← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن قُشَام إجَازَةً، عن الحافِظ أبي العَلَاءِ الحَسَن بن أحْمَد الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّدُ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن مَنْجُوَيْه، قال: أخْبَرَنا الحاكِم أبو أحْمَد مُحَمَّد بن مُحَمَّد، [قال: أبو عُبَيْد حَاجِب سُليَمان، يُقال اسْمُه: حَيّ، وقيل: حُوَيّ] (a). ذِكْرُ مَن اسْمُهُ حَيَّان حَيَّانُ بن أَبْجَر (١) له صُحْبَةٌ، وشَهِدَ مع عليٍّ بن أبي طَالِب ﵁ صِفِّيْن، رَوَى عَنْهُ ابْناهُ عَبْد المَلِك وجَبَلَةُ (b). أنْبَأنَا نَصْر بن أبي الفَرَج الحُصْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللهِ بن مُحَمَّد الأَشِيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَلِيدِ بنُ الدَّبَّاغ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد العَزِيْز بن ثَابِت، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن عَبْد البَرِّ الحافِظ (٢)، قال: حَيَّان بنُ الأبْجَر، له صُحْبَةٌ، يُعَدُّ في الكُوْفيِّيْن، شَهِدَ مع عليٍّ صِفِّيْن.

стр. 3782

حَيَّانُ بن بِشْر بن حَيَّان بن بِشْر بن حَيَّان، وقيل: بِشْر بن المُخَارِق بن شَبِيْب بن حَيَّان بن سُرَاقَة بن مَرْثَد بن حِمْيَري بن عُتْبَة بن جَذِيْمَة بن الصَّيْدَاء بن عَمْرو بن قُعَيْن بن الحارِث بن ثَعْلَبَة بن ذُوْدَان بن أسَد بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَةَ بن إلْيَاسَ بن مُضَرَ بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَان، أبو بِشْر بن أبي المُخَارِق بن أبي بِشْر الأسَدِيُّ القَاضِي (١) قاضي المِصِّيْصَة، وكان من بيتِ القَضَاءِ والعِلْم، وَلِيَ جدُّه حَيَّان بن بِشْر بن المُخَارِق القَضَاء بأصْبَهَان في أيَّام المأمُون، ووَلي قَضَاء الشَّرْقيَّة ببَغْدَاد في أيَّام المُتَوَكِّل، ووَلي من بيته قَضَاء القُضَاة ببَغْدَاد عُمَر بن أكْثَم بن أحْمَد بن حَيَّان بن بِشْر أبو بِشْر، ووَلي أبوه وجَدّه وجَدُّ أبيهِ القَضَاء. حَدَّثَ بِالمِصِّيْصَة عن أحْمَد بن حَرْب الطَّائيّ، ويَحْيَى بن آدَم، وسُليْمان بن عبد الخَيْر، رَوى عنهُ أحْمَدُ بن عليّ بن عَبْدِ الله، مُحْتَسِب المِصِّيْصَة، وعُمَر بن مُؤَمَّل، وأبو يَعْلَى المَوْصِلِيّ، وبَسَّام بن الفَضْل البَغْدَاديّ، وأبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُمَيعْ الصَّيْدَاوِيّ، وأبو القَاسِم فَرَج بن إبْراهيم بن عَبْد اللهِ النَّصِيْبِيّ، وأبو عليّ سَعيد بن عُثْمان بن السَّكَن. أخْبَرَنا القَاضِي جَمال الدِّين أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن أبي الفَضْل الحَرَسْتَانِيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن المُسَلّم الفَقِيه، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر بن طَلَّاب، قال: حَدَّثَنَا أبو

стр. 3783

الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُمَيْع الصَّيْدَاوِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا حَيَّان بن بِشْرٍ الأسَدِيّ بالمِصِّيْصَة، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن حَرْب، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ المَجِيْد بن عَبْد العَزِيْز بن أبي رَوَّاد، قال: حَدَّثَنَا ابن جُرَيْج، عن حَبِيْب بن أبي ثَابِت، عن عَاصِم بن ضَمْرَة، عن عليّ بن أبي طَالِب (٢)، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أحَبَّ أنْ يُمَدَّ في عُمره، ويُبْسَط له في رِزْقه، ويُسْتَجابَ له دُعَاؤُه، وتُصْرَف عنه مِيْتة السَّوْء، فليتَّق اللهَ، وليَصِل رَحمَهُ. قَرأتُ في كتاب القُضَاة للحَافِظ عَبْد الغَنِيّ بن سَعيد (٣)، قال: حَيَّان بن بِشْر بن حَيّان بن بِشْر بن حَيَّان، يُكْنَى أبا بِشْر، قال لي عُمَر بن مُؤَمَّل: هو من رَهْط بِشْر بن مُوسَى بن صالح بن شَيْخ بن عُمَيْرة بن حَيَّان، وكان في الزُّهْدِ على غايةٍ، وكان يَخْرُجُ وهو قاضٍ إلى البَاقِلَّانِيّ فيَشْتَري البَاقلَّاءَ في قَصْعَة ويَرْجع إلى بيتِه، وجئتُ يوْمًا إلى حَيَّان بن بِشْر في علَّة مَوْته وقد بَقي عليَّ من كتاب وَكِيع شيء، وإذا هو يطلبُ قَارُورَة البَوْلِ، فلمَّا رآني قال: نَاوَلني إيَّاها فناوَلتُه، فتَذَّمم لي، فقال: ما جاءَ بكَ؟ قلتُ: أُريدُ تَمَام كتاب وَكِيع، فقال: اقْرأ، فقَرَأتُ جَمِيع ما بقي عليّ، فلمَّا أردْتُ أنْ أَقُومَ قُلْتُ لهُ: يا سَيِّدِي، لك حاجَةٌ؟ قال: نَعَم، قُلتُ: ما هي؟ قال: لا تُرِني وَجْهَكَ بعدَ اليَوْم! قُلتُ: نعم، فما رآني حتَّى مات. قال عَبْد الغَنِيّ: وقال لي عُمَر بن المُؤَمَّل: جاءَ رَجُلٌ إلى حَيَّان بن بِشْرٍ ونحنُ عندَهُ نَسْمَعُ منه تَارِيْخ يَحْيَى بن مَعِيْن، فقال له: ما اسْمُكَ؟ قال: مُحَمَّد، قال: ابن مَنْ؟ قال: إبْراهيم قال: ابن مَنْ؟ قال: ابن مُحَمَّد، قال: ابن مَنْ؟ قال: ابن إبْراهيم، قال: وأيْشٍ صَنْعَتُكَ؟ قال: بَيْطَار، قال: وأبُوكَ؟ قال: بَيْطَار، قال: وجَدُّكَ؟ قال: بَيْطَار،

стр. 3784

قال: وجد أبيك؟ قال: بيطار، قال: أنت بيطار ابن بيطار ابن بيطار ابن بيطار! وأنا قَاضٍ ابن قَاض ابن قَاض ابن قاض، حَيَّان بن بِشْر بن حَيَّان بن بِشْر. قال عَبْد الغَنِيِّ: قال لي عُمَر بن المُؤَمَّل: كُنَّا عندَهُ يَوْمًا، فأقْبَل فَتَىً حَسَن الوَجْهِ، فدَخَل إلى مَنْزِله، فقال لي: ما تَعْرفُ هذا؟ قلتُ: لا، قال هذا هَرِم بن حَيَّان وليس بصَاحِب أُوَيْس، هذا هَرِم ابني. قُلتُ: قول عُمَر بن المُؤَمَّل هو من رَهْط بِشْر بن مُوسَى بن صالح بن شَيْخ بن عُمَيْرة بن حَيَّان يُشير إلى أنَّهما يَجْتَمعان في حَيَّان بن سُرَاقَة بن مَرْثَد الأسَدِيّ، وكان بِشْر بن مُوسَى ابن أُخت جدِّه حَيَّان بن بِشْر الأسَدِيّ، وكان حَيّان بن بِشْر جَدُّه أصْبَهَانيًّا، وكان من جلَّة أصْحَاب الحَدِيْث، رَوى عَنْهُ ابنُ أُخْته بِشْر بن مُوسَى. وذَكَرَهُ أبو بَكْر الخَطِيب في تاريخ بَغْدَاد (١)، بما أنْبَأنَا به أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ، قال: حَيَّان بن بِشْر بن المُخَارِق الأسَدِيّ، أبو بَكْر (٤). وقال الخَطِيبُ (٢): أخْبَرَنا عليّ بن المُحَسِّن (٣)، قال: أخْبَرَنا طَلْحَة بنُ مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: وحَيَّان رَجُل من جلّة المُسْلمِيْن تَقَلَّد القَضَاء في نَوَاحٍ كَثِيْرة، وتقلَّد أصْبَهَان، ثُمَّ قلّد الشّرْقيَّة. ونَسَب الخَطِيب جدّه هكذا فقال: حَيَّان بن بِشْر بن المُخَارِق، وخالَف عَبْد الغَنِيّ، فإنَّ عَبْد الغَنِيّ سَمَّى جَدّ جدّه حَيَّان، والصَّحيح ما ذَكَرهُ الخَطِيب، وجدُّه كان أصْبَهَانيًّا.

стр. 3785

حَيَّان بن قَيْس بن عَبْدِ الله بن وَحْوَح - وقيل بدل وَحْوَح عَمْرو - ابن عُدَس بن رَبِيْعَة بن جَعْدَة بن كَعْب بن رَبِيْعَة بن عَامِر بن صَعْصَعَة [بن مُعَاوية] (a) بن بَكْر بن هَوَازِن بن [مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خَصَفَة بن قَيْس بن إلْيَاس بن مُضَر، النَّابِغَة الجَعْدِيّ] (١) وكان مُغَالبًا (٢).

стр. 3786

وقال أبو عُبيدَة مَعْمَر بن المُثنَّى: كان النَّابِغَةُ الجَعْدِيّ ممَّن ذكر الجَاهِلِيَّةِ، وأنْكَر الخَمْر والسُّكْر وما يُغَيِّر العَقْلَ، وهَجَرَ الأزْلَامَ والأوْثَان، وقال في الجَاهِلِيَّةِ (١): [من المنسرح] الحمدُ للهِ لا شَرِيك لَهُ … مَنْ لَم يَقُلْها فنَفْسَهُ ظَلَما وكان يَذْكُر دِيْن إبْراهيم ﵇ والحَنِيْفيَّة، ويَصُوم ويَسْتَغْفِر، ويتوقَّى أشْيَاءَ لغَوْا فيها، ووَفَدَ على رسُول الله ﷺ ، وقال لهُ (٢): [من الطويل] أتَيْتُ (a) رسُولَ الله إذ جاءَ بِالهُدَى … ويتْلُو كِتَبًا بالمحرَّم (b) نيِّرَا وجَاهَدْتُ حتَّى ما أُحِسُّ ومنْ معي … سُهَيْلًا إذا مارَاح (c) ثُمَّتَ عَفرا (d) أُقِيْم على التَّقْوَى وأرْضى بفِعلِهَا … وكُنْتُ من النَّارِ المَخُوفَة أزْجَرَا (e) وحَسُنَ إسْلَامُهُ، وأنْشَدَ النَّبِيّ ﷺ ، فقال لا: لا يفضُضِ اللهُ فاكَ. ورَوَى عُمَر بن شَبَّة (٣)، قال: حَدَّثَني بعضُ أصْحَابنا عن ابن دَأب، قال: لمَّا خَرَج عليّ ﵇ إلى صِفِّيْن خَرَجَ معه نَابِغَةُ بني جَعْدَة، فسَاقَ بهِ يَوْمًا، فقال (٤): [من الرجز] قد عَلِمَ المِصْرَان والعِرَاقُ … أنَّ عليًّا فَحْلُها العتَاقُ (f) أبيضُ جَحْجَاحٌ له رِوَاقٌ … وأُمُّهُ غالَى بها الصَّدَاقُ

