← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

سَالمِ بن عَبْد الجَبَّار بن مُحَمَّد في المُهَذَّب بن عِليّ بن المُهَذَّب بن مُحَمَّد بن هَمَّام بن عَامِر بن عَامِر (a) بن مُحارِب بن نُعَيْم بن عَدِيّ بن عَمْرو بن عَدِيّ بن السَّاطع بن عَدِيّ في عَبْد غَطَفَان بن عَمْرو بن بَرِيْح بن جَذِيْمَة في تَيْم الله وهو مُجْتَمع تَنُوخ، أبو المُعَافَى - وقيل: أبو المَعالِيّ (b) - التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ (١) من أكَابِر بُيُوت مَعَرَّة النُّعْمَان، وسَلَفهُم مَشْهُورُون بالفَضْلِ والعِلْم ورِوَايَة الحَدِيْث والشِّعْر، وكانُوا يَتَذْهبُون بمَذْهَب الإمَام أبي حَنِيْفَة ﵁ (c). وسَالِم هذا كان شَاعِرًا مُجِيْدًا فَاضِلًا، وكان بينه وبين الأُمَرَاءَ بني مُنْقِذ مَوَدَّة واخْتِلاطٌ، وله فيهِم مَدَائِح، ورَوَى عن سَدِيد المُلْك أبي الحَسَن عليّ بن مُنْقِذ شَيئًا من شِعْره. رَوى عنهُ أبو المُنَجَّا طَاهِر بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْد الأعْلَى التَّنُوخِيّ، والأَمِير أبو سَلامَة مُرْشد بن عليّ بن مُنْقِذ الكِنَانِيّ (d). أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر مُشَافهةً، قال: أنْبَأنَا أبو المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في كتابه الّذي سَيَّرَهُ إلى الرَّشِيْد بن الزُّبَيْر، في ذِكْر جَمَاعَةٍ من الشُّعَراء سَأله عنهم، ليُودعه كتابه الّذي وَسَمَهُ بجِنَانِ الجِنَان ورِيَاض الأذْهَان، قال أُسامَةُ: ومن شُعَرَاء الشَّام الشَّيْخ أبو المُعَافَى سَالِم بن عَبْد الجَبَّار بن المُهَذَّب، من أهْل المَعَرَّة، مَوْسُوم بالعَدَالَةِ والأمَانَة، مَشْهُور الفَضْل والدِّيانَة، وله شِعْرٌ جَيِّدٌ، لا يَفدُ به ولا يَسْتَرفد، وكان بينَهُ وبين جدِّي سَدِيد

стр. 5287

المُلْك ﵀ مَوَدَّةٌ، وكان أكْثَر زَمَانهِ عندَهُ؛ رَغْبةً في مُؤانسَته وعِشْرته، فإذا اشْتَاق أَهْلَهُ مَضَى إلى المَعَرّة؛ أقامَ بها بقَدْر ما يَقْضِي مآرِبَهُ ثُمَّ يعُودُ، والمَعَرَّةُ إذ ذاك لشَرَف الدَّوْلَة مُسْلِم بن قُرَيْش، وكان نَازَل جَدِّي ﵀ وهو بشَيْزَر وحَاصَره مُدَّةً، ونَصَبَ عليه عدَّة مَجَانِيْق، وقَاتَل حِصْنًا له يُسَمَّى الجِسْر، ورَحَلَ عنه ولَم يَبْلغُ غَرضًا فعَمل فيه الشَّيْخُ أبو المُعَافَى بن المُهَذَّب (١): [من الطويل] أَمُسْلم لا سُلّمْتَ من حَادِث (a) الرَّدَى … وَزَرْتَ (b) وَزِيرًا ما شَدَدت به أزْرَا رَبحْتَ ولَم تَخْسَر (c) بحَرْب ابن مُنْقِذٍ … من الله والنَّاس المذَمَّةَ والوِزرَا فَمُتْ كَمدًا بالجِسْر لسْتَ بجَاسِرٍ … عليه وعَاينْ شَيْزَرًا أبدًا شَزْرَا فلمَّا بَلَغَت الأبْيَات إلى شَرَف الدَّوْلَة، قال: مَنْ يقُول هذا القَوْلَ فينا؟ قالوا: رَجُل يُعْرَفُ بابن المُهَذَّبِ من أهْل المَعَرَّة، قال: ما لنا ولهذا الرَّجُل!؟ اكْتبُوا إلى الوَالي بالمَعَرَّة يَكُفُّ عنه وِيُحْسِن إليه؛ فربَّما يكُون قد جارَ عليه فأحْوجَهُ أنْ قال ما قال، وهذا من حِلْم شَرَف الدَّوْلَةِ المَشْهُور. هكذا ذَكَرَ أُسامَة الأبْيَات، وقَرَأتُ في بَعْضِ تَعَالِيْقي من الفَوَائِد: لمَّا عَزَم أبو العِزّ بن صَدَقَة وَزِير مُسْلِم بن قُرَيْشٍ على حِصَار شَيزَر وأخْذِها من سَدِيد المُلْك ابن مُنْقِذ، قال فيه سَالِم بن عَبْد الجَبَّار بن المُهَذَّب: [من الطويل] أَمُسْلِم لا سُلِّمْتَ من حَادِث الرَّدَى … تَخِذْتَ وَزِيرًا ما شَدَدت به أزْرَا كسبْتَ ولَم تَرْبَح بحَرْب ابن مُنْقِذٍ … من الله والنَّاس المذَمَّةَ والوِزْرَا فَمُتْ كَمدًا بالجِسْر لسْتَ بجَاسِرٍ … عليه وعَاينْ شَيْزَرًا أبَدًا شَزْرا فلمَّا سَمعَ شَرَف الدَّوْلَة مُسْلِم بن قُرَيْشٍ هذه الأبْيَات، قال: مَنْ هذا الرَّجُل؟

стр. 5288

فقيل له: من أهْلِ المَعَرَّة؛ رَعَيِّتكَ! قال: أوْصُوا بهِ الوَالي ليُحْسِنَ إليهِ، وحَذِّرُوه أنْ يَجْني عليه، فهذا ما يَعْرفُنا، ولو لَم يكُن له شِكَايَة من وَالِيْنا لَمَا قال هذا. أنْبَأنَا أبو البَرَكَاتِ الحَسَن بن مُحَمَّد، قال: أخْبرَنا عمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي القَاسمِ بن صَابِر، قال: أنْشَدَنا أبو المُنَجَّا طَاهِر بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْد الأعْلَى التَّنُوخِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو المَعَالِي سَالِم بن المُهَذَّب التَّنُوخِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن الكِنَانِيّ لنَفْسِه، يعني الأَمِير عليّ بن مُنْقِذ: [من مجزوء الكامل] يا مَنْ جَعَلتُ إذا خَطا … خَدِّي له أرْضًا ليَرْضَى إنَّ العُيُونَ إذا نَظَر … نَ إليكَ لَم يَطعَمْنَ (a) غمْضَا ذَكَرَ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن المُنَيِّرة الكَفْرطَابِيّ في كتاب البَدِيْع في نَقْدِ الشِّعْر (٢)، وشَاهدتُه بخَطِّه: لأبي المُعَافَى سَالِم بن عَبْد الجَبَّارِ أبْيَاتًا في أبي المُرْهَف بن مُنْقِذ: [من الطوبل] أبا المُرْهَفِ البَاني مِنَ المَجْدِ مَنْزِلًا … مُنِيْفًا لَهُ طُنْبٌ على النّجْمِ مَمْدُودُ ومَنْ باتَ للعَافِيْنَ مِن جُودِ كَفِّهِ … خِضَمُّ نَدَىُ (b) عَذْبُ المَشَارِبِ مَورُودُ لقد ضِيْمَ إلَّا في جَنَابِكَ قَاطِنٌ (c) … وأَعْوَزَ إلَّا مِن أنامِلِكَ الجُوْدُ أنْشَدَني أبو البَرَكَاتِ الفَضْل بن سَالِم بن مُرْشِد بن المُهَذَّب بحَمَاةَ، قال: أنْشَدَني وَالدِي للشَّيْخ (d) أبي المُعَافَى سَالِم بن عَبْد الجَبَّار بن مُحَمَّد بن المُهَذَّب: [من الكامل] طُوْبَى لَمن ملكت يَدَايَ مُصَاحِبًا … في النَّاسِ يَصبِرُ لي على ما أصْبِرُ

