← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بابٌ في ذِكْر البحَيْراتِ الْتي في أعْمَال حَلَب وتُسَمَّى الواحدَةُ منها بُحيَرَة لانْبساطها على ظَهْر الأرْضِ في سَعَةٍ وامْتدادٍ تَشْبيهًا بالبَحْر، وتَخْرجُ عن حُدُودِ الأنْهار. فمنها: بُحيَرَةُ أفامِيَة (١): وهي بُحيَرةٌ كبيرةٌ مَذْكُورةٌ، ويُجْلَبُ منها السَّمَكُ السِّلَّوْر، وهو الجرِّيْثُ (٢)، ويُقالُ: إنَّ قُوَيْق إذا مَدَّ في الشِّتَاء، وغاض ماؤُهُ في الأَجَمَة بالمَطْخ، يَحْمَرُّ ماءُ بُحيَرَة أفَامِيَة، فَيَقُولُونَ إنَّه يَمُرّ تحت الأرْض إلى بُحيُرُة أفَامِيَة، وقد ذَكرنا ذلك فيما تقدَّم (٣)، وقال بعضُهم: إنَّ السِّلَّوْر يَحِيْضُ في ذلك الأوان فَيحْمرُّ ماؤُها، واللهُ أعْلَمُ بذلك؛ ويُضمن سِلَّوْرُها بمبلَغٍ وافر. ومنها: بُحَيرةُ يَغْرَا (٤): وهي بُحَيرَةٌ كبيرةٌ في جانب العَمْق، مُسْتطيلَة بعَمْق أنْطاكِيَة، وتُعْرفُ أيضًا ببحُيَرَة بَغْراَس، ويُجْلَبُ منها السَّمَكُ الكَثير، ولها ارتفاعُ وافرٌ أيضًا.

стр. 527

ومنها: بُحيَرَةُ أَنْزَنِيْت (١): وهي بُحيَرَةٌ أصْغَر من البُحَيرَتَيْن اللَّتَيْن قدَّمنا ذِكَرهما، وهي بُحيَرَة على جانبها تَلٌّ عالٍ، عليهِ قَرْيَةٌ يُقالُ لها: أَنْزَنِيْت بالقُرْبِ من مَدِينَة الحَدَث، وتَخْم بلادِ الرُّوم، وأهلها أرْمَن، وهي اليوم من عَمَل بَهَسَني؛ بينها وبين الحَدَث. بابٌ في ذِكْرِ الجِبَال المَذْكُورَة بحَلَب وأعْمالها ونَبدأُ أوَّلًا بالجِبَال الَّتي تَخْتَصُّ بها وبقُراها، ثُمّ نَذْكُر ما هو في عَمَلهِا سِوَاها؛ فأوَّلهُا: جَبَلُ جَوْشَن (٢) وهو جَبَل من غَرْبي مَدِينَة حَلَب، وفي لِحْفهِ نَهْر قُوَيْق، ويُسَمَّى قُوَيْق في ذلك المَوْضِع العَوَجَان. وهذا الجَبَل فيه مَعْدِن النُّحاس. وأخْبَرَني والِدي، ﵀، قال: إنَّما امْتَنَعُوا من عَمَل النُّحاس به لأنَّهُم عَمَلُوهُ فما حَصَلَ فيه فائدُة، وقيل: إنَّ سبَبَ عدم الفائدة فيهِ قلَّة الحَطَب بحَلَبَ. وقَرَأتُ بِخَطّ بعض الحَلَبِيِّين، وأظُنُّه بعض أعْيَان بني المَوْصُول، قال: ويُقالُ إنَّهُ بطَلَ منذُ عَبَر عليه سَبْيُ الحُسَين ونسَاؤُهُ وأولادُه ﵈، وأنَّ

стр. 528

زَوْجة الحُسَيْن كانت حَاملًا، وأنَّها أسْقَطَتْ هناكَ، وطلَبَتْ من الضِّياَع في ذلك الجَبَل خُبْزًا أو ماءً، وأنَّهم شَتَمُوها ومَنَعُوها فَدَعَتْ عليهم، وإلى الآن مَنْ عَمِلَ فيه لم يَرْبَح سوى التَّعَب. وقِبْليُّ الجَبَل فيهِ مَشْهَدٌ يُعرْفُ بالسِّقْط (١)، وهو يُسَمَّى مَشهَد الدَّكَّة، والسِّقْط يُسَمَّى المُحَسِّن بن الحُسَين. وسَمِعْتُ بعض شُيُوخ الشِّيْعَة بحَلَب يقول: كان دُعاؤها عليهم: لا أرْبَحَ اللهُ لكُم تِجارة، فما رَبِحوا بعدَها. قُلتُ: وللشِّيْعَة بحَلَب فيه اعْتقاد عَظيم، ويَنْذرُون له النُّذُور. وتَسْمِيَة السِّقْط بالمُحَسِّن لا أصْل له؛ لأنَّ السِّقْط لا يُسَمَّى، وإنْ كان اسْتَهل وسُمِّيَ، فكان ينبغي أن يَذْكرهُ النَّسَّابُون في كُتُبهم، ومع هذا لم يُذْكر (٢)، اللَّهُمَّ إلَّا إنْ كان الحُسَيْن ﵇ عَزَم على تسميَةِ ما في بَطْن امْرأته المُحَسِّن، فلمَّا أسْقَطَتْ أُطْلِق عليه هذا الاسم، لكن هذا وغيره لم يذكر في كتاب يعتمد عليه، وإنما يتداول الحلبيون ما ذَكَرناهُ. ولمَّا نَزَلَ الفِرِنْجُ على حَلَب وحَصَرُوها، في سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة، نبَشُوا الضَّريح الّذي يُقالُ به السِّقْط في المَشْهَد المذكور، ونَزَلُوا فيه، فلَم يَرَوا فيه شيئًا فأحْرَقُوه، وكان أبو الفَضْل بن الخَشَّاب حينئذٍ يَتَولَّى تَدبير أمْر المَدِينَة في الحِصَار،

стр. 529

فغَيَّر كَنَائِس النَّصَارَي بحَلَب، واتَّخَذ فيها مَحاريْبَ إلى جهة القِبلَةِ، وجَعلَها مَساجِدَ؛ أخْبرَني بذلك والدي ﵀ عن أبيه. وإنَّما عُرفَ هذا المْشْهَدُ بمَشْهَد الدَّكَّة، لأنَّ في سَطْح جَبَل جَوْشَن من شمالي المَشْهَد المَذْكُور، في مكانٍ مُشْرِف، صَخْرُة ناتئةُ في الجَبَل تُشْبه الدَّكَّة المَبْنِيَّة. ووقفْتُ يومًا عليها ومعي رَضي الدِّين أبو سَالِم بن المُنْذر، وكان شَيْخًا حَسَنًا من أعْياَن الحَلَبِّيينَ، فقال لي: هذه الدَّكَّة كان يَجْلِسُ عليها الأمِيرُ سَيْفُ الدَّوْلَة ابن حَمْدَان كَثِيْرًا، ويَتَفرِّجُ على مَدِينَة حَلَب وما حَوْلَها، فلا يَسْتَتر عنْهُ شيء منها؛ وهذا المَشْهَدُ جَدَّدَ عِمَارتَهُ قَسِيمُ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر والد زَنْكِي، واسْمُهُ عليه. وفي سَفْح جَبَل جَوْشَن، من شَماَلي مَشْهَد الدَّكةَّ، مَشْهَدُ آخر يُسَمَّى مَشْهَد الحُسَيْن، بناهُ الحَلَبِيُّون لمنامٍ زَعَمُوا أنَّهُ رُأَى، وتَنَوَّقُوا في بنائه وإحْكامِهِ ومَنْجُوره، وتبَرَّع جَمَاعَةُ من الصُّناّع في عِماَرَة شيءٍ منه، وأظْهر صَنْعتَه فيه؛ ووقَفَ المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي، ﵀، عليه وَقْفًا حَسَنًا، اسْتمالةً لُقلُوبِ الشِّيْعَة من أهل حَلَب. وكان في سَفْح جَبَل جَوْشَن دَيْرٌ للنَّصارَى يُعرفُ بدَيْر البِيْعَتَيْن، ويُعرْفُ أيضًا بمارْة مَرُوثا، وقد ذكَرَهُ الشِّمْشَاطيِّ في كتاب الدِّيَرةَ (١). وقيل إنَّ سَيْف الدَّوْلَة كان أيَّام مقامه بالحَلْبَة في قَصْرِه كان يَنْتَابُ هذا الدَّيْر، ويُحْسنُ إلى أهْله، وقد خَرِبَ هذا الدَّيْر بالكُلِّيَّة، ولم يبقَ له أثَرٌ، وكان من شمالي مَشْهَد الحُسَين، وأرَاني مَوضِعَهُ بعضُ أكابر أهْل حَلَب.

стр. 530

وقد ذكَرَهُ أبو عِيسَى صَالح بن مُحمَّد بن إسْمَاعيل بن صالح بن عليّ الهاشمّي في قَصِيدَة قالَها في إحْراق المُتَنَزَّهات حَول حَلَب، وأظُنُّ أنَّ سَيْما الطَّويل أحْرقها، أوَّل القَصِيدَة: [من الوافر] عَفَا أثرُ من المُتنزَّهات قال فيها: إلى البُرْج المُنِيْف فبِيْعَتَيْهِ … إلى تلك الدِّيار الخاَلِيَات وهذا الدِّيْر هو الّذي عَنَاهُ الخَالِديَّان بقولهما من قَصِيدَةٍ يأتي ذكْرها في مَوضِعها (١): [من الكامل] واسْتَشْرفَتْ نَفْسِي إلى مُستَشرفٍ … للدَّير تاهَ بحُسْنه وبطِيْبهِ فنَعمتُ بين رياضِه وغياضِهِ … وسكرتُ بين سكُوره وعُرُوبهِ وقد ذكَرَ جَمَاعَة من الشُّعَرَاء جَبَل جَوْشَن، فمنهم أبو بَكْر الصَّنَوْبَريّ، قال (٢): [من المتقارب] فللظَّهْرِ من حَلَبٍ مَنْزلٌ … تُثَابُ العُيونُ على حَجِّهِ أعِدْ نحوَ جَوْشَنِهِ نَظرةً .... إلى بِيْعَتَيْهِ إلى بُرْجِهِ وأنْشَدَنا الخَطِيبُ أبو عَبْد الله مُحمَّد بن هاشِم بن أحمد بن عَبْد الواحد الحَلَبِيّ، قال: أنْشَدَنا أبي هاشِم الخَطِيب بحَلَب، قال: أنْشدَنا أبي أحمد بن عَبْد الوَاحِد الأسَدِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحمَّد عَبْدُ الله بن مُحمَّد بن سِنَان الخَفَاجِيّ الحَلَبيِّ (٣) لنفسه:] من الكامل]

