فجاءَنا من طَرَب القَوْم - يا أمير المُؤْمنِين - شيء خَشِيْتُ أنْ يخرجُوا من عُقُولهم، فأمْسَكْتُ سَاعةً حتَّى هَدَأوا ممَّا كانُوا فيه من الطَّرَب، ثُمّ انْدَفَعُوا في الشُّرْب بالصُّرَاحِيَّات صَرْفًا على ذلك الطَّرَب، فانْدَفعْتُ أُغَنِّي بالصَّوْتِ الثَّالِثِ: [من البسيط]
هذا مُحبُّكَ مَطْويٌّ على كَمَدِه … حرَّى (a) مَدَامِعُهُ تَجْري على جَسَدِه
له يَدٌ تَسْأل الرَّحْمَنَ رَاحتَهُ … ممَّا بهِ ويدٌ أُخْرى على كَبِدهِ
يا مَنْ رَأى أَسِفًا (b) مُسْتهترًا أَسَفًا … كانت مَنِيَّته في عَيْنِه ويَدِه
فَجَعَلَت الجَارِيَة تَصِيْح: هذا واللهِ الغِنَاء يا سَيِّدِي!
وسَكر القَوْمُ، وخَرَجُوا من عُقُولهم، وكان صَاحب المنزل جَيّد الشُّرْب، حَسَن المعرفة، فأمَر غِلْمَانه مع غِلْمَانهِم بحِفظِهم وصرفهم إلى منازِلهم، وخلَوْتُ معهُ، فشَرِبْنَا أقْدَاحًا، ثُمّ قال لي: يا سيِّدِي، ذَهبَ ما كان من أيَّامي ضَائِعًا إذا كنتُ لا أعْرِفُكَ، فَمن أنْتَ يا مَوْلايَ؟ فلم يَزَل يَلَجُّ (c) عليَّ حتَّى أخْبَرتُهُ، فقامَ يُقَبِّل رَأسِي، وقال: يا سَيّدِي، وأنا أعَجْبُ يكون هذا الأدَب إلَّا من مثْلثَ، وإذا أنِّي مع الخِلَافَة وأنا لا أَشْعر! ثُمَّ سَألَني عن قِصَّتي؟ وكيفَ حَمَلتُ نَفْسِي على ما فعلْتُ؟ فأخْبَرتُه خَبَر الطَّعَام، وخَبَر الكَفّ والمِعْصَم. فقُلتُ: أمَّا الطَّعَام فقد نِلْتُ منه حَاجَتي، فقال: والكَفّ والمِعْصَمِ! ثُمَّ قال: يا فُلَانة - لجَارِيَةٍ له - قُوْلي لفُلَانة تنزل، فَجَعَلَ ينزل لي واحدةً واحدة، فأنْظُرُ إلى كَفِّها ومِعْصَمها، فأقُول: ليسَ هي، قال: والله ما بقي غير أُخْتي وأُمِّي، والله لأُنْزلهُما (d) إليكَ! فعَجِبْتُ من كَرَمهِ وسَعَة صَدْرهِ، فقُلتُ: جُعِلْتُ فدَاءَكَ، إبْدَأ بأُخْتِكَ قبل الأُمّ، فعَسَىَ أنْ تكون هي، فقال: صَدَقْتَ، فنَزَلتْ، فلمَّا رَأيتُ كَفّها ومِعْصَمها قُلتُ: هي ذِهْ.
стр. 3152
فأمَرَ غِلمانَهُ فصَارُوا إلى عَشْرة مَشَايخ من جِلَّةِ جِيْرَانهِ في ذلك الوَقْت، فأُحْضروا، ثمّ أَمرَ ببَدْرَتَيْن فيهما عشْرونَ ألف دِرْهَم، وقال للمشَايخ: هذه أخْتي فُلَانة، أُشْهدُكم أنِّي قد زَوَّجتُها من سَيِّدِي إبْراهيم ابن المَهْدِيّ، وأمْهَرْتُها عنه عَشرة (a) آلاف دِرْهَم، فرضيَتْ وقَبِلَتِ النِّكَاح ودَفع إليها البَدْرَة، وفرَّق البَدْرَة الأُخْرى على المَشَايخ، ثمّ قال لهم: اعْذرُرا فهذا ما حَضَر على الحال، فقبضُوها، ونَهَضُوا.
ثمّ قال لي: يا سَيِّدِي، أُمَهِّدُ لك بعضَ البُيُوت تَنام مع أهْلك، فأحْشَمَني والله ما رَأب من سَعَةِ صَدْرِه، وكَرَم خِيْمه، فقُلتُ: بل أحْضِر عَمَّارِيَّةً وأحْمِلُها إلى مَنْزلي، فقال: ما شِئْت، فأُحْضِرت عَمَّاريَّة فَحمَلْتُها، وصِرْتُ بها إلى مَنْزِلي. فوَحَقِّكَ - يا أَمِيرَ المؤمنِيْن - لقد حَمَل إليَّ من جهَازها ما ضَاقَتْ به بعضُ بُيُوتنا، فأوْلَدْتُها هذا القَائِمَ على رَأسِ سَيِّدِي أَمِير المُؤْمنِيْن.
فعَجِبَ المَأْمُونُ من كَرَم ذلك الرَّجُل، وسَعَة صَدْرِه، وقال: للهِ أَبُوه، ما سَمِعْتُ مثْلَهُ قَطّ!. ثمّ أطلَق الرَّجُلَ الطُّفَيْليَ وأجَازَهُ جَاِزةً سَنِيَّةً، وأمَرَ إبْراهيم بإحْضَار الرَّجُل، فكان من خَوَاصِّ المَأْمُون وأهْل صُحْبَتهِ.
الحُسينُ بن عَبْد الوَاحِد بن مُحَمَّد بن عَبْد القَادِر القِنَّسْرِيْنيُّ، أبو عَبْد الله المُقْرِئ النَّحْوِيّ (١)
كان مُقْرئًا مُجَوِّدًا، نَحْويًا، وكان مُقِيْمًا بحَلَب يُفِيْدُ عِلْم القِرَاءَاتِ والعَرَبيَّة.
قَرأ على أبي الحَسَن أحْمَد بن رِضْوَان، وعُبيد الله بن اللَّيْث. قرأ عليه أبو المَجْد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عبد الباقي بن أبي جَرَادَة، وجَدّ جَدِّي أبو الفَضْلِ هِبَةُ
стр. 3153
الله بن أحمد بن أبي جَرَادَة، وصَنَّفَ لجدِّ جَدِّي كتَابًا مُفِيْدًا في القِرَاءَاتِ السَّبْعَة، سمَّاهُ بالتَّهْذِيْب، وكَتَبَهُ له بخَطِّه، وهو الآن عندي. وقرأ عليه النَّحْو أبو الفَرَج سَعيد بن عليّ بن مُحَمَّد بن السَّلَّالِيّ بحَلَب في سَنَة ثَمانٍ وثَلاثين وأرْبَعِمائة، فقد تُوفِّي بعد ذلك.
وأخْبَرَنا بكتابه المُسَمَّى بالتهْذِيْب شَيْخُنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ في الإجَازَة، قال: كَتَبَ إليْنا أبو الحسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبي أبو المَجْد عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله القِنَّسْرِيْنيُّ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الوَاحِد بن عَبْد الله ابن عَمِّي عبد الصَّمَد، قال: سَمِعْتُ جدِّي عبْد الصَّمَد بن عَبْد الله، ح.
قال عَبْدُ الَواحِد: وسَمِعْتُ أبا الفَتْح يَحْيَى ابن عَمّ أبي أبي غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله، قال: سَمِعْتُ أبي أبا غَانِم، قالا: كان القَاضِي أبو الفَضْل هِبَة الله بن أحْمَد يقرأ على الشَّيْخ أبي عَبْد الله القِنَّسْرِيْنيِّ، فَمضَى إلى مَنْزِله ليلَةً ليقرأ عليه وكانت ليلَةً مَطِيْرَةً، فصَادَف الشَّيْخ أبا عَبْد الله يقرأ القُرآن، وكان يَقْرأ قِراءةً طَيِّبةً، فوَقَف بالباب يسمع قِرَاءته ويلتَذّ بحُسْن قراءته وطِيْب صَوْته، والمَطَر ينزلُ على رَأسِه، ولم يَرَ أنْ يقطَع عليه قراءته حتَّى مَضَى أكْثَر اللَّيْل، وسَكَت أبو عَبْد الله، فطَرَق الباب، ففَتَح له، فرآهُ مُبْتَلّ الثِّيَاب، فسَأله عن حاله، فأخْبَرهُ بالصُّورَة، فعَظُم ذلك عليه، وقال له: كُنْتَ دَخَلت عليَّ وكُنْتُ أقْرأ لك إلى الصَّبَاح.
قال عَمَّاي: وسَافرَ أبو عَبْد الله القِنَّسْرِيْنيِّ إلى العِرَاق، فَحضَر بعض شُيُوخ القُرَّاء ببَغْدَادَ وأصْحابهُ يقرأون عليه، فَجَلَس في أُخْرَيَات النَّاس، فحينَ رَأوْه إزْدَروه واسْتَبْشَعُوا زِيَّهُ، وأبو عَبْد الله سَاكِتٌ، فلمَّا فَرَغ أصْحَابه تقدَّم أبو عَبْد
стр. 3154
الله، وطَلَب أنْ يقرأ عليه شيئًا، فقال له: اقرأ على بَعْض الطَّلَبة إلى أنْ تُجَوِّد، ثُمَّ أقْرأ عليَّ، فقال: أشْتَهِي أنْ أقرأ عليك خَمْسًا، فلم يَرَ الشَّيْخ أنْ يَكْسِر خَاطِرَهُ، فأَذِنَ له فلمَّا قرأ، قال له: من أين تكُون؟ قال: من الشَّام، قال له: لعَلَّكَ أبو عَبْد الله القِنَّسْرِيْنيِّ؟ قال: نعم، فقام له الشّيْخُ وأكْرَمَهُ وأجْلسَهُ إلى جَانبهِ، وقال: أنا أحَقُّ بالقِرَاءة عليك، قال هذا أو مَعْناه.
قُلتُ: وأظُنُّ هذا الشَّيْخ المُقْرِئ هو أبو الحَسَن بن رِضْوَان، واللهُ أعْلَمُ.
الحُسين بن عُبَيْدِ الله بن الحُسَيْن بن إبْراهيم بن عليّ بن عُبيد اللهِ بن الحُسين الأصْغَر ابن عليّ بن الحسُن بن عليّ بن أبي طَالِب، أبو عليّ بن أبي أحْمَد العَلَويّ النَّصِيبيِّ (١)
أبُوه شَرِيْف مَذْكُور من أعْيَان الشُّرَفَاء. وَفَدَ إلى حلَب على أميرها سَيْف الدَّوْلَةِ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْدِ الله بن حَمْدَان.
ذَكَرَهُ الحُسَين بن جَعْفَر بن خِدَاعِ النَّسَّابَة في كتاب المُعَقِّبيْنَ من وَلد الحَسَن والحُسَين ﵉، وقال: إنَّهُ وفَدَ على سَيْفِ الدَّوْلَة ابن أبي الهَيْجَاءِ بن حَمْدَان إلى حَلَب، وقُتِلَ معه في انْهِزَامه في غَزَاة المُصِيْبَةِ، وذَكَرَ أنَّ أُمّهُ أُمّ وَلدٍ.
وغَزَاةُ المُصِيْبَة كانت في سَنة [ … ] (a) وأوْبَعين وثَلاثِمائة.
стр. 3155
ذِكْرُ مَن اسْمُ أبيْهِ عُبيد ممَّن اسْمُه الحُسَين
الحُسَينُ بن عُبيد الهَمَذَانيُّ
حدَّثَ بطَرَسُوس عن عَبْد الحَميْد بن عِصَام الجرجَانيِّ. رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن أيُوب بن المُعَافَى العُكْبَرِيّ، ويقَعُ في بَعْض الأُصُول: الحَسَن بن عُبَيْد، والحُسَين هو الصَّحيح.
أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَرُ بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر بن طَبرزَد، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَالسِم هِبَة الله بن أحْمَد بن عُمَر الحَرِيرِيّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو إسْحاق إبْراهيمُ بنُ عُمَر بن أحْمَد البرمَكيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد الله بن خَلَف بن بُخَيْت الدّقّاق، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أيوب بن المُعَافى العُكْبرِي، قال: حَدَّثَنَا الحُسَينُ بن عُبَيْد الهَمَذَانيّ بطَرَسُوس، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَيْد بن عِصَام الجرجَانِيِّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يوسف الفِيريابِي، قال: حَدَّثَنَا سفيان الثورِي، عن سفيان بن عُيينَة، عن ابن أبي نُجَيْح أنَّهُ سُئِلَ عن السَّيَّاحِيْن قال: هُم الصّائِمُونَ.
الحُسين بنُ عُبيدٍ المِصِّيْصيُّ
حَدَّثَ عن عَتِيق بن عبد الرَّحْمن الأَذَنيِّ. رَوَى عنهُ عبد الرَّحْمن بن أبي نَصْرٍ.
