عَبْد الله بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا أبو أُسامَة الحَلَبِيّ، قال: حَدَّثنا أبي، قال: حَدَّثنا أبو سَعْد، عن عَدِيّ بن عبد الرَّحْمن (a) أنَّ بِلَالًا رَضِىَ اللهُ عنهُ ماتَ بحَلَب، فدُفِنَ عند باب الأرْبَعِين، وقد قيل: إنَّ الّذي بحَلَبَ قَبْر خَالِد بن رَبَاح أخو بِلَالٍ، واللهُ أعْلَمُ (b).
خَالِد بن الرَّيَّان المُحَارِبِي مَوْلاهُم (١)
كان على حَرَس عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، وابنَيْه الوَلِيد وسُليْمان، وكان مع سُليْمان بِدَابِق، فلمَّا تُوفِّي سُليْمان، ووَلِيَ عُمَرِ بن عَبْد العَزِيْز، عَزَلهُ ووَلَّى عَمْرو بن مُهاجِر، وكان حين تُوفِّي سُليْمان جاء هو ورجَاء بن حَيْوَهَ إلى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بِدَابِق، فقالا له: قُم حتَّى جلسَ على المِنْبَر، فَخَطَبَ، فلمَّا فَرغَ أخذَ خَالِدُ بن الرَّيَّان أشْرَافَ النَّاسِ فشَرط عليهم أنْ يَسْمعُوا ويطِيْعُوا له.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَليِل كتابةً، قال: أخْبَرَنا أبو المَكَارِم أحْمَد بن مُحَمَّد (c) اللَّبَّان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَدَّادُ، قال: أخْبَرَنا أبو نعَيْم الحافِظُ، قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن علي، قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن الحَسَن بن قُتَيْبَة، قال: حدَّثنا إبْراهِيم بن هِشَام بن يَحْيَى بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني أبي، عن جدِّي، قال: كان عُمَرُ بن عَبْد العَزِيْز يَنْهى سُليْمان بن عَبْد المَلِك عن قَتْل الحَرُورِيَّة، ويقُول: ضَمِّنْهم الحبُوسَ
стр. 3817
حتَّى يُحْدثوا تَوْبَةً، فأتي سُليْمان بحَرُورِيّ مُسْتَقتل، فقال له سُليْمان: هيْه، قال: إيْه نزَع لحيَيْك يا فَاسِق ابن الفَاسِق، فقال سُليْمان: عليَّ بعُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز، فلمَّا أتاهُ عُمَر، عاودَ سُليْمان الحَرُورِيّ، فقال: ماذا تقُول؟ قال: وماذا أقُول يا فَاسِق ابن الفَاسِق، فقال سُليْمانُ لعُمَر: ماذا تَرَى عليهِ يا أبا حَفْصٍ؟ فسَكَتَ عُمَر، فقال: عزَمْتُ عليك لتُخْبرني ماذا ترى عليه؟ قال: أرَى عليه أنْ تَشْتمَهُ كما شَتَمَكَ، وتَشْتم أباهُ كما شَتَم أباكَ. قال سُليْمان: ليس إلَّا! فأمَرَ به فضُرِبت عُنُقهُ، وقامَ سُليْمان، وخَرَجَ عُمَر، فأدْركَهُ خَالِد بن الرَّيَّان، صَاحِب حَرَس سُليْمان، فقال: يا أبا حَفْص، تقُول لأَمِير المؤمنِيْن: ما أَرَى عليهِ إلَّا أنْ تَشْتمه كما شَتَمَكَ وتَشْتم أباهُ كما شَتَم أباكَ! واللهِ لقد كُنْتُ مُتَوقِّعًا أنْ يأمُرَني بضَرْب عُنُقك، قال: ولو أمركَ فَعَلتَهُ؟ قال: أي واللهِ، لو أمَرَني فَعَلتُ!
فلمَّا أفْضَت الخِلَافَةُ إلى عُمَر، جاء خَالِدُ بن الرَّيَّان، فقَام مقام صَاحِب الحَرَس، وكان قَبْل ذلك على حَرَس الوَلِيدِ وعَبْدِ المَلِك، فنَظَر إليه عُمَر فقال: يا خَالِد، ضَع هذا السَّيْفَ عنكَ، وقال. اللَّهُمَّ أنِّي قد وضعْتُ لكَ خَالِد بن الرَّيَّان فلا تَرْفَعْه أبدًا، ثمّ نَظَر في وُجُوه الحَرَس، فدعا عَمْرو بن مُهاجِر الأنْصَاريّ، فقال: يا عَمْرو، والله لتَعْلمن أنَّهُ ما بَيني وبينَكَ قَرَابَة إلَّا قَرَابَة الإسْلَام، ولكن قد سَمعتُكَ تُكْثِر تلَاوة القُرْآن، ورأيتُكَ تُصَلِّي في مَوضعٍ تَظنّ أنْ لا يراكَ أحدٌ، فرأيتُكَ تُحْسن الصَّلاة، وأنت رَجُل من الأنْصَار، خُذْ هذا السَّيْف فقد ولَّيْتُكَ حرَسي (a).
стр. 3818
خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عَبْد عَمْرو بن عَوْف بن غَنْم بن مَالِك بن النَّجَّار، وقيل: خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبد عَوْف بن جُشَم بن غَنْم بن مَالِك بن النَّجَّار، وهو تَيْم الله بن ثعلَبَة بن الخَزْرَج بن حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامِر بن حَارِثَة بن امْرئ القَيْس بن ثَعْلبَة بن مَازِن بن الأَزْد بن الغَوْث بن نَبْت بن مَالِك بن زَيْد بن كَهْلَان بن سَبَأ، أبو أيُّوبَ الأنْصَاريّ الخَزْرَجيّ (١)
وأُمُّه هِنْد بنتُ سَعْد بن قَيْس بن عَمْرو بن امْرئ القَيْس بن مَالِك بن ثَعْلَبَة بن كَعْب بن الخزْرَج بن الحارِث بن الخَزْرَج الأكْبَر.
стр. 3819
صَاحِب رسُول الله ﷺ ، نَزَل عليه رسُول الله ﷺ حين قَدِمَ المَدِينَة، وشَهِدَ معه بَدْرًا والحَقَبَة وأُحُدًا، والمَشَاهِد كلَّها، وشَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وكان على مُقَدِّمَتهِ، وقيل إنَّما شَهِدَ معه يَوْم النَّهْرِ، وغَزَا مع يزِيد بن مُعاوِيَة في حَيَاةِ أبيهِ مُعاوِيَة في سَنَة اثنتَيْن وخَمْسِين القُسْطَنْطِينِيَّة، ومات بها في تلك الغَزَاةِ.
رَوَى عن النَّبي ﷺ ، وعن أُبَيّ بن كَعْب، وأبي هُرَيْرَة ﵄.
رَوَى عنهُ البَرَاءُ بن عَازِب، وأبو أُمَامَةَ، وجَابِر بن سَمُرَة، وعبدُ الله بن زَيْدٍ الخَطْمِيّ، والمِقْدَام بن مَعْدِي كَرْب، وعَطَاء بن يَزِيْد اللَّيْثِيّ، وعَبْد الرَّحمن بن أبي لَيْلَى، وأبو عبد الرَّحْمن الحُبُلِيّ، وعامر بن سَعْد بن أبي وَقَّاص، وعَاصِم بن سُفْيان، وطَلْحَة بن نَافع الوَاسِطِيّ، وعُمَر بن ثَابِت الأنْصَاريّ، وعَلْقَمَة بن قَيْس، والأَسْوَد بن يَزِيد، والأَصْبَغ بن نُبَاتَة، وأبو سَوْرَة ابن أخي أبي أيُّوبَ، وأبو رُهْم، وأبو عِمْران، والقَرْثَع، وأبو صِرْمَة. وكان أبو أيُّوب مَعْدُودًا في أهْل الصُّفَّة.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرَنا (a) أبو طَالب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غَيْلان، قال: حَدَّثنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن إبْراهيم الشَّافِعيّ، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن يُونُس، قال: حَدَّثنا حُسَيْن بن حَسَن
стр. 3820
الأشْقَرُ، قال: حَدَّثَنَا قَيْس بن الرَّبيْع، عن سَعْد بن طَرِيف، عن الأصْبَغ بن نُبَاتَة، عن أبي أيُّوب الأنْصَاريِّ (١)، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : إذا كان يَوْم القِيامَة نَادَى مُنَادٍ من بُطْنان العَرْش، يا أهْل الجَمع نَكِّسُوا رُؤوسكم، وغُضُّوا أبْصَارم حتَّى تمرّ فاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّد ﷺ على الصِّرَاط، قال: فتمرُّ مع سَبْعِين ألف جَارِيَة من الحُور العِيْن كَمَمَرِّ البَرْق.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ العَزِيْز بن الحُسين بن هِلالة، قال: أخْبَرَنا أَسْعَدُ بن أبي سَعيد بن رَوْح، قال: أخْبَرَتْنا فاطِمَةُ بنتُ عَبْدِ الله الجُوزْجَانِيَّة، قالت (a): أخْبَرَنا أبو بَكْر بن رِيْذة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم سُليْمانَ بن أحْمَد بن أيُّوبَ الطَّبَرَاِنِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن مَهْدِي المَرْوَزيّ ببَغْدَاد، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن خشْرَم، قال: حَدَّثَنا الفَضْلُ بن مُوسَى السِّيْنَانيُّ، عن عَبْد اللهِ بن كَيْسَان، قال: حَدَّثنا عِكْرِمَة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: خَرَجَ أبَو بَكر ﵁ بالهَاجِرَة، فسَمِعَ بذلك عُمَر فَخَرَجَ، فإذا هو بأبي بَكر، فقال يا أبا بَكْرٍ، ما أخْرَجَك هذه السَّاعة؟ فقال: أخْرَجَني والله ما أجدُ في بَطْنِي من حَاقِّ (b) الجُوع، فقال: وأنا واللهِ ما أخْرَجَني غيره، فبينما هُما كذلك إذْ خرَج عليهما النَّبي ﷺ ، فقال ما أخْرَجَكُما هذه السَّاعَة؟ فقالا: أخْرَجنا واللهِ ما نَجِدُ في بُطُوننا من حَاقِّ الجُوْع، فقال ﷺ : وأنا والّذى نَفْسِي بيده ما أخْرَجني غيرهُ.
فقامُوا فانطلَقُوا حتى أتَوا بابَ أبي أيُّوبَ الأنْصَاريّ، وكان أبو أيُّوب قد ذَخَر لرسُول اللهِ ﷺ طَعَامًا أو لبَنًا، فأبْطَأ يَوْمئذٍ فلم يأت لحينِهِ،
стр. 3821
فأطعَمَهُ (a) أهْلهُ، وانْطَلقَ إلى نَخْل يَعمل فيهِ، فلمَّا أتَوا باب أبي أيُّوبَ، خَرَجَت امْرأتُه، فقالت: مَرْحَبًا برسُولِ اللهِ ﷺ وبمَن معهُ، فقال لها رسُول الله ﷺ : فأينَ أبو أيوب؟ قالت: يأتيك يا رسُول الله السَّاعَة.
فرجَع رسُول الله ﷺ ، فبَصُرَ به أبو أيُّوبَ وهو يَعْمَلُ في نَخْلٍ له، فجاءَ يَشْتَدُّ حتَّى أدْرَك رسُول الله ﷺ ، فقال: مَرْحَبًا بنبيّ اللهِ ومَنْ معَهُ، فقال: يا رسُول الله، ليس بالحِيْن الّذي كُنْت تَجيئُني فيه، فردَّهُ فجاءَ إلى عَذْق النَّخْل فقَطَعَهُ، فقال له رسُول الله ﷺ ما أرَدْتَ إلى هذا؟ فقال: يا رسُول الله، أحْبَبْتُ أنْ تَأكُل من رُطَبهِ وبُسْرِه وتَمْرهِ وتَذْنُوبهِ (١)، ولأذْبَحنَّ لك مع هذا، فقال: إنْ ذَبَحْت فلا تَذْبحنَّ ذاتَ دَرٍّ، فأخَذَ عَنَاقًا له أو جَدْيًا فذَبَحهُ، وقال لامْرَأته اخْتَبزي وأطْبُخُ أنا، فأنْتِ أعْلَم بالخُبْز، فعَمد إلى نصْف الجَدْي فطَبَخَهُ وشَوَى نصْفَهُ.