стр. 531

قُلْ للنَّسِيْم إذا حملْتَ تَحيَّةً … فاهْدِ السَّلامَ لجَوْشَنٍ وهِضَابهِ واسْألْهُ هل سَحَبَ الرَّبيْعُ رِدَاءَهُ … فيها وجَرَّ الفَضْلَ من هُدَّابهِ وتبسَّمَتْ عنْهُ الرِّيَاضُ وأَفْصَحَتْ … بثَناءِ بارقهِ ومَدْحِ سَحَابهِ فلقَدْ حَنَنْتُ وعَادَنِي من نَحْوه … شَجَنُ بَخِلْتُ به على خُطَّابهِ وأنْشَدَنا أبو عَبْد الله الخَطِيبُ، قال: أنْشَدَني أبي، قال: أنْشَدَني أبي، قال: أنْشَدَنا أبو مُحمَّد الخَفَاجِيّ لنفسِه (١): [من الكامل] يا بَرْقُ طَالِعْ مِن ثَنِيَّة جَوْشَنٍ … حَلَبًا وَحَيِّ كَريْمَةً من أَهْلِهَا وقال الأُسْتاَذ أبو نَصْر مَنْصُور بن المُسَلَّم بن أبي الخُرْجَين الحَلَبيِّ الَمعْرُوف بالدُّمَيْك: [من الطويل] عسَى مَوْردٌ من سَفْح جَوْشَنَ ناقِعٌ … فإنِّي إلى تلكَ الموارد ظَمْآنُ وما كُلُّ ظنٍّ ظنَّهُ المَرْء كائنٌ … يَقُومُ عليهِ للحَقِيْقة بُرْهَانُ ذِكْرُ جَبَل بَانَقُوَسَا (٢) وهو جَبَلٌ مُمتدٌّ، قليل الارْتِفاع، من شَرْقيّ مَدينَة حَلَب، بينها وبين بَابِلَّي، وحَلَب فيما بينَهُ وبين جَبَل جَوْشَن، وقد كان مَسْكُونًا وفيه آثار صَهاريج للماء، ولم يبقَ من أثر بُنْيانهِ القديم غير الصَّهاريج، ثمّ بُني في سَفْحه أبْنية كَثِيرْة جُدِّد أكثرها في أيَّام المَلِك العزيز مُحمَّد بن المَلِك الظَّاهِر، ثم اتَّصل البناء إلى سَطْح

стр. 532

الجَبَل، وبُني عليه منازل كثيرة في دولة المَلِك النَّاصر صلاح الدِّين يوسف بن المَلِك العزيز، أعَّز اللهُ أنْصَارَهُ. وقيل: إنَّ مَنْبَت خشب الشُّربين بحلب كان ببَانَقُوسَا، وهو خشب السَّرْو، ومنه كانت تُعْمل السُّقوف بحلب، والسُّقُوف في آدُر حلب القديمة والأنجاف من خشب الشُّربين، ويدل على ذلك وصف الصَّنَوْبَريّ حلب بكثرة السَّرو كما في قوله في القصيدة الهائيَّة التي يأتي ذِكْرُها في باب مدح حلب إن شاء الله (١): [من مجزوء الرمل] أيُّ حُسْنِ ما حَوَتْهُ … حَلَبُ أو مَا حَوَاها سَرْوُهَا الدَّاني کما تَدْ … نُو فتاةٌ لفتاهَا (a) وفيها: بَانَقُوسَاهَا بِهَا با … هَي المُبَاهِي حَيْثُ بَاهَا (b) وأخبرنا قاضي العسكر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الخضر، قال: كانت حلب من أكثر المُدُنِ شَجَرًا، فأفْنَى شَجَرها وقوع الخُلْف بين سَيْف الدولة ابن حمدان وبين الإخشيد أبي بكر محمد بن طُغْج؛ فإنَّ الإخْشِيَد كان يَنْزلُ على حَلَب ويُحاصرها، ويَقْطَع شَجرها، فإذا أخَذَها وصَعَدَ إلى مِصَر، جاء سَيْف الدَّولة، وفعل بها مثل ذلك، وتكرر ذلك منهما حتى فني ما بها من الشَّجَر.

стр. 533

واتَّفقَ بعد ذلك ذلك نُزول الرُّوم على حلب، وأخذ المدينة في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ففَنَى شجر الشُّربين لذلك، وكانت الوقعة بين سيف الدولة وبين الدُّمُسْتُق في هذه السنة في سفح بَانَقُوسَا، وسُمِّيَت وَقْعَة بَانَقُوسا، وقُتِل فيها جماعةٌ من أهلهِ وكُتَّابه؛ وكان عَسْكَره غائبًا مع نَجَا، واستولى الدُّمُسْتُق على حلب تسعة أيام، وسنذكر الوقعة فيما يأتي من كتابنا هذا في موضعها (١). والحيَّاتُ الّتي ببَانَقُوسا قَوَاتِل لا يَسْلَم مَنْ لَدَغَتْهُ بل يَمُوتُ في الحال، وحَيَّاتٌ داخل المديْنَة لا تكادُ تَقْتُل أحدًا. وبين المَدِينَة وبين بَانَقُوسَا مِقْدَار شَوْط من جَرْي الفَرَس. وقد ذُكِرَتْ بَانَقُوسَا كثيرًا في الشِّعْر، وقال الصَّنَوْبَريُّ في القَصِيدَة الجِيْميَّة بعد البيتَيْن الّلذين ذَكَرناهُما في جبل جَوْشَن (٢): [من المتقارب] إلى بانَقُوساهُ تلك الّتي … حكَتْ راكبًا لاح من فَجِّهِ لتَرْتاضَ نَفْسَك في رَوْضِهِ … ويمرجُ (a) طَرْفُكَ في مَرْجِهِ وقال أبو عبادة الوليد بن عُبَيْد البُحْتُرِيّ (٣) يذكُرُ بَانقُوسَا و بَابِلَّي وبُطْياس: [من البسيط] أقامُ كُلُّ مُلِثِّ الوَدْقِ رَجَّاسِ … على دِيَارٍ بعُلْوِ الشَّام أدْرَاس فيها لعَلْوةَ مُصْطَافٌ ومُرْتَبَعٌ … من بَانَقُوسَا وبابِلَّي وبُطْيَاسِ (b)

стр. 534

مَنَازلٌ أنْكَرَتْنا بعدَ مَعْرِفةٍ … وأوْحَشَتْ من هَوَانا بعد إيْنَاس هَل من سَبيْل إلى الظُّهْران من حَلَبٍ … ونَشْوَةٍ بين ذاك الوَرد والآس؟ إذا أقبل الرّيح والأيَّام مُقْبلةٌ … من أهْيَفٍ خَنثِ العطفَين مَيَّاس ذِكْرُ جَبَل سِمْعَان (١) وهذا الجَبَلُ غربي مدينة حلب، أوَّله شمالي جبل جَوْشَن، ثُمّ يمتدُّ غَرْبًا ويتَّصل بجبال عدة محسوبة منه إلى كورة تِيْزيْن. وهو جَبَلٌ نَرهٌ، كثير الشَّجَر من التِّيْن والزَّيْتُون والكَرْم والكُمَّثْرَي، وفيه آثارٌ عظيمة من بناء الروم، وفيه دَيْر سِمْعَان، وكان من الأبنية العظيمة المستحسنة التي تُقْصَد لحُسْنها، وكان على الدَّيْر حِصْن مانعِ، أخْرَبَهُ سَعْدُ الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة ابن حمدان، خوفًا من غلبة الروم عليه، ومضايقتهم حلب به. وهذا الدَّيْر غير دَيْر سَمِعَان الذي دُفِنَ فيه عُمَر بن عبد العزيز ﵁ بالقرب من مَعَرَّة النعمان، ويُعْرَفُ بَديْر النَّقِيْرَة أيضًا (٢).

стр. 535

وفي هذا الدَّيْر الذي بجبل سِمْعان يقُول أبو الفَوارِس بن أبي الفَرَج الأُسْتاَذ البُزَاعِيّ، أنْشَدَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن أبي غانم بن إبراهيم بن سِنْدي الحَلَبيِّ، قال: أنْشَدَني أبو الفَوَارِس بن أبي الفَرَج البُزَاعِيّ الأُستاذ لنفسه، وكتبها على حائط دَيْر سِمْعان؛ وقرأتُ هذه الأبيات أيضًا بخطِّ الَّلطيف عليّ بن سِنَان السَّرَّاج (a)، وذَكرَ أنَّه أنشَدهُ إيَّاها أبو الفَوَارِس لنَفْسه، وكتبها على حائط دَيْر سِمْعان، وقد أتاهُ مُتَفَرِّجًا في سَنَة إحْدَى وثمانين وخمسمائة: [من البسيط] يا دَيْر سِمْعان قُل لي أين سِمْعانُ … وأين بانُوك خَبرني متَى بانُوا وأين سُكاَّنُك القَوْم الأُلَى سَلَفُوا … قد أصْبَحُوا وهُمُ في التُّرب سُكَّانُ أَصْبَحْتَ قَفْرًا خَرَابًا مثْلَ ما خَرِبُوا … بالموْتِ ثمّ انْقَضَى عمرُ وعُمرانُ وقَفْتُ أسْألُهُ جَهْلًا ليُخْبرنَي … هيهات من صَامتٍ بالنُّطق تبْيَانُ أجابني بلسَانِ الحالِ إنَّهمُ … كانُوا ويَكْفيك قَوْلي إنَّهم كَانُوا وقيل: إنَّ هذا الجبل يُنْسَبُ إلى سِمْعَان حواري عِيسَى ﵇ الذي ينسب الدَّيْرُ إليه، وسنذكر ترجمته إن شاء الله (١). وقيل: سِمْعَان هو اسْم الجَبَل نَفْسِه، والدَّيْر المذكور مضاف إلى الجَبَل المُسَمَّى بسَمْعان؛ ويدل على ذلك ما أخبرنا أبو البيان نَبأ بن أبي المكارم بن هَجَّام الحَنَفيِّ بالقاهرة المُعِزِّيَّة، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن منصور الحَضْرَميّ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازيّ، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السَّعْدِيّ، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله ابن أحمد بن عليّ المُقْرِئ، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن دَرَسْتَوَيْه،

стр. 536

قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللّهِ مُحمَّد بن نُعَيْم، قال: حَدَّثَنا أبو عَليّ عُبيد اللّه الدَّارِسيّ (a)، حَدَّثَني أبو مَسْعُود عُبَيْد بن سُمَيعْ، عن الكَلْبِيّ، عن أبي صَالِح، عن ابن عَبَّاسٍ، قال: لَمَّا قَدِم وَفْدُ إيَادٍ قال لهم رسُول اللّه ﷺ (١): ما فَعل قُسُّ بن سَاعِدَة؟ قالوا: ماتَ يا رسُول اللّهِ، قال: يَرْحَم اللّهُ قُسَّ بن سَاعِدَة؛ كأنّي أنظُر إليهِ بسُوْق عُكَاظ على جَمَلٍ له أَوْرَق (b)، وهو يتكلَّم بكلامٍ عليه حَلَاوة، وما أجدني أحفظُهُ؛ فقال أبو بَكْر ﵁: سَمِعْتُه يقول بسُوْق عُكَاظ: أيُّها النَّاس، اسْمَعُوا واحْفَظُوا، مَنْ عاش مات، ومَنْ مات فات، وكُلّ ما هو آتٍ آت، ليل دَاج، وسَمَاء ذَات أبْراج، وبِحَار تزْخَرُ، ونُجُوم تزهَرُ، ومَطَر ونَبَاتٌ، وآباءٌ وأُمَّهات، وذَاهبٌ وآتٍ، وضَوْءٌ وظَلام، وبرّ وأثَامٌ، ولباسُ ومَرْكب، ومَطْعَمِ ومشْرب، إنَّ في السَّماء لخَبرًا، وإنَّ في الأرْض لعِبَرًا، ما لي أرَى النَّاسَ يذهبُونَ ولا يَرجِعُونَ؟ أَرَضُوْا بالمقامِ هُنالك فأقامُوا؟ أم تُركُوا هنالك فَنَامُوا؟ يُقْسِم باللّهِ قُسُّ بنُ سَاعِدَةَ قَسَمًا بَرًّا لا إثْم فيهِ، ما للّهِ في الأرْض دِيْنٌ أحَبّ إليهِ من دِين قد أظَلَّكُمُ زَمَانُهُ، وأدْرَككُم أوَانُه، طُوْبَى لمَنْ أدْركَهُ فتابَعَهُ، ووَيْلٌ لمَنْ أدْرَكَهُ ففَارقَهُ، ثُمّ أنْشَأَ يقُولُ (٢): [من مجزوء الكامل]