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن إبْراهيم بن أحْمَد المَقْدِسيِّ، وقَراتُهُ بخَطِّهِ، قال: قَرأتُ على أبي الحَسَن أحْمَد بن حَمْزَة بن المَوَازِينيِّ بدِمَشْق: أخْبَركُم جَدُّكَ أبو الحَسَن عليّ بنُ الحَسَن بن الحُسين السُّلَميِّ المُعَبِّر إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ عَبْد العَزِيْز بن أحْمَدُ بن مُحَمَّد الكَتَّانيِّ إجازةً، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحمن بن
стр. 3156
عُثْمان بن أبي نَصْر، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن عُبيد المِصِّيْصيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَتِيقُ بن عبدِ الرَّحْمن الأسَدِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن حَرْبٍ الطَّائيّ، قال: كُنَّا عند سُفْيان بن عُيَيْنَة، فحدَّثَنا حتَّى ضَجَرَ، ثُمَّ ألْقَى الكتاب، فقال: قُومُوا عنِّي، فقام إليه رَجُل فقال: أتْضَجَرُ؟ واللهِ إنَّ أَحدَنا ليَهُمّ بالحَجِّ من أقْصَى خُرَاسَان، فإذا ذَكَرك حَجَّ، ولولَاكَ ما حَجَّ! فأخَذَ الكتابَ وأنْشَأ يقُول (١): [من الكامل]
خَلَت الدِّيَارُ فَسُدْتُ غَيْرَ مُسَوَّدِ … ومِنَ الشَّقَاءِ تَفَرُّدي بالسُّؤْدَدِ
ذِكْرُ مَن اسْمُ أبيْهِ عليّ ممَّن اسْمُه الحُسَين
الحُسَينُ بن عليّ بن الحُسَن بن عليّ، أبو عليّ المَرْوَزيّ
حَدَّثَ بحَلَب عن مَحْمُّود بن وَالان. رَوَى عنهُ أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن الحُسَين بن صالح السَّبِيْعِيِّ الحَلَبيِّ.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غانِم مُحَمَّد بن هِبةِ الله بن أبي جرادة، وأبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، ووَلدُهُ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن القَاضِي، وأبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن أحْمَد بن الطَّرَسُوسِيُّ الحلَبِيُّونَ، قالوا: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الأَمِين أبو سَالِم أحْمَد بنُ عَبْدِ القَاهِر بن المَوْصُول الحَلَبيِّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد البَاقي بن أبي جَرَادَةَ، قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ أبو الفَتْح عَبْدُ الله بن إسْمَاعِيْل الجِلّبيِّ الحَلَبيِّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الزَّاهِد أبو عُبيد الله عَبد الرَّزَّاق بن عَبْد السَّلام بن أبي نُمَيْر العَابِد الحَلَبيِّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحُسَين السَّبِيْعيِّ بحَلَب، قال: حَدَّثَنَا أبو
стр. 3157
عليّ الحُسينُ بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ المَرْوَزيّ بحَلَب، قال: حَدَّثَنَا أبو حَامِد مَحْمُود بن وَالَان، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن حُجْر بن إِيَاس السَّعْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا يُوسف بن زِيَاد، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن زِيَاد بن أَنْعُم، عن الأعْرَج؛ عن أبي هُرَيرة، قال (١): خُضْتُ مع رسُول اللهِ ﷺ السُّوْق، فقَعَدَ على البَزَّازين، فاشْترَى سرَاويْلًا بأرْبَعة دَرَاهِم. قال: وكان لأهْلِ السُّوق رَجُل يَزِنُ بينهم الدَّرَاهِم، يقال له فُلَان الوَزَّانُ، فجيءَ به ليَزِنَ ثَمَن السَّرَاويْل، فقال له النَّبيُّ ﷺ : اتَّزِنْ وأَرْجِح. فقال الرَّجُلُ: إنَّ هذا القَوْل ما سَمِعْتُه من أحدٍ من النَّاسِ، فَمن هذا الرَّجُل؟ قال أبو هُرَيْرَة: قُلْتُ: حَسْبُكَ من الزَّهَقِ والجفَاء في جَنْبِكَ أنْ لا تَعْرِف نَبِيّكَ ﷺ ، فقال الرَّجُل: أهذا رسُول الله؟ وألقى المِيْزَانَ ووَثَبَ إلى يَدِ رسُول الله يأخُذُها ليُقَبّلَها، فجَذَبها رسُول اللهِ، وقال: مَهْ! إنَّما يفعَل هذه الأعَاجِم بمُلُوكِها، فإنِّي لسْتُ بمَلِكٍ إنَّما أنا رَجُلٌ منكم، ثُمَّ جَلَسَ فاتَّزنَ الدَّرَاهِم وأرْجَحَ كم أمرَهُ رسُول الله ﷺ ، فلمَّا انْصَرَفْنا تناوَلْتُ السَّرَاويْل من رسُول اللّهِ لأحْملَها فَمنَعَني، وقال: صَاحِبُ الشَّيء أحَقُّ بحَمْلِهِ إلَّا أنْ يكُون ضَعِيْفًا يَعْجز فيُعِيْنُهُ أخُوه المُسْلمِ، قُلتُ: يا رسُول اللهِ، وإنَّكَ لتلبَسُ السِّرَاوْيل؟ قال: نعم باللَّيْلِ والنَّهَار، في السَّفَر والحَضَرِ.
قال يُوسُفُ: وشَكَكْتُ في قَوْلي: ومع أهْلي فإنِّي أُمْرت بالتَّسَتُّر فلم أجِدْ ثَوْبًا اسْتَرَ من السَّرَاويْل.
стр. 3158
الحُسَينُ بن عليّ بن الحُسَين بن حَمْدَان بن حَمْدُون بن الحَارِث بن لُقْمَان بن رَاشِدٍ التَّغْلِبِيُّ، أبو العَشَائِر الحَمْدَانِيّ (١)
وتَمَامُ نَسَبهِ مَذْكُورٌ في تَرْجَمَةِ أبي فِرَاسٍ (٢).
أميْرٌ فارسٌ مَشْهُورٌ، شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، كان بحَلَب في خِدْمَة ابن عَمّه سَيْفِ الدَّوْلَةِ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْدِ الله بن حَمْدَان، ووَلَّاهُ أنْطَاكِيَة. رَوَى عنهُ أبو بَكْر الخَالِديّ.
وفيه يقُول أبو فِرَاس الحَارِث بن سَعيد بن حَمْدَان من قَصِيْدَتهِ الرَّائِيَّةِ الّتي يَذْكُر فيها مَآثر قَوْمه من بني حَمْدَان (٣): [من الطويل]
ومنَّا الحُسَينُ القَرْمُ مُشْبِهُ جَدِّه … حَمَى نَفْسَهُ والجَيْشُ للجَيْش غَامِرُ
قال أبو عَبْد اللهِ الحُسَينُ بن خَالَوَيْه في تَفْسِير هذا البَيْتِ: وذلك أنَّهُ كَبَسَهُ عَسْكَر الإخْشِيْذيَّة مع يَانَس المُؤْنِسِيّ وهو مُنَصَرفٌ من أنْطَاكِيَة من المَيْدَان، وأصَابَتْهُ نُشَّابَةٌ في وَجْهِهِ أُخْرِجَ نَصْلُها بعد أيَّامٍ، فلم يَزَل يَضْربُ في أَوْسَاطِهِم بالسَّيْف حتَّى تَخَلَّصَ، وأُسِرَ بعد ذلك في دُلُوْك (a)، وكان له في بَلَد الرُّوم أجْمَل أَثَرٍ، وأشْرَفُ فِعْلٍ في إكْرَام الأُسَارَى.
стр. 3159
قال ابنُ خَالَوَيْه: سارَ سَيْفُ الدَّوْلَة في سَنَة خَمْسٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة إلى بَلَدِ يَانَس بن شُمُشْقِيْق لمَّا بَلَغَهُ حَلْفُه للمَلِك على لقَائهِ، وحَمَل معه الزَّوَارِيق مُخَلَّعَةً حتَّى عقدَها على أَرْسَنَاس (١)، وخَلَّف بدُلُوْك أبا العَشَائِر الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن حَمْدَان، ورَسَم له النُّزُولَ على حِصْن عَرَنْدَاس (٢) وبناءَهُ، وخَلَّفَ الأَمِيرَ أبا فِرَاس ورَسَم له بناءَ حِصْن البَرْزَمَان (٣)، فكلاهُما يَسْتَعدُّ حتَّى خَرج لَاوُن البِطْرِيْق في جُمُوع أبيهِ، وسَبَق الخَبَرُ إلى أبي العَشائِر، فخَرَج طَمَعًا فيه ليُسَابق أبا فِرَاس اليه، ولَقِيَهُ فوجَدَهُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ، وانْكشَف عن أبي العَشَائِر أصْحَابُهُ، وثبَتَ يُقَاتِل حتَّى أُسِرَ، وضَرَبَ وَجْهًا من الأرْمَن يُعْرَفُ بأبي الأسَدِ فقَتَلَهُ، وبلغَ أبا فِرَاس الخَبَرُ فنَفَر في أرْبَعمائة فارس من العَرَب سوى العَجَم، واتَّبَعَهُ إلى مَرْعَش فلَم يَلْحَقْهُ، فكَتَبَ إليهِ في قَصِيدَة (٤): [من الكامل]
أأَبَا العَشَائِر إنْ أُسِرْتَ فطالَما … أَسَرَتْ لكَ البِيْضُ الرِّقَاقُ (a) رِجَالا
لمَّا أجَلْتَ المُهْرَ فَوْقَ رُؤُوسِهم … نَسَجَتْ له حُمْرُ الشُّعُورِ عِقَالَا
يا مَن إذا حَمَل الحِصَانَ على الوَجَى … قال اتَّخِذْ حُبُكَ التَّرِيكِ بِغَالا (b)
ألَّا دَعَوْتَ أخَاكَ وهو مُصَاقِبٌ … يَكْفِي العَظِيْمَ ويَحْمِلُ الأثْقَالَا (c)
ألَّا دَعَوْتَ أبا فِرَاسٍ إنَّهُ … ممَّن إذا طَلَبَ المُمَنَّعَ نَالَا
وَرَدَتْ بُعَيْدَ الفَوْت أَرْضَكَ خَيْلُهُ … سُرَعَى كأمْثَال القَطَا أَرْسَالَا
стр. 3160
قَرَأتُ في جُزءٍ أحْضَره إليَّ الحافِظ عِمَاد الدِّين أبو القَاسِم عليّ بن الحافِظ أبي مُحَمَّد القَاسِم بن الحافِظ أبي القَاسِم عليّ بن الحَسَن، يَتَضَمَّن سِيْرة سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن بن حَمْدَان وأخْبَاره، تأليفُ أبي الحَسَن عليّ بن الحُسَين الزَّرَّاد الدَّيْلَمِيّ، ذَكَرَ في سَنَة أرْبَعٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة، قال: وسار أبو العَشَائِر الحُسَينُ بن عليّ بن حَمْدَان من حَلَب إلى مَرْعَش وسَلَّمَها إليهم، وسَارَ عنها فنَزل على نَهْرٍ يُقالُ له حُورِيْث (a)، فجلَسَ يَشْرَبُ على النَّهر، وسَارَ سَوَادُهُ وبعضُ غِلْمَانِهِ، فلم يَشْعُر إلَّا بالرُّوم قد أقْبَلُوا عليه، فرَكِبَ فرسَهُ ورَكِب أصْحَابه فطَرَدَهُم الرُّوم، وكان أبو العَشَائِر قد ثَمِلَ من الخَمْر فغَلَبهُ السُّكْر، فسَقَطَ عن الفَرَسِ، فأدْركَهُ الرُّومُ، فأسرُوه وحَمَلُوه إلى قُسْطَنْطِينِيَّة.
قَرَأتُ في كتاب المُفَاوَضَة، جَمْعُ مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر الكَاتِب بخَطِّه، وأخْبَرَنا به إجَازَةً زَيْد بن الحَسَن بن زَيْدٍ الكِنْدِيّ، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد بن سَهْل بن بِشْرَان النَّحْوِيّ، قال: قَرأ علينا مُحَمَّدُ بن عليّ بن نَصْر الكَاتِب، قال: وحَدَّثَني أبو الفَرَج - يعني البَبَّغَاء (b) - قال: هَرَبْتُ وَقْتًا من الأوْقَاتِ من أبي العَشَائِر، وصرْتُ إلى حَلَب، وسَألتُ سَيْفَ الدَّوْلَة أنْ يَمْنَعَهُ منِّي، وقُلتُ: إنَّ أخْلَاقَهُ لا تُلائم أخْلَاقي، وقد رَبَّيْتَني واصْطَنَعْتَني، وأُرِيْدُ أنْ لا أبْرَح حَضْرتكَ ومَجْلِسَك، قال: أفْعَلُ.
