المُؤْمنِيْن وهو بشَاطِئ الفُرَات، فقال: ليحلنَّ هَا هُنا رَكْبٌ من آل رسُولِ اللهِ ﷺ يمَرُّ بهذا المكان فتَقْتلُونهم (a)، فوَيْلٌ لكم منهم، ووَيْلٌ لهم منكُم.
قال الحافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب عليّ بن عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الخِلْعِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن النَّحَّاس، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد بن الأعْرَابِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَن بن عليّ بن مُحَمَّد بن هَاشِم الأسَديّ النَّحَّاس، قال: حَدَّثنا مَنْصُور بن وَاقِد الطَّنَافِسِيّ، قال: حَدَّثنَا عَبْدُ الحَميْد الحِمَّانيَّ، عن الأَعْمَش، عن أبي إِسْحاق، عن كُدَيْر الضَّبِّيّ، قال: بينا أنا مع عليّ بكَرْبَلَاء بين أشْجَار الحَرْمَلِ، أخَذَ بَعْرةً ففَرَكَها ثمّ شَمَّها، ثمَّ قال: ليَبْعَثنَّ الله من هذا المَوضِع قَوْماً يَدْخلُونَ الجَنَّة بغير حِسَاب.
أنْبَأنَا أحْمَد بن أزْهَر بن السَّبَّاك في كتابهِ، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن الفَهْم، قال: أضبَرَنا مُحَمَّد بن سَعْد، قال: أخْبَرَنا عُبَيْدُ الله بن مُوسَى، قال: أخْبَرَنا إِسرَائِيل، عن أبي إسْحاق، عن هَانئ بن هَانئ، عن عليّ، قال (٢): ليُقْتَلنَّ الحُسَين بن عليّ قتلاً، وإنِّي لأعْرفُ تُرْبَة الأرْض الّتي يُقْتَلُ بها، يُقْتَلُ بقَرْيَة قَريب من النَّهْرَين.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل، قال: أخْبَرَنا الحافظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ الحُسَين بنُ عليّ بن أحمَد بن البُسْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الله السُّكَّرِيّ، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد الصَّفَّار، قال: حَدَّثنا أحْمَد بن مَنْصُور الرَّمَادِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاق،
стр. 3257
قال: حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنِة، عن إبْراهيم بن مَيْسَرَة، عن طَاوُس، قال: سَمِعْتُ ابنَ عبَّاسٍ يَقُول: اسْتَشَارني الحُسَين في عليّ ﵉ بالخُرُوج بمَكَّة، قال: فقُلتُ: لولا أنْ يُزْرِي بي أو بكَ لنَشَبْتُ يَدِي في رَأسِكَ، قال: ما أُحبُّ أنْ تُسْتَحَلَّ بي -يعني مَكَّة- قال: يقُول طَاوُوس: وما رأيتُ أحداً أشدّ تَعْظيماً للمَحَارِم من ابن عبَّاس، لو أشَاء أنْ أبْكي لبَكَيْتُ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ الفَرَاويّ في كتابه، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ البَيْهَقِيّ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّدُ بن علي المُقْرِئُ، قال: أخْبَرَنا الحَسَن بن مُحَمَّدُ بن إسْحاق الإسْفَرَاينِيّ، قال: حَدَّثَنَا يُوسُف بن يَعْقُوبَ القَاضِي، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن زنْجُوَيْه، قال: حَدَّثَنَا شَبَابَة بن سَوَّار، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سَالَم الأسَدِيّ، قال: سَمِعْتُ الشَّعْبِيّ يقول: كان ابن عُمَر قَدِمَ المَدِينَة، فأخْبر أنَّ الحُسَين بن عليّ قد تَوَجَّه إلى العِرَاق، فلحقَهُ على مَسيرة ليْلَتَيْن أو ثلاثٍ من المَدِينَة، فقال: أين تُرِيدُ؟ قال: العِرَاق، ومَعَهُ طَوَاميرٌ وكُتُبٌ، فقال: لا تَأتِهم. فقال: هذه كُتُبهم وبَيْعَتهم، فقال: إنَّ الله خيَّر نبيَّهُ بين الدُّنْيا والآخرة، فاخْتَار الآخرة، ولم يُرد الدُّنْيا، وإنَّكُمُ بضْعَةٌ من رسُول الله ﷺ ، لا يليها أحدٌ منكم أبداً، وما صَرَفها اللهُ عنكم إلَّا للّذي هو خَيْر لكُم، فارْجعُوا، فأبَى وقال: هذه كُتُبهم وبَيْعَتهم، قال: فاعْتَنَقهُ ابن عُمَر، وقال: اسْتَوْدعُكَ الله من قَتِيْل.
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة الله القَاضِي، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن طَاوُوس، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي العَلَاء، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّدُ بن عَوْف بن أحْمَد المُزَنِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحَسَنُ بن عليّ، ح.
стр. 3258
قال: وأخْبَرَنا ابنُ أبي العَلَاء، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن حَمْزَة بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الحَرَّانيّ، [قال: قُرئ على أبي القَاسِمِ الحَسَن بن عليّ البَجَليّ، قال: حدَّثنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن سَعِيْد، قال: حدَّثنا يحْيَى بن مَعِين، قال: حدَّثَنا أبو عُبَيْدَة] (a)، قال: حَدَّثَنَا سُلَيم بن حَيَّان - وقال الحِرَّانيّ: سُليْمان - عنِ سَعيد بن مِيْنا، قال: سَمِعْتُ عَبْد الله بن عَمْرو يَقُول: عَجَّل حُسَين قَدَرهُ، عجَّل حُسَين قَدره، واللهِ لو أدْرَكتُه ما كان ليَخْرُج إلَّا أنْ يَغْلبَني، ببَني هاشِم فُتحَ، وببني هاشِم خُتِم، فإذا رأيتَ الهاشِميّ قد مَلَك فقد ذَهَبَ الزَّمانُ.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد، عنِ أبي غَالِب أحْمَد، وأبي عَبْد الله يَحْيَى ابْنَي الحَسَن بن البَنَّاء، قالا: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر بن المُسْلِمَةِ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن بن العبَّاسِ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنا الزُّبَيْر بن بَكَّار، قال: حَدَّثَني عَمِّي مُصْعَب بن عَبْدِ الله (١)، قال: أخْبَرَني مَنْ سَمِعَ هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعانِيّ يَقُول عن مَعْمَر، قال: وسَمِعْتُ رَجُلًا يُحَدِّثُ عن الحُسَين بن عليّ، قال: سَمِعْتُه يقُول لعبدِ الله بن الزُّبَيْر: أتَتْنِي بَيْعَةُ أرْبَعين ألفاً يحلفُونَ لي بالطَّلَاق والعَتَاق من أهْلِ الكُوفَة - أو قال: من أهْلِ العِرَاق - فقال له عَبْدُ الله بن الزُّبَيْر: أتخرُجُ إلى قَوْم قتلُوا أباكَ وأخْرَجوا أخاكَ؟ قال هِشَام بن يُوسُف: فسَألتُ مَعْمَراً عن الرَّجُل، فقال: هو ثِقَةٌ، قال عَمِّي: وزَعَم بعضُ النَّاس أنَّ عَبْد الله بن العبَّاس هو الّذي قال هذا.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن منْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو النُّجْح يُوسُف بن شُعَيْب
стр. 3259
القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم بن هِبَة الله الرّنْديّ (a)، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّدُ الفارسِي، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن عبد الله البَيِّع، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّدُ الحسن بن مُحَمَّد بن يَحْيَى العَلَويّ العَقيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي يَحْيَى بن الحُسَين، قال: حَدَّثَني الزُّبير بن بَكَّار، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن فَضَالَة، عن أبي مِخْنَف، قال: حَدَّثَني عَبْدُ المَلِك بن نَوْفَل بن مُسَاحِق، عن أبي سَعيدٍ المقبُريّ، قال: واللهِ لرَأيْتُ الحُسَين بن عليّ وأنَّهُ ليَمْشِي بين رَجُلَين؛ يَعْتَمدُ على هذا مرَّةً وعلى هذا مرَّةً أُخرى حتَّى دَخَلَ مَسْجِدَ رسُول الله ﷺ وهو يَقُول مُتَمَثِّلاً (١): [من الخفيف]
لا ذَعَرْتُ السّوَامَ في فلَقِ … الصبْح مُغيراً ولا دُعيْتُ يَزِيْدَا
يَوْم أُعْطِى مَخَافَة المَوْت ضَيْمًا … والمَنَايا يرصُدْنني أن أَحِيْدَا
قال: فعَلِمْتُ عند ذلك أنَّهُ لا يَلْبَثُ إلّا قَليلاً حتَّى يَخْرُج، فما لبثَ أنْ خَرَجَ حتَّى لَحِقَ بمَكَّة.
أنْبَأنَا أحْمَد بن أزْهَر بن السَّبَّاك، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن عليّ الشَّاهِدُ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن العبَّاسِ الخَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أحْمَد في معْروف، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن فَهْمٍ الفقِيه، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سَعْد (٢)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي ذِئْب، قال: حَدَّثَني عَبْد الله بن عُمَيُر مَوْلَى أُمّ الفَضْل، ح.
قال: وأخْبَرَنا عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عُمَر بن عليّ، عن أبيهِ، ح.
قال: وأخْبَرَنا يَحْيَى بن سَعيد بن دِيْنار السَّعْدِيّ، عن أبيهِ، ح.
стр. 3260
قال: وحَدَّثَني عبدُ الرَّحْمن بن أبي الزَّنَادِ، عن أبي وَجْزَة (a) السَّعْدِيّ، عن عليّ بن حُسَيْن - قال: وغير هؤلاءِ أيْضًا قد حدَّثَني - قال مُحَمَّدُ بن سَعْدٍ: وأخْبَرَنا عليّ بن مُحَمَّد، عن يَحْيَى في إسْمَاعِيْل بن أبي المُهاجِر، عن أبيهِ، وعن لُوط بن يَحْيَى الغَامِدِيّ، عن مُحَمَّد بن نَشْر (b) الهَمْدانِيّ وغيره، وعن مُحَمَّد بن الحَجَّاج، عن عَبْد المَلِك بن عُمَيْر، وعن هَارُون بن عِيسَى، عن يُونُس بن أبي إسْحاق، عن أَبِيهِ، وعن يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة، عن مُجَالِدٍ، عن الشَّعْبِيّ.
قال ابنُ سَعْدٍ: وغير هؤلاء أيْضًا قد حَدَّثَني في هذا الحَدِيْثِ بطَائِفَةٍ، فكَتَبْتُ جَوَامِع حَدِيثهم في مَقْتَل الحُسَين رَحْمَةُ اللهُ عليهِ ورِضوَانهُ وصَلَواته وبَرَكاتهُ.
قالوا: لمَّا بايَع مُعاوِيَةُ بن أبي سُفْيان النَّاسَ ليَزِيْد بن مُعاوِيَة، كان حُسَيْن بن عليّ بن أبي طَالِب ممَّن لم يُبَايع له، وكان أهْل الكُوفَة يْكْتبُون إلى حُسَين يَدْعُونَهُ إلى الخُرُوج إليهم في خِلَافَة مُعاوِيَة؛ كُلّ ذلك يأبَى، فقَدِمَ منهم قَوْمٌ إلى مُحَمَّد بن الحَنَفِيَّةِ، فطَلَبُوا إليه أنْ يَخْرُج معهم فأبَى، وجاء إلى الحُسَين فأخْبره بما عَرضُوا عليه، وقال: إنَّ القَوْم إنَّما يُرِيدُونَ أنْ يَأكُلوا بنا، ويُشِيْطُوا دمَاءَنا، فأقامَ حُسَينٌ على ما هو عليه من الهُمُومِ، مرَّةً يُريدُ أنْ يَسِيْر إليهم، ومرَّةً يُجْمِعُ الإقَامَةَ، فجاءَهُ أبو سَعيدٍ الخُدْرِيّ، فقال: يا أبا عَبْدِ اللهِ، إنِّي لم نَاصِحٌ، وإنِّي عليكم مُشْفِقٌ، وقد بَلَغَني أنَّهُ كاَتَبَكَ قَوْمٌ من شِيْعَتكُمُ بالكُوفَة يَدْعُونَكَ إلى الخُرُوج إليهم، فلا تَخْرُج؛ فإنِّي سَمِعْتُ أباكَ يقُول بِالكُوفِةِ: واللهِ قد مَلْلِتُهُم وأبْغَضْتُهم، ومَلُّوني وأبْغَضُوني، وما بَلَوْتُ منهم وَفَاءً، ومنْ فازَ بهم فَازَ بالسَّهْمِ الأخْيَب، واللهِ ما لهم نيِّاتٌ، ولا عَزْمُ أمرٍ، ولا صَبْرٌ على السَّيْفِ.
стр. 3261
قال: وقَدِمَ المُسَيَّبُ بن نَجَبَةَ الفَزَارِيُّ وعدَّةٌ معه إلى الحُسَين بعد وَفَاة الحَسَن، فدَعُوهُ إلى خَلْعْ مُعاوِيَةَ، وقالوا: قد عَلِمْنا رأيك ورأي أخيكَ، فقال: إنِّي أرجُو أنْ يُعْطِي الله أخي على نِيَّته في حُبِّهِ الكَفّ، وأنْ يُعْطِيَني على نِيَّتي في حُبِّي جِهاد الظَّالمِين.
وكَتَبَ مَرْوَان في الحَكَم إلى مُعاوِيَة: إنِّي لسْتُ آمَنُ أنْ يكُون حُسَينٌ مُرْصِداً للفِتْنَةِ، وأظُنُّ يَومَكم من حُسَين طَوِيْلاً.
فكَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى الحُسَين: إنَّ مَنْ أعْطَى الله صَفْقَة يَمِيْنهِ وعَهْده لجَدِيرٌ بالوَفَاءَ، وقد أُنْبِئتُ أنَّ قَوْماً من أهْل الكُوفَة قد دَعَوكَ إلى الشِّقَاق، وأهْلُ العِرَاقِ مَنْ قد جَرَّبْتَ! قد أفْسَدُوا على أبيْك وأخِيكَ؛ فاتَّق الله، واذْكُر المِيْثَاق، فإنَّكَ مَتَى تَكِدْني أَكِدْكَ.
فكَتَبَ إليه الحسُين: أتَاني كتابُكَ وأنا بغير الّذي بَلَغكَ عنِّي جَدِيرٌ، والحَسَنات لا يَهْدي لها إلَّا اللهُ، وما أردْتُ لك مُحَارَبةً، ولا عليك خِلَافاً، وما أظُنّ لي عند الله عُذْراً في تَرْك جِهادكَ، وما أعْلَمُ فِتْنَةً أعْظَم من ولايتِكَ أمْرَ هذه الأُمَّة. فقال مُعاوِيَةُ: إنْ أثَرْنا بَأبي عَبْدِ الله إلَّا أسَدًا.
