أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن خَلَف الأزْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمن بن عَبْد اللهِ، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن أبي مَرْيَم، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بن سَعْد وعَبْدُ الله ابنُ لَهِيْعَة، قالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن أبي حَبِيْب، عن أبي الخَيْر، عن أبي جُنَادَة الكَتَّانِيّ أنَّهُ سَمِعَ كَعْبًا يقُولُ: النِّيْلُ في الآخِرة عَسَلٌ، أغْزَر ما يكُونُ من الأنْهارِ الّتي سمَّى اللهُ ، ودِجْلَةُ في الآخِرة لَبَنٌ؛ أغْزَر ما يكونُ من الأنْهار الّتي سَمَّى اللهُ، وجَيْحَان ماءٌ؛ أغْزَر ما يكُونُ من الأنْهار الّتي سَمَّى اللهُ.
أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَرُ بن مُحمَّد بن طَبَرْزَد البَغْدادِيُّ إجَازَةً، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدِيّ، وأبو غَالِب مُحمَّد بن أحْمَد بن الحُسَيْن بن عليّ بن قُرَيْشٍ، وأبو بَكْر مُحمَّد بن عُبَيْد الله بن دُحْرُوج، وأبو المَعَالِي أحمدُ بن مَنْصُور بن المُؤَمَّل الغَزَّال، قالوا: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن أحمدُ بن مُحمَّد البَزّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحمَّدُ ابن عَبْد الرَّحْمن المُخَلِّصُ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد عُبَيْد اللهِ بن عَبْد الرَّحمن بن عِيسَى السُّكَّرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْمَاعِيْل مُحمَّد بن إسْمَاعِيْل التِّرْمِذيُّ، وأبو بَكْر مُحمَّدُ بن صالح الأنْمَاطِيُّ، قالا: حَدَّثَنَا أبو صالح عَبْدُ الله بن صالح، كاتب اللَّيْث بن سَعْد، قال: حَدَّثني اللَّيْثُ بن سَعْدٍ، قال (١): بَلَغَني أنَّهُ كان رَجُل من بَني العِيْص يُقالُ لهُ حَائِذُ بنُ أبي شَالُوم بن العِيْص بن إسْحَاق بن إبْرَاهِيم نَبِيّ الله ﵉، وأنَّه خرجَ هارِبًا من مَلكٍ من مُلُوكهم حتَّى دخَل أرض مِصْرَ، وأقام بها سِنين، فلمَّا رأى عجَائبَ نِيْلها وما يأتي به، جَعَل الله عليهِ أنْ لا يُفارِقَ سَاحِلَهُ حتَّى يبلُغَ مُنتهاهُ أو يموت، فسار عليهِ - قال بعضُهُم: ثلاثينَ سنةً في النَّاس، وثلاثين سنةً في غير النَّاسِ، وقيل: خَمْسة عَشَر كَذا، وخَمسة عَشَر كَذا - حتَّى انْتهى إلى بحرٍ أخْضَر، فنظرَ إلى النِّيْل يَشُقُّ مُقْبلًا، فقَعَدَ على البَحْر، فإذا رَجُل قائم يُصَلِّي تحت شجَرَة من
стр. 492
تُفَّاح، فمَّا رآهُ اسْتأنَسَ به، وسَلَّم عليه، فسألَهُ الرَّجُل صاحبُ الشَّجَرة فقال: مَنْ أنتَ؟ فقال له: أنا حَائِذُ بنُ أبي شَالُوم بن العِيْص بن إسْحَاق ﵉، قال: فَمن أنْتَ؟ قال: أنا عِمْرَانُ بن فلان بن العِيْص بن إسْحَاق ﵇.
قال: فما الّذي جاءَ بك هُنا يا حَائِذ؟ قال: جئتُ من أجل هذا النِّيْل. فما جاءَ بكَ يا عِمْرانُ؟ قال: جاءَ بي الّذي جاءَ بكَ حتَّى انْتهَيْتُ إلى هذا المَوْضع، فأوْحَى اللهُ إليَّ أنْ قِفْ في هذا المَوْضع، فأنا واقفٌ حتَّى يأتيَني أمْرُهُ.
قال لهُ حَائِذ: أخْبرني يا عِمْرانُ: ما انْتَهى إليك من أمْرِ هذا النِّيْل، وهل بلغَكَ في الكُتُب أنَّ أحدًا من بَنِي آدَمَ يَبْلُغُه؟ قال له: نعم، قد بلغَني أنَّ رَجُلًا من وَلدِ العِيْص يَبلُغُه، ولا أظُنُّه غيركَ يا حَائِذ.
قال له حَائِذُ: يا عِمْران، أخْبرني كيف الطَّريقُ إليهِ؟ فقال له: لَسْتُ أُخْبرُكَ بشيءٍ إلَّا أنْ تَجْعَل لي ما أسألُكَ. قال: وما ذاك؟ قال: إذا رجَعْتَ إليَّ وأنا حيُّ أقَمْت عندي حتَّى يُوحِيَ اللهُ تعالَى إليَّ بأَمْرِه أو يتوَفَّاني فتَدفنَنِيّ، وإنْ وجَدْتَني ميِّتًا دفَنْتَني وذَهَبْتَ، قال: ذلكَ لكَ عليَّ.
قال لَهُ: سِرْ كما أنتَ على هذا البَحْر، فإنَّكَ سَتأْتي على دابَّة تَرى آخرَهَا، ولا تَرَى أوَّلها، فلا يَهُولنَّكَ أمرُها، ارْكَبْها فإنَّها دابَّةٌ مُعادِيَةٌ للشَّمس، فإذا طَلَعَتْ أهْوَت إليها لتَلْتَقِمَها حتَّى يحُول بينها وبينها حُجَابتها (a)، وإذا غَرَبَتْ أهْوَتْ إليها لتَلْتقمَها فتَذْهَب بكَ إلى جانب البَحْر، فَسِرْ عليه رَاجِعًا حتَّى تَنْتَهي إلى النِّيْل. فَسِرْ عليهِ فإنَّك ستَبْلُغ أرْضًا من حديدٍ، جِبَالها وأشْجَارها وسُهُولها حديدٌ، فإنْ أنتَ جُزْتَها وقَعْتَ في أرضٍ من نُحاسٍ، جِبَالها وأشْجَارُها وسُهُولُها من نُحاسٍ، فإنْ أنتَ جُزْتَها وقَعْتَ في أرضٍ من فِضَّة، جِبَالُها وأشْجَارُها وسُهولُها من فِضَّةٍ، فإنْ
стр. 493
أنتَ جُزْتَها وقَعتَ في أرْضٍ من ذَهَبٍ، جِبَالُها وأشْجَارُها وسُهُولُها من ذَهَبِ، فيها يَنْتهي إليكَ علْمُ النِّيْل.
فسار حتَّى انْتهى إلى أرضِ الذَّهَب، فسارَ فيها حتَّى انتَهى إلى سُورٍ من ذَهَب، وشُرَفُهُ من ذَهَبٍ، وفيه قُبَّةُ من ذَهَبٍ، لها أربعَةُ أبواب، فنَظَرَ إلى ماءً يَنْحدِرُ من فَوْقِ ذلك السُّور حتَّى يَسْتقِرَّ في القُبَّةِ، ثمّ يَنْصرف (a) في الأبْواب الأربَعَة، أمَّا ثلاثةٌ فتَغيْض في الأرْضِ، وأمَّا واحدٌ فيَسير (b) على وجْهِ الأرْض، وهو النِّيْلُ، فشَربَ منهُ، واسْتراحَ، وأَهْوَى إلى السُّور ليَصْعدَ، فأتاهُ مَلكٌ فقال: يا حَائِذُ، قِفْ مكانَكَ، قد انْتهى إليك عِلْمُ هذا النِّيْل، وهذه الجَنَّةُ والماءُ يَنْزلُ منها، فقال: أُرِيدُ أنْ أنْظُرَ إلى ما في الجَنَّة، فقال: إنَّكَ لن تَسْتطيعَ دُخُولها اليوم يا حَائِذ، فقال: فأيّ شيءٍ هذا الّذي أَرَى؟ قال: هذا الفلَكُ الّذي يَدُور به الشَّمْس والقَمَر، وهو شبهُ الرَّحى، فقال: إنّي أُريدُ أنْ أرْكَبَهُ فأدُورَ فيه - فقال بعضُ العُلَمَاءِ: إنَّهُ ركبَهُ حتَّى دَار الدُّنْيا، وقال بعهُم: لم يركَبه - فقال لهُ: يا حَائِذُ إنَّهُ سَيأتيكَ من الجَنَّةِ رِزْقُ، فلا تُؤثر عليهِ شيئًا من الدُّنْيا، فإنَّه لا يَنْبغي لشيءٍ من الجَنَّة أنْ يُؤْثَر عليه شيء من الدُّنْيا، إنْ لم تُؤثر عليه شيئًا من الدُّنْيا بقي ما بَقِيْتَ.
فبينما هو كذلك، إذ نَزلَ عليه عُنْقُودٌ من عِنَب فيه ثلاثةُ أصْنافٍ: لَوْن كالزَّبَرْجَد الأخْضَر، ولَوْن كاليَاقُوت الأحْمر، ولَون كاللُّؤْلُؤ الأبيض؛ ثمّ قال: يا حَائِذُ، أمَا إنَّ هذا من حِصْرِم الجَنَّة وليسَ من طَيِّب عِنَبها، فارْجعْ يا حَائِذ، فقد انْتهى إليكَ عِلمُ النِّيْل.
стр. 494
قال: فهذه الثّلاثةُ التي تَغِيضُ في الأرْض ما هي؟ قال: أحَدُها الفُرَاتُ، والآخرُ دِجْلَةُ، والآخر جَيْحَانُ، فارْجع.
فرَجَع حتَّى انتهَى إلى الدَّابَّة، فركبَهَا، فلمَّا أهْوَت الشَّمْسُ لتغرُبَ، قَذفَتْ به في جانب البَحْر، فأقْبَل حتَّى انْتَهى إلى عِمْران، فوجدَهُ ميِّتًا حينَ ماتَ، فدفنَهُ، وأقامَ على قَبْره ثلاثًا.
فأقْبل شَيْخٌ مُتَشبِّهٌ بالنَّاس، أغَرّ من السُّجُود، ثمّ أقبل إلى حَائِذ فسلَّم عليهِ، فقال لَهُ: يا حَائِذُ؛ ما انتهى إليك من علْم هذا النِّيْل؟ فأخْبره. قال الرَّجُل له: هكذا نَجدُه في الكُتُب، ثمّ طَرَّى ذلك التُّفَّاحَ في عَيْنَيهِ، فقال: ألَا تأكل منه؟ قال: معي رِزْقٌ قد أُعْطِيتُهُ من الجَنَّة، ونُهيْتُ أنْ أُوْثر عليهِ شيئًا من الدُّنْيا، قال: صدَقْتَ يا حَائِذ، و [لا] (a) ينبغي لشيءٍ من الجَنَّة [أنْ] (b) يُؤثَر بشيءٍ من الدُّنْيا، وهل رأيتَ في الدُّنْيا مثل هذا التُّفَّاح؟ إنَّما أنبت في الأرْض ليست من الدُّنْيا، وإنَّما هي شَجرةُ من الجَنَّة، أخْرجها اللهُ لعِمْران يأكل منها، وما تركها إلَّا لك، ولَوْ وَلَّيْتَ عنها لَرُفعَت، فلم يَزَل يُطْرِيها في عَيْنِه حتَّى أخَذَ منها تُفَّاحَةً، فلمَّا عضَّها عضَّ على يدَيهِ، ثمّ قال: أتَعْرفُهُ؟ هو الّذي أخْرجَ أباك من الجَنَّةِ، أما إنَّك لو سَلمتَ بما مَعَكَ لأكَلَ منها أهلُ الدُّنْيا قبل أنْ يَنْفَدَ، وأقبل حَائِذ حتَّى دَخَل مِصْر، فأخْبَرهُم بهذا، ومَات بأرض مِصْر ﵀.
