وكُلُّ أَليْفٍ سَوْفَ يُحْزِنُ فَقْدُهُ … وكُلُّ اجْتِمَاعٍ يَعْتَرِيهِ التَّفَرُّقُ
قال ابنُ صَصْرَى: والقَصِيدَةُ أطْوَل من هذا أنْشَدناها بَتَمامِها.
قَرأتُ بخَطِّ عِمَاد الدِّين أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب الأصْبَهَانِيّ في كتاب سَيْل الجَرِيْدَة وذَيْل الَخَرِيْدَة (١)، وأخْبَرَنَا به إجَازَةً عنه أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر القُرْطُبيِّ وغيرُه، قال: رَمَضَانُ بن صَاعِد بن أحْمَد القُرَشِيّ، ذِكْر أنَّ مَوْلدَهُ بمَارِدِين، ويُنْعَت بضِيَاءَ الدِّين الضَّرِيْرِ، الآمِدِيّ الدَّار والمَنْشَأ، شَبَابٌ من أهْلِ الأدَب، مَكْفُوف البَصَر، كافي البَصِيْرَة، عَدِيم النَّظِير والنَّظَر، إنْ غاضَ قليْبُ عَيْنِه، فقد فاضَتْ عَيْن قَلْبهِ، أو كَبَا طِرْف طَرْفه، فقد جَرَى قَارِح قَرِيْحتِه بطَرَائف تَفُوق في الأفق لَمائع شُهْبِه (a).
وَفَدَ إلى دِمَشْق في آخر ذِي الحِجِّةِ سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين وحَضَرتُ إِنْشَادَهُ قَصِيْدَتَيْن للمَلِك النَّاصِر في دفْعَتنِ (b) ، وَأببَتُّ منها ما فيه رُوْح ورَوْح، وضوَّعتُ عَرْصَةَ كتابي الفَيْحَاءَ من عِطْره ممَّا له فَوْحٌ، فالقَصِيدَةُ الأُوْلَى من نَظْمه قَصَدَ بها أُسْلُوبَ أبي نُوَاسٍ في كَلِمَته (٢): [من الطّويل]
أجَارَةَ بَيْتَيْنا أبُوكِ غَيُورُ
وما تعرَّضَ لمُعَارضَةِ الفُحُول إلَّا من عَرَّض نَفْسَهُ لمُحَاولةِ الوحُول، وعارضَ السِّمْنَ بالنُّحُول، والمُخْصِب بالمُحول، ومَطْلعُها: [من الطّويل]
تَذَكَّرَ نَجْدًا والمُحبُّ ذَكُورُ … فللشَّوقِ في الأحْشَاءِ منهُ زَفِيْرُ
стр. 4692
غَرِيمُ غَرَامٍ مُنْجدِ القَلْبِ مُتْهمٍ … عَزِيزُ الهَوَى فالدَّمْعُ منْهُ غَزِيْرُ
إذا ما رَجَا بَرْدَ الصَّبَابَةِ بالصَّبَا … تَضَرَّم منها في الفُؤَادِ سَعِيْرُ
كَئيْبٌ كأنَّ العِشَقَ يعْشَقُ قَلْبَهُ … فلا هَجْرَ إلَّا أنْ يكُونَ نُشُورُ
أبَى سَمْعُه لَوْمَ اللَّوَائمِ في الهَوَى … فما يُضْمِرُ السّلوانَ منهُ ضَمِيرُ
ومنها:
وقَائِلَةٍ والعِيْسُ تُرْحَلُ للسُّرَى … أما دونَ مِصْرٍ للرَّجَاءِ مَصِيْرُ
فقُلْتُ لها والعَيْن (a) تَسْبِق دَمْعُها … مَقَالِيَ إنِّي بالرَّحِيْل جَدِيرُ
إلى مَلِكٍ لَم يُنْتِج الدَّهْرُ مثلَهُ … وتُعْقَمُ (b) من بَعْدِ الدُّهور دُهُورُ
أَغَيْرُ صَلاحِ الدِّين في الأرْضِ يُرْتَجَى … جَوادٌ وهل يُغْني غَنَاهُ أميرُ
إلى النَّاصِر المَلكِ المَكَارِمُ تُعْتَزَى … فَتًى ما لَهُ في الأكْرَمِيْن نَظِيرُ
فَتَى مالُهُ للمُعْتَفين وما لَهُ … بِهِ غير ذِكْرٍ في البِلادِ يسَيْرُ
ومنها؛ ويَذْكُر البِلاد الّتي في طَرِيْقهِ:
إليكَ قَطَعْنَا كُلَّ أرْضٍ كأنَّها … صَحَائفُ تُطْوَى والرِّكابُ سُطُورُ
أخَذَهُ من قَوْل ابن صُرْدُر (١): [من الطّويل]
صَحَائفُ مُلْقاةٌ ونحنُ سُطُورها
على ضُمَّرٍ قُوْدٍ كأنَّ رُؤُوسَهَا … عُلُوًّا على هامِ الرِّجالِ قصورُ
رَحَلْنَ بنا من مَارِدِين وقد بَدَا … من الصُّبْحِ مثل الوَجْهِ منْكَ مُنِيْرُ
стр. 4693
فمَا وَاجَهَتْنا الشَّمْسُ حتَّى أحَلَّنَا … سُمَيْسَاطَ من شَطِّ الفُرَاتِ عُبُورُ
ولمَّا أتَتْ رعْبَانَ أفْرَخَ رُعْبُنا … وهُنَّ بنا عن تلِّ باشَرَ زُوْر
إلى حَلَبٍ أُوْرثْتَ كُرْسِيَّ مُلْكها … وقد أصبحَتْ شَوْقًا إليك تَمُورُ
فلم نَسْقِها نَشْحًا إلى أنْ رعتْ حِمَى … حَمَاةَ ونِيْرانُ الشِّهَاب تنيرُ
يعني: شِهَاب الدِّين الحَارِمِيِّ.
فأصْبَحْن بالعَاصِي يَرِدْنَ زُلَالَهُ … وأمْسَيْن في حِمْصٍ لهُنَّ نفُورُ
تَيَمِّمْنَ بالرُّكبَانِ جنَّةَ جِلّقٍ … ونحنُ إلى المَلِكِ المُعَظَّمِ صُورُ
إليكَ صَلاح الدِّين سَارَتْ رَكَائبي … ولَوْلَاكَ لم يعْلُ الرَّكائب كُورُ
فدونَك بنتَ الفِكر عَذْرَاء دُوْنَها … أجارَةَ بَيْتَيْنَا أبُوك غَيُورُ
وإنَّ ابن هَانِئ دُوْنَ نَاظِمِ درّها … بَصِيْرٌ بنظْم الدُّرِّ وهو ضَرِيرُ
قال: ومَطلع القَصِيدَة الأُخْرى من نَظْمه: [من البسيط]
أَهْدَتْ إلى الصَّبِّ أنفاسَ الصَّبَا وصَبَا … فحنَّ شَوْقًا إلى عَصْر الصِّبَا وَصَبَا
وعَادَهُ في نَسِيْم الرِّيحِ رَائحةٌ … للغَوْرِ رَائحةً هَاجَتْ له طَرَبًا
فغَاض من صَبْره ما فاضَ تَسْليةً … وفَاضَ من دَمْعِهِ ما غاضَ وانْسَكَبا
وكاد يقْضِي لذكرِ الجزعِ من جَزَعٍ … أيَّامَ لم يقضِ من أحْبَابِهِ أَرَبا
إذ شام برقًا لذكرِ بالشَّام حين خَبَا … أبْدَى من الوَجْدِ ما كان الضَّميرُ خَبَا
وفي كَئِيْبِ الحِمَى لو أنَّهُ كَثَبٌ … لعَاشِقٍ شِعْبُ شَملٍ باتَ مُنْشَعِبَا
سَقَى الحَيَا عَهْدَ ذاك الحِيِّ إن لَهْ … عندِي عهُودَ هَوَى لم أَنْسَهَا حِقَبَا
أيَّامَ أشْرَبُ كأسَ الحُبِّ تُمْثِلُنيٍ … عِشْقًا وألْثَمُ من كأس اللَّهَا الحَبَبا
وأجْتَني ثَمراتِ الوَصْلِ يَانعةً … ولا أُراقبُ إذا أَجْنِي على الرُّقَبَا
وللظّبَاءِ بذاكَ الرَّبعِ مُرْتَبِعٌ … وللهَوَى من فُنُون اللَّهْو ما طُلِبَا
стр. 4694
حيثُ البدُورُ بهِ تَلْقاكَ بَادِرةً … إليكَ سَاحبةً من خُمْرِها سُحُبَا
من كُلِّ بَيْضاءَ كالبَيْضَاءِ تُشْرقُ أو … سَمْرَاء كالصَّعْدةِ السَّمْرَاء مُنْتَصَبا
هِيْفُ القدُودِ لها يَهْفُو الحَلِيمُ إذا … أبْدَتْ نَقائبَ تُخْفي نورُها النُّقُبَا
ومنها في المَخْلَص:
فَدَعْ هَوَى دَعْدٍ المَهْوي فلَسْتَ ترى … منه نَصِيبَكَ إلَّا الذُّلّ والنَّصَبا (a)
وحَاوِلِ الشَّرَفَ الأعْلَى فشَرُّ فَتَىً … رَاضٍ يدون عَلاءٍ نَيلُهُ صَعُبَا
إنَّ العُلَا في العَوَالي السُّمْرِ مُشرَعَةً … والعِزُّ في البيْضي تفْرِي البَيْضَ واليلَبَا
صُيَّرن للنَّصْر أسْبَابًا وصُيَّر للأ … رْزَاق كفُّ المَلِيْك النَّاصِر السَّبَبَا
لا مُلْكَ في الأرْض إلَّا مُلْكُ مِصْرَ ولا … سُلْطانَ إلَّا صَلاحُ الدِّين مُنْتَدِبا
النَّاصِرُ الحَقَّ لمَّا قَلَّ ناصِرُه … والضَّابِطُ الأمرَ لمَّا مَاجَ واضْطَرَبا
هو الّذي ظَهَرتْ بالعَدْلِ آيتُهُ … فاخْتَاره اللّهُ للإسْلَام وانْتَخَبَا
ذو الزُّهْدِ في الذَّهَب المَرْغوب فيه وفي … غير الّذي يَرْتضِي الرَّحْمن ما رَغِبَا
إذْهَابُهُ لاقْتنَاءِ المَجْد شِيْمَتُهُ … لا يَقْتَنِي المَجْدَ من لا يُذْهِبُ الذَّهَبا
ومنها:
مَلِكٌ يَرَى أنَّ جَمْعَ المالِ يُفْقرُه … وأنَّ تَفْرِيقَهُ يُغْنِيهِ لا النَّشَبَا
كأنَّ سَائلَهُ يَوْمَ العَطَاءِ وقَد … أغْنَاهُ وَاهِبُهُ المالَ الّذي وَهَبَا
مَحْضُ الضَّرِيبةِ مَيْمُونُ النَّقِيْبةِ مَنْصُـ … ــورُ الكَتِيْبَةِ يُرْضِي اللّهَ إنْ غَضِبَا
مَاضِي العَزِيْمَةِ فرَّاج العَظِيمَة وَهَّا … ب الغَنِيْمَة جُوْدًا يَفْضَحُ السُّحَبَا
صافِي السَّريْرة مَصْقولُ البَصِيْرة مَمْـ … ــدُوحُ العَشِيْرَة بَادِي الفَخْرِ إنْ نُسِبَا
يا مُخْجِلَ البَدْرِ حُسْنًا والحَيَا كَرَمًا … والطَّوْدِ حلمًا ولَيْثِ الغَابِ إنْ قَطَبَا
стр. 4695
مُذْ غبْتَ زُلْزِلَتِ الأمْصَارُ واضْطَرَبت … خَلْفًا وقد مُلِئَتْ أقْطَارُها رُعُبا
فُمذْ قَدِمْتَ مَلأتَ الأرْضَ من كَرَمٍ … وهَيْبَةٍ كشَفا عن أهْلِها الكُرَبا
كم حَمْلةٍ في أهْلِ الصَّلِيب بها … صَارَتْ رِمَاحُكَ فيهم تُشْبِهُ الصُّلُبا
