز حَوَاجِب … وتَكْسِير أجْفَانٍ وكفّ تُسَلمُ (a)
فحسَدتُها - يا أَمير المُؤْمنِيْن - على حِذْقها وإصابتها مَعْنَى الشِّعْر، أنَّها لَم تَخْرُج من الفَنّ الّذي ابتدأَتْ فيهِ، فقُلتُ: بقى عليك يا جَارِيَةُ [شيء] (b)، فضَرَبَت بعُودها الأرْضَ، وقالت: مَتَى كُنْتُم تُحْضرونَ مَجلِسكُم (c) البُغَضَاء؟ فنَدمْتُ على ما كان منِّي، ورَأيتُ القَوْم كأنَّهُم قد تَغيَّرُوا لي (d)، فقُلتُ: ليسَ ثَمَّ عُوْدٌ؟ قالوا: بلَى واللهِ يا سَيِّدنا، فأُتِيْتُ بعُوْد، وأصْلَحْتُ من شَأني ما أرَدْتُ، ثمّ انْدَفَعْتُ أُغَنِّي: [من الكامل]
ما للمَنَازِل لا تُجِيْبُ حَزِيْنًا … أَصَمَمْنَ أم قَدُم (e) المَدَى فبَلِينا
رُوحوا (f) روحَةً مَذْكُالعَشِيَّة ورَةً … إنْ مُتْنَ مُتْنَ وإنْ حيينَ حَيِيْنا
فما اسْتَتممْتُ (g) - يا أميْر المُؤْمنِيْن - حتَّى خرجَتِ الجارِيَة فأكَبَّتْ على رِجْلَيَّ فقبَّلتهما وتقُول: مَعْذِرَة يا سَيِّدِي، والله ما سَمِعْتُ مَنْ يُغَنِّي هذا الصَّوْتَ مثلك أحدًا! وقامَ موْلاها وجميع مَنْ كان حَاضِرًا فصَنَعُوا كصُنْعها (h)، وطَرِبَ القَوْمُ، واسْتَحَثُّوا الشَّرَابَ فشَرِبُوا بالكَاسَات (i) والطَّاسَات، ثُمَّ انْدفَعْتُ أُغَنّي: [من الطويل]
أَفِي الله أنْ تُمسِينَ لا تذكُرينَني … وقد سَجَمَت (j) عَيْناي من ذكرك الدَّمَا
إلى الله أشْكُو بُخْلها وسَمَاحَتى … إذا عَسَلٌ منِّي وتبذُل عَلْقَمَا
فَرُدِّى مُصَاب القَلْب أنتِ قَتلتهِ … ولا تتْركيه ذَاهِب القَلْب مُضْرَما (k)
إلى الله أشْكُو أنَّها أجنَبيَّة … وأنِّي بها ما عشْت بالوُدّ مغرما
стр. 3151
فجاءَنا من طَرَب القَوْم - يا أمير المُؤْمنِين - شيء خَشِيْتُ أنْ يخرجُوا من عُقُولهم، فأمْسَكْتُ سَاعةً حتَّى هَدَأوا ممَّا كانُوا فيه من الطَّرَب، ثُمّ انْدَفَعُوا في الشُّرْب بالصُّرَاحِيَّات صَرْفًا على ذلك الطَّرَب، فانْدَفعْتُ أُغَنِّي بالصَّوْتِ الثَّالِثِ: [من البسيط]
هذا مُحبُّكَ مَطْويٌّ على كَمَدِه … حرَّى (a) مَدَامِعُهُ تَجْري على جَسَدِه
له يَدٌ تَسْأل الرَّحْمَنَ رَاحتَهُ … ممَّا بهِ ويدٌ أُخْرى على كَبِدهِ
يا مَنْ رَأى أَسِفًا (b) مُسْتهترًا أَسَفًا … كانت مَنِيَّته في عَيْنِه ويَدِه
فَجَعَلَت الجَارِيَة تَصِيْح: هذا واللهِ الغِنَاء يا سَيِّدِي!