فلمَّا أدْرَكَ الطَّعَامُ وُضعَ بين يَدَي رسُول الله ﷺ وأصْحَابه، فأخَذ رسُول اللهِ ﷺ من الجَدْي فوَضَعَهُ على رَغِيفٍ، وقال: يا أبا أيُّوب، أَبْلغ هذا فاطِمَة؛ فإنَّها لَم تُصِبْ مثْل هذا منذُ أيَّامٍ.
فلمَّا أكَلُوا وشَبِعُوا، قال النَّبيُّ ﷺ : خُبْزٌ ولَحْمٌ وبُسْرٌ وتَمْرٌ ورُطبٌ، ودَمَعَتْ عَيْناهُ، ثُمَّ قال: هذا من النَّعِيْم الّذي تسألونَ عنه يَوْم القِيامَة، فكَبُرَ ذلك على أصْحَابهِ، فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : إذا أَصَبْتُم مثْل هذا وضَرَبتُم بأيدِيكم فقُولوا: بسم اللهِ وبَرَكَةِ اللهِ، فإذا شَبِعْتُم فقولوا: الحَمْدُ للهِ الّذي أشْبَعَنا وأرْوَانا وأنْعَم وأفْضَل؛ فإنَّ هذا كَفَاف بهذا.
стр. 3822
وكان رسُول الله ﷺ لا يأتي إليه أحدٌ مَعْرُوفًا إلَّا أحبَّ أنْ يُجَازيَهُ، فقال لأبي أيُّوب: إئتنا غَدًا، فلَم يَسْمَع، فقال له عُمَر: إنَّ رسُول الله ﷺ يأمُرُك أنْ تأتِيَه، فلمَّا أتاهُ أعْطَاهُ وَليْدَةً، فقال: يا أبا أيُّوب، اسْتَوصِ بهذه خَيْرًا، فإنَّا لَم نَرَ إلَّا خَيْرًا ما دامَتْ عندنا، فلمَّا جاء بها أبو أيُّوب، قال: ما أجدُ لوَصِيَّةِ رسُول الله ﷺ شيئًا خَيْرٌ من أنْ أُعْتِقَها، فأعْتَقَها.
لَم يَرْوهِ عن عَبْد الله بن كَيْسَان إلَّا الفَضْل بن مُوسَى.
أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو حَامِد مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عليّ الحُسَيْنيّ، قال: أخْبرنا عَمِّي أبو المَكَارِم حَمْزَة بن عليّ بن زُهْرَة الحُسَيْنيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عَبْدُ الله بن إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن الجِلِّيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّدُ بن جَعْفَر بن أبي الزُّبَيْر القَاضِي المَنْبِجِيّ، قال: حَدَّثنا الحَسَن بن عليّ، قال: حَدَّثنا الحُسَين بن الحَكَم، قال: حَدَّثنا الحَسَنُ بن الحُسين، قال: حَدَّثنا عليّ بنِ الحُسَين العَبْدِيّ، عن الأَعْمَش بن إبْراهيم، عن عَلْقَمَة بن قَيْس، والأَسْوَد بن يزِيد، قالا: أَتَينا أبا أَيُّوبَ الأنْصَاريّ بعدَما انْصَرف مع عليّ ﵇ من صِفِّيْن، فقُلْنا: يا أبا أيُّوب، إنَّ الله جَلَّ وعَزَّ أكْرَمك بنبيِّه إذ أوْحَى إلى رَاحلتهِ فبَرَكَت على بَابكَ، وكان رسُول الله ﷺ ضَيْفًا لك؛ فَضِيلةٌ من اللهِ فَضَّلكَ بها، أخْبرنا عن مَخْرجكَ مع عليّ بن أبي طَالِب ﵇، فقال أبو أيُّوب: فإنِّي أُقْسِم لكما بالله لقد كان رسُول الله ﷺ معي في هذا البَيْت الّذي أنتما فيه، وعليّ عن يَمِيْنه، وأنا عن يَسَاره، وأنَسُ بن مَالِك قائم بينَ يَدَيْه، إذ تحرَّكَ البابُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : انْظُر منْ بالبابِ، فخرَج أنسٌ فنَظَر، فقال: يا رسُول اللهِ، هذا عَمَّارٌ، فقال: افْتَح لعَمَّار الطَّيِّب المُطَيَّب، ففَتَح أنس الباب، فدَخَل عَمَّارٌ فسَلَّم على رسُول الله ﷺ ، فرَحَّبَ بهِ، ثُمَّ قال: يا عَمَّار، إنَّهُ سيكُون من
стр. 3823
بَعْدِي في أُمَّتِي هناتٌ حتَّى يَخْتلف السَّيْف فيما بينهم حتَّى يَقْتُل بعضُهُم بَعْضًا، فإذا رأيْتَ ذلك فعليكَ بهذا الّذي عن يَمِيْني، يعني عليًّا ﵇، فإنْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وعليٌّ وَادِيًا، فاسْلُك وَادِي عليّ، وخَلّ عن النَّاسِ، إنَّ عليًّا لا يَزُول عن هُدَىً ولا يَدُلّك [على] (a) ردي، يا عَمَّار، طَاعَة عليّ طَاعتي، وطَاعَتي طَاعَةُ الله .
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْدِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم هِبَةُ الله بن أحْمَد بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن البُسْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن جَعْفَر التَّمِيْمِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي دَارِم، قال: حَدَّثَنَا إسْحاقُ بن يَحْيَى بن مُحَمَّد بن بِشْر بن سُلَيم الدِّهْقَان، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد القَاسِم بن خَلِيفَة، قال: أخْبَرَنا ابن عُمْرُوس، عن يَحْيَى بن يَعْلَى، عن مُحَمَّد بن عُبَيْد اللهِ (b) بن أبي رَافِع، عن عَوْن بن عُبَيْد الله بن أبي رَافِع، عن أَبِيهِ عُبَيْدِ الله، وكان كاتب عليّ ﵇ عن تَسْميَة مَن شَهِدَ مع أَمِير المُؤْمنِيْن من قُرَيْش والأنْصَار ومُهاجِري العَرَب والتَّابِعِين الّذين بَشَرَّهم رسُول اللهِ ﷺ بالجَنَّة، وأبْناء أهْل بَدْر من بني هاشِمٍ وعَبْد مَنَاف، فذكر جَمَاعَةً، وقال: أبو أَيُّوب خَالِد بن زَيْد، بَدْرِيٌّ، وهو الّذي نَزَلَ عليه النَّبيّ ﷺ مَقْدِمَهُ المَدِينَة، وهو كان على مُقدِّمَةِ عليّ يَوْمِ صِفِّيْن، وهو الّذي خَاصَم الخَوَارِج يَوْم النَّهْرَوَان، وهو الّذي قال لمُعاوِيَة حين سَبَّ عليًّا: كُفَّ يا مُعاوِيَةُ عن سَبّ عليّ في النَّاسِ، فقال مُعاوِيَةُ: ما أقْدرُ على ذلك منهم، فقال أبو أيُّوب: واللهِ لا أسْكُن أرْضًا أسْمَعُ فيها سَبَّ عليٍّ، فَخَرَجَ إلى سَاحِل البَحْر حتَّى مات ﵀.
стр. 3824
أنْبَأنَا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر، قال: كَتَبَ إلينا الفَضْل بن سَهْل الحَلَبيّ، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَرْقَانِيِّ، قال: أخْبَرَنا ابن خَمِيْروْيَه، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ [الحُسَيْن] (a) بن إِدْرِيس، قال: حَدَّثَنَا ابنُ عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْل - يعني ابن عُلَيَّة (b) - عن شُعْبَة، قال: قُلْتُ للحَكَم بن عُتَيْبَةَ: شَهِدَ أبو أَيُّوب مع عليّ صِفِّيْن؟ قال: لا، ولكن شَهِدَ معه قِتَال أهْل النَّهْر.
كذا قال الحَكَم، والصَّحيحُ أنَّهُ شَهِدَها مع عليٍّ ﵁، وأكْثر الحُفَّاظ والأئمَّة على ذلك.
أخْبَرَنا أبو الفَضْل المُرَجَّا بن أبي الحَسَن بن هِبَةِ اللهِ الوَاسِطِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد الكَتَّانِيّ الوَاسِطِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد بن طَاهِر بن حَمْد البَغْدَاديّ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عليّ بن المُحَسِّن بن عليّ التَّنُوخِيّ، قال: أخْبَرَنا الحُسَينُ بن عَمْرو بن عِمْران الضَّرَّاب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيمان البَاغَنْدِي، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن نُمَيْر، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عن أبي حَسَّان - والصَّوَاب: أبي ظَبْيَان - قال: غَزَا أبو أَيُّوبَ الرُّومَ، فَمرض، فلمَّا حُضرَ، قال: إذا أنا متّ فاحْملُوني، فإذا صَافَفْتُم العَدُوّ فادْفنوني تحت أقْدَامكمُ، وسَأحَدِّثُكُم حَدِيثًا سَمِعتُهُ من رسُول الله ﷺ ، ولولا حَالي هذا ما حدَّثتكُمُوه: سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقُول: مَنْ ماتَ لا يُشْركُ بالله شَيْئًا دَخَل الجَنَّة.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: أخْبَرَنا ابنُ الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا
стр. 3825
يَعْقُوب بن سُفْيان (١)، قال: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بن صالِح، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيد، قال: حَدَّثَنَا ابن جَابِرٍ أنَّ أبا أَيُّوب لَم يَقْعُد عن الغَزْو في زَمَان عُمَر وعُثْمان ومُعاوِيَة، وأنَّهُ تُوفِّي في غَزَاةِ يَزِيد بن مُعاوِيَة بالقُسْطَنْطِينِيَّة.
قال الوَلِيدُ: فَحَدَّثَني شَيْخٌ من أهْلِ فِلَسْطين أنَّهُ رَأى بنيَّةً بَيْضاءَ دُون حَائط القُسْطَنْطِينِيَّة، فقالوا: هذا قَبْر أبي أَيُّوبَ الأنْصَاريّ صَاحِب النّبيَّ ﷺ ، فأَتَيْتُ تلك البَنِيَّة، فرَأيتُ قَبْره في تلك البنيَّة وعليه قِنْدِيل مُعَلَّق بسِلْسِلَة.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْلِ الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْدٍ عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن أحْمَد الوَكِيل بقِرَاءَتي عليه، ح.
وأخْبَرَنا أبو سَعْد ثَابِت بن مُشَرَّف بن أبي سَعْد البَنَّاءُ، قال: أخْبَرَنا مَسْعُودُ بن الحُصَيْن، قالا: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحُسَين بن عليّ بن البُسْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن يَحْيَى السُّكَّرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الصَّفَّار، قال: حَدَّثَنَا عبَّاسُ بن عَبْدِ الله التَّرْقُفِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عبد الرَّحْمن عَبْد الله بن يَزِيد المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وابنُ لَهِيْعَة، قالا: سَمِعْنا يَزِيد بن أبي حَبِيْب يَقُول: حَدَّثني أبو عِمَران أنَّهُ سَمِعَ أبا أَيُّوب الأنْصَاريّ يَقُول: إنَّ الرَّجُل ليَعْمل الحَسَنة فيَتَّكلُ عليها، ويَعْمل المُحَقَّرَات حتَّى يأتي اللهَ وقد أحَطْنَ به - وقال الوَكِيلُ: وقد أُحِيْطَ بهِ - وإنَّ الرَّجُل ليَعْمل السَّيِّئةَ فيَفْرَق منها حتَّى يأتي الله آمِنًا.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمِعُ، قال: أخْبَرَنا أبو المَكَارِم أحْمَدُ بن مُحمّد بن اللَّبَّان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن الحَسَن الحَدَّاد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم أحْمَدُ بن عَبْد الله الحافِظ (٢)، قال: فأمَّا أسَامِي
стр. 3826
أهْل الصُّفَّة فقد رأيتُ لبعض المُتَأخِّرِين نَتبُّعًا على ذِكْرهم وجَمْعهم على حُرُوف المُعْجَم، وذَكَرَ منهم جَمَاعَةً، ثُمَّ قال (١): وذُكِرَ خَالِد بن زَيْد (a) أبا أَيُّوب الأنْصَاريّ في أهْلِ الصُّفَّة من قِبَل مُحَمَّد بن جَرِيْر، وأبو أيُّوب هو صَاحِبُ الدَّار المَشْهُور (b)، والّذي نَزَل عليه العَلَم المَنْشُور رسُول الله ﷺ حين قَدِمَ المَدِينَةَ إلى أنْ بن المَسْجِد والحُجْرة، وداره اليَوْم أيضًا بالمَدِينَة مَذْكُورَة، اسْتَغْنى عن الصُّفَّة ونُزُولها، شَهِدَ بَدْرًا والعَقَبَة، لا من أهْل الصُّفَّة (c)، تُوفِّي بالقُسْطَنْطِينِيَّة ودُفِنَ في أصْلِ سُورها.