стр. 5289

يَصِلُ المَوَدَّةَ ما وَصَلْتُ حبَالَهُ … أبَدًا ويَهْجُرُ أيَّ وَقْتٍ أهْجُرُ لو يُشْتَرى لشَرَيْتُ ذاكَ بمُقْلَتي … وبَقيتُ بالأُخْرى إليهِ أنْظُرُ وأنْشَدَني أبو البَرَكَات، قال: أنْشَدَني وَالدِي لسَالِم أيضًا: [من الطويل] لَمن جيرةٌ حكَّمتهُم فيَّ فاشْتَطُّوا … لَهُمْ مَنْزِلٌ بينَ الجَوَانِحِ مُخْتَطُّ يَزِيدُ بِهِمْ وَجْدِي على القُرْبِ والنَّوَى … وسِيَّانَ عِنْدي مِنْهُمُ القُرْب والشَّحْطُ وقال منها: أأحْبَابَنا رِفْقًا بنا وتَعَطُّفًا … علَينا فَما مِن شَأنِ مثلِكُمُ القَسْطُ هَجَرْتُمْ على قُرْبِ المَزَار وجُرْتُمُ … بلا سَبَبٍ ما هكَذا بَيْنَنا الشَّرْطُ أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، عن أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ، قال: ومن شِعْره؛ يعني: أَبا المُعَافَى سَالِم بن عَبْد الجَبَّار (١): [من الكامل] ومُهَفْهفٌ كالغُصْن في حَرَكَاته … مُتَهضِّم في (a) خَصْره المَهْضُومُ يَهْتَزُّ من نَفَسِ المَشُوق قَوَامُهُ … لِيْنًا كما هَزَّ القَضِيْب نَسِيمُ يَحْلُو ويَمْرُر وصْلُهُ وحُدُودُهُ … وكَذَا الهَوَى أ [بدًا] (b) شَقًا ونَعِيمُ كُنْ كيفَ شِئْتَ فإنَّ وَصْلي ثَابِتٌ … تَتَصَرَّمُ الأيَّام وهو مُقِيْمُ غيري لدَيكَ حبَالهُ موْصُولةٌ … أبَدًا وحَبْل مَوَدَّتي مَصْرُومُ قَلْبي الّذي جَلَبَ الغَرَامَ لنَفْسِه … فلمَنْ أُعاتبُ غيره وأَلُومُ

стр. 5290

قال: ومن شِعره في وَالدِي على مِنْهَاج البُسْتيّ (a): [من الكامل] لأبي سَلامَةَ مُرْشِدٍ بينَ الوَرَى … خُلُقٌ يَكِلُّ النَّاسُ عن أوْصَافِهِ مَلِكٌ إذا علِقَ الخَوُفُ بحَبْلِهِ … أمِنَ الخُطُوبَ فَوَالِهِ أوْ صَافِهِ وممَّا وَقَع إليَّ من شِعْره في الخَيْريّ (١): [من السريع] انْظُرْ إلى الخَيْريّ ما بَيْننا … مُقَمَّصًا بالطّلِّ قُمْصَانَا كأنَّما صَاغَتْهُ أيْدي الحيَا … مِن أحْمَرِ اليَاقُوتِ صُلْبَانا وله يَصِفُ الوَبَاء والإفْرَنْج بالشَّامِ (٢): [من الكامل] ولقد حَلَلْتُ من الشَّام ببُقْعَةٍ … أعْزِزْ (b) بسَاكِن رَبْعَها المِسْكِين (c) وُبئَتْ وجَاوَرها العَدُوُّ فأهْلُها … شُهَدَاء بين الطَّعْنِ والطًّاعُون تُوفِّي أبو المُعَافَى سَالِم في سَنَة اثْنَتي عَشْرة وخَمْسِمائَة أو بَعْدها؛ فإنَّ عَبْد الوَاحِد بن عَبْد الله ابن عَمِّي عبد الصَّمَد بن أبي جَرَادَة أخْبرَني أنَّهُ نَقَل من خَطِّ عَبْد الله بن عليّ بن أحْمَد بن جَعْفَر التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ، وذَكَرَ جَمَاعَةً من مَشَايخ مَعَرَّة النُّعْمَان وقال: ما بَقِي منهم إلى سَنَة اثْنَتي عَشرة وخَمْسِمائَة إلَّا أبو العَلَاء المُحَسِّن بن الحُسَين بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن جَعْفَر بن أحْمَد بن سُلَيمان بن دَاوُد، وأبو المُعَافَى، وأبو المُنَجَّا ابْنَا عَبْد الجَبَّار بن مُحَمَّد بن المُهَذَّب بن عليّ بن المُهَذَّب، فتكُون وَفَاتُه بعد ذلك.

стр. 5291

سَالِم بن عبد الرَّحْمن، هو أبو العَلَاء الكَاتِب كَاتِبُ هِشَام، ذُكِرَ في التَّاريخ أنَّهُ كان بالرُّصَافَة حين ماتَ هِشَامٌ، فكَتَبَ إلى الوَلِيد بن يَزِيد بن عَبْد المَلِك يُعْلمه بذلك، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ فيمَنْ اسْمُ أبيْهِ عَبْدالله (١). سَالِم بن عَبْد الغَالِب بن عَبْد الله بن المُحَسِّن بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن سَعيد بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن المُطَهَّر بن زِيَاد بن رَبيعَة بن الحاَرِث بن رَبِيْعَة بن أنْوَر بن أرْقَم بن أسْحَم، أبو المُنَجَّا ابن القَاضِي أبي سَعْد بن أبي حَصِيْن بن أبي القَاسِم التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ، القَاضِي (٢) من بَيْت القَضَاء والعِلْم والرِّوَايَة والشِّعْر بمَعَرَّة النُّعْمَان، وكان أبُوه قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، وقد ذَكَرْناهُ (٣)، وذَكَرْنا منهم جَمَاعَة. وكِان سَالِم هذا قد سَافَرَ إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة، ووَلِيَ بها قَضاءَ دِمْيَاط، ثمِّ جَاوَرَ بمَكَّة إلى أنْ ماتَ (a)، رَوَى عن أَبِيهِ أبي سَعْد شَيئًا من شِعْره، ورَوَى (b) عن الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ بمَكَّة، كَتَبَ عنهُ شَيْخُه أبو طَاهِر السِّلَفِيّ بالإسْكَنْدَرِيَّة (c)، وعبد الرَّحيم بن مُحَمَّد بن كُلِي الأصْبَهَانِيّ بمَكّة (d). أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الله بن الحُسَين بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ، عن الإمَام الحافِظ أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: أنْشَدني أبو المُنَجَّا سَالِم بن عَبْد