لن يَكْمُلَ الملْك أو تَجْتَثَّ دَابرَهُمْ … ويأذنَ اللّهُ أنْ تُسْتَأنِفَ الغَلَبَا
وتَفْتَحَ المَسْجِدَ الأقْصَى بمعشَرك الأَدْ … نَى ونَصْرٌ وفتحٌ منه قد قَرُبَا
فاجْعَل مَفَاتِيْحَه البِيْضَ الصَّوَارِمَ … والزُّرقَ اللّهاذمَ والخَطِّيَّةَ السُّلُبا
ونَاجِه بمَجَانِيْقٍ مُخَاطِبَةً … تَتْلُو على سُوْرِهِ من فَتْحِه خُطَبَا
لا تَعْزِمَنَّ بغيرِ السَّيْف خطيَتَهُ … فالمُلْكُ بالسَّيْفِ والدُّنْيا لمَنْ غَلَبَا
فجرِّد البِيْضَ واجْعَل أهْلَهُ جزُرًا … وأوْقدِ النَّار واجْعَلُهمْ لها حَطَبَا
واسْمَع غَرِيْبَ مَديْحٍ غير مُنْتَحلٍ … من مُعْرِبٍ غير مَعْدُودٍ من الغُرَبا
صِفَاتُ مَجْدك لا تَفْنَى فإنْ تَكُ قد … أَعْيَتْ على خَاطِري حَصْرًا فلا عَجَبَا
قال العِمَادُ الكَاتِبُ (١) - وذَكَرَ وَالدهُ أبا المَعَالِي صَاعِد بن أحْمَد بن عليّ الكَاتِب -: أنْشَدَني رَمَضَان - وَلَدُه - قال: كَتَبَ إليَّ [وَالدِي] (a) وأنا بحَلَب: [من الكامل]
يا أيُّها الوَلَدُ المُهَذَّبُ دَعْوَةً … من وَالدٍ أوْدَتْ بهِ أشْوَاقُهُ
أَفديكَ من وَلدٍ لنا مُتَطِلِّبٍ … عَقًّا وأمْرَضَ وَالِدَيْهِ فِرَاقُهُ
قال (٢): فكَتبتُ إليهِ في جوابه: [من الكامل]
أَفْدي الّذي أهْدَى إليَّ كتَابَهُ … مَوْصُوفَةً في ضِمْنِه أشْوَاقُهُ
فكأنَّ بَهْجَةَ خطِّهِ صَفَحاتُهُ … وكأنَّ رقَّةَ لَفْظِه أخْلَاقُهُ
стр. 4696
وكأنَّنِي لمَّا فَضَضْتُ لطيمَتَيْ … نَظْمٌ ونَثْرٌ شَابَهَا إشْفَاقُهُ
يَعْقُوبُ حين أتتْهُ حُلَّةُ يُوسُفٍ … أو كالسَّلِيم أبَلَّهُ تُرْيَاقُهُ
قَرَأتُ في بَعْضِ تَعَالِيْقي من الفَوَائِد: أنَّ رِضْوَان بن صَاعِدٍ قيل إنَّهُ تُوفِّي سَنَة إحْدَى وستِّمائة بآمِد.
رُؤْبَةُ بن العَجَّاج - واسْمُ العَجَّاج: عَبْد اللهِ - ابن رُؤْبَة بن صَخْر (١) بن كُنَيْف بن عُمَيْرة بن حُنَيّ (a) بن رَبِيْعَة بن سَعْد بن مَالِك بن زَيْد مَنَاة بن تَمِيْم، أبو الحَجَّاف - وقيل: أبو العَجَّاج - ابن أبي الشَّعْثَاءِ التَّمِيْمِيّ، الرَّاجِز ابن الرَّاجِز (٢)
وكان رُؤْبَة من أعْرَاب البَصْرَة من المُخَضْرَمِين، وكان بَلِيْغًا فَصِيحًا، سَمِعَ أبا هُرَيْرَة ﵁، وأباهُ العَجَّاج، ودَغْفَل بن حَنْظَلَة النَّسَّاب البَكْرِيّ.
стр. 4697
رَوَى عَنْهُ ابنُهُ عَبْدُ اللّه، والنَّضْر بن شُمَيْل، وأبو عُبَيْدَة مَعْمَرُ بن المُثَنَّى، وأبو زَيْد الأنْصَاريِّ، وأبو عَمْرو بن العَلَاء، وأبو زَيْد الأنْصَاريّ، وعُثْمان بن الهَيْثَم، وخَلَف الأحْمَر، ويُونُس بن حَبِيْب، والعَلَاءُ بن أسْلَم ابن أخي العَلَاء بن زِيَاد، والكُمَيْتُ بن زَيْد، والطِّرِمَّاح بن حَكِيم، وأبو عُبَيْدَة الحَدَّادُ، وأبو الضَّحَّاك العُقَيْلِيّ، ويَحْيَى بن سَعيد القَطَّان.
وكان في عَسْكَر سُليْمان بن عَبْد المَلِك في بعضِ غَزَواته الرُّوم.
أخْبَرَنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن عليّ بن قُشَام، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، عن الحَافِظ أبي العَلَاء الحَسَن بن أحْمَد بن الحَسَن العَطَّار، قال: أخْبَرَنَا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي عليّ، قال: أخْبَرَنَا أَبُو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بن مَنْجوَيْه، قال: أخْبَرَنَا الحَاكِم أبو أحْمَد مُحَمَّدُ بن مُحَمَّد بن إسْحَاق الحافِظ (١)، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن جَعْفر بن رُمَيْسِ القَصْريّ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مُحَمَّد بن أَعْيَن المَرْوَزيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيْدَة معْمَر بن المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا رُؤْبَةُ بن العَجَّاج أنَّ أباهُ لَقِيَ أبا هُرَيْرَة - قال أبو عُبَيْدَة: وأظُنُّه كان شَهِدَ لذلك، يعني رُؤْبَة أنَّهُ كان شَهِدَهُمَا - فقال له: هل تَرَى بهذا بأسًا (٢): [من الرجز]
طَافَ الخيالَان فهَاجَا سَقَمَا
خَيال تُكْنى وخَيال تُكْتَمَا
стр. 4698
قامت تُريكَ رهبة أنْ تُصْرَما
سَاقَ بخَنْداة وكَعْبًا أدْرَما
فقال أبو هُرَيْرَة: كُنَّا نُسَافِر مع رسُول اللّهِ ﷺ فنُحْدَى بمثل هذا.
هكذا رَوَاهُ يَحْيَى بن أَعْيَن عن أبي عُبَيْدَة.
وقد رَوَاهُ أبو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ، ومُحَمَّد بن سَلَّام الجُمَحِيّ، عن أبي عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى، عن رُؤْبة، عن أَبيِهِ، عن أبي هُرَيْرَة، ولَم يَذْكُر أبو عُبَيْدَة في هاتين الرِّوَايتَيْن أنَّ رُؤْبَة يَهِدَ أبا هُرَيْرَة.
فأمَّا رِوَايَة أبي حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ عن أبي عُبَيْدَة؛ فأخْبَرَنا بها أبو الفَضْل ذَاكِرُ بن إسْحَاق بن المُؤيَّدِ الهَمَذَانيِّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ بالقَاهِرَة المُعِزِّيَّةِ، قال: أخْبَرَنا أبو سَهْل عَبْدُ السَّلامِ بن أبي الفَرَج بن مَكِّيّ الهَمَذَانيِّ بأبَرْقُوة، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور شَهْرَدَار بن شِيْرَوُيه بن شَهْرَدَار الدَّيْلَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عُمَر البَيِّعُ، قال: أخْبَرَنا أبو غَانِم حُمَيْد بن المَأْمُون، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عبد الرَّحْمن أبو بَكر الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد مُحمّد بن مُحَمَّد بن إسْحَاق النَّيْسَابُوريّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللّه مُحَمَّد بن المُسَيَّب بن إسْحَاق، قال: حدَّثَنَا أبو حَاتِم المُقْرِئ سَهْل بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا ابن المُثَنَّى أبو عُبَيْدَة وهو مَعْمَر، قال: حَدَّثَني رُؤْبَةُ بن العَجَّاج، عن أَبِيهِ، قال: أنشَدْتُ أبا هُرَيْرَة (١): [من الرجز]
طَافَ الخَيالَانِ فهَاجَا سَقَمَا
خَيالُ تُكْنَى وخَيالُ تُكْتَمَا
بَاتَا يَجُوسَان أُناسًا نُوَّما (a)
سَاقًا بخَنْداةً وكَعْبًا أدْرَمَا
стр. 4699
قال: فقال أبو هُرَيْرَة: كُنَّا نُنْشِد على عَهْد رسُول اللهِ ﷺ مثْلَ هذا فلا يُنْكِر علينا.
وأخْبَرناهُ عَاليًا أبو مُحَمَّد عَبْدُ البَرّ بن أبي العَلَاءِ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا أبو المَحَاسِن البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم حَمْزَة بن يُوسُفَ السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو أحْمَد عَبْد الله بن عَدِيٍّ الحَافِظ (١)، قال: حَدَّثَنَا ابن صَاعِد وابن حَمَّاد، قالا: حَدَّثَنَا أبو حَاتِم سَهْل بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد السِّجِسْتَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيْدَةَ مَعْمَر بن المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا رُؤْبَة بن العَجَّاج، عن أَبِيهِ، قال: أنْشَدتُ أبا هُرَيْرَة (٢): [من الرجز]
طَافَ الخَيالَان فهَاجَا سَقَمَا
خَيالُ تُكْنَى وخَيالُ تُكْتَمَا
قامت تُريكَ رهبةً أنْ تُصْرما
سَاقًا حفْنَداةً (a) وكَعْبًا أدْرَمَا
فقال أبو هُرَيْرَة: كان رسُول الله ﷺ يُنْشَدُ بينَ يَدَيْهِ مثْلُ هذا فلا يُنْكرُهُ.