стр. 495
بابٌ في ذِكْرِ سَيْحَان؛ نَهْر أَذَنَة (١)
وهو نَهْرٌ كبير دُون جَيْحَان في العِظَم، وبين مَخْرجه ومَخْرج جَيْحَان يومانِ، ومَخْرجُه أيضًا من بلادِ الرُّوم، وشاهدتُهُ في قَرْيَةٍ يُقالُ لها بالعَرَبيَّةِ رَأس العَيْن، ويُقالُ لها بالتُّرْكِيَّة يَانْغِرْ باشِيّ، ومَعْناهُ: رأس المَاءِ، وهو يَخْرج من فوْجَةٍ بين جَبَلَيْن ينبعُ ماؤهُ من تحت الجَبَل من الصَّخر الأصَمّ، وعندَهُ كَنِيْسَةٌ قَدِيْمَة من بناءِ الرُّوم، قد صُوِّرت الجَنَّةُ فيها، ونَهْر سَيْحَان خارجٌ منها، فيَجْري النَّهر، وتَجْتمِع إليهِ عُيُون تَسِيْل في وادٍ في الدَّرْ بَنْد الّذي بين السَّارُوص (٢) وبين هذه القَرْيَة. وتَخرج هذه العُيُون في الوَادِي المَذْكُور، فتَصُبُّ في سَيْحَان، ويَخْرجُ سَيْحَان في بلدِ الرُّوم حتَّى يَمُرّ تحت قَلْعَة سَمَنْدُو، ويَمُرّ على بلادِ الأرْمَن، ويمتَدُّ على تلكَ البِلادِ حتَّي يَنْتَهي إلى أَذَنَة، وهو من شَرْقيّها، ثمّ يمتَدُّ منها فيصُبُّ في البَحْر الشَّاميّ.
أنْبَأنَا أبو مُحمَّد عَبْدُ الرَّحمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيُّ، قال: كَتَبَ إلينا أحمد بن مُحمَّد بن أحمد الحَافِظ: أنَّ أحمد بن مُحمَّد بن عليّ بن الآبِنُوسِيِّ أخبرَهُم إجَازَةً، قال: أُخْبرنَا عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِيّ، قال: ومَخْرجُ سَيْحَان -نَهْرِ أَذَنَة-
стр. 496
من بلاد الرُّوم، ثمّ يَمُرّ على مَوضعٍ من بلادِ أَرْمِينِيَة، فيُدْعَى هُنالك: نَهْر مُحمَّد، ثمّ يمتَدُّ حتَّى يَنْتَهي إلى أَذَنَة، وهُنالك يُدعَى: سَيْحَان، ثمّ يَسيرُ حتَّى يَصُبُّ في البَحْر الشَّاميّ.
قُلتُ: قَوْلهُ من بلاد أَرْمِينَيَة وَهْمٌ؛ فإنَّ أَرْمِينِيَة هي أخْلَاط، والفُرَات يَحُول بينها وبين بلاد الرُّوم، بل الظَّاهر أنَّ ابن المُنَادِي وجَدَ في بعض الكُتُب أنَّه يَمُرُّ ببلادِ الأرْمَنِ، فظنَّها أَرْمِينِيَة، واللهُ أعْلَمُ.
ونَقَلْتُ من خَطِّ صَدِيقَنا يَاقُوت الحَمَويّ، في كتاب البُلْدان (١): ولَأذَنَة نَهْرُ سَيْحَان، وعليهِ قَنْطَرَة حِجَارَة عَجيْبة بين المَدِينَة وبين حِصْن ممَّا يلي المِصِّيْصَة، وهو شبيهٌ بالرَّبَض، والقَنْطَرَة معقُودة على طَاقٍ واحدٍ.
وقَرَأتُ في كتاب أبي زَيْد أحمد بن سَهْل البَلْخِيّ، في كتاب صُورة الأرْض، قال (٢): وسَيْحَانُ هو دونَ جَيْحَان في الكِبَر، عليهِ قَنْطَرَة حِجَارَة عَجيْبَة البناء، طويلةٌ جدًّا، يَخْرج هذا النَّهُر من بلَدِ الرُّوم أيضًا.
وقال أحمد بن الطّيِّب السَّرْخَسيِّ في كتابهِ: ومَخْرجُ سَيْحَان -نَهْر أَذَنَة- من بلادِ الرُّوم، ويَصُبُّ في البَحْر الشَّاميّ.
أخْبَرنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَنِ الكِنْديِّ إذْنًا، قال: أخْبَرنَا أبو مَنْصُور القّزَّاز، قال: أخْبَرنَا أبو بَكْر أحمدُ بن عليّ بن ثَابتٍ الخَطِيبُ (٣)، قال: أخْبَرنَا أبو القَاسِم عليّ بن مُحمَّد بن يَعْقُوب الإيَادِي ُّ، قال: أخْبَرنَا أحمدُ بن يُوسُف بن خَلَّاد، قال: حَدَّثَنَا الحَارِث بن مُحمَّد، قال: حَدَّثَنَا سعيد بن شُرَحْبِيل، عن لَيْث، عن يَزِيد بن
стр. 497
أبي حَبِيْب، عن أبي الخَيْر، قال: قال كَعْبٌ (١): نَهْرٌ النِّيْل نَهرُ العَسَل في الجَنَّة ونَهْرُ دِجْلَةَ نَهرُ اللَّبَن في الجَنَّة، ونَهْرُ الفُرَاتِ نَهْر الجَمْر في الجَنَّة، ونَهْرُ سَيْحَانَ نَهْرُ الماء في الجَنَّة، قال: فأَطْفأ اللهُ نُورهنَّ فيُصيرهُنَّ إلى الجَنَّة.
بابٌ في ذِكْرِ ما وَرَد في الحَدِيْثِ والسُّنَّة أنَّ الفُرَات وسَيْحَان وجَيْحاَن من أَنْهار الجَنَّة
وهذه الأنْهار الثَّلاثة قد اخْتَصَّ عَمَل مَدِيَنة حَلَب بفَضْلها، لأنَّها من عَملها، لم تَخْتَصّ مَدِينَة أُخْرى بنَظِير هذه الفَضيْلَة ولا بمثْلِها، فإنَّ أبا الحُسَيْن مُسْلم ابن الحَجَّاج خرَّج في صحيحِهِ (٢) من حَديث أبي هُرَيْرَة، ﵁، قال: قال رسُولُ الله ﷺ . سَيْحَان وجَيْحاَن والفُرَات والنِّيْلُ كُلٌّ من أنْهار الجَنَّة. وهذه الثَّلاثةُ داخِلة في عَمَل حَلَب، لا يَخْرج عنه غير النِّيْل.
أخْبَرنَا بهذا الحَدِيْثِ قاضي القُضَاةِ أبو المَحَاسِن يُوسُف بن رَافعٍ بن تَمِيْم الأسَدِيّ، قاضي حَلَب، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قيل له: أخبَرك أبو بَكْر مُحمَّد بن عليّ ابن يَاسِر الأنْصاريّ الجَيَّانِيُّ، قال: أخْبَرنَا أبو عَبْدِ اللهِ مُحمَّد بن الفَضْل الفَرَاوِيّ، ح.
وكَتَبَ إلينا عاليًا أبو القَاسِم مَنْصُور بن عَبْد المُنْعِم بن عَبْد اللهِ بن مُحمَّد بن الفَضْل القَرَاوِيّ، وأبو الحَسَن المُؤيَّد بن مُحمَّد الطُّوسيِّ من نَيْسابُور، قالا: أخْبَرنَا أبو عَبْد الله الفَرَاوِيّ، قال: أخْبَرنَا أبو الحُسَيْن عَبْد الغَافِر بن مُحمَّد الفارِسيُّ، قال:
стр. 498
أخْبَرنَا أبو أحمد مُحمَّد بن عِيسَى بن عَمْرُويَه الجُلُوديّ، قال: أخْبَرنَا أبو إسْحاَق إبْرَاهِيمُ ابن سُفْيان الفَقيِه، قال: أخْبَرنَا أبو الحُسَيْن مُسْلم بن الحَجَّاج القُشَيْرِيُّ، قال: وحَدَّثَنَا مُحمَّد بن عَبْد الله بن نُمَيْر، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن بِشْرٍ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْد الله -يَعْني: ابنَ عُمَر العُمَريّ - عن خُبَيْب بن عَبْد الرَّحمن، عن حَفْص بن عَاصِم، عن أبي هُرَيْرَة (١)، قال: قال رسُول الله ﷺ : سَيْحَانُ، وجَيْحاَن، والفُرَاتُ، والنِّيْلُ، كل من أنْهار الجَنَّة.
وقد رَوَاه عن عُبَيْد الله بن عُمَر: عَبْد الله بن يُوسُف، وعَبْدُ الله بن جَعْفَر فأمَّا حَدِيثُ عَبْد الله بن يُوسُف، فأنْبَأنَا به عِيسَى بن عَبْد العزيز بن عِيسَى بن عَبْد الوَاحِدِ، قال: أخْبَرنَا الحَافِظُ أبو طَاهِر أحمد بن مُحمَّد بن أحمد السِّلَفيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو صَادِق مُرْشِد بن يَحْيَى بن القَاسِم المَدِيْنيِّ، قال: أخْبَرنَا أبو الحَسَن على ابن مُنِير بن أحمد الخلَّال (a) في كتابِه، قال: أخْبَرنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن أحمد بن الفَرَج القَمَّاح، قال: أخْبَرنَا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن خَلَف بن قُدَيْد الأزْديِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عَبْد الحكم، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن يُوسُف، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْد الله بن عُمَر، عن خُبَيْب بن عَبْد الرَّحْمن، عن حَفْص ابن عَاصِم، عن أبي هُرَيْرَة أنَّ رسُول الله ﷺ قال: النِّيْل وسَيْحَان وجَيْحاَن والفُرَات من أنْهار الجَنَّة.
стр. 499
وأمَّا رِوَايَةُ عَبْد الله بن جَعْفَر؛ فإنَّ فيها زِيَادة على هذه الأَنْهار الأربعة: دِجْلَة.
أخْبَرنَا بها أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْديِّ إذْنًا، قال: أخْبَرنَا أبو مَنْصُور القَزَّازُ، قال: أخْبَرنَا أبو بَكْر أحمدُ بن عليّ بن ثَابتٍ الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرنَا أبو طَالِب مُحمَّد بن عليّ بن إبْرَاهِيمُ البَيْضَاويّ، قال: أخْبَرنَا مُحمَّد بن العبَّاس بن حَيَّوْيَه الخَزَّاز (a)، قال: أخْبَرنَا ابن المُجَدَّر، قال: حَدَّثَنَا دَاوُد بن رُشَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن جَعْفَر، قال: أخْبَرنَا عُبَيْد الله بن عُمَر، عن خُبَيْب بن عَبْد الرَّحْمن، عن حَفْص بن عَاصِم، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : النِّيْلُ والفُرَات ودِجْلَةُ وسَيْحَان وجَيْحاَن من أنْهار الجَنَّة.
وقد رَواهُ شُعْبَةُ بن الحَجَّاج، عن خُبَيْب بن عَبْد الرَّحْمن كذلك مَرْفُوعًا، وقال في آخر حَدِيثه: كُلٌّ من أنْهار الجَنَّة، وكُلٌّ قد شَرِبْتُ منهُ.
ورَواهُ عن أبي هُرَيْرَة ﵁: عَبْد الله بن مُغِيْث مَوْلَى الزُّبَيْر، وأبو سَلَمَة بن عَبْد الرَّحْمن وسعيدُ بن [كَيْسَان] (b) المَقْبُريّ. فأمّا رواية عَبْد الله بن مُغِيْث، فحَّدث بها يُونُس بن بُكَيْر، عن مُحمَّد بن إسْحاَق، عن عَبْد الله بن يَزْيد، عن عَبْد الله بن مُغِيْث مَوْلَى الزُّبَيْر، عن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا، وزادَ في آخره: ولو أنَّ النِّيْلُ إذا مَدَّ الْتَمَسْتُم لوجَدْتُم فيه من ورَق الجَنَّة.
وأمَّا رِوَايَةُ سَعيدٍ المَقْبُريّ (c)، فأنْبَأنَا بها الأَخَوَان أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن وأبو العبَّاس أحمد ابْنَا عَبْد الله بن عُلْوَان الحَلَبِياَّن، عن كتاب أبي طَاهِر السِّلَفيِّ،
стр. 500
قال: أنْبَأنَا أحمد بن مُحمَّد بن الآبنُوسيِّ، قال: أخْبَرنَا عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِي، قال: حَدَّثَنَا القَاسِم بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن عَبْد الله بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا قاسم بنُ يَزِيد الجَرْمِي، عن الفَرَج بن فَضَالة، عن أبي رافع - هو: إسَماعِيل بن رافعٍ المُزَنيِّ المَدِيْنيِّ، نزل البَصْرَة. عن سَعيد المَقْبُريّ، عن أبي هُرَيْرَة قال: قال رسُولُ الله ﷺ (١): أربَعَةُ أنْهار في الجَنَّة: سَيْحَانُ وجَيْحاَن والنِّيْلُ والفُرَات.