وكَتَبَ إليه مُعاوِيَةُ أيْضًا في بَعْضِ ما بلغَهُ عنه: إنِّي لأَظُنُّ أنَّ في رَأسِكَ نَزْوةً فوَدَدْتُ أنْ أُدْركَها (a) فأغْفِرها لكَ.
قال: وأخْبَرَنا عليّ بن مُحَمَّد، عن جُوَيْرِيَة بن أسْماء، عن نَافِع (b) بنِ شَيْبَة، قال: لَقِيَ الحُسَينُ مُعاوِيَةَ بمَكَّة عند الرَّدْم (١)، فأخَذَ بخِطَام رَاحلَتِه فأنَاخ بهِ، ثمّ
стр. 3262
سَارَّهُ حُسَينٌ طَوِيْلاً وانْصَرَف، فزَجَرَ مُعاوِيَة راحلتَهُ: فقال له يَزِيدُ: لا يزالُ رَجُل قد عَرَضَ لك فأنَاخَ بكَ، قال: دَعْهُ لعَلَّهُ يَطْلبُها من غيري فلا يُسَوِّغْهُ فيَقْتُله.
رَجْع الحَدِيْثُ إلى الأوَّل:
قالُوا: ولمَّا حُضِرَ مُعاوِيَةُ، دَعا يَزِيدَ بن مُعاوِيَة فأوْصَاهُ بما أوْصَاهُ به، وقال له: انْظُر حُسَيْن بنَ عليّ ابن فاطِمَة بنْتِ رسُول الله ﷺ ، فإنَّهُ أحبُّ النَّاسِ إلى النَّاسِ، فصِلْ رَحِمَهُ، وارْفُق به يَصْلُح لكَ أمْرُه، فإنْ يَكُ منه شيءٌ فإنِّي أرْجُو أنْ يَكْفيكَهُ اللهُ بمَنْ قَتَل أباهُ وخَذَل أخاهُ.
وَتُوفِّيَ مُعاوِيَةُ ليلَة النِّصْف من رَجَب سَنَة ستّين، وبايَعَ النَّاسُ ليَزِيْد، فكَتَبَ يَزِيد مع عَبْدِ اللهِ بن عَمْرو بن أُوَيسٍ (a) العَامِرِيّ - عامر بن لُؤي (b) - إلى الوَلِيدِ بن عُتْبَة بن أبي سُفْيان، وهو في المَدِينَة، أنْ أُدْعُ النَّاسَ فبَايعْهُم، وِابْدَأ بوُجُوه قُرَيْشٍ، وليكُن أوَّل مَنْ تَبْدأ بهِ الحُسَين بن عليّ، فإنَّ أَمِير المُؤْمنِيْن، ﵀، عَهِدَ إليَّ في أمْرِه الرِّفْقَ به واسْتِصْلَاحه، فبَعَثَ الوَلِيد من سَاعتهِ - نصْفَ اللَّيْل - إلى الحسُينِ بن عليٍّ وعبد الله بن الزُّبَيْر، فأخْبَرَهمُا بوَفَاةِ مُعاوِيَة، ودَعَاهمُا إلى البَيْعَةِ ليَزِيْد، فقال: نُصْبح ونَنْظُر ما يَصْنعُ النَّاسُ، ووثَبَ الحُسَين فخَرَجِ، وخَرَجَ معه ابنُ الزُّبَيْر وهو يَقُول: هو يَزِيد الِّذي نَعْرفُ (c)، والله ما حَدَثَ له حزْم ولا مُرُوءَة، وقد كان الوَلِيدُ أغْلَظَ للحُسَيْن فشَتَمَهُ الحُسَين، وأخَذ بعِمَامَته فنَزَعها من رَأسِهِ، فقال الوَلِيدُ: إنْ هِجْنَا بأبي عَبْدِ اللهِ إلَّا أسَدًا. فقال له مَرْوَان أوَ بعضُ جُلَسَائهِ: اقْتُلهُ، قال: إنَّ ذلك لدَمٌ مَضْنُون في بني عَبْدِ مَنَافٍ، فلمَّا صَارَ الوَلِيدُ إلى مَنْزِله، قالت له امرأتُه أسْماء ابنَةُ عبد الرَّحْمن بن الحَارِث بن هِشَامٍ: أَسَبَبْتَ
стр. 3263
حُسَيْنًا؟ قال: هو بَدَأ فسَبَّنيّ، قالت: وإنْ سَبَّكَ حُسَين تَسُبُّهُ، وإنْ سَبَّ أباكَ تَسُبّ أباهُ؟! قال: لا.
وخَرَجَ الحُسَينُ وعبدُ الله بن الزُّبَيْر من لَيْلَتهما إلى مكَّة، وأصْبَح النَّاسُ فغَدوا على البَيْعَة ليَزِيْدَ، وطُلِبَ الحُسَين وابنُ الزُّبَيْر فلم يُوْجَدَا، فقال المِسْوَر بن مَخْرَمَة: عَجِلَ [أبو] (a) عَبْد اللّه! وابنُ الزُّبَيْر الآن يُلْفِتُه ويزْجِيْه (b) إلى العِرَاق ليخْلُو بمَكَّة، فقَدِمَا مَكَّة، فنَزَل الحُسَين دار العبَّاسِ بن عَبْد المُطَّلِب، ولَزِمَ ابنُ الزُّبَيْر الحِجْرَ، ولبسَ المَعَافِرِيّ، وجَعَلَ يُحَرِّضُ النَّاس على بني أُمَيَّة، وكان يَغْدُو ويَرُوح إلى الحُسَين، ويُشِيْرُ عليه أنْ يَقْدَمَ العِرَاقَ، ويقُول: هُم شِيْعَتُك وشِيْعَةُ أبيك، فكان عَبْد اللّه بنُ عبَّاسٍ يَنْهاهُ عن ذلك ويقُول: لا تَفْعَل، وقال له عَبْد الله بن مُطِيع: أي فداكَ أبي وأُمِّي، مَتِّعْنا بنَفْسكَ ولا تَسِر إلى العِرَاق، فواللهِ لئن قَتَلَك هؤلاء القَوْم ليتَّخِذُنا خَوَلًا وعَبيْدًا.
ولَقِيَهُما عَبْدُ اللّه بن عُمَر وعبْدُ اللّه بن عَيَّاش بن أبي رَبِيْعَة بالأَبْوَاء (c) مُنْصَرِ فينَ من العُمْرَة، فقال لهما ابن عُمَر: أُذَكِّركُما اللّه (٤) ألَّا رجَعتُما فدَخَلتُما في صَالِح ما يَدْخُل فيهِ النَّاسُ، وتَنْظُرا، فإنْ اجْتَمَع النَّاسُ عليه لم تَشُذَّا، وإنْ افْتُرِقَ عليه كان الّذي تُرِيْدَان.
وقال ابنُ عُمَر لحُسَين: لا تَخْرُج؛ فإنَّ رسُول اللّهِ ﷺ خَيَّرهُ الله بين الدُّنْيا والآخِرة فاخْتَار الآخرة، وإنَّكَ بضْعَة منهُ، ولا تَنَالها - يعني الدُّنْيا - فاعْتَنَقَهُ وبَكَل ووَدَّعَهُ، فكان ابن عُمَر يَقُول: غلَبنا حُسَيْن بن عليّ بالخُرُوج، ولعَمْري لقد رَأى في أبيهِ وأخيْهِ عِبْرة، ورَأى من الفِتْنَةِ وخِذْلَان النَّاس لهم ما
стр. 3264
كان يَنْبَغي له أنْ لا يتحرَّكَ ما عاش، وأنْ يَدْخُل في صالح ما دَخَل فيهِ النَّاس، فإنَّ الجَمَاعَةَ خَيْرٌ.
وقال له ابن عبَّاسٍ: أينَ تُريدُ يا ابن فاطمَة؟ قال: العِرَاق وشِيْعَتيّ، فقال: إنِّي لكَارِهٌ لوِجْهكَ هذا، تَخْرُج إلى قَوْمٍ قَتَلُوا أَباكَ، وطَعَنُوا أخَاكَ، حتَّى تركَهُم سَخْطَةً ومَلَّةً لهم!؟ أُذَكِّركَ اللّه أنْ تُغَرِّر بنَفْسِك.
وقال أبو سَعيد الخُدْرِيّ: غَلَبَني الحُسَين بن عليّ على الخُرُوج، وقد قُلْتُ له: اتَّقِ اللّه في نفسكَ، والْزَم بيتَكَ، فلا تَخْرُج على إمَامكَ.
وقال أبو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ: بلَغَني خُرُوج حُسَين فأدْركتُه بمَلَل (١)، فناشَدتُهُ اللّه أنْ لا يَخْرُج، فإنَّهُ يَخْرُج في غير وجهِ خُرُوج، إنَّما يَقْتُل نَفْسَهُ، فقال: لا أرْجعُ.
وقال جَابِرُ في عَبْدِ اللّه: كلَّمْتُ حُسَيْنًا فقُلتُ: اتَّقِ الله ولا تَضْرب النَّاس بَعْضَهُم ببعْضٍ، فواللهِ ما حُمِدتُم ما صَنَعْتُم، فعَصَاني.
وقال سَعيدُ بن المُسَيَّب: لو أنَّ حُسَيْنًا لَم يَخْرُج لكان خَيْرًا له.
وقال أبو سَلَمَة بنُ عبد الرَّحْمن: قد كان يَنْبَغي لحُسَين أنْ يَعْرفَ أهْلَ العِرَاق ولا يَخْرُج إليهم، ولكن شَجَّعَهُ على ذلك ابن الزُّبَيْر.
وكَتَبَ إليهِ المِسْوَر بن مَخْرَمَة: إيَّاكَ أنْ تَغْتَرَّ بكُتُب أهْل العِرَاق، ويقُول لك ابنُ الزُّبَيْر: إلْحَقْ بهم فإنَّهُم نَاصِرُوكَ! إيَّاكَ أنْ تَبْرَح الحَرَم (a)، فإنَّهُم إنْ كانت لهم بك حاجةٌ فسَيَضْربونَ آباطَ الإِبِل حتَّى يُوَافُوكَ، فتخْرجُ في قُوَّة وعدَّة، فجَزَاهُ خَيْرًا، وقال: أستَخِيرُ اللّه في ذلك.
стр. 3265
وكَتَبَتْ إليهِ عَمْرَةُ بنْتُ عبد الرَّحْمن تُعَظِّم عليه ما يُرِيدُ أنْ يَصْنَعَ، وتأمُرهُ بالطَّاعةِ ولُزُوم الجَمَاعَة، وتُخْبره أنَّه إنّما يُسَاق إلى مَصْرعه، وتقول: أَشْهَدُ لحَدَّثَتني عائِشَةُ (١): أَنَّها سَمِعَت رسُول اللهِ ﷺ يَقُول: يُقْتَل حُسَين بأرض بَابِلَ، فلمَّا قرأ كتَابها، قال: فلا بُدَّ لي إذًا من مَصْرَعيّ، ومَضَى.
وأتَاهُ أبو بَكْر بن عبد الرَّحْمن بن الحَارِث بن هِشَام، فقال: يا ابن عَمّ، إنَّ الرَّحمَ تَظْأرُني (٢) عليكَ، وما أدْري كيف أنا عندَكَ في النَّصِيْحة لك؟ قال: يا أبا بَكْرٍ، ما أنْتَ ممَّن يُسْتَغَشُّ ولا يُتَّهَمُ ففُلْ، قال: قد رأيْتَ ما صَنعَ أهْلُ العِرَاق بأبيك وأخيْك، وأنْتَ تُريدُ أنْ تَسير إليهم، وهم عَبِيدُ الدُّنْيا؛ فيُقَاتلُكَ مَنْ قد وَعَدَكَ أنْ ينصُرك، ويَخْذُلك مَنْ أنْتَ أحبَّ إليهِ ممَّن يخصُره، فأُذَكِّرُكَ الله في نَفْسكَ، فقال: جَزَاكَ اللّهُ يا ابن عَمّ خَيْرًا، فقد اجْتَهَدت، ومهما يَقْضِ اللّه من أمرٍ يكُن، فقال أبو بَكْرٍ إنَّا للّه، عند اللهِ نَحْتَسبُ أبا عَبْد اللّه!.
وكَتَبَ عَبْدُ اللّهِ بن جَعْفَر بن أبي طَالِب إليهِ كِتَابًا يُحذِّرُه أهْلَ الكُوفَة، ويُنَاشِدُهُ اللّه أنْ يشخَص إليهم، فكَتَبَ إليهِ الحُسَين: إنِّي رَأيتُ رُؤْيا، ورَأيْتُ فيها رسُول اللّهِ، وأمَرَني بأمرٍ أنا مَاضٍ له، ولسْتُ بمُخْبر بها أحدًا حتَّى أُلَاقي عَمَلي.
وكَتَبَ إليهِ عَمْرُو بن سَعيد بن العَاص: إنِّي أسْأل اللّه أنْ يُلْهِمَكَ رُشْدَكَ، وأنْ يَصْرِفَكَ عمَّا يُرْدِيْكَ، بَلَغَني أنَّك قد اعتزمْتَ على الشُّخُوصِ إلى العِرَاق، فإنّي أُعِيْذُكَ باللّهِ من الشِّقَاقِ، فإنْ كُنْتَ خائفًا فأقْبِل إليَّ، فلك عندي الأمَانُ والبرُّ والصِّلَةُ. فكَتَبَ إليهِ الحُسَين: إنْ كُنْتَ أرَدْتَ بكتابك إليَّ برِّي وصِلَتي فجُزِيْتَ خَيْرًا في الدُّنْيا والآخرة، وإنَّهُ لَم يُشَاقق مَنْ ﴿دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣)،
стр. 3266
وخَيْرُ الأمَان أمَان اللّهِ، ولَم يُؤمن باللّه مَنْ لم يَخَفْهُ في الدُّنْيا، فنسْألُ اللّه مَخَافَةً في الدُّنْيا تُوْجِبُ لنا أمان الآخرة عندَهُ.
وكَتَبَ يَزِيدُ بن مُعاوِيَة إلى عَبْد الله بن عبَّاسٍ يُخْبرُه بخُرُوج حُسَين إلى مَكَّة: ونَحْسَبهُ جاءَهُ رِجالٌ من أهْلِ هذا المَشْرِق فمَنَّوه الخِلَافَة، وعندكَ منهم خِبْرةٌ وتَجْربةٌ، فإنْ كان فَعَلَ، فقد قَطَعَ وَاشِجَ القَرَابَةِ، وأنتَ كَبِير أهْل بَيْتكَ والمَنْظُور إليهِ، فاكْففْهُ عن السَّعْي في الفُرْقَةِ.