وأمَّا رِوَايَة مُحَمَّد بن سَلَّام الجُمَحِيّ (٣)، عن أبي عُبَيْدَة؛ فأخْبَرَنا بها الشَّريفُ افْتِخار الدِّين أبو هاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْدِ المُطَّلِب الهاشِميّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنَا تاجُ الإسْلَام أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن كَامِل بن دَيْسَم بن مُجَاهِد المَقْدِسِيّ الأَمِينُ، بقِرَاءَتي عليه بدِمَشْق، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر أحْمَدُ بن
стр. 4700
عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ الحافِظُ (١)، قال: أخْبَرَنَا أبو نُعَيْم أحْمَد بن عَبْد اللّه بن أحْمَد بن إسْحَاق الحافِظ بأصْبَهَان، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم سُليْمان بن أحْمَد بن أَيُّوب الطَّبَرَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن يَحْيَى ثَعْلَب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلَّام الجُمَحِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى، قال: حَدَّثَني رُؤْبَة بن العَجَّاج، عن أَبِيهِ، قال: أنْشَدتُ أبا هُرَيْرَة ﵁ (٢): [من الرجز]
طَافَ (a) الخيَالَان فهَاجَا سَقَمَا
خَيالُ تُكْنَى وخَيالُ تُكْتَما
قَامت تُريكَ خَشْيَةً أنْ تُصْرما
سَاقًا بخَنْداةً وكَعْبًا أدْرَمَا
فقال - يعني أبا هُرَيْرَة -: كُنَّا نُنْشِدُ مثل هذا على عَهْد رسُول اللّهِ ﷺ فلا يُعابُ علينا.
وتَابَع عُثْمان بن الهَيْثَم أبا عُبَيْدَة فرَوَاهُ عن رُؤْبَة، عن أَبِيهِ، عن أبي هُرَيْرَة مثْلَهُ؛ أخْبرناهُ أبو هاشِم الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنَا السَّمْعَانيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أبو سَعْد ظَفَر بن عليّ بن حَمْد بن العبَّاسِ الهَمَذَانيّ بها، قال: أخْبَرَنَا فَيْدُ بن عبد الرَّحْمن بن شَاذِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن شُعيْب بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو زُرْعَة أحْمَد بن الحُسَين بن عليّ الرَّازِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ الله بن مَخْلَد، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر حَفْص بن عُمَر بن يَزِيد الحَبَطِيّ، قال: حَدَّثَنَا عُثْمان بن الهَيْثم، قال: حَدَّثَنَا رُؤْبَة بن العَجَّاج، قال: حَدَّثَني أبيّ، قال: دَخَلْتُ
стр. 4701
مَسْجِد المَدِيْنة (a) فإذا أبو هُرَيْرَة عليهِ فئَامٌ (١) من النَّاس، فقُلْتُ: هكذا أفْرِجُوا (b) عن وَجْههِ، قُلتُ: أصْلَحك اللّهُ، إنِّي أقُول مثل هذا: طَافَ الخيَالَان، وذَكَرَ مثْلَهُ.
وقد تَابَعهما يُونُس بن حَبِيْب؛ فرَوَاهُ عن رُؤْبَة، عن أَبِيِه، عن أبي هُرَيْرَة، إلَّا أنَّهُ خَالَفهما في أنَّ حَاديًا حَدَا بهذا الشِّعْر بين يَدي النَّبِيّ ﷺ ، أخْبَرَنَا بذلك عَبْدُ البَرّ بن أَبي العَلَاء في كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا أبو المَحَاسِن البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنَا الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنَا السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو أحْمَد بن عَدِيّ (٢)، قال: حدَّثَنَا أبو عبد الرَّحْمن عَبْد اللّه بن عليّ بن إبْرَاهيم بن مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز بن عَبْدِ اللّه بن عُبَيْدِ اللّه (c) بن عُمَر بن الخَطَّاب المَوْصِلِيّ، قال: حدَّثَنَا عُمَر بن شَبَّة أبو زَيْد، قال: حَدَّثَنِي أبو حَرْب البُنَانِيّ؛ رَجُلٌ من حِمْيَر من آل حَجَّاج بن بابٍ (d)، قال: حَدَّثَنَا يُونسُ بن حَبِيْب، عن رُؤْبَة بن العَجَّاج، عن أَبيِهِ، [عن] (e) أبي الشَّعْثَاء، عن أبي هُرَيْرَة، قال: كُنَّا مع رسُول اللّه ﷺ في سَفَرٍ وحَادٍ يَحدُو (٣): [من الرجز].
طَافَ الخيَالَان فهَاجَا سَقَمَا
خَيالُ تُكْنَى وخَيال تُكْتَما
قَامت تُريكَ خَشْيَةً أنْ تُصْرَما
سَاقًا بخَنْداةً وكَعْبًا أدْرَمَا
стр. 4702
والنَّبِيّ ﷺ لا يُنْكِرُ ذلك.
قال ابنُ عَدِيّ (١): قال أبو زَيْد: وهذا خَطَأٌ لأنَّ الشِّعْر للعَجَّاج، والعَجَّاجُ إنَّما قال الشِّعْر بعدَ مَوْت النَّبِيّ ﷺ بدَهْرٍ طَوِيْل، إلَّا أنَّ أبا عُبَيْدَة قال: قد قال العَجَّاجُ من رَجَزهُ في الجَاهِلِيَّة.
وقال ابنُ عَدِيّ (٢): حَدَّثَنَا ابن حَمَّادٍ، قال: حَدَّثَنِي صَالِح بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنِي عليّ، قال: قال يَحْيَى بن سَعِيد: دَعْ رُؤْبَة بن العَجَّاج، قُلتُ: كيف كان (a)؟ قال: أمَا إنَّهُ لَم يَكْذب، إنَّمَا أراد به رِوَايتَهُ عن أَبِيهِ، قال: أنْشَدتُ أبا هُرَيْرَة (٣): [من الرجز]
طَافَ الخيَالان فهَاجَا سَقَمَا
لأنَّهُ لا يَرْويهِ عن رُؤْبَة إلَّا أبو عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى؛ تَفَرَّدَ بهذا الحَدِيْث، ولا يُعْرف هذا من غير رُؤْبَة (b).
وقد بيَنا رِوَايَة عُثْمان بن الهَيْثَم ويُونُس بن حَبِيْب لهذا عن رُؤْبَة، والعَجَب من ابن عَدِيّ أنْ يقُول ذلك، ثمّ يُوْرد حَدِيث يُونُس بعدَهُ.
أنْبَأنَا عَبْد البَرِّ، قال: أخْبَرَنَا البَرْمَكِيُّ، قَال: أخْبَرَنَا الإسْمَاعِيْلِيّ، قال: أخْبَرَنَا السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنَا ابن عَدِيّ (٤)، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوب بن إسْحَاق بن إبْراهيم بن يَزِيد، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللّه بن أبي سَعْد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إسْحَاق السَّهْمِيّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَة الحَدَّاد، قال: حَدَّثَنَا رُؤْبَة بن العَجَّاج، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَة، قال: السِّوَاكُ بعد الطَّعَام يُذْهب وضَر (c) الأسْنَان.
стр. 4703
قال ابنُ عَدِيِّ (١): كَذَا قال في الإسْنَادِ: أبو عُبَيْدَة الحَدَّاد! وعندي أنَّهُ مَعْمَر بن المُثَنَّى كما روَى (a) حَدِيث طَافَ الخيَالَان أبو عُبَيْدَة مَعْمَر، وأبو عُبَيْدَة الحَدَّادُ اسْمُه: عَبْد الوَاحِد بن وَاصِل.
قال ابنُ عَدِيٍّ (٢): ولا يُعْلم (b) لرُؤْبَة مُسْنَدًا إلَّا ما ذَكَرتُ، والّذي أشَار يَحْيَى القَطَّان فقال: أمَا إنَّهُ لم يَكْذب، يعني: في هذا الحَدِيْث، وإذا لَم يكُن له إلَّا حَدِيثٌ واحدٌ، والحَدِيْثُ مُحْتَمل فيما كان يُحْدَى بين رسُول اللّه ﷺ بالشِّعْر، لم يكُن بِرِوَايتِهِ بأس.
أخْبَرَنَا أبو بَكْر عَتِيقُ بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٣)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر القُرْطُبِيّ، عن أبي المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن إبْرَاهِيم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنَا رَشَاء بن نَظِيفٍ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّابُ، قال: أخْبَرَنَا أحْمَدُ بن مَرْوَان (٤)، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْحَاق إبْرَاهِيم بن إسْحَاق الحَرْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيُّ، قالَ حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ: أنَّ أعْرَابِيًا لَقِى رُؤْبَةَ بن العَجَّاج فقال: ما اسْمُكَ؟ قال: رُؤْبَة مَهْمُوزة، فقال الأعْرَابِيُّ: واللّه لولا أنَّكَ هَمَزْتَ نفسَكَ لنَخَسْتُكَ (c). قال الحَرْبِيّ: وسَمِعْتُ الرِّيَاشِيّ يَقُول: الرُّوْبَة غير مَهْمُوزَة: النَّاسِبُ (d).
أنْبَأنَا أبُو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْديُّ، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأَنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ الجَوْهَرِيّ إجَازَةً، عن أَبِي عُبَيْدِ اللّه
стр. 4704
مُحَمَّد بن عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: حَدَّثَنِي أبو الحُسَين العبَّاس بن العبَّاس الجَوْهَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بن أبي سَعْدٍ الوَرَّاقُ، قال: حَدَّثَنِي يَحْيَى بن مُحَمَّد بن أَعْيَن المَرْوَزيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبيدَة، قال: شَهِدْتُ شُبَيْلَ بن عَزْرَة الضُّبَعِيِّ أتَى أبا عَمْرو بن العَلَاء وعنْدَهُ يُونُس، فقال: إنِّي سَألتُ رُؤْبَة عن اسْمُه فلَم يَدْر من أين أُخِذَ، فغَضِبَ يُونُس، وقال: واللّهِ إنِّي لأظُنُّه أعْلَمُ بذلك من مَعَدّ بن عَدْنَان! فأنا أُخْبرك فيه بسَبْعِ (a) لُغَاتٍ: أوَّلهُنَّ مَهْمُوزةٌ، وهي من رَأبْتُ، من القِطْعَة الّتي يُرْأَبُ بها القدَحُ، والبَقِيَّةُ غير مَهْمُوزة، فمنهُنَّ: رُوْبَة، خَمِيرَة اللَّبَن، ورُوْبَة من النَّوْم، قال الشَّاعرُ (١): [من المتقارب]
فألْفَاهُمُ القَوْمُ رُوْبَى نِيَامَا
وأعْطِني رُوْبَةَ فَرَسكَ وهو جَمَامُهُ، فإنَّهُ كان يَضْرِبه قبل ذلك، وتَقُول: بَقِيَتْ علينا رُوْبَة من اللَّيْل، وفُلَان لا يَقُوم برُوْبَتِهِ، أي بما هو فيه، كُلّ ذلك غير مَهْمُوز؛ غَيْرَ الأوَّل، قال: فغَضِبَ شُبَيْل (c) وقام، فقال أبو عَمْرو ليُونُس: ما أرَدْتَ إليهِ؟.