وأمَّا رِوَايَةُ أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا، فأخْبَرَنا بها أبو الحَسَن المُبارَك ابن مُحمَّد بن مَزْيَد بن هِلال الخَوَّاص، وأبو عَبْد الله مُحمَّد بن نَصْر بن أبي الفَرَج الحُصْريِّ البَغْدادِيَّان ببَغْدَاد، قال: أخْبَرنَا الحَافِظُ أبو مُحمَّد عَبْد الغَنيِّ بن الحَافِظُ أبي العلاء الحَسَن بن أحمد الهَمْدانيِّ، قال: أخْبَرنَا أبو الفَرَج سَعيدُ بن أبي الرَّجاءِ ابن أبي مَنْصُور الصَّيْرَفيِّ، ح.
وأنْبَأنَا عن أبي الفَرَج شَيْخُنا القَاضِي أبو القَاسِم عَبْد الصَّمَد بن مُحمَّد بن الحَرَسْتانيّ، قال أبو الفَرَج: أخْبَرنَا أبو العبَّاس أحمد بن مُحمَّد بن النُّعْمان، قال: أخْبَرنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن إبْرَاهِيمُ بن المُقْرِئ، قال: أخْبَرنَا أبو مُحمَّد إسْحاَق بن أحمد بن نَافِع الخُزَاعيِّ، قال: أخْبَرنَا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن يَحْيَى بن أبي عُمَر العَدنَي (a)، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان بن عُيَيْنَة، عن مُحمَّد بن عمرو، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة أنَّ رسُولُ الله ﷺ قال (٢): أربعة أنْهار من الجَنَّة: الفُرَاتُ وسَيْحَان وجَيْحاَن والنِّيْل.
стр. 501
وقد رَوَاهُ سَعْدَان بن نَصْر، عن سُفْيان بن عُيَيْنَة، عن مُحمَّد بن عَمْرو، وشَكَّ سُفْيان في رَفْعه؛ أنْبَأنَا بهِ سَعيد بن هاشِم بن أحمد الأسَديِّ، قال: أخْبَرنَا أحمدُ بن مُحمَّد كتابةً، عن أحمد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسيِّ، قال: أخْبَرنَا عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِي، قال: سَمِعتُ سَعْدَان بن نَصْر، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان بن عُيَيْنَة، عن مُحمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة، قال: أربعَةُ أنْهارٍ من الجَنَّةِ: الفُرَاتُ والنِّيْلُ وسَيْحَان وجَيْحاَن. فقيل لسُفْيان: أهذا عن أبي سَلَمَة عن أبي هُرَيْرَة عن النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: لعلَّهُ ورَواهُ يَزِيد بن هَارُون، عن مُحمَّد بن عَمْرو، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة مرفوعًا؛ أخْبَرنَا به أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْديِّ إجَازَةً، قال: أخْبَرنَا أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن ابن مُحمَّد القَزَّازُ، قال: أخْبَرنَا أبو بَكْر أحمدُ بن عليّ بن ثَابِتٍ الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرنَا أبو الحَسَن مُحمَّد بن عُمَر بن عِيسَى البَلَدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس عَمْرو ابن هِشَام بن عَمْرو، قال: قُرِئ عليّ الحَارِث بن مُحمَّد القَنْطَريِّ (a) : حدَّثكُم يَزِيد ابن هَارُون، ح.
قال الخَطِيبُ: وأخْبَرَنا أبو الفَتْح مُحمَّد بن أحمد بن أبي الفَوَاسِ الحَافِظُ، وأبو بَكْر مُحمَّد بن أحمد بن يُوسُف الصَّيَّاد وأبو القَاسِم طَلْحَة بن عليّ بن الصَّقْر الكَتَّانيِّ، قالوا: أخْبَرنَا أحمد بن يُوسُف بن خَلَّاد العَطَّار، قال: حَدَّثَنَا الحَارِثُ بن مُحمَّد، قال: حَدَّثَنَا يَزِيد بن هَارُون، قال: أخْبَرنَا مُحمَّد بن عَمْرو، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَة، عن رسُولُ الله ﷺ ، قال (٢): فجِّرَتْ أربعَة أنْهار من الجَنَّة: الفُرَاتُ، والنِّيْلُ، وسَيْحَان، وجَيْحاَن.
стр. 502
وقد رَوَاهُ عَبْد المُلْك بن عُمَيْر، عن أبي سَلَمَة بن عَبْد الرَّحْمن، عن أبي هُرَيْرَة موقوفًا عليه، ولم يَذْكُر النِّيْلُ.
أخْبَرنَا بذلك القَاضِي أبو القَاسِم عَبْد الصَّمْد بن مُحمَّد بن الحَرَسْتانيُّ الأنْصاريُّ، قِراءَةً عليهِ بدِمَشْق وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرنَا أبو الحسن بن قُبَيْس، قال: أخْبَرنَا أبو بَكْر أحمد بن عليّ بن ثابت الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرنَا الحَسَن بن الحُسَيْن النِّعَاليُّ، قال: أخْبَرنَا أبو جَعْفَر مُحمَّد بن الحَسَن اليَقْطِينيِّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن الحُسَيْن السَّامَرِّيّ (a)، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عن مِسْعَرَ، عن عَبْد المُلْك بن عُمَيْر، عن أبي سَلَمَة بن عَبْد الرَّحْمن، عن أبي هُرَيْرَة، قال: سَيْحَانُ وجَيْحاَن والفُرَات له من الجَنَّة. مَوقُوف.
أخْبَرنَا أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرنَا عُمِّي الحَافِظُ أبو القَاسِم (٢)، قال: قَرَأتُ بِخَطِّ شَيْخنا أبي الفَرَج غَيْث بن عليّ بن عَبْد السَّلام الخَطِيبُ: ذكر القَاضِي أبو القَاسِم الحَسَن بن مُحمَّد الأنْباريِّ، فيما قُرِئ عليه بِصُوْر في ذِي القَعْدَة سَنَة سَبْع عشرَةَ وأرْبَعِمائة، أنَّ أبا مُحمَّد الحَسَن ابن رَشِيْق أخبرَهُم، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَضْل العبَّاس بن أبكجورْ مَوْلَي أمير المُؤمِنِين، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد المَرَاغِيُّ، قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوَانَة، عن الأَعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيْرَة (٣)، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : إن الله اخْتار من المَلائِكَة أربعةً: جِبْرِيل ومِيْكائِيل وإسْرافِيْل وعِزْرَائِيْل، واختار من النَّبِيِّيِن أربعَةً: إبْرَاهِيمُ ومُوسَى وعِيسَى ومحمدًا
стр. 503
صلَواتُ الله عليهم، وقال فيه: واخْتار من الأَنْهار أربعَةً: سَيْحَانُ وجَيْحاَن والنِّيْلُ والفُرَات.
قال الحَافِظُ: هذا حديث مُنْكر بِمَرَّة، وأبو الفَضْل والمَرَاغيِّ مَجْهولان.
أخْبَرنَا أبو مَنْصُور قال: أخْبَرنَا عَمِّي الحَافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: أخْبَرنَا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديِّ، ح.
وأنْبَأنَا عُمَر بن طَبَرْزَد، عن ابن السَّمَرْقَنْديِّ، قال: أخْبَرنَا أبو القاسِم ابن مَسْعَدَة، قال: أخْبَرنَا أبو القَاسِم حَمْزَةُ بن يُوسُف، قال: أخْبَرنَا أبو أحمد ابن عَديِّ (٢)، قال: أخْبَرنَا بُهْلُول بن إسْحاَق بن بُهْلُول، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ابن أبي أوَيْس، قال: حَدَّثَنَا كَثِيْرٌ المُزَنيِّ (a)، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسُولُ الله ﷺ (٣): أربعَةُ أجْبُلٍ من جِبَال الجَنَّة، وأربعَةُ أنْهار من أنْهار الجَنَّة، وأربعَةُ مَلَاحِمَ من مَلَاحِم الجَنَّة. قيل: فما الأجْبُل يا رسُولُ اللهِ؟ قال: أُحُد جَبَلٌ يُحبُّنا ونُحبّه، جَبَلٌ من جِبَال الجَنَّة، وطُور جَبَل من جِبَال الجَنَّة، ولُبْنَان جَبَل من جِبَال الجَنَّة. والأنْهار: النِّيْلُ والفُرَات وسَيْحَانُ وجَيْحاَن. والمَلَاحِم: بَدْرٌ وأُحُد والخَنْدَقُ وخَيْبَرُ (b). وسَقَط ذكر الجَبَل الرَّابِع.
стр. 504
أنْبَأنَا عِيسَى بن عَبْد العزيز بن عِيسَى بن عَبْد الواحد، قال: أخْبَرنَا الحَافِظُ أبو طَاهِر الأصْبَهَانيِّ، قال: أخْبَرنَا أبو صَادِق مُرْشِد بن يَحْيَى بن القَاسِم المَدِيْنيِّ، قال: أخْبَرنَا أبو الحَسَن عليّ بن مُنِير بن أحمد الخلَّالُ (a) في كتابِه، قال: أخْبَرنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن أحمد بن الفَرَج القَمَّاحُ، قال: أخْبَرنَا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن خَلَف بن قُدَيْد الأزْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عَبْد الحَكَم، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن صالح، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عن يَزِيد بن أبي حَبِيْب، عن أبي الخَيْر، عن كَعْب الأحْبَار أنَّه كان يقُول: أربعَةً أنْهار من الجَنَّة، وصفَهَا الله في الدُّنْيا، فالنِّيْل: نَهْرُ العَسَل في الجَنَّة والفُرَات: نَهْرُ الخَمْر في الجَنَّة، وسَيْحَان: نَهْرُ الماء في الجَنَّة، وجَيْحاَن: نَهْرُ اللَّبَن في الجَنَّة.
أخْبَرنَا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحمد الفَنَكيِّ وفَرَج بن عَبْد الله الحَبَشيّ إجَازَةً من كُلِ واحدٍ منهُما، قالا: أخْبَرنَا أبو طَاهِر بَرَكات بن إبْرَاهِيمُ الخُشُوعِيُّ، قال: أخْبَرنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُشرَّف بن المُسَلَّم، قال: أخْبَرنَا القَاضِي أبو الحَسَن مُحمَّد بن حَمُّود الصَّوَّاف، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن أحمد بن مُحمَّد، قال: حدَّثَنَا أبو حَفْص عُمَر بن المُفَضَّل بن المُهَاجر الرَّبِعيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بن مُحمَّد، قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قال: حَدَّثَنَا دَاودُ بن هِلالٍ، عن الصَّلْتِ بن دِيْنارٍ، عن أبي صالحٍ، عن نَوْفٍ البَكَاليِّ، قال: الصَّخْرَةُ يَخرجُ من تحتها أربعَةُ أنْهارٍ من الجَنَّة: سَيْحَانُ وجَيْحاَن والفُرَات والنِّيْلُ.
стр. 505
وقَرَأتُ في تاريخ أبي زَيْد البَلْخيِّ، قال (١): وأهل الكتاب يَزْعُمُونَ أنَّ أربعَة أنْهارٍ تَخْرجُ من الجَنَّة: سَيْحَانُ وجَيْحاَن والفُرَات والنِّيْلُ.
وقَرَأتُ في قَصِيدَة الأعْلَام المُزْدوجة، من نَظْم أبي عَمْرو القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسيِّ، في ذكر الفُرَاتُ وسَيْحَان وجَيْحاَن: [من الرجز]
ثُمَّ انْشَمَرنْا في الفُرَاتُ الرَّحْب … وادٍ من الجِنَان ذَاتِ الحُجْبِ
أيمن وادٍ ومحَلّ الخِصْب … بالبَرَكَاتِ دهْرَهُ ذُو حَلْبِ
وإنّه يَوْمًا من الأيّام … عَنْ ذَهَبٍ يَحِسُر للأنَامِ
يَنْتَابَهُ قَوْمٌ من الطَّغَامِ … يُقَتَّلُونَ ثمّ في الزِّحَامِ
وقال في تَفْسيره: قال النَّبيُّ ﷺ (٢): يَحْسِرُ الفُرَاتُ عن جَبَلٍ من ذَهَب يأتيه شِرَارُ النَّاسِ، فيُقتَل من كُلِّ عَشَرة تِسْعَةٌ. وَسَنذْكُر الحَدِيْث بإسْنَاده في بابٍ (٣) يأتي في كتابنا إنْ شَاءَ الله تعالَى.