стр. 537

في الذَّاهبِيْنَ الأوَّليْـ … ـن من القُرُون لنا بَصَائرْ لَمَّا رأيْتُ مَوَارِدًا … للمَوْتِ ليسَ لها مَصَادِرْ ورَأَيْتُ قَوْي نَحْوَها … يَمضِي الأصَاغرُ والأكابِرْ لا مَنْ مَضَى منهم يرا … جِعُهُم ولا البَاقي بغَابِرْ أَيْقَنْتُ أنّي لا مَحا … لَة حيثُ صَارَ القَوْمُ صَائِرْ فقال رسُولُ اللّه ﷺ : رَحمَ اللّهُ قُسَّ بن سَاعِدَةَ؛ إنِّي لأرْجُو أنْ يأتيَ يومَ القِيامَة أُمَّةً وحْدَهُ، فقال رَجُلٌ من القَوْم: يا رسُول اللّه، لقد رأيتُ من قُسٍّ عَجَبًا، قال: وماذا الّذي رأيتَ؟ قال: بَيْنَا أنا يَومًا بجَبَلٍ في ناحيَتَنا يُقالُ لهُ سِمْعَان في يوم قائظٍ شَدِيد الحَرّ، إذا أنا بقُسٍّ بن سَاعِدَةَ في ظلّ شَجَرة عندَها عينٌ من ماءٍ، وإذا حَوْلَهُ سِبَاعٌ كَثِيْرةٌ قد وَرَدَتْ، وهي تَشْرَبُ من الماء، فإذا زَأَر سَبُعٌ منها على صَاحبِهِ ضَرَبَهُ بيَده، وقال: كُفَّ حتَّى يَشْرَبَ الّذي وَرَد قبلَك، فلمَّا رأيتُهُ وما حولهُ من السِّبَاع هَالَنِي ذلك، ودخَلَني رُعبٌ شديدٌ، فقال لي: لا تَخَفْ، لا بأسَ عليك إنْ شَاءَ اللّهُ، وإذا أنا بقَبْرَيْن بينهما مَسْجِدٌ، فلَّا أَنسْتُ به قُلْتُ له: ما هَذانِ القَبْران؟ قال: هذان قَبْرا أخَوَين كانا لي يَعْبُدان اللّه في هذا المَوْضِع، واتَّخَذْتُ فيما بينهما مَسْجِدًا أعْبدُ اللّه فيهِ حتَّى ألْحقَ بهما، ثمّ ذَكَر أيَّاما وفعالَهُمَا، فبكَل ثمّ قال (١): [من الطّويل] خَلِيْليَّ هُبَّا طالَ ما قَد رَقَدْتُما … أجِدَّكُمَا لا تَقْضيَان كَرَاكُمَا ألَمْ تَعْلَما أَنّي بِسمْعَان مُفْرَدٌ … وما لِيَ فيها من حَبِيْبٍ سِوَاكُمَا

стр. 538

أُقِيمُ على قَبْرَيْكُمَا لَسْتُ نازحًا … طِوَالَ اللَّيالِي أو يُجِيْب صَدَاكُمَا أبكيّكُمَا طُوْلَ الحياة وما الّذي … يَرُدُّ على ذِي لوعَةٍ إنْ بَكَاكُمَا كأنَّكُما والمَوْتُ أقْربُ غايَةٍ … برُوْحِيَ في قَبْريكُما قَدْ أَتاكُمَا فلَوْ جُعِلَتْ نَفْسٌ لنَفْسٍ وقَايةً … لَجُدْت بنَفْسي أنْ تكُون وقَاكُمَا فقال رسُول اللّه ﷺ : يَرْحَمُ اللّهُ قُسُّ بن سَاعِدَةَ. فقد صرَّح في هذا الخَبَر بقوله: بجبَلٍ في ناحيتنا يُقالُ لهُ سِمْعَان، وفي الشِّعْر: [من الطّويل] أَلَمْ تَعْلَما أنّي بسِمْعَان مُفْرَدٌ ويَجُوز أنْ يكون الجَبَلُ في الأصْلِ مَنْسُوبًا إلى سِمْعَان، ثمّ غلبَ الاسْم على الجَبَل، كما سُمِّي جَبَل البِشْر باسم رَجُل يُقالُ لهُ البِشْر، ثُمّ غلبَ على الجَبَل، ومِثْلُ هذا كَثِيْر في كلام العَرَب. وفي هذا الجَبَل قَرْيَة يُقالُ لها: رُوْحِين (١)، وفي أرْضِها مَشْهَدٌ حَسَنٌ يُقَالُ لهُ: مَشْهَد رُوْحِين، وفيه قُبُور ثلاثة، قيل: إنَّ أحَدَ القُبُور قَبَر قُسّ (٢)، وإلى جانبهِ عَيْن إذا زادَ الماء سرحَتْ. وَسَنَذْكُره فيما يأتي من المَزارَات بمَدِينَة حَلَب وأعْمالها إنْ شَاءَ اللّهُ.

стр. 539

وفي وَسَط هذا الجَبَل جَبَل عال شاهق على الجِبَال الّتي حَوْله، يُقالُ لهُ: بيت لَاهَا (١)، وهو. بَيْتُ لَاهَا الشَّرْقيّ، لأنَّ جَبَل اللُّكَام يُقالُ لهُ بيت لَاهَا الغَرْبيّ، ومَعْناهُ بِالسُّرْيَانيَّة: بَيْتُ اللّهِ، ويُقالُ: إنَّ إبْرَاهِيم ﵇ لمَّا هاجَرَ إلى الشَّام كان يرْعَى غنمَهُ من أرْض حَلَب إلى بيت لَاهَا، ويُقالُ لِمَا حَوْله من الجِبَال: جَبَل لَيْلُوْن، وقيل فيه: لَوْلُوْن، كذا ذَكَرهُ البَلاذُرِيّ في حَديث الجُرَاجمة (٢). وهو من أحْسَن الأماكن وأكثرها بهجة، وجَمِيعها من جَبَل سِمْعَان. وأنْشَدَني مَنْصُور بن سَعيد بن أبي العَلاءِ الحَلَبِيّ، قال: أنْشَدَني عِيسَى بنُ سَعْدَان لنَفْسِه (٣): [من الطّويل] يا دَارَ عَلْوَةَ ما جِيْدِي (a) بمنعَطفٍ … إلى سوَاكَ، ولا قَلْبي بمُنْجَذِبِ ويا قُرَى الشَّام من لَيْلُونَ لا بَخِلَتْ … على بلادِكُم هَطَّالَةُ السُّحُبِ مَا مَرَّ بَرْقُك مُجْتازًا على بَصَري … إلَّا وَذَكَّرني الدَّارَينْ من حَلَبِ لَيْتَ العَوَاصِمَ من شَرقي فَامِيَةٍ … أهْدَتْ إليَّ نَسِيْمَ البَانِ والغَرَبِ مَا كان أطْيَبَ أيَّامِي بقُرْبِهِمِ … حتَّى رَمَتْنا عَوَادِي الدَّهْر عن كَثَبِ ولمحاسِن بن إسمَاعيْل بن عليّ الشَّوَّاء من قَصِيدَةٍ أوَّلُها: [من الخفيف] أيُّها المُزْنُ إنْ طرقْتَ الأحَصَّا … فاسْق منهُ ذَاكَ المكَان الأخَصَّا قال فيها: وتَعَهَّدْ لَيْلُوْن لَيْلًا تَجد زُهْـ … ـرَ عِرَاصٍ تَحْكي بروقَك عرْصَا

стр. 540

ذِكْرُ الجَبَل الأعْلَى (١) وهو جَبَلٌ عالٍ يَتَّصِل بجَبَل سِمْعَان من جهة الشَّمَال، وبجَبَل السُّمَّاق من قِبْليّهِ، ومن غَرْبي هذا الجَبَل أَرْمَنَاز (٢) وكُوْرتها، ومن شَرقيّه الحَفَّة والجَزْر، وفيهِ من العَمَائِر وبناء الرُّوم آثار تَروق الطّرف، وتَبْسط النَّفْس، وهو كَثِيْر الأشْجَار من التِّيْن والزَّيْتُون والرُّمَّان والجَوْز والسُّمَّاق، وفيه قُرَى فيها أعْيُن ماءٍ، وكذلك القُرَى التي في لِحْف هذا الجَبَل، وتَحُفّ به من جَوانبِه الأرْبع. وقَرَأتُ بِخَطِّ حَمْدَان بن عَبْد الرَّحِيْم بن حَمْدَان الأثارِبيّ من أجْزاءٍ من شِعْرِهِ، سَيَّرها إليَّ القَاضِي أبو مُحمَّد الحَسَنُ بن إبْرَاهِيْم بن الخَشَّاب، صَديقنا ﵀، فنَقَلْتُ منهُ أبياتًا كتَبها بعد خُرُوجهِ من معرْبُونيّة (٣)، وهي قَرْيَة كانت ملكُهُ في جانب هذا الجَبَل، إلى جيرانهِ بها، وهي (٤): [من الطّويل] أَسُكَّانَ عُرْشِيْن (a) القُصُور عليكُمُ … سَلَامِيَ ما هَبَّتْ صَبًا وقَبُولُ

стр. 541

ألَا هَلْ إلى حَثّ المَطَايا إليْكُمُ … وشَمِّ خُزَامَى حَرْبَنُوشَ سَبِيْلُ وهَلْ غَفَلَاتُ العَيْشِ في دَيْر مَرْقُسٍ … تَعود وظِلُّ اللَّهو فيه ظَلِيْلُ إذا ذكَرَتْ لذَّاتَها النَّفْسُ عنْدَكُم … تلاقَى عليها زَفْرَةٌ وعَوِيْلُ بِلادٌ بها أَمْسَى الهَوَى غير أنّني … أميْلُ مع الأقْدَار حيثُ تَمِيْلُ ذِكْرُ جَبَل السُّمَّاق (٥) وهو جَبَلٌ يَشْتملُ على جِبَال وقُرَىً من أنْزَهِ البِقَاعِ وأعْجَبها، وأحْسنِ الأماكنِ وأطْيَبها، وفيه من الأبْنيَة الرُّومِيَّة والآثار، والفَوَاكِه الحَسَنَة والثِّمَار، ما يتجاوز الوصْف، ويسرُّ النَّفْس، ويُقرّ الطّرف. ويُزْرع في أرْضِه القَطَانِي كُلّها، والقِثَّاء والحُبُوب، فتأقي على أكْمل ما يكونُ في الأراضي الّتي تُسْقَى بالماء، وكذلك أشْجَاره فإنَّها قد عَمَّت الجِبَال والبِقَاع والأوْدِيَة والتِّلَاع، من التِّيْن والعِنَب والفُسْتُق واللَّوْز والجَوْز والتُّفَّاح والمِشْمِش والكُمَّثْرَى والسُّمَّاق، وإنَّما عُرِفَ بجَبَل السُّمَّاق لكَثرتهِ فيه، وسُمَّاقُهُ أجْوَدُ من غيره. وقُراهُ قُرى نَزِهَةٌ عَامِرَةٌ، وفي بَعْضِها ماء نَبِع وعُيُون وأكْثَرها من ماء المَطَر، وفي قرَاها قَرْيَةٌ يُقالُ لها: إصْطمَك (٦)، فيها مَصْنعٌ عَظيمٌ للماءِ من بناء الرُّوم، مَبْنِيّ بالحَجَر الهِرَقْليّ على قَناطر كَثِرة مُحْكمة البناء، وهو من عجَائب العَمَائِر.