стр. 3787

أَكْرَمُ من شُدَّ به نِطَاقُ … إنَّ الأُلَى جَاؤُوكَ لا أفَاقُوا سُقْتُم إلى نَهْج الهُدَى وسَاقُوا … إلى الّتي لَيْسَ لها عُرَاقُ في مِلَّةٍ عَادَتُها النِّفَاقُ فلمَّا قَدِمَ مُعاوِيَة الكُوفَة (a) قام النَّابِغَة بينَ يَدَيْهِ، فقال (١): [من الطويل] ألَم تَأتِ أهْلَ المَشْرِقَين رِسَالتي … فإنِّي (b) نَصِيْحٌ لا يَبِتْتُ على عَتْبِ هَلَكتُم (c) وكان الشَّرّ آخر عَهْدِكُمْ … لئن لَم تُدَارِككُم حُلُومُ بني حَرْبِ وقد كان مُعاوِيَةُ كَتَبَ إلى مَرْوَان في النَّابِغَة، فأخَذَ مَرْوَان أهْلَهُ ومالَهُ، فدَخَلَ النَّابِغَة على مُعاوِيَة وعندَهُ عَبْدُ الله بنُ عامرٍ، ومَرْوَان، فأنْشَدَهُ (٢): [من الطويل] مَنْ رَاكِبٌ يأتي ابنَ هِنْد لحاجَتي (d) … بكُوْفَانَ والأنْباء (e) تُنْمِي وتُجْلَبُ ويُخْبِرُ عنِّي ما يقُول (f) ابن عَامِر … ونِعْمَ الفَتَى يَأوِي إليه المُغَضَّبُ (g) فإنْ تأخُذُوا مالي وأَهْلي بظنَّةٍ … فإنِّي لجَوَّابُ (h) الرِّجال مُجَرَّبُ صَبُورٌ على ما يَكْرَهُ المَرْءُ كُلّه … سِوَى الظُّلْم إنِّي إنْ ظُلِمْتُ سَأغْضَبُ فالْتَفَتَ مُعاوِيَةُ إلى مَرْوَان، فقال: ما تَرَى؟ قال: أرَى أنْ لا تَرُدّ عليهِ شيئًا، فقال: ما أهْوَن والله عليك أن ينجر (i) هذا في غَارٍ، ثُمّ يتقَطَّعُ عَرْضي عليَّ،

стр. 3788

ثمّ تأخُذه العَرَبُ فتَرْويهِ، أَمَ واللّهِ إنْ كُنت لممَّن يَرْويهِ! ارْدُد عليه كُلّ شيءٍ أخذْتَهُ له. أخْبَرَنا عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، ح. وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ، عن أبي المَعَالِي عَبْد اللّه بن عبد الرَّحْمن بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم النَّسِيب، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن رَشَاء بن نَظِيف. ح. وأخْبَرَنَا أبو عبد اللّه مُحَمّد بن مَحْمُود بن عبد اللّه بن المُلَثَّم، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن حَمْد الأرْتاحِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين الفَرَّاء إجَازَةً، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن الحَسَن بن إسْمَاعِيْل، قالا: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّاب، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن مَرْوَان المالِكِيّ (٢)، قال: أنْشَدَنا إسْمَاعِيْل بن إسْحَاق السَّرَّاج، قال: أنْشَدَنا مُحَمَّد بن سَلَّام الجُمَحِيّ لنَابِغَة الجَعْدِيّ (٣): [من المنسرح] الحَمْدُ للهِ لا شَرِيكَ له … مَنْ لَم يَقُلها فنفسَهُ ظَلَما المُولِج اللَّيْلَ في النَّهَار وفي … اللَّيْل نَهَارًا يُفَرِّجُ الظُّلَما الخَافِض الرَّافِع السَّماءَ على الأ … رْضَ ولَم يَبْن تَحْتها دُعَما الخَالِق البارئ المُصَوِّر في … الأرْحَام ماءً حتَّى يَحُورَ (a) دَمًا

стр. 3789

ثُمَّ عِظَامًا أقامَها عَصَبٌ … ثُمَّتَ لحمًا كَسَاهُ فالْتَأمَا ثُمَّ كَسَا الرِّيْشَ والعَقَائب (a) … أبْشَارًا وجِلْدًا تَخَالُهُ أَدَمَا من نُطْفة قرّها (b) مُقدَّرُها … يَخْلُقُ منها الإنْسان (c) والنّسما واللَّوْن والصَّوْت [والمعَايشَ] (d) … والخَلَائِق (e) شَتَّى وفَرَّقَ الكَلمَا ثُمّ (f) لا بُدَّ أنْ سَيَجْمَعُكم … واللّه جَهْرًا شَهَادةً قَسَمَا فائتَمِرُوا ما بَدَا لكم رشَدًا (g) … واعْتَصِمُوا إنْ وَجَدتُم عَصِمَا في هذه الأرْض والسَّمَاء ولا … عِصْمَةَ منه إلَّا لمَنْ رِحِمَا يا أيُّها النَّاسُ هل تَرَونَ … إلى فَارِس بادَتْ وأنفُها رَغِمَا أمْسَوا عَبِيْدًا يَرْعُونَ شاءَكُم … كأنَّما كان مُلْكُهُمْ حُلُما أو (h) سَبَأ الحَاضِرُون مآربُ إذ … يَبْنُونَ من دُون سَيْلِهِ العَرِمَا فَفُرقُوا (i) في البِلادِ واعْتَرَفُوا … الذُّلّ (j) وذَاقُوا البَأْسَاءَ والعَدَمَا وبُدِّلُوا السِّدْرَ والأرَاكَ بهِ … الخَمْطَ وأضْحَى البُنْيانُ مُنْهَدِمَا أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، عن زَاهِر بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم البُنْدَار إجَازَةً، قال: أنْبَأنَا أبو أحْمَد القَارِئ، عن أبي بَكْر الصُّوْلِيّ، عن أبي العَيْنَاءِ، عن الأصْمَعِيِّ، قال: أنْشَدْتُ الرَّشِيْدَ أبياتَ النَّابِغَة الجَعْدِيّ من قَصِيْدَتهِ الطَّويلَةِ (١): [من الطّويل] فَتَىً تَمَّ فيه ما يَسُرُّ صَدِيْقَهُ … على أنَّ فيه ما يَسُوءُ الأعَادِيَا

стр. 3790

فَتَى كَمُلَتْ أعْرَاقُهُ (a) غير أنَّهُ … جَوَادٌ فلا يُبْقِي من المالِ بَاقِيَا أَشَمُّ طَويْلُ السَّاعِدَيْن شَمَرْدَلٌ (b) … إذا لَم يَرُحْ للمَجْد أصْبَحَ غَادِيَا فقال الرَّشِيْدُ: وَيْلَهُ! ولِمَ لَم يُروِّحْهُ في المَجْدِ كما أغْدَاهُ؟ ألَا قال: إذا رَاحَ للمَعْرُوف أصْبَح غَادِيًا فقُلتُ: أنتَ والله يا أَمِير المؤمنِيْن في هذا أعْلَمُ منهُ بالشِّعْر. أنْبَأنَا أحْمَدُ بن أزْهَر بن السَّبَّاك، عن أبي بَكْر بن عَبْد البَاقِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْدِ اللّه مُحَمَّدُ بن عِمْران المَرْزُبانيّ (١) إجَازَةً، قال: حَدَّثَنا عليّ بن سُلَيمان الأخْفَشُ، عن أبي العبَّاس ثَعْلَب، قال: قال الأصْمَعِيّ: قُلتُ لبَعْضهم: ما تقُول في شِعْر الجَعْدِيّ؟ قال: صَاحِبُ خُلْقَانٍ؛ عندَهُ مِطْرَفٌ بألفٍ، وخَلَقٌ بدِرْهَمٍ. قال المَرْزُبانيّ (٢): وحَدَّثني عَبْدُ اللّه بن يَحْيَى العَسْكَريّ، قال: حَدَّثَني إبْراهيمُ بن عبدِ الصَّمَد، قال: حَدَّثَنَا الكَرَّانِيّ (c)، قال: حَدَّثَني العبَّاس بن مَيْمُون طَابِع، قال: حَدَّثَني الأصْمَعِيُّ، قال: حَدَّثَني أبو عَمْرو بن العَلَاءِ، قال: سُئِلَ الفَرَزْدَق عن الجَعْدِيّ، فقال: صَاحِبُ خُلْقَان، يكُون عندَهُ مِطْرَفٌ بألفٍ، وخِمَارٌ بوَافٍ (٣). قال الأصْمَعِيُّ: وصدقَ الفَرَزْدَق؛ بَيْنَا (d) النَّابِغَة في كلامٍ أسْهَل من الزُّلَال، وأشَدّ من الصَّخْر إذ لَان، فذَهَبَ، ثُمَّ أنْشَدَنا له (٤): [من المتقارب] سَمَا لك هَمٌّ ولَم تَطْربِ … وبِتَّ ببَثٍّ ولَم تَنْصَبِ

стр. 3791

وقالَتْ سُليمَى أرَى رَأسَهُ … كنَاصِيَةِ الفَرَس الأشْهِبِ وذلكَ من وَقَعاتِ المَنُون … فَفِيْئي إليكِ ولا تَعْجَبي أتَيْنَ عليّ إخْوَتي سَبْعَةٌ … وعُدْنَ على رَبْعي الأقْرَبِ وبعْدَهُ أبياتٌ، ثُمَّ يقُول بعدَها (١): فأدْخَلَكَ اللّهُ بَرْدَ الجِنَانِ … جَذْلَانَ في مَدْخَلٍ طَيِّبِ فَلَانَ كَلامُهُ حتَّى لو أنَّ أبا الشَّمَقْمَق قال هذا البَيْتَ لكان رَدِيئًا ضَعِيْفًا. قال الأصْمَعِيُّ: وطَرِيق الشُّعَراء إذا أدخَلْتَهُ في باب الخَيْر لانَ؛ ألَا تَرَى أنَّ حَسَّانَ بن ثَابِت كان عَلَا في الجاهِلِيَّةِ والإسْلَام، فلمَّا دَخَلَ شِعْرُه في باب الخَيْر من مَرَاِثِي النَّبِيّ صلي اللّه عليه وعلى آله وسَلَّم وحَمْزَة وجَعْفر ﵉ وغيرهم، لَانَ شِعْرهُ، وطَرِيقُ الشِّعر هي طَرِيقُ الفُحُول؛ مثل امْرِئ القَيْس، وزُهَيْر، والنَّابِغَة؛ من صِفَاتِ الدِّيَار والرَّحْل، والهِجَاءِ والمَدِيْح، والتَّشْبِيْب بالنِّسَاء، وصِفَة الخَمْر (a) والخَيْل، والحُرُوب (b) والافْتِخَار، فإذا أدْخَلتُه في باب الخَيْر لَانَ. قال المَرْزُبانيّ (٢): وحَدَّثي إبْراهيمُ بن شِهَاب، قَال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بن الحُبَابِ، عن مُحَمّد بن سلّام (٣)، قال: كان الجَعْدِيُّ مُخْتَلِفَ الشِّعْر مُغَلَّبًا، قال الفَرَزْدَق: مثَلهُ مَثَلُ صَاحِب الخُلْقَانِ، يُرَى عندَهُ ثَوْب خَزٍّ أَو عَصْبٍ، وإلى جَانبهِ سَمَلُ كِسَاءٍ. وإذا قالت العَرَبُ: مُغَلَّبٌ فهو مَغْلُوبٌ، وإذا قالُوا: غُلِّبَ فهو غَالِبٌ، غُلِّبَت لَيْلَى على الجَعْدِيّ، وغُلِّبَ عليه أَوْسُ بن مَغْرَاءَ القُرَيْعِيِّ، ولم يكُن إليهِ في الشِّعْر