стр. 5292

الغَالِب بن عَبْد الله التَّنُوخِىّ المَعَرِّيّ بالإسْكَنْدَريَّةِ، قال: أنْشَدَني القَاضِي أبو سَعْد عَبْد الغَالِب بن عَبْد الله بن المُحَسِّن بن عَمْرو التَّنُوخِيّ لنَفْسِه بالمَعَرَّة (١): [من مجزوء الكامل] قَلْبٌ وقُلْبٌ في يَدَ … كَ مُعَذَّبٌ ومُنَعَّمُ ظَمْآنُ يَطْلُبُ قَطْرَةً … تَشْفي صَدَاهُ ومُفْعَمُ هكذا أَنْشَد الحافِظ أبا طَاهِر هذين البَيْتَيْن، ولَم يَذْكُر أنَّ قائلهُما أبُوه، لأنَّ أباهُ أبا سَعْد قال البَيْتَيْن في امْرأة اسْمُها عَاتِكَة، وجَرَى له معها قِصَّةٌ عُزِلَ عن قَضَاءِ المَعَرَّة بسَبَبها، وقد ذَكَرنا القِصَّة في تَرْجَمَةِ أبي سَعْد عَبْد الغَالِب، فيَقَع لي أنَّهُ لم يَذْكُر أنَّهُ أبوه لذلك، واللهُ أعْلَمُ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي عليّ الأنْصَاريّ، قال: أنْبَأنَا الحافِظُ أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: رأيْتُ بخَطِّ عَبْد الرّحيم بن مُحَمَّد بن كُلِي الأصْبَهَانِيّ، وهو من أهْلِ الفَضْل، قال: أنْشَدَنا أبو الفَرَج ثَابِت بن مُحَمَّد بن أبي الفَرَج المَدِيْنّي من لَفْظه، قال: أنْشَدَنا أبو المَعَالِي مُجَلي بن جُمَيعْ بن نَجَا المَخْزُومىّ بمَكَّة، وذَكَرَ أنَّهُ من وَلدِ خَالِد بن الوَلِيد، قال: أنْشَدَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أحمد بن إبْراهيم الرَّازِيّ بمِصْرَ، قال: أنْشَدَني أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِىّ الأصْبَهَانِيّ بالإسْكَنْدَرِيَّة من قِيْلِهِ (a): [من الكامل] دِيْن في الرَّسُولِ وشَرْعُهُ أخْبَارُهُ … وأجَلُّ عِلْمٍ يُقْتَنى آثارُهُ مَنْ كان مُشْتَغِلًا بها وَبِبَثِهّا (b) … بينَ البَرِّيَّةِ لا عَفَتْ آثارُهُ

стр. 5293

قال عَبْدُ الرّحيم: ثُمَّ لَقِيْتُ بمَكّة في ذِي الحِجَّة من سَنَة إحْدَى وأرْبَعين أبا الغَنائِم سَالِم بن عَبْدِ الغَالِب بن عَبْد الله المَعَرِّيّ، فأنْشَدَني، قال: أنْشَدَني أبو الطَّاهِر السِّلَفِيّ؛ فذَكَرَ البَيْتَيْن. أخْبرَني أبو القَاسِم بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ، عِن أبي طَاهِر السِّلَفِيِّ، قال: سَالِم هذا كان من شُهُود دِيَار مِصْرِ، وخَطَبَ بها، ووَليَ قَضاءَ دِمْيَاط، وكان من أهْلِ السُّنَّة، شَافِعيّ المَذْهَب، تَرَك ذلك كُلّه وجَاوَرَ بمَكّة إلى أنْ تُوفِّي بها سَنَة اثْنَتَيْن وأرْبَعين، وكان قد سَمِعَ عَلَيَّ ورَوَى عَنِّي. يعني سَنَة اثْنَتَيْن وأرْبَعين وخَمْسِمائَة وَفَاتُه. سَالِم في عُبَيْد الأشْجَعِيِّ (١) صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، ورَوَى عنهُ، وكان من أصْحَاب الصُّفَّة، وحَكَى عن عليّ ﵁، وشَهِدَ معه صِفِّيْن. رَوَى عنهُ خَالِد بن عُرْفُطَة، ونُبَيْط بن شُرَيْط، وأبو مَالِك الأشْجَعِيِّ، وقيل: رَوَى عنهُ هِلال بن يسَاف، والصَّحيحُ أنَّ هِلَالًا روَى عن خَالِد بن عُرْفُطَة عنه. أخْبَرَنا أبو حَفْص بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب بن غَيْلان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الشَّافِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن

стр. 5294

غالب، قال: حَدَّثَني عبد الصَّمَد، قال: حَدَّثَنَا وَرْقَاء، عن مَنْصُور، عن هِلال، عن خَالِد بن عُرْفُطَة، قال (١): كُنَّا فىِ مَسِيْر فعَطَس رَجُلٌ من القَوْم (a) فقال: السَّلام عَليُكم، فقال له سَالِم بن عُبَيْد الأشْجَعِيِّ: وعليك وعلى أُمِّكَ، قال: ثمّ قال له: لعَلَّهُ ساءَك ما قُلْتُ؟ قال: ما يَسُرُّني أنْ تَذْكُر أُمَّي بخَيْر ولا شَرٍّ، قال: أمَا إنِّي لا أقُول إلَّا كما قال النَّبيُّ ﷺ وعَطَس رَجُلً من القَوْم فقال: السَّلام عَليْم، فقال: عليكَ وعلى أُمِّكَ، ثُمَّ قال: إذا عَطَس أحَدُكم فليَقُل: الحَمَدُ للهِ رَبِّ العالَمِين، وليَقُل مَنْ عندَهُ: يَرْحَمكَ اللهُ، وليَقُل هو: غَفَرَ اللهُ لي ولكم. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان، مال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن علىِّ بن مُحَمَّد بن حَمُّوْيَه، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن إسْمَاعِيْل بن عُمَر الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن عَبْد الله بن خَلَف الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلمِيّ، قال: حَدَّثنا عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَمْدَان الحَنْبَلِيّ، قال: أخْبَرَنا ابن مَنيع، قال: حَدَّثنا وَهْبُ بن بَقِيَّة، قال: حَدَّثنا إسْحَاق الأزْرَق، عن سَلَمَة بن نُبَيْط، عن نُعَيْم بن أبي هِنْدٍ، عن نُبَيْط بن شُرَيْطٍ، عنِ سَالَمِ بن عُبَيْد؛ وكان من أهْل الصُّفَّةِ (٢): أنَّ النَّبيّ ﷺ لمَّا اشْتَدَّ مرَضُه أُغْمِي عليه، كُلّما (٣) أفاقَ قال: مرُوا بِلَالًا فليُؤذِّن، ومرُوا بِلَالًا فليُصَلّ بالنَّاسِ، وذَكَرَ الحَدِيْث.