ومَضَى على هذا مُدَيْدَةٌ قَرِيْبةٌ، فدَخَلْتُ يَوْمًا وإذا بين يَدي سَيْفِ الدَّوْلَةِ رَجُلٌ عَرَبيٌّ لا أعْرفُهُ، عليه جُبَّة دِيْبَاجٍ وفَرْو وعِمَامَة خَزّ بلثَامَيْن، مُتَقلِّدًا سَيْفًا
стр. 3161
مُحَلَّىً، وهو جَالِسٌ على السَّريْر ورِجْليه (a) على الأرْض، وسَيْف الدَّوْلَة يُقْبِل عليه يُحَادِثه فاسْتَطْرَفتُ ذلك، ولم يكُن في العَرَب كُلِّها مَنْ يَجْلِسُ تلكَ الجَلْسَة مع سَيْفِ الدَّوْلَةِ، قال: ونَهَضَ فإذا هو أبو العَشَائِر، فلمَّا رَأيتُه أُسْقِط في يَدِي، ودَنَا منِّي فقَبَضَ عليَّ، فقُلْتُ: لسَيْف الدَّوْلَةِ: أيُّها الأَمِيرُ، الذِّمَامُ! فقال: ليس على أبي العَشائِر ذِمَامٌ، ثمّ قال له: احْتَفِظ به فإنَّهُ فَرَّارٌ، فلم يَبْقَ فيَّ مَوضِعٌ للمُنَازَعة. فقُلتُ: أيُّها الأَمِير، ما يُمْكنُني الخُرُوج؟ قال: ولِمَ؟ قُلتُ: عليَّ دَيْنٌ وأحْتَاج إلى ابْتِيَاعِ شَعِيْر لدَوَابِّي، وحِنْطَة لغِلْمَاني، وهذا وَجْهُ الشِّتَاء، ولا بُدَّ أنْ أنْظُرَ في أمْري. فقال: كُلّ هذا يَتَنَجَّزُ السَّاعَةَ، ووَقعَّ إلى الدَّارِيْج (١) بكُرَّين شَعِيْرًا، وإلى صَاحِب المَنْثَر بثَلاثة أكْرَار حِنْطَةً، وأطْلَق من خِزَانَته ألفي دِرْهَم، وأمَرَ بحَمْل عَشْر قِطَعٍ ثيَابًا، وحَصَل جميع ذلك وما تعالَى النَّهَار وهو جَالِسٌ في دار سَيْف الدَّوْلَة، فلمَّا حَضَر صَاحِبُهُ وعرَّفه حُصُولَ ما عَدَدْتُه كُلَّهُ، قال: ارْكَب على اسْم اللهِ، فرَكِبتُ ومَضَيْتُ معهُ إلى أنْطَاكِيَة، فما كان يُخْلِيْني من خلْعَةٍ وبِرٍّ وتَفَقُّدٍ، ورُسُومي على سَيْفِ الدَّوْلَةِ مُطْلقةٌ في أوْقَاتها غير مُتَأخِّرة عنِّي بحالٍ، وهذه كانت عَادَاتُ الرُّؤَسَاء في الإفْضَال.
أنْبَأنَا أحْمَد بن الأزْهَر بن السَّبَّاك، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، عن القَاضِي أبي عليّ المُحَسِّن بن عليّ التَّنُوخِيّ، قال: وأنْشَدَني أيْضًا - يعني أبا الفَرَج البَبَّغَاء - وقال: قُلْتُها بَدِيْهًا في أبي العَشَائِر الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن حَمْدَان، وكُنْتُ حَاضِرًا، وقد ضَرَب بسَيْفٍ كان في يَده هَامَةَ جَمَلٍ
стр. 3162
ففَصَلَها، فأنْشَدتُهُ في الحال (١): [من البسيط]
ما الفِعْلُ للسَّيْفِ إذ هُزَّت مَضَاربُهُ … فَمَرَّ مُحْتَكِمًا في هَامَةِ الجَمَلِ
لكنَّ كَفَّك أَعْدَتْهُ بجُرْأَتِها … وفَتْكِها فَمضَى يَهْوِي على عَجَلِ
ولو سوى كَفِّك المَعْرُوف صَالَ بهِ … نَبَا ولو كان مَطْبُوعًا من الأجَلِ
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، فيما أَذِنَ لنا في روَايَتهِ عنْهُ، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن عُمَر بن السَّمَرْقَنْديّ، قال: أَخْبَرَنا أبو يُوسُف يَعْقُوب بن أحْمَد الأدِيْب في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عَبْد المَلِك بن إسْمَاعِيْل الثَّعالِبِيّ (٢)، قال: وأنْشَدَني - يعني أبا بَكْر الخُوارَزْمِيّ - لأبي العَشَائِر بن حَمْدَان: [من البسيط]
سَطَا علينا ومَنْ حَازَ الكَمَال سَطَا … ظبْي من الجَنَّة الفِرْدَوْس قد هَبَطا
له عذارَان قد خُطَّا بوَجْنَتِهِ … فاسْتَوْقفا فَوْق خَدَّيه وما انْبَسَطَا
وظَلَّ يَخْطُو وكُلٌّ قال من شَغَف: … يا لَيْتَهُ في سَوَادِ النَّاظِرَيْن خَطَا
قال أبو مَنْصُور الثَّعالِبِيّ (٣): وقال بَعْضُ الرُّوَاةِ: دَخَلْتُ إلى (a) أبي العَشَائِر أعُودُه من عِلَّةٍ هَجَمَتْ عليه، فقُلتُ لَهُ: ما يَجِدُ الأَمِيرُ؟ فأشَارَ إلى غُلَامٍ قَائمٍ بينَ يَدَيْهِ اسْمُه نسْطُوس، كأنَّ رِضْوَان قد غَفَل عنه فأبقَ منه (b)، وأنْشَد: [من مخلع البسيط]
أسْقَمَ هذا الغُلَام جِسْمي … بما بعَيْنَيْهِ من سَقَامِ
فُتُورُ عَيْنَيْهِ من دَلَال … أَهْدَى فُتُورًا إلى عِظَامِي
وامْتَزَجَتْ رُوْحُهُ برُوْحي … تَمَازُجَ الماءِ بالمُدَامِ
стр. 3163
قَرَأتُ في كتاب عُنْوَان السِّيَر في مَحَاسِن أهْلِ البَدْو والحَضَر، تأليفُ أبي الحَسَن مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ (١): أَبو العَشَائِر ابن حَمْدَان، وهو القَائِلُ: [من الطويل]
وما سرَّ قَلْبي منذُ شَطَّتْ بكَ النَّوَى … أنيْسٌ ولا كأسٌ ولا مُتَصَرَّفُ
وما ذقْتُ طَعْمَ الماءِ إلَّا وَجَدْتُهُ … كأنْ لَيْسَ بالماءِ الّذي كُنْتُ أعْرفُ
ولَمْ أَشْهَدِ اللَّذَّاتِ إلَّا تكَلُّفًا … وأيّ سُرُورٍ يَقْتَضِيْهِ التَّكَلُّفُ
قال ابنُ الهَمَذَانيّ (٢): ولمَّا خَرَج الحَاجُّ في زَمَن المُكْتَفِي، كان معهم أبو العَشَائِر في حَمْدَان، فظَفر بهم زَكْرُوَيْه بن مَهْرُوَيْه القِرْمِطِيّ، فقَطَعَ يَدَي أبي العَشَائِر ورِجْلَيْهِ بزُبَالَة (٣).
ثُمَّ قال ابنُ الهَمَذَانيّ (٤) بعد ذلك: وأخَذَ الرُّومُ حَلَبَ، وقَتَلُوا أبا العَشَائِر وإخْوته في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وثَلاثِمائة.
وهذا خَطَأٌ من ابن الهَمَذَانيّ فيما ذَكَرهُ أوَّلًا وثانيًا؛ فإنَّ أبا العَشَائِر تُوفِّي أسِيْرًا في يد الرُّوم بالقُسْطَنطِيْنيَّة في سَنَة اثْنَتَيْن أو ثلاث وخَمْسِين.
وقَرَأتُ في كتاب أبي الحَسَن عليّ بن الحُسَين الدَّيْلَمِيّ في أخْبَار سَيْفِ الدَّوْلَة (٥)، قال: واجْتَمع في البلَاط بالقُسْطَنْطِينِيَّة من الأُسَارَى الحَمْدَانِيَّة نحو ثَمانمائة رَجُل منهم: أبو العَشَائِر، وأبو فِرَاس، ومُحَمَّد ابن ناصِر الدَّوْلَة، وذكَرَ جَمَاعَةً، وقال: وفَادَى - يعني سَيْف الدَّوْلَةِ - بأبي فِرَاس وأبي العَشَائِر ورقطَاش وغيرهم، يعني سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين.
وهذا وَهْمٌ من أبي الحَسَن الدَّيْلَمِيّ؛ فإنَّ أبا العَشَائِر تُوفِّي بالقُسْطَنْطِينِيَّة في
стр. 3164
حال الأَسْر، وقال فيه الأَمِيرُ أبو فِرَاسٍ (١) يَرْثيِه: [من الكامل]
أَأَبا العَشَائِر لا مَحَلُّكَ دَارِسٌ … بينَ الضُّلُوع ولا مَحَلُّكَ (a) نَازِحُ
إنِّي لأَعْلَمُ بعدَ مَوْتِكَ أنَّهُ … ما مَرَّ للأُسَرَاءِ يَوْمٌ صَالِحُ
قَرَأتُ في تاريخ أبي إسْحاق إبْراهيم بن حَبِيْب السَّقَطِيّ (٢)، صَاحِب كتاب الرَّدِيْف، في حَوَادِث سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين وثَلاثِمائة، في ذِكْر مَنْ تُوفِّي فيها، قال: وفيها - أو في سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين - ماتَ أبو العَشَائِر الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن حَمْدَان ببَلَد الرُّوم في أَسْره مَسْمُومًا، وكان السَّبَبُ في سَمِّهِ أنَّ مَلِكَ الطَّاغِيَة بلَغَهُ أنَّ عليَّ بن حَمْدَان فسَقَ بابن قُسْطُنْطِيْن؛ كان في أَسْره، فأنْفَذُوا من بَلَد الرُّوم مَنْ سَمَّهُ فهَلَكَ، وسَمُّوا هُم أبا العَشَائِر بن حَمْدَان حَنَقًا لِمَا جَرَى من قَتْلِهم ابن قُسْطُنْطِيْن. وكان أبو العَشَائِر فَارِسًا شُجَاعًا، سَخِيًّا، مُمَدَّحًا.
الحُسَينُ بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن بَحْر بن بَهْرَام بن المَرْزُبَان بن مَاهَان بن بَاذَام بن بَلاش بن فَيْرُوز بن يَزْدَجِرْد بن بَهْرَام جُوْر، أبو القَاسِم بن أبي الحُسَين بن أبي القَاسِم بن أبي الحَسَن المَغْرِبيّ (٣)
هكذا قَرأتُ نَسَبَهُ بخَطِّهِ.
стр. 3165
وقيل في نَسَبهِ: من مَاهَان بن بَاذَان بن سَاسَان بن الحَرُوْن - وقيل: سَاسَان هو المَعْرُوفِ بالحَرُوْن - ابن بَلاش (a) بن جانْيَاسف بن فَيْرُوز بن يَزْدَجِرْد بن بَهْرَام جُوْر بن يَزْدَجِرْد.
وجَدُّ أبيه أبو الحَسَن هو المَغْرِبيّ، عُرِفَ بذلكَ لأنَّهُ كان يَخْتلفُ على دِيْوَان المَغْرب.
стр. 3166
وقَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر أنّه نَقَل من خَطِّ عَبْد الحَمْيد ابنهِ على ظَهْر الجُزء الأوَّل من رَسَائِل الوَزِير ابنهِ: الجُزء الأوَّل من رَسَائِل أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ بن مُحَمَد بن يُوسُف بن بَحْر بن بَهْرَام بن المَرْزُبَان بن مَاهَان بن مَادَان بن سَاسَان بن الحَرُوْن بن فلاش (a) بن جَامَاسف بن فَيْرُوز بن يَزْدَجِرْد بن بَهْرَام جُوْر، وكَتَب عَبْد الحَمْيد.
وأبو القَاسِم هذا هو الوَزِبر المُلَقَّب بالكَامِل ذي الجَلَالَتَين، وُلد بحَلَب في سَنَة سَبْعِين وثَلاثِمائة، وكان أبُوهُ وجَده من كُتَّاب الأَمِير سَيْف الدَّوْلةَ، وحَصَل بعدَ مَوْت سَيْف الدَّوْلةَ بين أبيه وبين سَعْد الدَّولَة أبي المَعَالِي شَرِيْف نَبْوَةٌ أوْجَبت انْفصَاله عنه، فعَوَّق أبو المَعَالِي أبا القَاسِم بحَلَب مع جَمَاعَة من أهْله، ثمّ سار أبُوه بعد ذلك إلى مِصْر، وانْتَقَل أبو القَاسِم بعدَهُ، وقَتَلَ الحاكِمُ أباهُ وإخْوَتَهُ فهَرَبَ أبو القَاسِم وتَوَجَّه إلى العِرَاق، وتقلَّد وِزَارَة مُشَرِّف الدَّوْلةَ أبي عليّ ابن عَضُد الدَّوْلَة بن بُوَيْه في سَنَة خَمْس عَشرة وأرْبَعِمائة، وأقام في وزَارَته شُهُورًا، وفَارَقهُ وانْتَقَل إلى وِزَارَة الأَمير أبي المنَيع قِرْوَاش بن المُقَلَّدِ أمير بنى عُقَيْل، ثُمَّ وَزَر لنَصْر الدَّولةِ ابن مَرْوَان صَاحِب مَيَّافَارقِين ودِيَار بَكْر.