وسَكر القَوْمُ، وخَرَجُوا من عُقُولهم، وكان صَاحب المنزل جَيّد الشُّرْب، حَسَن المعرفة، فأمَر غِلْمَانه مع غِلْمَانهِم بحِفظِهم وصرفهم إلى منازِلهم، وخلَوْتُ معهُ، فشَرِبْنَا أقْدَاحًا، ثُمّ قال لي: يا سيِّدِي، ذَهبَ ما كان من أيَّامي ضَائِعًا إذا كنتُ لا أعْرِفُكَ، فَمن أنْتَ يا مَوْلايَ؟ فلم يَزَل يَلَجُّ (c) عليَّ حتَّى أخْبَرتُهُ، فقامَ يُقَبِّل رَأسِي، وقال: يا سَيّدِي، وأنا أعَجْبُ يكون هذا الأدَب إلَّا من مثْلثَ، وإذا أنِّي مع الخِلَافَة وأنا لا أَشْعر! ثُمَّ سَألَني عن قِصَّتي؟ وكيفَ حَمَلتُ نَفْسِي على ما فعلْتُ؟ فأخْبَرتُه خَبَر الطَّعَام، وخَبَر الكَفّ والمِعْصَم. فقُلتُ: أمَّا الطَّعَام فقد نِلْتُ منه حَاجَتي، فقال: والكَفّ والمِعْصَمِ! ثُمَّ قال: يا فُلَانة - لجَارِيَةٍ له - قُوْلي لفُلَانة تنزل، فَجَعَلَ ينزل لي واحدةً واحدة، فأنْظُرُ إلى كَفِّها ومِعْصَمها، فأقُول: ليسَ هي، قال: والله ما بقي غير أُخْتي وأُمِّي، والله لأُنْزلهُما (d) إليكَ! فعَجِبْتُ من كَرَمهِ وسَعَة صَدْرهِ، فقُلتُ: جُعِلْتُ فدَاءَكَ، إبْدَأ بأُخْتِكَ قبل الأُمّ، فعَسَىَ أنْ تكون هي، فقال: صَدَقْتَ، فنَزَلتْ، فلمَّا رَأيتُ كَفّها ومِعْصَمها قُلتُ: هي ذِهْ.
стр. 3152
فأمَرَ غِلمانَهُ فصَارُوا إلى عَشْرة مَشَايخ من جِلَّةِ جِيْرَانهِ في ذلك الوَقْت، فأُحْضروا، ثمّ أَمرَ ببَدْرَتَيْن فيهما عشْرونَ ألف دِرْهَم، وقال للمشَايخ: هذه أخْتي فُلَانة، أُشْهدُكم أنِّي قد زَوَّجتُها من سَيِّدِي إبْراهيم ابن المَهْدِيّ، وأمْهَرْتُها عنه عَشرة (a) آلاف دِرْهَم، فرضيَتْ وقَبِلَتِ النِّكَاح ودَفع إليها البَدْرَة، وفرَّق البَدْرَة الأُخْرى على المَشَايخ، ثمّ قال لهم: اعْذرُرا فهذا ما حَضَر على الحال، فقبضُوها، ونَهَضُوا.
ثمّ قال لي: يا سَيِّدِي، أُمَهِّدُ لك بعضَ البُيُوت تَنام مع أهْلك، فأحْشَمَني والله ما رَأب من سَعَةِ صَدْرِه، وكَرَم خِيْمه، فقُلتُ: بل أحْضِر عَمَّارِيَّةً وأحْمِلُها إلى مَنْزلي، فقال: ما شِئْت، فأُحْضِرت عَمَّاريَّة فَحمَلْتُها، وصِرْتُ بها إلى مَنْزِلي. فوَحَقِّكَ - يا أَمِيرَ المؤمنِيْن - لقد حَمَل إليَّ من جهَازها ما ضَاقَتْ به بعضُ بُيُوتنا، فأوْلَدْتُها هذا القَائِمَ على رَأسِ سَيِّدِي أَمِير المُؤْمنِيْن.
فعَجِبَ المَأْمُونُ من كَرَم ذلك الرَّجُل، وسَعَة صَدْرِه، وقال: للهِ أَبُوه، ما سَمِعْتُ مثْلَهُ قَطّ!. ثمّ أطلَق الرَّجُلَ الطُّفَيْليَ وأجَازَهُ جَاِزةً سَنِيَّةً، وأمَرَ إبْراهيم بإحْضَار الرَّجُل، فكان من خَوَاصِّ المَأْمُون وأهْل صُحْبَتهِ.