ثُمّ ذَكَرَ المِصِّيْصَة وكَفَرْبَيَّا في قَصيْدته، وقال: [من الرجز]
أهْلاهُما خُصَّا ببَأسٍ وجُرَهْ … بَيْنَهما جَيْحَانُ تحت القَنْطَرَة
يَجْري فيَسْقِي يُمْنَةً وَمَيْسَرَةْ … حتَّى تَرَى في البَحْر أفْضَى أَثَرَهْ
ذَاك وسَيْحَان كصَاحِبَيْنِ … حَلَّا من الجَنَّة في المِصْرِيْنِ
стр. 506
بابٌ في ذِكْرِ العَاصِي (١)؛ وهو نَهْر أَنْطاكِيَة وحَمَاة، وذِكْر البَرَدَان؛ وهو نَهْر طَرَسُوس
وهما نْهَران كبيران، مَشْهُوران، يَصُبَّان في البَحْر الشَّاميّ، فأمَّا نَهْر البَرَدَان فإنَّهُ يخرجُ من بلَدِ الرُّوم، ويمتَدُّ إلى طَرَسُوس، ثمّ يصُبُّ في البَحْر، وتَجري فيه السُّفُن، ويشُقُّ وسط مَدِينَة طَرَسُوس، وماؤه مَوْصوُفٌ بشِدَّة البَرْد في الصَّيْف.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن رواحة الأنْصاريُّ، عن الحَافِظُ أبي طَاهِر الأصْبَهَانيِّ، عن أحمد بن مُحمَّد [بن] (a) الآبِنُوسيِّ، قال: أخْبَرنَا عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِي،
стр. 507
قال: ومخرَجُ البَرَدَان - نَهْر طَرَسُوس - من طَرف بلاد الرُّوم عليّ دَعَوَة من طَرَسُوس، ثمّ يصُبُّ في البَحْر الشَّاميّ عليّ خمسة أميال من طَرَسُوس، وهو شَدِيدُ البُرُودةِ في الصَّيْف، فاتِرٌ في الشِّتاءِ.
وقد ذكَرتُ في باب الفُرَاتُ، أنَّه وقعَ إليَّ رسالة في ذِكْر الدُّنْيا وما فيها من الأقالِيمْ والجِبَال والأَنْهار، وقال فيها: والمَشْهُور من هذه الأَنْهار الكِبَار اثنا عَشَر نَهْرًا، وهي: الدِّجْلة، والفُرَات، والنِّيْلُ، وجَيْحُون، ونَهْر الشَّاش، وسَيْحَان، وجَيْحاَن، ونَهْرُ بَرَدَان، ومِهْرَان، ونَهْرُ الرَّسّ، ونَهْرُ المُلْك، ونَهْرُ الأهْوَاز. وجميعُ هذه الأَنْهار تَجْري فيها السُّفُن.
قال: وأمَّا سَيْحَانُ وجَيْحاَن وبَرَدَان، فإنَّهُن أنْهار طَرَسُوس وأَذَنَة والمِصِّيْصَة، تخرجُ من بلدِ الرُّوم، ثمّ تَغِيْضُ في البَحْر، وكذلك سائرُ أنْهار الشَّام جميعها إلَّا بَرَدَي والأُرْدُنّ.
وهذا غيرُ مُسَلَّم لصاحب الرِّسَالَة، فإنَّ في أنْهار الشَّام عدَّة أنْهر تَصُبّ في الفُرَاتُ، مثل نَهْر السَّاجُور والنَّهْر الأزْرَق وغيرهما من الأنْهَر الّتي ذكَرنا أنَّها تَغيْض في الفُرَاتُ وغيرها، فإنْ اعْتَذرَ له مُعْتذرٌ وقال: إنَّه أراد أَنْهار الشَّام الكبيرة مثل سَيْحَانُ وجَيْحاَن وبَرَدَان، فقول: اسْتثناؤُه بَرَدَى أوْجَبَ مُؤاخَذتَهُ، فإنَّ نَهْر السَّاجُور والنَّهْر الأزْرَق لا يقصِران عن بَرَدَي في الكبر، فدلَّ عليّ أنَّه أرادَ جميع الأَنْهار التي بالشَّامِ.
وأمَّا نَهْر العَاصِي، فيُقالُ لهُ: الأُرُنْدُ والأُرُنْط، ويُقالُ له: العَاصِي والمَقْلُوب، لأنَّهُ يخالفُ أنْهار الدُّنْيا كُلّها؛ لأنَّهُ يَجْريِ من الجَنُوب إلى الشَّمَال، بخلاف سَائر الأنهرُ، ومَخرجُه من أرض بَعْلَبَك من مَوضِعٍ يُقالُ لهُ اللّبْوَة، يَخْرج من عَيْنٍ
стр. 508
هُناك، شَاهَدْتُها، ثمّ تَمّده عُيُون أخر في طَريقه، ويَجْري حتَّى يَشُقّ بُحَيَرة قَدَس من عَمَل حِمْص، ويمتدّ من غَربيّ حِمْص، ويأتي إلى الرَّسْتَن، ثمّ يأتي حَمَاة من غربيّها (a)، فيُلاصق دُوْرها، ثمّ يأتي شَيْزَر فيلَصق بسَفْح قَلْعتها ودُوْر المَدِينَة من الغَرْب والشَّمَال، ويمتَدّ إلى أفَامِيَة، ويَخْرج إلى أَنْطاكِيَة فيحفّ بالمَدِينَة من جهَة والغَرب، وينفَصل عنها، فيصُبّ في البَحْر.
وكان يُنْسَب إلى أَنْطاكِيَة، فيقال: الأُرُنْط نَهْر أَنْطاكِيَة، وأمَّا في زَمننا هذا فنسْبَته إلى حَمَاة أكثر. وأهْل حَمَاة لا يَنْتفعُون بمائه في السَّقي والزَّرْرعِ إلَّا بالنَّوَاعِيْر، فإنَّ عامَّة سَقي بسَاتيِنْهم منه بالنَّوَاعِيْر، وكذلك الماء الّذي يَدْخُل إلى مِنازلِهم.
وأمَّا حِمْص، فإنَّ بَساتِيْنها تشرَبُ منه سَيْحًا. وسَاق المُلْك المُجَاهِد شِيرْكُوه ابن مُحمَّد بن شِيرْكُوه - حين كانت حِمْص له - من العَاصِي أنْهَارًا إلى مَدِينَة حِمْص، يَجْري بعضُها في المَسْجِد الجامع والبِيْمَارِسْتان، والمنازل بها، ويَجْري منه في خَنْدَق المَدِينَة والقَلْعَة، وبعض الأنْهَر تسقِي في قُرَى حِمْص.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن رَوَاحَة، عن الحَافِظُ أبي طَاهِر، عن ابن الآنِبُوسيِّ، قال: ذَكَرَ أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي في كتاب الحَافِظُ من تأليفه، قال: ومَخْرجُ الُأُرنْد -نَهْر أَنْطاكِيَة- من أرْض دِمَشْق ممَّا يلي طَريق البَرِيد، وهو يَجْري مع الجَنُوب؛ ولذلك يُسَمَّى المَقْلُوب، ثُمَّ يَصيرُ في البَحْر الشَّاميّ.
стр. 509
وقال أحمد بن مُحمَّد بن إسْحاَق الزَّيَّات: ومَخْرجُ الأُرُنْد -نَهْر أَنْطاكِيَة- من أرض دِمَشْق ممَّا يلي البَرِيد، ويَجْري مع الجَنُوب، ويَصُبّ في البَحْر الرُّوميِّ.
هذا ما ذَكَرَهُ ابن المُنَادِي وأحمدُ بن مُحمَّد الزَّيَّات أنَّه من أرْض دِمَشْق، وقد ذَكَرنا أنَّ مخرجَهُ من اللَّبْوَة، قَرْيَة من بَلَد بَعْلَبَك، ولعلهما أرادَا أنَّ بَعْلَبَك من أعْمَال دِمَشْق، فنَسَبا أرضَها إلى دِمَشْق.
في ذِكْر البَحْر الشَّاميّ ويُعْرفُ أيًضا ببَحْر الرُّوم
وهو مُلاصقٌ لأعْمال حَلَب، حَرَسَها الله، من طَرَسُوس إلى السُّوَيدِيَّة سَاحِل أَنْطاكِيَة، وعلى شَاطِئهِ من منها: طَرَسُوس، وحِصْن أُوْلاس، والإسْكَنْدَرُونَة، وبَيَّاس، والمُثَقَّب، والسُّوَيدِيَّة. والأَنْهار الأربعةُ التي وردَ الحَدِيثُ الصَّحيحُ (١) أنَّها من أنْهار الجَنَّة، وهي: النِّيْلُ، والفُرَات، وسَيْحَان، وجَيْحاَن، يصُبُّ فيه ثلاثةٌ منها، وهي: النِّيْلُ وسَيْحَان وجَيْحاَن، فقد صار لحَلَب وعَمَلها قِسْط من ماء النِّيْلُ، فتَكْمُل لها بَرَكَة الأَنْهار الأربعة، بعضُها بحقيقة الأنْهُر، وبَعْضُها بالمُمازَجَةِ.
وقد وردَ في فَضْل سُكَّان سَاحِل هذا البَحر ما أنا ذاكِرُهُ، وهو ما أخْبَرنَا به أبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود السَّاويّ الصُّوفيِّ إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرنَا الحَافِظُ أبو طَاهِر أحْمدُ بن مُحمَّد بن أحمد السِّلَفيِّ قِراءةً عليهِ وأنا حاضِرٌ أسْمَعُ، ح.
стр. 510
وأنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل بن عليّ بن مُفرِّج المَقْدِسيِّ، قال: أخْبَرنَا أبو طَاهِر السِّلَفيِّ، والصَّالح المُعَمَّر أبو الضِّيَاءِ بَدْر بن عَبْد الله الحَبَشيّ، سَمَاعًا عليهما بالإسْكَنْدَرِيَّةِ، قالا: أخْبَرنَا أبو إسْمَاعِيلُ إبْرَاهِيمُ بن الحَسَن بن مُحمَّد بن الحُسَيْن المُوْسَويّ، قال: أخْبَرنَا عُبَيْد الله بن أبي مَطَر المَعَافِريِّ، قال: أخْبَرنَا أبو الحَسَن عليّ بن عُمَر الفَقِيهُ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحمُد بن عَبْد الله بن سَوَّار، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن الحَجَّاج، قال: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد ابن يَزِيد، عن مَالِك بن يَحْيَى، عن مُعاوِيَة، عن الأوْزَاعيِّ، عن بِلالِ بن سَعْدٍ، عن ابن عُمَر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: مَنْ كَبَّر عليّ شَاطِئ بَحْر الرُّوم تَكْبيرةً لا يُريدُ بها إلَّا وجه اللهِ والدَّارَ الآخِرة، جَعلَ اللهُ في ميزانِه يوم القِيامةِ صَخْرةً أثْقَل من السَّمَواتِ السَّبْع والأرْضين السَّبْع وما بينهُنَّ وما تحتَهُنّ.
وقال: أخْبَرنَا أبو الحَسَن الفَقِيه، قال: حَدَّثَنَا هانئٌ، عن مُحمَّد بن هَارُون، عن حَفْص بن عُمَر، عن الأوْزَاعيِّ، عن عَبْد الواحد بن قُبَيْس، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : يا أبا هُرَيْرَة؛ طُوْبَى لقَوْمٍ من أُمَّتِي يَمُوتُونَ على سَاحِل البَحْر، يَخْرجُونَ من قُبُورهم حتَّى يَرِذُوا (١) العَرْش، فيقُول اللهُ تعالَى: هؤلاء سُكَّان السَّواحل؟ فَيَقُولُونَ: نعَم، فيقُول اللهُ : لا حِسابَ عليهم، انْطَلقُوا فعَانقُوا الأبْكار.
أنْبَأنَا سُلَيمان بن الفَضْل بن سُلَيمان، قال: أخْبَرنَا أبو القاسِم عليّ بن الحَسَن الحَافِظُ الدِّمَشْقيُّ (٢)، قال: أنْبَأنَا أبوا مُحمَّد: هِبَة الله بن أحمدُ بن
стр. 511
الأكْفانيِّ وعَبْدُ الله بن أحمدُ بن عُمَر بن السَّمَرْقَنْديِّ، قال: أخْبَرنَا أبو الحَسَن أحمدُ بن عَبْد الوَاحِد بن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرنَا أبو مُحمَّد بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرنَا أبو عليّ الحَسَن بن حَبِيْب بن عَبْد المُلْك، قال: حَدَّثَنَا أنس بن السَّلْم، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بن يَحْيَى القُرَشِي، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ اليَمَانيّ، قال: قَدِمْتُ من اليُمْن، فأتَيْتُ سُفْيان الثَّوْرِيَّ فقُلتُ: يا أبا عَبْد الله، إنِّي جعلت في نَفْسي أنَّ أنْزل جُدَّة فأُرابط بها كُلَّ سَنَة، فأعْتَمر في كُلِّ شهرٍ عُمْرةً، وأحجُّ في كُلِّ سَنةٍ حِجَّةً، وأقْرُبَ من أهْلي، أحبّ إليك، أم آتي الشَّام؟ فقال لي: يا أخا أهْل اليُمْن، عليك بسَوَاحِل الشَّام، عليك بسَواحِل الشَّام، فإنَّ هذا الَبيْتَ يَحُجُّه في كُلِّ عامٍ مائة ألفٍ ومائة ألف وثَلاثِمائة ألف، وما شاء الله من التَّضْعِيْف، لكَ مثلُ حجِّهم وعُمَرهم ومَنَاسِكِهم.