стр. 3792

ولا قَرِيب، وغلِبَ عليه عِقَالُ بن خُوَيْلِدٍ العُقَيْلِيُّ، وكان مُفْحَمًا بكَلَم بلا شِعْرٍ (a)، وهَجَاهُ سَوَّارُ بن أوْفَى (b) وفَاخَرهُ، وهَجَاهُ الأَخْطَل بأَخَرَةٍ. قال المَرْزُبانيّ (١): أخْبَرَنا ابن دُرَيْدٍ، قال: أخْبَرَنا أبو حَاتمٍ، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيُّ، قال: أُفْحِمَ النَّابِغَةُ ثلاثين سَنَة بعد قَوْلهِ الشِّعْر، ثُمَّ نَبَغَ فقالَ، والشِّعْرُ الأوَّلُ من قَوْلِه جَيِّدٌ، والآخرُ كأنَّهُ مَسْرُوقٌ وليس بجَيِّدٍ. قال أبو حَاتِم: قال النَّابِغَةُ الجعدِيُّ وهو ابنُ ثلاثين سَنَة، فقال ثلاثين سَنَةً، ثمّ أُفْحِمَ ثلاثين سَنَة، ثمّ نَبَغَ فقالَ ثلاثين سَنَةً أو قُرَابَتَها. قال المَرْزُبانيُّ (٢): حَدَّثَني أبو عَبْد اللّهِ الحَكِيْمِيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن مُوسَى البَرْبَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلّام، قال: قال النَّابِغَةُ لعِقَال بن خُوَيْلِد، ح. قال المَرْزُبانيّ: وحَدَّثَني عليّ بن عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَني يَحْيَى بنُ عليّ بن يَحْيَى المُنَجِّم، عن أَبِيهِ، قال: حَكَى أبو الوَرْد الكِلَابيُّ، قال: قال النَّابِغَة لعِقَال بن خُوَيْلِدٍ العُقَيْلِيّ، وكان أجارَ بَني وَائِل بن مَعْن بن مَالِك بن أَعْمُر (c)، وكانُوا قَتَلُوا رَجُلًا من بني جَعْدَة، وكانوا يطَالِبونهم بدَمهِ، فحَذَّر النَّابِغَةُ عِقَالًا أنْ يُصِيْبَهُ في ظُلْمه ما أصَاب كُلَيْب وَائِل في تَعَدِّيهِ عليهم، وأنْ يَقَع بينَهُم ما وَقَع بين عَبْسٍ وذُبْيَان في حَرْب دَاحِس والغَبْرَاءِ من الشَّرِّ، فقال (٣): [من الطّويل] أَبْلِغْ (d) عِقَالًا أنَّ غايةَ (e) دَاحِس … بكَفَّيكَ فاسْتَأخِرْ لها أو تَقَدَّم

стр. 3793

فقال عِقَالٌ: لا بَلْ أتقَدَّم يا أبا لَيْلَى. قال النَّابِغَة: يُجِيْر (a) علينا وَائِلًا في دِمَائنا (b) … كأنَّك ممَّا نالَ أشْيَاعَهَا (c) عَمِ فقال عِقَال: بل على عَمْدٍ يا أبا ليلَى، فقال النَّابِغَة: كُلَيْبٌ لعَمْري كان أكْثَرَ نَاصِرًا … وأيْسَرَ جُرْمًا منك ضُرِّجَ بالدَّم رَمَى ضَرْعَ نَابٍ فاسْتَمَرَّ بطَعْنَة … كحَاشِيَةِ البُرْد اليَمَانِي المُسَهَّمِ وما عَلَم (d) الرُّمْح الأصَمُّ كُعُوبُهُ … بثَرْوَة (e) رَهْط الأبْلَخِ (f) المُتَظَلِّم فقال عِقَالٌ: لكنَّ اسْتَ حَاملِهِ تَعْلم، وقال يَحْيَى في حَدِيثه: لكنَّ حَامِلَهُ يَعْلَم، فغُلِّبَ عليه عِقَالٌ بهذا الكَلَام. قال المَرْزُبانيّ (١): حَدَّثَني إبْراهيمُ بن شِهَاب، قال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بن الحُبَابِ، عن مُحَمَّد بن سَلَّام (٢)، قال: حَدَّثَني أبو الغَرَّاف، قال: قال النَّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: إنِّي وأَوْس بن مَغْرَاءَ لنَبْتَدر بَيْتًا ما قُلْنَاهُ بَعْدُ، لو قد قالَهُ أحَدُنا لقد غُلِّبَ على صَاحِبهِ. قال ابنُ سَلَّام (٣): وكانا يَتَهاجَيان، ولَم يكُن أَوْسٌ إلى النَّابِغَة في قَرِيْحَةِ الشِّعْر، وكان النَّابِغَةُ فَوْقَهُ، فقال أَوْسُ بن مَغْرَاءَ: [من الطّويل] فلَسْتُ بعَافٍ عن شَتِيْمةِ عَامِرٍ … ولا حَابسِي مَمَّا أَقُول وَعِيْدُها تَرَى اللُّؤْمَ ما عاشُوا جَدِيدًا عليهمُ … وأبْقَى ثِيَاب اللَّابسِينَ جَدِيدُها لعَمْرُكَ ما تبْلَى سَرَابيِلُ عَامِر … من اللُّؤْم ما دامَتْ عليها جلُودُها فقال النَّابِغَةُ: هذا البَيْتُ الّذي كُنَّا نَبْتَدرُ! وغَلَّبَ النَّاسُ أَوْسًا على النَّابِغَة.

стр. 3794

حَيَّان بن هَوْذَةَ النَّخَعِيِّ (١) شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عَلِيٍّ ﵁، وكانت معه رَايةُ عليّ لَيْلَة الهَرِير، وقُتِلَ يَوْمئذٍ هو وأخُوه بَكْر بن هوْذَة، وقد ذكَرنا ذلك في تَرْجَمَةِ أَبَان بن قَيْس (٢). أنْبَأنَا أبو الحَسَن بن أبي عَبْد اللّه بن المُقَيِّر، عن أبي مُحَمَّد عَبْد اللّه بن أحْمَد النَّحويّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاء، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا ابن نِيْخَاب، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن دِيْزِيْل، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا نَصْر بن مُزَاحِم (٣)، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن سَعْد بإسْنَادِه الأوَّل في خَبَر صِفِّيْن يعني: عن الحَارِث بن حُضَيْرَة، عن أبي الكَنُود وغيره، قال: فاجْتَلَدُوا بالسُّيُوف من صَلَاةِ الغَداة إلى نصْف اللَّيْل، والأشْتَر في مَيْمَنَة النَّاسِ، وابن عبَّاس في الميسَرة، وعليُّ ﵇ في القَلْب، والنَّاس يَقْتَتلونَ. فجَعَل عليّ (a) يَزْحَفُ بأصْحَابهِ ويقُول لهم: ازْحَفُوا قِيْدَ رُمْحي هذا. فإذا فَعَلُوا سَألهم مثل ذلك، حتَّى الْتقوا، ثمّ دَعا عليّ (b) ﵇ نَفَرًا يسَيْرًا (c)، ورَكَز رَايتَهُ، وكانت مع حَيَّان بن هَوْذَة النَّخَعِيِّ، فاقْتَتَلُوا إلى نصْف اللَّيْل لَم يُصَلُّوا للّه صلاةً إِلَّا تَكْبِيرًا، فافْتَرَقُوا على سَبْعِين ألفَ قَتِيْلٍ، قال: وهي لَيْلَة الهَرِير؛ وجَعَل يَهِرُّ بَعْضُهم إلى بعضٍ، ويَكْدِمُ بعضُهم بعضًا، قال: وخَرَج عليّ (d) يَوْمئذٍ وهو يَسِيْرُ على فَرَسهِ في كتائبه (e) فقال: مَن يَشْرِي نفسَهُ للّهِ .

стр. 3795

ذِكْرُ مَن اسْمُهُ حَيْدَرة حَيْدَرةُ بن أحْمَد بن عُمَر بن مُوسَى، أبو تُرَابٍ الرَّبَعِيُّ الحرَانيُّ، ويُعْرَفُ بابن قُطَرْمِيْز رَجُلٌ فَاضِلٌ، أدِيبٌ شَاعِرٌ، كان مُبرّزًا في عِلْم القُرآن العَظِيْم، وله اطِّلَاعٌ على سَائِر العُلُوم، وله شِعْر لا بَأْسَ بهِ. كان مُنْقَطِعًا إلى الأَمِير شَرَف الدَّوْلَة مُسْلِم بن قُرَيشْ؛ جَلِيْسه ومُحَادِثه، وانْقَطَعَ بعدَهُ إلى أبي سَلامَة مُرْشِد بن مُنْقِذ، رَوَى عنهُ مُرْشِد. قَرأتُ بخَطِّ أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن مُنْقِذ في جُزءٍ كَتَبَهُ لابن الزُّبير جَوَابًا عن أسْماء جَمَاعَة من الشُّعَراء، فكَتَبَ له في الجُزءِ المَذْكُور جَمَاعَة وشَيئًا من أشْعَارهم ليُوْدِعه في كتاب جِنَان الجِنَان، وأنْبَأنَا به أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: أجَازَ لنا أُسامَة بن مُرْشِد وقال: الرَّئِيس أبو تُراب حَيْدَرة بن أحْمَد بن عُمَر بن مُوسَى، رَجُلٌ عالِمٌ قد خاضَ في كُلِّ العُلُوم، ونال منها حَظًّا جَسِيمًا، وبرَّز في قراءة القُرآن وعُلُومه، ولم يكُن مُشْتَهرًا بالشِّعْر، وكان أقلّ فَضَائِلهِ. وليس هو من أهْلِ الشَّام؛ وإنَّما وَرَدَ إليه من الشَّرْق خَاطِرًا، فتَمسَّك به وَالدِي أبو سَلامَة مُرْشِد بن عليّ، ﵀، وتَرَكَ له ما اقْتَرَح، وقَرأ عليه القُرْآن والنَّحو وعِلْم النُّجُوم. وكان هذا الرَّجُل يُعْرَفُ بابن قُطَرْمِيز، وسَبَبُ ذاك أنَّ رَجُلًا من أمَاثِل أهْلِ الجَزِيْرَة يُعْرَفُ بابن قُطَرْمِيْز تزوَّج وَالدتَهُ، وكان له ولدٌ في عُمَر أبي تُرَابٍ، فألْزَمهُ بقراءةِ العُلُوم وأبو تُرَاب معه، فَمَهَرَ أبو تُرَاب وبَلَغَ ما لَم يَبْلُغه ولدُهُ، واشْتَهر فنُسِبَ إلى زوْج أُمِّهِ.