وكَتَبَ بهذه الأبيَاتِ إليهِ وإلى مَنْ بَمَكَّة والمَدِينَة من قُرَيْشْ (١): [من البسيط]
يا أيُّها الرَّاكِبُ الغَادِي لطِيَّتِه … على عُذَافِرةٍ في سَيْرها قَحَمُ
أبْلِغْ قُرَيْشًا على نَأي المَزَار بها … بَيْني وبين حُسَين اللّهُ والرَّحِمُ
وموْقف بفِنَاءِ البيتِ أَنْشُدُهُ … عَهْدَ الإلَهِ وما تُوْفَى به الذِّمَمُ
عَنَّيْتُم قَوْمكُم فَخْرًا بأُمِّكُمُ … أُمّ لعَمْرِي حَصَانٌ بَرَّةٌ (a) كَرَمُ
هي الِّتي لا يُدَاني فَضْلَها أحَدٌ … بنْتُ الرَّسُولِ وخَيْرُ النَّاسِ قد عَلِمُوا
وفَضْلُها لكم فَضْلٌ وغَيْرُكُم … من قَوْمِكُم لهم في فَضْلِها قِسَمُ
إنِّي لأعْلَمُ أو ظَنًّا كعَالمِهِ … والظَّنُّ يَصْدُقُ أحْيانًا فيَنْتَظِمُ
أنْ سَوْفَ يَتْرُككُم ما تدَّعُونَ بها … قَتْلَى تهادَا كم العِقْبَانُ والرّخَمُ
يا قَوْمَنا لا تَشُبُّوا الحَرْبَ إذ سَكَنَتْ … ومَسِّكُوا بحِبَال (b) السّلْم واعْتَصِمُوا
قد غَرَّتِ الحَرْبُ مَنْ قد كان قبلكُمُ … من القرُونِ وقد بَادَت بها الأُمَمُ
فأَنْصِفُوا قَوْمَكُم لا تَهْلِكُوا بذَخًا … فرُبَّ ذِي بَذَخ زَلَّتْ بهِ القَدَمُ
стр. 3267
قال: فكَتَبَ إليهِ عَبْدُ اللّه بنُ عبَّاسٍ: إنِّي لأرْجُو أنْ لا يكون خُرُوجُ الحُسَينِ لأمْرٍ تَكْرَهُهُ، ولسْتُ أدَعُ النَّصِيْحة له في كُلِّ ما يَجْمَعُ اللّهُ بهِ الأُلْفَةَ ويُطْفِئ بهِ النَّائِرَةَ.
ودَخَل عَبْدُ اللّه بن عبَّاسٍ على الحُسَنِ فكلَّمه ليلًا طَويلًا، وقال: أُنْشدُكَ اللّه أنْ تهْلكَ غَدًا بحال مضْيَعَةٍ لا تأتي العِرَاق، وإنْ كُنْتَ لا بُدَّ فاعلًا، فأقِم حتَّى يَنْقَضِي الموسِمِ، وتَلْقَى النَّاسَ، وتَعْلم على ما يَصْدُرونَ، ثُمَّ تَرَى رأيكَ، وذلك في عشر ذِي الحِجَّةِ سَنة ستِّين، فأبَى الحُسَينُ إلَّا أنْ يَمْضِي إلى العِرَاقِ، فقال له ابنُ عبَّاسٍ: واللّهِ إنَّي لأظُنُّكَ سَتُقْتَل غَدًا بين نِسَائك وبَناتكَ كما قُتِل عُثْمان بين نِسَائهِ وبَنَاتهِ، واللّه إنِّي لأخَافُ أنْ تكُون الّذي يُقَاد به عُثْمان، فإنَّا للّهِ وإنَّا إليهِ رَاجعُونَ.
فقال [الحُسَين] (١): أبا العبَّاسِ، إنَّكَ شَيْخٌ قد كَبِرْت، فقال: ابنُ عبَّاسٍ: لولا أنْ يُزْرِي ذلك بي أو بكَ لنَشَبْتُ يَدِي في رَأسِكَ، ولو أعْلَم أنَّا إذا تَنَاصَيْنا أَقَمْتَ لفَعَلْتُ، ولكن لا أخَالُ ذلك نَافِعي. فقال له الحُسَين: لأنْ أُقْتَلَ بمكانِ كَذَا وكَذَا أحَبُّ إليَّ أنْ تُسْتَحَلّ بي - يعني: مَكَّة - قال: فبَكَى ابن عبَّاسٍ وقال: أقررْتَ عَيْن ابن الزُّبَيْر فذاك الّذي يُسْلِي (a) بنَفْسِي عنه.
ثُمَّ خَرَجَ عَبْدُ اللّه بن عبَّاسٍ من عنده وهو مُغْضَبٌ، وابنُ الزُّبَيْر على الباب، فلمَّا راهُ، قال: يا ابن الزُّبَيْر قد أتَى ما أحْببتَ، قرَّت عَيْنُكَ! هذا أبو عَبْد اللّهِ يَخْرُج ويتركُكَ والحِجَازَ (٢): [من الرجز]
يا لَكِ من قُبَّرةٍ بمَعْمَر … خَلَا لكِ الجَوُّ فبِيْضِي واصْفِري
ونَقِّرِي ما شِئْتِ أنْ تُنَقِّرِي
стр. 3268
وبَعَثَ حُسَين إلى المَدِينَة، فقَدِمَ عليه مَنْ خَفَّ معه من بَنِي عَبْدِ المُطَّلِب، وهُم تِسْعَة عَشر رَجُلًا ونسَاء وصِبْيَان من أخوَاته وبَنَاتهِ ونسَائهم، وتَبِعَهُم مُحَمَّدُ بن الحَنَفِيَّةِ، فأدْرَك حُسَيْنًا بمَكَّة، وأعْلَمَهُ أنَّ الخُرُوج ليس له برأيٍ يَوْمَهُ هذا، فأبَى الحُسَين أنْ يقبَل، فحبس مُحَمَّدُ بن عليّ ولدَهُ، فلم يَبْعَثَ معه أحدًا منهم حتَّى وَجَدَ حُسَينٌ في نَفْسه على مُحَمَّد، وقال: تَرْغَبُ بولدِكَ عن مَوضِع أُصَابُ فيه!؟ فقال مُحَمَّدٌ: وما حَاجَتي أنْ تُصَابَ وبُصَابُونَ معك، وإنْ كانت مُصِيْبُتَك أعْظَم عندنا منهم!.
وبَعَثَ أهْلُ العِرَاق إلى الحُسَين الرُّسُل والكُتبَ يَدْعُونَه إليهم، فخَرَجَ مُتَوَجِّهًا إلى العِرَاق في أهْل بَيْتهِ وسِتِّين شَيْخًا من أهْل الكُوفَة، وذلك يوْم الاثْنَين في عَشْرِ ذِي الحِجَّة سَنَة ستِّين، فكَتَب مَرْوَانُ إلى عُبَيْدِ اللّه بن زياد:
أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّ الحُسَين بن عليّ قد توجَّه إليكَ، وهو الحُسَين ابن فاطمَةَ، وفاطِمَةُ بنْتُ رسُول اللّه ﷺ ، وتاللّهِ (a) ما أحَدٌ يُسَلِّمه اللّه أحَبَّ إلينا من الحُسَين، فإيَّاكَ أنْ تهيْجَ على نفسكَ ما لا يَسُدُّه شيءٌ، ولا تَنْسَاهُ العامَّةُ ولا تدَعُ ذِكْرَهُ، والسَّلام عَليْك.
وكَتَبَ إليهِ عَمْرو بن سَعيد بن العَاص: أمَّا بعدُ؛ فقد تَوَجَّه إليكَ الحُسَين، وفي مِثْلها تَعْتِقُ أو تكُون عَبْدًا يُسْتَرَقُ (b) كما تُسْتَرقّ العَبِيْدُ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ اللّه بنُ الحسُين بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ، إجَازَةً أو سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الحافِظُ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللّه الحُسَين بن عليّ بن أحْمَد بن البُسْرِيّ، قَرَأتُ عليه، وقُرِئ عليه وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللّه بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللّه السُّكَّرِيّ، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الصَّفَّار، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مَنْصُور الرَّمَادِيّ، قال: حَدَّثَنَا
стр. 3269
عَبْدُ الرَّزَّاق - يعني ابن هَمَّام الصَّنْعانِيّ - قال: أخْبَرَنا ابنُ عُيَيْنَة، قال: أخْبَرَني لَبَطَةُ بن الفَرَزْدَق، عن أَبيِهِ، قال: خَرَجْتُ أُرِيدُ الحَجَّ، فلمَّا أتَيْتُ الصِّفَاح (١) إذا بقَوْم عليهم هذه اليَلَامِقُ وعليهم دَرقٌ، وإذا جَمَاعَةٌ، وإذا رُكْبانٌ، قال: فنَزَلْتُ عن رَاحِلَتي فقُلْتُ لبعضهم: ما هذا؟ قالوا: الحُسَين بن عليّ ﵄ يُرِيْدُ العِرَاق، قال: فسَيَّبْتُ رَاحِلَتي ثمّ مَشَيْتُ إليهِ حتَّى أخَذْتُ بالخِطَام، أو قال بالزِّمَام، فقُلتُ: أبو عَبْدِ اللّه؟ قال: أبو عَبْدِ اللّهِ، فما وراءك؟ قال: قُلْتُ - وصَوَابُهُ: أنتَ (a) - أحبُّ النَّاسِ إلى النَّاسِ، والسُّيُوف مع بَنِي أُمَيَّة، والقَضَاءُ من السَّماءَ، قال: فوِاللهِ لقد امْتَعَضَ منها وما أعْجَبَتْهُ، قال: ثمّ مَضَى ومَضَيْتُ، فلمَّا كان يَوْم النَّفْرِ، مَرَرْتُ بسُرَادِقٍ فإذا بفِنَائه صِبْيَان سُوْدٌ فُطْسٌ، قال: فأخَذْتُ بقَفَا صَبيّ منهم فقُلتُ: لمَن أنْتَ؟ قال: لعَبْدِ اللّه بن عَمْرو، قال: فقُلتُ: فأينَ هو؟ قال: في السُّرَادِق، قال: فدَخَلْتُ فسَلَّمْتُ فقُلتُ: ما قَوْلُكَ في الحُسَين بن عليّ ﵉؟ قال: لا يُحِيْكُ فيه سِلَاحُهُم، قال: فخَرَجْتُ، قال: فبينا أنا على ماءٍ بين الكُوفَة ومَكَّة إذا إنْسَان يُوْضِعُ على بَعِيْره، قال: فقُلتُ: منِ أينَ؟ قال: من الكُوفَة، قال: قُلْتُ: ما فَعَل الحُسَين بن عليّ؟ قال: قُتِلَ، قال: فَرفَعْتُ يَدِي فقُلتُ: اللَّهُمَّ افْعَل بعَبْدِ اللّه بن عَمْرو إنْ كان يَسْخَرُ بي.
قال سُفْيان بن عُيَيْنَة في غير هذه الرِّوَايَة: ذَهَبَ الفَرَزْدَق إلى غير المَعْنى - أو قال: الوَجْه - إنَّما هو لا يُحِيْكُ فيه السِّلاح؛ لا يَضُرُّه القَتْل مع ما قد سَبَق له.
أنْبَأنَا أبو عليّ الحَسَنُ بن هِبَةِ اللّه بن الحَسَن بن عليّ الدَّوَامِيِّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي مُحَمَّد في عُمَر بن يُوسُف الأرْمَوِيّ، قال: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو الغَنائِم عبدُ
стр. 3270
الصَّمَد بن عليّ بن المَأْمُون، قال: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو الفَضْلِ مُحَمَّد بن الحَسَن بن الفَضْل بن المَأْمُون، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم الأنْبارِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يُونُس، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيْدَة مَعْمَرُ بن المُثَنَّى التَّيْمِيّ، قال: حَدَّثَني لَبَطَةُ بن الفَرَزْدَقِ، عن أَبِيهِ، قال: حَجَجْتُ، فلمَّا كُنْتُ بذَاتِ عرْقٍ لَقِيَني الحُسَين بن عليّ يُريدُ الكُوفَة، فقصَدْتُه فسَلَّمْتُ عليه، فقال لي: ما خلَّفْتَ لنا وراءك بالبَصْرة؟ فقُلتُ: قُلُوبُ القَوْم معكَ وسُيُوفهُم مع بني أُمَيَّة، فقال: ما أشُكُّ في أنَّكَ صَادِقٌ، النَّاسُ عَبِيْدُ الدُّنْيا، والدِّينُ لَغْوٌ على ألْسِنَتهم يحُوْطُونَهُ ما درَّت بهِ مَعَايشُهُم، فإذا اسْتُنْبطُوا قلَّ الدَّيّانُونَ.
وقال ابنُ المَأْمُون: حَدَّثَنَا أبو بَكْرٍ مُحَمَّد بن القَاسِم الأنْبارِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد الغَاضِرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُثْمان المَازِنِيّ، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيّ، عن أَعْيَن بن لَبَطَة بن الفَرَزْدَق، عن أَبِيهِ، قال: رأيْتُ أبي في النَّوْم بعدَ موْتهِ، فقُلتُ لَهُ: ما فَعَلَ اللهُ بكَ؟ فقال: غَفَر لي بقَصْدِي الحُسَينَ وسَلَامي عليهِ.
أخْبرَنا أبو حَفْص الدَّارْقَزِّيّ، فيما أَذِنَ لَنا فيه، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب أحْمَدُ بن الحَسَن، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الآبِنُوسِيّ، قال: أخْبَرَنا عُبَيْدُ الله بن عُثْمان بن جُنَيْقَا (a) الدَّقَّاق، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْل بن عليّ الخُطَبِيّ، قال: وكان مَسِيْرُ الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب -ويُكْنَى بأبي عَبْد الله، وأُمُّهُ فاطِمَةُ بنتُ رسُول اللهِ ﷺ من مَكَّة إلى العِرَاق بعد أنْ بَايَعَ له من أهْلِ الكُوفَة إثْنا عَشر ألفًا على يَدي مُسْلِم بن عَقِيل بن أبي طَالِب، وكَتَبُوا إليه في القُدُوم عليهم، فخَرَجَ من مَكَّة قَاصِدًا إلى الكُوفَة، وبلَغَ يَزِيدَ
стр. 3271
خُرُوجُه، فكَتَب إلى عُبَيْدِ الله بن زِيَاد -وهو عَامِلُهُ على العِرَاق- يأمُرهُ بمُجَارَبَته، وحَمْله إليه إنْ ظَفِر به، فوجَّه اللَّعِيْنُ عُبَيْدُ الله بن زِيَاد الجَيْشَ إليه مع عُمَر بن سَعْد بن أبي وَقَّاصٍ، وعَدَل الحُسَين إلى كَرْبَلَاء، فلَقِيَهُ عُمَر بن سَعْدٍ هُناك، فاقْتَتَلُوا فقُتِلَ الحُسَين رِضْوَان الله عليه ورَحْمَتُه وبَرَكاتُه، ولَعْنَةُ اللهِ على قاتِله، وكان قَتْلهُ في اليَوْم العاشر من المُحَرَّم يَوم عَاشُوْراء من سَنَة إحْدَى وسِتِّين.