أخْبَرنَا إبْرَاهِيمُ بن مَحْمُود بن سَالِم إجازة، قال: أنْبَأنَا أبو الفَتْح بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرنَا أبو بَكْر الطُّرّيَثْيِثيِّ، قال: أخْبَرنَا أبو القَاسِم الطَّبَريِّ، قال: أخْبَرنَا مُحمَّد بن رزق الله، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن الحَسَن بن زياد المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا خَلَف بن شمس المُقْرِئ الخَصِيْب (a) عليّ نَهْر عِيسَي، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بن سَعيد الجَوْهَريِّ، عن أبي إسْحاَق الجُرّشيِّ، عن الأوْزَاعيِّ، عن القاسِم بن مُخَيْمِرَة قال: كان لأبي قِلَابَة الجَرْميّ ابن أخٍ يركب المَحَارِم، فاحتُضر، فجاء طَائران أبْيِضان يُشْبهان النَّسْرين، فجلسَا في كُوَّة البَيْت، فقال أحَدُ الطَّائرَيْن لصاحبِهِ: انْزِل ففتِّشه، فَنَزل ففتَّشَهُ، ثُمّ غرَّق (b) منقَاره في جَوْفِه، وذلك
стр. 512
بعَيْن أبي قِلَابَة، فقال الطَّائر لصاحبِهِ: الله أكْبَر، انْزِل إليهِ فقد وجَدْتُ في جَوفِه تكبيرةً كَبَّرها في سَبيل الله عليّ سُور أَنْطاكِيَة، فأخْرَج الطَّائر خِرْقةً بيضاءَ، فَلَفَّا رُوْحَهُ في الخِرْقَةِ ثمّ احْتَملاها، ثمّ قالا: يا أبا قِلَابَة، قُم إلى ابن أخيك فادْفنه؛ فإنَّهُ من أهْل الجَنَّة. قال: وكان أبو قِلَابَة عند النَّاس مَرْضيًا، فخَرج إلى النَّاس، فأخْبرهم بالّذي ظَهَر: قال: فما رأيتُ جَنازةً أكْثَر أهْلًا منها (١).
فَصْلٌ في صِفَة البَحْر الشَّاميّ وطُوله وعَرْضه
ذَكَر أبو العبَّاس أحمدُ بن مُحمَّد بن يَعْقُوب ابن القَاصّ، قاضي طَرَسُوس، في كتاب دَلائِل القِبْلَة (٢)، قال: وأمَّا بَحْرُ الرُّوم، الّذي هو بَحر إِفْرِيقِيَّة والشَّام، فيكُون من عند الخَليْج الّذي يخرجُ من عند البَحْر الأخْضَر إلى المَشْرِق، يَمُدّ إلى صُوْر وصَيْدَا وأَنْطاكِيَة وطَرَوسُوس، طولُهُ خَمْسَة آلاف مِيل (a)، وعرضُه في مكانٍ سَبْعمائة مِيْل، وفي مكانٍ ثمانمائة مِيل، يَخرجُ منه خَلِيْجٌ إلى نَاِحيَةِ الشَّمَالِ قريب من الرُّومِيةِّ، طول ذلك الخَلِيْج خَمْسُمائةَ مِيْل يُسَمَّى آرْس (b)، وخَلِيْج آخرَ
стр. 513
إلى خَلَف قُبْرسُ، ففي هذا البَحْر مائة واثنان وستُّونَ جزيرة عَامِرَة، منها خَمْسُ جزائر عِظَام كقُبْرُس (a).
وقال (١): وبَحر اللَّاذقِيَّة (b)، فإنَّهُ يَمُدّ بين (c) لاذِقيِّة إلى خَلْف قُسْطَنْطِيِنَّية، يَخْرجُ منه خَلِيجٌ يَجْري كأنَّه نَهْرٌ حتَّى يصُبُّ في بحر الرُّوم، وعَرْضَه عند قُسْطَنْطِينِيَّة قدر ثلاثة أمْيَال فقط مُشْرفة عليه.
وقال أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَيْن بن عليّ بن عَبْد الله المَسْعُوديِّ في ذِكْر بحر الرُّوم والشَّام (٢): إنَّ طُوله خمسَة آلاف ميل وعَرضه مُختلِفٌ؛ فمنهُ: ثَمانمائة ميل فما دونَه، وأضْيَق مَوضعٍ فيه بين سَبْتَةَ وطَنْجَة، وهو المَعْرُوفُ بزُقَاق سَبْتَة نَحو عَشرة أمْيَال.
وعلى هذا البَحْر من المُدُنِ الغَربْيَّة: سَبْتَّة، وطَنْجَة، والجَزَائر، وتُونِس، والمَهْدِيَّة، وطَرابُلُس، وسَفَاقُس. ومن المُدُن المِصْريَّة والثُّغُور: الإسْكَنْدَرِيَّة، ورشيْد، ودمْيَاط، وتنّيِس. ومن المُدُن الشَّاميَّة: غَزَّة، وعَسْقَلان، وعَكَّا، وصَيْدَا، وصُوْر، وبَيْرُوت، وطَرابُلُس، واللَّلاذِقِيَّة، وأَنْطاكِيَة، وأَذَنَة، وطَرَوسُ، وجَبَلَة، وغير ذلك.
стр. 514
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
وقال أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أحمدُ الجَيْهَانيُّ: وبحر الرُّوم وإفْرِيقِيَّة والشَّام ومِصْر طولُه من الخَلِيْج الذي يَخْرجُ من بَحر المَغْرب إلى نَاحِيةَ المَشْرِق، ينَتهي إلى صُوْر وصَيْدَا، يكون ذلك مِقْدَار خَمْسَة آلاف مَيْل، وعرضُه في مكانٍ سّتمائة مِيْل وفي مكانٍ ثَمانمائة مِيْل، ويَخْرج منه خَلِيجٌ إلى ناحية الشَّمَال قريب من الرُّوميَّة، يكون طُوله ثمانين مِيْلًا (١)، وفي هذا البَحْر مائتان واثنَتان وسِتُّون (٢) جَزيرة عَامِرة؛ منها خَمْس جَزَائر عِظَام، أعْظَمُها: قُوريس (a)، يُحيط بها مائتا مِيْل، وسَرْدَانَية، يُحيط بها ثلاثمائة مِيْل، وسقلّيّة، يُحيط بها خمسُمائة مِيْل، وأطْرِيْقيَة (b)، يُحيط بها ثَمانمائة مِيْل، وقُوْبرْسُ (c)، يُحيط بها ثلاثمائة وخَمسُون مِيْلًا.
قال: وعندَ القُسْطَنْطِينِيَّة، يَخْرجُ منه -يعني: من بَحر نيطش (d)- خَلِيجٌ يَجْري كَهَيئة النَّهْر، وينصَبّ في بحر مِصْر، وعرضُهُ عند القُسْطنْطِينِيَّة قَدر ثلاثة أمْيَال بُنِيَت القُسْطَنْطِينِيَّة عليه.
стр. 515
قال: وأمَّا البَحْر الشَّاميّ، فإنَّهُ إذا صَارت الشَّمْسُ في أوَّل العَقْرَب إلى أنْ تَصير في أوَّل الحُوْت في هذه الأربعَةَ الأشْهُر لا يَسْتَطِيعُ النَّاس رُكُوبه، وذلك لأنَّ الشَّمْس تباعَدُ عنه، وتَحْدُثُ فيه الرِّيَاح العاصِفةُ، وذلك في ناحيةِ الشَّمَال منه.
وقَرَأتُ في كتاب مُرُوج الذَّهب، تأليفُ أبي الحَسَن عليّ بن الحُسَيْن ابن عليّ بن عَبْد الله المَسْعُوديِّ، قال (١): فأمَّا بَحْرُ الرُّوم وطَرَسُوسَ، وأَذَنَة، والمِصِّيْصَة، وأَنْطاكِيةَ، واللَّاذِقيَّة، وطَرابُلُس، وصَيْدَا، وصُوْر، وغير ذلك من سَاحَل الشَّام، ومِصْر، والإسْكَنْدَرِيَّة، وسَاحِل المَغْرب. فذكَرَ جَمَاعَةٌ من أصْحَاب الزّيجْات في كُتُبهم النُّجُوميَّة منُهم مُحمَّد بن جَابِر البَتَّانيّ (٢) وغيره، أنَّ طولَهُ خمسَةُ آلاف مِيْل، وعَرْضهُ مختلِفُ، فمنه: ثَمانمائة مِيْل، ومنه سَبْعمائة، ومنه ستّمائة، وأقلّ من ذلك عليّ حَسَب مُضَايَقة البَرِّ للبَحر، والبَحْر للبّرِّ. ومبدأ هذا البَحْر (a) من خَلِيجٌ يَخْرجُ من بَحْر أُقْيَانُس (b)، وأضيَقُ مَوضعٍ في هذا البَحْر (c) بين سَاحِل طَنْجَة وسَبْتَة من بلادِ المَغْرب و بين سَاحِل الأنْدَلُس، وهو المَوضِع المَعْرُوف بشيطا (b)، وعرضُهُ فيما بين السَّاحِلَيْن نحو من عَشَرَة أمْيَال، وهذا المَوْضِعُ هو
стр. 516
المَعْبَرُ لمَن أراد من المَغْرب إلى الأنْدَلُس، ومن الأنْدَلُس إلى المَغْرب، ويُعْرَفُ بالزُّقَاق، ويتشَعَّب من بحر الرُّوم والشَّام ومِصْر خَلِيْجٌ من نحو خَمْسمائة مِيْل، يتَّصِلُ بمَدِينَة رُوْمِيَّةَ، يُسَمَّى بالرُّومِيّةِ أدوس (a).
وفي البَحْر الرُّومِيّ جزائر كَثِيْرةُ، منها: جزيرةُ قُبْرُس بين سَاحِل الشَّام والرَّوم، وجزيرة رُوْدُس مقابل الإسْكَنْدَرِيَّة، وجزيرة إِقْرِيْطُش، وجزيرة صِقِلِّيَّة.
والتَّنَانيْنُ فيهِ -يعني: بحر الشَّامِ- كَثِيْرة، وأكثر ما تكُونُ فيه ممَّا يلي طُرابُلُس واللَّاذِقِيَّة والجبَلَ الأقْرَع من أعْمَال أَنْطاكِيَة، وتحت هذا الجَبَل مُعظم ماءِ البَحْر وأكْثَره، وهو يُسَمَّى عَجُز البَحْر، وغايته إلى سَاحل أَنْطاكِيَة وسيس (b) والإسْكَنْدروْنَة، وبَيَّاس (c)، وحِصْن المُثَقَّب، وذلك في سَفْح جَبَل اللُّكام وسَاحِل المِصِّيْصَة، وفيه مَصَبُّ نَهْر جَيْحَان، وسَاحِل أَذَنَة، وفيه مَصَبُّ نَهْر سَيْحَان، وسَاحِل طَرَسُوس، وفيه مَصَبُّ نهر البَرَدَان، وهو نَهْرُ طَرَسُوس.
والعِمَارَة على هذا البَحْر الرَوِمِيّ من المضيق الّذي قَدَّمنا ذِكْرَهُ، وهو الخَلِيْجُ الّذي عليه طَنْجَة مُتَّصِل بسَاحِل المَغْرب، وبلاد إفْرِيقِيَّة، والسُّوْس، وطَرابُلُس المَغْرب، والقَيْرَوان، وسَاحِل بَرْقَة، والرَّقَّادَة، وبلاد الإسْكَنْدَرِيَّة، ورَشِيْد، وتِّنِيْس، ودِمْيَاط، وسَاحِل الثُّغُور الشَّاميّة، ثمّ سَاحِل الرُّوم متَّصل مارًّا إلى بلاد رُوْمِيَّة إلى أنْ يتَّصل بسَاحِل الأنْدَلُس الّذي يَنْتهي إلى سَاحِل الخَلِيْج الضَّيِّق المُقابِل طَنْجَة على ما ذَكَرنا أنّه لا يقْطع بين هذا البرّ كُلّه، والعَمَائر التي وصَفْناها من الإسْلام والرُّوم، إلى الأَنْهار الجارية إلى البَحْر إلَّا خَلِيْج القُسْطَنْطِينِيَّة، وعَرْضُه نحوٌ من مِيْلٍ، وخُلْجَانات أُخَر من البَحْر الرُّوِميّ داخلّة في البَرِّ لا منْفَذ لها.