стр. 3796

قال أُسامَةُ: شَاهَدْتُ منه كِتَابًا إلى وَالدِي، ﵀، يقُول فيه: وقد كُنْتُ بحُسْن رَأيهِ، وبدَوَام عَلائهِ، رَخيّ البَال، بَالغ الآمالِ، فحين عَلم الزَّمان ذلك من عِيْشَتي الرَّاضِيَة، رَمَاني بسِهَامٍ قَاضِيةٍ، فأعادَتِ الصَّفَاءَ رَنقًا، والعَذْب طِرْقًا: [من الطويل] فلو كان قَلْبي كالقُلُوبِ أذَابَهُ … فِرَاقُكُمُ لكنَّهُ جَلْمَدٌ صَخْرُ أقُولُ إذا اشْتَدَّ اشْتِيَاقي إلَيكُمُ … ودُونَ لِقائي مسْلَكٌ فَدْفَدٌ وَعْرُ إلى اللهِ أشْكُو ما جَنَتْهُ يَدُ النَّوَى … على مُدْنَفٍ أحْشَاؤُهُ حَشْوُها جَمْرُ خَيلَيّ ما لي واللَّيالِي كأنَّما … على الدَّهْر من تَفْريقِ إلْفَتَنا نَذْرُ فوَا لَهَفَي حَتَّامَ ألقاهُ عَاتِبًا … ووا أَسَفَا كَمْ أرْتَجي نَفِدَ العُمْرُ فلَو كان للأيّام عَهْدٌ عَتبتُها … ولكنَّها الأيَّامُ شِيْمَتُها الغَدْرُ وحتَّى مَتَى أدْعُو الزَّمانَ وأينَ مَنْ … أُنادِي كأنَّ الدَّهْرَ في أُذْنِهِ وَقْرُ فإنْ كان لي زَيْن الدَّوْلَةِ المَلْكُ حَافِظًا … عُهُودِي فما آسي على ما حَمَى الدَّهْرُ هُمَامٌ أعَادَ الدَّهْرَ طَوْعَ إرَادتي … فليسَ لَهُ نَهْيٌ عليَّ ولا أَمْرُ فَتَىً شَرَّفَتْهُ نَفْسُهُ وجُدُودُهُ … وبِيْضُ المَوَاضِي والمُثَقَّفَةُ السُّمْرُ وقال أُسامَة، ونَقَلْتُه من خَطِّه في الكتاب المَذْكُور وصنَّفَ لوَالدِي كِتَابًا في النُّجُوم سمَّاهُ: المِنْهَاج، أحْسَنَ فيهِ، افْتَتَحهُ بقَصِيدَةٍ لَم أحْفَظ منها سوى هذين البيتَيْن: [من الوافر] فَأُفِّ مِنَ الحياةِ وأُفِّ منِّي … فكم أُغْضِي على قَهْرٍ وقَسْرِ فطَوْرًا في كَفَرْ طَابٍ وطَورًا … إلى حَرَّانَ أُنْضِيها وأَسْري قال أُسامَةُ: وكان له أهْلٌ بحَرَّان وأهْل بشَيْزَر، فإنْ كان هذا المَذْكُور هو الّذي اشْتَمل عليه الرَّقْم ووُسِم بأبي تُرَاب الرَّبَعِيّ فذَاكَ، وإلّا فما أعْرِفُ سِوَاهُ.

стр. 3797

قَرّأتُ في مجْموع جَمَعَهُ بعض أهل حَلَب، قال: حَيْدَرة بن أحْمَد بن عُمَر بن مُوسَى أبو تُرَاب الرَّبَعِيُّ، من أهْلِ الشَّرْق، وَرَدَ إلى حَلَب، ثمّ انْقَطَع إلى ابن مُنْقِذ، وكان عنده أنْوَاع من العُلُوم، وذَكَرَ له الأبْيَات الرَّائيِّة المَرْفُوعَة. حَيْدَرةُ بن إسْمَاعِيْل بن سَالم الكَاتِبُ كان أحَد كُتَّاب الوَزِير أبي العِزّ بن صَدَقَة، وَزِير أبي المَكَارِم مُسْلِم بن قُرَيْشٍ، وكان ذا أدَبٍ وَافِر، وعِلْم ظَاهِر، وفَخْر سَنِيّ، وكتابةٍ حَسَنة، وكان بَلِيْغًا. قَرَأتُ في المجمُوع الَّذي جَمَعَهُ بعضُ أهل حَلَب، وقَدَّمْتُ ذِكْرهُ في التَّرْجَمَة المَتُقدِّمة، قال: وقيل - يعني لحَيْدَرة بن إسْمَاعِيْل - لمَّا أرَادَ الاتِّصَال بخِدْمَة ابن الفُرَاتِ: بماذا تَخْدُم الوَزِير؟ قال: بأنْ لا أكْذِبَهُ إذا سَألَ، ولا أصْدقهُ إذا سَكَت، ولا أخُونهُ إذا وَلَّى، ولا أذُمُّه إذا عَزَل، ولا أُساعِد له عَدُوًّا، ولا أُجَالِسُ مَنْ كان عندَهُ ظَنِيْنًا، ولا أسْألهُ عمَّا لم ينَلْهُ نَظَري، ولا أرْتَفع فَوْق قَدْري، ولا أكْتَسبُ من غيره، ولا اشْكُر على نِعْمته سِوَاهُ، وإنْ حَسُنَ مَوْقعي منه شَكَرتهُ للزِّيادة فيما فُزْت به، وإنْ جَرَى المِقْدَارُ بخِلَاف ذلك، كنتُ غير لائم لنَفْسِي، ولا أعْتبُ على فعْلي (١). قال: ومن شِعْره: [من المنسرح] إنْ كُنْتَ في الحَقِّ لا تُجَوِّزُني … فإنَّني قد أجُوزُ في الغَلَطِ إنْ لَم أكُن من خِيَار ما ضَمَّهُ الـ … عِدْلُ فهَبْني لفَاقةِ السَّقَطِ كذا كان في المَجْمُوع المُشَار إليهِ: لمَّا أرادَ الاتِّصَال بخدْمَة ابن الفُرَات! ويغلِبُ على ظَنِّي أنه تصَحَّف عليه أبي العِزّ بابن الفُرَات، وأظُنُّ أنَّ آخر البيت الثاني: فهَبْني نُفَاية السَّقَط، واللّهُ أعْلَمُ.

стр. 3798

حَيْدَرةُ بن الحَسَن بن أحمد بن عليّ بن عُبيدِ الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن بُهْلُول الحَلَبِيّ، أبو تُرَاب العَدْل الخَطِيب بن أبي أُسامَة (١) من وَلد أُسامَة بن زَيْد، من بيتٍ مَشْهُور بحَلَب، وفيهم جَمَاعَة من أهْلِ العلم والحَدِيْث والأدَب والخَطَابَة بحَلَب، وقد ذَكَرنا جَدّه أحْمَد (٢)، وعَمّ أبيهِ أبا القاسم الحُسَين (٣)، وَسَنَذْكُر جدّ جدّ جَدّه الخَطِيب أبا أُسامَة عَبْد الله (٤)، وأباهُ محمد بن بُهْلُول (٥). وكان أبو تُرَاب هذا خَطِيْبًا بَلِيْغًا، له دِيْوَان خُطَب حَسَنَة الإنْشَاء، وله شعْرٌ، وكان إمَامِيّ المَذْهَب، خَطَبَ بجَامع حَلَب سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة تمت حِصَار العَادِل ألْب أَرَسْلَان بحَلَب محُود بن نَصْر بن صالح، ثُمَّ عُزِلَ، ثمّ خَطَبَ ثانيًا بحَلَب للمِصْرِيِّيْن حين خَطَبَ المَلِكُ رِضْوَان بن تُتُش للمِصْرِيِّيْن وقَطَعَ خطْبَة بني العبَّاس، وعُزِلَ جَدّ أبي القَاضِيِ أبا غَانِم عن القَضَاءٍ والخَطَابَةِ في سنة تسعين وأرْبَعِمائة (٦)، وقيل إنَّ أبا تُراب لَم يعِش بعد ذلك إلَّا مُدَّة يَسِيْرة، وماتَ وكان قد أسَنّ. ووَقَفْتُ على شَهَادته في كتابٍ منِ كُتُب أوْقَاف الحلبِيِّيْن مُؤرَّخة بسنة خمسٍ وثَلاثين وأرْبَعِمائة، فيدُلّ على أنَّ موْلدَهُ كان في حُدُود الأربَعمائة بعدَها.

стр. 3799

وذَكَرَ لي بعضُ بني أُسامَة الحلبِيِّيْن أنَّهُ ما زال مُسْتَمرِا في الخَطَابَةِ للمِصْرِيِّيْن بالبَيَاضِ إلى آخر سَنَة خَمْسٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة وليس كذلك، بل خَطَبَ لبني العبَّاس بالسَّوَادِ في سَنَة اثنتَيْن وسِتِّين وأرْبَعمائة في أيَّام مَحْمُود، ثمّ أعادَ الخُطْبَة للمِصْرِيِّيْن حين حَصَرهُ ألْب أَرَسْلَان، ثمِّ أعَادَها لبني العبَّاس في سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين حين خَرَجَ إلى ألْب أَرَسْلان وأطاعهُ، واسْتَمَرَّت الخُطْبَة لبني العبَّاس إلى زمَن رِضْوَان كما ذَكَرناهُ. وسَمِعَ أبو تُرَاب الخَطِيب الحَدِيْث من أبي عُبَيْد الله عَبد الرَّزَّاق بن أبي نُمَيْر العَابِد الأسَدِيّ. سَمعَ منهُ وَلدَاهُ: أبو القَاسِم عَبْد الله بن حَيْدَرة، وأبو الفَرَج عَبْد الوَاحِد بن حَيْدَرة، وعبدُ اللهِ بن عَبْد السَّلام النَّائِب بحَلَبَ. قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (١)، وأخْبَرَنا بهِ أبو اليُمْن الكِنْدِيّ إذْنًا عنه، قال: وفي هذه السَّنَة - يعني سَنَة تِسْعين وأرْبَعِمائة - خَطَبَ المَلِكُ رِضْوَان بحَلَب للمِصْرِيِّيْن، وكان الخَطِيب أبو تُرَاب؛ له حِكايَةٌ مَعْرُوفة، وكان هذا الخَطِيبُ رَأى مَنامًا أنَّهُ لا يَمُوتُ حتَّى يعُود يَخْطبُ للمِصْرِيِّيْن دفعةً ثانيةً، لأنَّهُ خَطَبَ لهم بحَلَب في حِصَار السُّلْطانِ العَادِل فكان كذلك. قَرأتُ في خُطَب أبي تُرَاب حَيْدَرة من نُسْخَةٍ بخَطِّ وَلده، وقَرأها عليه: أيُّها النَّاسُ، العَجَل العَجَل، قبل مُرافَصَةِ الأجَل، وظُهُور القَلَقِ والوَجَلِ، ومقام التَّوْبيخ والخَجل، عند الوقُوف بين يَدَي الله ، فكأنَّكُم بطَارِق المَنِيَّة، قد قَطَع الأُمنيَّة، ونَزَل الحَقُّ الصُّرَاح، فنَادَى بعِزٍّ لا بَرَاح، فلو أنَّ له ما في الأَرْض جَمِيعًا ومثْلَه مَعَه، ما دفَع عنه مانَزَل بهِ ولا نَفَعَه، فعَلَتِ الضَّجَّة، عند تلَفِ المُهْجَة، وأُرْملَتِ الصَّاحِبة، ونَدَبَتِ النَّادِبة، ووَجَبَت نقلَتُه من مَنْزِله وإزْعَاجُه،

стр. 3800

قال أَحَبُّ النَّاسِ إليهِ: كَرَامتُهُ إخْرَاجُه، فأصَابَهُ من جميع ما مَلَكَهُ أكْفَانُه، وما حَوَتْه من الطِّيْب أجْفَانُه، وشَيَّعَهُ الأمَاثِلُ إلى أنْ أَوْدَعُوهُ لَحْدَهُ، وخَلَّفُوهُ مُفْرَدًا وحده، فعَاين هُنالكَ أحْوَالَهُ، فإذا كُلّ ما هو فيه عليهِ لا له، فرَحِمَ اللهُ امْرأً سَمعَ فوَعَى، وكان بما يَسْمَعُه مُنْتَفعًا قَبْل فَوْت الإمْكَان، واشْتِمالِ النَّدَامَة، على ما أسْلَفَهُ من عَملهِ ورآه قُدَّامَه. ومن خُطْبَةٍ أُخرى: أيُّها النَّاسُ، ما للقُلُوب حَائدة عن سُبُل الخشُوع، وما للأبْصَار جَامِدةٌ عن فيضِ الدُّمُوع، وما للأنْصارِ (a) قد أهْلكَها طُول الهُجُوع، أتحققتم النَّجَاة في المآب، أم تَيَقَّنْتُم الأمَانَ في مَعَادِكُم من العِقَاب، أم رَضِيْتم بأعمَالكم لمُسَائلة رَبّ الأرْبَاب، أم عدَلْتُم على بَصِيْرة عن نَهْج السَّبِيْل، أم رَضِيْتُم بالحَيَاةِ الدُّنْيا من الآخرة، وما ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١). ومن أُخْرى: أيُّها النَّاسُ، إنَّ بَقَاءكم في هذه الدُّنْيا الفَانيِة قَطع مَسَافَة إلى أخرى، واشْتِغَالكُم بجَمْع حُطَامِهَا إقْدَامٌ على مُرَافَصَةِ الرَّدَى، وإهْمَالكُم طَاعَة رَبِّكم من يَوْمكم أمانٌ ممَّا يَحْدُث غَدًا، كأنَّكُم لا تَعْلُونَ أنَّ أرْوَاحكُم لدَعْوَة الحِمَام صَدَى، أم تَجْهلُونَ أنَّ المَوْتَ يبقِي منكم أحدًا. أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، عن أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة، قال: أنْشَدَني القَاضِي أبو الفَضْل هِبَة الله بن أحْمَد بن يَحْيَى بن أبي جَرَادَة لنفسِه من أبياتٍ كَتَبَها إلى الخَطِيب أبي تُرَاب حَيْدَرة بن أبي أسامَة: [من الكامل] يا أَوْحَدَ الخُطَبَاءِ غَيْرَ مُنَازَعٍ … وجَمَالَ مِنْبَرِهِ وعَالَمَ عَصْرِهِ