وكان الوَزِير أَدِيْبًا فَاضِلًا، عَارِفًا باللُّغَةِ والنَّحْو، فَصِيحًا، حَسَنَ النَّطم والنَّثْر، عَارِفًا بالحِسَاب، ولهُ كتابٌ في تَفْسِير القُرْآن (١)، أحْسَن فيه على اخْتِصَاره، واخْتَصرَ كتاب إصْلَاح المَنْطِق فأجادَ في ذلك، وعَرَضهُ على أبي العَلَاء أحْمَد بن عَبْد الله بن سُليَمان، فاستجادَهُ وأثْنَى عليه، وكَتَبَ إليه في ذلك الرِّسَالَة الإغْرِيْضِيَّة
стр. 3167
الّتي أوَّلها (١): السَّلامُ عَليْكِ أيَّتُها الحِكْمَةُ المَغْرِبيَّةُ، والألْفَاظُ العَرَبيَّةُ، أيُّ هَوَاءٍ رَقَاكِ؟ وأيُّ غَيْثٍ سَقَاكِ؟.
وفَضَائِلُه جَمَّةٌ، لكنَّه كان جَسُورًا، مُهَوَّرًا، سَيّئ التَّدْبِير، مُتكبِّرًا.
حَدَّثَ عن الوَزِير أبي الفَضْل جَعْفَر بن الفَضْل بن الفُرَات، ورَوَى عن أَبيِهِ عليّ بن الحُسَين، وأبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، وأبي أُسامَة جُنَادَة بن مُحَمَّد، وأبي الحَسَن مُحَمَّد بن عيسَى النَّاميِّ العِرَاقيّ اليَشْكُرِيّ، وأبي الحَسَن عليّ بن لؤلُؤ الحَلَبِيّ، والقَاضِي أبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن يَزِيد الحَلَبيِّ، وأبي عَبْد الله مُحَمَّد بن الحُسَين اليَمَنِيّ، وأبي القَاسِم المَيْمُون بن حَمْزَة الحُسَيْنيّ، وعليّ في مَنْصُور الحَلَبيِّ المَعْرُوف بدَوْخَلَة، وأبي الحَسَنِ عليّ بن عَبْدِ الله المَادَرَائِيّ، ومُحَمَّد بن الحَسَن التَّنُوخيِّ، والقَاضِي أبي أحْمَد مُحَمَّد بن دَاوُد بن أحْمَد العَسْقَلانِيّ، ومُحَمَّد بن إبْراهيم التَّميْمِيّ، وعليّ بن إبْراهيم الدَّهَكيِّ، وأبي جَعْفَر المُوْسَويّ قاضي مَكَّة، وابن الكِلابِيّ رَاوِيَة أبي فِرَاس، وأبي زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن عليّ الأنْدَلُسيِّ أمير الغَرْب، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك التَّارِيخِيّ، وأبي الحَسَن عليّ بن نَصْر بن الصَّبَّاح، وغيرهم.
رَوَى عَنْهُ ابنُه أبو يَحْيَى عَبْد الحَمْيد بن الحُسَين، وأبو الحَسَن بن الطّيِّب الفَارِقِيّ، وأبو الجَوَائِز الحَسَن بن بَاري الوَاسِطِيّ، وأبو مُحَمَّد رِزْق الله بن عَبد الوَهَّاب التَّميْمِيّ، وعليّ بن السَّكَن الفَارِقِيّ، وأبو عَبْد الله مُحَمَّد بن جَرْدَة، وأبو غَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد بن سَهْل بن بِشْرَان النَّحْوِيّ، والقَاسِم بن بَابُوَيْه.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن أبي الفَضْل القَاضِي، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، عن أبي الفَتْح نَصْر الله بن مُحَمَّد الفَقِيهِ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بن إبْراهيم
стр. 3168
الزَّاهِد المَقْدِسِيّ، قال: قَرَأتُ على أبي يَحْيَى عَبْد الحَمْيد بن الحُسَين بن عليّ المَغْرِبيّ، عن أَبِيهِ أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل جَعْفَر بن الفَضْل بن الفُرَاتِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن عبدِ الرَّحْمن الرُّوْذبَارِيّ، قال: حَدَّثثا أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بن مُوسَى الرَّازِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن زَكَرِيَّاءَ الطَّائيُّ النَّبْهَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ، وأبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد بنُ حَسَّان الضَّبّيّ، قالا حَدَّثَنَا يَعْقُوب بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا يَزِيد بن عُمَر بن مُسْلِم الخُزَاعيّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن أَبِيهِ، قال (١): شَهِدْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ ومُنْشِدٌ يُنْشِدُهُ قَوْلَ سُوَيْد بن عَامِر المُصْطَلِقيِّ: [من البسيط]
لا تَأمَنَنَّ وإنْ أمْسَيتَ في حَرَم … إنَّ المَنَايا بجَنْبَي كُلِّ إنْسَانِ
فاسْلُك طَرِيْقَكَ تمْشِي غَيْرَ مُجْتَشِعٍ … حتَّى تلَاقي ما يُمْني لكَ المَانِي
لكُلِّ ذي صَاحِب يَوْمًا مُفَارقةٌ … وكُلِّ زَادٍ وإنْ أَبْقَيْتَه فَانِ
والخَيْرُ والشَّرُّ مَجْمُوعَان في قَرَنٍ … بكُلِّ ذلك يأتيْكَ الجَدِيْدَانِ
فقال رَسُولُ الله ﷺ : لو أدْرَكَني هذا لأسْلَم.
فبَكَى أبي، فقُلتُ؟ يا أبةِ، ما يُبْكيْكَ من مُشرِكٍ ماتَ في الجاهِلِيَّةِ!؟ قال: يا بُنَي، ما رَأيْتُ مُشْرِكَةً تلَقَّتْ من مشْرِكٍ خَيْرًا من سُوَيْد.
قال: قَوْله: ما يُمْني لك: ما يَقْدُرُ لكَ القَادِرُ الله .
قَرَأتُ في رَسَائِل الوَزِبر أبي القَاسِم بن المَغْرِبيّ نُسْخَة كتاب كَتَبَهُ ليُعْرَضَ بالسُّدَّة القَادريَّةِ، وقد طُعِنَ عليه بالدَّار الخلَيْفَتِيَّةِ في مَذْهَبه، حيثُ وَزَر للمَلِك السَّعِيْد مُشَرِّف الدَّوْلَة أبي عليّ، وإنْكَار الاسم المَغْرِبيّ المَشْهُور به، وأنَّهُ نُسبَ إلى
стр. 3169
اعْتِقَاد المَذْهَب المِصْرِيّ والتَّدَيُّن به، فكَتَبَ رسالةً في ذلك، وكَتَبْتُها على وَجْهها، وحَذَفتُ من آخرها ما لا حَاجَةَ لي إليه، لِمَا فيها من ذِكْر نَسَبه، ومَنْشَأه، ومَذْهَبهِ، ومَبْدأ حالِهِ، وطَلَبهِ للعِلْم، واشْتِغَاله. والرِّسَالَةُ (١):
الدَّهْرُ أبو العَجَائِب، وذُو الغَرَائِب، إلَّا أنَّني ما ظَنَنْتُه يُبْدعُ هذه البِدْعَةَ الشَّنْعَاء، ولا ظَنَنْتُه يُطْرق هذه الظِّنَّة النَّكْرَاء، ويَنْبَغي أنْ انْزِلَ عن الاحْتِجَاجِ للمَلِك، أدَامَ اللهُ بَقَاءهُ، وأعَزَّ نَصْرَهُ ولِوَاءَهُ، والمُؤْتَمَن على تَدْبِير، والسَّفِيْر بينهُ وبين عَسْكَره، أدَامَ اللهُ تَمْكِيْنَهُ، فإنَّ الله يَعْلم والنَّاسُ يَعْلَمُون خُلَوْصَ نِيَّاتِهِما في الطّاعَةِ، وبُعْدَهُما من هذه الشَّنَاعَةِ، فإنَّ تَشَاغلي بما يَخصُّني من هذه الحالِ الّتي ظَننتُ أنَّ العَرْضَ على اللهِ يَسْبِقُها، وأنَّ المُعْتَقَد المُقَدَّس قد اسْتَحْكَمَ في الثِّقَةِ بي، اسْتِحْكَامًا يُقَصِّر أيْدي اللِّئَام عن صِيَاغَةِ مثْلِها لي.
فإنْ كان يَظُنّ أنَّ ما وُسِمْتُ بهِ من النَّسَب المُسْتَعَار يَحْملُني على الإزْوِرَار، فإنَّ الأمرَ بضِدِّه؛ إذ كان أصْلِي من البَصْرَة، وانْتَقَلَ سَلَفِي عنها في فِتْنَةِ البَرِيْديّ إلى بَغْدَاد، وكان جَدُّ أبي، وهو أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد يَخْلُفُ على دِيْوَان المَغْرب، فنُسِبَ به إلى المَغْرِبيّ، ووُلد له جَدِّي الأدْنَى ببَغْدَاد في سُوق العَطَش، ونَشَأ وتقَلَّدَ أعْمَالًا كَثِيْرةً، منها تَدْبير مُحَمَّد بن يَاقُوت عند اسْتِيْلائهِ على أمْر المَمْلَكَة، وكان خَالُ أبي وهو أبو عليّ هَارُون بن عَبْدِ العَزِيْز الأوَارْجِيّ المَعْرُوف الّذي مَدَحَهُ المُتَنَبِّي (٢) مُتَحقِّقًا (a) بصُحْبَة أبي بَكْر مُحَمَّد بن رَائِق، فلمَّا لَحقَ أبا بَكْر بن رَائِق ما لَحِقَهُ بالمَوْصِل، سَارَ جَدِّي وخالُ أبي إلى الشَّام، والْتقَيا بالإخْشِيْذِ، وأقام وَالدِي وعَمِّي، رَحِمَهُما اللهُ، بمَدِينَة السَّلام، وهما حَدَثان إلى أنْ تَوَطَّدَتْ أقْدام
стр. 3170
شُيُوخهما بتلك البِلادِ، وأنْفَذ الإخْشِيْذ غُلَامَهُ المعرُوفَ بفَاتِكٍ المَجْنُون المَمْدُوحَ المَشْهُور، فَحَملهما ومَنْ يليهما إلى الرَّحْبَةِ، وسَارَ بهما على طَرِيق الشَّام إلى مِصْر، فأقامَت الجَمَاعَة هناك إلى أنْ تَجَدَّدَتْ قُوَّةُ المُسْتَولِي على مِصْر، فانْتَقَلُوا بكُلِّيَّتهم وحَصَلُوا في حَيِّزِ سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن بن حَمْدَان مُدَّة حَيَاته، واسْتَولَى جَدِّي على أمْره اسْتِيْلَاءً تَشْهَدُ به مَدَائِح أبي نَصْر بن نُبَاتَة فيهِ، ثمّ غَلَبَ أبي من بَعْده على أمْره وأمْر وَلَدِه غَلَبَةً تَدُلُّ عليها مَدَائِح أبي العبَّاس النَّامي فيه، ثُمَّ شَجِرَ بينهما ما يتَّفق مثْلُه بين المُتصَاحِبيْن في الدُّنْيا، ففَارَقَهُ من الرَّحْبَةِ.
وانْحَدَر إلى الأنْبَارِ قَاصِدًا مَدِينَة السَّلام، فلمَّا حَصَل بالأنْبَار، وَجَدَ العِرَاقَ مُضْطَرِبًا، وبَهَاءُ الدَّوْلَةِ، ﵀، في أوَّل أمْره غالبًا، فُخوِّفَ من المقام، فرَكِبَ مَغَرِّرًا بنَفْسه قَاصِدًا الشَّام ليَتَمكَّن من تَعَرُّف أخْبَارِنا، وافْتِكَاك إِسَارنا، فإنَّا كُنَّا بحَلَب مُعَوَّقين من بَعْده، فلَقِيَ بمِصْر الحُظْوَة الّتي عُرِفَتْ، ولَيْتَها ما اتَّفَقَتْ! فإنَّ خِتَامها كان سُمًّا ذُعَافًا، وعُقْبَاها كان بَوَارًا واجْتيَاحًا، وانتقَلْتُ في أَثره، وكانت وَالدَتي من أهْلِ العِرَاق، ولنا إلى اليَوْم أمْلَاكٌ، بالنُّعْمانيَّة مَوْرُوثَةٌ، فكُنَّا بمِصْر زُوَّارًا، وبالعِرَاق - لمَّا انْتَقَلْنا إليها - قَاطِنيِن وأُلَّافًا.
فهذا أوَّلًا حَدِيث الأصْلِ الّذي وَقَع الاشْتِباه وتَمَّ التِّمْويهُ فيهِ.
ثُمَّ أرْجعُ إلى ذكْر الدِّيْن، فإنِّي نَشَأتُ وغُذِّيْتُ بكَتْب الحَدِيْث، وحِفْظ القُرآن ومُنَاقبَة (A) الفُقَهَاء، ومُجَالَسة العُلَماء، ووالله ما رَأيْتُ قَطُّ بتلك البِلادِ مَأدُبَةً ولا وِليْمَةً إلَّا لعُرْسٍ، ولا كُنْتُ مُتَشَاغلًا إلَّا بعِلْم أو دْيْن، ولقد سَلِم لي من جُزَازَاتِ كُتُبِي ما هو اليَوْم دَالٌّ على تَشَاغُلي بالدِّين القَيِّم، واستْمرَاري على النَّهْج الأسْلَم؛ لأنَّهُ ليس كتاب من كُتُب السُّنَّةِ إلَّا وقد أحْطَتُ به رِوَايَةً
стр. 3171
ورمْتُه دِرَايَةً، وهَا هُنا اليَوْم نُسْخَتان من مُوَطَّأ مالكٍ سَمَاعي من جِهَتَين، وعليهما خُطُوطُ الشَّيْخَين، والصَّحيْحَان لمُسْلِم والبُخاريّ، وجَامِع سُفْيان، ومَسَانيدُ عِدَّةٌ عن التَّابِعِين.