стр. 517
فجميعُ ما ذكَرنا على شَطِّ هذا البَحْر الرُّومِيّ مُتَّصل الدِّيَار، غير منفصلين بماء يَمْنَعُهم أو بحرٍ يقْطَعُهم إلَّا ما ذَكَرنا من الأَنْهار وخَلِيْج القُسْطَنْطِينِيَّة، ومثال هذا البِحْر الرُّومِيّ ومثال ما ذكَرنا من العَمَائر عليه إلى أنْ يَنْتهي إلى مَبْدَأ (ا) الخَلِيْج الآخذ من أُقيانُس (ب) الّذي عليه المَنارة (ج) النُّحاس، ويلي الأعْلَام من طَنْجَةُ وسَاحِل الأنْدَلُس مثلُ الكَرْنِيْب (١) فمقبَضُه الخَلِيْج، والكَرْنيب على صِفَة البَحْر إلَّا أنَّه مُدَوَّر (د) الشَّكل لِمَا ذكَرنا من طوله.
قال (٢): وقد ذكَر أحمدُ بن الطَّيِّب السَّرخَسِيّ في رسالته في البحار والمياهِ والجِبَالِ عن الكِنْدِيّ: أنَّ بَحْر الرُّوم طُوله ستَّة آلاف ميْل من بلاد صُوْر وطَرابُلُس وأَنْطاكِيَة والمُثَقَّب وسَاحِل المِصِّيْصَة وطَرَسُوس وقَلمْيَة إلى مَنَار هِرَقْل، وأنَّ أغْرَضَ مَوضعٍ فيه أرْبَعمائة مِيْلٍ.
وقال (٣): شاهدْتُ أرْبابَ المراكب في البَحْر الرُّومِيّ من الحَرْبِيَّة، والعَمَّالَة؛ وهم النَّواتِيَّةُ، وأصْحَاب الأرْجُل، والرُّؤَسَاءِ، ومَنْ يَلي تَدْبير المَراكبَ والحَرْب فيها، مثل لَاوُن المُكَنَّى بأبي الحَارِث غُلَام زُرَافَة صاحب طَرابُلُس الشَّام من سَاحِل دِمَشْق، وذلكَ بعد الثَّلاثمائة، يُعَظِّمُون طُولَ البَحْر الرُّومِيّ وعَرْضَهُ وكَثْرة خُلْجانه وتَشَعُّبه. وعلى هذا وجدْتُ عَبْدَ الله بن وَزِير صاحب مَدِينَة جَبَلَة من سَاحِلِ حِمْصَ من أرضِ الشَّام، ولم يَبْقَ في هذا الوَقْت -وهو سَنَة اثْنتَيْن وثلاثين وثَلاثِمائة- أبْصَر منهُ بالبَحْر الرُّومِيّ، ولا آنسَ به، وليسَ في مَنْ يركَبُه من أرْباب
стр. 518
المراكب من الحَرْبِيَّة (a) والعَمَّالَةِ إلَّا وهو ينْقَادُ إلى قَوله، ويُقِرُّ له بالبَصَر والحِذق ممَّا هو عليه من الدِّيانَة والجهَاد القديم فيه.
وأنْبَأنَا الأَخَوَان أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله، وأبو العبَّاس أحمد الأسَدِيَّان، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ إذْنًا، عن أحمد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ، قال: ذكَرَ أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي في كتاب الحَافِظ لمعارف حَرَكات الشَّمْس والقَمَر والنجوم، وأوْصَاف الأفلاكِ، والأقالِيْم، وأسْماء بُلْدانها، قال: حَدَّثَني هارُون بن علىّ بن الحَكَم المُزَوِّق، قال: حدَّثنا عليّ بن دَاوُد القَنْطَريّ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّدُ بن عَبْد العَزِيْز الرَّمْليّ، قال: حدَّثَنا مُحمَّد بنُ شُعَيْب بن شَابُور، قال: حَدَّثَنَا عُمَر ابن يَزِيد المِنْقَريّ، قال: في الكتاب الّذي تَنَبَّأ عليه هارُون ﵇ أنَّ بَحرنا هذا خَلِيْجُ من فُنْطُس (b)؛ وفُنْطُس خلْفَهُ مُحيط بالأرْض كُرِّيا؛ فهو عنده كَعَيْن على سِيْفِ البَحْر، ومن خَلْفه الأصَمّ مُحيط بالأرْض كُلّها، ففُنطُس وما دونَهُ عندَه كَعَيْن على سِيْف البَحْر، ومن خَلْفه المُظْلم مُحيطٌ بالأرْض كُلّها، فالأصَمّ وما دونَهُ عندَهُ كَعَيْن على سِيْف البَحْر، ومن خَلْفه الماس مُحيطٌ بالأرْض كُلّها، فالمُظْلِمُ وما دونَهُ عندَه كَعيْن على سِيْف البحْر، ومن خَلْفه الباكي، وهو ماءٌ عَذبٌ أمرَهُ اللهُ ﵎ أنْ يرتفِعَ، فأراد أنْ يستَجْمع، فزجرَهُ، فهو بَاكٍ يَسْتَغْفر الله، مُحيْطٌ بالأرْض كُلّها، فالماس وما دونَهُ عندَهُ كعَيْن على سِيْفِ البَحر، ومن خَلْفه العَرْش مُحيطٌ بالدَّنْيا كُلّها، فالباكي وما دُونَهُ عندَه كعيْن على سِيْفِ البَحْر.
стр. 519
قال ابن المُنَادِي (١): ثمّ بلغَنا بعد ذلك أنَّ البَحْر المَعْرُوفَ بفُنْطُس من وراء قُسْطَنْطِينِيَّة (a) يجيءُ من بَحر الخَزَر، وعَرْض فُوَّهته ستَّة أمْيالٍ، فإذا بلغ أَنْدُس (b) صار هنالك بين جَبَلين، وضَاق حتَّى يكُون عرضُه غَلْوَةَ سَهْمٍ، وبين أَنْدُس هذه وبين قُسْطَنْطِينِيَّة مائة مِيلٍ في مُستَوىً من الأرْض، ثمّ يَمُرّ الخَلِيْج حتَّى يصُبَّ في بحر الشَّام، وعَرْضُه عند مَصَبِّهِ ذلك مقْدَار غَلْوَة سَهْمٍ أيضًا، وهَنالك -زَعَمُوا- صَخْرة عليها بُرْجٌ فيه سِلْسلَةُ تَمنَعُ المُسْلِمِيْن من دخُول الخَليْج، وطُوُل الخَليج من بَحْر الخَزَر إلى بَحر الشَّام ثلاثةُ وعشرون مِيْلًا تنْحَدر المَراكب فيهِ من بَحَر الجَزَر وتيكَ النَّواحي، وتَصْعَدُ فيه من بَحْرِ الشَّام إلى القُسْطَنْطِينِيَّةِ.
وقال أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي: حَدَّثَنا جَدِّي، ﵀، قال: حَدَّثَنَا يَزِيد ابن هارُون، قال: أخْبَرَنَا العَوَّام بن حَوْشَب، قال: حَدَّثَني شَيخُ كان مُرَابِطًا بالسَّاحِل، قال: خَرَجْتُ ليلة بحَرَسٍ إلى المِيْناء، ولم يَخْرُج تلك اللَّيْلة أحدٌ غيري، فصَعدتُ الميناء، فكان يُخَيَّلُ إليَّ -وأنا مُسْتَيقظٌ- أنَّ البَحْر يُشْرفُ حتَّى يُحاذي برؤُوس الجِبَال ففَعَل ذلك مرارًا وأنا مُسْتَيقظُ، ثمّ نِمْتُ، فرأيْتُ في النَّوم كأنَّ الرَّاية بيَدي وأنا أمْشِي أمامَ أهْلِ هذه المَدِينَة، وهم يَمْشُونَ خَلْفي، فلمَّا أصبَحْتُ رجَعْتُ، فاسْتَقْبَلَني أميرُ المَدِينَة، وأبو صالح مَوْلَى عُمَر بن الخَطَّاب ﵀، فكانا أوَّل مَنْ خَرَجَ من المَدِينَة، فقالا لي: أين النَّاس؟ قُلتُ: رجَعُوا قَبْلي. قالا: لم تَصْدقْنَا، نحنُ أوَّل مَنْ خَرَجَ من المَدِينةَ، قال: قُلتُ: لم يَخْرُج أحَدٌ غيري، قالا: فما رأيتَ؟ قُلتُ: واللهِ لقد كان يُخَيَّل إليَّ أنَّ البَحْر يُشْرف حتَّى يُحاذي برؤوس
стр. 520
الجِبَال، ففَعل ذلك مرارًا وأنا مُسْتَيْقظ، ثمّ نِمْتُ، فرأيتُ كأنَّ الرَّاية بيَدِي، وأنا أمْشِي أمام أهْلِ هذه المَدِينَة، وهم يَمْشُون خَلْفي، فقال أبو صَالح: صَدَقْتَ، حَدَّثَنَا عُمَر بن الخَطَّاب (١)، عن رسُول الله ﷺ أنَّه قال: ليسَ من ليلةٍ إلَّا والبَحْرُ يُشْرف على الأرْضِ ثلاث مَرَّاتٍ يَسْتأذنُ الله في أنْ يَنْتضِحَ عليهم، فيَكُفُّه اللهُ: وأمَّا ما رأيتَ من الرَّايةِ فإنَّ تَصْدُق رَؤياك تَفَز بأجر أهل هذه المَدِينَة اللَّيْلة، قال: وكان أبو صَالح مُبَاعدًا لي قبل ذلك، فكأنَّهُ اسْتأنَس بي، فجَعَل يُحَدِّثُني، وذكَر كَلامًا قَطَعْناهُ.
وعلى قُول المَسْعودِيّ (٢)، فيما ذَكَرناهُ عنهُ أنَّ التَّنانِيْن في بَحْر الشَّام كَثِيرْة، فوقَعَ إليَّ ببَغْدَاد من تَصْنِيف أحمد بن مُحَّمد بن إسْحَاق الزَّياَّت، مؤلِّف كِتاب البُلْدان، قال فيه: وقال المُعَلَّى بن هِلالٍ العَوْفِيّ: كُنْتُ بالمِصِّيْصَةِ فسَمِعْتُهم يتحَدَّثوُنَ أنَّ البَحْر ربَّما مَكَثَ أيَّامًا ولَيَالي تَصفقُ أمْواجُهُ، ويُسْمَع له دوِيُّ شَدِيدُ، فَيَقُولُونَ ما هذا إلَّا لشَيءٍ قد آذَى دَوابَّ البَحْر فهي تَصِيحُ إلى الله، قال: فَتُقْبِل سَحابةُ حتَّى تَغِيْبَ في البَحْر، ثُمّ تُقْبل أُخرى حتَّى عدّ سبعَ سَحَاباتٍ، ثمّ ترتفعُ الّتي جاءت آخرهُنَّ وتتبَعُها الّتي تليها والرِّيحُ تُصَفِّقُها، ثمّ يرتَفعْنَ جميعًا في السَّماءِ، وقد أخرجْنَ شيئًا يُرَوْنَهُ أنَّه التَّنِّيْن، حتَّى يَغِيْبَ عنَّا، ونحن نَرَاهَ وننظُر إليه ورأسُهُ في السَّحَاب، وذَنَبهُ يَضْطَرُب، فيُقالُ إنَّهُ تَطْرحه إلى يَأْجُوج ومَأْجوُج، قال: ويَسْكن البَحْرُ عند ذلك.
стр. 521
قال الصُّوْرِىُّ: فربَّما رأيناهُ قد انَفْلَتَ من السَّحاب ورَجَع إلى البَحْر، فتجيءُ السَّحَابَةُ، ولها رعدُ و بَرْقُ حتَّى تَخرجَهُ ثانيةً، فربَّما مَرَّ في طريقِه بالشَّجرة العَادِيَّةِ العَظِيمَة، فيَقْتلعُها، أو الصَّخَرَة العَظِيمة فيَرفَعها.