стр. 3801

ومُهَجِّنِ الفُصَحَاءِ في أقْوَالِهِمْ … ومُصَرِّفَ الكَلِمِ الفِصَاحَ بأَمْرِهِ عَزَّت علَى طُلَّابها فكأَنَّها … جُعِلَت حَبَائسَ نَظْمِهِ أو نَثْرِهِ تُهْدِي لسَامِعَها لشِدَّةِ عُجْبِهِ … سُكْرًا وفيها صَحْوةٌ مِن سُكْرِهِ سَلَبَ البَلَاغَةَ كُلّ نُطْقٍ فاغْتَدَى … رَبًّا لها لمَّا غَدَتْ في أَسْرِهِ وَسَما فَحَطَّ الشُّهْبَ في أفْلاكِها … نثرًا فنَظّمَها طَرَائِقَ شِعْرِهِ ضَلّ الّذي جَارَاهُ لا في عِلْمهِ … يَرْجُو اللَّحَاقَ بِهِ ولا في قَدْرِهِ هنَّاهُ مَنْ أعْطَاهُ بَارِعَ فَضْلِهِ … وأبانَ كُلَّ غَرِيْبةٍ من فِكْرِهِ تُوفِّي أبو تُراب الخَطيب في سَنَة تِسْعين وأرْبَعِمائة، أو بعدَها بقليلٍ على ما ذكرناه. حَيْدَرة بن عليّ بن مُحمّد بن إبْراهيم بن الحُسَين، أبو المنُجَّا بن أبي تُرَاب الأنْطَاكِيّ القَحْطَانِيّ، عابر الأحْلَام، المالِكِيِّ (١) أصْلُهُ من أنْطَاكِيَة، وسَكَنَ دِمَشْقَ، وأظُنُّه كان بأنْطَاكِيَة بعد أنْ فَتَحَها سُليْمان بن قُطَلْمش. سَمِعَ أبا علِيّ الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن الكَفْرطَابِيّ، وأبا مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عُثْمان بن أبي نصْر، والقَاضِي أبا العبَّاسِ أحْمَد بن مُحَمَّد البِسْطَامِيِّ، وأبا الحَسَن

стр. 3802

شَاء بن نَظِيف، والقَاضِي أبا مُحَمَّد عَبد الوَهَّاب بن عليّ بن أبي نَصْر المالِكيِّ، أبا عَمْرو عُثْمان بن خَلَف الأنْدَلُسِيّ، وعليّ بن حَمْدَان بن مُحَمَّد البلخِيّ، وأبا الحَسَن بن عَوْف، وأبا القَاسِم عَبْد العَزِيْز بن عليّ الشَّهْرَزُورِيّ المالِكِيّ، وعنهُ أخَذَ علم تَعْبِير الرُّؤْيا. رَوَى عنة الأَمِير أبو نَصْر عليّ بن هبَة الله بن مَاكُولا الحافِظ، وأبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم الفَقِيه، والقَاضِي أبو المُفَضَّل يَحْيَى بن عليّ القُرَشِيّ، وأبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن قُبَيْس الغَسَّانِيّ، وأبو الفِتْيَان عُمَر بن أبي الحَسَن الدِّهِسْتَانِيّ، وأبو مُحمَّد بن الأكْفانِيّ (a). حَيْدَرةُ بن أبي القَاسِم بن أبي تُرَاب، أبو تُرَاب الأُسْتَاذُ الكَفْرطَابِيّ النَّاسخ كان مُعَلِّمًا بحَلَب، وأظُنُّ وَالدِي وعمِّي كَتَبا عليه بحَلَب، وكان يَكْتُب خَطًّا لا بَأْسَ بهِ. حَدَّثَ عن أبي الحَسَن بن أبي الفَضْل السُّلميِّ الفَرَضِيّ، رَوَى عنهُ الحافِظُ أبو المَوَاهِب الحَسَن بن هِبَةِ الله بن صَصْرَى، وخَرَّج عنهُ في مُعْجَم شُيُوخه. أخْبَرَنا أبو الغَنائِم سَالِم بن الحَسَن بن هِبَةِ الله بن صَصْرَى إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبي أبو المَوَاهِب الحافظ، قال: أخْبَرَنا الشّيْخُ أبو تُراب المُكْتِبُ وجَمَاعَةٌ، قالوا: أخْبَرَنا أبو الحسن بن أَبي الفَضْل السُّلَمِيّ الفَرَضِيّ، قِراءَةً عليهِ ونحنُ نَسْمَعُ، قال: حدثنا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد الصوْفيّ، وأذنَ لنا فيه غير واحد عن الصُّوْفيّ، قال: أخْبَرَنا أبو تَغْلِب مُحَمَّد بنُ الأغْلَب، قال: حَدَّثَنا عُبَيْدُ الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن بَطَّة،

стр. 3803

قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن مَحْمُود السَّرَّاج، قال: أخْبَرَنا أبو هِشَام الرِّفاعِيّ، قال: حَدَّثنا حَفصُ بن غيَاثٍ، عن الحَجَّاج، عن أبي جَعْفَر مُحمَّد بن عليّ، عن جابر بن عَبْد الله (١): أنَّ النَّبي ﷺ كان يَلْبَسُ بُردَهُ الأحْمَر وعِمَامَته السَّوْدَاء في العِيْدَين والجُمُعَة. حَيْوِيْل بن نَاشِرَة بن عَبْد عَامِر بن أَيْم بن الحارِث الكنعِيِّ، أبو نَاشِرَة المِصْرِيّ الأعْوَر (٢) كان من أشْرَافِ أهل مِصْر، رَوَى عن عَمْرو بن العَاص، رَوَى عنهُ جَمَاعَةٌ من أهْل الشَّام ومِصْر، وشَهِدَ مع مُعاوِيَةَ صِفِّيْن.

стр. 3804

حَرْفُ الخاءِ (١) خَاقَان المُفْلِحيّ (٢) خَادِمُ الرَّشِيْد، له ذِكْرٌ وغنَاءٌ في الجِهَادِ، وكان مُرابِطًا بطَرَسُوس، وإليه تُنْسَبُ دَار خَاقَان بطَرَسُوس، وهي دَار الإمارَة، وفيها دُفِنَ عَبْدُ الله المأْمُون حين ماتَ. ذِكْر مَن اسْمُهُ خَالِد خَالِد بن بَرْمَك الأصْغَر (٣) ويُسَمَّى: عَبْد العَزِيْز بن بَرْمَك الأكْبَر، ويُسَمَّى: عَبْد الله بن يَشْتَاسِف بن جَامَاس، أبو العبَّاسِ، وأبو عَوْن، وأُمُّه بنتُ مَلِكَ الصَّغَانيَان.

стр. 3805

حَدَّثَ عن عَبْد الحَمِيْد بين يَحْيَى الكاتِب، رَوَى عَنْهُ ابنُه يَحْيَى بن خَالِد البرْمَكيّ، وقَدِمَ وهو صَبيٌّ مع أبيهِ برْمَك إلى رُصَافَة هِشَام بن عَبْد المَلِك حين قَدِمَ أبوه على هِشَام، ونَشَأ بها مع وَلد هِشَامٍ، وقَدِمَ حلَبَ صُحْبَةَ المَهْدِيّ حينَ قَدِمَها، وأغْزَاهُ المَهْدِيّ الصَّائِفَة مع ابنهِ هَارُون في سَنة ثَلاثٍ وسِتِّينِ ومائة، وقَلَّد كتابة هَارُون وتَدْبِير أمْر عَسْكَره ابنَهُ يَحْيَى بن خَالِد، وكان خَالد بن برْمَك أحَد العشْرين الّذين اخْتَارهُم الشِّيْعَة لإقَامَةِ دَعْوَة بني العبَّاسِ بعد النُّقَبَاءِ الاثْني عَشَر (a) . قَرأتُ في كتاب أخْبَار البَرَامِكَة، تأليفُ أبي حَفْصٍ عَمرو بن الأزْرَق الكَرْمَانيّ (١)، قال: وحَدَّثني سَعيدُ بن مَسْلَمَة بن هِشَام بن عَبْد المَلِك، وكان يُحْمل الحَدِيْث عنه، قال: حَدَّثَتني رَضْوَى حَاضِنَة أبي أنَّ خَالِد بن بَرْمَك كان يَبِيْتُ مع مَسْلمَة في لِحَافٍ واحدٍ وهمُا صَبيَّان، وأَنَّهُ نَشَأ معَهُ في مَوضعٍ واحدٍ. قال سَعِيد: وكان مَسْلَمَةُ أبي لا يُوْلَدُ له، فوَصَفَ له بَرْمَكُ دَوَاءً فتَعالَج به فوُلدْتُ له، فكانُوا يُسَمُّوني البرمَكيّ على عَهْد هِشَام. قال ابنُ الأزْرَقِ (٢): حَدّثني شَيْخٌ قَدِيمٌ، قال: وكان برمَكُ واقفًا بباب هِشَامٍ، فَمَرَّ بهِ مُحَمَّد بن عليّ بن عَبْد اللهِ بن العبَّاسِ، فأعْجَبَهُ ما رَأى من هَيْئَتهِ، فسَألَ عنه، فأُخْبِرَ بقَرَابتهِ من النَّبي ﷺ ، فقال لابنِهِ خَالِدٍ بن بَرْمَك: يا بنيّ، إنَّ هؤلاءَ أهْلُ بيتِ النَّبي، وهُم وَرَثَتُه، وأحَقُّ بخِلَافَته، والأمْرُ صَائرٌ إليهم، فإنْ قَدَرْتَ يا بني أنْ يكونَ لكَ في ذلك أثَرٌ تَنالُ به دِينًا ودُنْيا فافْعَل. قال: فَحفِظَ خَالِد ذلك عنه، وعَمِلَ عليه عند خُرُوجهِ في الدَّعْوَةِ، وكان خَالِدُ بن برْمَك أحد العشْرين الّذين اخْتارهُم الشِّيْعَةُ لإقَامَةِ الدَّعْوَةِ بعد النُّقبَاءِ الاثْني عَشَرَ.