ولي - وأحْمَدُ اللّهَ - إمْلَاءاتٌ عدَّة في تفسِير القُرْآن وتأوِيْله، وتَخْريجاتٌ من الصِّحَاح المَذْكُورَة، وسَمِعْتُ كتابَ المُزَنِيّ عن الطَّحَاوِيّ عن المُزَنِيّ (١). وأمَّا الأحَادِيْث المَنْثُورَةُ الّتي كُنْتُ أُبَكِّرُ بكُورَ الغُرَابِ لاسْتمَاعِها، وأَطَّرح رُتْبَة الدُّنْيا في مُزَاحَمَةِ أَشْيَاعِهَا، فأكْثَر من أنْ تُحْصَى، فكيفَ يظَنُّ بمثْلي ممَّن ظَهَر تَماسكُهُ إنْ كان لَم يَظْهَر باطنُهُ تَعَلّق بالهَبَاءِ المَنْثُور، وتَمَسُّك بالضَّلَال والزُّور.
وذَكَرَ باقي الرِّسَالَة، أنا اخْتَصَرْتُها.
قَرأتُ بخَطِّ أبي المَكَارِم عليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن المُطَّلِب وَزِيِر تَقِيّ الدِّين عُمَر بن شَاهَنْشَاه، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَ عن ظَهْر النُّسْخَة الّتي اخْتَصَر فيها الوَزِيرُ أبو القَاسِم بن المَغْرِبيّ كتاب إصْلَاح المَنْطِق بخَطِّ أبيهِ أبي الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن المَغْرِبيّ: وُلِد - سَلَّمَهُ اللهُ، وبَلَّغَهُ مَبْلغِ الصَّالِحين - أوَّلَ وَقْت طُلُوع الفَجْر من ليلَةٍ صَبَاحُها يَوْم الأَحَد الثَّالِث عشر من ذِي الحِجَّة سَنَة سَبْعِين وثَلاثِمائة، واسْتَظْهَرَ القُرْآنَ وعدَّةً من الكُتُب المُجَرَّدةِ في اللغَةِ والنَّحْو، ونَحْو خَمْسَة عَشر أَلْف بَيْتٍ من مُحْتَارِ الشِّعْر القَديم، ونَظم الشِّعْر وتَصَرَّفَ في النَّثْر، وبلَغَ من الخطِّ ما يَقْصُر عنه نُظْراؤُه، ومن حِسَاب المُوَلّدِ والجَبْرِ والمُقَابَلَةِ وجَمِيْع الأدَوَاتِ إلى ما يَسْتَقِلّ بدُوْنهِ الكَاتِبُ، وذلك كُلّه قَبْل اسْتِكْمَاله أرْبَع عَشرة سَنَة، واخْتَصَر هذا الكتاب، فتَنَاهَى باخْتِصَاره، وأوْفَى على جميعِ فَوَائِده حتَّى لَم يَفُتْه شيءٌ من ألْفَاظه، وغَيَّر من أبْوَابهِ ما أوْجَبَ التَّدْبِيرُ تَغْييرهُ للحَاجَة إلى
стр. 3172
الاخْتصَار، وجَمعَ كُلّ نوع إلى ما يليْق به، ثُمَّ ذَكَرتُ له نَظْمَهُ بعد اختِصَاره، فابْتَدَأَ به، وعَمِل منه عِدَّة أوْرَاق في ليلة، وكان جميع ذلك قبل اسْتِكْمَالهِ سَبْع عَشْر سَنَةً، وأرْغَبُ إلى اللّهِ في بَقَائهِ وسَلَامَتِهِ.
وذَكَرَ الصَّابِئ في تَارِيْخهِ، قال: في شَهْر رَمَضَان من سَنَة أرْبَع عَشْرَة وأرْبَعِمائة قُبِضَ على أبي عليّ الرُّخَّجيِّ، وتقَلَّد وِزَارَة مُشَرِّف الدَّوْلةِ أبي عليّ أبو القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين المَغْرِبيّ، وكان سَيِّئ التَّدْبِير لنَفْسِه، مُهَوَّرًا، قليل النَّظَر في العَوَاقِب، مع ما كان فيه من الفَضائِل الأدَبيَّة.
قَرأت بخَطِّ عَبْد القَوِيّ ابن الجلَيْس عَبْد العَزِيْز بن الحبُاب في ذِكْر الوَزِير أبي القَاسِم، قال: وذُكِرَ أنَّ موْلدَهُ كان بمِصْر في ليلَة الأَحَد الثَّالث عَشر من ذِي الحِجَّة سَنَة سَبْعِين وثَلاثِمائة.
قُلتُ: وهذا وَهْمٌ، ولَم يُوْلَد بمِصْر، وإنَّما وُلد بحَلَب في التَّاريخ المَذْكُور، لأنَّ أباهُ في هذا التَّاريخ كان بحَلَب في خِدْمَة أبي المَعَالِي شَرِيْف ابن سَيْف الدَّوْلَة.
قَرَأتُ في الرِّسَالةِ الّتي كَتَبَها أبو الحَسَن عليّ بن مَنْصُور بن طَالِب الحَلَبِيّ، المعرُوف بدَوْخَلَة، إلى أبي العَلَاء أحْمَد بن عَبْد اللّهِ بن سُلَيمان، وأجابَهُ عنها أبو العَلَاء بن سُلَيمان برسالةِ الغُفْرَان، وقد ذَكَرَ كَلَامًا قال بَعْدَهُ (١): ثمّ سَافَرْتُ منها - يعني من بَغْدَاد - إلى مِصْرَ، ولَقِيْتُ أبا الحَسَن المَغْرِبيّ، فألْزَمَني أنْ لَزِمْتُه لُزُوْمَ الظِّلّ، وكنتُ منه مَكَان المِثْلِ، في كَثْرة الإنْصَافِ، والحُنُوّ والإتْحاف (a)، فقال لي سِرًّا: أنا أخَافُ هِمَّةَ أبي القَاسِم تنْزُوَ به إلى أنْ يُوْرِدَنا وِرْدًا لاصدَرَ عنهُ، فإنْ كانت الأنْفَاسُ ممَّا تُحْفَظُ وتُكْتَب، فاكْتُبها واحْفَظْها وطالعْني بها.
стр. 3173
فقال لي يَوْمًا: ما نَرْضَى بالخُمُول الّذي نحنُ فيه، فقُلتُ لَهُ: وأيّ خُمُول هُنا!؟ تأخذُونَ من مَوْلَانا - خَلَّدَ اللّهُ مُلكَه - في كُلِّ سَنَه ستَّة آلاف دِيْنارٍ، وأبُوكَ من شُيُوخ الدَّوْلَة، وهو مُعَظَّمٌ مُكَرَّم، فقال: أُرِيْدُ أنْ تصَار إلى دِيْوَاننا (a) الكَتَائِبُ والمَوَاكبُ والمَقَانِبُ (١)، ولا أرْضَى بأنْ يُجْرَى علينا كالوِلْدَان والنِّسْوَان! فأعدْتُ ذلك على أبيهِ، فقال: ما أخْوَفَني أنْ يَخْضِبَ أبو القَاسِمِ هذه من هذه، وقَبَضَ على لِحْيَته وهَامَتِهِ. وعَلم أبو القَاسِم، فصَارَتْ بيني وبينَهُ وقْفَةٌ.
وذَكَرَ دَوْخَلَة (٢) أيْضًا في هذه الرِّسَالَة أنَّهُ دَخَلَ أنْطَاكِيَةَ، وخَرَجَ منها إلى مَلَطْيَة وبها المَايَسْطُرِيَّةُ خَوْلَة بنْتُ سَعْد الدَّولَة، قال: فأقَمْتُ عندَها إلى أنْ وَرَدَ عليَّ كتابُ أبي القَاسِم، فسِرْتُ إلى مَيَّافَارقِين، فكان يُسِرُّ حَسْوًا في ارْتِغَاءٍ (٣). قال لي يَوْمًا: لي أيَّامُ ما رأيتُكَ؟ قُلتُ: أَعَرَضَت حَاجَةٌ؟ قال: لا، أرَدْتُ أنْ ألْعَنَكَ، قلتُ: فالْعَنِّي غائبًا، قال: لا، في وَجْهكَ أشْفَى، قُلتُ: ولَمَ؟ قال: لمُخَالفَتِكَ إيَّاي فيما تَعْلَم.
وقُلْتُ له ونحنُ على أُنْسٍ بيني وبينَهُ: لي حُرُمات ثلاثٌ (b) : البَلَدِيَّةُ، وؤية أبيهِ لي، وتَرْبيَتي لإخْوَته، قال: هذه حُرمٌ مُهَتَّكَةٌ: البَلَدِيَّةُ نَسَبٌ بين الجِيْرَان، وتَرْبية أبي لك مِنَّةٌ لنا عليكَ، وتَرْبِيَتُكَ لإخْوَتي بالدَّنَانِيْر والخلعَ!.
أرَدْتُ أنْ أقُولَ لهُ: اسْتَرَحْت من حيثُ تَعِبَ الكِرَامُ، لخشَيْتُ جُنُونَهُ (c)، لأنَّهُ كان جُنُونُه مَجْنُونًا، وأصَحّ منه مَجْنُون، وأجَنُّ منهُ لا يكُون. وأُنْشدَ (d): [من الطّويل]
جُنُونكَ مَجْنُونٌ ولَسْتُ بوَاحِدٍ … طَبِيْبًا يُدَاوِي من جُنُونِ جُنُوِن
стр. 3174
بل جُنّ جِنَّانُه، ورقَص (a) شَيْطَانُه: [من الطّويل]
بهِ جنَّة مَجْنُونَة، غير أَنَّها … إذاحَصَلَتْ منها ألَبُّ وأعْقَلُ
قال (١): وكان أبو القَاسِم مَلُولًا، والمَلُولُ رُبَّما مَلَّ الملَالَ، وكان لا يَمَلُّ أنْ يمَلّ، ويَحْقدُ حِقْدَ مَنْ لا تَلين كَبِدُه، ولا تَنْحَلُّ عُقَده.
قال (٢): وقال لي بعضُ الرؤسَاءِ: أنْتَ حَقُود ولَم يَكُن حَقُودًا! فقُلتُ لَهُ: أنْتَ لا تَعْرفُهُ، واللّه ما كانَ يُحْني عُوْدُه، ولا يُرْجَى عَوْدُه، وله رأيٌ يُزَيّنُ له العُقُوقَ، ويُمَقِّتُ إليهِ رِعَايَةَ الحُقُوق، بعيدٌ من الطَّبع الّذي هو للصَّدِّ صُدُود، وللتَّآلف أَلُوْفٌ وَدُود، كأنَّهُ من كِبْرِه قد رَكِبَ الفَلَك، واسْتَوى على ذَاتِ الحُبُك، ولَسْتُ ممَّن يرغَبُ في رَاغبٍ عن وُصْلَتِه، أو يَنْزعُ إلى نَازِع خُلَّته، فلمَّا رأيته سَادِرًا، جَارِيًا في قلَّة إنْصَافي على غُلْوائهِ، مَحَوْتُ ذِكْرَهُ عن صفْحَةِ فُؤادِيّ، واعْتَدَدْتُ وُدَّه فيما سَالَ به الوَادِي. وأنْشَدْتُ الرَّجُلَ أبْيَاتًا أعْتَذرُ فيها عن قَطْعي له (٣): [من الطّويل]
فلو كان منهُ الخَيْرُ إذْ كان شَرُّهُ … عَتِيْدًا لقُلْنا إنَّ خَيْرًا مع الشَّرِّ
ولو كان إذ لا خَيْرَ لا شرَّ عندَهُ … صَبَرْنا وقلنا لا يَريْشُ ولا يَبْرِي
ولكنَّهُ شَرٌّ ولا خَيْرَ عندَهُ (a) وليسَ على شرٍّ إذا دَام من صَبْرِ
قال (٤): وبُغْضِي له، شَهِدَ اللّه، حَيًّا ومَيِّتًا، أوْجَبَهُ أخْذُهُ مَحَارِيْبَ الكَعْبَة، الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وضَرَبَها دَنَانِيْرَ ودَرَاهِم، وسَمَّاها الكَعْبيَّةَ (٥)،
стр. 3175
وأَنْهَبَ العَرَبَ الرَّمْلَةَ، وخَرَّب بغدَاد، وكَم دَمٍ سَفَك، وحَرِيْمٍ انْتَهَك، وحُرَّةٍ أرْمَلَ، وصَبِيّ أَيْتَمٍ!.
هذا ذَكَرَهُ عليّ بن مَنْصُور في رِسَالَته إلى أبي العَلَاء، وقد بَلَغَهُ أنَّهُ ذُكِرَ لأبي العَلَاء فقال: أعْرِفه خَبَرًا، هو الّذي هَجَا أبا القَاسِم الحُسَين بن عليّ المَغْرِبيّ، فكَتَبَ إليهِ بذلك إقامةً لعُذْره في هَجْوه.