قال المَرْزُبانيّ: وأخْبَرَني عَبْدُ اللّه بن يَحْيَى العَسْكَريّ، عن أبي إسْحَاق الطَّلْحِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو سُهَيْل عَبْدُ الله بن يَاسِيْن، قال: أخْبَرَنَا أبو عُبيدَة أنَّ شُبَيْل بن عَزْرَة أتَى أبا عَمْرو بن العَلَاء وهو جَالِسٌ في دَاره وعندَهُ يُونُس، فقال: سَألْتُ رُؤْبَتكم هذا عن اسْمُه فلَم يَدْر ما مَعْناهُ! فقال له يُونُس: أأنْتَ سَألتَ رُؤْبَة (d) عن
стр. 4705
اسْمِه فلم يَدْر ما هو؟ واللّهِ ما كان مَعَدُّ بن عَدْنَان بأفْصَح من رُؤْبَة! وإنِّي لسْتُ كرُؤْبَة، أفَتَدْري ما رُؤْبَة ورُوْبَة حتَّى عدَّ ستًّا، فقام شُبَيْل فانْصَرَف، فقُلْنا: يا أبا عبد الرَّحْمن، فَسِّرْ لنا، قال: أمَّا رُؤْبَةُ مَهْمُورٌ فقِطْعَةُ الخشَب يُرْأَب بها القدَح إذا انْصَدَع، قال: أَعْطِنِي رُؤْبَةً أشْعَبُ بها قَدَحِي، وبهذه سُمِّي رُؤْبَة بن العَجَّاج، وكان إذا لَم يُهْمَز اسْمُه غَضِبَ، ويُقال: مَضَت رُوْبَةٌ من اللَّيْلِ، غير مَهْمُوز، وهي سَاعات اللَّيْل، ومنه قَوْل بِشْر بن أبي خَازِم (١): [من المتقارب]
وأمَا تَمِيْمٌ، تَميْمُ بن مُرٍّ
البَيْت.
ويُقالُ: طَرِّقْني رُوْبَة فَرَسِكَ، غير مَهْمُوز، وهي جَمَامُهُ، ورُوْبَة اللَّبَنِ، غير مَهْمُوز، خَمِيرَتهُ الّتي تُطْرح فيهِ، ويُقال: إنَّ فُلَانًا لا يَقُوم بُروْبَتهِ إذا لَم يَقُم برباعَتهِ ورئاسَتِهِ، ويُقالُ: ما زَال على رُوْبَةٍ واحدة، غير مَهْمُوز.
قال المَرْزُبانيُّ: وحَدَّثَني عَبْدُ اللّه بن جَعْفَر النَّحْوِيّ، قال: رُوِيَ عن يُونُس أنَّهُ قال: قلتُ لرُؤْبَة: لِمَ سَمَّاكَ أبُوكَ رُوْبَة؛ أرُوْبَة اللَّيْل، أم رُوْبَة الفَرَسِ، أم ورُؤْبَة القَدح، أم رُوْبَة اللَّبَن؟ قال: وهذا يَدُلُّ على صِحَّة قَوْل شُبَيْل (a) بن عَزْرَة في رُؤْبَة.
قال: وقد حُكِي أنَّ رُؤْبَةَ قال لشُبَيْل: واللّهِ ما أدْري لأيّها سَمَّاني؟ فهذا الّذي عَناهُ شُبَيْل في قَوْله: لَم يَدْر ما اسْمُهُ.
وقال المَرْزُبانيُّ: أخْبَرَني مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن العبَّاسِ الرِّيَاشِيّ، عن أَبيِهِ، عن الأصْمَعِيّ، قال: أقام رُؤْبَةُ بالبَصْرَة أرْبَعيْن سَنَةً لَم يتغيَّر لِسَانُه، فلمَّا ظَهَرَ إبْراهيم بالبَصْرَة، خَرَجَ إلى البَادِيَة هَرَبًا من الفِتْنَة، وقد كان تَأَلَّهَ فلم يَلْبَثْ
стр. 4706
أنْ جاءَ نَعِيُّه، قال: وكان آدَمَ، ضَخْمًا، أسْلَعَ (١) ليسَ في رَأسِهِ شَعرٌ إلَّا حِفَاف، وليسِ في فَمه إلَّا نابٌ واحدُ يَتَقْلقَلُ، وكان أبو مُسْلم حَمَلَهُ على بِرْذَوْن أشْهَب، فلم يَزَل يَهْنَؤُهُ بالهِنَاءِ حتَّى صارَ أدْهَم.
أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد عَبد الوَهَّاب بن ظَافِر بن عليّ المَعْرُوف بابنِ رَوَاج، قال: أخْبَرَنَا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو صَادِق المَدِيْنِيّ، قال: أَنْبَأْنَا أبو الحَسَن عليّ بن مُنِير الخَلَّال، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن رَشِيق العَسْكَريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عبد الرَّحْمن أحْمَد بن شُعَيْب بن عليّ بن سِنَانٍ النَّسَوِيّ، قال: رُؤْبَةُ بن العَجَّاج ليسَ بالقَوِيّ.
أخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن أبي عَبْد اللّه بن المُقَيِّر إذْنًا، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو العَلَاء الحَسَنُ بن أحْمَد بن الحَسَن العَطَّار في كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي عليٍّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عليّ الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر بن مَنْجويْه، قال: أخْبَرَنَا الحاكِمُ أبو أحْمَد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الحافِظ (٢)، قال: أبو الحَجَّاف رُؤْبَة بن العَجَّاج بن رُؤْبَة التِّمِيْمِيّ، واسْمُ العَجَّاج عَبْد اللّه، عن أَبِيهِ العَجَّاج التِّمِيْمِيّ، حَدِيثُه في البَصْرِيِّيْن، ويُقال: شَهِدَ رُؤْبَةُ بن العَجَّاج أبا هُرَيْرَة مع أبيه العَجَّاج، روَى عنهُ أبو سَعيد يَحْيَى بن سَعيد القَطَّان البَصْرِيّ، وأبو الحَسَن النَّضْر بن شُمَيْل المَازِنِيّ، كَنَّاهُ لنا مُحَمَّد بن سُلَيمان.
أنْبَأنَا أبو البَرَكَات سَعيد بن هاشِم الخَطِيبُ، قال: أخْبَرَنَا أبو الفَتح مَسْعُود بن الحَسَن بن القَاسِم إذْنًا، قال: أخْبَرَنَا أبو عَمْرو عَبدُ الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن إسْحَاق، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا حَمْد بن عَبْد اللّه، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد ابن
стр. 4707
أبي حَاتِم (١)، قال: رُؤْبَةُ بن العَجَّاج، رَوَى عن أبي هُرَيْرَة (a)، واسْمُ العَجَّاج عَبْد اللّه أبو الحَجَّاف، رَوَى عَنْهُ ابنُهُ عَبْدُ اللّه (b) بن رُؤْبَة، ويَحْيَى بن سَعيد القَطَّان، والنَّضْر بن شُمَيْل، ومَعْمَر بن المُثَنَّى، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك.
قال ابنُ أبي حَاتِم (٢): حَدَّثَنَا صالح بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن المَدِيْنِيّ، قال: قال لي يَحْيَى القَطَّان: دع رُؤْبَة بن العَجَّاج! قُلتُ: كيفَ كان؟ قال: أمَا إنَّهُ لَم يَكْذب.
أنْبَأنَا أحْمَد بن الأزْهَر بن السَّبَّاك، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِيّ، عن أبي مُحَمَّد الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عُبَيْد اللّه مُحَمَّد بن عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: حَدَّثَني إبْراهيم بن شِهَاب، قال: حَدَّثَنَا الفَضْل بن الحبُاب، عن مُحَمَّد بن سَلَّام (٣)، قال: رُؤْبَة بن العَجَّاج يُكْنَى أبا الحَجَّافِ، وهو أوَّلُ مَنْ قال في تَقْصِير الاسْم، وتَخْفِيف عَدَد النَّسَب، فقال (٤): [من الرجز]
قد رَفَع العَجَّاجُ ذِكْري فادْعُني
باسْمِي إذا الأنْسَاب (c) طالَتْ يَكْفنِي (d)
أخْبَرَنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد إذْنًا، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِيّ، عن أبي مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عُبيد اللّه مُحَمَّد بن عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَنِي عَبْدُ اللّه بن يَحْيَى العَسْكَريّ، قال: حَدَّثَني أحْمَد بن بِشْر، عن المَازِنِيّ، قال: حَدَّثَني الأصْمَعِيُّ، عن خَلَفٍ، قال: سَمِعْتُ
стр. 4708
رُؤْبَة بن العَجَّاج يَقُول: لَقِيَني الكُيْت والطِّرِمَّاح، فسَألاني عن الغَرِيْب، ثُمَّ سَمِعْتُهُ في شِعْرهما.
أنْبَأنَا عَبْد البر بن الحَسَن بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنَا أبو المَحَاسِن البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو أحْمَد بن عَدِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عليّ المَدَائِنِيّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عَمْرو (a) بن خَالِد، قال: حَدَّثني يَحْيَى أبو زَكَرِيَّاء، عن الأصْفَر (b) ، قال: سَمِعْتُ الأصْمَعِيَّ، عن أبي عَمْرو بن العَلَاء، قال: مَدَح رُؤْبَة بن العَجَّاج رَجُلًا كان وَاليًا على كَرْمَان من أشْرَاف العَرَب بهذه الكَلِمَة (٢): [من الرجز]
دَعَوْتُ رَبَّ العِزَّة القُدُّوْسَا
دُعَاءَ مَنْ لا يَقْرَعُ النَّاقُوسَا
حتَّى أرَانا وَجْهَكَ المَرْغُوسَا (c)
قال: فإذا الكُمَيْتُ عن يَمِينه، والطِّرِمَّاح عن يسَاره، قال: فجعَل أحدُهما يقُول لصَاحِبهِ: وَيْل أُمّكَ؛ افْسَح افْسَح (d)، قال: فلَّمَا فَرَغ جَعَلا يَسْألانهِ عن الغَرِيْب فجعَلَ يُخْبرهما.
وقال أبو أحْمَد بن عَدِيّ (٣): حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن سَالِم الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن ابنُ أخي الأصْمَعِيّ، قال: أخْبَرَنَا عَمِّيّ، عن أبي عَمْرو بن العَلَاء، قال: لَم
стр. 4709
أرَ بَدَوِيًّا أقامَ بالحَضَر إلَّا أفْسَد (a) لِسَانُه غير رُؤْبَة بن العَجَّاج والفَرَزْدَق؛ فإنَّهُما زادَا في طُوْل الإقَامَة جِدَّةً وحِدَّةً.
أنْبَأنَا أبو حَفصٍ المُكْتِب، عن أبي غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي مُحَمَّد الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عُبَيْد اللّهِ المَرْزُبانيّ إجَازة، قال: وحَدَّثَنِي عليّ بن عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَني يَحْيَى بن عليّ بن يَحْيَى، عن أَبِيهِ، قال: قال الأصْمَعِيُّ: كان كَلامُ رُؤْبَة يُشَبَّهُ بسَيْلٍ في صَخْرٍ، وكان كَلامُ الحَسَن البَصْرِيّ يُشَبَّهُ بكَلَام رُؤْبَة.
وقال المَرْزُبانيُّ: وأخْبَرَني مُحَمَّد بن العبَّاس، قال: حَدَّثَني أبو الحَسَن الأسَدِيّ، قال: أخْبَرَنَا مُحَمَّد بن صالح بن النَّطَّاح، عن أبي عُبَيْدَة، قال: سَمِعْتُ أبا عَمْرو بن العَلَاء يَقُول: خُتِمَ الشِّعْر بذِي الرُّمَّة والرَّجز برؤبَة، فقيلِ له: إنَّ رُؤْبَة حَيٌّ؟ قال: هو حَيٌّ كمَيْتٍ قد ذَهَب شَعرُهُ كما ذَهَب مَطْعَمهُ ومشْرَبُه ونكَاحهُ. فقيل له: فهؤلاءَ الآخرُونَ الّذي يقُولون اليَوْم؟ قال: مُرَقِّعُونَ ومُهَنْدِمُونَ! إنَّما هُم كَلٌّ على غَيْرهم، إنْ قالُوا حَسَنًا سبقُوا إليهِ وإنْ قالوا سَيِّئًا فمن عندهم.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد القَاضِيّ، عن أبي القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ، عن أبي القَاسِمٍ بن بندَار، عن أبي أحْمَد القَارِئ، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ إجَازَةً، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن العبَّاس الرِّيَاشِيّ، عن أَبِيهِ أنَّ الأصْمَعِيّ قال: كان يُشَبَّه لسَان رُؤْبَة بسَيْلٍ في صَخْرٍ، وأقامَ بالبَصْرَة أرْبَعيْن سَنَةً لَم يتغيَّر لِسَانه.