стр. 3806

قال أبو حَفْص بن الأزْرِق: سَار بَرْمَكُ يعني من عند هِشَام بن عَبْد المَلِك حتَّى قَدِمَ جُرْجَان، فنَزَلَ على يزِيد بن البَرَاءِ، وأعْلَمهُ ما صارَ إليه من الخلَيفَة، وزوَّج ابنَهُ خَالِد بن بَرْمَك من أُمّ خَالِد بنت يَزِيْد، وكان خَالِد أحبّ ولدِه إليه، وكان يقُول فيما ذكَر المَشَايخُ عنه: به يَجْبُر الله وَلدِي وأهْل بَيْتي. قال ابنُ الأزْرَق: وحَدَّثني عَمْرو بن بَحْر الجاحِظ (١)، قال: حَدَّثَني ثُمَامَةُ بن أشْرَس، قال: كان أصْحَابنُا يقولُونَ: لم يكُونوا يَرَون لجَلِيْسٍ خَالِد بن برمَك دارًا إلَّا وخَالِدٌ بناها له، ولا ضَيْعَة إلَّا وخَالِد ابْتاعَها له، ولا ولدًا إلَّا وخَالِد وَهَبَ له أُمَّه، ولا دَابَّةً إلَّا وخَالِد وَهَبها له، إمَّا من نِتَاجهِ أو غير نِتاجهِ. وقال: وحَدَّثني بِشْر بنِ حَرْب بن يَزِيْد الطَّالَقَانِيّ، وغيره من مَشَايخ الدَّعْوَة، أنَّهم كانوا يُسَمُّون خَالِد بن بَرْمَك أمين آل مُحَمَّد. قال: وحَدَّثني بِشْر بن فَاسْتك؛ شَيْخٌ من أهْل البَامِيَان، عن عليّ بن عِصْمَة، قال: كان يُقال: ما أحَدٌ من أهْل خُرَاسَان إلَّا ولخالِد بن بَرْمَك عليه منَّةٌ، وذاك أنَّهُ قَسَّطَ الخَرَاجَ عليها، فأحْسَنَ فيهِ إلى أهْلها. قال ابنُ الأزْرَق: وكان خَالِدُ بن بَرْمَك سَمِعَ من أبيهِ ذلك القَوْل في مُحَمَّد بن عليّ بن عَبْدِ اللهِ بن عبَّاسٍ، وحَفِظ عنهُ، وبحث عن الأُمُور بعد أبيهِ حتَّى انْكَشَفَتْ له، فكاتب الإمَام ورَاسَلَهُ، وكانت رُسُل الإمَام تَأتيه، وأمْره ونَهْيه يَرِد عليه، وصُيِّر من الدُّعَاة الّذين يَتْلونَ النُّقَبَاءِ، فإن اسْمُه في كتاب الدَّعْوَة فيهم مع نُظَرائهِ من الدُّعَاةِ حتَّىَ حَدَث من أَمْرِ البَرَامِكَة في أيَّام الرَّشِيْد ما حَدَث، فأسْقَطه منه أبو عِصْمَة وغيره من الشِّيْعَة تَقَربًا إلى الرَّشيْد بذلك، فهو يُوْجَد في خَواصِّ الكُتُب.

стр. 3807

قال ابنُ الأزْرَق: فَحدَثَني أبو يَحْيَى الخلِيل الشِّيْعِيُّ، قال: قَدِمَ عَبْد المَلِك بن يَزِيْد وخَالِد بن بَرْمَك على الإمَام، فقال لعَبْد المَلِك: نِعْم العَوْن أنتَ لنا، فأنْتَ أبو عَوْن، وأنتَ يا خَالِد، فإنَّكَ سَتَصِيْرُ وَزِيرًا لوَلدِ العبَّاسِ، فأنتَ أبو العبَّاسِ، فهو الّذي كنَّاهمُا. قال: فإن خَالِد بن بَرْمَك يختلفُ فيما بين جُرْجَان وطَبَرِسْتان والرَّيّ وتيْكَ النَّواحِي، فيدعُو لبني هاشِم، ويُظْهرُ أنَّ اخْتِلَافَهُ في التِّجَارَةِ، فيَجْلبُ معهُ الدَّوَابّ والرَّقِيْق إلى تلك الكُور، على خَوْفٍ شَديدٍ، ومُخَاطَرةٍ عَظِيمَة، لَم يكُن يَظنُّ بأحدٍ هذا الرآي فَضْلًا عن الدُّعَاءِ إليه إلَّا أُتِيَ عليه وعلى أهْل بَيْته. قال: وقد أُخِذ خَالِد في ذلك غير مَرَّة فتأنَّى واحْتَالَ حتَّى تَخلَّصَ. وقال ابنُ الأزْرَق بعدَ ذِكْرِ البَيْعَة لأبي العبَّاسِ السَّفَّاح: وأُدْني خَالدُ بن بَرْمَكٍ إلى الإمَام أبي العبَّاسِ وهو في مَحْملٍ من الجراحةِ الّتي كانت به، فظنَّ أبو العبَّاسِ أنَّهُ من العَرَب، لِمَا رَأى من فَصَاحَتهِ وهَيْئَته، فقال: ممَّن الرَّجُل؟ فقال: مَوْلَاك يا أمِير المُؤْمنِين، قال: ممَّن أنتَ رَحِمكَ الله؟ قال أنا من العَجَم، قال: فَمنْ أنتَ منهم؟ قال: أنا خَالِد بن بَرْمَك، ووصفَ له حالهم الّتي كانت بخُرَاسَان قبل الإسْلام، وأنَّ الله هَدَاهُم بهم أهُل البَيْت، وأنَّه في مَحَبَّتهم والتَّشَيُّع لهم كما قال الكُمَيْتُ (١): [من الطويل] وما لي إلَّا آلَ أحْمَد شِيْعَة … وما لي إلَّا مشْيَع الحَقِّ مَشْعَبُ قال: فأُعْجِبَ به أبو العبَّاس. قال: وأقرَّ أبو العبَّاسِ خَالِد بن بَرْمَك على ما كان يتولَّى في العَسْكَر من الغَنائِم، ثُمَّ جَعَل دِيْوَان الخَرَاج ودِيْوَان الجُنْد إليهِ.

стр. 3808

قال: ولمَّا صارَ الدِّيْوَانان إلى خَالِد بن بَرْمَك حَسُن فيهما مَذْهَبُه وكَثُر حَامِدهُ، وعلى يَدَيهِ جَرَت قَطِيْعَةُ العَكِّيّ وقَطِيْعَةُ أبي حُمَيْد وقَطَائع كَثِيْرة غير ذلك. قال: وكانت الدَّفَاِتِر في دِيْوَان الجُنْد صُحُفًا مُدْرَجةً، فجَعَلَها خَالِدُ بن بَرْمَكٍ دَفَاِتِر، فهو أوَّلُ مَنْ فَعَل ذلك، وأوَّلُ مَنْ جَعَل دِيْوَان الجُنْد على ما هو عليه اليَوْم. قال: وحَسُنَ حَالُ خَالِد بن بَرْمَك عند أبي العبَّاسِ، وجَلَّ قَدْرُه عندَهُ، ووضَعَهُ في مَوضع المشُاوَرة في الأُمُور، وحَلَّ مَحَلَّ الوَزِير. أخْبَرَنا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد الهَرَويّ في كتابهِ، عن زَاهِر بن طَاهِر الشّحَّامِيِّ، قال: أنبأنَا أبو القَاسِم البُنْدَار، عن أبي أحْمَد القارئ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الصُّوْلِيّ إجَازَةً: أنَّ الإمَام أبا العبَّاس السَّفَّاح لمَّا اسْتُخْلِفَ أُدْخِل عليه خَالِدُ بن بَرْمَك فبايعَهُ، وتكلَّم فأعْجَبَتْهُ فَصَاحَتُه، فظَنَّهُ من العَرَب، قال: مَمَّن الرّجُل؟ قال: مَوْلاك يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قال: فَمن أنْتَ يَرحمكَ الله؟ قال: من العَجَم، أنا خَالِدُ بن بَرْمَك، وأبي وأهْلي في مُوَالاتِكُم، والجِهاد عنكُم، كما قال الكُمَيْت (١): [من الطويل] فما لي إلّا آلَ أحْمَدَ شِيْعَةٌ … وما لي إلَّا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ فأُعْجِبَ به أبو العبَّاس، وجَعَلَهُ بعد ذلك خَلِيفَة لأبي الجَهْم عَبْد الله بن عَطِيَّة بن عَبْد الله بن كَيْسَان على دِيْوَان الخَرَاج ودِيْوَان الجُنْد، فَحَسُنَ أثرُه، وما زَالت الحالُ تَتَرامى بهِ إلى أنْ صار وَزيرًا. عُدْنا إلى ما ذَكرهُ ابن الأزْرَق، قال: ودَفَع أبو العبّاسِ إلى خَالِد بن بَرْمَك ابْنَتَهُ رَيْطَة بنت أبي العبَّاس فأرْضَعَتها زَوْجةُ خَالِد وربَّتها، وأرْضَعَت أُمّ سَلَمَة زوْج أبي العبَّاسِ أَمِير المؤمنِيْن أُمَّ يَحْيَى بنت خَالِد بلِبَانِ ابْنَتها رَيْطَة.

стр. 3809

قال: وحَدَّثني إسْحاقُ بن إبْراهيم، عن هَارُون بن ديزُوَيْه، قال: دَخَلَ خَالِد يَوْمًا على أبي العبَّاسِ فقال له: يا ابن بَرْمَكٍ، أمَا رَضِيْتَ حتَّى اسْتَعْبَدْتني؟! قال: ففَزِعَ خَالِدٌ لذلك، قال: وكيفَ يا أَمِير المُؤْمنِيْن؟ بل أنا عَبْدُك! فضَحِكَ أبو العبَّاسِ، وقال: رَيْطَةُ بنتُ أَمِير المُؤْمنِيْن وأُمّ يَحْيَى بنتُ خَالِدٍ تَبِيْتَان في فراشٍ واحدٍ، فاتَعَارُّ من اللَّيْل فأجِدُهما قد تَكَشَّفَتا، فأَمُدّ اللّحافَ عليهما، قال: فقَبَّل يَدَهُ وتَشَكَّر ذلك له. قال ابنُ الأزْرَق: وقال له أبو العبَّاسِ يَوْمًا، وخَرَجَ على النَّاسِ، وأحَبَّ أنْ يُعَرِّفهم مكانَهُ منه: يا خَالِد، ما أحَدٌ أخَصُّ بأَمِير المُؤْمنِيْن منْكَ، أنت معي، وأهْلُكَ مع أهْلي، وولدُكَ مع وَلدِي، فشَكَرَهُ ودَعَا له. قال: فلم يَزَل خَالِد مع أبي العبَّاس أمِير المُؤْمنِيْن على تلك الحالِ حتَّى مَضَى أَمِير المُؤْمنِيْن أبو العبَّاسِ. قال: واسْتُخْلِفَ المنصُور، فأقرَّ خَالِدًا على حَالهِ ومَرْتَبته وعلى دِيْوَان الخَرَاج، وكان به مُعْجبًا، فمكُثَ بذلكَ عدَّة سنين، ثمّ غَلَب عليه أبو أَيَّوبَ المُورِيَانيّ، فثَقُل على أبي أيُوب مكانُ خَالِد، وأحبَّ أنْ يَخْلُو بأبي جَعْفَر، فكان لا يألُو ما حمَّل أبا جعْفَرٍ عليه إلى أنْ أتَيْهم انْتقاض فَارِس وغَلَبة الأكْرَاد عليها، فأعْظَم أبو جعْفَر ذلك، وأمر أبا أَيُّوب بارْتِيادِ رَجُلٍ يَصْلح لها، فقال: قد أصَبْتُه يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قال: ومَنْ هو؟ قال: خَالِد بن بَرْمَك، قال: صَدَقتَ هو لها، فعَقَدَ على فَارِس، فشَخَصَ إليها فافْتَتَحَها، وجَلَا الأكْرَاد عنها. وصَلحَتْ فَارس على يدي خَالِد، وأقام بها سنين، ودَخَلَ إليهِ وُجُوه النَّاس وأشْرَافهم من الأمْصَارِ وامْتَدَحَهُ الشُّعَراء، فوَلَهُم وحَبَاهم، وصَرَفَهُم رَاضِين، فحَمدُوه في سَائر الأمْصَار، وشَاعَ ذِكْره بالسَّمَاحَة.