وقال أبو غَالب: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم بن المَأْمُون، قال: أخْبَرَنا عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن إسْحاق، قال: أخْبَرَنا عبد الله بن مُحَمَّد، قال: حدَّثَني عَمِّي، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر (١)، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن الضَّحَّاك، عن أَبِيهِ، قال: خَرَجَ الحُسَين بن عليّ إلى الكُوفَة سَاخِطًا لوِلَايَةِ يَزِيد، فكَتَبَ يَزِيد إلى ابن زِيَادٍ، وِهو وَاليهِ على العِرَاق: إنَّهُ قد بَلَغَني أنَّ حُسَيْنًا قد صَارَ إلى الكُوفَة، وقد ابْتُلِيَ به زمَانُكَ من بين الأزْمَانِ، وبَلَدُكَ من بين البُلْدان، وابْتُليْتَ به أنْتَ من بين العُمَّالِ، وعندَها تَعْتِقُ أو تَعُودُ عَبْدًا كما تُعْتَبَدُ العَبِيْدُ، فقَتَلَهُ ابنُ زِيَادٍ وبَعَثَ برَأسهِ إليهِ.
أخْبَرَنا عُمَر بن مُحَمَّد المُكْتب إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل في أحْمَد، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن الطَّبَريّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر الحُمَيْدِيّ، قال: حَدَّثَني سُفْيان، قال: حَدَّثَني رَجُلٌ من بَني أَسَد يقال له: أبو بَحِيْر (a) بعد الخَمْسِين والمائة، وكان من أهْلِ الثَّعْلَبِيَّة، ولم يكُن في الطَّريق رَجُل أَكبر منهُ، فقُلتُ: مثل مَنْ كُنْتَ حين مرَّ بكُم حُسَيْن بن عليّ؟ قال: غُلَام قد أيْفَعتُ، قال: فقام إليه أخ لي كان أكْبر منِّي يُقال له: زُهَيْر، قال: أي ابن بنْت رسُول
стр. 3272
اللهِ ﷺ ، إنِّي أراكَ في قِلَّةٍ من النَّاسِ، فأشَار بسَوْطٍ في يده هكذا فضَرَبَ حقيبَةً وَرَاءَهُ، فقال: هَا، إنَّ هذه مَمْلُوءَة كُتُبًا، فكأنَّهُ شَدَّ من مُنَّة أخي، قال سُفْيان: فقُلتُ لهُ: ابن كم أنتَ؟ قال: ابن ستّ عَشرة ومائة، قال سُفْيان: وكُنَّا اسْتَوْدَعْناهُ طَعَامًا لنا ومَتَاعًا، فلمَّا رَجَعْنا طَلَبْناهُ منه، فقال: إنْ كان طَعَامًا فلعَلَّ الحَيَّ قد أكلُوه، فقُلْنا: إنَّا للهِ، ذَهَبَ طَعَامُنا! فإذا هو يَمْزَحُ معي، فأخْرَج إلينا طَعَامنا ومَتَاعَنا.
وقال: حَدَّثَنَا يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر -يعني الحُمَيْدِيّ- قال: حَدَّثَنَا سُفْيان، قال: حَدَّثَنَا شِهَاب بن خِرَاش، عن رَجُلٍ من قَوْمه، قال: كُنْتُ في الجَيْشِ الّذين بَعَثَهُمِ عُبَيْد الله بن زِيَاد إلى حُسَيْن بن عليّ، وكانُوا أرْبَعة آلاف يُريدونَ الدَّيْلَم، فصَرفهُم عُبَيْد الله بن زِيَاد إلى حُسَيْن بن عليّ، فلقيتُ حُسَيْنًا، فرأيتُه أسْوَد الرَّأْسِ واللِّحْيَة، فقُلتُ لَهُ: السَّلامُ عَليْك يا أبا عَبْد اللهِ، فقال: وعليك السَّلام -وكانت فيه غُنَّةٌ- فقال: لقد باتَت منكم فينا سلة منذ اللَّيْلة، يعني سرق.
قال شِهَابٌ: فحدَّثْتُ به زَيْد بن عليّ فأعْجَبهُ، وكانت فيه غُنَّةٌ، قال سُفْيان: وهي في الحُسَيْنيِّيْنَ.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللهِ بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرِّحْمن، ح.
وأخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أبي المَعَالِي بن الحَدَّادِ، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن آدَم المَرَاغِيّ قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو طَالِب مُحَمَّد بن الحَسَن بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن الحَسَن بن أحْمَد بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الخَالِق بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنَا إسْحاق بن الحَسَن الحَرْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَني يَزِيد الرِّشْك،
стр. 3273
قال: حَدَّثَني مَنْ شَافَه الحُسَين بهذا الكَلَام، قال: حَجَجْتُ فأخَذْتُ ناحيةَ الطَّريق أتَعَسَّفُ الطَّريقَ، فدفعْتُ إلىِ أبْنيةٍ وأخْبِيَةٍ فأتَيْتُ أدْنَاها فُسْطَاطًا، فقُلتُ: لمَن هَذا؟ فقالوا: للحُسَيْن بن عليّ ﵁، فقُلتُ: ابن فاطِمَة بنْت رسُول اللهِ؟ قالوإ: نعم، قُلتُ: في أيُّها هو؟ فأشَارُوا إلى فُسْطَاط، فأتَيْتُ الفُسْطَاط فإذا هو قاعدٌ عند عَمُود الفُسْطَاطِ، وإذا بينَ يَدَيْهِ كُتُب كَثِيْرة يَقْرأُها، فقُلْتُ: بأبي أنت وأُمِّي، ما أجْلَسَكَ في هذا المَوضِع الّذي ليس فيه أَنِيْسٌ ولا مَنْفَعَة؟ قال: إنَّ هؤلاء -يعني السُّلْطان- أخَافُوني، وهذه كُتُب أهْل الكُوفَة إليَّ وهُم قاتِليّ، فإذا فعلُوا ذلك لَم يَتْركُوا للهِ حُرْمَةً إلَّا انتَهَكُوها، فسلَّط اللهُ عليهم مَنْ يُذلّهم حتَّى يَتْركهم أذَلَّ من فَرِمِ الأَمَةِ. قال جَعْفَر: فسَألتُ الأصْمَعِيّ عن ذلك، قال: هي خِرْقَةُ الحَيْضَة اذا ألْقَتْها النِّسَاءُ (١).
أنْبَأنَا أبو حَفْص بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب أحْمَد بن الحَسَن، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا عُبَيْدُ الله بن مُحَمَّد بن إسْحاق، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد في عَبْد العَزِيْز، قال: حَدَّثَني أحْمَد بن مُحَمَّد بن عيْسَى، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن عَوْن، قال: أخْبَرَنا خَالِد، عن الجريْرِيّ، عن عَبْد رَبِّهِ أو غيره، أنَّ الحُسَين بن عليّ لمَّا أرْهَقَهُ السِّلاحُ، وأخذ له السِّلاح، قال: ألَا تَقْبلونَ منِّي ما كان رسُول اللهِ ﷺ يَقْبَلُ من المُشْرِكين؟ قالوا: وما كان رسُول الله ﷺ يَقْبَلُ من المُشْرِكين؟ قال: كان إذا جَنَح أحَدُهم قَبِلَ منه، قالوا: لا، قال: فدَعُوني أرْجِعُ، قالوا: لا، قال: فدَعُوني آتي أَمِير المُؤْمنِيْن، فأخذ له رَجُل السِّلاح، فقال له: أَبْشِر بالنَّار، فقال: بل إنْ شَاءَ اللهُ برَحْمَةِ ربِّي وشَفَاعة نبيِّي ﷺ ، فقُتِلَ وجيء برأسهِ حتَّى وضَعه في طَسْت بين يَدي ابن زِيَاد فنَكَتَهُ بقَضِيْبٍ، وقال: لقد كان غُلامًا
стр. 3274
صَبِيْحًا، ثُمَّ قال: أيُّكم قاتِلهُ؟ فقام الرَّجُل، فقال: أنا قتَلْتُه، فقال: ما قال لك؟ فأعاد الحَدِيْث، فاسْوَدَّ وَجْهُهُ.
قال عَبْد الله بن مُحَمَّد: وحَدَّثَني عَمِّي، قال: حَدَّثَني القَاسِم في سَلَّامٍ، قال: حَدَّثَني جَجَّاجِ بن مُحَمَّد، عن أبي مَعْشَر، عن بعض مَشْيَخَته، قال: قال الحُسَين بن عليّ حين نَزَلُوا كَرْبَلَاء: ما اسْم هذه الأرْض؟ قالوا: كَرْبَلَاء، قال: كَرْب وبَلَاء، وبعثَ عُبَيْدُ الله بن زِيَادٍ عُمَر في سَعْدٍ فقَاتَلَهُم، فقال الحُسَين: يا عُمَر، اخْتَر منِّي إحْدى (a) ثلاث خِصَالٍ: إمَّا أنْ تَتْركني أرْجِعُ كما جِئْت، فإنْ أبَيْتَ هذه فسَيِّرني إلى يَزِيد، فأضَع يَدِي على يَده، فيَحْكُم فيَّ ما رَأى، فإنْ أبَيْتَ هذه فسَيِّر بيِ إلى التُّرْك فأُقاتلهم حتَّى أمُوتَ، فأرْسَل إلى ابن زِيَادٍ بذلك، فهمَّ أنْ يُسَيِّره إلى يَزِيد، فقال له شَمِر بن [ذي] (b) جَوْشَن: لا، إلَّا أنْ يَنْزل على حُكْمك، فأرْسَل إليهِ بذلك، فقال الحُسَين: واللهِ لا أفْعَل، وأبْطَأ عُمَر عن قتَالهِ، فأرْسَل إليه ابن زِيَاد شَمِر بن [ذي] جَوْشَن، فقال: إنْ تقدَّم عُمَر يُقَاتِل، وإلّا فاقْتُلْه وكُنْ أنتَ مكانَهُ، وكان مع عُمَر قريبٌ من ثلاثين رَجُلًا من أهْلِ الكُوفَة، فقالوا: يَعْرضُ عليكم ابن بنت رسُول الله ﷺ ثلاث خِصَالٍ، فلا تَقْبلونَ منها شيئًا، فتَحَوَّلوا مع الحُسَين فقاتلُوا.
وقال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم البَغَويّ، قال: حَدَّثَنَا إسْحاق بن إسْمَاعِيْل الطّالَقَانِيّ سَنَة خَمْسٍ وعشرين، قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عن ابن أبي لَيْلَى، قال: قال الحُسَين بن عليّ حين أحَسَّ بالقَتْل: أبْغُوني ثَوْبًا لا يُرْغَب فيه أجْعَله تحت ثِيَابي لا أُجَرَّد، فقيل له: تبَّان؟ فقال: ذلك لباسُ مَنْ ضُرِبَت عليه الذِّلَّة، فأخَذَ ثَوْبًا فخَرَّقَهُ فجعلَهُ تحت ثِيَابهِ، فلمَّا قُتِلَ جُرِّد صَلَواتُ الله عليه ورِضْوَانه.
стр. 3275
أنْبَأنَا أبو نَصَر القَاضِي، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرنا أبو مُحمّد بن أبي نَصْر قال: أخْبَرَنا أبو المَيْمُون في رَاشِد، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَة (٢)، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن سُلَيمان، عن عَبَّاد بن العَوَّام، عن حُصَيْن، قال: أدْرَكتُ ذاك حين مَقْتَل الحُسَين، قال: فحَدَّثَني سَعد (a) بن عُبَيْدة، قال: فرَأيتُ الحُسَينَ وعليه جُبَّة برُودٍ، ورَمَاهُ رَجُلٌ يُقال له: عَمْرو بن خَالِدٍ الطُّهَوِيُّ بسَهْمٍ، فنَظَرْتُ إلى السَّهْم مُعَلَّقًا بجُبَّتهِ.
أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُرَجَّا بن أبي الحَسَن بن هِبَة الله بن غَزَال التَّاجر الوَاسِطِيّ، قال: أخْبَرَنا العَدْل أبو طَالِب مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد بن الكَتَّانِيّ، قِرَاءةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد الله العَجَمِيّ، قِرَاءةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن مُحمّد بن مَخْلَد البَزَّاز (a)، قِرَاءهً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحَسَن الصِّلْحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ مُحَمَّد بن عُثْمان بن سَمْعَان الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أسْلَم بن سَهْل بن أسْلَم بن حَبِيْب الرَّزَّاز الوَاسِطِيّ المَعْرُوف بَحْشَل (٣)، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا الهَيْثَمُ بن غَالب الشَّيْبَانِيّ، قال: سَمِعْتُ أبِا إسْحاق الشَّيْبَانِيّ -وأتاه رَجُل من آل حَوْشَب في يَزِيْد- فقال له: إنَّ مَالِك بن حوْشَب أخا حَوْشَب بن يَزِيد قُتِلَ وعليه جُبَّة خَزٍّ، فقال له أبو إسْحاق الشَّيْبَانِيّ: وإنَّ الحُسَين بن عليّ رِضْوَان الله عليهما قُتِلَ وعليه جُبَّة خَزٍّ، وقد نَصَل خضَابُه، وكان يَخْضِبُ بالسَّوَادِ، فدُفِنَ في ثِيَابهِ.