стр. 5295

أخْبَرَنا أبو الحجَاج يُوسُف بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو المَكَارِم اللَّبَّانُ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحدَّاد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظُ (١)، قال: حَدَّثنا أبو بَكْر الطَّلْحِيّ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن الطَّيّب، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن بَقِيَّة، قال: حدّثنا إسْحاق بن يُوسُف، قال: حَدَّثنا سَلَمَةُ بن نُبَيْط، عن نُعَيْم بن أبي هِنْد، عن نُبَيْط بن شُرَيْط (a)، عن سَالِم بن عُبَيْد -وكان من أهْل الصُّفَّة- أنَّ النَّبي ﷺ لمَّا اشْتَدَّ مرَضُه أُغْمِي عليه، فلمّا أفاقَ قال: مرُوا بِلَالًا فليُؤَذِّن، ومروا أبا بَكْر فلُصَلّ بالنَّاسِ، قال: ثُمَّ أُغْمِي عليه، فقالت عائِشَة: إنَّ أبي رَجُلُ أَسيفٌ فلو أمرَت غيره، قال: إبَّكُنَّ صواحباتُ يُوسُف؛ مرُوًا بِلَالًا، ومرُوا أبا بَكْرٍ فليُصَلِّ بالنَّاسِ. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن (b) فيما أجَازَهُ لي، قال: أخْبرَنا (c) عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحُسَين بن مُحَمَّد بن خُسْرُو البَلْخِيّ، قال: أخْبَرَنا ابو الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن أَيُّوب، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَدُ بن إسْحَاق بن نِيْخَاب الطِّيبِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْحَاق إبْراهم بن الحُسَين بن عليّ الكِسَائِيِّ الهَمْدانِيّ (d)، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان أبو سَعيد الجُعْفِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن إِدْرِيس، قال: سَمِعْتُ أبا مالك الأشْجَعِيِّ ذَكَرَ عن رَجُلٍ من أَشْجَع يُقال له سَالِم بن عُبَيْد الأشْجَعِي، قال (e): رأيْتُ عليًّا يَوْم (f) صِفّيْن وهو آخِذٌ بيَدِي ونحنُ نَمْشي في القَتلَى، فجَعَل علىِّ يَسْتغْفِر لهم حتَّي بلغَ قتلَى أَهْل الشَّام، فقُلتُ لَهُ: يا أَمِير الؤمنِيْن، إنَّا فىِ أصْحَاب مُعاوِيَةَ، فقال عليٌّ: إنَّما الحِسَابُ علىَّ وعلى مُعاوِيَة (٣).

стр. 5296

أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحُسَيْن بن عُمَر بن بَاز في كتَابهِ، قال: أخبَرنا عَبْدُ الحَقّ بن عَبْد الخالِق بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم مُحَمَّد بن عليّ بن النَّرْسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد الغُنْدجَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَهْل، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (١)، قال: سَالَم بنُ عُبَيْد الأشْجَعيِّ، له صُحْبَة، قال لنا عليّ: حَدَّثَنَا جَرِبر، عن مَنْصُور، عن هِلَال بن يسَاف، قال: كُنَّا مع سَالَم بن عُبيد فعَطَسَ رَجُلٌ، فذَكَر عن النَّبِيّ ﷺ فذكَرْتُه لابن مَهْدِي فقال: حَدّثَنَا أبو عَوَانَة، عن منْصُور، عن هِلَال، عن رَجُلٍ من آلِ عُرْفُطَة، عن سَالَم، فذكَرتُه لابن دَاوُد فقال: حَدَّثَنَا وَرْقَاء، عن مَنْصُور، عن هِلالٍ، عن خَالِد بن عُرْفُطَة (a)، عن سَالَم، فذكَرتُه ليَحْيَى بن سَعيد، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان، عن مَنْصُور، عن هِلَال، عن رجُلٍ (b)، عن سَالمِ. ورَوَى هاشِم بن القَاسِم، عن أبي جَعْفَر الرّازِيّ، عن مَنْصُور، عن هِلال: كُنَّا مع سَالِم. أنْبَأنَا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن عَبْد الله بن عُلْوَان، عن مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، قَال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، إجَازَةً أو سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (٢)، قال: سَالمِ بن عُبَيْد الأشْجَعِيّ، كُوْفيٌّ له صُحْبَةٌ، رَوَى عنهُ نُبَيْط بن شُرَيْط، وهِلَال بن يسَاف، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك، رَوَى عنهُ خَالِد بن عُرْفُطَة. هكذا قال، والحَدِيْثُ الّذي يَرْويهِ عنه خَالِد بنِ عُرْفُطَة هو الّذي يَرْويهِ هلال بن يسَاف عن خَالِدٍ عنه. والظَّاهرُ أنَّ الّذي روَاهُ عن هِلال عن سَالِم أسقَط خَالِدًا، واللهُ أعْلُم.

стр. 5297

أنْبَأنَا الحافِظُ أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل، عن أبي القَاسِمٍ بن بَشْكُوَال، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن عَتَّاب وأبو عِمْران بن أبي تَلِيْد إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر النَّمِرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم خَلَفُ بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ سَعيد بن عُثْمان بن السَّكَن، قال في كتاب الحُرُوف ومَعْرفَة الصَّحَابَةِ: وسَالِم بن عُبيد الأشْجَعِيِّ حَدِيثُه في الكُوْفيِّيْن، رَوَى عنهُ نُبَيْط بن شُرَيْط، ورَوَى هِلال بن يسَاف عن رَجُلٍ عنهُ، واخْتَلَف أصْحَابُ مَنْصُور عنه في رِوَايَة حَدِث بِلَال (a). أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بنُ عليّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن إسْمَاعِيْل الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن عَبْدِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الرَّحمن السُّميّ، قال: سَالِم بنُ عُبيد ﵁ من أهْل الصُّفَّة، قالَهُ ابنُ مَنِيع، وهو سَالِم بنُ عُبَيْدٍ الأشْجَعِيّ، سَكَنَ الكُوفَة. أخْبَرَنا أبو الحَجَّاجِ يُوسُف بن خَلِيل، قال: أخبرنا أبو [المَكَارم] (b) اللَّبَّانُ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَدَّادُ، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظُ (١)، قال: سَالِم بن عُبَيْدٍ الأشْجَعِيّ سَكَنَ الصُّفَّة، ثُمَّ انتقَلَ إلى الكُوفَة ونزلَها. أخْبَرَنا أبو الفُتُوح نَصْربن أبي الفَرَج الحُصْرِيّ، فيما كَتَبَ إلينا بهِ من مَكَّة، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عليّ الأَشِيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَلِيد يُوسُف بن عَبْد العزَيْز بن الدَّبَّاغِ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن

стр. 5298

عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرنا أبو عُمَر يُوسُف بن عَبْد الله بن عَبْد البَرِّ (١)، قال: سَالِم بنُ عُبَيْدٍ الأشْجَعِيّ، كُوْفيٌّ، له صُحْبَة، وكان من أهْلِ الصُّفَّة، رَوَى عنهُ خَالِد بن عُرْفُطَة، ورَوى عنه نُبَيْطُ بن شُرَيْط، ويُقال (a): ابنُ يسَاف. سَالِم بن عليّ بن تميْم الكَفْرطَابِيّ، أبو الحَسَن الحلَي النّحويّ المعرُوف بابنِ الحَمَامِيّ (٢) أصْلُهُ من كَفَرْ طَاب، وسَكَنَ حَلَبَ، ويُقال فيه: سَالِم بن تَمِيْم (٣). كان رَجُلًا فَاضِلًا، عَارِفًا بالعَرَبيةِ، وكان سُنِّي المَذْهَب، سَمِعَ بحَلَب الشَّريفَ أبا عليّ مُحَمَّد بن مُحمّد بن هَارُون الهاشمِيّ الحَلَبِيّ، والشَّيْخ أبا عُبَيْد الله عَبد الرَّزَّاق بن عَبْد السَّلام بن أبي نُمَيْر، والشَّيْخ مُشْرِق بن عَبْد الله العَابِدَيْن. وكان فَقِيهًا حَسَنًا، ونَحويًّا مُفِيدًا، وكان إمَام سَدِيد المُلْك عليّ بن مُنْقِذ وجَلِيْسه، ومن وُجُوه الحلبِيِّيْن، وإيَّاه عَنَى أبو مُحَمَّد الخفاجِيّ بقَوْله في القَصِيدَة الّتي سَيَّرَها من قُسْطَنْطِينِيّة إلى جَمَاعَة أهْلهِ وأصْدِقائه (٤): [من الكامل] أَبْلِغْ أبا الحَسَنِ السَّلَامَ وقُلْ لَهُ … هذا الجفَاءُ عَدَاوَةٌ للشِّيْعَةِ فلأطَرِفَنّ بما صَنَعْتَ مُكَابِرًا … وأَبُثُّ ما لاقَيْتُ منْكَ لبَنكَةِ (b)

стр. 5299

ولأُجلِسَنّكَ للقَضِيَّةِ بَيْننا … في يَوْم عَاشُوْراءَ بالشَّرْقيَّةِ حتَّى أُثِيرَ عليكَ فيها فِتْنَةً … تُنْسِيكَ يَوْم خِزَانَةِ الصُّوْفيَّةِ قَرأتُ بخَطّ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة، قال: هو الفَقِيه أبو الحَسَن سَالِم بن تميْم، وبخَطِّه: مُكابِر وبَنْكَة من غَوْغَاء الشِّيْعَة. أخْبَرَنا بهذه الأبْيَات أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن هاشِم بن أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد، قال: أنْشَدَنا وَالدِي، قال: أنْشَدَني أبي عن قائلها أبي مُحَمَّد، أو عن عَمِّه أبي نَصْر عن أبي مُحَمَّد. وخِزَانَة الصُّوْفيَّة: هي خِزَانَة الكُتُب الّتي بالشَّرْقيّةِ من جَامع حَلَب، وأشَار بذلك إلى قَضِيّة وَقَعَت لسَالِم بن عليّ مع الشِّيْعَة بحَلَب في يَوْم عَاشُوْراء عند خِزَانَة الكُتُب، أدَّتْ إلى فِتْنَةٍ بين السُّنَّة والشِّيْعَة، وكان سَالِم بن عليّ بن تَمِيْم سُنِّي المَذْهَب. وسَبَبها ما أنْبَأنَا بهِ أبو القَاسِم عَبْد الله بن الحُسَين بن عَبْد الله بن رَوَاحَة، وأبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا لهما أو لأحَدهما، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن يَحْيَى بن عليّ بن عَبْد اللّطِيْف التّنُوخِيّ المَعَرِّيّ بدِمَشْق، قال: سَمِعْتُ أخي أبا الفَضْل يَقُول: سَمِعْتُ النَّاظِرَ التَّنُوخِيّ يَقُول: طلبْتُ من ابن تميْم الفَقِيه بحَلَب شَيئًا فامْتَنع عليّ، فعَمِلتُ فيه قِطْعَةً على سَبِيْل المُناكَدَة، وأنْشَدتُها للشِّيْعَة في يَوْم عَاشُوْراء، فرَأى منهم كُلّ مَكْرُوه، وكان النّاظِرُ وابن تميْم جَمِيعًا سُنِّيَّيْن، والأبْيَاتُ هذه: [من المنسرح] لابن تميْمٍ في الكُفْرِ مُعْضلَةُ … لَم يأتها قَبْلَهُ مِنَ البَشَرِ

стр. 5300

لقَوْلهِ في الإمَامِ جَعْفَرٍ الصَّـ ....

стр. 5301

سَالم بن مَالِك بن بَدْرَان بن مُقَلَّد بن المُسَيَّب بن رَافِع بن مُقَلَّد بن جَعْفَر بن عَمْرو بن المُهَيَّا بن زَيْد (a) بن عَبْد الله بن زيْد (b) ابن قَيْس بن جُوْثَة بن طِخْفَة (c) بن رَبِيْعَة بن حَزْن بن عُبَادَة بن عُقَيْل بن كَعْب بن رَبِيْعَة بن عَامِر بن صَعْصَعَة بن مُعاوِيَة بن بَكْر بن هَوَازِن بن مَنْصُور بن خَصَفَة بن عِكْرِمَة بن قيس بن إلْيَاس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَان، أبو الذِّمَام - وقيل: أبو الزِّمَام - العُقَيْلِيُّ الأَمِيرُ (١) كان أبو المَكَارِم مُسْلِم بن قُرَيْش حين مَلَكَ حَلَب، وَلَّاهُ زعَامتَها بحُكْمْ ما بينهما من النَّسَب، فلمَّا قُتِلَ أبو المَكَارِم وَلي حَلَب مع الشَّريف الحُتَيْتيّ في سنَة ثَمانٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة. وأقام سَالِم بالقَلْعَة والشَّريف بالمَدِينَة، واتَّفَقا على أنْ كَاتبًا السُّلْطان مَلِك شَاه يبْذُلان له تَسْليم حَلَب ويَحُثَّانه على الوُصُول، أو وُصُول نَجْدة تَدْع سُليْمان بن قُطَلْمش. ونَزَل سُليْمان على حَلَب، وطَال انْتِظَار السُّلْطان، فاتَّفَقَ الشَّريف الحُتَيْتيّ ومُبَارَك بن شِبْل الكِلَابيّ على اسْتِدْعاء تَاج الدَّوْلَة تُتُش، فوَصَل، والْتَقَى بسُليْمان