فَصْلُ في ذِكْر ما ورَدَ في ذَمِّ بَحرِ الشَّام
أخْبَرنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِيّ، فيما أَذِنَ لَنا في روايَته عَنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن زُرَيْق، قال: أخْبَرنا أبو بَكْر أحمدُ بن عليّ بن ثَابِتٍ (١)، قال: أخبَرَنا مُحمَّد بن عُمَر بن بُكَيْر المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنَا أحمدُ بن جَعْفَر بن سَلْم، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن مُوسَى بن حَمَّاد البَرْبَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَعْدُ بن زُنْبُور، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن عَبْد اللهِ بن عُمَر، عن سُهَيْلٍ، عن أبيهِ، عن أبي هُرَيْرَة.
قال مُحمَّدُ: وحَدَّثنا سَرَيْج، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن عَبْدِ اللهِ بن عُمَر بن عَاصِم بن عُمَر بن الخَطَّاب، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَة - المعنَى واحدُ- قال: قال رسول الله ﷺ (٢): كَلَّمَ اللهُ البَحْر الشَّاميّ فقال: يا بَحرُ، ألَم أخلُقكَ فأحْسَنْتُ خَلْقَكَ، وأكثَرتُ فيكَ من الماء؟ قال: بَلَى يا رَبَ، قال: فكيفَ تَصْنَعُ إذا حَمَلْتُ فيكَ عبَادِي؛ يُهَلِّلُوني ويَحْمَدُوني ويُسَبِّحُوني ويُكَبِّرُوني؟ قال: أُغَرِّقُهُم! قال: فإنّي جَاعِلُ بأسَكَ في نَواحيكَ، وحاملُهُم على يَدي. قال: ثمّ كَلَّمَ اللهُ البَحْر الهِنْدِيّ، فقال: يا بَحْرُ، ألَم أخلُقكَ فأحْسنْتُ خَلْقَكَ، وأكْترَثُ فيكَ من الماء؟ قال: بلى يا رَبّ، قال: فكيفَ تَصْنَعُ إذا
стр. 522
حَمَلْتُ فيكَ عِبَادي؛ يُهَلِّلُونِي ويُسَبِّحُوني ويَحْمَدُوني ويُكَبِّرُوني؟ قال: أُهَلِّلُكَ معَهُم، وأُسَبِّحُكَ معَهُم، وأُكبِّرك معهُم، وأحْمِلُهُم بين ظَهْري وبَطْني، قال: فآتَاهُ الله الحِلْيَةَ والصَّيْدَ والطِّيْب.
قال أبو بَكْر أحمد بن عَليّ (١): هكذا رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمن بن عَبْد اللهِ العُمَريّ، عن سُهَيْل، وتابعَهُ أبو عُبَيْدِ الله أحمد بن عَبْد الرَّحْمن بن وَهْبٍ، فرَواهُ عن عَمِّه عَبْد الله بن وَهْبٍ، عن عَبْد العَزِيْز بن مُحَّمد الدَّرَاوَرْدِيّ، عن سُهَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبِيّ ﷺ . وخالَفَهُ خَالِدُ بن خِدَاشٍ المُهَلَّبيّ، فَرواهُ عن عَبْدِ العَزِيْز الدَّرَاوَرْدِيّ، عن سُهَيلٍ، عن أبيه، عن عَبْدِ الله بن عَمْرو ابن العَاص، عن كَعْب الأحْبَار. وخالفَهُما خَالِد بنُ عَبْد الله الوَاسطِيّ، فرَواه عن سُهَيْل، عن النُّعْمان بن أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقيّ، عن عَبْد الله بن عَمْرو مَوقُوفًا لم يُجَاوزهُ، ورَفْعُهُ غيرُ ثَابِتٍ.
قال (٢): أمَّا حَديثُ ابن أخي عَبْد اللهِ بن وَهْبٍ، فأخَبَرناهُ أبو بِشْر مُحمَّد ابن عُمَر بن مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم الوَكِيل، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن المُظَفَّر الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن مُحمَّد بن سُلَيمان البَاغَنْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحمد بنُ عَبْد الرَّحمْن بن وَهْب، قال: حَدَّثَنا عَمِّي، حَدَّثَني الدَّرَاوَرْدِيّ، عن سُهَيْل بن أبي صَالح، عن أبيهِ، عن أبي هُريَرْة (٣) أنَّ رسُول الله ﷺ قال: إنَّ الله تعالَى كلَّم البَحْرين، فقال للبَحْر الّذي بالشَّام: يا بَحرُ، إنِّي قد خَلَقَتُكَ، وأكْترَثُ فيكَ من الماء، وحَامِلٌ فيك عِبادًا لي يُسَبِّحُوني ويَحْمَدُوني ويَهَلِّلُونِي ويُكَبِّرُوني، فما أنتَ صانعٌ بهم؟ قال: أُعَرِّقُهُم، فقال الله: فإنِّي أحمِلهم على ظَهْرك، وأجْعَلُ بأسَكَ في نواحِيْك، وقال للبَحِر الّذي باليَمَن مثل ذلك، فما أنتَ صانعُ بهم؟ قال: أُسَبِّحكَ
стр. 523
وأحْمَدُك وأُهَلِّلُكَ معَهُم، وأُكَبِّرُكَ معهُم، وأحملُهُم في بَطْني وبين أضْلاعِي، قال اللهُ: فإنِّي أُفَضِّلُكَ على البَحْر الآخَر بالحِلْيَة والطِّيب.
قال (١): وأمَّا حَدِيثُ خَالِد بن خِدَاش عن الدَّرَاوَرْدِيّ، فأخْبرناهُ عليّ بن مُحمَّد بن عَبْد اللهِ المُعَدَّل، قال: أخْبَرَنَا الحُسَيْن بن صَفْوَان البَرْذَعيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر عَبْدُ الله بن مُحمَّد بن أبي الدَّنْيا (٢)، قال: حَدَّثَنَا خَالِد بن خِدَاشٍ، قال: حَدَّاثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن مُحمَّد الدَّرَاوَرْدِيّ، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن عَبْد اللهِ ابن عَمْرو بن العَاص، عن كَعْب الأحْبار (٣)، قال: إنَّ الله تعالَى أوْحَي إلى البَحْر الغَرْبيّ حين خلقَهُ: قد خَلَقْتُكَ فأحْسَنْتُ خَلْقَكَ، فأكثرتُ فيكَ من الماءِ، وإنِّي حامِلُ فيكَ عِبَادًا لي، يُكَبِّرُوني ويُسَبِّحُوني ويُهَلِّلُونِي ويُقَدِّسُوني، فكيف تَفْعَل بهم؟ قال: أُغَرِّقُهُم، قال الله: فإنِّي أحمِلُهم على كَفِّي وأجْعَل بأسَكَ في نَواحيكَ. ثمّ قال للبَحر الشَّرْقيّ: قد خلقْتُكَ فأحْسَنْتُ خَلْقَكَ، وأكْثرتُ فيكَ من الماء، وإنّي حاملٌ فيك عَبادًا لي يُكَبِّرُوني ويُهَلِّلُونِي ويُسَبِّحُوني، فكيف أنْتَ فاعِلٌ بهم؟ قال: أُكَبِّرُكَ معَهُم، وأُهَلِّلُكَ معَهُم، وأحمَدُكَ معهم، وأحْملُهُم بين ظَهْري وبِطْنِي، فأعْطاهُ اللهُ الحِلْيَةَ والصَّيْدَ والطِّيْب.
قال (٤): وأمَّا حَدِيثُ خَالِد بن عَبْد اللهِ الوَاسِطيّ، عن سُهَيْلٍ، فأخْبَرناه مُحمَّدُ ابن الحُسَيْن القَطَّانُ والحَسَنُ بن أبي بَكْر بن شَاذَان، قالا: أخْبرَنا دَعْلَج بن أحمد، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن عليّ بن زَيْد الصَّائِغ أنَّ سَعيدَ بن مَنْصُور حدَّثَهُم، قال: حَدَّثَنَا خَالِد ابن عَبْد اللهِ، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن النُّعْمان بن أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقيّ، عن
стр. 524
عَبْد الله بن عَمْرو (١)، قال: كَلَّمَ اللهُ هذا البَحْر الغَرْبيَّ، فقال: يا بَحْرُ، إنِّي خلَقْتُكَ فأحْسَنْتُ خَلْقَكَ، وأكْثرثُ فيكَ من الماء، وإنِّي حامِلُ فيكَ عِباَدًا لي يُكَبِّرُوني ويَحْمَدُوني ويُسَبِّحُوني ويُهَلِّلُونِي، فكيف أنتَ فاعِلٌ بهم؟ قال: أُغَرِّقُهُم، قال: بأسكَ في نواحيكَ، وأحْملهُم على يَدي. وكَلَّمَ اللهُ هذا البَحْر الشَّرْقيّ، فقال: يا بَحرُ، إنّي خلقْتُكَ فأحْسَنتُ خَلْقَكَ، وأكْثرثُ فيكَ من الماء، وإنِّي حَاملٌ فيكَ عِبَادًا لي يُكَبِّرُوني ويَحْمدُوني ويُسَبِّحُوني ويُهَلِّلُونِي، فكيف أنت فاعلُ بهم؟ قال: إذًا؛ أُسَبِّحُكَ معَهُم، وأُهَلِّلُكَ معَهم، وأحْمِلُهُم بين ظَهْري وبَطْني، فأثابَهُ اللهُ الحِلْيَةَ والصَّيْدَ.
قُلتُ: وقد تابَعَ النُّعْمانُ بن أبي عَيَّاشٍ شُعَيْبُ بن مُحمَّد بن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرو فرَوَاهُ عن أبيه (٢) عَبْد الله بن عَمْرو مَوقُوفًا عليه.
أنْبَأنَا بهِ أبو القَاسِم عَبْد الله بن الحُسَيْن بن رَوَاحَة الحَمَوِيُّ، عن الحافظ أبي طَاهر الأصْبَهَانيِّ، عن أحمد بن مُحمَّد بن الآبِنَوسيِّ، عن رَجُلٍ، عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادي، قال: أخْبَرَنا العبَّاسُ بن مُحمَّد الدَّوْرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو سَلَمَة التَّبُوذَكيّ، قال: حَدَّثَنا سَعيدُ بن زَيْد، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن حَازِم، قال: مَرَّ بنا شُعَيْبُ بن مُحمَّد بن عَبْد الله بن عَمْرو بن العَاص بالمَدِينَة فجلَسَ في حلْقَة سُلَيمان بن يَسَار، فحَدَّثَنا عن عَبْد الله بن عَمْرو، قال: إنَّ الله تعالى لَمّا خَلَق بَحْرَ الشَّام أوْحَى إليهِ: إنّي خلَقْتُكَ، وإنِّي حامِلُ فيك عبادًا إليَّ؛ يَبْتَغُون من فَضْلي، يُسَبِّحُوني ويُقَدِّسُوني ويُكَبِّروني ويُهَلِّلُونِي، فكيف أنت صَانعُ بهم؟ قال: رَبّ، إذًا؛ أكْسِرُ بهم سفينَتَهُم وأُغَرِّقُهُم، قال: اذْهَبَ فقد لعنْتُكَ، وسأنْقُلُ -أو: سَأُقِلُّ- حليَتَكَ، وأُقِلُّ صَيْدَكَ. وأوْحَي إلى بَحْر العِراَق: وإنِّي قد خلقك، وإنّي حَامِلُ فيكَ عِبادًا إليَّ؛ يَبتغُون من
стр. 525
فَضْلي، يُسَبِحُوني ويُقَدِّسُوني ويُكَبِّرُوني ويُهَلِّلوُنِي، فكيف أنتَ صانعُ بهم؟ قال: رَبّ، إذًا؛ أحْمِلُهُم على ظَهْري وأحمِلُهُم في بَطْني، إذا سَبَّحُوكَ سَبَّحْتُكَ معَهُم، وإذا قَدَّسُوكَ قدَّسْتُكَ معَهُم، وإذا كَبَّرُوكَ كَبَّرتُكَ معَهم، وإذا هَلَّلُوكَ هَلَّلْتُكَ مَعَهُم، قال: اذْهَب فقد باركْتُ فيكَ، وسأُكْثِرُ حلْيتَكَ، وأُكْثر صَيْدك.