стр. 542

والغَالِبُ من أهل هذا الجَبَل أَسَدِيُّونَ من بَنِي كَاهِلٍ، ومَذَاهب عامَّتهم في زمَنِنا هذا مَذْهب الإسْمَاعِيليَّةِ النِّزَارِيَّة. وكان أحْمَد بن عَبْد اللّه بن طَاهِر بن الحُسَيْن أبو الفَضْل قد قَدِمَ الشَّام، ونزلَ بجَبَل السُّمَّاق، فاسْتَطاب ماءه، واسْتَلَذّ هواءه، وأُعْجِبَ به إعْجابًا كَثِيْرًا، ورَحَل عنه فقال (١): [من السريع] يا جَبَلَ السُّمَّاق سَقيًا لَكَا … ما فَعلَ الظّي الّذي حَلَّكا فارقْتُ أطْلالَكَ (a) لا أنَّهُ … قَلاك قلي لا وَلا مَلَّكَا (b) فأيّ لذَّاتِك (c) أبْكي دَمًا … ماءَكَ أمْ طَينكَ (d) أم ظِلَّكَا أم نَفَحاتٍ منكَ تنْدَى (e) إذا … دَمعُ النَّدَى إثر (f) الدُّجى بَلَّكَا ومن شِعْر عِيسَى بن سَعْدَان الحَلَبِيّ في ذِكْره (٢): [من البسيط] عَهْدِي بها في روَاق الصُّبْح لامِعَةً … تَلْوِي ضفَائر (g) ذاكَ الفَاحِم الرَّجِلِ وقَوْلُها وشُعَاعُ الشَّمْس مُنْخَرِطٌ … حُيِّيت يا جَبَل السُّمَّاق من جَبَلِ

стр. 543

ذِكْرُ جَبَل الطّور بقِنَّسْرِيْن وهو جَبَلٌ عالٍ، مَدِينَة قِنَّسْرِيْن كانت في لِحْفه من جهَة القِبْلَة والشَّرق، ونَهْر قُوَيْق يَمُرّ من شَرْقيّهِ، وفي رأسهِ مَشْهَدٌ يُقالُ إنَّهُ مَقام صالِح النَّبِيّ ﷺ ، ويقُولونَ إنَّ النَّاقَة خَرجَتْ منهُ، وهذا لا أصْلَ لَهُ؛ فإنَّ صَالِحًا ﵇ كان بالحِجْر، وقَتَلَ قَوْمُهُ النَّاقَةَ بالحِجْر، والّذي يَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّ هذا المَشْهَد بناهُ صَالِح بن عليّ بن عَبْد اللّه بن عَبَّاسٍ، فنُسِبَ إلى صالح النَّبِيّ ﵇. ذِكرُ جَبَل بَنِي عُلَيْم وهوِ مَنْسُوبُ إلى بَني عُلَيْم بن جَنَاب بن كَلْب بن وَبْرَة بن تَغْلِب بن صُلْوَان، نَزَلُوهُ فعُرفَ بهم، ونَسْلُهم بهِ إلى اليَوْم، وسيأتي في أثناء كتابنا هذا ذِكْر جَمَاعَة منهم (١) إنْ شَاءَ اللّهُ. وهو جَبَلٌ عالٍ مُشْرِف على جَبَل السُّمَّاق، وفي ذَيلِه قَرْيَة كبيرة يُقالُ لها رِيْحا (٢). وفي رأس الجَبَل عينُ ماءٍ في مَوضِعٍ يُقالُ لهُ الكَرْسَانِيّ (٣)، فيهِ أشْجَار على العَين، من الجَوْز وغيره، ويُشْرف ذلك المَوْضِعُ على جَبَل السُّمَّاق وغيره، ويَقْصدُ

стр. 544

النَّاس هذا المَوْضِع للنُّزْهةِ به من حَلَب وغيرها، ويَنْحدرُ الماءُ في هذا الجَبَل إلى أسْفَله، فيَجْري في قَريَةِ رِيْحَا، ويَنْتَفعُون به للشُّرب والحَمَّام، ونَفْس القَرْيَةِ إذا حُفِر فيها بئر لا يَصِلُونَ إلى مَنْبع الماء إلَّا بعد مُجاوزةِ ثلاثمائة ذِرَاع، وفي القَرْيَة أبْنِيَة عَظِيمَة من بناء الرُّوم. وفي هذا الجَبَل، قِبْلي الكَرْسَانِيّ، قَرْيَةٌ يُقالُ لها: كَفَرْ لَاثَا في شِعْبٍ من شِعَابِه فيها عينُ ماء، وتحتها بَساتِيْن تَشْرَب منها، وهي من أَنْزَهِ البِقَاع تُشْرف على كُورَة قِنَّسْرِيْن وكُورَة حَلَب، وكان بها حِصْنٌ مَنِيعٌ اسْتَولَى عليه طنكري الفِرِنْجيّ، وأخَذَهُ من نُوَّابِ رِضْوَان بن تُتُش في سَنة ثَمان وتِسْعِين وأرْبَعِمائة، ففَتَحهُ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي في سَنة ستٍّ وأربعين وخَمْسِمائَة، وخرَّبَهُ. وفي قَرْيَةٍ من هذا الجبلِ يُقالُ لها نَحْلَة (١) مَقَابِر يُشَاهِدُ النَّاظِرُ النُّور عليها ليلًا عن بُعْدٍ، فإذا وَصَل إليها لا يَرَى شيئًا، وعليها كِتَابة بالرُّومِيَّة. حَكَى لي صَدِيقُنا بَهَاء الدِّين أبو مُحمَّد الحَسَن بن إبْرَاهِيمْ بن الخَشَّاب، ﵀، أنَّ الأَمِير سَيْف الدِّين عليّ بن قِلْج أمَرَ بأنْ تُنْقَل تلكَ الكابة، ودفَعها إلى بعض علماءَ الرُّوم بحَلَب، فترجَمها فكان فيها: هذا النُّور مَوْهبَةٌ من اللّهِ العَظِيْم لنا، أو ذكَر كلامًا نحو هذا، وفيهِ زِيَادةٌ عليه.

стр. 545

ذِكْرُ جَبَل الأَحَصّ (١) وهو من شَرْقي مَدِينَة حَلَب وقِبْليّها، ومن غَرْبيّه السُّهُول، ومن شَرقيّهِ بَرِّيَّة الرُّصَافَة، ومن شماليّه نُقْرَةُ بَني أَسَد، وهو جَبَلٌ كَبير وفيه قُرَىً عَامِرَة، كَثِيْرة الغَلَّةِ، وفيهِ خُنَاصِرَة؛ مَنْزل عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ﵀، وفيه شُبَيْثٌ؛ ماءٌ مَذكُور، وفيه يَقُولُ الشَّاعِرُ (٢): [من الطّويل] فَقَاَل تَجَاوَزْتَ الأَحَصَّ ومَاءَهُ … وَمَاءَ (a) شُبَيْثٍ وَهْوَ ذُو مُتَرَسَّمِ وكان جَسَّاس بن مُرَّة بن ذُهْلِ بن شَيْبَان، وهو قَاتِل كُلَيْب وَائِل، يَنْزلُ الأَحَصّ، فجرت وَقْعَة البَسُوس، فقَتَلَ جَسَّاس كُلَيْبًا، فلمَّا غشيَهُ المَوتُ قال لجَسَّاسٍ: أَغِثْني بشَرْبةٍ، فقال: تَجاوزْتَ شُبَيْثًا والأَحَصَّ، فأرْسَلَها مَثَلًا، ووقعَتْ الحربُ بين الحَيَّيْن بَكْرٍ وتَغْلِب على ما نذْكُره في مَوضِعه من هذا الكتاب (٣) إنْ شَاءَ اللّهُ.

стр. 546

وفي الأَحَصّ من المُدُن الخَرِبة: الأَنْدَرِين، وهي مَدِينَة خَرِبَة، مَبْنِيَّة بالحَجَر الأَسْوَد، على شَفِير البَرّبَّة، ويُنسَبُ إليها الخَمرُ، قال (١): [من الوافر] ألَا هُبِّي بصَحْنِكِ فاصْبَحِينا … ولا تُبْقي خُمورَ الأَنْدَرِيْنَا مُشَعْشَعَةً كأنَّ الحُصَّ فيها … إذا ما الماءُ خالَطَهَا سَخِيْنَا وتُنْسَبُ إليها الحِبَالُ أيضًا، قال النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِىُّ (٢): [من الطّويل] كأنِّي شَدَدْتُ الكُوْرَ حين شَدَدْتُه … على قَارحٍ ممَّا تَضَمَّنَ عَاقِلُ أَقَبَّ كعَقْدِ الأنْدَرِيَ مُعَقْرَبٍ … حَزابيَةٍ قد كَدَّحَتْهُ المَسَاحلُ أي: قَاتَلتْهُ الحُمرُ وطَاردَها. وفي هذا الجَبَل مَدِينَةٌ خَرِبَةٌ، وهي سُورْيَة؛ كانت مَبْنِيَّة بالحَجَر الأَسْوَد، وهي اليَوْم خَرَاب لا سَاكِن بها، ويُعْمل بها القلْي (٣) السُّورْيَانِىِّ، وأظُنُّ اللِّسَان السُّورْيَانيِّ مَنْسُوب إليها، وصَار اسْمُها بعد خَرَابها يَنْطَلق على ناحيةِ قِنَّسْرِيْنَ وحَلَب وأعْمالهما. أنْبَأنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل ابن أحْمَد بن عُمَر السَّمَرْقَنْدِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن

стр. 547

أحْمَد بن مُحمَّد بن عَبْد الله بن النَّقُّور البَزّاز (a)، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحمَّد بن عَبْد الرَّحْمن بن العبَّاس المُخَلِّص، قال: أخْبَرنا أبو بَكْر أحمدُ بن عَبْد الله بن سَيْفٍ السِّجِسْتَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيْدَةَ السَّرِيّ بنُ يَحْيَى التّمِيْمِيّ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ ابن إبْرَاهِيْم التَّيْمِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عن أبي عُثْمان وأبي حَارِثَة، عن عُبَادَةَ وخَالِدٍ، أنَّ هِرَقْل كلَّما حَجَّ بَيتَ المَقْدِسِ خَلَّفَ سُورْيَة وطَعَنَ في أرْضِ الرُّوم، الْتَفَتَ إليها فقال: عَليِك السَّلامُ يا سُورْيَةَ تَسْلِيمَ مُوَدّع ولَم يقْضِ منكِ وَطَرَهُ، وهو عَائدٌ. فلمَّا تَوَجَّهَ المُسلِمُونَ نحو حِمْصَ عَبَرَ الماءَ فنزلَ الرُّهَا، فلم يَزل بها حتَّى طلعَ أهْل الكُوفَةِ، وفُتِحَتْ قِنَّسْرِيْن، وقُتِلَ مِيْنَاس، فخَنَسَ عند ذلك إلى شِمْشَاط، حتَّى إذا فَصَل منها نحو الرُّوم عَلَا على شَرْفٍ، والْتَفَتَ ونَظَر نحو سُورْيَةَ وقال: عليكِ السَّلامُ يا سُورْيَة؛ سَلامٌ لا اجْتماع بعدَهُ، ولا يَعُودُ إليكِ رُومِيٌّ أبدًا إلَّا خائفًا، حتَّى يُوْلد المَولُود المَشْؤُوم، ويا لَيْتَهُ لا يَوْلَدُ، ما أحْلَى فِعْلَهُ، وأمَرَّ عاقبَتَهُ على الرُّوم (١). وقال: حَدَّثَنا السَّرِيّ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْب، قال: حَدَّثَنا سَيْفُ، عن أبي الزَّهْرَاءِ وعَمْرو بن مَيْمُون، قالا: لمَّا فَصَل هِرَقْلُ من شِمْشَاط وأخْلَى الرُّومُ، الْتَفَتَ إلى سُورْيَة، فقال: قد كُنْتُ سَلَّمْتُ عليكِ تَسْليمَ المُسافِر، فأمَّا اليَوم فعلَيك السَّلامُ يا سُورْيَةُ تَسْلِيمَ المُفَارِق، لا يَعُود إليكِ رُوْمِيٌّ أبدًا إلَّا خائفًا حتَّى يُوْلَد المولُود المَشْؤُوم، ويا لَيْتَهُ لم يُوْلَد، ومضَى حتَّى نَزَلَ قُسْطَنْطِينِيَّة (٢).

стр. 548

ذِكْرُ جَبَل البِشْرِ (١) وهو جَبَلٌ كبيرٌ في طَرف عَمَل حَلَب من جهةِ البَرِّيَّة، وبينَهُ وبين الرُّصَافَة أربعَة فَرَاسِخ، وهو مُتَّصِلٌ بعَاجِنَة الرَّحُوب، بينهما فَرْسَخ واحدٌ، وعَاجِنَة الرَّحوب من شماليّهِ، ويُفْرِغُ سُيُولَهُ فيها، وسُمِّي البِشْرَ برَجُلٍ يُقالُ لَهُ البِشْر، وفي هذا الجَبَل كانت وَقْعَة الجَحَّاف بن حَكِيم السُّلَمِيّ ببَني تَغْلِب، قَتَل فيها الرِّجال والنِّسَاء، وبقَر بُطُون الحَبَالَى، وَسَنَذْكُر ذلك إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى، في تَرْجَمةِ الجَحَّاف (٢) مُسْنَدًا. وإيَّاهُ عَنَى عُبَيد الله (a) بن قيسٍ الرُّقَيَّات: [من الكامل] أمْسَتْ (b) رُقَيَّةُ دُوْنَها البِشْرُ … فالرَّقَّةُ السَّودَاءُ فالغَمْرُ ووقفْتُ على صِفَة هذا الجَبَل وذِكْر الوَقْعَة في شِعْر القُطَامِيِّ، رِوَايَة أبي جَعْفَر الخُرَاسَانيّ، عن أبي يُوسُفَ يَعْقُوب بن السِّكِّيْت، ممَّا ذكَره ابن السِّكِّيْت في شَرْح قول القُطَامِيِ (٣): [من البسيط] حَلُّوا الرَّحُوبَ وَحَلَّ العِزُّ سَاحتَهُم … تَدْعُوا أُمَيَّة أو مَرْوَان والحَكَمَا (c) فأوْرَدْتُ الفَصْل جَمِيْعَهُ في هذا المَوْضع لِمَا تَضَمَّنَ من وَصْف الجَبَل، وذِكَر الوَقْعَةِ:

стр. 549

قال ابنُ السِّكِّيْت (١): هذا يَوْم الرَّحُوب، ويَوْمُ مُخَاشِن، ويَومُ البِشْر، وكان من سبَبَ هذا اليَوْم أنَّه لمَّا كانت سنَةُ ثلاثٍ وسَبعِين، قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بن الزُّبَيْر، فهَدَأَتِ الفِتْنَةُ، واجْتَمع النَّاسُ على عَبْد المَلِكِ، وتَكَافَّتْ قَيْسٌ وتَغْلِبُ عن المغَازِي بالشَّام والجَزِيرة، وظَنَّ كُلُّ واحدٍ من الفريقَيْن أنَّ عندَهُ فَضْلًا لصَاحبِه، وتكلَّم عَبْدُ المَلِكِ ولم يُحْكِم الصُّلْح، فبينا هُم على تلكَ الحالِ، إذ أَنْشَد الأَخْطَلُ عَبدَ المَلِكِ، وعندَهُ وجُوه قَيْسٍ، قولَهُ (٢): [من الطويل] ألَا سَائِل الجَحَّافَ هَلْ هو ثَائرٌ … بِقَتْلَى أُصِيْبَتْ من سُلَيْم وَعَامرِ حتَّى أتَى على آخِرها، فنَهَضَ الجَحَّافُ بن حَكِيم يَجُرُّ مُطْرَفَهُ حتَّى خَرَجَ من عند عَبْد المَلِكِ، ثمّ شَخَص من دِمَشْق، حتَّى أتى منزلَهُ ببَاجَرْوَان من أرضِ البَلِيْخ، وبين بَاجَرْوَان وبنِن شَطّ الفُرَات ليلةٌ، ثمّ جَمَعَ قَوْمَهُ بها، فقال: إنَّ أَمِير المُؤمِنِين اسْتَعمَلَني على صَدَقَاتِ تَغْلِب، فانْطَلِقُوا معيِ، فارتَحل، وانْطَلَقُوا معهُ وهو لا يُعْلمُهم ما يريدُ، وجَعَلَتِ امْرأتُهُ عَبْلَةُ تَبْكي حين ودَّعَتْهُ، ثمّ أتَى بهم شَطّ الفُرَاتِ مَنَازلَ بَنِي عَامِر، فقال لهم مثل ذلك، وجَمَعَهُم فارْتحلُوا معه، ثمّ قَطَع بهم الفُرَات إلى الرُّصَافَة، وبينها وبين شَطِّ الفُرَاتِ ليلةٌ، وهي قِبْلة الفُرَاتِ، حتَّى إذا كانُوا بالرُّصَافَة قال لهم: إنَّما هي النَّارُ أو العَارُ، فَن صَبَرَ فليَتَقَدَّم، ومَنْ كَرِه فليَرْجع، فقالوا: ما بأَنْفُسِنَا رَغْبةٌ عن نَفْسِك، فأخْبَرَهُم بما يُريدُ، فقالُوا: نحنُ معَكَ فيما كُنْتَ فيه من خير وشَرٍّ، فارْتَحلُوا فطَرَقُوا صَهِيْنًا (a) بعْدَ رُوْبَةٍ (b) منِ اللَّيْل، وهي في قِبْلةِ الرُّصَافَهَ وبينهما مِيْلٌ؛ ثمّ صَبَّحُوا عَاجِنَةَ الرَّحُوبِ، وهي في قِبْلة صَهِيْن، والبِشْرُ وادٍ لبَني تَغْلِب، وإنَّما سُمِّي البِشْرُ

стр. 550

برَجُلٍ من قَاسِط يُقالُ لهُ البِشْرُ، كان يَخْفُر السَّابلَةَ، وكان يَسْلُكُه مَن يُريدُ الشَّامَ من أرْض العِرَاق بين مَهَبّ الدَّبُور والصَّبَا، مُعْترض بينهما، يُفْرِغُ سُيُولَهُ في عَاجِنَة الرَّحُوب وبينهما فَرْسَخٌ، وبين عَاجِنَةِ الرَّحُوبِ وبين الرُّصَافَةِ ثلاثةُ فَرَاسِخ، والبِشْرُ في قِبْلَةِ عَاجِنَةِ الرَّحوب، ودِمَشْق في قِبْلةِ البِشْر. ثُمَّ أغارُوا على بَني تَغْلِب بين البِشْر والشَّام ليلًا، فقَتَلُوهم، وبَقَرُوا النّسَاءَ فقتَلُوهُنَّ، فهو يَوم البِشْرِ، ويَوم عَاجنَةِ الرَّحُوب، ويَوْم مُخَاشِن، وهو جَبَلٌ يَنْعَرج إلى بعض البِشْر، وهو يَوْم مَرْج السَّلَوْطَح، لأنَّهُ بالرَّحُوب. قال: وقُتِلَ أبو الأَخْطَل (١) في تلك اللَّيْلةِ، وفي ذلك يقول جَرِيرٌ (٢): [من الوافر] شربْتَ الخَمْرَ بعد أبي غِيَاثٍ (a) … فَلَا نَعِمَتْ لكَ النَّشَوَاتُ بَالَا وهَرَبَ الجَحَّافُ بعد فِعْلَهِ هذا، فتَبعَهُ عُبَيْدَةُ بن هَمَّامٍ التَّغْلِبِيّ، فلحقَهُ دونَ الدَّرْبِ وهو يُريدُ بلادَ الرُّوم، فعَطَفَ عليه فهَزَمِ أصْحَابه وقتَلهُم، وأَفْلَتَ الجَحَّافُ، ومَكُثَ زمانًا في بلَدِ الرُّوم حتَّى سكَن غَضبُ عَبْد المَلِك ولَانَ، وكَلَّمَتْهُ العَبْسِيَّةُ (٣) في أنْ يُؤَمِّنَهُ، فتَلَكَّأ، فقيل: إنَّا واللهِ لا نأمَنُه على المُسْلِمِيْنَ أنْ يأتي بالرُّوم إليهم؛ فأعْطاهُ الأمَان، وقد كان عَامَّةُ أصْحَابِه تَسَلَّلُوا إلى مَنَازلهمِ، فأقْبَل فيمَن بقي من أصْحَابه، فلهَّا قَدِمَ على عَبْدِ المَلِك لقيَهُ الأَخْطَل، فأنْشَدَهُ الجَحَّافُ: [من الطويل]

стр. 551

أبا مالِكٍ هَلْ لُمْتَني إذ حَضَضْتَني … على القَتْلِ أمْ هَل لامَنِي لكَ لائِم فزَعَمُوا أنَّ الأخْطَل قال لهُ: أراكَ باللهِ شَيْخَ سَوْءٍ. ورَأى عَبدُ المَلِك أنَّهُ إنْ تَرَكَهُم على حَالِهم أنَّه لم يُحْكم الأمْر، فأمَرَ الوَلِيدَ ابنَ عبْدِ المَلِك، فحمَلَ الدِّماءَ الّتي كانت قبل ذلك بين قَيْسٍ وتَغْلِب، وضَمَّن الجَحَّافَ قَتْلَى البِشْر، وألْزَمَهَا إيَّاهُ عقُوبَةً له، فقال الأَخْطَلُ في تَصْدَاق ذلك (١): [من الطويل] لَقَدْ أوْقَعَ الجَحَّافُ بالبِشْر وَقْعَةً … إلى اللهِ منها المُشْتَكَى والمُعَوَّلُ فأدَّى إليهم الوَلِيدُ الحِمَالات، ولم يكُن عندَ الجَحَّاف ما حُمِّل، فلَحِقَ بالحَجَّاج بن يُوسُف، لأنَّهُ من هَوَازِن، فسَأل الإذْنَ على الحَجَّاج، فمنَعَهُ، فلم يَعُد إليهِ، وأتَى أسْماء بن خَارِجَة (٢)، فَعَصَبَ حاجَتَهُ به، فقال: إنّي لا أقدِر لك على منفَعَةٍ، وقد عَلِمَ الأَمِيرُ مكانَك ولم يأذَنْ لك، فقال لأَسْماءَ: والله لا يلَزمُها غيرك أنْجَحَتْ أم نكثت! فلمَّا بلغَ ذلك الحَجَّاج قال: مَا لَهُ عندِي شيءُ. فأَبْلَغَهُ ذلك، قال: وَمَا عليكَ أنْ تكونَ أنتَ الّذي تُوئِسُه (a)، فإنَّهُ قد لَحَّ، فأذِنَ له، فلمَّا رآهُ قال: أَعَهدْتَني خائنًا لا أبا لَكَ؟ قال: أنتَ سيِّدُ هَوَازِن، وبَدَأنا بك، وعُمَالَتُك خمسُمائة ألفٍ في كُلِّ سَنَة، وما بِكَ بَعْدَها إليّ خيانَة، قال: أشْهَدُ أنَّ اللهَ وفَّقك، وأنَّك نظَرْت بنُور اللهِ، فلكَ نِصْفُها العَام، فأَعطَاهُ وأدَّى أسْماءُ البَقِيَّة.