стр. 5302

وقَتَلَهُ، ونَزَلَ على حَلَب، وفَتَحَها، وعَصَى سَالِم في القَلْعَة، فوَصَلَ الخبَرَ بوُصُول مَلِك شَاه، فتَوجَّه تُتُش إلى دِمَشْق، ووَصَلت مُقدِّمَة عَسْكَر مَلِك شَاه، فسَارَع سَالَم بن مَالِك إلى طَاعَة الوَاصِل وخِدْمَته. ووَصَلَ مَلِك شَاه إلى قلْعَة جَعْبَر بن سَابِق القُشَيْريّ، فتَسَلَّمها منه وقَتَلَهُ، ووَصَلَ إلى حَلَب، فتَسَلَّم حَلَب وقَلْعتها من سَالِم بن مَالِك سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة وعوَّض سَالِم بن مَالِك بقَلْعَة جَعْبر، وأقْطعَهُ الرَّقَّة وعدَّة ضِيَاع. ويُقال إنَّ سَالم بن مَالِك لَم يَذْكرها للسُّلْطَان، وإِنَّما سَيَّرَ إليه يَقُول: إنَّ لي وَلدًا وعائلةً كَبيرة، وقد أرَدْتُ أنْ يَنْظُرِ السُّلْطان لهم فوْق نَظَري لهم، فشَاور في ذلك نِظَام المُلْك، فقال له: إِنَّ قلْعَة جعْبَر تُريد منَّا في كُلِّ عامٍ جُمْلَةً من المال، وليسٍ لها عَمَلُ جَيِّد، وهو يَرْضَى بها، فكَتَبَ نِظَام المُلْك يُعرِّف سَالِم بن مَالِك ما جَرَى، فطَار سَالِم فَرصًا بما سَمِعَ، فبَعَثَ إلى نِظَام المُلْك بخَادِمهِ إقْبَال، وكان أحْسَن خَادِم يكُون له في الفُرُوسِيَّةِ اسْم، وفي الكتابة يَد طُوْلى، إلى خَطٍّ بَدِيْع من طَريْقَة ابن البَوَّاب، يتَرَسَّل عن موْلاه، وفي صُحْبَتهِ خَمْسُون ألف دِرْهَم، فقال نِظَام المُلْك: ما أَسْدَيت إليك شيئًا تَعْتَاض به عن إقْبَال! ورَدَّ الدَّرَاهِم عليه، وبَعَثَ بجَارِيتَين بكْرين أحْدَيهما إفْرَنْجِيَّة والأُخْرى أَنْدَلُسِيَّة، ليس لهما نَظِير في الحَسَن والجَمَال والأدَب والصَّنَائع الحَسَنة، فبَعَثَ بهما نِظَام المُلْك مع إقْبَال الخادِم إلى السُّلْطان، فلمَّا دَخَلَ بهما على السُّلْطانِ قال للحَاجِب: ردّ إقْبَال لا يَدْخُل عليَّ، فجِب منهُ بطَانَتُهُ، واسْتُحْسن ذلك منه، فبَلَغَ نِظَام المُلْك قَوْله، فبَعَثَ به في عَشرة من الخَدَم، فقَبِلَهم إلَّا إقْبَال فإنَّهُ أعادَهُ بعد أنْ رَمَى بينَ يَدَيْهِ، وكَتَبَ وتَبَذَّل في الحَوَائِج، فقال: إنَّ بنِظَام المُلْك إليك أشَدّ حَاجةٍ، فخَدَم إقْبَال وأجَاب السُّلْطان أحْسَن جَوَاب عن قَوْله، وانْصَرَف.

стр. 5303

نَقَلْتُ من خَطِّ الرَّئِيس أبي عَبْد الله بن عليّ [بن أحمد] بن نِزَار العُظَيْميّ (١) في حَوَادِث سَنَة تِسْع عَشرة وخَمْسِمائَة، قال: وفي يَوْم الأرْبَعَاء العشرين من شَوَّال مات شَمْس الدَّولَة سَالِم بن مَالِك بقَلْعَة جَعْبَر. قَرأتُ بخَطّ حَمْدَان بن عبد الرَّحِيم (٢): رَأيْتُ في بعض التَّعَالِيْق بحَلَب أنَّ الأمِير سِرَاج الدَّين سَالِم بن مَالِك بن بدْرَان العُقَيْلِيّ مالك الدَّوْسَرِيَّة (٣)؛ وهي قَلْعَة جَعْبَر، كانت وَفَاته فيها في العشرين من شَهْر شَعْبان سَنَة تِسْع عَشرة؛ - يعني: وخَمْسِمائَة. أنْبَأنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر، عن أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن مُنْقِذ، قال: إنَّ الأمِير شَمْسِ الدَّولَة كان نائبًا للأمِيْر شَرَف الدَّوْلَة مُسْلِم بن قُرَيْش في قَلْعَة حَلَب، فلمَّا قُتِلَ شَرَف الدَّوْلَةِ في رَبيع الأوَّل سَنَة ستٍّ وثَمانين وأرْبَعِمائة حَفِظَ الأَمِيرُ شَمْسُ الدَّولَة قَلْعَةَ حَلَبَ، وقال: لا أُسَلِّمُها إلَّا بأمْر مَلِكْشاه، فسَارَ إليها السُّلْطانُ من خُرَاسَان فسَلَّمها إليه، وكان السُّلْطانُ لِمَا اجْتازَ بقَلْعَة جَعْبَر وفيها سَابِق الدِّين جَعْبَر القُشَيْريّ فقَبَضَهُ السُّلْطان، وقَتَلَهُ لِمَا بلَغَهُ عنهُ من الفَسَادِ، فلمَّا سَلَّم شَمْسُ الدَّولَة سَالَم بن مَالِك قَلْعَة حَلَب إلى السُّلْطان عوَّضَهُ عنها قَلْعَة جَعْبَر، فأقام مالكها إلى أنْ تُوفِّي فيها يَوْم الأرْبَعَاء العِشْرين من شَوّال سَنَة تِسْع عَشرة وخَمْسِمائَة.

стр. 5304

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي سَالِمُ بن المُحَسِّن بن مُحَمَّد بن عليّ الرَّبَعِيُّ، أبو الغَنائِم المَعَرِّيُّ (١) شَاعِرٌ من أهْلِ مَعَرَّة النُّعْمَان، نَزَل الإسْكَنْدَرِيَّة، وأوْطَنَها إلى أنْ ماتَ، رَوَى عنهُ الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحُسَين بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ، عن أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، قال أنْشَدَني أبو الغَنائم سَالِم بن المُحَسِّن بن مُحَمَّد بن عليّ الرَّبَعِيّ المَعَرِّيّ لنَفْسِه بالثَّغْر؛ يعني: الإسْكَنْدَرِيَّة: [من الرمل] أنْتَ بالوَصْلِ إذا لم تَجُدِ … فَبِهِ (a) قَلْبي عَلِّلْ وَعِدِ قد تَمَادَى طُولُ هجرَانكَ لي … وانْتِظَاري كُلَّ يَوْم لغَدِ يا جَمِيلَ الوَجْهِ ما ذا حَسَنُ … منكَ أنْ تَقْتُلَني بالكَمَدِ مُقْلَتي سَلْهَا عَنِ النَّوْمِ فَقَدْ … أَنِسَتْ مِن بَعْدِهِ بالسُّهُدِ ما على مَالكِ قَلْبي حَرَجُ … أنَا سلَّمْتُ فُؤادِي بيَدِي (b) قال الحافِظُ أبو طَاهِر سَالِم هذا شَاعِر مُقَدَّم في الأدَب، اسْتَوْطَنَ الإسْكَنْدَرِيَّة، ومَوْلده بالمَعَرَّة، وتُوفِّيَ في رَمَضَان سَنَة تِسْع عَشرة وخَمْسِمائَة بالثَّغْرِ. أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل المَقْدِسِيّ الحافِظ، قال: سَنَة ثَمان عَشرة أو تِسْع عَشرة أبو الغَنائِم سَالِم بن مُحَسِّن المَعَرِّيّ، في أوَاخر رَمَضَان بالإسْكَنْدَرِيَّة.