وقد رَوَاهُ صَفْوَانْ بن عَمْرو، عن خَالد بن مَعْدَان، عن عُبَادَةَ بن الصَّامِت، عن رسُول اللهِ ﷺ ، أخْبَرَنَا به أبو مُحمَّد وأبو العبَّاس الأسَدِيَّان، إجَازَةً من كُلِّ واحدٍ منهما، قالا: كَتَبَ إلينا أبو طَاهِر الحافِظ أنَّ أحْمد بن مُحمَّد ابن الآبِنُوسيِّ أنبأهُم، قال: أُخْبرنَا عن أبي الحُسَيْن بن المُنادِي، قال: حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيْز بن مُحمَّد بن دِيْنارٍ أبو مُحمَّد الفارِسيّ، قال: حَدَّثَنَا هاشِم بنُ القَاسِم أبو النَّضْر الحَرَّانيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن إسْحَاق العُكَّاشيِّ (ا)، عن صَفْوَان بن عَمْرو، عن خَالد ابن مَعْدَان، عن عُبَادَةَ بن الصَّامِت، قال: قال رسُول اللهِ ﷺ : إنَّ الله أوْحَي إلى بَحْر الهِنْد: كيفَ أنتَ يا بحَر الهِنْد إذا حَمَلْتُ فيكَ عبادًا لي يُقَدِّسُوني ويُهَلِّلُونِي ويُسَبِّحُوني ويُكَبِّرُوني؟ قال: أكونُ لَهُم كالمُلُوك على أَسِرَّتهم؛ إذا سَبَّحُوكَ سَبَّحْتُكَ، وإذا كَبَّرُوكَ كَبرَّتُكَ، وإذا قَدَّسُوكَ قَدَّسْتُكَ، وإذا هَلَّلُوكَ هَلَّلْتُكَ. فبارَكَ اللهُ فيهِ، فأكْثر حلْيَتَهُ وصَيْدَهُ. وأوحَي إلى بَحر الرُّوم: كيف أنْتَ يا بَحْر الرَّوم إذا حَمَلْتُ فيكَ عبَادًا لي يُقَدِّسُون ويُهَلِّلُون ويُسَبِّحُون ويُكَبِّرون؟ قال: أكون لهم كفارس الأسَد (١)؛ إنْ ثَبَتُوا فَزَّعْتُهم، وإنْ غَرِقوُا أَكَلْتُهم، قال: فلعنَهُ اللهُ، وأقَلَّ حلْيَتَهُ وصَيْدَهُ.
стр. 526
بابٌ في ذِكْر البحَيْراتِ الْتي في أعْمَال حَلَب
وتُسَمَّى الواحدَةُ منها بُحيَرَة لانْبساطها على ظَهْر الأرْضِ في سَعَةٍ وامْتدادٍ تَشْبيهًا بالبَحْر، وتَخْرجُ عن حُدُودِ الأنْهار.
فمنها: بُحيَرَةُ أفامِيَة (١):
وهي بُحيَرةٌ كبيرةٌ مَذْكُورةٌ، ويُجْلَبُ منها السَّمَكُ السِّلَّوْر، وهو الجرِّيْثُ (٢)، ويُقالُ: إنَّ قُوَيْق إذا مَدَّ في الشِّتَاء، وغاض ماؤُهُ في الأَجَمَة بالمَطْخ، يَحْمَرُّ ماءُ بُحيَرَة أفَامِيَة، فَيَقُولُونَ إنَّه يَمُرّ تحت الأرْض إلى بُحيُرُة أفَامِيَة، وقد ذَكرنا ذلك فيما تقدَّم (٣)، وقال بعضُهم: إنَّ السِّلَّوْر يَحِيْضُ في ذلك الأوان فَيحْمرُّ ماؤُها، واللهُ أعْلَمُ بذلك؛ ويُضمن سِلَّوْرُها بمبلَغٍ وافر.
ومنها: بُحَيرةُ يَغْرَا (٤):
وهي بُحَيرَةٌ كبيرةٌ في جانب العَمْق، مُسْتطيلَة بعَمْق أنْطاكِيَة، وتُعْرفُ أيضًا ببحُيَرَة بَغْراَس، ويُجْلَبُ منها السَّمَكُ الكَثير، ولها ارتفاعُ وافرٌ أيضًا.
стр. 527
ومنها: بُحيَرَةُ أَنْزَنِيْت (١):
وهي بُحيَرَةٌ أصْغَر من البُحَيرَتَيْن اللَّتَيْن قدَّمنا ذِكَرهما، وهي بُحيَرَة على جانبها تَلٌّ عالٍ، عليهِ قَرْيَةٌ يُقالُ لها: أَنْزَنِيْت بالقُرْبِ من مَدِينَة الحَدَث، وتَخْم بلادِ الرُّوم، وأهلها أرْمَن، وهي اليوم من عَمَل بَهَسَني؛ بينها وبين الحَدَث.
بابٌ في ذِكْرِ الجِبَال المَذْكُورَة بحَلَب وأعْمالها
ونَبدأُ أوَّلًا بالجِبَال الَّتي تَخْتَصُّ بها وبقُراها، ثُمّ نَذْكُر ما هو في عَمَلهِا سِوَاها؛ فأوَّلهُا:
جَبَلُ جَوْشَن (٢)
وهو جَبَل من غَرْبي مَدِينَة حَلَب، وفي لِحْفهِ نَهْر قُوَيْق، ويُسَمَّى قُوَيْق في ذلك المَوْضِع العَوَجَان. وهذا الجَبَل فيه مَعْدِن النُّحاس.
وأخْبَرَني والِدي، ﵀، قال: إنَّما امْتَنَعُوا من عَمَل النُّحاس به لأنَّهُم عَمَلُوهُ فما حَصَلَ فيه فائدُة، وقيل: إنَّ سبَبَ عدم الفائدة فيهِ قلَّة الحَطَب بحَلَبَ.
وقَرَأتُ بِخَطّ بعض الحَلَبِيِّين، وأظُنُّه بعض أعْيَان بني المَوْصُول، قال: ويُقالُ إنَّهُ بطَلَ منذُ عَبَر عليه سَبْيُ الحُسَين ونسَاؤُهُ وأولادُه ﵈، وأنَّ
стр. 528
زَوْجة الحُسَيْن كانت حَاملًا، وأنَّها أسْقَطَتْ هناكَ، وطلَبَتْ من الضِّياَع في ذلك الجَبَل خُبْزًا أو ماءً، وأنَّهم شَتَمُوها ومَنَعُوها فَدَعَتْ عليهم، وإلى الآن مَنْ عَمِلَ فيه لم يَرْبَح سوى التَّعَب.
وقِبْليُّ الجَبَل فيهِ مَشْهَدٌ يُعرْفُ بالسِّقْط (١)، وهو يُسَمَّى مَشهَد الدَّكَّة، والسِّقْط يُسَمَّى المُحَسِّن بن الحُسَين.
وسَمِعْتُ بعض شُيُوخ الشِّيْعَة بحَلَب يقول: كان دُعاؤها عليهم: لا أرْبَحَ اللهُ لكُم تِجارة، فما رَبِحوا بعدَها.
قُلتُ: وللشِّيْعَة بحَلَب فيه اعْتقاد عَظيم، ويَنْذرُون له النُّذُور. وتَسْمِيَة السِّقْط بالمُحَسِّن لا أصْل له؛ لأنَّ السِّقْط لا يُسَمَّى، وإنْ كان اسْتَهل وسُمِّيَ، فكان ينبغي أن يَذْكرهُ النَّسَّابُون في كُتُبهم، ومع هذا لم يُذْكر (٢)، اللَّهُمَّ إلَّا إنْ كان الحُسَيْن ﵇ عَزَم على تسميَةِ ما في بَطْن امْرأته المُحَسِّن، فلمَّا أسْقَطَتْ أُطْلِق عليه هذا الاسم، لكن هذا وغيره لم يذكر في كتاب يعتمد عليه، وإنما يتداول الحلبيون ما ذَكَرناهُ.
ولمَّا نَزَلَ الفِرِنْجُ على حَلَب وحَصَرُوها، في سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة، نبَشُوا الضَّريح الّذي يُقالُ به السِّقْط في المَشْهَد المذكور، ونَزَلُوا فيه، فلَم يَرَوا فيه شيئًا فأحْرَقُوه، وكان أبو الفَضْل بن الخَشَّاب حينئذٍ يَتَولَّى تَدبير أمْر المَدِينَة في الحِصَار،
стр. 529
فغَيَّر كَنَائِس النَّصَارَي بحَلَب، واتَّخَذ فيها مَحاريْبَ إلى جهة القِبلَةِ، وجَعلَها مَساجِدَ؛ أخْبرَني بذلك والدي ﵀ عن أبيه.
وإنَّما عُرفَ هذا المْشْهَدُ بمَشْهَد الدَّكَّة، لأنَّ في سَطْح جَبَل جَوْشَن من شمالي المَشْهَد المَذْكُور، في مكانٍ مُشْرِف، صَخْرُة ناتئةُ في الجَبَل تُشْبه الدَّكَّة المَبْنِيَّة.
ووقفْتُ يومًا عليها ومعي رَضي الدِّين أبو سَالِم بن المُنْذر، وكان شَيْخًا حَسَنًا من أعْياَن الحَلَبِّيينَ، فقال لي: هذه الدَّكَّة كان يَجْلِسُ عليها الأمِيرُ سَيْفُ الدَّوْلَة ابن حَمْدَان كَثِيْرًا، ويَتَفرِّجُ على مَدِينَة حَلَب وما حَوْلَها، فلا يَسْتَتر عنْهُ شيء منها؛ وهذا المَشْهَدُ جَدَّدَ عِمَارتَهُ قَسِيمُ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر والد زَنْكِي، واسْمُهُ عليه.
وفي سَفْح جَبَل جَوْشَن، من شَماَلي مَشْهَد الدَّكةَّ، مَشْهَدُ آخر يُسَمَّى مَشْهَد الحُسَيْن، بناهُ الحَلَبِيُّون لمنامٍ زَعَمُوا أنَّهُ رُأَى، وتَنَوَّقُوا في بنائه وإحْكامِهِ ومَنْجُوره، وتبَرَّع جَمَاعَةُ من الصُّناّع في عِماَرَة شيءٍ منه، وأظْهر صَنْعتَه فيه؛ ووقَفَ المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي، ﵀، عليه وَقْفًا حَسَنًا، اسْتمالةً لُقلُوبِ الشِّيْعَة من أهل حَلَب.
وكان في سَفْح جَبَل جَوْشَن دَيْرٌ للنَّصارَى يُعرفُ بدَيْر البِيْعَتَيْن، ويُعرْفُ أيضًا بمارْة مَرُوثا، وقد ذكَرَهُ الشِّمْشَاطيِّ في كتاب الدِّيَرةَ (١).
وقيل إنَّ سَيْف الدَّوْلَة كان أيَّام مقامه بالحَلْبَة في قَصْرِه كان يَنْتَابُ هذا الدَّيْر، ويُحْسنُ إلى أهْله، وقد خَرِبَ هذا الدَّيْر بالكُلِّيَّة، ولم يبقَ له أثَرٌ، وكان من شمالي مَشْهَد الحُسَين، وأرَاني مَوضِعَهُ بعضُ أكابر أهْل حَلَب.
стр. 530
وقد ذكَرَهُ أبو عِيسَى صَالح بن مُحمَّد بن إسْمَاعيل بن صالح بن عليّ الهاشمّي في قَصِيدَة قالَها في إحْراق المُتَنَزَّهات حَول حَلَب، وأظُنُّ أنَّ سَيْما الطَّويل أحْرقها، أوَّل القَصِيدَة: [من الوافر]
عَفَا أثرُ من المُتنزَّهات
قال فيها:
إلى البُرْج المُنِيْف فبِيْعَتَيْهِ … إلى تلك الدِّيار الخاَلِيَات
وهذا الدِّيْر هو الّذي عَنَاهُ الخَالِديَّان بقولهما من قَصِيدَةٍ يأتي ذكْرها في مَوضِعها (١): [من الكامل]
واسْتَشْرفَتْ نَفْسِي إلى مُستَشرفٍ … للدَّير تاهَ بحُسْنه وبطِيْبهِ
فنَعمتُ بين رياضِه وغياضِهِ … وسكرتُ بين سكُوره وعُرُوبهِ
وقد ذكَرَ جَمَاعَة من الشُّعَرَاء جَبَل جَوْشَن، فمنهم أبو بَكْر الصَّنَوْبَريّ، قال (٢): [من المتقارب]
فللظَّهْرِ من حَلَبٍ مَنْزلٌ … تُثَابُ العُيونُ على حَجِّهِ
أعِدْ نحوَ جَوْشَنِهِ نَظرةً .... إلى بِيْعَتَيْهِ إلى بُرْجِهِ
وأنْشَدَنا الخَطِيبُ أبو عَبْد الله مُحمَّد بن هاشِم بن أحمد بن عَبْد الواحد الحَلَبِيّ، قال: أنْشَدَنا أبي هاشِم الخَطِيب بحَلَب، قال: أنْشدَنا أبي أحمد بن عَبْد الوَاحِد الأسَدِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحمَّد عَبْدُ الله بن مُحمَّد بن سِنَان الخَفَاجِيّ الحَلَبيِّ (٣) لنفسه:] من الكامل]