أنْبَأنَا أبُو اليُمْن الكِنديّ، عن أبي بَكْر الفرضِيّ، قال: أنْبَأنَا أَبُو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، عن أبي عُبَيْد اللّه المَرْزُبانيّ، قال: اختلَفُوا في الثَّلاثة من الرُّجَّاز، فقال بنُو تَمِيْم: العَجَّاج أوَّلُهُم، ثمّ حُمَيْد بن مَالِك الأرْقَط، ثمّ رُؤْبَة بن العَجَّاج.
стр. 4710
وقال المَرْزُبانيُّ: حَدَّثَني عليّ بن عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنِي يَحْيَى بن عليّ بن يَحْيَى، عن أَبِيهِ، قال: ذَكَرَ عَبْدُ اللّه بن رُؤْبَة أنَّ العَجَّاج قال لرُؤْبَة: من أين جِئْتَ أرْجز منِّي لا أبا لكَ؟ قال: قد واللّه علمْتُ ذاك يا أبَتَاهُ من أنَّ أبي أرْجَزُ من أبيْك، قال: أسَابٌّ أنْتَ أبي؟ قال: لا واللّه لا أَسُبُّ أباكَ، ولا أبُوك للسَّبِّ بأهْل.
وقال المَرْزُبانيُّ: أخْبَرَنِي الحُسَين بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن سَعيد، قال: حدَّثَنَا الزُّبَيْر بن بَكَّار، قال: قال أبو العبَّاسِ - يعني السَّفَّاح - لرُؤْبَة: كيفَ باهُكَ؟ قال: يَمْتَدّ ولا يَشْتَدُّ، فإذا أكْرَهْتُه ارْتَدَّ.
قال: وحَدَّثَني عليّ بن عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنِي يَحْيَى بن عليّ بن يَحْيَى، عن أَبِيهِ، قال: حَدَّثَني النَّهْشَلِيّ، قال: قال عَبْدُ اللّهِ بن رُؤْبَة: دَخَل أبي على سُليْمان في عليَّ فشَكَا الباءَة، قال: يَمْتَدُّ ولا يَشْتَدُّ، وأُطِيْلُ الظِّمْأَ ثمّ أُوْرِدُ فلا أُرْوى.
قال عليّ بن يَحْيَى: وقال أبو عُبَيْدَة: سَمِعْتُ رُؤْبَةَ يُحدِّثُ يُونُس، قال: سَألني الأَمِير سُليْمان بن عليّ: ما بَقِي من باهِكَ؟ فقُلْتُ: يمتَدُّ ولا يَشْتَدُّ، وإذا أكْرَهْتُه ارْتَدّ.
قال: وحَدَّثَني أبو عَبْدِ الله الحَكيْمِيّ، قال: حَدَّثَني يَمُوْت في المُزَرِّع، قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا الأصْمَعِيُّ، عن عِيسَى بن عُمَر، قال: كان ذو الرُّمَّةِ الشَّاعرِ يَذْهَبُ إلى القَدر، وكان رُؤْبَةُ بن العَجَّاج يَذْهَبُ إلى الإثْبَاتِ والسُّنَّة، فاجْتَمَعا في يَوْمٍ من أيَّامهما عند بِلَال بن أبي بُردَة، وهو وَالي البَصْرَة، وعُرِّفَ بِلَال الخِلَاف بينهما، فحَضَّهُما على المُنَاظَرة، فقال رُؤبَة: واللّهِ ما تفحَّصَ طَائِرٌ أُفْحُوصًا، ولا تَقَرْمَصَ سَبعُ قُرْمُوْصًا (a) إلَّا كان ذلك بقَضاءِ من اللّهِ وقَدَره،
стр. 4711
فقال ذو الرُّمَّة: واللّهِ ما أذِنَ اللّهُ لذِّئْب أنْ يأخُذَ حَلوبَةَ عَالةٍ عَيائل ضَرَائِكَ (a)، فقال له: رُؤْبَة أفبمَشِيْئته أخَذَها أم بمَشِيْئَةِ اللّهِ؟ فقال ذُو الرُّمَّة: بل بمَشِيئته وإرَادتِه، فقال رُؤْبَة: هذا واللّهِ الكَذِبُ على الذِّئْب، فقال ذو الرُّمَّة: واللّه الكَذِبُ على الذِّئْب خَيْرٌ من الكَذِب على رَبِّ الذِّئب.
وقال المَرزُبانيُّ: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللّهِ إبْراهيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة النَّحويّ، قال: منِ كلام رُؤْبَة: مَنْ سَاء خُلُقُه عَذَّبَ نفسَهُ، ومَنْ كثُرَت فِكرتُه سَقُم جِسْمُه، ومنْ لَاحى الرِّجَال سَقَطت مُرُوءته وذَهَبَ كَرَمُهُ.
وقال: حَدَّثَني أبو عَبْدِ اللّه الحَكِيْمِيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن عَبْدِ كَان الصَّيْمَرِيّ بإسْنَادٍ له قال: قيل لرُؤْبَة؛ وكان أفْصَحَ العَرَب: ما البَلَاغَةُ؟ قال لَمْحَةٌ دَالَّةٌ.
أخْبَرَنَا أبو بَكْر عَتِيقُ بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قِراءَهً عليهِ وأنا أسْمعُ، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو القَاسِم الدِّمَشقيّ (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَنِ مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر، قِراءَةً عليْنَا من لَفْظه، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنَا أبو القَاسِمِ عليّ بن إبْراهيم العَلَويِّ، قال: أخْبَرَنَا رَشَاءُ بن نَظِيف، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنَا أحْمَدُ بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بن عَبْدِ اللّهِ، قال: حَدَّثَنَا مُسلم، قال: قيل لذي الرُّمَّة: ما لك خَصَصْتَ فُلَانًا بمَدْحِكَ؟ قال: لأنَّهُ وَطّأ مَضْجعي، وأكْرَمَ مَجْلِسي، فحَقٌّ عليّ (b) أنْ يَسْتَولي على شُكْري.
стр. 4712
أنْبَأنَا أبو حَفْص المُؤدِّب، عن أبِي غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي مُحَمَّد الجَوْهَريّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْد الله المَرْزُبانيّ إجَازةً، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُريْد، قال: أخْبَرَنا خَلَف بن أحمد، أبو مُعَاذ الضَّرِيْر، عن دِمَاذٍ، عن أبي عُبَيْدَة، عن يُونُس، قال: كان رُؤْبَةُ بن العَجَّاج يَرْعَى إبل أبيهِ ويَقُوم عليها حتَّى صار رَجُلًا كَامِلًا وهو لا يَرجُزُ ولا يَشْعُر، وتزَوَّج العَجَّاجُ امْرأةً شابَّةً يُقال لها: عَقْرَب، فوَلَدَتْ له أوْلَادًا وغَلَبَتْ عليهِ، فكان يَقْسِم إبلَهُ على أوْلَادِه فيقُول: الفُلَانَةُ لفُلَان، والفُلَانَةُ لفُلَانٍ، فقيل ذلك لرُؤْبَة، فقال: ما العَجَّاجُ بأَحَقّ بها منِّي لئن كان أفادَهَا، إنِّي لأُقَاتِلُ عنها السِّنِين، وأنْتَجَعُ بها الغَيْثَ، وأفْعَل وأفعَل، فقالت عَقْرَبُ للعَجَّاج: اسْمَعْ هذا وأنْتَ حَيٌّ فكيفَ بنا بعدَكَ؟ فَخَرَجَ إليه العَجَّاجُ فزَجَرهُ وصَاحَ بهِ، وقال: اتْبَع إبلَكَ، ورَجَز بهِ، وقال (١): [من الرجز]
لطالَ ما أجْرَى أبو الحَجَّافِ
في فُرْقَةٍ (a) طَوِيلَةِ التَّجَافي
لمَّا رآني أُرْعِشَتْ أطْرَافي
اسْتَعْجَل الدَّهْر (b) وفيه كافِ
يَخْتَرِم الإلْفَ من الأُلَّافَ
سَرْهَفتُهُ ما شِئْتَ من سِرْهَافِ (c)
حتَّى إذا ما إذا ما آضَ ذا أعْرَاف
كالكَوْدنِ المَشْدُود بالإكَافِ
стр. 4713
قال الذي عندَك (a) لي صَوَافي
من غير لا عَصْفٍ ولا اصْطِرَافِ
ليس كذاك (b) وَلَدُ الأشْرَاف
فخرَجَ رُؤْبَة يَجُرُّ رِجْليهِ فقال للرِّعَاءِ: مَوْعدكم مكان كَذَا وكذا، ورَمَي بنفْسه وبَاتَ يُهَمْهِمُ ليلَتَهُ، فلمَّا كان بأعْلَى سَحَرين جاءَ إلى أشْيَاخ من قَوْمِهِ، فقال: قد كان هذا الشَّيْخُ ما قد عَلِمْتُم، وأنتُم وإنْ لَم تكُونوا شُعَرَاء فقد تَرْونَ الشِّعْر وتَعْرفُونَهُ، وقد جَاشَ صَدْري بشيءٍ، لو كان شِعْرًا فعندي منه بَحْرُ لا يُغَضْغضُ، وإلَّا يَكُن شِعْرًا رجعْتُ إلى إبلي، فاصْدقُوني عن نفسِي، فقالُوا: هَاتِ، فأنْشَدَهُم (١): [من الرجز]
إنْ أنْتَ لَم (c) تُنْصِفْ أبا الحَجَّافِ
وكان يَرْضى منْك بالإنْصَافِ
وهو عليكَ دَائم التَّعْطَاف (d)
فَمرَّ في أُرْجُوزَة، فقالُوا: والله لقد أخَذْتَ غَرْبَهُ، وسَلكْتَ مَنْهَجَهُ، ووَرَدْتَ بَحْرَهُ، ولأنْتَ أشْعَر منه، قال: فواللهِ لا أتبَعُ ذنَبَ بَعِيْر أبدًا!.
وسَمِعَ العَجَّاجُ بإنْشَادِه، فخَرَجَ إليهِ، فقال: أَلعِبَتْ بكَ جنُّ بَوى اللَّيْلة، يعني مَرْعىً لهم، فلَيْتكَ تقُولُ شِعْرًا، ولكنَّكَ أوْغَدُ من ذَاك! فأنْشَدَهُ، فقال: اشْهدوا أنَّ أمرَ عَقْرَبَ بيَده، فقَال: اشْهَدُوا أنَّها طَالِق سَبْعِين.