وقال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم (٢)، قال: حَدَّثَنَا فَارُوق الخَطَّابيّ، قال: حَدَّثَنَا زِيَاد بن الخَلِيل، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن المُنْذر، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن فُلَيْح، قال: حَدّثَنَا مُوسَى بن عُقْبَة، عن ابن شِهَابٍ الزُّهْرِيّ في تَسْمِيَةِ مَنْ شَهِدَ العَقَبَة: أبو أَيُّوب خَالِد بن زَيْدٍ.
أنْبَأنَا عليّ بن المُفَضَّل المَقْدِسِيّ، عن أبي القَاسِم بن بَشْكُوَال، قال: أخْبرَني أبو مُحَمَّد بن عَتَّاب، وأبو عِمْران بن أبي تَلِيْد إجَازَةً، قالا: أخْبَرَنا أبو عُمَر النَّمَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم خَلَف بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ سَعيد بن عُثْمان بن السَّكَن، قال في كتاب الحُرُوف: ذِكْرُ من اسْمُهُ خَالِد من الصَّحَابَةِ، وهم جَمَاعَةً، منهم: أبو أَيُّوبَ الأنْصَاريّ خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عَبْد عَوْف بن جُشَمِ بن غَنْم بن مَالِك بن النَّجَّار، هكذا حَدَّثَنِي بنسَبهِ مُحَمَّد بن أبي عَوَانَة الحَرَّانيّ، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان بن سَيْف، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن بَزِيع، عن مُحَمَّد بن إسْحاق، قال: ومن السَّبْعين الّذين بايعُوا رسُول الله ﷺ بالعَقَبَةِ الثَّانيَةِ: أبو أَيُّوب خَالِد بن
стр. 3827
زَيْد، وشَهِدَ بَدْرًا، ونَزَل عليه رسُول الله ﷺ في مَنْزِله حين هَاجَرَ إلى المَدِينَة، فأقام في مَنْزِله حتَّى بنى مَسْجِدَهُ ومَسَاكنَهُ، وشَهِدَ مِع رسُول اللهِ ﷺ مَشَاهدَهُ كُلَّها، وآخَى النَّبيُّ ﷺ بينَهُ وبين مُصْعَب بن عُمَيْر، وشَهِدَ بعد ذلك مع عليّ بن أبي طَالِب الجَمَلِ وصِفِّيْن، ثمّ سَكَنَ دِمَشْقَ، فلَم يَزَل يَغْزُو الرُّوم حتَّى قُبِض في غَزْوةٍ غَزَاها مع يَزِيد بن مُعاوِيَة، ودُفِن في أصْلِ حِصْن القُسْطَنْطِينِيَّة سَنَة ثِنْتَيْن وخَمْسِين، وقد شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ.
ورَوَى عنهُ من الصَّحَابَة جَمَاعَةٌ منهم: المِقْدَامِ بن مَعْد يكَرِب، والبَرَاء بن عَازِب، وجابر بن سَمُرَة، وأبو أُمَامَةَ، وعبد الله بن يَزِيد الخَطْمِيّ.
وقد رَوَى أبو أَيُّوبَ عن رسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا كَثيْرًا.
أخْبَرَنا أبو الفُتُوح نَصْر بن أبي الفَرَجِ الحُصْرِيّ في كتابهِ إلينا من مَكَّة، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عليّ الأَشِيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَلِيد يُوسُفُ بن عَبْد العَزِيْز بن الدّبَّاغ، قال: أخْبرنا أبو مُحّمَّد عَبْدُ الرَّحمن بن عبْد العَزيْز بن ثَابَت، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر يُوسُف بن عَبْد الله بن عَبْد البَرِّ (١)، قال: خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة، أبو أَيُّوب الأنْصَاريّ النَّجَّارِيّ، من بني غَنْم بن مَالِك بن النَّجَّار، غَلَبَت (a) عليه كُنْيَتُهُ، أُمُّهُ هِنْد بنتُ سَعْد بن عَمْرو بن امْرئ القَيْس بن مَالِك بن ثَعْلَبَة بن كَعْب بن الخَزْرَج بن الحَارِث بن الخَزْرَج الأكْبَر، شَهِدَ العَقَبَةَ وبَدْرًا وسَائِر المَشَاهِد، وعليه نَزَل رسُول الله ﷺ في خُرُوجه من بني عَمْرو بن عَوف، حين قَدِمَ المَدِينَة مُهاجِرًا من مَكَّة، فلم يَزَل عنده
стр. 3828
حتَّى بنى مَسْجِدَهُ في تلك السَّنَةَ، وبنى مَسَاكنَهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ ﷺ إلى مَسْكَنه، وآخَى رسُول الله ﷺ بينه وبين مُصْعَب بن عُمَيْر.
قال أبو عُمَر (١): حَدَّثَنَا سَعيدُ بن نَصْر، قال: حَدَّثَنَا قاسم بن أصْبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابن وَضَّاحٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي شَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا يُونُس بن مُحَمَّد، عن اللَّيْث بن سَعْد، عن يَزِيد بن أبي حَبِيْب، عن أبي الخَيْر، عن أبي رُهْمٍ السَّمَاعِيّ أنَّ أبا أيُّوبَ الأنْصَاريّ حَدَّثَهُ قال: نَزَلَ رسُولُ الله ﷺ في بَيْتنا الأسْفَل وكُنْتُ في الغُرْفَة، فَأُهريق ماءً في الغُرْفَة، فقُمتُ أنا وأُمّ أيُّوبَ بقَطِيْفَة نَتَتَبَّعُ الماءَ شَفَقةً أنْ يَخْلُصَ إلى رسُولِ اللهِ ﷺ (a)، ونَزَلتُ إلى النَّبيِّ ﷺ وأنا مُشْفِقٌ، فقُلتُ: يا رسُول الله، إنَّهُ ليسَ يَنْبَغي أنْ نكُون فَوْقَكَ، انْتَقَلْ إلى الغُرْفَة، فأمر النَّبِيُّ ﷺ بمَتَاعِه أنْ يُنْقَلَ، ومَتَاعُه قَلِيل، وذَكَرَ تَمَام الحَدِيْث.
وكان أبو أيُّوبَ الأنْصَاريّ مع عليّ بن أبي طَالِب في حُرُوبه كُلّها، ثُمَّ ماتَ بالقُسْطَنْطِينِيَّة منِ بلاد الرُّوم في زَمَن مُعاوِيَة، وكانت غَزَاتُه تلك تحتَ رَاية يَزِيد، هو كان أَميرَهُم يَوْمئذٍ، وذلك سَنَة خَمْسِين أو إحْدَى وخَمْسِين من التَّاريخ، وقيل: بل كان ذلك سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين، وهو الأكْثَر، في غَزْة يَزِيد القُسْطَنْطِينِيَّة.
قال أبو عُمَر (٢): حَدَّثَنَا سَعيدُ بن نَصْر، قال: حَدَّثَنَا قاسم بن أصْبغَ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن وَضَّاح، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي شَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا أبو مُعاوِيَة، عن الأَعْمَشِ، عن أبي ظَبْيَان، عن أشْيَاخِهِ، عن أبي أَيُّوبَ أنَّهُ خرَجَ غَازِيًا في زَمَن مُعاوِيَة فَمرض، فلمَّا ثَقُلَ قال لأصْحَابه: إذا أنا مِتّ فاحْملُوني فإذا صَافَفْتُم العَدُوّ فادفنُوني تحت أقدامكم ففَعلُوا، وذَكَرَ تَمَام الحَدِيْث.
стр. 3829
قال أبو عُمَر (١): قال شُعْبَة: سألتُ الحَكَم: أَشَهِدَ أبو أَيُّوبَ صِفِّيْن؟ قال: لا، ولكنَّه شَهِدَ النَّهْرَوَان. وغيره يقُول: شَهِدَ صِفِّيْن مع عليّ ﵁. وقال ابنُ الكَلْبيّ وابن إسْحاق: شَهِدَ أبو أَيُّوب مع عليّ الجَمَل وصِفِّيْن، وكان على مُقَدِّمته يَوْم النَّهْروان، ولأبي أَيُّوب عَقِبُ.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ في مُحَمَّد بن حَمُّوْيَه، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن إسْمَاعِيْل الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن عَبْد الله بن خَلَف، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلَمِيّ، قال: خَالِد بن زَيْد، أبو أيُّوب الأنْصَاريّ، من أهْلِ الصُّفَّة.
قال مُحَمَّد بن جَرِير الطَّبَريّ (٢): وهو خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عَبْد عَوْف بن غَنْم بن مَالِك بن النَّجَّار، شَهِدَ بَدْرًا والعَقَبَةَ والمَشَاهِد كُلّها، تُوفِّي بالقُسْطَنْطِينِيَّة سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين.
قال أبو عبد الرَّحْمن: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله عَبْد الله بن مُحَمَّد بن حَمْدَان العُكْبَرِيّ، قال: أخْبَرَنا ابن مَنِيع، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا ابن عَوْن إسْحاق، قال: أبو أَيُّوب خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عَبْدِ عَوْف بن جُشَمِ بن غَنْم بن مَالِك بن عَمْرو بن الجَمُوح، وهو ممَّن شَهِدَ بَدْرًا من الأنْصَار، وشَهِدَ مع عليٍّ الجَمَل وصِفِّيْن ونَهْرَوان، وماتَ بأرْض الرُّوم زَمَن مُعاوِيَة سَنَةَ اثْنَتَيْن وخَمْسِين، ودُفِنَ في أصْلِ سُور قُسْطَنْطِينِيَّة، وغَزَا في تلك الغَزْوة مع يَزِيد بن مُعاوِيَة، فلمَّا دُفِنَ قالت الرُّومُ: لقد مات فيكم عَظِيم، قال يَزِيد: اكْبتُوهُم
стр. 3830
وقولُوا: هذا رَجُلٌ من أصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ، من أقْدَمهم إسْلامًا، وقد قَبَرناهُ حيثُ رَأيتُم، واللّه لئن مُسَّ لا يُضْربُ نَاقُوس بأرْض الرُّوم ما كانت لنا مَمْلَكَة، فكانُوا إذا أمْحلُوا كَشَفُوا عن قَبْره فُمطِروا، وبَنَي الرُّوم على قَبْره بناءً، وعَلَّقُوا عليه أرْبَعَة (a) قَنَادِيْل تُسْرَجُ.
وقال: سَمِعْتُ أحْمَد بن سَعيد المَعْدَانِيّ يَقُول: سَمِعْتُ عُبَيْد الله بن مُحَمَّد البُزْنَانِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أحْمَد بن سَيَّار يَقُول: سَمِعْتُ عُبَيْد اللهِ بن يَحْيَى بن بُكَيْر يَقُول: أُمُّ أبي أَيُّوب الأنْصَاريّ هِنْد بنت سَعْد بن قَيْس بن الخَزْرَج (b).
أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي الفَضْل، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر - قال أبو بَكْر: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحافِظ (١). وقال أبو الحَسَن: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي بن صَابِر - قالا: أخْبَرَنا أبو القاسِم النَّسِيبُ، قال: أخْبَرَنا رشَاء بن نَظِيف، ح.
وأخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بنيْن، قال: أخْبَرَنا أبو القاسِم البُوْصِيرِيّ، وأبو عَبْد الله بن حَمْد، قالا: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَرَّاء - قال ابنُ حَمْد: إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن الحَسَن - قالا: حَدَّثَنا الحَسَن بن إسمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنا أحْمَدُ بن عليّ المقرِئ، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيُّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ أبا أَيُّوب (ح) الأنْصَاريّ، وهو خَالِد بن زَيْد، غَزَا بلاد الرُّوم فمات بالقُسْطَنْطِينِيَّة، فقُبِرَ مع سُور المَدِينَة، وبُني عليه، فلمَّا أصْبَحُوا أشْرَف عليهم الرُّوم، فقالوا: يا مَعْشَرَ العَرَب، قد كان لكم اللَّيْلة شَأنٌ!؟ فقالوا: ماتَ رَجُل من أكَابِر أصْحَاب نَبِيِّنا ﷺ ، وواللهِ لئن نُبِشَ لا ضُرِبَ بناقُوْس في بلَادِ العَرَب، قال: فكان الرُّوم إذا أمْحَلُوا كَشَفُوا عن قبره فأُمْطِرُوا.