стр. 3276
وقال: حَدَّثَنَا بَحْشَل (١)، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى بن صُبَيْح، قال: حدّثنا هُشَيْم، قال: أخْبَرَنا زَاذَانُ أبو مَنْصُور، قال: رأيْتُ الحُسَين بن عليّ رِضْوَان عليه مَخْضُوبَ الرَّأسِ واللِّحْيَةِ بالوَسْمَة.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُليَمان بن بَنِيْن، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن حَمْد بن حَامِد الأرْتاحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين الفَرَّاء إجَازَةً لي، قال: أنْبَأنَا أبو إسْحاق إبْراهيم بن سَعيد الحَبَّال، وستّ المُوَفَّق خَدِيجَة مَوْلاة أبي حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد الصِّقِلِّيّ المُرَابِطَة -قال: أبو إسْحاق أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الجَبَّار بن أحْمَد بن عُمَر بن حَسَن الطَّرَسُوسِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الحَسَن بن الحُسَين بن بُنْدَار الأنْطَاكِيّ، قِرَاءةً عليه، وقالت خَدِيجَةُ: قُرِئ على أبي القَاسِم يَحْيَى بن أحْمَد بن عليّ بن الحُسَين بن بُنْدَار بن عَبْد الله بن خَيْر الأَذَنِيّ الأنْطَاكِيّ، وأنا شَاهِدةٌ أسْمَع، قال: أخْبَرَني جَدِّي القَاضِي أبو الحَسَن علىّ بن الحُسَين بن بُنْدَار- قالا: حَدَّثَنَا أبو العبَّاسِ مَحْمُود بن مُحَمَّد بن الفَضْل الأدِيْبُ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن خَلَف، قال: حَدَّثَنَا نَصْر بن مُزَاحِم العَطَّار (٢)، عن أبي مِخْنَف، قال: حَدَّثَني سُليْمان بن أبي رَاشِد، عن حُمَيْد بن مُسْلِم، قال: سَمِعْتُ الحُسَينَ بن عليّ وقد أحَاطُوا بهِ يَقُول: اللَّهُمَّ احْبس عنهم قَطْرَ السَّماء، وامْنَعهُم بَرَكاتِ الأرْض، وإنْ متَّعْتَهم إلى حينٍ، ففرِّقهُم فِرَقًا، ومَزِّقْهُم مزَقًا، واجْعَلهُم طَرَائقَ قِدَدًا، ولا تُرْض عنهم الوُلَاة أبدًا، فإنَّهم دعَوْنا ليَنْصُرونا، فعَدَوْا علينا فقَتَلُونا. وضَارَبَ حتَّى كَفَّهُم عنه، ثمّ تَعَاوَرُوا (a) عليه فقَتَلُوه.
стр. 3277
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبِهِ تَوْفِيقِي
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن عليّ الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن العبَّاس، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا الحُسَيْن بن الفَهم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْد (١)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن مُحَمَّد، عن عَامِر بن أبي مُحَمَّد، عن الهَيْثَم بن مُوسَى، قال: قال العَرْيَان بن الهَيْثَم: كان أبي يَتَبَدَّى فيَنْزل قريبًا من المَوضع الّذي كان فيه مَعْركَة الحُسَين، فكُنَّا لا نَبْدُوا إلَّا وجَدْنا رَجُلًا من بَني أَسْد (a) هناكَ، فقال لأ أبي: أراكَ مُلَازمًا هذا المكان؟ قال: بَلَغَني أنَّ حُسَيْنًا يقتَل هَل هُنا، فأنا أخرُج لعلِّي أُصَادِفه فأُقْتَل معه، فلمَّا قُتِلَ الحُسَين قال أبي: انْطَلقُوا ننظُر هل الأسْدِي فيمن قُتِلَ، فأتينا العرَكَة، فطَّوَفْنا فإذا الأسْدِيّ مَقْتُول.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر، عن الفَضْل بن سَهْل الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد في علىّ في ثَابِت (٢) إذْنًا، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن أحْمَد الضَّبِّيّ، قال: أخْبَرَنا علِيّ بن عُمَر الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن نُوح الجُنْدَيْسَابُورِيّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن حرْب الجُنْدَيْسَابُورِيّ، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن أبي قيس، عن يَحْيَى بن سَعيدٍ أبي حَيَّان، عن قُدَامَة الضَّبِّيّ، عن جَرْدَاء بنت سُمَيْر، عن زوْجها هَرْثَمَة بن سلمى (a)، قال: خَرَجنا مع عليّ في بَعْضِ
стр. 3278
غَزْوهِ (a)، فسَارَ حتَّى انْتَهَى إلى كَرْبَلَاء، فنَزَل إلى شَجَرَة يُصَلِّي إليها، فأخَذَ تُرْبَةً من الأرْض فشمَّها ثُمَّ قال: وَاهًا لك تُرْبَة! ليُقْتَلنَّ بكِ قَوْمٌ يَدخلُونَ الجَنَّة بغير حِسَاب، قال: فقَفَلْنا من غَزَاتنا، وقُتِلَ عليّ ونسيْتُ الحَدِيْث.
قال: فكُنْتُ في الجَيْش الّذي سَارُوا إلى الحُسَين، فلمَّا انْتَهَيتُ إليهِ، نَظَرْتُ إلى الشَّجَرة فذكَرْتُ الحَدِيْث، فتقدَّمْتُ على فَرَسٍ لي فقُلتُ: أُبَشِّركَ ابنَ بنْتِ رسُول اللّهِ ﷺ وحدَّثْتُهُ الحَدِيْثَ، قال: معنا أو عَلَينا؟ قُلتُ: لا مَعَك ولا عليك، وتَرَكْتُ عِيَالًا وتَرَكْتُ (b)! قال: أمَّا لا فولّ في الأرْضِ، فو الّذي نفسُ حُسَنِ يده لا يَشْهَد قَتْلَنا اليَوْم رَجُل إلَّا دَخَل جَهَنَّم، فانطَلَقْتُ هَارِبًا مُولِّيًا في الأرْض حتَّى خَفِيَ عليَّ مَقْتَلهُ.
أخْبَرَنا مُرَجَّا بن أبى الحَسَن التَّاجر، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن علِيّ بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن أحْمَد بن عَبْد اللّهِ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَخْلَد، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن عُثْمان الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن سَهْل الوَاسِطيّ، قال: حدّثنا إسْمَاعيل بن عيْسَى، قال: حدَّثنا يَزِيد بن هَارُون، قال: أخْبَرَتْنِي أُمِّيّ، عن جَدّتها، قالت: أدْرَكتُ قَتْل الحُسَين بن عليّ رِضْوَان الله عليه، فلمَّا قُتِلَ خَرَج ناس إلى إبلٍ كانت معه فانْتَهَبُوها، فلمَّا كان اللَّيْلُ رأيتُ فيها النِّيْرَان تَلْتَهب، فاحْتَرقَ كُلّ ما أُخِذَ من عَسْكَره.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن إبْراهيم بن أحْمَد المَقْدِسِيّ بنابُلُس، وأبو المُظَفَّر حَامِد بن [أبي] (c) العَمِيْد بن أَمِيْري القَزْوِينيّ بحَلَب، قالا: أخْبَرَتْنا شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج الإِبَرِيّ، قالت: أخْبَرَنا أبو الفَوَارِس طَرَّاد بن مُحَمَّد بن
стр. 3279
عليّ الزَّيْنَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عليّ بن مُحَمَّد بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو علىِّ الحُسَين بن صَفْوَان البَرْدَعِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللّهِ بن مُحَمَّد بن عُبيد بن أبي الدُّنْيا القُرَشِيّ (١)، قال: أخْبَرَني العبَّاس بن هِشَام بن مُحَمَّد الكُوْفيّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه، قال: كان رَجُل من بَنِي أَبَان بن دَارِم يُقال له: زُرْعَة، شَهِدَ قَتْل الحُسَين ﵁، فرَمَى الحُسَين بسَهْمٍ فأصَاب حَنَكه، فجَعَل يلْتقي (a) الدَّم، ثمّ يقول هكذا إلى السَّماء، فيَرْمي به، وذلك أنَّ الحُسَين ﵁ دعا بماء ليَشْرَبَ، فلمَّا رَمَاهُ حال بينَهُ وبين الماء، فقال: اللَّهُمَّ ظَمِّئْهُ، اللَّهُمَّ ظَمِّئْهُ، قال: فحَدَّثَني مَنْ شَهِدَهُ وهو يَمُوت، وهو يَصِيْحُ من الحرِّ في بَطْنه، والبَرْد في ظَهْره، وبينَ يَدَيْهِ المَرَاوح والثَّلْج، ومن خَلْفه الكَانُون، وهو يَقُول: اسقُوني أهْلَكَني العَطَشُ، فيُؤتَى بالعُسِّ العَظِيْم فيه السُّوَيْقُ أو الماء واللَّبَن، لو شَربه خَمْسةٌ لكَفاهُم، قال: فيَشْربه، ثمّ يعُود فيقول: اسْقُوني أهْلَكَني العَطَشُ، قال: فانْقَدَّ بَطْنُه كانْقِدَادِ البَعِيْر.
أخْبَرَنا أبو العبَّاسِ أحْمَد بن مَسْعُود بن شَدَّاد الصَّفَّار المَوْصِليّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر أحْمَد بن أحْمَد بن عَبْد العَزِيْز بن القَاصّ بالمَوْصِل، قال: أخْبَرَنا الرَّئِيسُ أبو عليّ مُحَمَّد بن سَعيد بن إبْراهيم بن نَبْهان، قال: أخْبَرَنا أَبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد بن إبْراهيمِ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو سَهْل أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن زِيَادٍ، قال: حَدَّثَنِي أبو يُوسُفَ يَعْقُوب بن الخَضِر المتُطَبِّبُ، قال: حَدَّثَنَا أَبو نُعَيْم، قال: حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَة، عن أَبيِهِ، قال: أدْرَكتُ من قَتَلَة الحُسَين ﵁ رَجُلَيْن، أمَّا أحَدُهما فإنَّ اللّه طوَّل ذَكَرَهُ، فكان يَحْملُه على عَاتقه، وأمَّا الآخرُ فكان يأتي عَزْلَاء (٢) الرَّاوِيَة فيَضَعُها على فيهِ حتَّى يَسْتَفرغها ويَصِيْحُ: العَطَش
стр. 3280
العَطَش، ويَدُور إلى الجانب الآخر من الرَّاوِيةِ فيَسْتَفرغها، ولا يَرْوَى، وذلك أنَّهُ نَظَر إلى الحُسَين وقد أهْوَى إلى فيهِ وهو يَشْرَب فرَمَاهُ بسَهْمٍ، فقال الحُسَين: ما لكَ لا أرْوَاكَ اللهُ من الماء في دُنْياك ولا في آخرتك.
أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر حَامِد بن [أبي] (a) العَمِيْد بحَلَب، وأبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن إبْراهيم المَقْدِسِيُّ بنابُلُس، ومَحْفُوظ بن هِلال الرَّسْعَنِيّ برَأس عَيْن، قالوا: أخْبَرَتْنا شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج الكَاتِبة - قال مَحْفُوظ: إجَازَةً. قالت: أخْبرنا طَرَّاد بن مُحمّد الزَّيْنبيّ، قال: أخْبَرنا أبو الحُسَين بن بِشْران، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا (١)، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن إِسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا سُفْيان، قال: حَدَّثَتني جَدَّتي أُمّ أبيّ، قالت: أدْرَكتُ رَجُلَين ممَّن شَهِدَ قَتْلَ الحُسَين، فأمَّا أحدُهمُا؛ فطَالَ ذَكرَهُ حتَّى كان يَلُفُّهُ، وأمَّا الآخرُ؛ فكان يَسْتَقْبِل الرَّاوِية فيَشْرَبُها حتَّى يأتي على آخرها. قال: قال سُفْيان: أدْرَكتُ ابنَ أحَدهما به خَبَل أو نحو هذا.
قَرَأتُ في الأخْبار الطِّوَال تأليف أبي حَنِيْفَة أحْمَد بن دَاوُد الدِّينورِيّ (٢)، ودبَهَرَ خَبَر خُرُوج الحُسَين ﵇ منِ مَكَّة إلى أنْ قُتِلَ، فأحْبَبْتُ إيْراد ذِكْر قتله، ومَنْ قُتِلَ معه منٍ أهْله؛ لأنَّهُ اسْتَوْعَبَ ذِكْره مع الاخْتِصَار، ونَقَلَهُ عن رُوَاةِ السِّيَر، قال بَعْدَما أوْرَدَهُ من تَسْيير مُسْلم بن عَقِيل بن أبي طَالِب إلى الكُوفَة، وأخْذه البَيْعَة عِلى ثَمانية عَشر ألف من أهْلِ الكُوِفَة، ونَكْثهِم والظَّفَر به وقَتْله، قال: قالُوا: ولمَّا رَحَلَ الحُسَين من زَرُوْد (٣)، تلقَّاهُ رجُل من بَني أَسْد، فسَأله عن
стр. 3281
الخَبَر، فقال: لم أخْرُج من الكُوفَة حتَّى قُتِلَ مُسْلِم بن عَقِيل وهَانئ بن عُرْوَة، ورَأيْتُ الصِّبْيَان يَجُرُّون بأرْجلهما، فقال: إنَّا للّهِ وإنَّا إليهِ رَاجعُونَ، عندَ اللّهِ نَحْتَسِب أنْفُسَنا، فقيل له: نُنْشُدك (a) اللّه يا ابن رسُول اللّه في نَفْسك، وأنْفُس أهْل بَيْتكَ هؤلاء الّذين تَرَاهُم (b) معك، انْصَرف إلى مَوْطنِكَ (c)، ودَع المَسِيْرَ إلى الكُوفَة، فواللهِ ما لك بها نَاصِرٌ، فقال بنُو عَقِيل - وكانُوا معه -: ما لنا في العَيْشِ بعد أَخِيْنا مُسْلِم حَاجَة، ولسْنا برَاجِعين حتَّى نَمُوتَ، فقال الحُسَين: فما خَيْرٌ في العَيْشِ بعد هؤلاء، وسَارَ، فلمَّا وَافَى زُبَالَة وَافاهُ بها رَسُول مُحَمَّد بن الأشْعَث وعُمَر بن سَعْد بما كان سَألَهُ مُسْلِم أنْ يَكْتب به إليهِ من أمْره، وخِذْلَان أهْل الكُوفَة إيَّاهُ بعد أنْ بَايَعُوه، وقد كان مُسْلِم سَألَ مُحَمَّدَ بنَ الأشْعَث ذلك - يعني حين ظَفر به ابن زِيَاد، سَألَ ابن الأشْعَث وعُمَر بن سَعْد، أنْ يَكْتبا إلى الحُسَين بذلك (١) - فلمَّا قرأ الكتابَ اسْتَيْقَنَ بصِحَّة الخَبَر، وأفْظَعَهُ قتل مُسْلِم بن عَقِيل وهَانئ بن عُرْوَة، ثمّ أخْبرهُ الرَّسُول بقَتْل قَيْس بن مُسْهِر رَسُولهِ الّذي وَجَّهَه من بَطْن الرُّمَّة (٢).
وقد كان صَحِبَهُ قَوْمٌ من مَنَازِل الطَّريق، فلمَّا سَمِعُوا خَبَرَ مُسْلِمٍ، وقد كانُوا ظَنُّوا أنّه يقدمُ على أَنْصَارٍ وعَضُدٍ، تفرَّقُوا عنه، ولم يَبْقَ معه إلَّا خاصَّته.