стр. 552

ثُمِّ اسْتَأذَن الحَجَّافُ في الحَجِّ، فأذن له في ذلك مع الجلَّةِ من الشُّيُوخ الّتيَ شَهِدت الوَقْعَة وفعَلُوا الأفاعيْل، فخَرَجُوا وقد أبَرُوا آنُفَهم -يَقُول: خَزَمُوْهَا- يمشُونَ من الشَّام مُحْرِمين يُلَبُّون، فلمَّا قَدِمُوا المَدِينَة خَرَجَ أهْلُ المَدِينَة يَنْظرونَ إليهم ويتعَجَّبُون منهم، فلمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ، تَعَلَّقُوا بأسْتَار الكَعْبَة، فقالوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا وما أُرَاكَ تفعَلِ! فقال ابنُ عُمَر: يأْسُكُم من قَبُول التَّوْبَة أشَدُّ عليكم من ذُنُوبكُم، فقيل له: هذا الجَحَّاف وأصْحَابُهُ، فَسَكَت وتَمَّ ذلك الصُّلْح. قلتُ: قَوله في هذا الخَبر ودِمَشْق في قِبْلةِ البشْر، يُريدُ في السَّمْت، لا أنَّها على قُرْبٍ منه، فإنَّ بين دِمَشْق وبين البِشْر ثمانية أيَّامٍ. وقد ذَكَرَ الصِّمَّةُ بن عَبْدِ اللهِ القُشَيْرِيُّ جَبَل البِشْر في شِعْره، فقال (١): [من الطويل] ولَمَّا رأيْتُ البِشرَ قد حَالَ (a) دُوْنَنا … وأَضْحَتْ (b) بَنَاتُ الشَّوْق يَحْنِنَّ نُزَّعَا تَلَفَّتُّ نحو الحيِّ حتَّى وَجَدْتُنِي … أَلمتُ (c) من الإصْغَاءِ ليتًا وأخْدَعَا وقَرَأتُ في كتاب مُعْجَم ما اسْتَعْجَم لأبي عُبَيْد البَكْرِيّ (٢): البِشْر بكَسْرِ أوَّلهِ على لَفْظِ البِشْر الّذي هو الاسْتِبْشَار، قال عُمَارَة بن عَقِيْل: البِشْرُ هو عَاجِنَةُ الرَّحُوبِ مُتَّصَلُ بها، وسُمِّيَ البِشْرَيَ برَجُلٍ من النَّمِر بن قَاسِط؛ كان يَخْفِرُ السَّابلَة يُسَمَىَّ بِشْرًا، يَقطَعُهُ مَنْ يُريدُ الشَّام من أرض العِرَاق، بين مَهَبّ الصَّبَا والدَّبُور، مُعْتَرِضعًا بينهما، يُفْرغُ سُيُولَهُ في عَاجِنَةِ الرَّحُوب، وبينهما فَرْسَخٌ، والبِشْرُ في قِبْلةِ عَاجِنَة الرَّحُوب، وبين عَاجِنَة الرَّحُوب وبين رُصَافَةِ دِمَشق ثلاثة فَرَاسِخ. وفي البِشْرِ قَتَلَ الجَحَّافُ بن حَكِيم بَني تَغْلِبَ، فهو يَوْمُ البِشْر، ويَوم الرَّحُوب،

стр. 553

ويَوْم مُخَاشِنٍ، وهو جَبَلٌ إلى جَنْب البِشْر، ويَوْم مَرْج السَّلَوْطَح لأنَّهُ بالرَّحُوب. والرَّحُوب: مَنْقَعُ ماءَ الأمْطَار، ثمّ تحملُهُ الأوْدِيَة فيَصُبّ في الفُرَات. وقال أبو غَسَّان: البِشرُ دونَ الرَّقَّةِ على مَسِيرة يومٍ منها، فهذا بِشْرٌ آخر. قال الأَخْطَلُ (١): [من الطويل] سَمَوْنا بعِرْنَينٍ أَشَمَّ وعَارضٍ … لنَمْنَعَ ما بينَ العِرَاقِ إلى البِشْرِ وقال أيضًا في إيْقاعِ الجَحَّاف بهم (٢): [من الطويل] لَقَدْ أوْقَعَ الجَحَّافُ بالبِشْرِ وَقْعَةً … إلى اللهِ منها المُشتَكَى والمُعَوَّلُ قُلتُ: قَولهُ: فهذا بِشْرٌ آخَر؛ غَلَطٌ منه لأنَّ الرُّصَافَة من الرَّقَّة تكُون مِقْدَار يوم وزِيَادة يَسيرة، وهي غَرْبيّ الرَّقَّة وقِبْليّها، وطَرف جَبَل البِشْر ويَنْتَهِي إلى الفُرَات، فيقْرُب من الرَّقَّة من هذا الطَّرف، وبينَهُ وبين الرُّصَافَة ثلاثة فَرَاسِخ في وسطِهِ، فظَنَّ أبو عُبَيْد البَكْرِيّ أنَّ ثَمَّ بِشْرًا آخر لقَوْل عُمَارَة بن عَقِيْل أنَّ بينه وبين رُصَافَة دِمَشْق ثلاثة فَرَاسِخ، وقال أبو غَسَّان: البِشْر دُون الرَّقَّة على مَسِيْرة يوم منها، فظَنَّ أبو عُبَيدٍ البَكرِىِّ أنَّ الرُّصَافَة عند دِمَشْقَ، ولم يَعْلم أنَّها من أرْض قِنَّسْرِيْن، لبُعْدِه عن بلادِ الشَّام، لأنَّهُ مَغْربيٌّ لا خِبْرة له ببلَادِ الشَّام، وإنَّما نَسَبَ الرُّصَافَة إلى دِمَشْق لنُزول هِشَام بن عَبْد المَلِك فيها وهو خَلِيفَة، وكان كُرْسي مُلْكه بدِمَشْق، فَنَسَبها إلى دِمَشْق ليفرُق بينها وبين رُصَافَة بَغْدَاد. والبِشْرُ جَبَلٌ طويلٌ عريض يَمْتَدُّ في العرض إلى قُبَاقِب، وهو ماءٌ في طَرف البِشْر، وقد نزلْتُ به، بينَهُ وبين رَحْبةِ مَالِك بن طَوْق مِقْدَار عشرة فَرَاسِخ.

стр. 554

ولأبي الحَسَن مُحمَّد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن خَلَف البَصْرَويّ أبيات قالَها بالعِرَاق يذكر فيها البِشْر وحَلَب، وهي: [من الرجز] يا رَاكبًا والفَجْر قَدْ غارَ على الـ … ـجَوْزاءَ إذ جَلَّلها الإزَارَا وحَلَّقَ النَّسْرَانِ ثُمّ انْغَمَسَا … كالرَّاكِبَيْن أنْجَدَا أو غَارَا أمَامَك البِشْرُ فإن طَرَحْتَهُ … مُسْتَقْبلًا من حَلَبٍ أحْجَارَا فكَم ستَلْقَى دونَها من باحثٍ … عن خَبَري يستقبل السُّفَّارَا يَوَدّ أنْ كانَ الّذي زُودتَّهُ … من العِرَاق كُلُّهُ أخْبَارَا فبلغِّ القَوْمَ بأن لا سَفَرٌ … يَحْدُثُ أَرْضَى بالعِرَاق دَارَا أرْضى من الإسْعادِ إنْ صَيَّرَنِي … لبَيْتهِ سَعْدُ الكُفَاةِ جَارَا ذِكْرُ جَبَل بَرْصَايَا (١) وهو جَبَلٌ عالٍ شَامِخٌ شَمَاليّ عَزَاز، يُشْرف على بلَد عَزَاز وكُورَة الأُرْتِيْق، وهو من أبْهى البِقَاع مَنْظرًا، وأرَقِّها هَوَاء. وعلى رأسِه مَشْهَدٌ حَسَنٌ، وقريب منهُ مَسْجِدٌ آخر، وتحتهما قَرْيَةٌ يُقالُ لها كَفر شِيْغال (٢)، وَقَفَها نُور الدِّين مَحْمُودُ بن زَنْكِي على مصالِح المُسْلِمِيْن وعلى مَشْهَد بَرْصَايَا، ويُقالُ: إنَّ مَقام دَاوُد ﷺ كان بمَوضع المَشْهَد المَذْكُور.

стр. 555

وقال لي الشَّيْخ عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ السَّائِحُ (١): جَبَلُ بَرْصَايَا بهِ مَقَام بَرْصِيْصَا العَابِد، وقَبر شَيْخ بَرْصِيْصَا، ومَقَام دَاوُد ﵇. وهذا الجَبَل بين عَزَاز وقُورُس. ذكْرُ الجَبَل الأَسْوَد (٢) وهو جَبَلٌ دون جَبَل اللُّكَام من شرقيّه، ويُقال: إنَّ إبْرَاهِيْم ﷺ كان إذا أقام بحَلَب يَبُثُّ رِعَاءَهُ إليهِ ليَرْعُوا غنمَهُ فيه، وفيهِ أشْجَارٌ كَثِيْرةٌ غير مُثْمرة يؤخَذُ منه الخَشَب إلى البِلاد الّتي حولَهُ. وفيه حِصْنُ الدَّربْسَاك؛ وهو حِصْنٌ مانعٌ. وفي لِحْفه من شرْقيّه النَّهْر الأَسْوَدُ لهُ ذِكْرُ في حَدِيث المَلَاحِم أنَّ الرُّوم ينزلُونَ عليه في المَلْحَمَة، ويُقالُ لهُ نَهْر الرّقيّة أيضًا، ويَتَّصِل هذا الجَبَل إلى صَرْفَنْدكار (٣)؛ حِصْنٌ قَوِيٌّ في يَدِ الأرْمَن، وكان به جَمَاعَة من العُبَّاد والرُّهْبَان.