стр. 3831
أخْبَرَنا أبو الفُتُوح نَصْر بن أبي الفَرَج في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ (a) أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عليِّ الأَشِيْريّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَلِيدِ يُوسُف بن عَبْد العَزِيْز بن الدَّبَّاغ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن عَبد البَرّ (١)، قال: أبو أَيُّوب الأنْصَاريّ، اسْمُه خَالِد بن زيد بن كُلَيْب بن ثعلبة بن عَبْد عَوْف بن غَنْم بن مَالِك بن النَّجَّارِ، شَهِدَ بَدْرًا (b) وأُحُدًا والخَنْدَق وسَاِئر المَشَاهِد مع رسُول الله ﷺ ، وتُوفِّيَ بالقُسْطَنْطِينِيَّة من أرْض الرُّوم سَنَة خَمْسين، وقيل: سَنَهَ إحْدَى وخَمْسين في خِلَافَة مُعاوِيَة تحت رَاية يَزِيد، وقيل: إنَّ يزِيدَ أمرَ بالخَيْل فجَعَلَتْ تقبْل وتُدْبِر على قَبْره حتَّى خَفي (c) أثَرُ قَبْره، رُوي هذا عن مُجَاهِدٍ، وقد قيل إنَّ الرُّوم قالت للمُسْلمين في صَبِيْحَة دَفْنِهم لأبي أيُّوبَ: لقد كان لكم اللَيلةَ شأنٌ (٤)!؟ فقالُوا: هذا رَجُلٌ من أكَابِر أصْحاب نَبِيِّنا ﷺ وأقْدمهم إسْلَامًا، وقد دَفنَّاهُ بمكان (e) رَأيتُم، واللهِ لئن نُبِشَ لا ضُرِبَ لكم بناقُوْسٍ في أرْضِ العَرَب ما كانت لنا مَمْلَكَةٌ.
ورُوي هذا المَعْنَى أيضًا عن مُجَاهِدٍ، قال مُجَاهِدٌ: فكانوا إذا أمْحَلُوا كَشَفُوا عن قَبْره فُمطِرُوا، وقال ابنُ القَاسِم عن مالكٍ: بلَغَني عن قبرِ أبي أيُوبَ أنَّ الرُّوم يَسْتَصحُونَ به ويَسْتَسْقُون.
ورَوى أَيُّوب، عن مُحَمَّد بن سِيْريْن، قال: أُنْبئتُ أنَّ أبا أَيُّوب شَهِدَ مع رسُول الله ﷺ بَدْرًا ثمَّ لَم يتخلَّف عن غَزْوة في كُلِّ عام إلى أنْ ماتَ بأرض الرُّوم، فلمَّا وَلَّى مُعاوِيَةُ يزِيدَ على الجَيْش إلى القُسْطَنْطِينِيَّة، جَعَل
стр. 3832
أبو أَيُّوب يَقُول: وما عليَّ أَنْ أُمِّر علينا عابٌ (a)، فَمرض في غَزْوَتهِ تلك، فدَخَلَ عليه يَزِيدُ يعودُه وقال له: أوْصِني، فقال: إذا متُّ فكَفِّنُوني ثمّ مُر النَّاس فليَرْكَبوا ثمّ يَسِيْرونَ في أرْض العَدُوّ حتَّى إذا لَم يَجِدُوا مَسَاغًا فادْفنُوني، قال: ففَعَلُوا ذلك.
قال: وكان أبو أَيُّوب يَقُول: قال اللهُ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (١)، ولا أجدُني إلَّا خَفِيْفًا أو ثَقِيلًا.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو حَازِم العَبْدُوِيّ (b)، قال: أخْبَرَنا القَاسِم بن غَانِم المُهَلَّبيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن إبْراهيم البُوْشَنْجيّ، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بن عَبْد الله بن بُكَيْر يَقُول: ماتَ أبو أَيُّوب سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين.
أنْبَأنَا عليّ بن المُفَضَّل، عن أبي القَاسِم بن بَشْكُوَال، قال: أخْبرَني أبو مُحَمَّد بن عَتَّاب وأبو عِمْران بن أبي تَلِيْد إجَازَةً، قالا: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن عَبْد البَرِّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم خَلَفُ بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن السَّكَن، قال: حَدَّثَني هَارُون بن عِيسَى البَلَدِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مَنْصُور الرَّمَادِيّ، قال: حَدَّثنا يَحْيَى بن بُكَيْر، قال: تُوفِّي أبو أَيُّوبَ الأنْصَاريّ سَنَة ثِنْتَيْن وخَمْسِين في غَزْوة يَزِيد بن مُعاوِيَة القُسْطنْطِينِيَّة، ويقال إنَّ مُجَاهِدًا حَضَر دَفْن أبي أَيُّوب يَوْمئذٍ.
أخْبَرَنا أبو عليّ الأَوَقِيّ، فيما أَذِنَ لنَا في روايته، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا المبُارَك بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَنِ الحَرْبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ البَاقِي بن قَانِع، قال: سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين ويقال: أبو أَيُّوب خَالد بن زَيْد الأنْصَاريّ بأرْض الرُّوم يَعْني ماتَ، ثُمَّ قال: سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين أبو أَيُّوب خَالِد بن زَيْد الأنْصَاريّ مات بأرْض الرُّوم، فدُفِنَ
стр. 3833
هناك في أصْلِ سُور القُسْطَنْطِينِيَّة، وأُجْريَت الخَيْلُ على قَبْره.
أنبأنَا أبو اليُمْن، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا عُبَيْد الله بن عُمَر الوَاعِظُ، قال: حَدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو طَالِب - يعني أحْمَد بن نَصْر الحافظ - قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَة (٢) - وهو الدِّمَشقيّ - قال: مات أبو أَيُّوب الأنْصَاريّ سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
وقال الخَطيبُ (٣): أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الفَضْل بن طَاهِر إمَام الجَامع بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن الحَسَن الكِلَابيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن عُمَيْر بن يوسف، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن مَحْمُود بن إبْراهيم بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن القَاسِم بن سُمَيْعٍ يَقُول: وأبو أَيُّوب خَالِد بن زَيْد بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة، بَدْرِيٌّ، من بني النَّجَّار، قبرُهُ بالقُسْطَنْطِينِيَّة.
خَالِدُ بن سِنَان بن غَيْث بن مُرَيْط بن مَخْزُوم بن مَالِك بن غالب بن قُطَيْعَة بن عَبْس بن بَغِيْض بن الرَّيْثِ بن غَطَفَان بن سَعْد بن قَيْس بن عَيْلَان بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَان، العَبْسِيّ، النَّبِيّ ﷺ (٤)
كان نَبِيًّا في الفَتْرَة (٥)، ويُقالُ إنه كان بمَنْبج وأنَّ قَبْره بها، ومَوضع قَبْره بمَنْبج مَعْرُوف من شَرْقيّ المَدِينَة، وعليه مَسْجِدٌ يُزَار.
стр. 3834
أخْبَرَني الشَّيْخُ عليّ بن أبي بَكْر الهَرَويّ في كتاب الزِّيَارَات (١)، قال: وبها - يعني بمَنْبج - مَشْهَد النُّور يَزْعُمُون أنَّ به بعض الأنْبِياءِ، ويقُولون إنَّهُ خَالِد بن سِنَانٍ العَبْسِيِّ الّذي قال فيه رسُول الله ﷺ (٢): ذَاك نَبِيٌّ أضَاعَهُ قَوْمُه.
أخْبَرَني القَاضِي أبو مُحَمَّد صَقْر بن يَحْيَى بن صَقْر الشَّافِعيّ، قاضيِ مَنْبج، قِراءَةً عليه في مَنْزِلي بحَلَب، قال: أنْبَأنا أبو طَاهِر هاشِم بن أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد بن هاشِم الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الأسْوَار عُمَر بن مُنَخَّل الدَّربَنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أبي نَصْر بن أبي بَكْر اللَّفْتُوانيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْد الغَفَّار، وتَمِيم بن عَبْد الوَاحِد، وعُمَر بن أحْمَد بن عُمَر، قالوا: حَدَّثَنَا أبو سَعيد مُحَمَّد بن عليّ بن عَمْرو (a) بن مَهْدِى النَّقَّاش (٣)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحد بن إبْراهيِم بن إسْماعِيْل الجُرْجَانِيّ، قال: حَدَّثني مُحَمَّد بن عُمَر (b) الرَّازِيّ الحافِظ، قال: حَدَّثَني عَمْرو بن إسْحاق بن العَلَاء، قال: حَدَّثَنا جَدِّى إبْراهيم بن العَلَاء، قال: حَدَّثَنا أبو محمد القُرَشِيِّ الهاشِميّ، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عُرْوَة، عن ابن عُمَارَة (c)، عن أَبِيهِ عُمَارَة بن حَزْن بن شَيْطَان، قال: كانت لنا حَرَّة يُقال لها حَرَّة الحَدثَان، وكان إذا كان اللَّيْلِ فهي نارٌ تَشْتَعل، فإذا كان النَّهَار فهي دُخَانٌ يَسْطَعُ، وكانت طَيِّء تُعَشِّي إبِلَها بضَوْءِ تلك النَّار من مَسِيْرة سَبْع ليالٍ.
فأتانا خَالِدُ بن سِنَانٍ من قُرَيط (d) فقال: إِنَّ الله تعالى أمَرَني أنْ أُطْفِئ عنكم هذه النَّار، فليقُم معي منكم من كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ، فقام معه عَشرةُ رجَال، وكُنْتُ أحَدَهُم، حتَّى أتى القَليْب، فخَرَج منه عُنُقُ من النَّار ثُمَّ اسْتَدار علينا حتَّى
стр. 3835
صِرْنا في مثل كَفَّة المِيْزَان، فجَعَلْنا نَتَّقِيْها بالعصيّ (a) حتَّى احْتَرَقت (b)، ثُمَّ بالعَمَائِم حتَّى احْتَرقَت، فقُلْنا له: يا خَالِد أهْلكتَنا، قال: كلَّا إِنَّها مَأمُورَة وإنِّي مَأمُور، ثمّ جَعَل يَضْربهِا بعَصَاهُ (c) وهو يَقُول: بَدًّا، بَدًّا، كُلُّ حقٍّ للّهِ مُؤَدَّى، أنا عَبْدُ الله الأعْلَى، فلم يَزَل يَضْربُها حتَّى ردَّها إلى القَلِيْبِ، ثمّ تقدَّم خَلْفها وعليه قَمِيْصَانِ له أبْيَضان، فأبْطَأ علينا فقال ابنُ عَمّ له: لا يَخْرُج منها أبدًا، ثُمَّ خرَج علينا وقَمِيْصاهُ يَنْطُفانِ (d) عَرَقًا، وهو يَقُول: بَدًّا، بَدًّا، كُلّ حقٍّ هو للّه هو مُؤدَّى، أنا عَبْدُ الله الأعْلَى، زعَمَ ابنُ رَاعِيَة المِعْزَى أنِّي لا أخْرُج منها أبدًا، قال: فأهْلُ ذلك البَيْت يُدْعَونَ ابن رَاعِيَة المِعْزَى إلى اليَوْم، فقُلْنا له: يا خَالِدُ، ما الّذي رأيْتَ؟ قال: رأيْتُ أُحُدًا تَحُشُّها (e) فشَدَختهُنَّ وقد طَفَيْتُها عنكم، وكانت تَضُرّبنا (f) في الكَلَأ والمَرْعَى.
وكان من أعَاجِيْبهِ أنَّهُ وَقَفَ علينا فقال: امْضُوا معي، فَمضَيْنا معه حتَّى أتى مكانًا من الأرْضِ، فقال: احْتَفِرُوا (g) فاحْتَفَرُوا، فأبْدَى لنا عن (h) صَخْرة فيها كتابٌ قد زُبِر زَبْرًا وحُفِرَ حَفْرًا: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (١) فاحْتَمَلناها، فكانت إذا نزلَتْ بنا شِدَّةٌ أبْدأنا (i) عنها فتُكشَف عنَّا، وكُنَّا إذا قحَط بنا المَطَرُ جَلَّلَها (j) ثَوْبًا ثُمَّ قام يُصَلِّي ويَدْعُو فنُمْطر حتَّى إذا روينا كشَف الثَّوب عنه فيُمْسك المَطَرُ.