فسار حتَّى انْتَهَى إلى بَطْن العَقِيْق، فلَقِيَهُ رَجُل من بَنِي عِكْرِمَة، فسَلَّم عليهِ، وأخْبَرهُ بتَوْطِيد ابن زِيَاد الخَيْل ما بين القَادِسيَّةِ إلى العُذَيْب رَصَدًا له، ثمّ قال له: انْصَرف بنَفْسِي أنْتَ، فواللهِ ما تَسير إلَّا إلى الأَسِنَّةِ والسُّيُوف، ولا تَتَّكلنَّ على الّذين كتبُوا إليك؛ فإنَّ أُولئكَ أوَّل النَّاسِ مُبَادَرةً إلى حَرْبك. فقال له الحُسَين:
стр. 3282
قد ناصَحْتَ وبالَغْتَ فجُزِيْتَ خَيْرًا، ثمّ سلَّم عليهِ، ومَضَى حتَّى نَزَلَ بشَرَاةٍ باتَ بها، ثمّ ارْتَحلَ وسَار، فلمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ، واشْتَدّ الحَرُّ، وكان ذلك في القَيْظِ، تَرَاءَتْ لهم الخَيْلُ، فقال الحُسَينُ لزُهَيْر بن القَيْن: أمَا هَا هُنا مكانٌ نَلْجأُ (a) إليهِ أو شَرَفٌ نجعَلُهُ خَلْفَ ظُهُورنا ونَسْتَقْبل القَوْم من وَجْهٍ واحدٍ؟ قال له زُهَيْرٌ: بلى؛ هذا جَبَلُ ذي جُشَم يَسْرةً عنكَ، فمِلْ بنا إليهِ، فإنْ سبقْتَ إليهِ فهو كما تحبُّ، فسار حتَّى سَبَق إليهِ، وجَعَل ذلك الجَبَلَ وراءَ ظَهْره.
وأقْبَلَت الخَيْلُ، وكانُوا ألْفَ فارس مع الحُرّ بن يَزِيد التَّمِيْمِيّ ثمّ اليَرْبُوعِيّ، حتِّى إذا دَنَوا، أمَرَ الحُسَينُ ﵇ فِتْيانَهُ أنْ يَسْتَقْبلوهُم بالماء فشَربُوا، وتغَمَّرت خَيْلهم، ثمّ جَلَسُوا جَمِيعًا في ظِلِّ خُيُولهم، وأَعِنَّتُها في أيْديهم، حتَّى إذا حَضَر الظُّهْر قال الحُسَين ﵇ للحُرِّ: أتُصَلِّي معنا، أو تُصَلِّي بأصْحَابكَ وأُصَلِّي بأصْحَابي؟ قال الحُرُّ: بل نُصَلِّي جَمِيعًا بصَلاتكَ، فتقدَّم الحُسَين ﵇، فصَلَّى بهم جَمِيعًا.
فلمَّا انْفَتَلَ من صَلَاتهِ، حَوَّلَ وَجْهَهُ إلى القَوْم، ثُمَّ قال: أيُّها النَّاسُ، مَعْذِرَةٌ إلى اللّهِ، ثمّ إليكم، إنِّي لم آتِكُم حتَّى أتَتْني كُتُبكم، وقَدِمَتْ عليَّ رُسُلكُم، فإنْ أعْطَيْتُموني ما أطْمئنّ به من عُهُودكم ومَوَاثِيْقكُم دَخَلْنا معَكُم مِصْرَكُم، وإنْ تكُن الأُخرِى انْصَرفتُ من حيثُ جئت. فأُسْكت القَوْم، فلم يَردُّوا عليه شَيْئًا، حتَّى إذا جاءَ وقْتُ العَصْر نَادَى مُؤَذِّن الحُسَين، ثمّ أقام، وتقدَّم الحُسَين فصَلَّى بالفَرِيْقَينِ، ثمّ انْفَتَلَ إليهم، فأعاد مثل القَوْل الأوَّل، فقال الحُرُّ بن يزيد: واللّهِ ما نَدْري ما هذه الكُتُب الّتي تَذْكُر، فقال الحُسَينُ ﵇: إئْتني بالخُرْجَين اللَّذين فيهما (b) كُتُبهم، فأُتي بخُرْجَين مَمْلُوءَين كُتُبًا، فنُثِرَت بين يَدَي الحُرّ وأصْحَابهِ، فقال له
стр. 3283
الحُرُّ: يا هذا، لسْنَا ممَّن كَتَبَ إليكَ شَيئًا من هذه الكُتُب، وقد أُمِرْنا أنْ لا نُفَارقك إذا لقيْنَاك أو نَقْدم بك الكُوفَة على الأَمِير عُبَيْدِ اللّه بن زِيَاد، فقال الحُسَين ﵇: المَوْتُ دُونَ ذلك!.
ثمّ أمَرَ بأثْقَالهِ، فُحمِلَتْ، وأمَرَ أصْحَابه، فرَكِبُوا، ثُمَّ ولَّى وَجْهَهُ مُنْصَرفًا نحو الحِجَاز، فحال القَوْم بينَهُ وبين ذلك، فقال الحُسَين للحُرِّ: ما الّذي تُريد؟ قال: أُرِيدُ واللّهِ أنْ أنْطَلِق بك إلى الأَمِير عُبَيْدِ اللّه بن زِيَاد، قال الحُسَين: إذًا واللّهِ أُنَابِذكَ الحَرْب، فلمَّا كَثُر الجِدَالُ بينهما قال الحُرُّ: إنِّي لم أُوْمَرْ بقِتَالكَ، وإنَّما أُمِرْتُ أنْ لا أُفَارقك، وقد رأيتُ رَأيًا فيه السَّلامَةُ من حَرْبك، وهو أنْ تَجْعل بيني وبينك طَرِيقًا، لا تُدْخلُكَ الكُوفَة، ولا تردُّكَ إلى الحِجَاز، تكُون نَصَفًا بيني وبينكَ حتَّى يَأتينا رَأي الأَمِير، قال الحُسَين: فخُذ هَا هُنا، وآخذ مُتَياسِرًا من طَريْق العُذَيْب، ومن ذلك المكان إلى العُذَيْب ثَمانيةٌ وثَلاثُون مِيْلًا، فسَارا جَمِيعًا حتَّى انْتَهوا إلى عُذَيْب الحَمَّامَاتِ، فنَزَلُوا جَمِيعًا، وكُلّ فَرِيقٍ منهما على غَلْوَة من الآخر.
ثُمَّ ارْتَحل الحُسَينُ من مَوضِعِهِ ذلك مُتَيامنًا عن طَرِيق الكُوفَة حتَّى انْتَهَى إلى قَصْر بَنِي مُقَاتِل، فنَزَلُوا جَميعًا هناك، فنَظَر الحُسَين إلى فُسْطَاطٍ مَضْرُوبٍ، فسَألَ عنه، فأُخْبرَ أنَّهُ لعُبَيْدِ اللّهَ بن الحُرّ الجُعْفِيّ، وكان من أشْرَافِ أهْلِ الكُوفَة وفُرْسَانهم، فأرْسَل الحُسَين إليهِ بَعْضَ مَوَالِيهِ يأمُره بالمَصِيْر إليهِ، فأتاهُ الرَّسُول، فقال: هذا الحُسَين بن عليّ يَسْألك أنْ تَصِيْر إليهِ، فقال عُبَيْد اللّه: واللّهِ ما خَرَجْتُ من الكُوفَة إلَّا لكَثْرة مَنْ رَأيتُهُ خَرَجَ لمُحَاربتهِ وخِذْلَان شِيْعَته، فعَلِمْتُ أنَّهُ مَقْتُول، ولا أقْدِرُ على نَصْره، فلسْتُ أحبُّ أنْ يَرَاني ولا أرَاهُ، فانْتَعَل الحُسَين حتَّى مَشَى، ودَخَل عليهِ قُبَّتَهُ، ودَعَاهُ إلى نُصْرتهِ، فقال عُبيدُ اللّه: واللّه إنِّي لأعْلَم أنَّ مَنْ شَايعَكَ كان السَّعِيْدَ في الآخرة، ولكن ما عَسَى أنْ أُغْني عنكَ، ولم أُخَلَّف لك بالكُوفَة نَاصِرًا، فأنْشُدك اللّه أنْ تَحْمِلَني على هذه الخُطَّة، فإنَّ نَفْسِي لَم
стр. 3284
تَسْمح بَعْدُ بالمَوْتِ، ولكن فَرَسي هذه المُلحِقَة، والله ما طَلَبْتُ عليها شَيْئًا قَطّ إلَّا لَحقْتُه، ولا طَلَبني وأنا عليها أحدٌ قَطّ إلَّا سَبَقْتُه، فخُذْها، فهي لكَ، قال الحُسَين: أمَّا إذ رَغِبْتَ بنَفْسِكَ عنَّا فلا حاجة بنا (a) إلى فَرَسِكَ.
وسَارَ الحُسَينُ ﵇ من قَصْر بني مُقَاتِلٍ، ومعه الحُرّ بن يَزِيد، كُلّما أرادَ أنْ يَمِيْلَ نحو البَادِيَةِ مَنَعَهُ، حتَّى انْتَهَى إلى المكان الّذي يُسَمَّى كَرْبَلَاء، فمال قَليلًا مُتَيامنًا حتَّى انْتَهَى إلى نِيْنَوَى، فإذا هو براكبٍ على نَجيْبٍ، مُقْبِل من القَوْم، فوقَفُوا جمِيعًا يَنْظرُونَهُ (b)، فلمَّا انْتَهَى إليهم سَلَّم على الحُرِّ، ولم يُسَلِّم على الحُسَين، ثمّ ناوَل الحُرّ كتابًا من عُبَيْدِ الله بن زِيَادٍ، فقَرَأهُ، فإذا فيه: أمَّا بَعْدُ، فجَعْجعْ بالحُسَين بن عليّ وأصْحَابهِ بالمكان الّذي يُوَافِيكَ كتابي، ولا تُحِلَّه إلَّا بالعَرَاءِ على غير خَمَرٍ (١) ولا ماءٍ، وقد أمرْتُ حَامِل كتابي هذا أنْ يُخْبرني بما يكُون منك في ذلك، والسَّلام.
فقرأ الحُرُّ الكتابَ ثمّ نَاوَلَهُ الحُسَين، وقال: لا بُدَّ من إنْفاذِ أمر الأَمِير عُبَيْد اللهِ بن زِيَاد، فانْزِل بهذا المكانِ، ولا تَجْعل للأمِيْر عليَّ علَّةً، فقال الحُسَين ﵇: تقدَّم بنا قَليلًا إلى هذه القَرْيَة الّتي هي منَّا على غَلْوَة وهي الغَاضِرِيَّة أو هذه الأُخرى الّتي تُسَمَّى السَّقْبَة، فنَنْزل في أحدَيْهما، قال الحُرُّ إنَّ الأَمِير كَتَبَ إليَّ أنْ أُحِلَّكَ على غيْرِ ماءٍ، ولا بُدَّ من الانْتِهاءِ إلى أمْره، فقال زُهَيْرُ بن القَيْن للحُسَيْن: بأبي وأُمِّي يا ابن رسُول اللهِ، واللهِ لو لَم يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كِفَايَة، فكيف بمَنْ سَيأتينا [من غيرهم] (c)؟ فهَلُمَّ بنا نُنَاجِز هؤلاء، فإنَّ [قِتَال] (d) هؤلاء أيْسَر علينا من قِتَال منْ يأتينا من غيرهم، قال الحُسَين ﵇: فإنِّي
стр. 3285
أكْرَهُ أنْ أبدَأهم بقِتَالٍ حتَّى يبدَأوا، فقال له زُهَيْرٌ: فهَا هُنا قَرْيَةٌ بالقُربِ منَّا على شَطِّ الفُرَاتِ، وهي في عَاقُولٍ حَصِيْنَة، الفُرَات يُحْدق (a) بها إلِّا من وَجْهٍ واحدٍ، قال الحُسَين: وما اسْمُ تلك القَرْيَة؟ قال: العَقْر، قال الحُسَين: نعُوذُ باللهِ من العَقْرِ! فقال الحُسَين للحُرِّ: سِرْ بنا قَليلًا، ثمّ نَنْزل، فسَارَ معه حتَّى أتوا كَرْبَلَاء، فوَقَف الحُرُّ وأصْحَابُهُ أمام الحُسَين ومَنَعُوهم من المَسِيْر، وقال: انْزل بهذا المكان، فالفُرَات منك قريبٌ، قال الحُسَين: وما اسْمُ هذا المكان؟ قيل له (b): كَرْبَلَاء، قال: ذَات كَرْبٍ وبَلَاءٍ، ولقد مَرَّ أبي (c) بهذا المكان عند مَسيْره إلى صِفِّيْن، وأنا معَهُ، فوَقَفَ، فسَألَ عنهُ، فأُخْبِرَ باسْمه، فقال: هَا هُنا مَحَطَّ رِكَابهم، وهَا هُنا مُهرَاق دِمَائهم، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: ثَقَلٌ لآلِ مُحَمَّد، ينْزلُون هَا هُنا، ثمّ أمَرَ الحُسَين بأثْقَالِه، فحُطَّتْ بذلك المكان يَوْم الأرْبَعَاءِ غُرَّة المُحَرَّم من سَنَة إحْدَى وسِتِّين، وقُتِلَ بعد ذلك بعَشرة أيَّام، وكان قَتْلهُ يَوْمَ عَاشُوْراء.
فلمَّا كان اليَوْمُ الثَّاني من نُزُولهِ كَرْبَلَاء وَافاهُ عُمَر بن سَعْد في أرْبَعةِ آلاف فارس.
وكانت قِصَّة خُرُوج عُمَر بن سَعْدٍ أنَّ عُبَيْد الله بن زِيَادٍ وَلَّاهُ الرَّيّ وثَغْر دَسْتَبَى (d) والدَّيلم، وكَتَبَ لا عَهْدَهُ (e) عليها، فعَسْكَر للمَسِيْر إليها، فحدَثَ أمرُ الحُسَين، فأمَرَه (f) ابن زِيَادٍ أنْ يَسِيْر إلى مُحَارَبةِ الحُسَين، فإذا فَرَغَ منه سار إلى وَلايَتهِ، فتلكَّأ عُمَرُ بن سَعْد على ابن زِيَاد، وكَرِه مُحَارَبة الحُسَين، فقال له ابنُ زِيَادٍ: فارْدُد علينا عَهْدَنا، قال: فأسيرُ إذًا، فسَار في أصْحَابهِ أولئك الّذي نُدبوا معه إلى الرَّيّ ودَسْتَبَى (g)، حتَّى وَافَى الحُسَين، وانْضَمَّ إليه الحُرُّ بن يَزِيد فيمَن معَهُ، ثمّ قال
стр. 3286
عُمَر بن سَعْدٍ لقُرَّة بن سُفْيان الحنظَلِيّ: انْطَقِ إلى الحُسَين، فسَلْهُ: ما أقْدَمَكَ؟ فأتَاهُ فأبلَغَهُ، فقال الحُسَين: أبْلِغْهُ عنِّي أنَّ أهْل المِصْر كَتَبُوا إليّ يَذْكُرُون ألَّا إمام لهم، ويَسْألوِني القُدوْمَ عليهم، فوثقتُ بهم، فغَدَرُوا بي، بعد أنْ بايَعني منهم ثَمانية عَشر ألف رَجُل، فلمَّا دَنَوتُ، فعَلِمْتُ غُرور ما كَتبُوا بهِ إليَّ، أرْدْتُ الانْصِرَاف إلى حيثُ منه أقْبَلت، فمَنَعني الحُرُّ بن يَزيد، وسَارَ حتَّى جَعْجَع بي في هذا المكان، ولي بكَ قَرَابَةٌ قَريْبةٌ، ورَحِمٌ مَاسَّةٌ، فأطْلِقْني حتَّى أَنْصَرف، فرجع قُرَّة إلى عُمَر بن سَعْد بجواب الحُسَين بن عليّ، فقال عُمَرُ: الحَمْدُ للهِ، واللهِ إنِّي لأرْجُو أنْ أعْفَى من مُحَارَبة الحُسَين، ثمّ كَتَبَ إلى ابن زِيَاد بخَابَره (a) ذلك.