قال: وأخْبَرَني عَبْدُ الله بن يَحْيَى العَسْكَريّ، قال: حَدَّثنا أحْمَد بن مُحَمَّد الأسَدِيّ، قال: حَدَّثنا أبو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ، قال: حَدَّثنا أبو عُبَيْدَة، قال: حَدَّثَنا
стр. 4714
عَبْدُ الله بن رُؤْبَة [عن رُؤْبَة] (a)، قال: أوَّل ما هَاجَني على قَوْل الشِّعْر أنَّ أُمِّي ماتَتْ، فخلَّفَت لي قَلَائِصَ أرْبَع عَشرة، فدَخَلْتُ حُجُر نَبَّاذَهٍ روِيَّةً، فدخَلْتُ بَيْتها، فجلَسْتُ (b) فيه، قال: وجَعَل أبي يَطْلبُني حتَّى دُلَّ عليَّ، فدخَلَ وقَد احْتَزَمَ لي بعِقَال فكَتَفنِي، ومَضَى بي فأدْخَلنَي بَيْتًا له، وأغْلَق عليَّ البابَ، وجَعَل يُصْلح قَتَبًا له وهو يَقُول (١): [من الرجز]
سَرْهَفتهُ ما شِئْت من سِرْهَافِ
حتَّى إذا ما آضَ ذَا أعْرَافِ
كالكَوْدَن المَشدُودِ بالإكَافِ
يَقُول ما خلَّفْتُه صَوَافِ
ليسَ كَذَاك وَلَدُ الأشْرَافِ
فأخْرَجْتُ رَأسِي من خَلْف البَاب وقُلتُ (٢): [من الرجز]
إنَّكَ لم تُنْصِف أبا الحَجَّافِ
وكان يَرْضَى منْكَ بالإنْصَافِ
تالله لو كُنت مع الإلَّافِ
يُغْدَى عليَّ بنبِيْذٍ صَافِ
قال: فوَثَبَ بالقَتَب فضَرَبَ به رَأسي فشَجَّهُ، ثمّ أدْرَكَتْهُ رِقَّة الآباء، فاشْترَى لي لَحْمًا وشوَاءً، وأطْعَمَني وقال لي: يا بنيّ، إنَّ مالي لا يَقْوى على سَرَفكَ، فهل لكَ في أنْ تَخْرُج فتَمْتَدِح هؤلاءِ المُلُوكَ، وعليك صُدُورُ القَوَافي، وعليَّ أعْجَازُها،
стр. 4715
أو عليكَ أعْجَازُها وعليَّ صُدُورها؟ قال فقُلتُ: اسْتَخر الله، فأنْشَأ في قَصِيْدَتهِ (١): [من الرجز]
كَم قد رَحَلْنَا (a) من علاةٍ عَنْسِ
فاشْتَرَكْنا فيها، ومَدَحَ بها سُليْمان بن عَبْد المَلِك، فأمَرَ له بعَشرة آلاف، فقُلتُ: النّصْف والنّصْف يا أبَة، قال: تَعْدُو عليَّ وأنْتَ بَوْلي! قال: قُلتُ: امْدَح أنْتَ وَحْدك وأنا وَحْدِي، وفارقْتُهُ.
قال: وحَدَّثَني أحْمَدُ بن إبْراهيم البَزَّاز، وأحمدُ بن مُحَمَّد الجوهَرِي، قالا: حدَّثنا العَنَزِي، قال: حَدَّثَنَا قَعْنَبُ بن المُحَرَّز أبو عَمْرو البَاهِلِيِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو زَيْد الأنْصَاريّ، عن رُؤْبَة بن العَجَّاج، قال: أوَّل رَجزٍ قُلتُه أنِّي خرجْتُ مع أبي نُريد سُليْمان بن عَبْد المَلِك حينَ قام، فجعَل يُهَمْهمُ بقَوْل الرَّجَز، فهَمْهَمْتُ، ثُمَّ قُلتُ: يا أبَة، قد قلتُ رَجزًا، قال: هَاتِه، فأنْشَدتُهُ (٢): [من الرجز]
كم قد رَحَلْنا (b) من عَلاةٍ عَنْسِ
كَبْدَاء كالقَوْس وأُخْرى جَلْسِ
إلى (c) ابن مَرْوَانَ قَريع الإنْسِ
ولابن (d) عبَّاسٍ قَرِيْع حَبْسِ
أكْرَم (e) عِرْسٍ جُبَلا وعِرْسِ
قال: حتَّى أتَيْتُ على آخرها، فقال: أعِد، فأعَدْتُها عليه، فحَفِظَها، ثُمَّ قال: اخْسَ، لا يَسْمعنَّ هذا منك أحَدُ فنَفْتَضِح، قال: ثمّ قَدِمْنا بَيْتَ المقدِس،
стр. 4716
وجَلَسَ سُليْمان بن عَبْد المَلِكِ للنَّاسِ، وأذِنَ لأبي وقُدّم على الشُّعَراء، فابْتَدَأ في قَصِيْدَتي يُنْشدُها سُليْمان، وأردتُ أنْ أقُوْمَ فأقُول: الشِّعْرُ لي، فكَرِهْتُ أنْ أفْضَحَ أبي على رُؤوسِ النَّاسِ، فلمَّا فَرَغَ وأخَذَ الجَاِئزَة وخَرَجْنا قلتُ: يا أبَة، المُقَاسَمَة، قال: لا والله ولا فَلْس، أي بنيّ، أنْتَ أشْعَر النَّاسِ اذْهَب فاطلُب لنفسكَ، وأَخْرَجَني من عِيَالهِ.
قال: وحدَّثَنَا أبو عَبْدِ الله إبْراهيم بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، عن المَدَائِنِيّ، قال: قال رُؤْبَة بن العَجَّاج: اشْتَركتُ أنا وأبي في أُرْجُوزَة (١): [من الرجز]
إلى ابن مَرْوَان قَرِيع الإنْسِ
بين أبي العَاصِي وآل عَبْسِ
فأنْشَدْتُها رَجُلًا حتَّى انْتَهَيتُ إلى الكَلَام الآخر، قال: ليسَ هذا من الكَلَام الأوَّل، وجَعَل يُمَيِّز كَلامي وكَلَام أبي.
قال المَرْزُبانيُّ: وحُكِي أنَّ رُؤْبَة أنْشَدَ سُليْمان بن عَبْد المَلِك هذه الأُرْجُوزَة وعُمَر بن عَبْد العَزِيْز حَاضِرٌ حتَّى بَلَغَ إلى قَوْله (٢): [من الرجز]
خَرَجْتَ من بين قَمَرٍ وشَمْسِ
من بين مَرْوَان وبين عَبْسِ
يا خَيْر نَفْسٍ خرَجت من نَفْسِ
فقال عُمَر: كَذَبْتَ، ذلك رسُول الله ﷺ ، فسَكَت سُليْمان فلم يَرُدَّ عليه شيئًا.
стр. 4717
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد الدَّارْقَزِّيّ، عن إسْماعِيْل بن أحْمَد بن عُمَر، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن النَّقُّور، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن هَارُون الضَّبِّيّ إمْلاءً، قال: وَجَدْتُ في كِتَاب وَالدِي: حَدَّثَني مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْد، قال: حَدَّثَني أبو مُسْلم قُتيَبَة بن عُمَر الحَنَفِيّ، عن أَبِيهِ، قال: كُنْتُ في داري بني عُمَيْر إذْ أقْبَل رجُلٌ على حُجْرٍ دَهْمَاءَ، معه عَبْد أسْوَد، فوَسَّع القَوْم له، فسَألتُ عنه، فقالُوا: هذا رُؤْبَة، فقال لهم: أُنْشدُكم شِعْرًا قلتُ ما قُلْتُ غيره، ثُمَّ أنشَد (١): [من الخفيف]
أيّها الشَّامِتُ المُعَيِّر بالشَّيـ …
стр. 4718
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أنبأنَا أحْمَد بن أزْهَر بن السَّبَّاك، عن أبي بَكْر الفَرَضِيّ، قال: أنبأنَا أبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْدِ الله المَرْزُبَاني إجَازَةً، قال: حَدَّثنا ابن دُرَيْدٍ، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم قُتيبَةُ بن عُمَر الحَنَفِيّ، عن أَبيهِ، قال: كُنْتُ يَوْمًا في مَجْلِس بني عُمَيْر باليَمَن، إذْ أقْبَل أعْرَابيٌّ على حُجْرٍ دَهْماءَ، إلى جَانبِه عَبْدٌ أسْوَدُ قد حَاذَى رَأسَهُ، فتَزَحْزَحَ القَوْمُ، وقالُوا: أبو الجَحَّاف، وإذا هو رُؤْبَةُ بن العَجَّاج، فقال له بعضُ القَوْم: يا أبا الحَجَّاف، هل قُلْتَ شِعْرًا قَطّ غير الرَّجزِ؟ قال: نَعَم، ثُمَّ أنْشَدنا: [من الخفيف]
أيَّها الشَّامتُ المُعَيِّر بالشَّيْـ …
стр. 4719
البَغَويّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن الأَثْرَم، قال: حَدَّثَني أبو عُبَيْدَة، قال: قُلْتُ لرُؤْبَةَ: أي القُرْآن أفْصَح؟ قال: كُلّ القُرْآن فَصِيحٌ إلَّا أنِّي لم أقفْ على آيةٍ أفْصَح من قَوْله : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).
كَتَبَ إلينا عَبْدُ البَرِّ بن أبي العَلَاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن عَدِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عَبْد الله بن صالح بن شَيْخ بن عُمَيْرة، قال: حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيّ، قال: قال عَبْد الله بن رُؤْبَة: كانت لنا حَاجَةٌ إلى بعضِ السَّلَاطين فعَسُرَتْ علينا، فرَشَوْتُ دَرَاهِمَ فسَهُلت (a) الحاجَةُ، فقال رُؤْبَةُ بن العَجَّاج (٣): [من الرجز]
لمَّا رَأيْت الشُّفَعَاءَ بلَّدُوا
وسَألُوا أميرَهُم فأنْكَدُوا
أتَيْتُهم (b) برشْوَةٍ فأقْرَدُوا
وسَهَّلَ اللهُ بها ما شَدَّدُوا
ذَكَرَ أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن مُسْلِم بن قُتَيْبَة في كتاب الشُّعَراءِ (٤)، قال: حَدَّثَني الرِّيَاشِيُّ، عن مُحَمَّد بن سَلَّام، عن يونُسَ، قال: أتَيْتُ رُؤْبَةَ ومعي ابن نُوحٍ، وكُنَّا نُفَلِّسُ ابنَهُ عَبْد الله، أي نُعْطِيهِ الفُلُوسَ، فيُخْرِجه إلينا، فقال ابنُ نُوح: أصْبَحتُ كما قُلْتَ (٥): [من الرجز]
كالكُرَّزِ المَرْبُوط بين الأوْتَادْ
سَاقَطَ عنهُ الرِّيْش قَبْل الإبْرَاد
стр. 4720
فقال: ما زلتُ لك مَاقِتًا! فقال يُونُس: فقُلتُ: بل أصْبَحْت كا قال ابنُ أبي سُلْمَى (١): [من المتقارب]
فأَبْقَين منِّي وأبْقَى الطِّرَا … دُ بَطْنًا خَيْصًا وصُلْبًا سَمِيْنا
فقال: سَلْ عمَّا شِئْتَ.
وقال ابنُ قُتَيْبَة (٢): حَدَّثَني سَهْل، قال: حَدَّثَني أبو عُبَيْدَة، قال: دَخَلْنا على رُؤْبَة وهو يَمُلُّ جُرْذَانًا في النَّار، فقُلْنا له: أتَأكُلُها؟ فقال: نَعَم إنَّها خَيْر من دَجَاجكم، إنَّها تَأكُل البُرَّ والتَّمْر.