стр. 3810

وسَعَى أبو أيُّوب المُورِيَانيّ بخَالِد إلى أبي جَعْفَر، فقال له: قد اقْتَطَع خَالِد من خَرَاجكَ ثلاثة آلاف ألف دِرْهَم، ووَصَل بها النَّاس، فأغْضَبَهُ عليه، فصَرَفَ خَالِدًا عن فَارِس. فلمَّا قَدِمَ عليه، ألْزَمه بعض ذلك المال، فدَعَا به بعدَ أنْ باعَ في أداءِ ذلك المال الدَّوَابّ والرَّقِيْق والمَتَاع، فلمَّا دَخَلَ عليه، قال: أخذتَ مالي، واجْتَرأتَ عليَّ، وفرَّقْتَهُ في النَّاسِ! فقال له خَالِد: كُلّ ما قال أَمِير المُؤمنِيْن فقد صَدَق، غير أنِّي يا أَمير المُؤْمنِيْن اقْتَصَرْتُ على أرْزَاقي ونَظَرْتُ إلى مَعُونَتي من أَمِير المؤمنِيْن، وما تَفَضَّل به عليَّ فصَرَفتهُ إلى أشْرَاف النَّاسِ، وتفَضَّلْتُ به عليهم لأنَّهُ لَم يكُن شُكْري يُحِيْط بنعَم أَمِير المُؤْمنِيْن عليَّ، فجَمَعْتُ إلى شُكْري شُكْر هؤلاءَ، وذلك كُلّه لأَمِير المُؤْمنِيْن إذ جَعَل السَّبِيْل إليهِ، وأَعانَني عليه. فسَرَّهُ ذلك، قال: صَدَقْتَ وأحْسَنْتَ، أقَرَّ اللّهُ عَيْنَكَ يا خَالِد، قد زَيَّنْتَنا، وزَيَّنْتَ نَفْسَكَ لنا، فأنتَ في حلٍّ ممَّا جَرَى على يَدِك من أمْوَالنا، وقد رَضِيتُ عنكَ، وعَظُم في عَيْنهِ بعد ذلك. قال ابنُ الأزْرَق: وذَكَر عليّ بن الفَرَج، وكان الفَرَج أبوه لأبي أَيُّوب، ثمّ صار لأبي جَعْفَر، قال: لم يكن أبو أيُّوب يأمَنُ ناحيةَ خَالِد بن بَرْمَك وأنْ يَرُدَّه أبو جَعْفَر إلى كتابتهِ ودِيْوَان الخَرَاج، فكان يَحْتال عليه، وكان ممَّا احْتَال به أنْ دَسَّ إلى بعضِ الجَهَابِذَة مَالًا عَظيْمًا وقال له: إذا سَألَكَ أَمير المُؤْمنِيْن على هذا المالِ فقُل له: إنَّهُ اسْتَوْدَعَنيْه خَالِد بن بَرْمَك، قال: ثُمَّ دَسَّ مَنْ رَفَعَ إلى أبي جَعْفَر في ذلك. قال: فدَعَا أَبو جَعْفَر بالنَّصْرانِيّ فسَألَهُ فقال: نَعَم؛ عندي مَالٌ لخَالِد بن بَرْمَك اسْتَوْدَعَنِيْهِ، قال: فبَعَثَ أبو جَعْفَر إِلى خَالِدٍ فأحْضرهُ، وسَألَهُ عن ذلك المالِ، فحَلَفَ أنَّهُ لم يَجْمَع مَالًا قَطُّ، ولا ذَخَرهُ، ولا رَأى النَّصْرانِيّ قَطّ، ولا عَرِفَهُ، ثُمَّ قال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، تُرْسِل إلى الجَهْبَذِ، وأكُون في مَوضِعي حيثُ يَرَانيّ، فإنْ عَرَفني فقد صَدَق عليَّ، وإنْ لم يَعرفني فقد أظْهَرَ اللّه بَرَاءتي.

стр. 3811

قال: فبَعَثَ أبو جَعْفَر إلى النَّصْرانِيّ، فأُتي به، فقال: اصْدُق أَمِير المُؤْمِنِيْن عن هذا المالِ، قال: يا أمِير المُؤْمنِيْن، المالُ لخَالِد، وما قُلْتُ إلَّا حَقًّا، قال: أفَتَعْرف خَالِدًا إنْ رَأيتَهُ؟ قال: نَعَم يا أَمِير المُؤْمنِيْن، أعْرفُه إنْ رَأيتُه، فالْتَفَتَ أبو جَعْفَر إلى خَالِدٍ، فقال: قد أظْهَرَ اللّه بَرَاءتك، وهذا مَال أصَبْنَاهُ بسَبَبكَ، ثمّ قال للنَّصْرَانيّ: هذا الجالسُ خَالِد فكيفَ لم تَعْرفهُ؟ قال: الأمَان يا أَمِير المُؤْمنِيْن، فآمنهُ، فأخْبرَهُ بالقِصَّةِ، فأمَرَه أبو جَعْفَر بحَمْل المالِ إلى بَيْتِ المَالِ، وكان بعد ذلك لا يَقْبل في خَالِد قَوْلًا من أحدٍ، وازْدَاد به ثِقَة وله تَقْدِيمًا. قَرَأتُ في كتاب الوُزَرَاء لابن عُبْدُوْس الجَهْشِيَارِيّ (١)، قال: وأغْزَى المَهْدِيُّ هَارُون ابنَهُ الصَّائِفَة في سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين ومائة، وأنْفَذَ معهُ خَالِد بن بَرْمَك، وقلَّد كتَابَتَهُ (a) وتَدْبير أمر عَسْكَره يَحْيَى بن خَالِد، ففُتحَ عليهم، وحَسُن أثَرُ يَحْيَى فيما قام [به] (b)، وأُحْمِدَ فعْلُه فيهِ وتَدْبِيره (c). أنْبَأنَا أبو رَوْح الهَرَويّ في كتابه، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم البُنْدَار كابةً، عن أبي أَحْمَد القَارئ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الصُّوْلِيّ إجَازَةً، قال: ماتَ خَالِد بن بَرْمَك في جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين ومائة، وهو ابنُ خَمْسٍ وسَبْعِين، مَوْلدُه سَنَة تِسْعين (d).

стр. 3812

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبِهِ تَوْفِيقِي خَالِدُ بن الحَارِث بن أبي خَالِد قَيْسِ بن خَلْدَة بن مُخَلَّد (a) - وقد قيل: مُخَلِّد - ابن عَامِر بنِ زُرَيْق بن عَبْد حَارِثَة بن مَالِك بن غَضْب بن جُشَم بن الخَزْرَج بن حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو مُزَيْقِيَاء ابن عَامرِ ماء السَّماء بن حَارِثَة بن امْرئ القَيْس بن ثعلَبَةَ بن مَازِن بن الأَزْد واسْمه دِرَاءُ بن الغَوْث بن نَبْت بن مَالِك بن زَيْد بن كَهْلَان بن سَبَأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطَان الأنْصَاريّ (١) هكذا نَقَلْتُ نَسَبَهُ من خَطِّ الوَزِير أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ المغرِبيّ (٢)، وقال: وفي صِلَةِ نَسَب قَحْطَان كلامٌ ليس هذا مَوضِعُه. شَهِدَ خَالِد العَقَبَةَ وبَدْرًا مع النَّبِيّ ﷺ ، وشَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وقُتِلَ بها (b). قَرأتُ بخَطِّ الوَزِير أبي القَاسِم بن المَغْرِبيّ (٣): قال أبو مُحَمَّد عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن عُمَارَة النَّسَّابَة المَعْرُوف بابنِ القَدَّاح، مَوْلَى بني ظَفَر من الأَوْس، في كتابهِ الّذي صَنَّفَهُ لنَسَب الأَوْسِ والخَزْرَج: كان أبو خَالِد الحارِث بن قَيْسٍ هذا

стр. 3813

بَدْرِيًّا عَقَبِيًّا، وابْناهُ: خَالِد ومَخْلَد صَحِبا النَّبِيّ ﷺ ، وحَضَرا صِفِّيْن فقُتِلَا يَوْمئذٍ، وأُمُّهما أُمَيْمَةُ؛ امْرأةٌ من بني زُرْيق من قَوْمهما، فقالت (١): [من المتقارب] أَعَيْنَيَّ جُوْدَا بدَمْع سَرِبْ … على فِتْيةٍ من خِيَارِ العَرَبْ وما ضرَّهُمْ غير حَيْن النُّفُو … سِ أيّ أَمِيْرَيْ قُرَيْشٍ غَلَبْ (a) خَالِد بن الحُبَاب، أبو الحُبَاب (٢) نَزِيلُ حَمَاةَ؛ بَلْدَة من العَوَاصِم قد ذَكَرْناها في مُقدِّمَة الكتابِ (٣). حَدَّثَ عن سُليْمان التَّيْمِيّ، رَوَى عنهُ أبو القَاسِم عَبْد الوَاحِد بن شُعَيْب الجَبَليّ، وأبو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ. أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد المُؤدِّبُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم هِبَةُ اللّه بن مُحَمَّد بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غَيْلان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن إبْراهيم الشَّافِعيّ (٤)، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن مؤَمَّل، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِد بن شُعَيْب الجَبَليّ بجَبَلَة، قال: حَدَّثَني خَالِدُ بن حُبَابٍ، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان، عن أبي عُثْمان، عن أبي مُوسَى، قال: قال رَسُولُ اللّهِ ﷺ : احْتَجَّ آدَم ومُوسَى، فقال مُوسَى: أنْتَ آدَمُ الّذي خَلَقَكَ اللّهُ تعالى

стр. 3814

بيَده، وأسْجَدَ لك مَلَائكتَهُ، عملْت الخَطِيْئَة الّتي أخْرَجتكَ من الجَنَّة؟ قال آدَمُ: أنتَ مُوسَى الّذي اصْطَفَاكَ اللّهُ برسَالتهِ، وأنْزَل عليكَ التَّوْراة، وكَلَّمَكَ تَكْلِيْمًا، فبكم خَطِيْئَتي سَبَقَتْ خَلْقِيّ، قال رَسُولُ اللّهِ ﷺ : فحَجَّ آدَمُ مُوسَى (a). خَالِد بن الحُصَيْن السَّكْسَكِيّ (١) شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ، وشَهِدَ على كتاب الحَكَمَيْن بينَهُ وبين عليّ فيما ذَكَرهُ زَيْدُ بن حَسَنٍ، وقد ذَكَرنا ذلك في تَرْجَمَةِ عَلْقَمَة بن يَزِيد (٢) فيما يأتي في كتابنا هذا إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. خَالِد بن حَيَّان بن الأَعْيَنَ الحَضْرَميّ المِصْرِيّ (٣) قَدِمَ حلَبَ أو بَعْضَ أعْمَالها مع صالح بن عليّ بن عَبْد اللّه بن العبَّاسِ غَازِيًا، خَرجَ معه من مِصْر، وكان من وُجُوه أهل مِصْر وأعْيَانهم. أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل القَاضِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة إجَازَةً، عن أبي القَاسِم خَلَف بن أحْمَد بن الفَضْل الحَوْفيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عُمَر بن النَّحَّاس، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر مُحَمَّد بن يُوسُف بن يَعْقُوبَ الكِنْدِيّ (٤)، قال: حَدَّثَني عليّ بن الحَسَن بن حَدِيد (a)، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّه بن سَعيد، عن أَبيِهِ، قال: حَدَّثَني عَمْرُو بن بَحْريّ