وقد كان بين أبي القَاسِم بن المَغْرِبيّ وبين عليّ بن المَنْصُور ما يُوْجِبُ أنْ لا يقبَلَ قَوْلُه فيه، وقد ظَفِرْتُ في بَعْضِ ما نَقَلْتُهُ من خَطِّ بعض الأُدَبَاءِ ما ذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ أبي القَاسِم الوَزِير: أنْشَدَني عليّ بن مَنْصُور، إنْ صَدَق! فيَدُلُّ على ما ذَكَرْتُه من حالهما.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (١)، وأنْبَانَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ وغيره عنه، قال: وَزَرَ ببَغْدَاد الوَزِيرُ أبو القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن المَغْرِبيّ في رَمَضَان سَنَة خَمْس عَشرة وأرْبَعِمائة، بغَيْر خِلْعةٍ ولا لَقَب، ولا فَارَق الدَّرَّاعَة، وكان كَاتبًا مَلِيْحًا، شَاعِرًا، مُنَجِّمًا، فيلَسُوفًا، قيِّمًا بعُلُوم كَثِيْرة، وكان فيه حَسَدٌ، وجَرَتْ له ببَغْدَاد أُمُورٌ أوْجَبَت اسْتِيْحَاشَهُ من الخَلِيفَة، فتَنقَل إلى أنْ نَزَلَ على أبي نَصْر بن مَرْوَان على سَبِيْل الضِّيَافَة، فماتَ عندَهُ سَنَة ثماني عَشرة وأرْبَعِمائة.
قَرأتُ بخَطِّ عَبْد القَوِيّ بن عَبْد العَزِيْز بن الحُبَّاب في ذِكْر الوَزِير أبي القَاسِم، قال: وكان مُمَدَّحًا ومَقْصُودًا بالأدَب من جميع مَنْ يتعَلَّق به من العَجَم والعَرَب، مَدَحَهُ مِهيَارُ بن مَرْزَوَيْه في يَوْم نَوْرُوز، وقد أُحْضِرت إليهِ هَدَايا من الدَّيْلَم
стр. 3176
والأتْرَاك على عَادَتهم مع الوُزَرَاء في مثْل اليَوْم المَذْكُور، واسْتَأذَنَهُ في الإنْشَادِ، فأَذِنَ له، فأنْشَدَهُ فَصِيْدتَهُ اللَّامِيَّة (١): [من المتقارب]
عَسَى مُعْرِضٌ وَجْهُهُ يُقْبل (a) … فيُوهَبُ للآخر الأوَّلُ
منها (٢):
فِدَاك، وتَفْعَل ما لا تقُول … مُمَّن يقُولُ ولا يَفْعَلُ
يَلُومكَ في الجُوْد لمَّا عرَفْـ … ــتَ من شَرف الجُوْدِ ما يُجْهَلُ
سَللْتَ على المال سَيْلَ (a) العَطَاء … فلاحيكَ في الجُوْد مُسْتقتلُ
ومنها (٣):
أجرني أبتْ نحوه أنْ أضيْعَ (c) … وانْصُر دُعَائي فلا أُخْذَلُ
وصُن بك وَجْهيَ عمَّن سِوَاكَ … فما مثْلُ وَجْهِي يُسْتَبْذَلُ
فلمَّا انتهىَ إلى آخرها، اسْتَحْسَنَها وأُعْجِب بها، وأشَار إليهِ إلى النَّاحيَة الّتي فيها الدَّنَانيْرُ والدَّرَاهِمُ، فجلَسَ إليها، وفَتَح كُمَّه الأَيْسَر وجَمعَ إليهِ بيَدِهِ اليُمْنَى حتَّى مَلأهُ، ثمَّ فَتَحَ كُمَّه الأيْمَن وجَمَعَ إليهِ بيَدِه اليُسْرى إلى أنْ لَم يبقَ على الأرْض ديْنار ولا دِرْهَم، ونَهَضَ فقبَّل الأرْضَ وانْصَرفَ، وسُئِلَ عمَّا حَصَل له، فذَكَرَ أنَّ مَبْلَغه ألفًا ومائةً ونَيفًا وعشرين دِيْنارًا، وسَبْعَة آلاف وثَلاثِمائة دِرْهَم، وهذا عَطَاءٌ ما سُمعَ بمثْله ممَّن جادَ في وَقْته لشَاعرٍ سِوَاهُ.
قال: وكان قد عَبِثَ به بعضُ شُعَرَاءَ البَغْدَاديِّيْن عندما جَرَى له وهو في الوِزَارَة ما أوْجَبَ له الخُرُوجَ من بَغْدَاد، فقال فيه: [من المجتث]
стр. 3177
ويْلي وويْحي ووَيْهي … على مُلُوكِ بُوَيْهِ
يا ضَيْعَة المُلْك جَدًّا (a) … ويا بُكائي عليهِ
يا مَغْرِبيُّ رُويدًا … كيفَ اهْتَدَيْتَ إليهِ
سَلبتَهُ كُلَّ حَلْي … في جِيْدِهِ ويَدَيْهِ
سِيَاسَةُ المُلْكِ ليسَتْ … ما جاءَ عَنْ سِيْبَوَيْهِ
ثُمَّ لَقيْتُهُ بمَيَّافَارقِين، فأرادَ أنْ يَسْتَدْركَ ما فاتَهُ، ويَعْتَذر عمَّا سَبق منه، فقال فيه: [من مجزوء الكامل]
يا مُعْجزَ اللهِ الّذي … قد حَلَّ في أعْلَى مَحَلّ
لمَّا رَأيْتَ المُلْكَ في … هُوْنٍ ومَضْيْعةٍ وقُلِّ
أَكْبرتَ نفسَكَ أنْ تُدَبِّـ … ــر أمْر مُلْكٍ مُضْمَحِلّ
وهذا الشَّاعِر المَذْكُور، الّذي هَجَاهُ ثُمّ مَدَحَهُ، هو أبو عَبْد اللّه الخِيَمِيِّ الشَّاعِر.
وقيل: إنَّهُ عَمِلَ الأبْيَات اللَّامِيَة لمَّا حَصَل أبو القَاسِم عند قِرْوَاش بن مُقَلَّد بن مُسَيّب، وأنّهُ دَخَلَ إليهِ في جُمْلَة الشُّعَراء مَادِحًا، فقال: بأي وَجْهٍ تَلْقَاني؟ فقال: جَوَابي لك جَوَاب أبي الهَوْل الحِمْيَرِيّ للفَضْل بن يَحْيَى، وقد سَأله مثل هذه المَسْألَة، فقال: بالوَجْه الّذي ألْقَى به ربِّي وذُنُوبى إليهِ أكْثَر من ذُنُوبي إليكَ. وأنشدَهُ: يا مُعْجزَ اللهِ … الأبْيَات.
وذَكَرَ فيها بَيْتًا ثانيًا بعد الأوَّل: [من مجزوء الكامل]
ورَأَى جَمِيع مَمَالِك … الدُّنْيا بعَيْني مُسْتقلِّ
стр. 3178
فقال: قد قَبِلْتُ عُذْرك، وأنا فَاعِلٌ بك ما فَعَلهُ الفَضْل بأبي الهَوْل (١).
أخْبَرَنا القَاضِي أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ اللّه بن الشِّيْرَازيّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَتهِ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن مُحَمَّد المَغْرِبيّ بن يُوسُف بن بَحْر بن بَهْرَام بن المَرْزُبَان بن مَاهَان بن بَاذَام بن سَاسَان الحَرُوْن بن بلَاش (a) بن خايناشف بن فَيْرُوز بن يَزْدَجِرْد بن بَهْرَام جُوْر بن يَزْدَجِرْد، أبو القَاسِم بن أبي الحَسَن الوَزِير.
كان مع أبيهِ بمِصْر، فلَّا قَتَلَ المُلَّقَب بالحاكِم أباهُ، هَرَبَ من مِصْر، واسْتَجَار بحَسَّان بن المُفَرِّجِ (b) بن دَغْفَل بن الجَرَّاح الطَّائيّ، ومَدَحَهُ، فأجَارَه (c)، وسَكَّن جَأشَهُ، وأزَالَ خوْفَهُ واسْتِيْحاشَهُ، فأقامَ عندَهُ مُحْتَرمًا، ثمّ رَحَلَ عنه مُكَرَّمًا، وتَوَجَّه إلى العِرَاق، واجْتازَ بالبَلْقَاء من أعْمَال دِمَشْق، ووَزَرَ لقُرَيْشٍ أمير عُقَيْل، ووزَرَ لابن مَرْوَان صَاحِب دِيَار بَكْرٍ.
وكان أَدِيْبًا مُتَرَسِّلًا، وشَاعِرًا فَاضِلًا، ذا مَعْرفَة بصِنَاعَتَي الكتابة الإنْشَائيَّة والحِسَابيَّة، وحَدَّثَ عن الوَزِير أبي الفَضْل جَعْفَر بن الفَضْل بن الفُرَاتِ المَعْرُوف بابنِ حِنْزَابَة، رَوَى عَنْهُ ابنُه أبو يَحْيَى عَبْد الحَميْد بن الحُسَين، وأبو الحَسَن بن الطَّيِّب الفَارِقِيّ.
قَوْل الحافِظ: ووَزَرَ لقُرَيش، وَهْمٌ؛ وإنَّما هو: قِرْوَاش.
وقَرَأتُ في جُزءٍ سَيَّرَهُ لي الشَّريف أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن بخَطِّه، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ خَلَف بن عَبْد اللّه بن هِبَة الله بن جَرِير السَّعْدِيّ، قال:
стр. 3179
الوَزِير أبو القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين المَغْرِبيّ، وقال: وكان أبو القَاسِم عَارِفًا فاضِلًا، وبَلِيْغًا مُتَرَسِّلًا، ومُفْتَنًا في كَثِيْر من العُلُوم الدِّيْنِيَّة والأدَبيَّة والنُّجُوميَّة، ومُشَارًا إليه في قوَة الذَّكَاء والفِطْنَةِ، وسُرْعَة الخَاطِر والبَدِيْهَة.
قال: وكان خَبِيْث البَاطِن، كَثِيْر الحِيَل، شَدِيد الحَسَد على الفَضْل، وإنْ أظْهَر المَيْلَ إلى أهْلِهِ.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أنْشَدَني أبو صَالِح قرَاطَاش بن طُنْطَاش الظَّفَرِيّ، إمْلاءً من حِفْظِه، قال: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد عليّ بن عَبْد القَاهِر بن آسِي، قال: أنْشَدَني أبو أُسامَة، قال: أنْشَدَني الوَزِير أبو القَاسِم المَغْرِبيّ لنَفْسِهِ. قال: وقد كان بَني دَارًا جديدةً، فانْتَقَل إليها فما جاءَهُ النَّوْم اللَّيْلة الأُوْلَى لتَغَيُّر المَكَان، فأنْشَدَ هذه الأبْيَات (١): [من مجزوء الكامل]
إنِّي أَبثُّكَ من حَدِيْـ …
стр. 3180
مُحَمَّد رِزْق الله بن عَبد الوَهَّاب التَّمِيْمِيّ، قال: أنْشَدَنا الوَزِيرُ أبو القَاسِم الحُسَينُ بن عليّ بن المَغْرِبيِّ لنَفْسِه (١): [من الطويل]
تَأمَّلَ مَنْ أهْوَاهُ صُفْرَةَ خَاتِمي … فقال حَبِيْبي (a) لم تجنَّبْتَ أحْمَرَهْ
فقُلْتُ له من أحْمَر كان لَوْنُهُ … ولكن غَرَامي (b) حَلَّ فيه فغَيَّرَهْ
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحُسَين بن عَبْدِ اللهِ بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، إجَازَةً إنْ لم يكُن سَمَاعًا، قال: أنْشَدَني أبو نَصْر عُبَيْدُ الله بن عَبْد العَزِيْز بن المُؤَمَّل الرَّسُولِيّ ببَغْدَاد، قال: أنْشَدَني عليّ بن السَّكَن الفَارِقِيّ بمَيَّافَارقِين، قال: أنْشَدَني الوَزِيرُ أبو القَاسِم عليّ (c) بن الحُسَين المَغْرِبيّ لنَفْسِه (٢): [من الوافر]
غَزَالٌ حبّه للصَّبْر غَرْبٌ … ولكن وَجْهُه للحُسْنِ شَرْقُ
رددتُ وقد تَبَسَّم عنه طَرْفي … وقُلْتُ لهُ: تُرَى لي فيكَ (d) رِزْقُ
سَأَرْجُو الوَصْلَ لا أنِّي جَدِيرٌ … ولا قَدْرِي لقَدْرِكَ فيه رِفْقُ (e)
ولكنْ لَسْتُ أوَّلَ من تَمَنَّى … من الدُّنْيا الّذي لا يَسْتَحِقُّ
أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: أنْشَدَني أبو صالح قرَاطَاش بن طُنْطَاش الظَّفَرِيّ إمْلاءً، قال: أنْشَدَني أبو عَبْدِ
стр. 3181
الله مُحَمَّد بن جَرْدَة، قال: أنشدَني الوَزِيرُ أبو القَاسِم المَغْرِبيّ لنَفْسِه (١): [من الكامل]
من بَعْد مُلْكِي رُمْتُم أنْ تَغْدرُوا … ما بَعْد فُرْقةِ بائعَيْن (a) تَخيُّرُ
رُدُّوا الهُدُوَّ (b) كما عَهِدْتُّ إلى الحَشَا … والمُقْلَتَيْن إلى (c) الكَرَى ثمّ اهْجروا
أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود بن الحُسَين السَّاوِيّ بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد البَرَدَانيّ، قال: أنْشَدَني بعضُ أصْحَابنا للوَزِير أبي القَاسِم عليّ بن الحُسَين بن المَغْرِبيّ، وقد اجْتازَ بهِيْت، فزَارَ قبر عَبْد الله بن المُبارَك، وقال (٢): [من الطويل]
مَرَرْتُ بقَبْر ابنِ المُبارَك زَائِرًا … فأوْسَعَني وَعْظًا وليْسَ بنَاطِقِ
وقد كُنْتُ بالعِلْم الّذي في جَوَانحي … غَنِيًّا وبالشَّيْب الّذي في مَفَارِقي
ولكن أرَى الذِّكْرَى تُنَبِّهُ عبْرَةً … إذ هي جاءتْ من رجالِ الحقائق
كَذا وَقَعَ: أبي القَاسِم عليّ، وكَذَا ذَكره عليّ بن السَّكَن الفَارِقِيّ، وهو خَطَأٌ، وعليّ أبُوه.
أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن المُقَيِّر، إذْنًا وقد سَمِعْتُ منهُ غيره، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب المُبارَك بن عليّ بن مُحَمَّد بن خُضَيْر الصَّيْرَفِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد أحْمَد بن عَبْد الجَبَّار بن أحْمَد الصَّيْرَفِيّ، قراءةً عليه، قال: أنْبَأنَا أبو غَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد بن سهل النَّحْوِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو القَاسِم الحُسَين بن
стр. 3182
عليّ بن المغرِبيّ لنَفْسِه (١): [من الطويل]
تَرَنَّمَ جَارِي والمُدَامُ تَهُزُّهُ … تَرَنّمَ قُمْرِيٍّ بفَرْعةِ ضَالِ
فجَاوبتُهُ من زفْرَتي بمُغَرِّدٍ … ونَاوبْتُهُ من أدْمُعِي بسِجَالِ
وقُلْتُ لهُ: يا جَارُ هل أنْتَ آمنٌ … تَفَرُّقَ أحْبَابٍ وحَرْبَ لَيَالِ
تُهَيّجُ لي الذِّكْرَى مِرَاحُكَ (a) كُلمَّا … هزَجْتَ فيَشْفي نَعِيْمِكَ بَالي
لئن جَمَعَتْ بيني وبينَكَ حِلْيَتي … لقد فرَّقَتْ بينى وبينكَ حَالي
تذَكَّرْتُ دَار الحَيّ إذ أنا بَاسِطٌ … ظِلَالي ومَجْمُوعٌ لديَّ رِجَالي
وإذ أنا بينَ النَّاسِ منزَعُ آمِلٍ … لِبَثِّ نَوَالٍ أو بِنَاءِ مَعَالِ
لعَمْري لقد أَسْهَلتُ في الأرْضِ بعدَما … زحْزَحَ عن رَيْبِ الزَّمان جِبَالي
أخْبَرَنا أبو هاشِم الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور، قال: سَمِعْتُ أبا القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أبي بَكْر السَّمَرْقنديّ مُذَاكَرَةً، يَقُول: ما بَقي في الدُّنْيا مَن يَرْوي مُعْجَم أبي الحُسَين بن جُمَيْع غيري ولا بدِمَشْق أيْضًا ولا عن أبي الحَسَن عَبْد الدَّائم بن الحَسَن الهِلَالِيّ، ثُمَّ أنْشَد (٢): [من الطويل]
وأَعْجَبُ ما في الأمْر أنِّي عِشْتُ بَعْدَهُم … على أنَّهُم ما خَلَّفُوا فيَّ من بَطْشِ
ثُمَّ قال: وهذا البيت من قِطْعَةٍ أنْشَدناها أبو مُحَمَّد رِزْق الله بن عَبد الوَهَّاب التَّمِيْمِيّ للوَزِير أبي القَاسِم بن المَغْرِبيّ:
وما ظَبْيَةُ أَدْمَاءُ تَحْنُو على طَلًا … تَرَى الإنْسَ وَحْشًا وهي تأنَسُ بالوَحْشِ
غَدَتْ فأرْتَعَتْ ثُمَّ انْثَنَتْ لرضَاعِهِ … فلم تُلْفِ شَيئًا من قَوَائمِهِ الحُمْشِ (b)
стр. 3183
فطَافَتْ بذَاك القَاعِ وَلْهَى فصَادَفَتْ … سِبَاعَ الفَلَا يَنْهَشْنَهُ أيَّما نَهْشِ
بأوْجَعَ منِّي يَوْم طلَّتْ (a) أنَامِلٌ … تُودَّعُني بالدُّرّ من شَبَكِ النَّقْشِ
وأجْمَالهُم (b) تُحْدَى وقد خَيَّل الهَوَى … كأنَّ مَطَايَاهُم على نَاظِري تَمْشِي
وأعْجَب ما في الأمْر أنِّي عِشْتُ بَعْدَهُم … على أنَّهُم ما خَلَّفُوا فيَّ من بَطْشِ
قَرَأتُ في بَعْض الفَوَائِد أنَّ الوَزِير أبو القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن المَغْرِبيّ أَرِقَ ذاتَ ليلَةٍ أَرَقًا شَدِيْدًا، فإن لا يَزْدَادُ إلَّا قَلَقًا ولا يَزْدَادُ اللَّيْل إلَّا طُولًا، فقال لبَعْضِ نُدَمَائهِ: أيّ شيء تَعْرف من الشِّعْر في طُوْل اللَّيْل والسَّير والقَلَق؟ فقال: قَوْل بَشَّار بن بُرْدٍ (١): [من الوافر]
جَفَتْ عَيْنِي عن التَّغْمِيْض حتَّى … كأنَّ جُفُونَها عنها قِصَارُ
أقُولُ ولَيْلَتي تَزْدَادُ طُوْلًا … أمَا للَّيْلِ عندَكُم (c) نَهَارُ
فقال: صَدَقْتَ وأحْسَنْتَ. ثمّ قال على البَدِيْهِ (٢): [من البسيط]
عَهْدِي به وردَاءُ الوَصْل يَجْمَعُنا … واللَّيْلُ أطوَلُهُ كاللَّمْحِ بالبَصَرِ
فالآن لَيْليَ مُذْ غابُوا فَديْتُهُمُ … لَيْلُ الضَّرِيْر وصُبْحِي غيرُ مُنْتَظَرِ
نَقَلْتُ من خَطِّ جَلَال الدَّوْلَة أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ بن عَبَّاد الكَاتِب المِصْرِيّ في شكّةٍ له ما صُوْرتُه: رَأيْتُ في بَعْضِ تَعَالِيْق الوَزِير أبي القَاسِم بن المَغْرِبيّ أبْيَاتًا كَتَبَ بها إلى إلْفٍ له في بَعْضِ الأغْرَاضِ، وشَفَعَها بأبياتٍ أُخْرى وَقَعَتْ منِّي مَوْقِفَ (d) الاسْتِطْرَاف والاسْتِظْرَاف، ونَافَسْتُ نَفْسِي في الانْفرَادِ بها عن حَضْرته
стр. 3184
العَاليةِ، والاسْتِئْثار بها دُونها، فأثْبَتُها، وهي (١): [من الكامل]
يا مَن لقَلْبٍ هَائِم لَم يَسْتَطِعْ … ذِكْرَ اسْمِ مَنْ يَهْوَاهُ من إشْفَاقهِ
ولعَاشِقٍ غَلَبَتْ عليه خَجْلَةٌ … فكأنَّهُ المَعْشُوقُ في إطْرَاقهِ
يَنْهَى عن البَثِّ المُرِيْح لِسَانَهُ … فيَمُوتُ مَطْوِيًّا على أشْوَاقِهِ
سَمِعَ الغِنَاءَ فردَّ سَيْلَ دُمُوعِهِ … من بَعْد ما ذَابَتْ على آمَاقِهِ
عَبَثٌ من الأشْوَاق لو هُزِّتْ بهِ … أعْطَافُ غُصْنٍ سُلَّ من أوْرَاقهِ
كَتَمَ الهَوَى من بَعْدما نَمَّتْ بهِ … ريًّا كَنَشْر الرَّوْضِ من أَخْلَاقهِ
وَلدى الهَوَى العُذْرِيِّ طيبُ شَمَائِلٍ … ما مثْلُها تَخْفَى على ذوَّاقِهِ
وأرَى اللِّقَاءَ مع الحياءَ مُقَابلًا … منِّي ومنهُ مِثْلُ بُعْدِ فِرَاقِهِ
أو جمعَ الشَّوْقُ المُبَرِّحُ طَالِبًا … ما بين مَرْكز دُمْلُجَيْهِ وسَاقِهِ
قال: وكان بينَهُ وبين الإلْف الّذي كَتَب هذه الأبْيَات إليه مُحَالَفةٌ لَطِيْفةٌ في الله على مَذْهَب التَّصَوُّف، ثمّ اعْتَرَض الدَّهْر بينهما بقَدْحهِ بين القُرَناءِ، فخافا من اتِّصَال المُمَازجَةِ قَالَةَ الأعْدَاء، فصَرَم حَبْلَهُ، واسْتَبْقَى بذلك في البَاطِن وَصْلَهُ، واتَّفقَ أنْ ضَاق صَدْرُ ذلك الأَليْف عن هذه السِّيَاسَةِ فَاعْتَلَّ وماتَ، فقال يَرْثِيهِ ويُعَرِّض ببعض الأغْرَاض الّتي قَلَّ ما قيل في مثْلها (٢): [من الطويل]
لقد بُؤْتُ مِن دِيْن المُرُوءَةِ بالكُفْرِ … وأصْبَحْتُ أغْشَى صَفْحَةَ الغَدْرِ بالغَدْرِ
عصَيْتُ الهَوَى العُذْرِيَّ في هَجْرِ شَادِن … أضَعْتُ بهِجْرَاني لَهُ فُرْصَةَ الدَّهْرِ
نَمَى في جُحُورِ الملْكِ ثُمَّ ملكتُهُ … بظِلِّ شَبَاب حازَهُ لي وما أَدْري
فَقَيَّدَ فَتْكِي في هَوَاهُ إنَابَةٌ … إلى الله خَلَّتْ دَمْعهُ وَاكِفًا يَجْري
стр. 3185
يَهُونُ عليه أنْ تُسَاعِفَهُ المُنى … وأُرْجَمَ يَوْمَ البَعْث في لَهَبِ الجَمْرِ
وما زَال هِجْرَانِيْهِ حتَّى تَرَكتُهُ … جَديْثًا برَغْمِي مُوْدَعًا أضْلُعَ القَبْرِ
لقد كادَ ذَاكَ القَبْرُ يَوْمَ أزُوْرُهُ … يُعَلِّقُ ثَوْبي شَاكِيًا ألَمَ الهَجْرِ
بنَفْسِيَ مَنْ خَوْفي مِنَ الإثْمِ قَادَني … إلى الإثْمِ فاسْتَوْفيْتُ مِن قَتْلِهِ وِزْرِي
مَضَى والتُّقَى والحُسْنُ حَشْوُ ثِيَابِهِ … وأوْرَثَني منهُ الأسَى آخِرَ العُمْرِ
وقال في مثْل ذلك أيْضًا (١): [من الطويل]
تَرَكْتُ بشَطِّ النِّيْل لي سَكَنًا فَرْدًا … حَبَسْتُ عليهِ الدَّمْعَ أنْ يَطَأ الخَدَّا
غَزَالٌ طَوَاهُ المَوْتُ من بَعْد هَجْرَةٍ … أطَعْنَا فلا كُنَّا بها الأسَدَ الوِرْدَا
فسَقْيا لمَهْجُور الفِنَاءِ كأنَّني … أعُدُّ له ذَنْبًا وأَطْوِي له حِقْدَا
أُسَمِّيهِ من فَرْط الصَّبَابَةِ مَضْجعًا … ولو طَاوَعَتْ نَفْسِي لسَمَّيْتُه لَحْدَا
وآخِرُ عَهْدِي من حَبِيبي أنَّهُ … مَضَى يَحْسَبُ الإعْرَاضَ عن هَجْرَه قَصْدَا
وزَوَّدَني يَوْمَ الحِمَام صَحِيْفَةً … وفي شعَارٍ لا جَدِيْدًا ولا جَرْدَا
قال يَصِفُ أنَّ ذلك الأَلِيْف، يَوْم مَوْتهِ، كَتَبَ إليه رُقْعَةً يَسْتَوْدعهُ فيها العَهْد الّذي بينَهُ وبيْنَهُ، ويَحْتَسبُ الله عليه في هجْرَانهِ، وأنفَذَ إليه معها إزارًا كان كَثِيْر الالْتِحَاف به على سَبِيْل التَّذْكَار.