فلمَّا وَصَلَ كتابه إلى ابن زِيَادٍ، كَتَبَ إليه في جَوَابهِ: قد فَهِمْتُ كتابك، فاعْرض على الحُسَين البَيْعَة ليَزِيْد، فإذا بَايَع في جميع منْ معَهُ، فأعْلِمني ذلك ليَأتيكَ رَأيي، فلمَّا أنْتَهى كتابه إلى عُمَر بن سعْد، قال: ما أحْسَبُ ابن زِيَاد يُرِيدُ العَافيَة، فأرْسَل عُمَر بن سَعْدٍ بكتاب ابن زِيَادٍ إلى الحُسَين، فقال الحُسَين للرَّسُول: لا أُجِيْبُ ابن زِيَادٍ إلى ذلك أبدًا، فهَلْ هو إلَّا المَوْت، فمَرْحَبًا به! فكَتَبَ عُمَر بن سَعْد إلى ابن زِيَادٍ بذلك، فغَضِب، فخرج بجميع أصْحَابه إلى النخَيْلَة.
ثُمَّ وَجَّه الحُصَيْن بن نُمير، وحَجَّار بن أَبْجَر، وشَبَثَ بن رِبْعِيّ، وشَمِر بن ذي جَوْشَن، ليُعَاونُوا عُمَر بن سَعْدٍ على أمْره، فأمَّا شَمِر فنَفَذَ لِمَا وَجَّهه له، وأمَّا شَبَث فَاعْتَلَّ بمَرَضٍ، فقال له ابنُ زياد: أتَتَمَارَض؟ إنْ كُنْتَ في طَاعتنا فاخْرُج إلى قِتَال عَدُوِّنا، فلمَّا سَمِعَ شَبَث ذلك خرج، ومعه أيْضًا لحَارِث بن يَزِيد بن رُويْم، قالوا: وكان ابن زِيَاد إذا وَجَّه الرَّجُل إلى قِتَال الحُسَين في الجَمْع الكَثِيْر، يصلونَ إلى كَرْبَلَاء، ولم يَبْقَ منهم إلَّا القليل، كانُوا يَكْرهُون قِتَال الحُسَين، فيَرُوغُونَ (b)
стр. 3287
ويتَخَلَّفونَ، فبعثَ ابنُ زِيَادٍ سُوَيْدَ بن عبد الرَّحْمن المِنْقَريّ في خَيْلٍ إلى الكُوفَة، وأمَرَهُ أنْ يَطُوف بها، فمَن وَجَدَهُ قد تخَلَّفَ أتاهُ بهِ، فبينا هو يَطُوف في أحْيَاءِ الكُوفَة إذ وَجَد رَجُلًا من أهْلِ الشَّام قد كان قَدِمَ الكُوفَة في طَلَب مِيْرَاثٍ له، فأرْسَل به إلى ابن زِيَادٍ فأمَرَ بهِ، فضُرِبت عُنُقهُ، فلمَّا رَأى النَّاس ذلك خَرَجُوا.
قالوا: ووَرَدَ كتاب ابن زِيَاد على عُمَر بن سَعْد، أنْ امْنعَ الحُسَين وأصْحَابَهُ الماء، فلا يَذُوقُوا منه حُسْوَة كما فَعَلُوا بالتَّقِيّ عُثْمان بن عَفَّان، فلمَّا وَرَدَ على عُمَر بن سَعْد ذلك، أمَرَ عَمْرو بن الحَجَّاج أنْ يسَيْر في خَمْسمائة رَاكِب، فيَنِيْخ على الشَّريْعَة، ويَحُولُوا بين الحُسَين وأصْحَابهِ وبين الماء، وذلك قبل مَقْتَله بثلاثةِ أيَّامٍ، فمَكُث أصْحَابُ الحُسَين عَطَاشَى.
قالُوا: ولمَّا اشْتَدَّ بالحُسَين وأصْحَابهِ العَطَش، أمَرَ أخاهُ العبَّاس بن عليّ - وكانت أُمُّه من بني عَامِرٍ بن صَعْصَعَة - أنْ يَمْضي في ثلاثين فَارِسًا وعشرين رَاجِلًا، مع كُلِّ رَجُلٍ قِرْبَة حتَّى يأتوا الماء، فيُحَاربُوا مَنْ حَال بينَهُم وبينَهُ.
فمَضَى العبَّاس نحو الماءِ، وأَمَامَهُم نَافِع بن هِلال حتَّى دَنَوا من الشَّريْعَة، فمنعَهُم عمرو بن الحَجَّاج، فجالدَهُم العبَّاس على الشَّريْعَة بمَنْ معه حتَّى أزَالوهُم عنها، واقْتَحم رجَّالة الحُسَين الماءَ، فمَلَأوا قِرَبَهُم، ووَقَف العبَّاسُ في أصْحَابهِ يَذبُّون عنهم حتَّى أوْصَلُوا الماء إلى عَسْكَر الحُسَين.
ثُمَّ إنَّ ابن زِيَاد كتَبَ إلى عُمَر بن سَعْد: أمَّا بَعْدُ، فإنِّي لَم أبْعثْكَ إلى الحُسَين لتُطَاوله الأيَّام، ولا لتُمَنِّيه السَّلامَةَ والبَقَاءَ، ولا لتَكُون شَفِيْعَهُ إليَّ، فاعْرض عليه وعلى أصْحَابه النُّزُول علي حُكْمِي، فإنْ أجابُوك فابْعَث به وبأصْحَابه إليَّ، وإنْ أبَوا فازْحَف إليه، فإنَّهُ عاقٌّ شَاقٌّ، فإنْ لَم تَفْعَل فاعْتَزل جُنْدَنا، وخَلِّ بين شَمِر بن ذي الجَوْشَن وبين العَسْكَرِ، فإنَّا قد أمَرناهُ بأمْرنا، فنَادَى عُمَر بن سَعْد في أصْحَابه
стр. 3288
أنْ انْهَدُوا إلى القَوْمِ، فنَهَضَ إليهم عَشِيَّة الخَمِيْس وليلة الجُمُعَة لتسْعِ ليالٍ خَلَوْنَ من المُحَرَّم، فسَألَهُم الحُسَين تأخير الحَرْب إلى غَدٍ، فأجابُوهُ.
قالوا: وأمَرَ الحسُينُ أصْحَابه أنْ يضمُّوا مَضَاربهم بعضهم منِ بعضٍ، ويكُونوا أمام البُيُوت، وأنْ يَحْفروا من وراءَ البُيُوت أُخْدُودًا، وأنْ يضْرمُوا فيه حَطَبًا وقَصَبًا كَثيرًا، لئلا يُؤتوا من أدْبار البُيُوتِ، فيَدْخلُوها.
قالوا: ولمَّا صَلَّى عُمَر بن سَعْدٍ الغَدَاة، نَهَدَ بأصْحَابهِ وعلى مَيْمَنَته عَمْرو بن الحَجَّاج، وعلى مَيْسَرَته شَمِر بن ذي الجَوْشَن - واسْم شَمِر شُرَحْبِيل بن عَمْرو بن مُعاوِيَة، من آل الوَحِيْدِ، من بني عَامِر بن صَعْصَعَة - وعلى الخَيْلِ عَزْرَة (a) بن قَيْسٍ، وعلى الرَّجَّالَةِ شَبَثُ بن رِبْعِيّ، والرَّايَة بيدِ زَيْد مَوْلَى (b) عُمَر بن سَعْد.
وعبَّأ الحُسَينُ ﵇ أيْضًا أصْحَابَهُ، وكانوا اثْنَين وثَلاثين فَارِسًا وأرْبَعين رَاجِلًا، فجعَل زُهَيْر بن القَيْن على مَيْمَنَته، وحَبِيْب بن مُظْهر (c) على مَيْسَرَته، ودَفَع الرِّايَةَ إلى أخيهِ العبَّاس بن عليّ، ثمّ وَقَف، ووَقَفُوا معه أمام البُيُوت، وانْحاز الحُرّ بن يَزِيد - الّذي كان جَعجَع بالحُسَين - إلى الحُسَين، فقال له: قد كان منِّي الّذي كان، وقد أتيتُكَ مُوَاسِيًا لك بنَفْسِي، أفترَى ذلك لي تَوْبَة ممَّا كان منِّي؟ قال الحُسَين: نَعَم، إنَّها لك تَوْبَة، فأَبْشِر، فأنْتَ الحر في الدُّنْيا، وأنت الحُرّ في الآخرة، إنْ شَاءَ اللهُ.
قالوا: ونَادَى عُمَر بن سَعيد مَوْلاه زَيْدًا أنْ قدِّم الرَّايَة، فتقدَّم بها، وشَبَّتِ الحَرْبُ، فلَم يزل أصْحَابُ الحُسَين يُقَاتلُونَ ويُقتَلُون، حتَّى لَم يَبْقَ معه غير أهْل بَيْتهِ، فكان أوَّل مَنْ تقدَّم منهم فقَاتَل عليُّ بن الحُسَين، وهو عليٌّ الأكْبَر، فلَم يَزَل
стр. 3289
يُقاتِل حتَّى قُتِلَ؛ طَعَنَهُ مُرَّة بن مُنْقِذ العَبْدِيّ، فصَرَعَهُ، وأخَذَته السُّيُوف فقُتِلَ، ثمّ قُتِلَ عَبْد الله بن مُسْلِم بن عَقِيل؛ رَمَاهُ عَمْرو بن صَبَح (a) الصَّيْدَاوِيّ، فصَرَعَهُ، ثمّ قُتِلَ عَدِيّ بن عَبْد الله بن جَعْفَر الطَّيَّار؛ قَتَلَهُ عَمْرو بن نَهْشَل التَّمِيْمِيّ، ثمّ قُتِلَ عبد الرَّحْمن بن عَقِيل بن أبى طَالِب، رَمَاهُ عَبْد الله بن عُرْوَة الخَثْعَمِيّ (b) بسَهْمٍ فقَتَلَهُ، ثمّ قُتِلَ مُحَمَّد بن عَقِيل بن أبَي طَالِب (c)؛ رَمَاهُ لَقِيْط بن نَاشِرٍ الجُهَنِيّ (b) بسَهْمٍ، فقَتَلَهُ، ثمّ قُتِلَ القَاسِم بنُ الحَسَن بن عليَّ بن أبي طَالِب؛ ضَرَبَهُ عَمْرو بن سَعْد بن مُقْبِلٍ الأسْدِيُّ (d)، ثُمَّ قُتِلَ أبو بَكْر بن الحَسَن بن عليّ؛ رَماهُ عَبْدُ الله بن عُقْبَة الغَنَويّ بسَهْمٍ فقَتَلَهُ (١).
قالوا: ولمَّا رأى ذلك العبَّاسُ بن عليّ قال لإخوَته: عَبْدِ الله، وجَعْفَر، وعُثْمان، بني عليّ، عليه وعليهم السَّلام، وأُمُّهم جَمِيعًا أُمّ البَنِيْن العَامِرِيَّة من آل الوَحِيْد: تقدَّمُوا، بنَفْسِي أنتُم، فحامُوا عن سَيِّدِكم حتَّى تَمُوتُوا دونَهُ، فتقدَّموا جَمِيعًا، فصَاروا أمام الحُسَين ﵇، يَقُونَهُ بوُجُوهِهِم ونُحُورهم، فحَمَل هَانئُ بن ثُوَيْبٍ الحَضْرَميِّ على عَبْدِ الله بن عليّ، فقَتَلَهُ، ثمّ حَمَلَ على أخيهِ جَعْفَر بن عليّ، فقَتَلَهُ أيْضًا، ورمَىَ يَزِيدُ الأصْبَحِيّ عُثْمانَ بن عليّ بسهْمٍ، فقَتَلَهُ، ثمّ خرَج إليه، فاحْتَزَّ رَأسَهُ، فأتَى به (e) عُمَر بن سَعْدٍ، فقال له: أَثِبْني، فقال عُمَر: عليك بأميرك -يعني عُبَيْد اللهِ بن زيادٍ- فسَلْهُ أنْ يُثِيْبَكَ، وبقي العبَّاسُ بن عليّ قائمًا أمامَ الحُسَين يُقاتِل دونَهُ، ويَمِيْل معه حيثُ مالَ، حتَّى قُتِلَ، رَحْمَةُ الله عليه.
стр. 3290
وبقي الحُسَين ﵇ وَحْدَهُ، فحَمَل عليه مَالِكُ بن بِشْرٍ الكِنْدِيّ، فضَرَبَهُ بالسَّيْف على رأسِهِ، وعليه بُرْنُس خَزٍّ، فقطعَهُ، وأفْضَى السَّيْفُ إلى رَأَسهِ، فجَرَحَهُ، فألْقَى الحُسَين البُرْنُسَ، ودَعَا بقَلَنْسُوَةٍ، فلبِسَها، ثمّ اعْتَمَّ بعِمَامَةٍ، وجَلَسَ فدَعا بصَبيّ له صَغير، فأجْلَسَهُ في حجْره، فرَمَاهُ رَجُلٌ من بَني أسدٍ، وهو في حَجْر الحُسَين بمِشْقَصٍ، فقَتَلَهُ، وبَقي الحُسَين ﵇ مليًّا جالِسًا، ولو شَاؤُوا أنْ يَقْتلُوه قَتَلُوه، غير أنَّ كُلّ قَبِيلَةٍ كانت تَتَّكِل على غيرها، وتَكْرَهُ الإقْدَام على قَتْلِهِ، وعَطشَ الحُسَين، فدَعَا بقَدَحٍ من ماءٍ، فلمَّا وضَعهُ في فيهِ رَمَاهُ الحُصَيْن بن نُمَيْر بسَهْمٍ، فدَخَل فمَهُ، وحال بينَهُ وبين شُرْب الماءِ، فوَضَع القَدَح من يَده.