стр. 5305

سَالِم بن مُرْشِد بن سَالِم بن عَبْد الجَبَّار بن مُحَمَّد بن المُهَذَّب، أبو المُعَافَى المَعَرِّيّ حَدَّثَ عن أبي المَجْد عَبْد الوَاحِد بن المُهَذَّب بن المُفَضَّل المَعَرِّيّ، رَوَى لنا عنْهُ وَلدهُ أبو البَرَكَات الفَضْلُ بن سَالِم بن مُرْشِد الكَاتِبُ، وأبو الفَتْح إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن مُرْشِد بن سَالِم، وأبو مُحَمَّد الحسن بن مُحَمَّد بن عبد الوَاحِد بن المُهَذَّب المَعَرِّيُّون. أخْبَرَنا أبو البَرَكَات بن سَالِم، وأبو الفَتْح بن مُحَمَّد، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن مُحَمَّد بمَعَرَّة النُّعْمَان، قالُوا: أخْبَرَنا أبو المُعَافَى سَالِم بن مُرْشِد بن سَالِم، قال: أخْبَرَنا أبو المَجْد عَبْد الوَاحِد بن المُهَذَّب، قال: حَدَّثَنَا وَالدِي الشَّيْخ أبو الحَسَن المُهَذَّب بن المُفَضَّل، قال: حَدَّثَنَا جَدِّي الشَّيْخ أبو صالح مُحَمَّدُ بن المُهَذَّب، قال: حَدَّثَنا جَدِّي الشَّيْخ أبو الحُسَين عليّ بن المُهَذَّب، قال: حَدَّثَنا جَدِّي أبو حَامِد مُحَمَّد بن هَمَّام، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سُلَيم القُرَشِيّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن هُدْبَة، عن أنَسِ بن مَالِك (a): أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقُول: بأبي [أنت] (b) يا رسُول الله، عَلِّمْني أبْوَابَ التَّوْبَةِ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : ألَا مَنْ شَهِدَ أنَّ لا إلَّا إلَّا الله تائبًا أوْجَب اللهُ تعالَى له الجَنَّة، قال: يا رسُولَ الله، ومَن زَنا وسَرَقَ؟ قال: نَعَم، ومَنْ زَنَا وسَرق، ثلاث مَرَّاتٍ. سَالِم بن مُسْتَفَاد، أبو المُرَحَّا الحَمْدَانِيّ (١) وأبوه مُسْتَفَاد أحَد غِلْمَان سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن حَمْدَان.

стр. 5306

وسَالِم أحد الأعْيَان المُمَدَّحين والقُوَّاد المَشْهُورين، ودَاره بحَلَب بالزَّجَّاجِين شَرْقِي المَدْرسَة، وإليه تُنْسَبُ الحَمَّام إلى جَانبها المَعْرُوفة بَحَمَّام ابن مُسْتَفَاد وهي دَاثِرَة، ودَاره المَذْكُورَة هي الدَّار المَعْرُوفة بدار ابن الرُّوميّ وهو مُسَاوِر بن مُحَمَّد الرُّوميّ مَمْدُوح المُتَنَبِّي. وكان صالح بن مِرْدَاس نَزَلَ على حَلَب وحَصَرها وبها سَدِيد المُلْك أبو الحَارِث ثُعْبَان بن مُحَمَّد بن ثُعْبَان في القَصْر الّذي كان مُلَاصِقًا القَلْعَة، وفي القَلْعَة مَوْصُوف الخَادِم الصَّقْلَبِيّ، وهُما في حَلَب من قِبَل الظَّاهر ابن الحاكِم، فوَقَع بين سَالِم بن مُسْتَفَاد وبين مَوْصُوف خَلْف، وكان سَالِم مُتَمكِّنًا بحَلَب، وللحَلَبيِّيْن إليهِ مَيْلٌ، فعَزَمَ مَوْصُوف على قَتْل سَالِم، فجَمَع سَالِم جَمْعًا من الحَلَبِيِّين، وفَتَحَ باب قِنَّسْرِيْن، وخَرَجَ إلى صَالح فأخَذَ منه أمانًا لنَفْسِه ولأهْل حَلَب، وسَلَّم المَدِينَة إلى صالح يَوْم السَّبْت لثلاث عَشرة لَيْلَة خَلَتْ من ذي القَعْدَة من سَنَة خَمْس عَشرة وأرْبَعِمائة. واحْتَمَى ثُعْبَان في القَصْر ومَوْصُوف في القَلْعَة، ونُصِبَت العَرَّادَات والمِنْجَنِيْقات عليهما، ووَلَّى صالح سَالمًا حلَب وجَعَل إليه الرِّئَاسَة بها، وتَقْدِمَة الأَحْدَاث، ورَتَّبه، وكَاتَبه سُليْمان بن طَوْق على قِتَال القَلْعَة والقَصْر، وسَار صالح إلى قِتَال أَنُوشْتِكِيْن الدِّزْبِرِيّ، فقَلَّ الماء بالقَلْعَة، وعَمَل عليها رَجُل أسود يُعْرْفُ بأبي جُمْعَة، وكان عَرِيف المَصَامِدَة، وكان يَنْزل إلى المَدِينَة، ويَصْعد إلى القَلْعَة، فأفسدَهُ سَالَم بن مُسْتَفَاد وسُليْمان بن طَوْق، فلمَّا جاء أبو جُمْعَة ليَصْعَدَ إلى القَلْعَة في بعضِ الأيَّام، تقدَّمِ مَوْصُوف الخَادِم برَدّ الباب في وَجْههِ فرُدّ، فصَاحَ إلى أصْحَابه فالتَقَت المَصَامِدة والعَبِيْد ونَصَبُوا الصُّلْبان ثلاثة أيَّام، ودَعوا لملِك الرُّوم ولعنُوا الظَّاهرَ، وقَاتَلُوا القَلْعَة، ثُمَّ نَفَروا وحَمَلُوا المَصَاحِفَ على أطْرَاف الرِّمَاح في الأسْوَاق ونادوا: النَّفِيْر، ووَقَع الصَّوْت إلى الحَلَبِيِّيْن، فنَفَروا