وكان من أعَاجِيْبهِ أنَّهُ قال: إنَّ امْرأتي حَامِل - غُلام واسْمُه مُرَّة، وهو أُحَيْمِر (k) كالذَّرَّة، ولن يُصِيْبُ المَوْلَى معه مَضَرَّة، ولن تروا ما دام فيكم مَعَرَّة (l).
стр. 3836
ثُمَّ قال: إنِّي ميِّتُ إلى سَبْع، فادْفنُوني في هذه الأكَمَةِ، ثمّ اخرجُوا إلى قَبْري بعد ثالثةٍ، فإذا رأيتُم العَيْر الأبْتَرَ يطُوف حَوْل قَبْري، ويُسَوِّف بمَنْخَرِهِ، فانْبِشُوني تجدُوني حيًّا أُخْبركم بما يَكُونُ حتَّى تقُومَ السَّاعَة، فخرجُوا بعد ثالثةٍ إلى قَبْره فإذا نحنُ بالعَيْر الأبْتَر يَطُوف حَوْل قَبْره ويُسَوِّف بمَنْخَره، فأردْنا أنْ نَنْبُشَهُ، فمَنَعنا قَوْمُه من ذلك؛ قالُوا: لا نَدَعكُمُ تنبُشُوهُ تُعَيِّرنا بهِ العَرَبُ، فلمَّا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَتَتْه مُحَيَّاة بنتُ خَالِد، فانْتَسَبَتْ له، فبَسَطَ لها ردَاءَهُ وأجْلَسَها عليه، وقال: بنتُ أخي نَبيًّا ضَيَّعه قَوْمُهُ.
وقالوا: حَدَّثَنَا أبو سَعيد النَّقَّاش (١)، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد مُحَمَّد (a) بن أحْمَد بن إبْراهيم العَسَّال (b)، قال: حَدَّثَنا عليّ بن الحَسَن (ع) بن جُنَيْد، قال: حَدَّثَنَا يَعْلَى (d) بن مَهْدِي المَوْصِلِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو عَوَانَة، عن أبي يُونُس، عن عِكْرِمَة، عن ابن عبَّاس أنَّ رَجُلًا من بني عَبْسٍ يُقال له: خَالِد بن سِنَانٍ قال لقَوْمهِ: إنِّي أُطْفئُ نار الحَدثَانِ، فقال له رَجُلٌ من قَوْمه يُقال له عُمَارَة بن زيَاد: واللهِ يا خَالِدُ، ما قلْتَ لنا قَطّ إلَّا حَقًّا، فما شَأنك ونار الحَدثَان تَزْعُم أنَّك تُطْفئُها! فخرَجَ خَالِد ومعه ناسٌ من قَوْمِهِ، فيهم عُمَارَة بن زِيَاد، فخَطَّ لهم خَالِدٌ خَطًّا، فأجْلَسَهُم فيها، فإذا هي تَخْرج من شقِّ جبَل في حَرَّة يُقال لها: حَرَّةُ أَشجَع، فَخَرَجَتْ كأنَّها خَيْل شُقْر يتبعُ بعضُها بعضًا، فاسْتَقْبَلَها خَالِدٌ بعَصَاهُ، فجَعَل يَضْرِبُها، ويقُول: بَدًّا بَدًّا، كُلّ هَدْي مُؤَدَّى، زعَم ابنُ رَاعِيَةِ المِعْزَى أنِّي لا أخْرُجُ منها وثِبَابي تَنْدا.
стр. 3837
وقد كان خَالِد قال لهم: فإنْ أبطَأتُ عليم فلا تَدَعُوني باسْمِي، فأبْطَأ عليهم، فقال لهم عُمَارَة بن زياد: إنَّ صَاحِبَكُم واللّهِ إنْ كان حَيًّا لقد خَرَجَ إليكم بَعْدُ، فادعُوه باسْمهِ، قالوا: إنَّهُ قد نَهَى أنْ نَدْعُوَهُ باسْمِهِ، فدَعَوْهُ باسْمِهِ، فخَرَجَ إليهم، فقال لهم: ألَم أنْهَكُم أنْ تَدعُوني باسْمي فقد واللّهِ قَتَلْتُموني، احْملُوني فادْفنُونيّ، فإذا مرَّت عليكم الحُمُر فيها حِمَارٌ أبْتَر، فانْبشُوِني فإنَّكُم ستَجِدُوني حَيًّا، فمرَّت بهم الحُمُر فيها حِمَارٌ أبْتَر (a) فأرادُوا نَبْشَهُ، فقال لهم عُمَارَة بن زياد: لا تَنبُشُوهُ، لا واللّهِ ما تُحدِّثُ مُضَرُ أَنَّا نَنْبُش مَوْتَانا! وقد كان خَالِدٌ قال لهم: إنَّ في عُكُم (b) امْرأته لوْحَيْن، فإذا أَشْكَل عليكم شيء فانظُروا فيها (c)، فإنَّكُم ستجدُون ما تُرِيدُون، ولا تمسّها حائضٌ، فأتَوا امْرأتَهُ، فسَألُوها عنها، فأخرجَتْها إليهم، وهي حائضٌ فذَهَبَ ما كان فيها من عِلْمهِ (d).
قال أبو يُونسُ: قال سِمَاكٌ (١): سُئِلَ عنهُ النَّبِيّ ﷺ ، فقال: نَبِيٌّ أضَاعَهُ قَوْمُهُ.
قال أبو يُونُسَ: قال سِمَاكٌ (٢): إنَّ ابن خَالِد بن سِنَان أتَى إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: مَرْحَبًا يا ابن أخي.
قال أحْمَدُ بن حَنْبَل: أبو يُونُس الّذي رَوَى عنهُ أبو عَوَانَة حَدِيث خَالِد النَّبِيّ، لا أعْرِفُه.
وفي غير هذه الرِّوَايَة أنَّ ابْنَتهُ أتَتْ رسُول اللّه ﷺ فسَمِعتْهُ يَقْرَاُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣)، فقالت: كان أبي يقُول ذا.
стр. 3838
خَالِدُ بن صَفْوَان بن عَبْدِ الله بن عَمْرو بن سِنَان المعرُوف بالأَهْتَم ابن سُمَي بن سِنَان بن خَالِد بن مِنْقَر بن أسَد بن الحَارِث المعرُوف بمُقَاعِس بن عَمْرو بن كعْب بن سَعْد بن زَيْد مَنَاة بن تَمِيْم بن مُرّ بن أُدّ بن طَابِخَة بن إلْيَاس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَان، أبو صَفْوَان التِّمِيْمِيُّ المِنْقَريُّ البَصْرِيُّ (١)
يُعْرَفُ بالأَهْتَم أيضًا لأنَّهُ ضُرِبَ بقَوْسٍ على فيْهِ فهَتَمَت أسْنَانَهُ، وكان مَعْدُودًا من الخُطَبَاء البُلَغَاءِ الفُصَحَاءِ.
رَوَى عن مَيْمُون بن مِهْرَان الجَزَرِيّ. رَوَى عنهُ شَبِيْبُ بن شَبَّة (٢)، وحَفْص بن غِيَاثٍ، ويُونُس النَّحْوِيّ، وإبْراهيمُ بن سَعْدٍ، والمُغِيرَة بن مُطَرِّف، وقَدِمَ رُصَافَة قِنَّسْرِيْن على هِشَام بن عَبْد المَلِك.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد اللّهِ الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القاسِم يَحْيَى بن أَسْعَد بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ أحْمَد بن عُبيدِ الله بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن الحُسَين الجازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو
стр. 3839
الفَرَج الجَرِيْريّ (١)، قال: حَدَّثَنَا الحُسَينُ بن القَاسِم الكَوْكَبِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّشنا العبَّاس بن بَكَّار، قال: حَدَّشنا شَبِيْبُ بن شَبَّة، عن خَالِد بن صَفْوَان أنَّهُ كان بالرُّصَافَةِ عند هِشَام بن عَبْد المَلِك، فذَكَرَ حِكايَةً ذَكَرْناها في تَرْجَمَةِ الأحْنَف بن قَيْس (٢).
أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر البَغْدَاديّ بحَلَبَ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن عَبْد البَاقي الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو الحُسَين مُحَمَّد بن عليّ بن المُهْتَدي باللهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن الحَسَن بن الفَضْل بن المَأْمُون، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن القَاسِم الأنْبارِيُّ، قال: وحَدَّثَني عَمُّ أبي أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بن بَشَّار بن الحَسَن بن بيان، قال: حَدَّثَنَا إسْحاق بن بُهْلُول بن حَسَّان بن سِنَان التَّنُوخِيّ الأنْبارِيّ، قال: حَدَّثَني أبي البُهْلُول بن حَسَّان، قال: حَدَّثَنَا إسْحاقُ بن زِيَاد من بَنِي سَامَة بن لُؤَيّ، عن شَبِيْب بن شَبَّة، عن خَالِد بن صَفْوَان الأَهْتَم، قال (٣): أوْفَدَني يُوسُفُ بن عُمَر إلى هشَام بن عَبْد المَلِك في وَفْد العِرَاق، فقَدِمْتُ عليهِ، وقد خَرَجَ مُتَبدِّيًا بقَرَابِيْنهِ (a) وَأهْلِهِ وحَشَمه وغَاشيَةٍ من جُلَسَائهِ، فنَزَل في أرْض قاعٍ صَحْصَح، مُتَنايف أَفْيَح، في عامٍ قد بَكَر وَسْمِيُّه، وتَتَابَعَ وليُّهُ، وأخذتِ الأرْضُ فيه زِيْنَتها من اخْتِلَافِ ألْوَانِ نَبْتها من نوْر رَبِيع مُوْنق، فهو في أحْسَنٍ مَنْظرٍ، وأمْلَح (b) مُخْتَبرٍ، وأحْسَن مُسْتَمْطَرٍ، بصَعِيدٍ كأنَّ تُرَابَهُ قِطَع الكَافُور، حتَّى لو أنَّ قِطْعَةً أُلْقِيَتْ فيه لم تَتّرِب، وقد ضُرِبَ له سُرَادِقٌ من حبَرَةٍ (c) كان صَنَعهُ له
стр. 3840
يُوسُفُ بن عُمَر باليَمَن، فيه أرْبَعَةُ أفْرشَةٍ من خَزٍّ أحْمَر، مثْلها مَرَافقُها، عليه دُرَّاعَة من خَزٍّ أحْمَر، مثْلُها عِمَامَتُها.
وقد أخَذَ النَّاسُ مَجَالِسهم، فأخْرَجتُ رَأسِي من نَاحية السِّمَاط، فنَظَر إليَّ مثل المُسْتَنْطق ليّ، فقُلتُ: أتمَّ اللّهُ عليك يا أَمِير المُؤْمنِيْن نِعَمَهُ، وسَوَّغكها بشُكْره، وجَعَل ما قلَّدك من هذا الأمْر رشْدًا، وعَاقبةَ (a) ما يَؤُول إليهِ حَمدًا، خلَّصَهُ (b) لك بالتُّقَى، وكثَّره لك بالنَّماء، لا كَدَّرَ عليكَ منهُ صَفَا، ولا خَالَط مَسْرُورَهُ بالرَّدَى، فقد أصْبَحْتَ للمُسْلِمينَ ثِقَةً ومُسْتَراحًا، إليكَ يَفْزَعُونَ في مطَالبهم (c)، ويَلْجَؤُون في أُمُورهم، وما أجدُ - يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، جَعَلني اللّه فِدَاءَكَ - شيئًا هو أبلَغُ في قَضَاءَ حَقّكَ، وتَوْقير مَجْلِسك، لِمَا مَنَّ اللّه به عليَّ من مُجَالستك، والنَّظَر إلى وجْهكَ، من أنْ أُذَكِّرَكَ نِعْمَة اللّهِ عليك، فأُنبِّهك على شُكْرِها، وما أجِدُ في ذلك شيئًا هو أبلَغُ من حَدِيْثِ مَنْ تَقدَّم قبلَكَ من المُلُوك، فإنْ أَذِنَ لي أَمَير المُؤْمنِيْن أخْبَرْتُه. وكان مُتَّكئًا، فاسْتَوى قاعدًا، فقال: هاتِ يا ابن الأَهْتَم.