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي مُحَمَّدٍ عَبْد الله بن مُحَمَّد بن سَعيد بن سِنَان الخَفَاجِيّ الحَلَبِيّ: وزَعَم أبو زَيْد أنَّهُ دَخَلَ على رُؤْبَة وإذا قُدَّامهُ كانُون، وهو يَمُلّ في جَمْره جُرْذَانًا من جُرْذَانِ البَيْت؛ يُخْرِج الواحدَ بعد الواحدِ فيأكُلُهُ ويقُول: هذا أطْيَبُ من اليَرْبُوع؛ هذا يَأكُل التَّمْر والجُبْنَ ويَحْسُو الزَّيْتَ والسَّمْن.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِندِي، عن أبي بَكْر الفَرَضِيّ، عن أبي مُحَمَّد الجَوْهَرِي، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عِمْران المَرْزُبانيّ إجَازَةً، قال: وحَدَّثَني عَبْدُ الله بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا المُبَرَّد، عن المَازِنِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا زَيْد يَقُول: دَخَلْتُ على رُؤْبَةَ وهو يصيْدُ الفَأر ويَشْويهنَّ ويَأكُلهنّ، فقال لي: هَلُمّ يا أبا زَيْدٍ، فقُلتُ لَهُ: سُبْحَان الله، آكُل الفَأر! فقال: إنَّما هي يَرَابيْع البَيْت.
قال المَازِنِيّ: وسَمِعْتُ أبا زَيْدٍ يَقُول: قُلْتُ لرُؤْبَة: أَتُهْمَزُ الفَأرة؟ فقال: الهِرَّةُ تَهْمزها.
وقال المَرْزُبانيّ: حَدَّثَني مُحَمَّد بن أحْمَد الكَاتِب، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بن عَبْد الله الزُّبَيْرِيّ، قال: قال رَجُل: دَخَلْتُ على
стр. 4721
رُؤْبَة بن العَجَّاج فإذا معه قَوْسٌ وهو يَنْبِضُ بها ويَرْمي الفَأر بالشَّام (a)، فقُلتُ لَهُ: ما هذا؟ فقال آكُلها، والله لهي أطْيَبُ من اليَرْبُوع، وما تَأكُل إلَّا طَيِّب الطَّعَام.
وقال المَرْزُبانيّ: كَتَبَ إليَّ أحْمَدُ بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن شَبَّة، عن أبي عُبَيْدَة، قال: ماتَ رُؤْبَة سَنَة خَمْسٍ وأرْبَعين ومائة.
قال: وحَدَّثَني عليّ بن عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَني يَحْيَى بن عليّ بن يَحْيَى، عن أَبيِهِ، قال: ذَكَرَ أبو عُبَيْدَة أنَّ رُؤْبَةَ ماتَ سَنَة خَمْسٍ وأرْبَعين ومائة بعد مَخْرَج إبْراهيم بأيَّامٍ.
قال: ورَوَى مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله اليَعْقُوبيّ، عن أَبيِهِ، عن جَدِّه يَعْقُوب بن دَاوُد، قال: لَقِيْتُ الخَلِيل بن أحْمَد يَوْمًا بالبَصْرَة، فقال لي: يا أبا عَبْدِ الله، دفَّنا الشِّعْرَ اليومَ، جِئنا من جنَازَة رُؤْبَة.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ رَوْح
رَوْح بن إبْراهيم، أبو سَعْدَة الأنْصَاريُّ
حَدَّثَ بالمِصِّيْصَة عن عَبْد الله بن الحُسَين بن جَابِر المِصِّيْصيّ. رَوَى عنهُ أبو الحُسَين مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن جُمَيْع الصَّيْدَاوِيّ حَدِيثًا في مُعْجَم شُيُوخه، سَمِعَهُ منهُ بالمِصِّيْصَة.
أخْبَرَنا القَاضِي أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الأنْصَاريّ الدِّمَشقيّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر بن طَلَّابٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين بن جُمَيْع (١)، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بن إبْراهيم
стр. 4722
بالمِصِّيْصَةِ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن الحُسَين بن جَابِر، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن مُحَمَّد المَرْوَزيّ (a)، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان بن قَرْم، عن الأَعْمَشِ، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عبَّاسٍ (١): أنَّ رسُول الله ﷺ ، قال: لا يُؤَدِّي عنِّي إلَّا أنا أو عليّ بن أبي طَالِب ﵁.
رَوْحُ بن حَاتِم بن قَبِيْصَة بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة، أبو حَاتِم - وقيل: أبو خَلَف - الأزْدِيّ (٢)
كان خَصِيْصًا بالمَنْصُور، أثِيْرًا عندَهُ، وقَدِمَ معَهُ حَلَب حين مَرَّ بها لزيارة البَيْتِ المُقَدَّس، ووَلَّاهُ إفْرِيقِيَّة، ثمّ ولَّاهُ المَهْدِيّ البَصْرَة ثمّ الكُوفَة، وكان شُجَاعًا كَرِيْمًا (b).
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيقُ بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن الحافِظ (٣)، ح.
стр. 4723
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّدُ بن أبي جَعْفَر، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو القَاسِم علي بن إبْراهيم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن نَظِيْف، ح.
وأخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بنيْن، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن حَمْد الأرْتاحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَرَّاءُ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن الحَسَن بن إسْمَاعِيْل، قالا: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّابُ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَدُ بن مَرْوَان المالِكِيُّ (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو خَيْثَمَة، قال: سَمِعْتُ أبي يَقُول: بَعَثَ رَوْحُ بن حَاتِم إلى كاتِبٍ له بثلاثينَ ألفَ دِرْهَم، وكَتَبَ إليه: قد بَعَثْتُ بها إليكَ، ولا أُقَلِّلها تَكَثُّرًا (a) ولا أُكَثِّرُها تَمنُّنًا، ولا أَطْلُب عليها ثناءً، ولا أَقْطَعُ بها عنك رَجَاءً.
رَوْحُ بن زِنْبَاع الجُذَامِيُّ (٢)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ، وجَعَلَهُ أمِيْرًا على جُذَام فِلَسْطين.
стр. 4724
رَوْحُ بن مَعْمَر، أبو وَائِل المَلَطِيّ
شَاعِرٌ من أهْلِ مَلَطْيَة، مَدَحَ يَحْيَى بن خَالِد البَرْمَكِيّ، وكان خَصِيْصًا به.
قَرَأتُ في كتاب الوُزَرَاءِ والكُتَّابِ للجَهْشِيَارِيّ (١)، قال: وكان يَحْيَى أحْسَنَ إلى رَوْح بن مَعْمَر المَلَطِيّ، ويُكْنَى أبا وَائِل حتَّى خُصَّ بهِ، فقال رَوحٌ: [من السريع]
قَرَّبَني يَحْيَى إلى نفسهِ … وليْسَ لي منْهُ مَكَانٌ قَرِيْبْ
فقُلْتُ للنَّفْسِ صِلِيْ شُكْرَهُ … بالشُّكْرِ للهِ فنِعْمَ المُجِيْبْ
وَقَرِّبي حَالكِ مِن حِفْظِهِ … بالصَّبْرِ في الدَّهْرِ على ما ينُوبْ
وإنَّ مَنْ يَحْفَظُ أَسْبَابَهُ … عِندَ الّذي قرَّبَهُ لا يَخِيْبْ
رُوْد بن الحارِث الكَلاعِيُّ (٢)
وقيل: وَرْقَاء بن الحَارِث.
فارسٌ لهُ ذِكْرٌ، شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ بن أبي سُفْيان. وبارزَ عليّ بن أبي طَالِب ﵁ في بعضِ أيَّامِ صِفِّيْن فقَتَلَهُ عليُّ.
أخْبَرَنا أبو العَلَاء أحْمَد بن أبي اليُسْر بن سُلَيمان، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن أحْمَد الأدِيْبُ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاء،
стр. 4725
قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الطِّيبِيّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن الحُسَين بن دِيْزِيْل، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَني نَصْرُ بن مُزَاحِم (١)، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن شَمِر، عن جَابِر الجُعْفِيّ، [عن الشَّعْبيّ] (a)، عن صَعْصَعَة بن صُوْحَان العَبْدِيّ، أنَّ عليًّا ﵇ كان صَافَّ (b) أهل الشَّام يَوْمًا بصِفِّيْن حتَّى بَدَرَ عليًّا رَجُلٌ من حِمْيَر من آل ذي يَزَن، اسْمُه كُرَيْب بن الصَّبَّاح، ليسَ في أهْلِ الشّام يَومئذٍ أشْهَر بشدَّة البَأْس منه، فبَدَرَ بين الصَّفَّين، ثمّ نَادَى: مَن يُبَارز؟ فبَرَز إليه شُرَحْبِيل (٢)، فذَكَرَ في الحَدِيْث أنَّهُ قَتَلَهُ، وقَتَلَ اثْنَين بعده، ثُمَّ قال: هل بَقِي لي من مُبَارز؟ فخَرَجَ إليهِ عليّ بن أبي طَالِب، وذَكَرَ أنَّهُ قَتَلَهُ عليّ، ثُمَّ قِيل (c) بعدَهُ الحَارِث بن وَدَاعَة الحِمْيَرِيّ، فقَتَلَهُ عليٌّ، ثمَّ نَادَى على مَن يُبَارز، فبَرَزَ إليه رُوْد بن الحَارِث الكَلاعِيّ، فقَتَلَهُ عليّ بن أبي طَالِب أيضًا، وذَكَرَ تَمَام الحَدِيْث. وقد اسْتَقْصَينا خَبَرَهُ في تَرْجَمَةِ الحارِث بن الجُلَاح الحَكَمِيّ (٣).
هكذا في رِوَايَة ابن دِيْزِيْل، وذَكَرَ غيره أنَّهُ وَرْقَاء بن الحَارِث الكَلاعِيّ، واللهُ أعْلَمُ.
стр. 4726
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ رُوْزبَهَان
رُوْزبَهَان بن جَبْهُون الصُّوْفيّ (١)
سَمِعَ الحافِظ أبا طَاهِر السّلَفِيّ وحَدَّثَ عنهُ بالدِّيَار المصْرِيَّة بالأرْبَعين البُلْدانيَّة، سَمِعَ منه رَفِيقُنا أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد البَكْرِي، وأخْبَرني أنَّه دخَل حَلَب ونزل بخَانقَاه القَصْر النُّورِيَّة، وأنَّهُ سَمِعَ منه سَنَة ثَلاثٍ وسِتّمائة بالدِّيَار المِصْرِيَّة.
رُوْزبَهَان - وقيل: رُوْزبَهَار - ابن أبي بَكْر بن مُحَمَّد بن أبي القَاسِم الفَارسِيّ الكّازَرُونِيّ الدَّيْلَمِيّ (٢)
شَيْخٌ صَالِحٌ منِ أصْحَاب الوَجْدِ والشَّوق، صَحِبَ أبا زَيْد الصُّوْفيّ، وكان مُقِيْمًا بالمَوْصِل ثمّ خَرجَ عنها إلى حَلَب، ونَزل بمَشْهَد عليّ خَارِج باب الجِنَان، وسَارَ إلى دِمَشْق، وأقام بها مُدَّةً، ثمّ خَرَجَ منها إلى مِصْر، فأقام بها إلى أنْ ماتَ، وكان له كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ.