الحُسينُ بن عَبْد الوَاحِد بن مُحَمَّد بن عَبْد القَادِر القِنَّسْرِيْنيُّ، أبو عَبْد الله المُقْرِئ النَّحْوِيّ (١)
كان مُقْرئًا مُجَوِّدًا، نَحْويًا، وكان مُقِيْمًا بحَلَب يُفِيْدُ عِلْم القِرَاءَاتِ والعَرَبيَّة.
قَرأ على أبي الحَسَن أحْمَد بن رِضْوَان، وعُبيد الله بن اللَّيْث. قرأ عليه أبو المَجْد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عبد الباقي بن أبي جَرَادَة، وجَدّ جَدِّي أبو الفَضْلِ هِبَةُ
стр. 3153
الله بن أحمد بن أبي جَرَادَة، وصَنَّفَ لجدِّ جَدِّي كتَابًا مُفِيْدًا في القِرَاءَاتِ السَّبْعَة، سمَّاهُ بالتَّهْذِيْب، وكَتَبَهُ له بخَطِّه، وهو الآن عندي. وقرأ عليه النَّحْو أبو الفَرَج سَعيد بن عليّ بن مُحَمَّد بن السَّلَّالِيّ بحَلَب في سَنَة ثَمانٍ وثَلاثين وأرْبَعِمائة، فقد تُوفِّي بعد ذلك.
وأخْبَرَنا بكتابه المُسَمَّى بالتهْذِيْب شَيْخُنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ في الإجَازَة، قال: كَتَبَ إليْنا أبو الحسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبي أبو المَجْد عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله القِنَّسْرِيْنيُّ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الوَاحِد بن عَبْد الله ابن عَمِّي عبد الصَّمَد، قال: سَمِعْتُ جدِّي عبْد الصَّمَد بن عَبْد الله، ح.
قال عَبْدُ الَواحِد: وسَمِعْتُ أبا الفَتْح يَحْيَى ابن عَمّ أبي أبي غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله، قال: سَمِعْتُ أبي أبا غَانِم، قالا: كان القَاضِي أبو الفَضْل هِبَة الله بن أحْمَد يقرأ على الشَّيْخ أبي عَبْد الله القِنَّسْرِيْنيِّ، فَمضَى إلى مَنْزِله ليلَةً ليقرأ عليه وكانت ليلَةً مَطِيْرَةً، فصَادَف الشَّيْخ أبا عَبْد الله يقرأ القُرآن، وكان يَقْرأ قِراءةً طَيِّبةً، فوَقَف بالباب يسمع قِرَاءته ويلتَذّ بحُسْن قراءته وطِيْب صَوْته، والمَطَر ينزلُ على رَأسِه، ولم يَرَ أنْ يقطَع عليه قراءته حتَّى مَضَى أكْثَر اللَّيْل، وسَكَت أبو عَبْد الله، فطَرَق الباب، ففَتَح له، فرآهُ مُبْتَلّ الثِّيَاب، فسَأله عن حاله، فأخْبَرهُ بالصُّورَة، فعَظُم ذلك عليه، وقال له: كُنْتَ دَخَلت عليَّ وكُنْتُ أقْرأ لك إلى الصَّبَاح.
قال عَمَّاي: وسَافرَ أبو عَبْد الله القِنَّسْرِيْنيِّ إلى العِرَاق، فَحضَر بعض شُيُوخ القُرَّاء ببَغْدَادَ وأصْحابهُ يقرأون عليه، فَجَلَس في أُخْرَيَات النَّاس، فحينَ رَأوْه إزْدَروه واسْتَبْشَعُوا زِيَّهُ، وأبو عَبْد الله سَاكِتٌ، فلمَّا فَرَغ أصْحَابه تقدَّم أبو عَبْد
стр. 3154
الله، وطَلَب أنْ يقرأ عليه شيئًا، فقال له: اقرأ على بَعْض الطَّلَبة إلى أنْ تُجَوِّد، ثُمَّ أقْرأ عليَّ، فقال: أشْتَهِي أنْ أقرأ عليك خَمْسًا، فلم يَرَ الشَّيْخ أنْ يَكْسِر خَاطِرَهُ، فأَذِنَ له فلمَّا قرأ، قال له: من أين تكُون؟ قال: من الشَّام، قال له: لعَلَّكَ أبو عَبْد الله القِنَّسْرِيْنيِّ؟ قال: نعم، فقام له الشّيْخُ وأكْرَمَهُ وأجْلسَهُ إلى جَانبهِ، وقال: أنا أحَقُّ بالقِرَاءة عليك، قال هذا أو مَعْناه.