стр. 3815

الشَّيبانِيّ (a) أنَّ صالِح بن عليِّ الهاشِميّ، لمَّا خَرَجَ من مِصْر إلى الشَّام، خَرَجَ بنفَرٍ من وُجُوه أهْل مصْر، منهم مُعاوِيَةُ بن عبد الرَّحْمن بن قَحْزَم (b) الخَوْلانِيّ، وخَالِد بن حَيَّان بن الأَعْيَن الحَضْرَميّ، وشُرَحْبِيل بن مُذَيْلفَة الكَلْبيّ، وعَوْف (c) بن سُلَيمان الحَضْرَميّ، وعَمْرو بن الحَارِث الفَقِيهُ. خَالِد بن رَبَاح، أبو رُوَيْحَة الحَبَشيّ (١) مَوْلَى أبي بَكْرٍ الصِّدِّيْق ﵁، أخو بِلَال بن رَبَاحٍ، له صُحْبَةٌ، ولا رِوَايَة له، اسْتَعْمَلهُ عُمَر ﵁ على الأُرْدُنّ، وقيل: إنَّهُ كان بحَلَبَ ومات بها (d). أخْبَرَنا أبو إبْراهيم شَعْبان بن إبْراهيم بن أبي طَالِب الحِمْصِيُّ، وأبو حُمَيْد مَحْمُود بن حُمَيْد بن خُضَيْر الدَّارِيَّان بدَارِيَّا، قالا: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَةِ اللّهِ الشَّافعيّ (٢)، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الأَمِينُ أبو مُحَمَّد هِبَةُ اللّه بن أحْمَلى بن مُحَمَّد بن الأَكْفانِيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عَبْد العَزِيْز بن أحْمَد بن مُحَمَّد الكَتَّانِيّ من لَفْظه، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن طَوْق الطَّبَرَانِيّ، قِراءَةً عليهِ بدَارِيَّا، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ عَبْد الجَبَّار بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحيم الخَوْلانِيّ (٣)، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن

стр. 3816

عَبْد الله بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا أبو أُسامَة الحَلَبِيّ، قال: حَدَّثنا أبي، قال: حَدَّثنا أبو سَعْد، عن عَدِيّ بن عبد الرَّحْمن (a) أنَّ بِلَالًا رَضِىَ اللهُ عنهُ ماتَ بحَلَب، فدُفِنَ عند باب الأرْبَعِين، وقد قيل: إنَّ الّذي بحَلَبَ قَبْر خَالِد بن رَبَاح أخو بِلَالٍ، واللهُ أعْلَمُ (b). خَالِد بن الرَّيَّان المُحَارِبِي مَوْلاهُم (١) كان على حَرَس عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، وابنَيْه الوَلِيد وسُليْمان، وكان مع سُليْمان بِدَابِق، فلمَّا تُوفِّي سُليْمان، ووَلِيَ عُمَرِ بن عَبْد العَزِيْز، عَزَلهُ ووَلَّى عَمْرو بن مُهاجِر، وكان حين تُوفِّي سُليْمان جاء هو ورجَاء بن حَيْوَهَ إلى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بِدَابِق، فقالا له: قُم حتَّى جلسَ على المِنْبَر، فَخَطَبَ، فلمَّا فَرغَ أخذَ خَالِدُ بن الرَّيَّان أشْرَافَ النَّاسِ فشَرط عليهم أنْ يَسْمعُوا ويطِيْعُوا له. أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَليِل كتابةً، قال: أخْبَرَنا أبو المَكَارِم أحْمَد بن مُحَمَّد (c) اللَّبَّان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَدَّادُ، قال: أخْبَرَنا أبو نعَيْم الحافِظُ، قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن علي، قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن الحَسَن بن قُتَيْبَة، قال: حدَّثنا إبْراهِيم بن هِشَام بن يَحْيَى بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني أبي، عن جدِّي، قال: كان عُمَرُ بن عَبْد العَزِيْز يَنْهى سُليْمان بن عَبْد المَلِك عن قَتْل الحَرُورِيَّة، ويقُول: ضَمِّنْهم الحبُوسَ

стр. 3817

حتَّى يُحْدثوا تَوْبَةً، فأتي سُليْمان بحَرُورِيّ مُسْتَقتل، فقال له سُليْمان: هيْه، قال: إيْه نزَع لحيَيْك يا فَاسِق ابن الفَاسِق، فقال سُليْمان: عليَّ بعُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز، فلمَّا أتاهُ عُمَر، عاودَ سُليْمان الحَرُورِيّ، فقال: ماذا تقُول؟ قال: وماذا أقُول يا فَاسِق ابن الفَاسِق، فقال سُليْمانُ لعُمَر: ماذا تَرَى عليهِ يا أبا حَفْصٍ؟ فسَكَتَ عُمَر، فقال: عزَمْتُ عليك لتُخْبرني ماذا ترى عليه؟ قال: أرَى عليه أنْ تَشْتمَهُ كما شَتَمَكَ، وتَشْتم أباهُ كما شَتَم أباكَ. قال سُليْمان: ليس إلَّا! فأمَرَ به فضُرِبت عُنُقهُ، وقامَ سُليْمان، وخَرَجَ عُمَر، فأدْركَهُ خَالِد بن الرَّيَّان، صَاحِب حَرَس سُليْمان، فقال: يا أبا حَفْص، تقُول لأَمِير المؤمنِيْن: ما أَرَى عليهِ إلَّا أنْ تَشْتمه كما شَتَمَكَ وتَشْتم أباهُ كما شَتَم أباكَ! واللهِ لقد كُنْتُ مُتَوقِّعًا أنْ يأمُرَني بضَرْب عُنُقك، قال: ولو أمركَ فَعَلتَهُ؟ قال: أي واللهِ، لو أمَرَني فَعَلتُ! فلمَّا أفْضَت الخِلَافَةُ إلى عُمَر، جاء خَالِدُ بن الرَّيَّان، فقَام مقام صَاحِب الحَرَس، وكان قَبْل ذلك على حَرَس الوَلِيدِ وعَبْدِ المَلِك، فنَظَر إليه عُمَر فقال: يا خَالِد، ضَع هذا السَّيْفَ عنكَ، وقال. اللَّهُمَّ أنِّي قد وضعْتُ لكَ خَالِد بن الرَّيَّان فلا تَرْفَعْه أبدًا، ثمّ نَظَر في وُجُوه الحَرَس، فدعا عَمْرو بن مُهاجِر الأنْصَاريّ، فقال: يا عَمْرو، والله لتَعْلمن أنَّهُ ما بَيني وبينَكَ قَرَابَة إلَّا قَرَابَة الإسْلَام، ولكن قد سَمعتُكَ تُكْثِر تلَاوة القُرْآن، ورأيتُكَ تُصَلِّي في مَوضعٍ تَظنّ أنْ لا يراكَ أحدٌ، فرأيتُكَ تُحْسن الصَّلاة، وأنت رَجُل من الأنْصَار، خُذْ هذا السَّيْف فقد ولَّيْتُكَ حرَسي (a).

стр. 3818

خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عَبْد عَمْرو بن عَوْف بن غَنْم بن مَالِك بن النَّجَّار، وقيل: خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبد عَوْف بن جُشَم بن غَنْم بن مَالِك بن النَّجَّار، وهو تَيْم الله بن ثعلَبَة بن الخَزْرَج بن حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامِر بن حَارِثَة بن امْرئ القَيْس بن ثَعْلبَة بن مَازِن بن الأَزْد بن الغَوْث بن نَبْت بن مَالِك بن زَيْد بن كَهْلَان بن سَبَأ، أبو أيُّوبَ الأنْصَاريّ الخَزْرَجيّ (١) وأُمُّه هِنْد بنتُ سَعْد بن قَيْس بن عَمْرو بن امْرئ القَيْس بن مَالِك بن ثَعْلَبَة بن كَعْب بن الخزْرَج بن الحارِث بن الخَزْرَج الأكْبَر.

стр. 3819

صَاحِب رسُول الله ﷺ ، نَزَل عليه رسُول الله ﷺ حين قَدِمَ المَدِينَة، وشَهِدَ معه بَدْرًا والحَقَبَة وأُحُدًا، والمَشَاهِد كلَّها، وشَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وكان على مُقَدِّمَتهِ، وقيل إنَّما شَهِدَ معه يَوْم النَّهْرِ، وغَزَا مع يزِيد بن مُعاوِيَة في حَيَاةِ أبيهِ مُعاوِيَة في سَنَة اثنتَيْن وخَمْسِين القُسْطَنْطِينِيَّة، ومات بها في تلك الغَزَاةِ. رَوَى عن النَّبي ﷺ ، وعن أُبَيّ بن كَعْب، وأبي هُرَيْرَة ﵄. رَوَى عنهُ البَرَاءُ بن عَازِب، وأبو أُمَامَةَ، وجَابِر بن سَمُرَة، وعبدُ الله بن زَيْدٍ الخَطْمِيّ، والمِقْدَام بن مَعْدِي كَرْب، وعَطَاء بن يَزِيْد اللَّيْثِيّ، وعَبْد الرَّحمن بن أبي لَيْلَى، وأبو عبد الرَّحْمن الحُبُلِيّ، وعامر بن سَعْد بن أبي وَقَّاص، وعَاصِم بن سُفْيان، وطَلْحَة بن نَافع الوَاسِطِيّ، وعُمَر بن ثَابِت الأنْصَاريّ، وعَلْقَمَة بن قَيْس، والأَسْوَد بن يَزِيد، والأَصْبَغ بن نُبَاتَة، وأبو سَوْرَة ابن أخي أبي أيُّوبَ، وأبو رُهْم، وأبو عِمْران، والقَرْثَع، وأبو صِرْمَة. وكان أبو أيُّوب مَعْدُودًا في أهْل الصُّفَّة. أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرَنا (a) أبو طَالب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غَيْلان، قال: حَدَّثنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن إبْراهيم الشَّافِعيّ، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن يُونُس، قال: حَدَّثنا حُسَيْن بن حَسَن

стр. 3820

الأشْقَرُ، قال: حَدَّثَنَا قَيْس بن الرَّبيْع، عن سَعْد بن طَرِيف، عن الأصْبَغ بن نُبَاتَة، عن أبي أيُّوب الأنْصَاريِّ (١)، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : إذا كان يَوْم القِيامَة نَادَى مُنَادٍ من بُطْنان العَرْش، يا أهْل الجَمع نَكِّسُوا رُؤوسكم، وغُضُّوا أبْصَارم حتَّى تمرّ فاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّد ﷺ على الصِّرَاط، قال: فتمرُّ مع سَبْعِين ألف جَارِيَة من الحُور العِيْن كَمَمَرِّ البَرْق. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ العَزِيْز بن الحُسين بن هِلالة، قال: أخْبَرَنا أَسْعَدُ بن أبي سَعيد بن رَوْح، قال: أخْبَرَتْنا فاطِمَةُ بنتُ عَبْدِ الله الجُوزْجَانِيَّة، قالت (a): أخْبَرَنا أبو بَكْر بن رِيْذة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم سُليْمانَ بن أحْمَد بن أيُّوبَ الطَّبَرَاِنِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن مَهْدِي المَرْوَزيّ ببَغْدَاد، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن خشْرَم، قال: حَدَّثَنا الفَضْلُ بن مُوسَى السِّيْنَانيُّ، عن عَبْد اللهِ بن كَيْسَان، قال: حَدَّثنا عِكْرِمَة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: خَرَجَ أبَو بَكر ﵁ بالهَاجِرَة، فسَمِعَ بذلك عُمَر فَخَرَجَ، فإذا هو بأبي بَكر، فقال يا أبا بَكْرٍ، ما أخْرَجَك هذه السَّاعة؟ فقال: أخْرَجَني والله ما أجدُ في بَطْنِي من حَاقِّ (b) الجُوع، فقال: وأنا واللهِ ما أخْرَجَني غيره، فبينما هُما كذلك إذْ خرَج عليهما النَّبي ﷺ ، فقال ما أخْرَجَكُما هذه السَّاعَة؟ فقالا: أخْرَجنا واللهِ ما نَجِدُ في بُطُوننا من حَاقِّ الجُوْع، فقال ﷺ : وأنا والّذى نَفْسِي بيده ما أخْرَجني غيرهُ. فقامُوا فانطلَقُوا حتى أتَوا بابَ أبي أيُّوبَ الأنْصَاريّ، وكان أبو أيُّوب قد ذَخَر لرسُول اللهِ ﷺ طَعَامًا أو لبَنًا، فأبْطَأ يَوْمئذٍ فلم يأت لحينِهِ،
следующие страницы →