أُدَاوِي بهِ تِخْفَاق قَلْبي كأنَّني … أَضُمُّ إليه صَاحِبَ البُرْدِ لا البُرْدَا
وقد كُنْتُ بالتَّقْبِيْل أمْحُو رِقَاعَهُ … فصِرتُ بماءِ الدَّمْع أَغْسلها وَجْدَا
عَدمْتُ فُؤادِي كَم أُرجِّي انْصِدَاعَهُ … ويَبْقَى على غَدْر الزَّمانِ صَفًّا صَلْدا (a)
بَكَيْتُ دَفِيْنًا ليْتَهُ كان باكيًا … عليَّ فقَاسَى دُوْنِيَ الثُّكْلَ والفَقْدَا
стр. 3186
مَضى والتُّقَى والنُّسْكُ حَشْوُ ثِيَابه … ورحَّل عنها الحُسْنَ والظَّرْفَ والحَمْدَا
حَرَام علي أيْدِي الحَرَام مُمنَّعٌ … وإنْ كان أنْدى الحبُّ يَشْغَلُهُ وَفْدَا
فيا لَيْتَ شِعْري عنْكَ والتُّرْبُ بيْنَنا … وذَاكَ وإنْ قربتهُ نَازِحٌ جِدَّا
مَنَحْتَ الثَّرَى تلك المَحَاسِنَ أم تُرَى … غُصِبْتَ عليها أم سَمِحْتَ بها عَمْدَا
أَبَحْتَ الرِّضَابَ العَذْبَ بَعْدَ تَمنعُ … وأبْرَزْتَ ذاكَ الجِيْدَ والفَاحمَ الجَعْدَا
طَوَتْ بَعْدَكَ الدُّنْيا رداءَ جَمَالها … فلا روْضُها يُجْلَى ولا تُربُها يَنْدَى
ونَقَلْتُ من خَطِّ أبي عَبْد الله بنِ عَبَّادٍ الكَاتِب، ومن خَطِّ القَاضِي الفَاضِل عبد الرَّحيم بن عليّ البَيْسَانِيّ، واخْتارهُ كُلّ واحدٍ منهما لأبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن المَغْرِبيّ (١): [من مجزوء الكامل]
يا رَبَّ ظَبْي قد طَرَقْـ …
стр. 3187
مع بعض العُرْبَان، وحَصَل عند حَسَّان بن المُفَرِّج واسْتَجَار به، وأشار على حَسَّان بمُبَاينة الحاكِم ولقاء يَارخْتِكِيْن حين سَيَّرهُ الحاكِم إلى الشَّام، فالْتَقَاهُ وأَسَرَهُ وضَرَب عُنُقه (١).
ثمّ اجْتَمع أبو القَاسِم بالمُفَرِّج ووَلده، وأشَار عليهم بمُرَاسَلَة أبي الفُتُوح الحَسَن بن جَعْفَر العَلَويّ أمير مَكَّة ومُبَايعَته، وتَرَسَّل إليه عنهم بنَفْسه، وسَهُلَ عليه الأمْر، فطَمع، وبايَعَهُ بنُو حَسَن وتَلقَّب بالرَّاشِد، وصَعِدَ المِنْبَر وخَطَب لنَفْسِه (٢).
وسار ابن المَغْرِبيّ برسالته إلى العَرَب كُلّها من سُلَيْم وهِلَال وعَوْف بن عَامِر وغيرهم، ثُمّ سَارَ بهِ وبمَن اجْتَمع إليه إلى الشَّام، ودَخَلَ به الرَّمْلَة فتَلقَّاهُ بنو الجَرَّاح وقَبَّلُوا الأرْضَ بينَ يَدَيْهِ، وسَلَّمُوا عليه بإمْرة المُؤْمنِيْن، وأمَرَ بالمعرُوف، ونَهَى عن المُنْكَر، وخَطَب بها على المِنْبَر، فعَظُم ذلك على الحاكِم، فكَتَبَ إلى حَسَّان وإلى أبيه المُفَرِّج (٣)، وبَذَل لهما بذُولًا كَثِيْرة حتَّى فلَّهُما عن ذلك الجَمْع، وجَعَلهُما في حَيِّزه، وضَعُف أمْر أبي الفُتُوح، وبانَ له تغيُّر آل الجرَّاح، فخافَ أنْ تَخْرُج مَكَّة من يَدِه، فاسْتَجارِ بالمُفَرِّج، وطَلَبَ منه أنْ يُبْلغه مأمنَهُ، ويُسَيِّرهُ إلى وَطَنه، محفظ المُفَرِّج ذِمَامَهُ، وسَيَّرهُ مع مَنْ أجازَهُ وَادِي القُرَى، وتَلقَّاهُ بنُو حَسن ومَضَوا به إلى مَكَّة، وكَتَب إلى الحاكِم، واعْتَذَر له فقَبِلَ عُذْرهُ.
قَرأتُ بخَطِّ عَبْد القَوِيّ ابن القَاضِي الجلِيْس عَبْد العَزِيْز بن الحُبَاب في جُزءٍ جَمع فيه شَيئًا من أحْوَال أبي القَاسِم بن المغرِبيّ، قال فيه - وأجازَ لنا عَبْدُ
стр. 3188
القَوِيّ الرِّوَايَة عنه: فأمّا أبو القَاسِم بن المَغْرِبيّ فإنَّهُ كَتَبَ إلى الحاكِم كتَابًا صَدَّرَهُ بقَوْله (١): [من الطويل]
وأنْتَ، وحَسْبي أنْتَ، تَعْلَم أنَّ لي … لسَانًا أمامَ المَجْد يَبْنى ويَهْدِمُ
وليسَ حَلِيمًا من تُبَاسُ يَمِيْنهُ … فيَرْضَى ولكن مَنْ تُعَضّ فيَحلُمُ
فسَيَّرَ إليه أمانًا بخَطِّه، نُسْخَتهُ (٢):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا كتابٌ كَتَبَهُ المنصُور أبو عليّ، الإمَام الحاكِم بأمْرِ الله أَمِير المُؤْمنِيْن ابن الإمَام العَزِيز باللهِ أَمِير المُؤْمنِيْن لحُسَين بن عليّ بن حُسَين المَغْرِبيّ:
أنَّكَ آمِنٌ بأمَان اللهِ ورَسُوله مُحَمَّد المُصْطَفَى، وأبينا عليّ المُرْتَضَى، والأئمَّة من آلِهما مَصَابيح الدُّجَى، ﷺ ، وأمَان أبينا الأقْرَب نِزَار أبي المَنْصُور العَزيْز بالله أَمِير المُؤْمنِيْن، قَدَّسَ اللهُ رُوْحَه، وصَلَّى عليه: على النَّفْس، والجِسْم، وجميع الجَوَارِح والحَوَاسّ، والمَال، والحال، والأهْل والأقَارب، والأسْبَاب (a)؛ أمَانًا مَاضِيًا لا يُتَعَقَّب بتأوِيْلٍ، ولا يُتْبَعُ بفَسْخٍ ولا تَبْدِيل.
وأنَّ الإمَام الحاكِم بأمْرِ اللهِ أَمِير المُؤْمنِيْن آمنَ حُسَيْن بن عليّ بهذا الأمَان، بعد أنْ تَحقَّق له ذُنُوبًا كبيرةً، وأَجْرَامًا عَظِيمَة، فصَفَحَ عن عِلْمٍ، وتَجاوَزَ عن مَعْرفَةٍ وحِلْم، وجَعَل هذا الأمَان كالإسْلَام الّذى يَمْحُو ما قبْلهُ، ويُمَهِّد الخَيْر لِمَا بَعْدَهُ، فكُلّ سِعَايَةٍ ووِشَايَةٍ، وذَنْبٍ وجَريْمةٍ تُنْسَبُ إلى حُسَيْن بن عليّ هذا، قد
стр. 3189
تَحقَّق أَمِير المُؤْمنِيْن أكْثر منها، وصَفَحَ عنه، فلا يَد له عليه إلَّا بالإحْسان إليه.
وأنَّ لحُسَيْن بن عليّ هذا اخْتِيَاره - عندَ وقُوفه على هذا الكتاب - في انْكِفَائهِ إلى البَاب العَزِيْز والتَّعرُّض للخِدْمَة، أو التَّوفُّر على العِبَادَة؛ لا يُكْره على خِدْمَة يستَعْفي منها، ولا تُقبل عليه الأقَاوِيْل في خِدْمَة يتعلَّق (a) بها.
وأقْسَمَ أَمِير المُؤْمنِيْن الحاكِم بأمْر الله على ذلك بأيْمان الله، وغَلِيْظ مَوَاثِيْقه، وبَيْته الحَرَام، ومَشَاعره العِظَام، وآياته الكِرَام، وحُقُوق جمِيع آبائهِ ﵈، فمتى غيَّر أو بدَّل، أو أمَرَ أَو أمْلَى، أو أَسَرَّ أو أعْلَن، أو دسَّ أو اغْتَال، فجَميع المُسْلمين في شرْق الأرْض وغَرْبها، وفي المُوْقَان، والرَّيّ، وجُدَّة، وأَذْرَبِيْجَان، والدِّيْنَور، وهَمَذَان، والسَّهْل والجَبَل، والقَرِيْب والبَعِيْد، والعِرَاق، والشَّام، وديار رَبِيْعَة، ودِيَار بَكْر، وديار مُضَر، وحَلَب، ومِصْر، والحِجَاز، والمَغْرب، في حِلٍّ وسَعَة من بَيْعَته، وقد فَسَح اللهُ لهم، وفَسَحَ لهم أَمِير المُؤْمنِيْن في النَّكْث لها، وبرَّأ نَفْسَهُ ممَّا أوْجَبَهُ عليهم والتزمُوه في أعْنَاقهم، وقد بَرئ من الله ورَسُوله، والله ورَسُوله منه بَريْئان، وبَرئ إليه من حَوْلهِ وقُوَّته، والْتَجى إلى حَوْل نفسه وقُوَّتها، وأشْهَد الله وملائكته وصَالحي خَلْقه على نَفْسه بذلك كُلّه؛ أمَانًا مُؤكِّدًا، وذِمَامًا مُؤبَّدًا، وعَهْدًا مَسْؤُولًا، ومِيْثَاقًا مَحْفُوظًا مَرْعِيًّا، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١). وكَتَب المَنْصُور بيَده.
وتوجَّه ابنُ المَغْرِبيّ قَبْلَ وُصُول هذا الأمَان إليه إلى العِرَاق، وقَصَدَ فَجْر المُلْكِ أبا غالب وَزِير مُشَرِّف الدَّوْلَةِ أبي عليّ، وبَلغَ القَادِر باللهِ خَبَرُه، فاتَّهمه بالوُرُود لإفْسَادِ الدَّوْلَة العبَّاسيَّةِ، وتردَّد بينه وبين فَخْر المُلْك في بابهِ ما أوْجَب
стр. 3190
خُرُوجَه إلى وَاسِط، وكَتَبَ فَخْر المُلْك بحرَاسَتهِ هناك ومَعْرفَة حَقِّهِ، وأقام مُدَّةً على هذه الجُمْلَة من أمْره، حتَّى إذا تُوفِّي فَخْر المُلْك شَاع في إصْلَاح القَادِر باللهِ، واسْتِعْطَاف رَأيهِ، وإبْرَاءِ سَاحتِه عنده ممَّا كان ظَنَّ به وقَدَّر فيهِ.
وعَادَ إلى بَغْدَاد وأقامَ أيَّامًا بها، ثمٍّ مَضَى إلى قِرْوَاش بن المُقَلَّد أمير العَرَب، وسَارَ معه إلى الموصل فأقام بها مُدَيْدَةً يَسِيْرة، وخَافَهُ المَعْرُوف بابنِ أبي الوَزِير الكَافِي، وكان إذ ذاكَ وَزِيرًا لقِرْوَاش، ومُدَبِّرًا لأُمُور دَوْلته، فَحَمَل إليهِ مَالًا كَثيْرًا، وتقدَّم له بالرَّحِيْلِ، فسار عنها مُتَوَجِّهًا إلى ديَار بَكْر، وأميرها إذ ذاك نَصْر الدَّولَة أبو نَصْر أحْمَد بن مَرْوَان الكُرْدِيّ (١)، فأقامَ عنده مُدَّةً على سَبِيْل الضِّيَافَة، ثُمَّ خُوْطِبَ في التَّصَرُّف، ففَعَلَهُ بعد إباءً شَديدٍ، وامْتِناع كَثِيْر، وكانت لبْسَته إذ ذاك المُرقَّعة والصُّوف، ولم تَمْض إلَّا مُدَّة يَسِيْرة حتَّى غيَّر ذلك اللِّبَاس، وظَهَر أمره بعد الالْتِبَاس، وانكشَفَت حالهُ لجيع النَّاسِ، وجرت حاله على ما قال، وقد ابْتَاع غُلامًا تُرْكيًّا كان يَهْوَاه قبل أنْ يَبِيْعه منه مَوْلاهُ (٢): [من الوافر]
تبدَّل من مُرَقَّعَةٍ ونُسْكٍ … بأنْوَاعَ المُمَسَّكِ والشُّفُوفِ (a)
وعَنَّ له غَزَالٌ، ليس يُحْوي … هَوَاه ولا رضاهُ بلُبْسِ صُوْفِ
فعادَ أشَدَّ ما كان انْتهاكًا … كذاك الدَّهْرُ مُخْتلفُ الصُّرُوفِ
وأقامَ هُناكَ مُدَّةً طَوِيلَةً في أعْلَى حالٍ، وأصَلّ رُتْبةٍ، وأعْظَم مَنْزِلةٍ، ثمّ كُوْتِبَ من المَوْصِلِ بالمَسِيْر إليها، وعَرَض عليه صاحِبُها وزَارَتَهُ، وذلك بعد وَفَاةِ الكَافِي وَزِيره، فسَار عن مَيَّافَارقِين ودِيَار بَكْر على سَبِيْل اعْتِبَار الأعْمَال، وتَصَفُّح