стр. 556

أَخْبَرَنَا عَتِيق بن أبي الفَضْل بن سَلامَة، قال: أَخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، ح. وحَدَّثَنا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر، عن أبي المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنَا الشَّريفُ النَّسِيبُ أبو القَاسِم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنَا رَشَاءُ بن نَظِيف، ح. وأَخْبَرَنَا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِين (a)، قال: أَخْبَرَنَا أبو القَاسِم البُوْصِيرِيّ وأبو عَبْد الله بن حَمَد الأَرْتاحِيّ، قالا: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَيْن المَوْصِليّ -قال ابنُ حَمَد: إجَازَةً- قال: أَخْبَرَنَا أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز ابن الحَسَن بن إسْمَاعِيْل، قالا: أَخْبَرَنَا أبو مُحمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل بن مُحمَّد الضَّرَّابُ، قال: حَدَّثَنا أبو بَكْر أحْمَد بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثنا يوسُفُ بن عَبْد اللهِ، قال: قال حُذَيْفَة المَرْعَشِيّ: مَرَرْتُ على رَاهبٍ في جَبَل الأَسْوَد (b) فناديتُهُ: يا رَاهِب، فأشْرَفَ عليَّ، فقُلْتُ له: بأيّ شيءٍ تُجْتَلَبُ الأحْزَانُ؟ قال: بطُوْل الغُرْبَهِ، وما رأيتُ شيئًا أجْلَبَ لذوِي الأحْزان من الوحْشَةِ والوحْدَة.

стр. 557

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ تَوفِيْقِي ذِكْرُ جَبَل اللُّكَام (١) ويُقالُ لهُ أيضًا بَيْت لَاهَا الغَرْبيّ، ومَعْناهُ بالسُّرْيَانيَّة: بَيْت الله، وهو جَبَلٌ عالٍ مُشْرِف يَبِيْن عن مسيرة أربعَة أيَّام، ولا يزال به الثَّلْج في الشِّتَاءِ والصَّيْف، وهو مَسْكَن العُبَّادِ والزُّهَّاد. وفيه من الفَوَاكه المُبَاحَة ما يَقْتَاتُونَ به، وهو يَفْصِلُ بين الثُّغُور الشَّاميَّة والجَزَرِيَّة. وكانتْ به وَقْعَةٌ لسَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن حَمْدَان مع الرُّوم؛ قَتَل منهم فيها ثَلاثين ألفًا. وقال أبو فِرَاس الحاَرِث بن سَعيد بن حَمْدَان في ذلك (٢): [من الطويل]

стр. 558

وأَبْقَتْ على اللُّكام قَتْلَى سُيُوفُه … لَهُمْ من بُطُون الخامَعاتِ مَقَابِرُ ويُقَال بتَشْديدِ الكاف وتَخْفيفها. وقال أبو العبَّاس أحْمَد بن أبي أحْمَد بن القَاصّ، في كتاب دَلائِل القِبْلَةِ، وذَكَرَ الجبَالَ، فقال (١): ربَّما كان الجَبَل دَلِيْلًا لأهلِ ناحيَةٍ (a) على القِبْلَة كَجَبَل لُكَام (b) بَالشَّام، وجَبَل الشَّرَاة (c) بتِهَامَة، وجَبَلَ الرَّاهُون بسَرَنْدِيب، وجَبَل دُنباوَنْد عندنا بآمُل طَبَرِسْتان. قال: وأمَّا جَبَل لُكَام فإنَّهُ جَبَلٌ ممدودٌ، ابْتَدَاؤه من (d) مَكَّة والمَدِينَة، ويُسَمَّى هُنالك العَرْج، يمتدُّ طُولًا حتَّى يتَّصِل بالشَّام، ويَصِير من جِبَال حِمْص، فيُسَمَّى هُنالك لُبْنَان، ويَنْثَني من دِمَشْقَ ثمّ يَمْضي حتَّى يَصير من جِبَال أَنْطاكِيَة والمِصِّيصَة، فيُسَمَّى هُنالك اللُّكَام، ثمِّ يمتَدّ حتَّى يَصِيْرَ من جِبَالِ مَلَطْيَةَ وشِمْشَاط وقَالِيْقَلا، ويمتَدُّ طُولًا حتَّى يَصير من جِبَال خَزَر، ويُسَمَّى هُنالك القَبْق (e). ونَقَلْتُ من كتاب الحَافِظ لمَعَارف حَرَكات الشَّمْسِ والقَمَر والنُّجُوم في آفاقها، والأقالِيْم وأسْماء بُلْدانها في سِيَاقها، تَلْخيصُ أبي الحُسَيْن أحْمَد بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبيدِ اللّه المُنَادِيّ، وأنبَانَا به أبو القَاسِم عَبْد الله بن الحُسَيْن بن رَوَاحَةَ،

стр. 559

وعَبْد الرَّحِيْم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل، عن أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، عن أحْمَد بن مُحمَّد ابن الآبنُوسِيّ، عن رَجُلٍ، عنه، قال (١): وأمَّا جَبَل العَرْج الّذي بين مَكَّة والمَدِينَة فإنَّه يَمْضِي إلى الشَّام حتَّى يتَّصِلَ بلبنَان من حِمْص، ثمّ يسَير من دِمَشْق فيَمْضِي حتَّى يَتَّصِلَ بجِبَال أَنْطاكِيَة والمِصِّيْصَة، ويُسَمَّى هُنالكَ اللُّكام، ثمّ يَتَّصِل بجِبَال مَلَطْيَة (a) وشِمْشَاط وقَالِيْقَلا أبدًا إلى بَحْر الخَزَر، وهو البَابُ والأبْواب، ويُسَمَّى هُنالك القَبْق (b). وقال قُدَامَة (٢) في جَبَل العَرْج: وهذا الجَبَلُ يَتَّصِل بالشَّام، فبعضُهُ يَتَّصِل بلُبْنَان، وبعضُهُ بجَبَل الثَّلْج من أرض دِمَشْق، ويَمْتَدُّ إلى الرُّوم. قال (٣): وقال النَّضْر بن شُهَيْل: يأتي إلى الشَّام من ناحيةِ أَيْلَة، ثمِّ إلى الطّور، ثمّ إلى بَيتِ المَقْدِس، ثمّ إلى طَبِريَّة، ويَمْتَدُّ بالبِقَاعَ وبَعْلَبَك، ويَمْتَدّ غَرْبي حِمْص وحَلَب حتَّى يتَصِل باللُّكام، ثمّ يمتَدُّ إلى مَلَطْيَة، وإلى بَحْر الخَزَر، وفيهِ القِلَاعُ والحُصُونُ الكَثِيْرة والمُدُن.

стр. 560

ذِكْرُ جَبَل الأقْرَع (١) وهو من جِبَال أَنْطاكِيَة، جَبَلٌ عالٍ يَسْتَبِيْن منِ مَسيرة ثلاثة أيَّام، وهو مُستَديرٌ عالٍ لا نَبَاتَ عليه، ولهذا يُسَمَّى الأَقْرَع، ويَتَّصِلُ بجَبَل اللُّكام، وهو على شَاطئ البَحْر. وقال المَسْعُودِيُّ في كتاب مُرُوج الذَّهَب (٢): والجَبَل الأقْرَع من أعْمَال أَنْطاكِيَة، وتحتَ هذا الجَبَل مُعْظم ماءَ البَحْر وأكثَره وهو يُسَمَّى عَجُز البَحْر. وأنْبَأْنَا أبو القَاسِم بن رَوَاحَة وابن الطُّفَيْل، عن الحَافِظ أبي طَاهِر، عن ابن الآبنُوسيِّ، عمَّن أخبرَهُ، عن أبي الحُسَيْن بن المُنَاديّ، قال: وأمَّا الجَبَل المُطِلُّ الّذي بأَنْطاكِيَة، فهو على ما ذَكَرُوا قِطْعَةُ من اللُّكام. قال لي عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ (٣): وجَبَلها -يعني أَنْطاكِيَة- كان مَعْبدًا يُزار من الآفاق. بابٌ في ذِكْر الإقْليم الرَّابِع اعْلَمِ أنَّ حَلَب من الإقْليم الرَّابِع من الأقاليمِ السَّبْعَة، وقد قيل إنَّه أفْضل الأقالِيْم السَّبْعَة، وأصحّها هواءً، وأعْذبها ماءً، وهو وَسَطُ الأقالِيمْ وخَيْرُها. ووَقَعَ إليَّ رسالةٌ في ذِكْر الدُّنْيا وما فيها من الأقالِيْم والجِبَالِ والأنْهارِ والبِلَادِ، ولم أظْفَر باسْم مؤلِّف الرِّسَالةِ، فنَقَلتُ منها بعض ما ذَكَرهُ مُلخِّصُها، في فَصْلٍ منها، في قِسْمة الأقالِيْم السَّبْعَة، قال: فأمَّا الأقالِيْم السَّبْعَة؛ فإنّها قُسمَتْ

стр. 561

في الرُّبْعِ المَسْكُون سَبْعَة أقْسَام، فسُمِّي كُلّ قسمٍ منها إقْليم، فتكون الأقالِيْم كُلّها سبْعَة، فأمَّا هِرْمِس الأوَّل فقَسَمها قِسْمَة مُسْتَويهً، فَجَعَل الإقليم الرَّابِع في الوَسَط من العُمْران، والسِّتَّة الأقالِيْم تُحيطُ به، وكُلّ إقليم منها سَبْعُمائة فَرْسَخَ في سَبْعمائة فَرْسَخ؛ فالأوَّلُ منها: الهِنْد، والثَّاني: الحِجَاز، والثَّالث: مِصْر والإسْكَنْدَرِيَّة، والرَّابِعُ: بَابلِ، والخامس: الرُّوم، والسَّادِس: يَأْجُوج ومَأْجُوج، والسَّابِع: الصِّيْن. فأمَّا بَطْلَيْمُوس الحَكِيمِ، فقَسَمها بِخَلاف ذلك (١)، وجَعلَهَا على قَدْر بُعْدها عن خَطِّ الاسْتِواء، وقَسَمها سَبعة أقْسام جعلَها في الرُّبْعِ المَسْكُون من الأرْض، كُلّ إقْليم كأنَّه بِسَاطٌ مَفْروشٌ قد مدَّ طُولهُ من الشَّرْق إلى الغَرْب، وعَرْضُهُ من الجَنُوب إلى الشَّمَال، وهي مُختلفَةُ الطُّول والعَرْض، فأطْوَلُها وأعْرَضُها الإقْليم الأوَّل، وأقْصَرها طُولًا وعَرْضًا الإقْليم السَّابِعُ، وأمَّا سَائرِ الأقالِيمْ مُقَسم بينهما من الطُّول والعَرْض. ثمّ ذَكَرَ كُلّ واحدٍ من الأقالِيْم السَبْعَة. وقال في الإقْليم الرَّابِع: الإقْليم الرَّابِع للشَّمْس أطْوَل ما يكون النَّهَارُ في المُدُن الّتي على الخَطَ المُسَمَّى وبَسِيْطه (a) أرْبعَة عَشَر ساعةً ونصفٌ، وبُعْدُ هذا الخطّ من خَطِّ الاسْتِواء ستَّةٌ وثلاثون دَرَجَة، يكُونُ من الأمْيَالِ ألفَي مِيْل وأرْبَعِمائة مِيْل، وسَعَة عَرْضهِ من آخر حُدُودِ الإقْليم الثَّالث إلى أوَّل حَدِّ الخامسِ من الأجْزَاء خَمْسُ دُرج وأرَبع دقائق ونصفٌ، يكون ذلكَ