وصَحِبَهُ بحَلَب الشَّيْخ يَحْيَى بن عَبْد اللهِ الصَّيَّاح، شَيْخ الرِّباط الّذي فيه تُرْبَة المَلِك الصَّالح إسْمَاعِيْل بن نُور الدِّين، وسَلَكَ طَرِيقَهُ في الصِّيَاح.
سَمِعْتُ الصَّاحِب قاضِي القُضَاة أبا المحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم يَقُول (٣): قَدِمَ علينا المَوْصِل رُوْزبَهَار، وكان يَدَّعِي أنَّهُ من المُشْتاقِيْن، ويَطْرأ عليه حَالٌ يذْهلهُ (a)، ويَصِيْح صيَاحًا عَظيْمًا، ورُبَّما عَرَضَ له ذلك وهو في الصَّلاة، فيَصِيْحُ
стр. 4727
في الصَّلاة فيُنْكِر عليه الفُقَهَاء ذلك لِمَا فيه من مُنافَاة مَذَاهِبهم (a)، ومُخالفة الشَّرْع.
وكان قد نَزَل مَسْجِدًا ظَاهِرَ المَوْصِل، وكان القَاضِي فَخْر الدِّين أبو الرِّضَا بن الشَّهْرَزُورِيّ يَزُور رُوْزبَهَار كَثِيْرًا، وكان إمام أهل المَوْصِل في الفِقْه، قال: فأنْكَرنا عليه ذلك، وقُلْنا له: أنْتَ سَيِّد الفُقَهَاء، وقُدْوة العُلَمَاء، وَتَزُور هذا الرَّجُل مع ما هو عليه من الأُمُور المُضَادَّة لقَاعدة الشَّريْعَة (b)، وانْتِمائه إلى ما ليس له قاعِدة؟ فقال لنا: اعْلموا أنَّني كُنْتُ ليلَة النِّصْف من شَعْبان - أوَ قال: لَيْلَة القَدْر، الشَّكُّ منِّي (c) مُسْتقبلٌ القِبْلَة وأنا قَاعِدٌ أُحْيي اللَّيْلة، فأغْفَيتُ وأنا جالسٌ، فرأيْتُ المَلائِكَة في النَّوْم قد نَزَلُوا من السَّماءِ ومعهم أنْوَار عَظِيمَة ومعهم عَلَمٌ، فسَألتُهم: إلى أين؟ فقالُوا: إلى زيارة رُوْزبَهَار، فقُلتُ: وأنا أصْحَبُهم، فَمشَيْتُ صُحبَتَهُم، فجاؤوا إلى المَسْجِد الذي هو فيه، فأضَاءَ المسْجدُ، وسَطَعَت الأنْوَار، فدَخلْنا فوَجدْنا رُوْزبَهَار مُسْتقبلٌ القِبْلَة وهو يَصِيْحُ على جَارِي عَادَته، فسَلَّم عليهِ المَلائِكَة، وصَالَحُوه وانْصَرَفُوا واسْتَيْقَظتُ، وقلتُ في نَفْسِي: لا بُدَّ من زيَارة هذا الرَّجُل.
فلمَّا أصْبَحْتُ، وفُتِحَت أبْوَابُ المَوْصِل، خَرَجْتُ إلى المَسْجِد الّذي هو نَازِل به، ودَخَلْتُ المَسْجِد، فوجَدْتُ رُوْزبَهَار مُسْتَقبل القِبْلَة على الحالِ الّتي رأيته عليها في النَّوْم وهو يَصِيْحُ، فَجَلَسْتُ في جانب المَسْجِد إلى أنْ سَكَن صيَاحُهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إليَّ وقال: تَزُورنا في اللَّيْل وفي النَّهَار! فقُلْتُ: ما بَقي بعدَ هذا شيءٌ، فأنا أَزُوره لذلك.
سمعْتُ أبا بَكْر مُحَمَّد بن الحافِظ عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المُنْذِريّ يقُول لي: أخْبَرَني أَبي - ولي من أبيهِ إجَازَة - قال (d): أخْبَرَني جَدُّك لأُمِّكَ عَبْد الكافِي بن بَدْر بن حَسَّان الأنْصاريّ، قال: كان الشَّيْخ رُوْزبَهَان - يعني: ابن أبي بَكْر الفَارسِيِّ
стр. 4728
رَضِىَ اللهُ عنهُ - إذا حَضَر يَوْم الجُمعَة إلى الجامع يَذْكُر بصَوْتٍ عالٍ جَهْوَرِيّ، فكنتُ في بعض أيَّام الجُمَعِ في جَامِع عَمْرو بن العَاص بمِصْر، والخَطِيبُ يخطُب على المِنْبَر، إذْ صَاحَ الشَّيْخُ رُوْزبَهَان صيَاحًا كَثِيرًا على عَادَته، فقال بعضُ الحاضِرين: لقد آذانا هذا الشَّيْخ بصيَاحِه وشَوَّش علينا في مثل هذا الوَقْت، وقام مُبَادرًا، ورفَع يَدُه ليَضْربه، فبقِيَتْ يَدُه مُعَلَّقة في الهَوَاءِ، ولَم يَسْتَطع أنْ يَصِل بها إليهِ.
كَتَبَ لي رَفيْقُنا أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن مُحَمّد البَكْرِيّ بخَطِّه، وسَيَّرَهُ إليَّ، ويَغْلِبُ على ظنِّي أنَّني سَمِعْتُه من لَفْظه، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَنِ غُلَام الشَّيْخ رُوْزبَهَان الزَّاهِد يَقُول: دَخَلْنا حَلَب عند عَوْدنا من المَوْصِل، ونزلنا بمَشْهَد عليّ ظَاهِر حَلَب، ورَأينا من أهْلها إكْرَامًا عَظيْمًا، وانتقَلْنا منها إلى دِمَشْق، ثمّ إلى مِصْر، وتُوفِّيَ الشَّيْخ بها.
قَرأتُ بخَطِّ أبي البَرَكاتِ المُبارَك بن أحْمَد بن المُستَوفِيّ في تاريخ [إرْبل] (a)، وأجَازَ لنا الرِّوَايَة عنهُ في كتَابِهِ إليْنَا من إرْبِل، قال: رُوْزبَهَان الدَّيْلَمِيَّ - ورَأيْتُهُ في مَوضعٍ رُوْزبَهَار بالرَّاءِ - وهو صَاحِبُ أبي زَيْدٍ الصُّوْفيّ، سَمِعْتُ الفَقِيْر إلى الله أبا سَعيد كَوْكَبُوري بن عِليّ بن بُكْتِكِيْن، سَامَحهُ الله، يَقُول: وَرَدَ إرْبِل من نحو خَمْسِين سَنَةً أو أكْثَر، ونزل بمَشْهَد الكَفِّ، فَزَارَهُ مُجَاهِد الدِّين قَايْمَاز، وكان رُوْزبَهَان يُريدُ السَّفَر إلى مِصْرَ، فقال: لو أقَمْتَ بهذا المَشْهَد، مَشْهَد الكَفّ، فهو مَشْهَدٌ حَسَنٌ، فقال: أنا أُريْد مَشْهَد القَلْب لا مَشْهَد الكَفّ.
قال أبو البَرَكَات (١): وحدَّثَ بعضُ الإرْبِلِيِّيْن أنَّ رُوْزبَهَان كان بالمَوْصِل في يده سُبْحَة خَضْراءُ، وشَعره مَنْشُور كالدَّيْلَم، وفي يَده طَبَرْزين يَصِيْح دَائمًا
стр. 4729
بصوْتٍ عالٍ ثَبج تَخْشَعُ له القُلُوب إلَّا في الأسْوَاق، لا يَأكُل إلّا من الدَّرْوَزة، هو وأصْحَابه، ومعه القَوَّالُونَ والشَّبَّاباتُ، وفي أصْحابهِ حَاجِبٌ، ومُدَرْوِزٌ، وخَادِمٌ؛ فإذا أرادَ المُدَرْوِز الخُرُوج سألَ الحاجِب أنْ يَسْتأذن له، فإن الحَاجِب يَقِف بين يَديه أكْثَر النَّهَار أو أكْثَر اللَّيْل قيامًا واحدًا.
قال ابنُ المُسْتَوفِيّ (١): وحَدَّثني أبو المَعَالِي صَاعِد الوَاعِظُ، قال: كان رُوْزبَهَان يُصَفِّق ويَدْخُل في السَّمَاعَ من غيرِ دفٍّ ولا شَبَّابَة، ويرْقصُ هو وأصْحَابُه.
زُرْتُ قبر رُوْزبَهَان بن أبي بَكْر بن مُحَمَّد بن أبي القَاسِم الفَارسِيّ بالقَرَافَة بسَفْح جَبَل المُقَطَّم بمِصْر، في بَعْضِ قَدْمَاتي إلى مِصْر، فقَرأتُ على عَمُود قَبْره مَكْتُوبًا أنَّهُ تُوفِّي صَبَاح يَوْم الأرْبَعَاء خامس ذي القَعْدَة من سَنَة ثَمانٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، ورَأيْتُ قُبَيْرًا صَغِيرًا عند باب التُّرْبَة، ومعي بَعْضُ صُلَحَاء مِصْر، فقال لي: هذا قَبْر قِطٍّ كان لرُوْزبَهَار، كان لا يَأكُل في شْهر رَمَضَان شيئًا إلَّا وقت الإفْطَار، وكان يأنَس به ويَبِيْتُ عند رِجْليهِ، ولمّا مَاتَ الشَّيْخ ماتَ القِطّ يَوْم مَوْته فدُفِنَ عندَهُ في التُّرْبَة، والقُبير ظَاهِرٌ يَراهُ كُلّ مَنْ يَزُوره.
أنْبَأنَا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المُنْذِريّ (٢)، قال: رُوْزبَهَان هو الشَّيْخ الصَّالِح رُوْزبَهَان بن أبي بَكْر بن مُحَمَّد بن أبي القَاسِم الفَارسِيّ الكَازَرُونِيّ الصُّوْفيّ، تُوفِّي في يَوْم الأرْبَعَاء الخامِس من ذي القَعْدَة سَنَة ثَمانٍ وسبعِين وخمسِمائة، وقبره ظاهِرٌ يُزار ويُتَبَرَّكُ بهِ بجانِب بئر الحاجِب لُؤلُو.
стр. 4730
رُوَيْمْ الشَّيْبَانِيّ (١)
وقيل: يَزِيْد بن رُوَيْم.
أحَدُ وُجُوه أصْحَاب عليّ ﵁، وشَهِدَ معهُ صِفِّيْن، وكان على رجَّالة الذُّهْلِيِّيْن يوْمئذٍ، وقيل: على ذُهْل الكُوفَة.
رِئَاب بن حُنَيْف (٢)
قيل إنَّ له صُحْبَةً، وأنَّهُ شَهِدَ صِفِّينَ مع عليٍّ ﵁، وقُتِلَ يَوْمئذٍ (a) .
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ رِيَاح
رِيَاح بن الحارِث النَّخَعيِّ (٣)
شَهدَ صِفِّيْنَ مع عليّ بن أبي طَالِب ﵁، ورَوَى عن عليّ، وسَعِيْد بن زَيْد، وعَمَّار، وأبي أَيُّوب الأنْصَاريّ، ورَوَى عن عَمَّار بن يَاسِر قَوْلَهُ.