ولمَّا رَأى القَوْمَ قد أحْجَمُوا عنه، قام يتَمَشَّى على المُسَنَّاةِ نحو الفُرَاتِ، فحَالُوا بينه وبين الماء، فانْصَرف إلى مَوضِعِهِ الّذي كان فيه، فأسْرَع (a) له رَجُل من القَوْم بسَهْمٍ، فأثْبَته في عَاتقهِ، فنَزَع ﵇ السَّهْمَ، وضَرَبَهُ زُرْعَةُ بن شَرِيك التَّمِيْمِيّ بالسَّيْف، واتَّقاهُ الحُسَينُ بيَدهِ، فأسْرَع السَّيْفُ في يده، وحَمَل عليه سِنَانُ بن أَوْس النَّخَعِيّ، فطَعَنَهُ، فسَقَطَ، ونَزَل إليه خَوْلِيّ (b) بن يَزِيد الأَصْبَحِيّ ليَحُزَّ رأسَهُ، فأرْعِدَت يداهُ، فنَزَل أخوه شِبْلُ بن يَزِيد، فاحْتَزَّ رَأسَهُ، فدَفَعَهُ إلى أخيهِ خَوْلِيّ (c)، ثمّ مالَ النَّاسُ على ذلك الوَرْس الّذي كان أخَذَهُ من العِيْر، وإلى ما في المَضَارِب، فانْتَهَبُوه.
يَعْني بذلك أنَّ الحُسَين ﵇ لمَّا فصَل من مَكَّة سائرًا، ووَصَل إلى التَّنْعِيِم، لَحِقَ عِيْرًا مُقْبِلةً من اليَمَن عليها وَرْسٌ وحِنَّاء يُنْطَلَق بهِ إلى يَزِيد بن مُعاوِيَة، فأخَذَها وما عليها.
стр. 3291
عُدْنا إلى الحَدِيْث، قالُوا: ولَم يَنْجُ من أصْحَاب الحُسَين ووَلدِهِ وولدِ أخيهِ إلَّا ابْناهُ: عليٌّ الأصْغَر، وكان قد رَاهَقَ، وإلَّا عُمَر، وكان قد بَلَغَ أرْبَع سنين.
ولم يَسْلَم من أصْحَابه إلَّا رَجُلان؛ أحدُهما المُرَقَّع بن ثُمَامَة الأسَدِيّ؛ بَعَثَ به عُمَر بن سَعْد إلى ابن زِيَادٍ فسَيَّرَهُ إلى الرَّبَذَة، فلَم يَزَل بها حتَّى هَلَك يَزِيد، وهَرَبَ عُبَيدُ الله إلى الشَّامِ، فانْصَرَف المُرَقعَّ إلى الكُوفَة، والآخر مَوْلَى الرَّبَاب، أُمّ سُكَيْنَة؛ أخَذُوه بعدَ قَتْل الحُسَين، فأرادوا ضَرْبَ عُنُقه، فقال لهم: إنِّي عَبْدٌ مَمْلُوك، فخَلَّوا سَبِيلَهُ.
وبَعَثَ عُمَر بن سَعْدٍ برَأس الحُسَين من سَاعته إلى عُبَيْدِ الله بن زِيَاد مع خَوْلِىّ (a) بن يَزِيد الأَصْبَحِيّ.
وأقام عُمَر بن سَعْد بكَرْبَلَاء بعد مَقْتَل الحُسَين يَوْمَيْن، ثُمَّ أذَّنَ في النَّاسِ بالرَّحِيْل، وحُمِلَت الرُّؤُوس على أطْرَاف الرِّمَاح، وكانت اثنَيْن وسَبْعِين رَأسًا، جاءت هَوَازِنُ منها باثنَيْن وعشرين رَأسًا (b)، وجاءت تَمِيْم بأرْبَعة عَشر رَأسًا (c) مع الحُصَيْن بن نُمَيْر، وجاءت كِنْدَةُ بثَلاثة عَشر رَأسًا مع قَيْس بن الأشْعَث، وجاءت بَنو أَسدٍ بستَّة رُؤوسٍ مع هِلَالٍ الأعْوَر، وجاءت الأَزْدُ بخَمْسة رُؤوسٍ مع عَيْهَمَة بن زُهَيْر، وجاءت ثَقِيفٌ باثْنَى عَشر رَأسًا مع الوَلِيد بن عَمْرو (١).
وأمَرَ عُمَرُ بن سَعْد بحَمْل نسَاءِ الحُسَين وأخواته وبَنَاته وجَوَارِيهِ وحَشَمه في المَحَامِل المَسْتُورة على الإبل، وكانت بين وَفَاةِ رسُول الله ﷺ وبين قَتْل الحُسَين خَمْسُون عامًا.
стр. 3292
قالوا: ولمَّا أُدْخِل رأس الحُسَين ﵇ على ابن زِيَادٍ فوُضِعَ بينَ يَدَيْهِ، جَعَلَ ابن زِيَادٍ يَنْكُتُ بالخَيْزُرَانة ثَنايا الحُسَين، وعنده زَيْد بن أرْقَم، صَاحِبُ رسُول اللهِ ﷺ ، فقال له: مَهْ! ارْفَع قَضِيْبك عن هذه الثَّنَايا، فلقد رأيتُ رسُول اللهِ ﷺ يَلْثِمُها، ثمّ خَنَقتْهُ العَبْرَة، فبَكَى، فقال له ابن زيادٍ: مِمَّ تَبْكى؟ أبْكَى الله عَيْنيكَ، واللهِ لولا أنَّك شَيْخٌ قد خَرِفْتَ لضَرَبْتُ عُنُقكَ.
قالوا: وكانت الرُّؤُوس قد تقدَّم بها شَمِر بن ذي الجَوْشَن أمام عُمَر بن سَعْد.
قالوا: واجْتَمَعَ أهْلُ الغَاضِرِيَّةِ فدَفَنُوا أجْسَاد القَوْم.
ورُوي عن حُمَيْد بن مُسْلِم، قال: كان عُمَر بن سَعْد لي صَدِيْقًا، فأتَيْتُه عند مُنْصَرَفهِ من قِتَال الحُسَين، فسَألتُهُ عن حَالهِ، فقال: لا تَسْأل عن حالي، فإنَّهُ ما رجَع غائبٌ إلى مَنْزِله بشَرّ ممَّا رَجَعْتُ بهِ، قَطَعْتُ القَرَابَة القَرِيْبَة، وارْتَكبتُ الأمْر العَظِيم.
قالوا: ثمّ إنَّ ابن زِيَادٍ جَهَّز عليّ بن الحُسَين ومَنْ كان معه من الحُرَم، [و] وجَّه (a) بهم إلى يَزِيد بن مُعاوِيَة مع زَحْر بن قَيْسٍ، ومِحْقَن بن ثَعْلَبَة، وشَمِر بن ذي الجَوْشَن، فسَارُوا حتَّى قَدِمُوا الشَّام، ودَخَلُوا على يَزِيد بن مُعاوِيَة بمَدِينَة دِمَشْقَ، وأُدْخِل معهم رأس الحُسَين، فرُمي بهِ بينَ يَدَيْهِ، ثمّ تكلَّم شَمِر بن ذي الجَوْشَن، فقال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، وَرَدَ علينا هذا في ثَمانية عَشر رَجُلًا من أهْلِ بَيْته، وسِتِّين رَجُلًا من شِيْعَتهِ، فسِرْنا إليهم، فسَألناهُم النُّزُول على حُكْم أميْرنا عُبَيْدِ الله بن زِيَاد أو القِتَال، فغَدَوْنا عليهم عند شُرُوقِ الشَّمْس، فأحَطْنا بهم من كُلِّ جانبٍ، فلمَّا أخَذَت السُّيُوف منهم مأخَذَها، جَعَلُوا يَلُوذُون إلى غير وَزَر،
стр. 3293
لَوَذَان الحَمَام من الصُّقُور، فما كان إلَّا مِقْدَار جَزْر جَزُور، أو نَوْم قَائِلِ حتَّى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجْسَادهُم مُجَرَّدة، وثِيَابهم مُرَمَّلة، وخُدُودهم مُعَفَرَّة، تَسْفِي عليهم الرِّيَاح، زُوَّارُهُم العِقْبان، ووفُودهم الرَّخَمُ.
فلمَّا سَمِعَ ذلك يَزِيدُ دَمعَتْ عَيْنُه، وقال: وَيْحَكُم، قد كُنْتُ أرْضَى من طَاعَتكم بدُون قَتْلِ الحُسَين، لَعَنَ اللهُ ابن مَرْجَانَة (a)، أمَا والله لو كُنْت صَاحِبَهُ لعَفَوت عنه، رَحِمَ اللهُ أبا عَبْد الله، ثمّ تَمَثَّلَ (١): [من الطويل]
نَفِلق هَامًا من رجَالٍ أَعِزَّةٍ … علينا، وهم كانُوا أعَقَّ وأظْلَمَا
ثُمَّ أمَرَ بالذُّرِّيَّة فأُدْخِلُوا دارَ نِسَائهِ.
وكان يَزِيد إذا حَضَر غَدَاؤه دعا عليّ بن الحُسَين وأخَاهُ عُمَر فيَأكُلان معه.
قال: ثمّ أمَرَ بتَجْهيزهم بأحْسَن جهَازٍ، وقال لعليّ بن الحُسَين: انْطَلِق مع نسَائك حتَّى تُبْلغهنَّ وَطَنهُنَّ، ووجَّه معه رَجُلًا في ثلاثين فَارِسًا يَسِيْر أمامهُم، ويَنْزل حُجْزَةً (b) عنهم، حتَّى انْتَهَى بهم إلى المَدِينَة (٢).
أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بنُ خَلَف بن رَاجِح المَقْدِسِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عَبْدُ الحَقّ بن عَبْد الخَالِق بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب مُحَمَّد بن الحَسَن بن أحْمَد البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو سَهْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن زِيَادٍ القَطَّان، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَريم بن الهَيْثم، قال: حَدَّثنا سُليْمانُ بن حَرْب، قال: حَدَّثنا حَمَّادُ بن يَزِيد، عن هِشَام، عن مُحَمَّد،
стр. 3294
عن أنَسٍ، قال: شَهِدتُ عُبَيْد الله بن زِيَاد حيثُ أُتِى برَأسِ الحُسَين ﵇، قال: فجَعَل يَنْكُت بقَضِيْبٍ في يده، قال: فقُلتُ: أَمَا إنَّهُ كان أشْبَهَهُم بالنَّبِيّ ﷺ .
أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُرجَّا بن أبي الحَسَن التَّاجر الوَاسِطِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا العَدْلُ أبو طَالِب مُحَمَّد بن عليّ بن الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أَبو الفَضْل مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أَبو الحَسَن مُحَمَّد بن مُحّمد بن مَخْلَد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحَسَن الصِّلْحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عُثْمان بن سَمْعَان الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أسْلَم بن سَهْل بَحْشَل (١)، قال: حَدَّثَنَا حُسَيْن بن عَبْد الله، قال: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بن شُمَيْل، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بنُ حَسَّان، قال: حَدَّثَتني حَفْصَةُ بنتُ سِيْرِيْن قالت: حَدَّثَني أنَسُ بن مَالِك، قال: كُنْتُ عند عُبَيْدِ الله بن زِيَاد، إذ جيء برَأسِ الحُسَين بن عليّ رِضْوَانُ الله عليه، فوَضَعَه بينَ يَدَيْهِ، فجَعَل يقُول (a) بقَضِيْبهِ في أنْفه ويقُول: ما رَأيْتُ مثل هذا حُسْنًا، فقُلتُ: إنَّهُ كان أشْبَهَهُم برسُولِ اللهِ ﷺ .
أخْبَرَنا أبو الفَرَج بن القُبَّيْطِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الكَرَم بن الشَّهْرَزُورِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الإسْمَاعِيْليّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو الفَارسِيُّ، قال: أخْبَرنا أبو أحْمَد بن عَدِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ عُثْمان بن أبي سُوَيْد، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان بن حَرْب، قال: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن سَلَمَة، عن عليّ بن زَيْد، عن أنَسِ بن مَالِك، قال: شَهِدتُ رَأس الحُسَين بن عليّ حين جيء به إلى عُبَيْدِ الله بن زِيَاد، فجعل يَنْكُتُ (b) ثَنَاياه بقَضِيْبٍ، ويقُول: إنَّهُ كان
стр. 3295
لحَسَن الثَّغْرِ! قال: قُلتُ: واللهِ لأسُوءَنك؛ لقد رَأيْتُ رسُول اللهِ ﷺ يُقَبِّل مَوضِعَ قَضِيْبكَ من فيْهِ.
أنْبَأنا عليّ بن المُفَضَّل المَقْدِسِيّ الحافِظ، عن أبي القَاسِم خَلَف بن عَبْد المَلِك بن بَشْكُوَال، قال: أخْبَرنا أبو مُحمَّد بن عَتَّاب، وأبو عِمْرَان بن أبي تَلِيْد، إجازَةً، قالا: أخبرنا أبو عُمَر بن عَبْد البَرّ، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم خَلَف بن القَاسِم، قال: أخبَرَنا سَعِيْد بن عُثْمان بن السَّكَن، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن زَهْرُون الحَضْرَميّ، قال: حَدَّثَنَا إسْحاق بن إبْراهيم المَرْوَزيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيْدَة الحَدَّادُ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن أبي الحَسَن النَّبَّال، قال: حَدَّثَنَا أبو العَاليَة البَدَّاءُ، قال: لمَّا قُتِلَ الحُسَين بن عليّ، أرْسَل عُبَيْدُ الله بن زِيَادٍ إلى أبي بَرْزَة، فقال: كيفَ تَرَى شَأني وشَأن حُسَين يَوْم القِيامَة؟ قال: وما عِلمْي بما يَصْنَعُ الله يَوْم القِيامَةَ؟ فقال: لك الأمَانُ أنْ لا أضيْركَ، ولكن أخْبرني برَأيكَ، فقال: أمَّا إذ سَألتَني عن رَأيي فإنَّ رَأيي أنْ يَشْفَعَ لحُسَين رسُول اللهِ ﷺ ، ويَشْفَع لك زيَاد، فقال: أُخْرج أُخْرُج! فلمَّا بلَغَ باب الدَّار، قال: ردُّوه، فقال: لئن لَم تَغْدُ إليَّ وتَرُوح ضَرَبْتُ عُنُقكَ.
أبو بَرْزَة هذا هو: نَضْلَةُ بن عُبَيْد الأَسْلَميّ، من أصْحَاب النَّبِيّ ﷺ .
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن عليّ (١)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن العبَّاس، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن الفَهْمِ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْدٍ (٢)، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مُحَمَّد، عن عُثْمان بن مِقْسَم، عن المَقْبُريّ، عن عائِشَة، قالت (a): بينا رسُول الله ﷺ راقدٌ (b)، إذ جاء الحُسَين يَحْبُو إليه، فنَحَّيْتُه