قُلتُ: وأظُنُّ هذا الشَّيْخ المُقْرِئ هو أبو الحَسَن بن رِضْوَان، واللهُ أعْلَمُ.
الحُسين بن عُبَيْدِ الله بن الحُسَيْن بن إبْراهيم بن عليّ بن عُبيد اللهِ بن الحُسين الأصْغَر ابن عليّ بن الحسُن بن عليّ بن أبي طَالِب، أبو عليّ بن أبي أحْمَد العَلَويّ النَّصِيبيِّ (١)
أبُوه شَرِيْف مَذْكُور من أعْيَان الشُّرَفَاء. وَفَدَ إلى حلَب على أميرها سَيْف الدَّوْلَةِ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْدِ الله بن حَمْدَان.
ذَكَرَهُ الحُسَين بن جَعْفَر بن خِدَاعِ النَّسَّابَة في كتاب المُعَقِّبيْنَ من وَلد الحَسَن والحُسَين ﵉، وقال: إنَّهُ وفَدَ على سَيْفِ الدَّوْلَة ابن أبي الهَيْجَاءِ بن حَمْدَان إلى حَلَب، وقُتِلَ معه في انْهِزَامه في غَزَاة المُصِيْبَةِ، وذَكَرَ أنَّ أُمّهُ أُمّ وَلدٍ.
وغَزَاةُ المُصِيْبَة كانت في سَنة [ … ] (a) وأوْبَعين وثَلاثِمائة.
стр. 3155
ذِكْرُ مَن اسْمُ أبيْهِ عُبيد ممَّن اسْمُه الحُسَين
الحُسَينُ بن عُبيد الهَمَذَانيُّ
حدَّثَ بطَرَسُوس عن عَبْد الحَميْد بن عِصَام الجرجَانيِّ. رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن أيُوب بن المُعَافَى العُكْبَرِيّ، ويقَعُ في بَعْض الأُصُول: الحَسَن بن عُبَيْد، والحُسَين هو الصَّحيح.
أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَرُ بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر بن طَبرزَد، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَالسِم هِبَة الله بن أحْمَد بن عُمَر الحَرِيرِيّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو إسْحاق إبْراهيمُ بنُ عُمَر بن أحْمَد البرمَكيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد الله بن خَلَف بن بُخَيْت الدّقّاق، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أيوب بن المُعَافى العُكْبرِي، قال: حَدَّثَنَا الحُسَينُ بن عُبَيْد الهَمَذَانيّ بطَرَسُوس، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَيْد بن عِصَام الجرجَانِيِّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يوسف الفِيريابِي، قال: حَدَّثَنَا سفيان الثورِي، عن سفيان بن عُيينَة، عن ابن أبي نُجَيْح أنَّهُ سُئِلَ عن السَّيَّاحِيْن قال: هُم الصّائِمُونَ.
الحُسين بنُ عُبيدٍ المِصِّيْصيُّ
حَدَّثَ عن عَتِيق بن عبد الرَّحْمن الأَذَنيِّ. رَوَى عنهُ عبد الرَّحْمن بن أبي نَصْرٍ.
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن إبْراهيم بن أحْمَد المَقْدِسيِّ، وقَراتُهُ بخَطِّهِ، قال: قَرأتُ على أبي الحَسَن أحْمَد بن حَمْزَة بن المَوَازِينيِّ بدِمَشْق: أخْبَركُم جَدُّكَ أبو الحَسَن عليّ بنُ الحَسَن بن الحُسين السُّلَميِّ المُعَبِّر إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ عَبْد العَزِيْز بن أحْمَدُ بن مُحَمَّد الكَتَّانيِّ إجازةً، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحمن بن