стр. 562

من الأمْيَالِ ثلاثمائة وثمانيةً وثلاثين مِيْلًا ونصف مِيْل، وابْتَداؤه من الشَّرْق، ويَمُرّ على بلادِ الصِّيْن وجَنُوب بلادِ يَأْجُوج ومَأْجُوِج، ثُمّ يَمُرّ على بلادِ التُّرْك ممَّا يلي الجَنُوبَ والشَّمَال من بلادِ الهِنْد، ثُمّ يَمُرّ على بلادِ بَلْخ، ثُمّ يَمُرّ على شَمال بلادِ كَابُل، ثُمّ يَمُرّ على سِجِسْتَان، ثُمّ يَمُرّ على وَسَط بلاد كَرْمَان وخُرَاسَان، ثُم يَمُرّ على بلاد فَارِس وخُوزسْتان، ثِمّ يَمُرّ على وَسَط بلاد العِرَاق، ثمّ على وَسَطِ ديار بَكْر ورَبيعَة، ثُمّ يَمُرّ على جنوبِ بلَدِ الثَّغْر وشَمَال بَلَد الشَّام، ويَمُرّ على وَسَطِ بَحْر الرُّوم وجزيرة قُبْرُس وجزيرة رُودُس، ويَمُرّ في البَحْر على شَمَال بلَادِ مِصْر والإسْكَنْدَرِيَّة، وشَمال بلاد مماريقي (a) وبلادِ القَادِسِيَّة، وبلاد القَيْرَوان وبلاد طَنْجَة، ويَنْتَهِي إلى بحر المَغْرب، وأكثَرُ هذه المَواضع ألْوانُهم بين السُّمْرَةِ والبَيَاض. وفي هذا الإقْليم من الجِبَال الطِّوَال اثنان وعشرون يَهْرًا (b)، ومن المُدُن المَشْهُورة الكِبَار نحو مائتي مَدِينَةٍ واثني عَشر مَدِينَة، وهذا الإقْليم هو إقليمُ الأنْبِياء والحُكَمَاء، لأنَّهُ وسَطُ الأقالِيْم؛ ثلاثةٌ جَنُوبيَّةُ وثلاثةُ شَمَاليَّةٌ، وهو أيضًا في قِسْمَة النَّيِّر الأعْظَم من بَعْد الإقليْمَين الّلذين عن جَنَبَتِيْهِ -أعْني: الثَّالث والخامِس- وعَدَّ من المُدُن المَشْهُورة في هذا الإقْليم: زِبَطْرَة، مَلَطْيَة، سُمَيْسَاط، بَالِس، مَنْبج، حَلَب، قِنَّسْرِين، المَعَرَّة، المَعَرَّة (c)، كَفَرْ طَاب، شَيْزَر، حَمَاة، فَامِيَة، أَنْطاكِيَة، طَرَسُوس، الكَنِيْسَة السَّوداء، أَذَنَة، المِصِّيْصَة، قُورص، دُلُوْك.

стр. 563

قال: وعَرْضُ هذه البُلْدان جَميعها من ثلاث (a) وثلاثين دَرَجَةً إلى تسع (b) وثلاثين دَرَجَةً. وعدَّ غير هذه المواضع من المُدُن لم أكتبُها لأنَّهُ لا يتَعَلَّق بذِكْرها لي غَرضٌ، وإنَّما غَرَضي منها ما ذَكَرْتُه لأنَّهُ من أعْمَال حَلَب حَرَسَها اللهُ تعالى. وقَرَأتُ في تاريخ المَوْصِل للخَالِديَّيْن أبي بَكْر وأبي عُثْمان (١)، قالا: وأمَّا مَوْقعُها -يعني: المَوْصِل- من الأقالِيْم السَّبْعَة، ففي الإقْليم الرَّابِع، وهو أفْضَل الأقالِيم وأجَلُّها، وذلك أنَّهُ يبتدئُ من المَشْرِق بالصِّيْن فيَمُرّ ببلادِ التُّبَّت ثمّ على خُرَاسَان، ففيه من المُدُن: خُجَنْدَة، وأشْرُوسَنَة، وفَرغَانَة، وسَمَرْقَنْد، وبَلْخ، وبُخَارَى، وهَرَاة، وأبْرَشَهْر، ومَرْوَرُّوذ، ومَرو الشَّاهِجَان، وسَرْخَس، وطَخَارَسْتان، وطُوْس، ونَيْسَابُور، وجُرْجَان، وقُوْمِس، وطَبَرِسْتان، ودُنْبَاوَنْد، والدَّيْلَم، والرَّيّ، وأصْبَهَان، وقُمّ، وهَمَذَان، ونَهَاوَنْد، والدِّينوَر، وحُلْوان، وشَهْرَزُور، وسُرَّ مَنْ رَأى، والمَوْصِل، وبَلَد، ونَصِيبِيْن، وآمِد، ورَأس عَينْ، وقَالِيْقَلا، وشِمْشَاط، وحَرَّان، والرَّقَّة، وقَرْقِيسِيا. ثُمّ يَمُرُّ على شَمالِ الشَّام، ففيه من المُدُن: بَالِس، ومَنْبج، وسُمَيْسَاط، ومَلَطْيَة، وزِبَطْرَة، وحَلَب، وقِنَّسْرِين، وأَنْطاكِيَة، والمِصِّيْصَة، وأطرَابُلُس، وصَيْدَا، وأَذَنَة، وطَرَسُوس، وعَمُّورِيَّة، واللَّاذقِيَّة. ثُمّ يَمُرّ في بَحْر الشَّام على جزيرة قُبْرُس، ورُودُس، وإليها يُنْسَبُ هذا الإقْليم.

стр. 564

ثُمّ يَمُرّ في أرْضِ المَغْرب بالأنْدَلُس وقُرْطُبَة وسَردينة (a) إلى بلاد طَنْجَةَ، ويَنْتَهِي إلى بَحر المَغْرب. وأهُلُ هذا الإقْليم أَصَحُّ هذه الأقالِيْم طِبَاعًا وأتَمُّهُم اعْتدَالًا، وأحْسَنُهم وُجُوهًا وأخْلاقًا. والإقْليم الأوْسطُ هو الّذي فيهِ المَوْصِل أكْثَر الأقالِيْم السَّبْعَة مُدُنًا وعِمَارَةً، وأنَّه واسطَةُ الأقالِيْم، وأطيَبُهَا ماءً، وأعْدَلُها هواءً، وأحْسَنُها أهْلًا، وفيهِ مَغَاصُ الدُّرّ، وفي جِبَالهِ أنواعُ اليَوَاقِيْت والحِجَارَة المُثْمَنة، وجميعُ أصْنافِ الطِّيْب، ولأهْلهِ الصَّنَائِع والُّلطَف والتَّأليف في الرُّخَام، وصُنعْ الرُّخَام وعَمَل الفُسَيْفِسَاء، ونَصْب الطِّلَّسْمات. ومن أهلهِ كان الجبابِرَةُ من المُلُوك، وخِيرة الصَّالِحين، وكُلّ مَدِينَة مُعْتَدلة الهَوَاءَ مَشْهُورة الاسْم فمنهُ، داخلَةٌ فيه. وقال أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أحْمَد الجَيْهَانِيّ في كتابه: والإقْليم الرَّابِع يَبْتدئ من المَشْرِق فيَمُرّ ببلَد التُّبَّت ثمّ على خُرَاسَان، فيكون فيه من المُدُن: فَرْغَانَة، وخُجَنْدَة، وأشْرُوسَنَة، وسَمَرْقَنْد، وبُخَارَى، وبَلْخ، وآمُل، وهَرَاة، ومَرْوِ الرُّوذ، ومَرْو، وسَرْخَس، وطُوْس، ونَيْسابُور، وجُرْجَان، وقُوْمِس، وطَبَرِسْتان، ودُنْبَاوَنْد، وقَزْوِين، والدَّيْلَم، والرَّيّ، وأَصْبَهَان، وقُمّ، وهَمَذَان، ونَهَاوَنْد، والدِّيْنَوَر، وحُلْوان، وشهرَزُور، وسُرَّ مَنْ رَأى، والمَوْصِل، وبَلَد، ونَصِيبِيْن، وآمِد، ورَأس العَيْن، وقَالِيْقَلا، وشِمْشَاط، وحَرَّان، والرَّقَّة، وقَرْقِيسِيا.

стр. 565

ويَمُرّ على شمال الشَّام ففيه من المُدُن هناك: بَالِس، ومَنْبج، وسُمَيْسَاط، ومَلَطْيَة، وزِبَطْرَة، وحَلَب، وقِنَّسْرِيْن، وأَنْطاكِيَة، وأطْرَابُلُس، والمِصِّيْصَة، والكَنِيْسَة السَّوداء، وأَذَنَة، وطَرَسُوس، وعَمُّورِيَّة، ولَاذِقِيَّة. ثُمّ يَمُرّ في بَحْر الشَّام على جزيرة قُبرُس، ورُوْدُس. ثُمّ يَمُرُّ في أرْض المَغْرب على بلادِ طَنْجَة، وينْتَهِي إلى بلاد المَغْرب. قال: والإقْليم الرَّابِع وسَطُهُ حيثُ يكُون طُولُ النَّهَارِ الأطْوَل أرْبَع عَشرة سَاعةً ونصف سَاعة، وارْتفاع القُطْب ستَّةً وثلاثين جُزءًا وخُمْسِ جُزءٍ، وعَرْضُهُ من حَدِّ الإقْليم الثَّالث إلى حيثُ يكُون طُول النَّهَار الأطْول أرْبَع عَشرة سَاعةً ونصف ورُبْع سَاعة، وارْتفاع القُطْب تسعَةً وثلاثين جُزءًا، وهو مَسافَةُ ثلاثمائة مِيْلٍ. أنْبَأنَا الخَطِيبَان أبو البَرَكَات سَعيد وأبو الفَضْل عَبْد الوَاحِد ابنا هاشِم بن أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد الأسَدِيّان، قالا: كَتَبَ إلينا الحاَفِظ أبو طَاهِر بن مُحمَّد الأصْبَهَانِيّ أنَّ أحْمَد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ أنْبأَهُم، قال: أُخْبرتُ عن أبي الحُسَيْن ابن المُنَادِيّ، قال: والإقْليم الرَّابع وسَطُهُ حيثُ يكُون طول النَّهَار الأطْول أرْبَع عَشرة سَاعةً ونصف سَاعةٍ، وارْتفاع القُطْب ستَّةً وثلاثين جُزْءًا وخُمْسِ جُزْءٍ، وعَرْضُهُ من حَدِّ الإقْليم الثَّالث إلى حيثُ يَكون طُول النَّهَارِ الأطْوَل أرْبَع عَشرة سَاعةً ونصفَ ورُبْع ساعَة، وارتفاع القُطْب تِسْعَةً وثلاثين جُزْءًا، وهو مَسافَةُ ثلاثمائة مِيْلٍ. قال: والإقْليم الرَّابِع يَبْتَدئ من المَشْرِق فيَمُرّ ببلادِ التُّبَّت ثمّ على خُرَاسَان، وفيهِ من المُدُن هُنالك: خُجَنْدَة، وأشْرُوسَنَة، وفَرْغَانَة، وَسَمَرْقَنْد، وبَلْخ، وبُخَارَى،
следующие страницы →