فقُلتُ: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، إنَّ مَلكًا من المُلُوك قَبْلك خرَجَ في عام مثل عامنا هذا إلى الخَوَرْنَق والسَّدِيْر، في عامٍ قد بَكَر وَسْمِيُّه، وتَتَابعَ وليُّه، وأخَذتِ الأرْضُ فيهِ زِيْنَتها من اخْتِلَافِ ألْوَانها من نَوْر رَبيع مُوْنق، فهو في أَحْسنِ مَنْظَرٍ، وأمْلَحٍ (d) مُخْتَبرٍ، وأحْسَن مُسْتَمطَرٍ، بصَعِيدٍ كأنَّ تُرَابَهُ قِطَع الكَافُور، حتَّى لو أنَّ بضْعَةً أُلْقِيَت فيه لن تَتّرِب، وكان قد أُعْطِي فَتَاءَ السِّنِّ مع الكَثْرة والغَلَبةِ والنَّماءِ، فنَظَر فأبْعَدَ النَّظَرَ، فقال: لمَن هَذا الّذي أنا فيهِ، هل رأيتُم مثْل ما أنا فيهِ، هَلْ أُعْطِي أحدٌ مِثْل ما أُعْطِيْتُ؟ وعندَهُ رَجُل من بقايا حَمَلَةِ الحُجَّة، والمضيّ على أدب الحَقِّ ومِنْهَاجهِ، فقال له: أيُّها المَلِك، إنَّك قد سَألْتَ عن أمْرٍ أفتأذَنُ في
стр. 3841
الجَوَابِ؟ قال: نَعَم، قال: أرأيتك هذا الّذي قد أُعْجبتَ به أهو شيءٌ لم تَزَل فيه، أم هو شيءٌ صار إليكَ مِيْرَاثًا عن غيرك؟ وهو زائلٌ عنكَ، وصَائِرٌ إلى غيرك كما صَارَ إليك؟ قال: فكذلك هو، قال: أفلا أراك إنَّما أُعْجبتَ بشيءٍ يَسِيْر تكون فيه قَليلًا، وتَغيْب عنهُ طَوِيْلًا، وتكون غدًا بحِسَابهِ (a) مُرْتَهَنًا؟
قال: وَيْحَكَ أين المَهْرَبُ، وأينَ المَطْلَبُ؟ قال: إمَّا أنْ تُقِيم في مُلْكك فتَعمل فيهِ بطَاعَة ربّكَ على ما سَاءَكَ وسرَّكَ ومضَّكَ وأَرْمَضَكَ، وإمَّا أنْ تضعَ تاجَكَ، وتضَع أطْمَاركَ، وتَلْبَسَ أمْسَاحَكَ، وتَعْبُدَ ربَّكَ في هذا الجَبَلِ حتَّى يأتيكَ أجَلُكَ.
قال: فإذا كان السَّحَرُ فاقْرَع على بابيّ، [فإنِّي مُخْتَارٌ أحَدَ الرَّأيين] (b) فإنْ (c) اخْتَرتُ مما أنا فيه كُنْتَ وَزِيرًا (d)، وإنْ اخْترت خلَواتِ الأرْض وقَفْر البِلادِ كُنْتَ رَفِيْقًا لا تُخَالَفُ.
فلمَّا كان السَّحَرُ قرَعَ عليه بابَهُ، فإذا هو قد وضَعَ تاجَهُ، ووضَعَ أطْمَارَهُ، ولَبِسَ أمْسَاحَهُ، وتَهَيَّأ للسِّيَاحَةِ، فلَزما واللّه الجَبَل حتَّى أتَتْهما آجَالُهُما، وذلك حيثُ يقُول أخُو بَنِي تَمِيْم عَدِيُّ بن زيْد العِبَادِيُّ (١): [من الخفيف]
أيُّها الشَّامِتُ المُعَيَّرُ بالـ … ـدَّهْر أأنْتَ المُبَرَّأُ المَوْفُورُ
أَمْ لَديكَ العَهْدُ الوَثيقُ من الـ … أيَّام بل أنْتَ جَاهِلٌ مَغْرورُ
منْ رأَيْتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ أمْ مَنْ … ذا عليهِ من أنْ يُضَامَ خَفِيرُ (e)
أيْنَ كِسْرَى؛ كِسْرَى المُلُوك أبو … سَاسَان (f) أم أين قَبْلَهُ سَابُورُ
стр. 3842
وبنُو الأصْفَرِ الكِرَامُ (a) مُلُوكُ الـ … ـرُّوْم لَم يَبْقَ منهُمُ مَذْكُورُ
وأخُو الحَضْرِ إذْ بناهُ وإذْ دِجْـ … ـلَةُ تُجْبَى إليهِ والخَابُورُ
شَادَهُ مَرْمَرًا وخَلَّلَهُ كِلْـ … ـسًا (b) فللطَّيْر في ذُرَاهُ وُكُورُ
لَم يَهَبْهُ رَيْبُ المَنُونِ فبادَ الـ … ـمُلْكُ عنه (c) فبَابُهُ مَهْجُورُ
وتأمَّلْ رَبَّ الخَوَرْنَقِ إذْ أشْـ … ـرَفَ يَوْمًا وللهُدَى تَفْكِيرُ
سَرَّهُ حالُهُ (a) وكَثْرةُ ما يَمْـ … ـلكُ والبَحْرُ معْرِضًا والسَّدِيْر
فارْعَوَى قَلْبُهُ فقال وما غِبْـ … ـطَةُ حَيٍّ إلى المَمَاتِ يَصِيْرُ
ثُمَّ بَعْدَ الفَلَاحِ والمُلْكِ والإ … مَّة وارتْهُمُ هُناكَ القُبُورُ
ثُمَّ أضْحَوا كأنَّهُم وَرَقٌ جَـ … ـفَّ فألْوَتْ به الصَّبَا والدَّبُورُ
قال: فبَكَى هِشَامٌ حتَّى أخْضَلَ لِحْيَتَهُ وبَلَّ عِمَامَتَهُ، وأمَرَ بنزْع أَبْنيتهِ، وبنُقْلَانِ قَرَابينهِ (e) وأهْلِهِ وحَشَمِهِ، وغَاشِيَتهِ من جُلَسَائهِ، ولُزُوم قَصْره.
قال: فاجْتَمَعت المَوَالِي والحَشَم على خَالِد بن صَفْوَان، فقالوا: ما أرَدَت إلى أَمِير المُؤْمنِيْن نَغَّصْتَ عليه لذَّتَهُ، وأفْسَدْتَ عليه بَادِيَتَهُ؟ فقال لهم: إليكم عنِّي، فإنِّي عَاهَدْتُ اللّه أنْ لا أَخْلُو بمَلِكٍ إلَّا ذَكَّرْتُه اللهَ .
قال أبو بَكْر بن الأنْبارِيّ: الّذي حَفِظْناهُ من شَيْخنا: مُتَنايف أَفْيَح. وقال أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بن يَحْيَى: الصَّوَابُ: مَسَايف أفْيَح (f)؛ والمَسَايفُ جَمْعُ مَسَافَة.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أَسْعَد بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ أحْمَد بن عُبَيْدِ اللّهِ بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن الحُسَين الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو الفَرَج
стр. 3843
المُعَافَى بن زَكَرِيّاء (١)، قال: حَدَّثَنَا أبيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحْمَد الخُتَّلِيّ (a)، قال: أخْبَرَنا أبو حَفْص النَّسَائِيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن عَمْرو، عن الهَيْثَم بن عَدِيّ، قال: خَرَجَ هِشَامُ بن عَبْد المَلِك ومعه مَسْلَمَةُ أخوه إلى مَصَانِعَ قد هُيِّئَتْ له، وزُيِّنَت بألْوَان النَّبْتِ، وتوَافَى إليهِ بها وفُودُ أهل مَكَّة والمَدِينَة وأهل الكُوفَةِ والبَصْرَة، قال: فدَخَلُوا عليه وقد بُسِطَ له في مَجَالِس مُتَشَرِّفة مُطَّلعَةٍ (b) على ما شُقَّ له من الأنْهَارِ المُحفَّةِ بالزَّيْتُون وسَائِر (c) الأشْجَارِ، فقال: يا أهل مَكَّة (d)، أفيكم مثْلُ هذه المَصَانِع؟ قالوا: لا، غير أنَّ فينا (e) بَيْتَ اللّهِ المُسْتَقْبَل، ثُمَّ الْتَفَتَ إلى أهْل المَدِينَةِ، فقال: أفيكم مثْلُ هذه المَصَانِع؟ قالوا: لا، غير أنَّ فينا قَبْرَ نَبِيّنا المُرْسَل، ثُمَّ الْتَفَتَ إلى أهْلِ الكُوفَة، فقال: أفيكُم مثْلُ هذه المَصَانِع؟ قال: فقالوا: لا، غير أنَّ فيْنا تلَاوة كتاب اللّه تعالَى المُنَزَّل، ثُمَّ الْتَفَتَ إلى أهْلِ البَصْرَة، فقال: أفيكم مثل هذه المَصَانِع؟ قال: فقام إليهِ خَالِد بن صَفْوَان فقال: أصْلَح اللّهُ أَمِير المُؤْمنِيْن، إنَّ هؤلاءِ قد أقرُّوا على أنْفُسهم، ولو كان [فيهم] (f) مَنْ له لسَانٌ وبَيَانٌ لأَجاب عنهم! فقال له هِشَام: أفعنْدك في بَلَدكَ غير ما قالوا؟ فقال: نعم، أصِفُ بلادِيّ، وقد رأَيْت بلادَك فتَقِيْسها (g)، فقال: هاتِ، فقال: يَغْدُو (h) قَانصَانا (i) فيجيءُ هذا بالشَّبُّوط والشِّيْم (j)، ويجيءُ هذا بالظَّبْي والظَّلِيْم، ونحنُ أكْثَرُ النَّاسِ عَاجًا وسَاجًا، وخَزًّا ودِيْبَاجًا، وخَرِيْدَةً مِغْنَاجًا، وبِرْذَوْنًا هِمْلَاجًا، ونحنُ أكْثر النَّاسِ قَنْدًا (k) ونَقْدًا،
стр. 3844
ونحنُ أوْسَعُ النَّاس بَرِّيَّةً، وأَرْيفهم بَحْريَّة، وأكْثرهم ذُرِّيَّة، وأبْعدُهُم سَرِيَّة، بُيُوتُنا ذَهَبٌ، ونَهْرنا عَجَبٌ، أوَّله رُطَبٌ، وآخرهُ عِنَبٌ، وأوْسَطُهُ قَصَبٌ.
فأمَّا نَهْرُنا العَجَبُ؛ فإنَّ الماءَ يُقْبِل وله عُبَابٌ ونحنُ نيامٌ على فُرُشِنا حتَّى يَدْخُل أرْضَنَا، فيَغْسِل (a) نَتْنَها، ويَعْلُو مَتْنَها، فنَبْلغ منه حَاجَاتنا ونحنُ نيامٌ على فُرشنا، لا ننُافِسُ فيه من قِلَّة، ولا نُمنعُ منه لذِلَّة، يَأتينا عند حَاجَتنا إليهِ، ويَذْهَبُ عنَّا عند رِيِّنا وغِنَاءنا عنهُ.
النَّخْلُ عندنا في مَنَابتهِ، كالزَّيْتُون عندَكُم في مَأَرَكِه (b)، فذَاكَ في أوَّلهِ (c) كهذا فِي إبَّانه، ذَاكَ في أفْنَانهِ كهذا في أغْصَانهِ، يخرُج أسْفَاطًا عِظَامًا وأوْسَاطًا، ثمّ يَنْفلِقُ (٤) عن قضْبانِ الفِضَّةِ مَنْظُومةً بالزَّبَرْجَدِ الأخْضر، ثمّ يَصِيرُ أصْفَر وأحْمَر، ثمّ يصيرُ عَسَلًا فِي شَنَّةٍ من سَحَّاء ليست بقِرْبة ولا إناء، حولها المُذَابُ، ودُونها الحرَابُ، لا يَقْربُها الذَّبَاب، مَرْفُوعة عن التُّرابِ، من الرَّاسخاتِ في الوَحْل، المُلْقَحَات بالفَحْلِ، المُطْعِماتِ في المَحْلِ.
وأمَّا بُيُوتنا الذَّهَب، فإنَّ لنا عليهم خَرْجًا في السِّنِيْن والشُّهُور، نأخذُه فِي أوْقَاته، ويَدْفَع اللّهُ عنه آفاته، ونُنْفقه في مَرْضَاتهِ.
قال: فقال هِشَام: وأَنَّى لكم هذا يا ابن صَفْوَان، ولَم تُسْبَقُوا إليهِ، ولَم تُنَافسُوا (e) عليه؟ فقال: وَرثْنَاهُ عن الآباء، ونَعْمرهُ (f) للأبْناء، فيَدْفَع لنا عنه رَبُّ السَّماءَ، فمَثَلنُا فيه كما قال أَوْسُ بن مَغْرَاء: [من الوافر]
فمهما كان من خَيْرٍ فإنَّا … وَرِثناهُ أوَائِلَ أَوَّليْنَا
ونحنُ مُوَرِّثُوهُ كَما وَرِثْنا … عَنِ الآباءِ إنْ مُتْنَا بنيْنَا
стр. 3845
قال: فقال له هِشَام: للّه دَرُّكَ يا ابن صَفْوَان! لقد أُوْتيتَ لسَانًا وعِلْمًا وبَيَانًا، فأكْرَمهُ، وأحْسَن جَائزَته، وقدَّمَهُ على أصْحَابهِ.
أخْبَرَنا أبو جَعْفَر يَحْيَى بن جَعْفَر بن عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن عليّ الدَّامَغَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبيّ، قال: أخْبرنا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن سَوَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد بن عليّ بن رِزْمَة، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد السّيْرَافيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن مَنْصُور بن مَزْيَد، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر (١)، قال: حَدَّثَني عُمَر بن أبي بَكْر المَوْصِلِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللّه بن أبي عُبيدَة بن مُحَمَّد بن عَمّار بن يَاسِر، قال: قَدِمَ خَالِد بن صَفْوِان على هِشَام بن عَبْد المَلِك، فقال له: مَرْحَبًا بك يا ابنَ صَفْوَان، قال: رَحُب وَادِيكَ يا أَمِير المُؤْمنِيْن، وعَزَّ نَادِيْكَ، وهَطَلَتْ عليكَ مُكْفَهرَّاتُ الغَمَام، قال: كيف أنْتَ في مَسِيْرك؟ قال: من اللّهِ في نِعَمٍ مُتَواتِرة لا أتَعرَّف فيها إلّا المزيْدَ منه، حتَّى إذا كُنَّا بثَنيَّة السَّمَاوَة بَعَثَ اللهُ علينا رِيْحًا حَرْجَفًا، احْمَرَّت لها آفاقُ السَّماءِ، وانْجَحَرَت لها الطَّيْرُ في أوْكَارها، والسِّبَاع في أسْرَابها، فلم أَهْتَدِ لعَلَم لامعٍ، ولا لنَجْمٍ طَالعٍ، فكُنت كالمُحْرَنْجَم إنْ تقدَّم عُقِرَ، وإنْ تأخَّر كُسِرَ، فبَيْنا نحنُ كذلك إذا نحن بفِتْيةٍ من بَنِي مَرْوَان، كأنَّهُم قُضُبُ الشَّوْحَط على خُيُولٍ لهم لاحِقَة الأَياطِل، تَهْوي بهم هُوي الأجَادِل، عليها كُلُّ غِطْرِيْفٍ مُتْرفٍ، كالحُسَام المُرْهَف، خَلْفَهُم سَلُوْقِيَّةٌ، في أعْنَاقها تلَعٌ، وفي أعْجَازها قمَعٌ، وفي أرْسَاغها فدَعٌ، فبَيْنا نحنُ كذلك إذ وَرَدْنا على مَوْزٍ لعَبْد المَلِك بن مَرْوَان كأنّهُ خَشَبُ (a) اليَرَابِيْع، قد أحْلَوْلَكَ أَفْنَاؤُهُ، وحَاد به أصْحَابُه، فنَزَلنا فكُنَّا بين آكلٍ ونَاسِعٍ وطَاهٍ ولَاهٍ ومُسْتَوٍ، فيا لك من مَنْزِل كريم مآبه، جَادَ بهِ أرْبَابُه.
стр. 3846
فأجابَهُ هِشَام بجوابٍ حَسَنٍ، وقال له: امْضِ فألْمِم بأهْلكَ، وعَجِّل الرَّجْعَة إلينا لتَنَال من دُنْيانا، ونَنَال من طِيْبك.
فحَسَدهُ رَجُلٌ من القَوْم فقال: ممَّن الرَّجُل؟ فقال: من أهْل العِرَاقِ، قال: من أيِّ أهْل العِرَاق؟ قال: من البَصْرَة، فأمْسَكَ عمَّا سوى ذلك وانْقَطَعَ، فقال له خَالِد: قد سألْتَ فأجْبَناكَ، فممَّن الرَّجُل؟ قال: من أهْلِ الحِجَاز، فقال: بَخٍ بَخٍ بَلَد العَرَب، ومَنْشَؤُ أهْلِ الأدَب، فمن أيّ أهل الحِجَاز؟ قال: مَكَّة، قال: بَخٍ بَخٍ حَرَمُ اللّه وأَمْنهُ، ومُهَاجَرُ إبْراهيم وإسْمَاعِيْل، فمن أيّ أهل مَكَّةَ؟ قال: من بَنِي عَبْد الدَّار، قال: لم تَصْنعَ شيئًا يا أخا بَنِي عَبْد الدَّار، هشمَتْكَ هاشِم، وأمَتْك أمَيَّةُ، ولوَتْ عليك لُؤَيّ، وغلبَتْكَ غَالِب، ونَفَتْكَ مَنَافٌ، وزهَرَت عليك زُهْرَةُ، فأنتَ عَبْدُها وابنُ عَبْدِها، تُغْلِقُ ورَاءها إذا خَرَجَت، وتَفْتَح دُوْنَها إذا دخَلَتْ، قُم فاسْمُك العَبْقَرِيّ نبات الرَّوَابيّ، فكان ذلك سَبَبًا لهَرَب العَبْدِيّ من الشَّام.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أَسْعَد بن بَوْشٍ، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا أبو عليِّ الجازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْريِّ (١)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن العبَّاسِ العَسْكَريُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بن أبي سَعْدٍ، قال: حَدَّثَني أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن إبْراهيم بن يَعْقُوبَ بن دَاوُد، قال: حَدَّثَنَا الهَيْثَم بن عَدِيّ، قال: كان أبو العبَّاس يُعْجبُه السَّمَرُ ومُنَازَعةُ الرِّجَال، فحَضَرَهُ ذاتَ لَيْلَةٍ في سَفَره (a) إبْراهيم بن مَخْرَمَة الكِنْدِيّ، وناسٌ من بَنِي الحَارِث بن كَعْب، وهُم أخْوَالهُ، وخَالِد بن صَفْوَان بن إبْراهيم التَّمِيْمِيّ، فخاضُوا في الحَدِيْث، وتَذَاكَرُوا مُضَر واليَمَن، فقال إبْراهيم: يا أَمِير
стр. 3847
المُؤْمنِيْن، إنَّ اليمن هُم العَرَبُ الّذين دَانَتْ لهم الدُّنْيا، وكانت لهم القُرَى، ولم يَنَالوا مُلُوكًا أرْبَابًا، وَرِثُوا ذلك كابِرًا عن كَابرٍ، أوَّلًا عن آخِر، منهم النُّعْمانيَّاتُ والمنذِريَّاتُ والقَابُوسِيَّات والتَّبَابِعَة (a)، ومنهم من حَمَتْ لَحمهُ الدَّبْرُ، ومنهم غَسِيلُ المَلائِكَة، ومنهم مَنْ اهْتَزَّ لمَوْته العَرْشُ، ومنهم مُكَلِّم الذِّئْب، ومنهم الّذي كان يأخُذ كُلّ سَفِيْنةٍ غَصْبًا، وليس شيءٌ له خَطَرٌ إلَّا وإليهم يُنْسَبُ من: فَرَسٍ رَائع (b)، أو سَيْفٍ قَاطِع، أو دِرْعٍ حَصِيْنَةٍ، أو حُلَّةٍ مصُوْنَة، أو دُرَّةٍ مَكْنُونَة، إنْ سُئِلُوا أعْطَوْا، وإنْ سِيْمُوا أبَوْا، وإنْ نَزَلَ بهم ضَيْفٌ قَرَوْا، لا يبلغُهُم مُكاثِرٌ، ولا يَنَالهم مُفَاخِر، هُم العَرَبُ العَارِبَة وغيرهم المُتَعَرِّبَة.
قال أبو العبَّاسِ: ما أظُنُّ التَّمِيْمِيّ يَرْضَى بقَوْلك، ثُمَّ قال: ما تقُول يا خَالِد؟ قال: إنْ أذنتَ لي في الكَلَام، وآمنْتَنِي من المَوْجَدَة، تكَلَّمْتُ، قال: قد أذنْتُ لك فتَكَلَّم ولا تَهَبْ أحَدًا.
فقال: أخْطأ يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن المُتَقحِّمُ بغير عِلْمٍ، ونَطَقَ بغير صَوَاب، فكيفَ يَكُون ما قال؟! والقَوْم ليسَتْ لهم ألْسُنٌ فَصِيحةٌ، ولا لُغَةٌ صَحِيْحةٌ، ولا حُجَّةٌ نَزَل بها كتابٌ، ولا جاءَت بها سُنَّةٌ، وهُم منَّا على مَنْزِلتَين: إنْ جَاروا عن قَصْدِنا أُكِلُوا (c)، وإنْ جَازُوا (d) حُكْمنا قُتِلُوا، يَفْخرُون علينا بالنُّعْمانيَّات والمْنْذِريّات وغير ذلك ممَّا سَنأتي عليه، ونَفْخَرُ عليهم بخَيْر الأنَام، وأكْرَم الكِرَام، مُحَمَّد ﵇، وللّهِ علينا المنَّةُ وعليهم، لقد كانُوا أتْباعَهُ، فبهِ عُزُّوا، وله أُكْرِمُوا، فمنَّا النَّبِيُّ المُصْطَفَى، ومنَّا الخَلِيفَةُ المُرْتَضَى، ولنا البَيْتُ المَعْمُور، والمَشْعَرُ (e)، وزَمْزَم، والمقَام، والمِنْبَر، والرُّكنِ، والحَطِم، والمَشَاعِرُ، والحَجَابَةُ (f)، والبَطْحَاءُ، مع ما لا يَخْفي من المَآثر، ولا يُدْركُ من المَفَاخِر.
стр. 3848
وليس يَعْدلُ بنا عَادِلٌ، ولا يبلغُ فَضْلَنا قَوْلُ قائل، ومنِّا الصِّدِّيق، والفَارُوق، والوَصِيُّ (a)، وأسَدُ اللّهِ سَيِّدُ الشُّهَدَاء، وذو الجَنَاحَين، وسَيْفُ اللّهِ، عرفُوا الدِّينَ (b)، وأتَاهُمُ اليَقِيْن، فمَن زَاحَمَنا زَاحَمْناهُ، ومَنْ عَادَانا اصْطَلَمْناهُ.
ثُمَّ الْتَفَتَ فقال: أعَالِمٌ أنْتَ بلُغَة قَوْمِكَ؟ قال: نَعَم، قال: فما اسْمُ العَيْن؟ قال: الحَجْمَة (c)، قال: فما اسْمُ السِّنِّ؟ قال: الميْدَن (d)، قال: فما اسْمُ الأُذْن؟ قال: الصِّنَّارة، قال: فما اسْمُ الأصَابِع؟ قال: الشَّنَاتِرُ، قال: فما اسْمُ اللِّحْيَةِ، قال: الزُّبُّ، قال: فما اسْمُ الذِّئْب؟ قال: الكُتَع (e)، قال: فقال له: أفمُؤْمِن أنْتَ بكاتب الله تعالَى؟ قال: نَعَم، قال: فإنَّ اللّه تعالى يقول ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٢)، وقال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٣)، فنحنُ العَرَب والقُرْآن بلسَاننا نَزَل، ألَم تَرَ أنَّ اللّه قال: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (٤) ولَم يَقُل: الحَجْمَة بالحَجْمَة (f)، وقال: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٥) ولَم يَقُل: الميْدَن بالميْدَن (g)، وقال: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ (٦) ولم يقُل: الصِّنَّارة بالصِّنَّارة، وقال: ﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (٧)، ولَم يَقُل: شَنَاترِهم في صِنَّارَاتهم، وقال: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ (٨) ولَم يَقُل: لا تأخُذ بزُبِّيّ، وقال: ﴿أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ (٩) ولَم يقُل: أكَلَهُ الكُتَعُ (h).
стр. 3849
ثُمَّ قال: أسْألكَ عن أرْبَعٍ، إنْ أنتَ أقْرَرْتَ بهن قُهِرْتَ، وإنْ حَجَدتهُنَّ كَفَرتَ، قال: وما هُنَّ؟ قال: الرَّسُول منَّا أو منكم؟ قال: منكم، قال: فالقُرْآن نَزَل علينا أو عليكم؟ قال: عليكم، قال: فالبَيْتُ الحَرَامُ لنا أو لكم؟ قال: لكم، قال: فالخِلَافَةُ فينا أو فيكم؟ قال: فيكم، قال خَالِد: فما كان بعد هذه الأرْبَع فلكم.
أخْبَرَنا عَتِيقُ بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي عَبْدُ اللّه بن عبد الرَّحْمن بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا الشَّرِيفُ النَّسِيبُ أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا رَشَاءُ بن نَظِيف، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَرْوَان المالِكِيّ (٢)، قال: وحَدَّثَنَا أحْمَدُ بن يَحْيَى، قال: سَمِعْتُ ابنَ السِّكّيْت يَقُول: قال خَالِد بن صَفْوَان: فَوْتُ الحاجَةِ خَيْرٌ من طَلبها إلى غير أهْلها، وأشَدُّ من المُصِيْبَةِ سُوء الخَلْفِ منها. وأنْشَدَ لامْرأةٍ من وَلدِ حَسَّان بن ثَابِتٍ في مثلِهِ: [من الطّويل]
سَلِ الخَيْرَ أهْلَ الخَيْرِ قِدْمًا ولا تَسَلْ … فَتَىً ذَاقَ طَعْمَ العَيْشِ منذُ قَرِيْبِ
قال (٣): وحَدّثَنَا أحْمَد بن مَرْوَان (٤)، قال: وحَدَّثنا إبْراهيم الحَرْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو نَصْر، عن الأصْمَعِيِّ، قال: قيل لخَالِد بن صَفْوَان: أيّ الإخْوَان أحبُّ إليك؟ قال: الّذي يَسُدُّ خَلَلِيّ، ويَغْفر زَلَليّ، ويَقْبَل عِلَلي.
стр. 3850
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللّه بن عُلْوَان الأسَدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو المَفَاخِر عَبْد الغَفُور بن لُقْمَان بن مُحَمَّد الكَرْدَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن أبي بَكْر السِّنْجِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، ح.
قال شَيْخنا أبو مُحَمَّد: وأخْبَرَنَا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الخَطِيبُ إذْنًا، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، ح.
وأخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد المُنْعِم بن عليِّ بن بَرَكات بن الحَدَّاد، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن آدَم المَرَاغِيّ، قال: أنْبَأنَا مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو سَعْد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد المُطَرِّز، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَدُ بن جَعْفَر بن مُحَمَّد الفَقِيهُ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْدِ اللّه بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن بَكْرٍ، قال: حَدَّثَنَا العبَّاس بن الفَرَج، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللّه بن شَبِيْب المَكِّيّ، قال: قيل لخَالِد بن صَفْوَان: أي إخْوَانك أحبُّ إليكَ؟ قال: الّذي يَغْفرُ زَلَليّ، ويَقْبل عِلَليّ، ويَسُدُّ خَلَلِي.
أخْبَرَنا أبو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بن محمُود بن الحُسَين، بالدِّيَار المِصْرِيَّة، قال: أنْبَأنَا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن مَرْدَوَيْه المَمْنَابَاذِيّ بأصْبَهَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عليّ بن إِصْبَهْبَذ الأصْبَهَانِيّ، قال: حَدَّثثا أبو بَكْر أحْمَد بن عَبْدَان بن مُحَمَّد الشِّيْرَازيّ الحافِظ إمْلاءً بتُسْتَر، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللّه بن أبي دَاوُد، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا القَحْذَمِيُّ، عن (a) أَبِيهِ، قال: قال خَالِد بن صَفْوَان: البِرُّ شيءٌ هيِّن؛ وَجْهٌ طَلِيقٌ، وكَلام ليِّنٌ.
стр. 3851
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحُسَين الحَمَوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الحافِظ، إذْنًا إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزيْز بن عليّ بن أحْمَد الأَزَجِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو طَالِب المَكِّيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن يَحْيَى القُرَشِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحُسَين اللَّخْمِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العَيْنَاءَ السُّلَمِيّ، قال: حَدَّثَني الوَلِيد بنْ هِشَام القَحْذَمِيّ، قال: قال خَالِد بن صَفْوَان: لا تسْأل الحَوَائِج ثلاثة رجال: لا تَسْألها كَذُوبًا، فإنَّهُ يُقرِّبُ بعيدَها ويُبَاعد قَريْبَها، ولا تَسْألها أحْمَقَ، فإنَّهُ يُريدُ أنْ يَنْفعَكَ فيَضُرّك، ولا تَسْألها رَجُلًا له إلى صَاحِبك حاجةُ، فإنَّهُ يُصَيِّر حاجتكَ بطانةً لحاجَتِهِ.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: أنْبَأنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمن، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف، ح.
وأخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن حَمْد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَرّاء إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن الحَسَن، قالا: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنا أحْمَد بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز، قال: حَدَّثَنَا الزِّيَادِيّ، عن الأصْمَعِيّ، قال: قيل لخَالِد بن صَفْوَان: ما بلَغ من عِلْم الحَسَن؟ قال: اسْتَغْنى (a).
стр. 3852
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ، عن أبي المَعَالِي عَبْد الله بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسم عليّ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظيف، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن دَاوُد، قال: حَدَّثَنَا المَازِنِيُّ، عن الأصْمَعِيّ، قال: قال خَالِد بن صَفْوَان: بتُّ لَيْلَةً أتمَنَّى ليْلتي كُلّها حتَّى كسَيْت (a) البَحْر الأخْضَر بالذَّهَب الأحْمَر، ثمّ نَظَرت، فإذا يَكْفيني من ذلك رَغِيفان وكُوْزان وطِمْرَان.
وقال (٣): أخْبَرَنا أحْمَد بن مَرْوَان (٤)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن نَصْرٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلَّام، قال: قال خَالِد بن صَفْوَان: لا تَطْلبُوا ما لا تَسْتحقُّونَ؛ فإنَّ مَنْ طَلَب ما لا يَسْتحقّ اسْتَوْجَبَ الحِرْمَان.
قال (٥): أخْبَرَنا أحْمَد بن مَرْوَان (٦)، قال: وحَدَّثَنَا أحْمَد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلَّام الجُمَحِيّ، قال: قال خَالِد بن صَفْوَان: أرْبَعُ لا يَطْمَعُ فيهنَّ أحَدٌ عندي: القَرْضُ، والفَرْضُ، والهَرِيْس (b)، وأنْ أسْعَى لأحَدٍ في حَاجةٍ، فقيل له: فما نَصْنعَ بك بعد هذا؟ قال: ماءٌ بارد، وحَدِيثٌ ما يُنَادَى وَليدهُ.
стр. 3853
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان، عن أبي عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الكُشْمَيْهَنِيّ، ح.
وأخْبَرَنا عِليّ بن عَبْد المُنْعِم بن عليّ، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن آدَم، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن منْصُور السَّمْعَانيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد السَّاجِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن أحْمَد بن عبد الرَّحيم قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس الجَمَّال، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّان، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيّ، قال: رَأى خالِد بن صَفْوَان رَجُلًا يَأكُلُ جُبُنًّا، فقال: ما تَرْجو منه، إنَّهُ خَشِنُ المَدْخلِ، عَسِرُ المخرج، ثُمَّ رآهُ الرَّجُلُ بَعْدُ يَأكله، فقال: ألَم تَنْهَ عنه؟ قال: نعم، ولكنَّه يَفْتُق الشَّهْوَةَ، وهو حَمْضٌ من حَمْضِ العَرَب!.
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن رَشَاء بن نَظِيف، وأَنْبَأنيْه أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم، وأبو الوَحْش المُقْرِئ عنهُ، قال: أخْبَرَنا إبْراهيم بن عليّ بن إبْراهيم البَغْدَاديّ، قال: حَدَّثنا مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو حَاتِم سُليْمان بن أحْمَد المَادَرَائيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَنا جَدِّي، قال: كان خَالِد بن صَفْوَان بن الأَهْتَم التَّمِيْمِيّ يَأكُل خُبْزًا وجُبنًا، إذ سَلَّم عليه أعْرَابيّ، فقال له: هلمَّ إلى هذا الخُبْز والجُبْن فإنَّهُ حَمْضُ من حَمْضِ العَرَب، وهو يسيْغ اللُّقْمَة، ويَفْتقُ الشَّهْوَةَ، وتَطِيبُ (a) عليه الشّرْبَة، فانْحَطَّ الأعْرَابِيّ فلَم يُبْق شَيئًا منهما، فقال خالد: يا جَارِيَة، زِيْدينا خُبْزًا وجُبُنًّا، فقالت: ما بقي عندنا منهما شيء، فقال خَالِد: الحَمْدُ للهِ الّذي صَرَفَ عنَّا مَعَرَّته، وكَفَانا مَؤُونَته، والله إنِّي ما (b) عَلِمتُه ليقدَحُ في السِّنِّ، ويُخَشِّنُ الحَلْقَ،
стр. 3854
ويرْبُو في المَعِدَة، ويَعْسُرُ في المَخْرج، فقال الأعْرَابِيّ: والله ما رَأيْتُ قَطّ قُرْبَ مَدْحٍ من ذَمٍّ أقْرَب من هذا.
أخْبَرَنا أبو الحسن علي بن عَبْد المُنْعِم بن عليّ بن بَرَكات المَنبِجِيّ ثم الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن آدَم المَرَاغِيّ بحَلَب، ح.
وأخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان، عن أبي عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الكُشْمَيْهَنِيّ، قالا: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن سَعيد بن إبْراهيم بن نَبْهان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن مِقْسَم، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بن يَحْيَى ثَعْلَب (١)، قال: رَكِبَ خَالِدُ بن صَفْوَان يوْمًا ومعه أصْحَابُ له، فأخذَتْهم السَّماءُ وهو على حِمَارٍ، فقال: أَمَا عَلِمْتمُ أنَّ قَطُوفَ الدَّابَّة أميرُ القَوْم، فسَارُوا معه، فلمَّا كان الغَدُ رَكِبَ بِرْذَوْنًا هِمْلَاجًا، وأخَذَتْهُم السَّماءُ، فرَمَّع (a) بِرْذَوْنَهُ، فقالُوا: أبا صَفْوَان، ما كان هذا (b) كَلامُك بالأمسِ! قال: فِلمَ غَالَيْنا بالهَمَاليْج؟.
أنْبَأنَا أبو نَصْر القَاضِي، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد بن البَغْدَاديّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن شُكْرَوَيْه، ومُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ أبو بَكْرٍ السِّمْسَار، قالا: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن عَبْدِ الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا المَحَامِليّ أبو عَبْد اللهِ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أبي سَعْد، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن عليّ بن مَنْصُور، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعيد الرَّازِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن حُمَيْد، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ
стр. 3855
الرَّحْمن بن مَغْرَاء، قال: سَمِعْتُ شَبِيْب بن شَيْبَة (a) يَقُول: لَقيني خالِدُ بن صَفْوَان على حِمَارٍ له، فقُلتُ لَهُ: يا أَبا صَفْوَان، أينَ أنتَ عن الهَمَاليْج؟ قال: تلكَ للطَّلَب وللهَرَب، ولستُ بطَالِبٍ ولا هَارِبٍ، قُلتُ: فأينَ أنتَ عن البَرَاذِيْن؟ قال: تلكَ للمُغذِّين المُسْرِعين، ولستُ بمُغذٍّ ولا مُسْرِعٍ، قُلتُ: فأينَ أنتَ عن البِغَالِ؟ قال: تلكَ للأنْزَالِ والأنْفَال، ولسْتُ بصَاحِب نَفَلٍ (b) ولا نُزل، قُلتُ: فما تَصْنع بحِمَاركَ هذا؟ قال: أَدِبُّ عليه دَبِيْبًا، وأُقَرِّبُ تقريبًا، وأَزُور عليه إذا شئْتُ حَبِيْبًا.
أخْبَرَنا عَتِيقُ بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد، عن أبي المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا رَشَاءُ بن نَظِيف، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن إسْحاق، قال: حَدَّثَنَا الزِّيَادِيّ، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيُّ، قال: قال خَالِد بن صَفْوَان: مَنْ تزوَّج امْرأةً فليتزوَّجْهَا عَزِيزةَ في قَوْمها، ذَلِيلةً في نَفْسها، أدَّبَها الغِنَى، وأذَلَّها الفَقْر، حَصَانُ من جارها، مُتَحصِّنَة (c) على زَوْجها.
وقال (٣): أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَرْوَان (٤)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن دَاوُد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلَّام، قال: قالت امْرأةُ لخَالِد بن صَفْوَان: إنَّكَ لجَمِيلٌ! فقال خَالِدٌ: كيف