стр. 5307

من كُلّ جَانب، وزَحَفُوا إلى القَلْعَة من كُلّ جَانِب، واسْتَأمَن جَمَاعَة من المَغارِبَة الّذين كانوا في القَلْعَة، وطِيْفَ بهم في المَدِينَة، وبسطَتْ ثِيَاب الدِّيْبَاج والسَّقْلَاطُون وبذر (a) المَال مُقَابل القَلْعَة، وبَذَل ذلك لمَنْ يَنْزل إلى ابن مُسْتَفَاد وابن طَوْق، فطَلعُوا إلى القَلْعَة من كُلِّ مَكان، ودَخَلَ ابن مُسْتَفَاد وابن طَوْق القَلْعَة يَوْم الأرْبَعَاء مُسْتَهَلّ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة ستّ عشرة وأرْبَعِمائة، وقُبِضَ على مَوْصُوف وثُعْبَان، وبَقِيا إلى أنْ وَصَلَ صالح وفَعَل بهما ما سَنَذكرُه فيما بَعْد إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. ودَام ابن مُسْتَفَاد في الكَرَامَة وعُلُوّ المَرْتَبة في أيَّام صَالِح وبعدَ مَوْته إلى أنْ اسْتَوْحَشَ سَالِم بن مُسْتَفَاد من شِبْل الدَّوْلَة نَصْر بن صالح في سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، فاسْتَنْفَر عليه سَالِم أحْدَاثَ حَلَب ورَعَاعَها، ولبسُوا السِّلاح، وعَوَّلُوا على مُحَارَبة القَلْعَة. وكان يَتَردَّد بين سَالِم وبين نَصْر كَاتبٌ نَصْرَانِيٌّ يُعْرَفُ بتُوْمَا، وكان يُحَرِّف ما يَنْقلُه عن ابن مُسْتَفَادٍ إلى نَصْر، ويَزِيْد في التَّجَنِّيّ، ويَسُوْم شطَطًا لا يُمْكنُ إجَابته إليهِ، وذلك من غير عِلْم من ابن مُسْتَفَادٍ. فلمَّا رَأى نَصْر كَثْرة تَعَدِّيهِ حَمَلَ نَفْسَهُ على مُحَارَبتهِ، ورَكِبَ إليهِ، فلمَّا رآهُ الحَلَبِيُّونَ دَعَوا وانْقَلبُوا إليهِ، وقَاتَلُوا دارَ ابن مُسْتَفَاد، فطَلَبَ الأمَان، فحَلَف له بأنَّهُ لا يَجْري له دَمًا، وحَبَسَهُ بالقَلْعَة ونُهِبَت دَارُه، ثُمَّ خافَ اسْتِبْقاءهُ فقَتَلَهُ خَنْقًا ليَخْرُج عن يَمِيْنه بأنَّهُ لَم يُجْرِ له دَمًا، وتبيَّن لنَصْر بعد قليلٍ كَذب ذلك النَّصْرانِيّ الكَاتِب، وما كان يُحَرِّفه في رِسَالته، فقَبَض عليه وطَالَبه بمالٍ، فلعَّا اسْتَصْفَى مَالَهُ، دَخَلَ عليهِ بَعْضُ أجْنَادِ القَلْعَة فخَنَقَهُ.

стр. 5308

كَذا ذَكَرَهُ أبو هَمَّام بن المُهَذَّب في تَارِيْخهِ. قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميِّ في تَاريْخه (١)، وأخْبَرَنا به أبو اليُمْن زَيْد بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، والمُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليٍّ الطُّوْسيّ، إجازَةً من كُلِّ واحدٍ منهما، عن أبي عَبْد اللّه العُظَيْميّ، قال: سَنَة خمْسٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، وفيها قَبَضَ نَصْرُ بن صالح على سَالِم بن المُسْتَفَادِ، وقَتَلَهُ برأي دُوْقس أنْطَاكِيَة، وكان قد عَصَى وقام أحْدَاثُ حَلَب معه، فقَبَضَ عليه يَوْم الجُمُعَة حَادِي عَشر ذي القَعْدَة، وقَتَلَهُ لَيْلَة الأَحَد، وقيل لَيْلَة الاثْنَين ثاني عَشر ذِي الحِجَّة من السَّنَةِ. سَالِم بن المُفَرِّج (a) بن عَشَائِر بن المُعَلَّى التَّنُوخِيُّ المَعَرِّيُّ، أبو الغَنائِم الحَصِيْنِيّ (٢) شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، كان بمِصْرَ، وأظُنُّ أنَّه كان مُتَّصِلًا بأبي الفَتْح بن أبي حَصِيْنَة، أو بوَلده، فنُسِبَ إليهِ. رَوَى عن أبي الذَّوَّاد المُفَرِّج بن أبي حَصِيْنَة المَعَرِّيّ، وأبي الحَسَن عليّ بن إبْراهيم بن العَلَّانيّ المَعَرِّيّ. رَوَى عنهُ أبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمَّد السِّلَفِيُّ الأصْبَهَانِيُّ. أنْبَأنَا أبو البَرَكَاتِ بن هاشِم وغيرُه، قالوا: أخْبَرَنَا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ في كتابهِ (٣)، قال: أنْشَدَني الشَّيْخُ أبو الغَنائِم سَالِم بن المُفَرِّج (b) بن عَشَائِر المَعَرِّيّ الحَصِيْنِيّ لنَفْسِه بمِصْرَ: [من المنسرح] طَالَ التَّمَادِي على الذُّنُوبِ وَلا … يرْدَعُنا الوَعْظُ وَهْوَ مُعْتَرِضُ

стр. 5309

وفي خُطُوبِ الزَّمانِ مُعْتَبَرٌ … لو كان يُشْفَى لمُدْنَفٍ مَرَضُ يَنْقَرِضُ العُمْرُ بالزَّمانِ وسُو … ءُ الطَّبْع بالنَّفْسِ ليْسَ يَنْقَرضُ والدَّهْرُ يَرْمي بنَبْلِهِ أبدًا … وكُلُّ نَفْسٍ لوَقْعِها غَرَضُ فكُنْ عَفِيفًا ما شِئْتَ مُعْتبرًا … واعْلَمْ بأنَّ العَفَافَ مُفْتَرضُ أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عَبْدُ اللّه بن الحُسَين بن رَوَاحَة، قراءة منِّي عليه، قال (a): أخْبَرَنَا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ إذْنًا، قال: سَالِمٌ هذا كان من حُذَّاقِ الشُّعَراء، وعندي من شِعْره مُقَطَّعاتٌ، وتُوفِّيَ بمِصْر، وممَّا أنْشَدَني من شِعْره قَوْلُهُ: [من الخفيف] طَالَ ما أصْبَحَتْ تُنَادِي الحُتُوفُ … لا شرِيْفٌ يبقَى ولا مَشْرُوفُ فتأمَّلْ تَنَقُلَّ الدَّهْرِ وانْظُر … كيفَ يَفْنَى بَعْدَ الألُوفِ ألُوفُ وأَجِلْ طَرْفَكَ الطَّمُوحَ فهَل تُبْـ … ـصِرُ إلَّا ما غيَّرَتْهُ الصُّرُوفُ تَتَقَضَّى أيَّامُنَا ولَيَالِـ … ـيْها ويَبْلَى قَوِيُّنا والضَّعِيْفُ سَالِم بنُ مُفَرِّج (b) بن الحَسَن بن عَبْد الله بن أحْمَد بن عَبْد الجَبَّار بن أبي حَصِيْنَة، أبو [ … ] (c) بن أبي الذَّوَّاد بن أبي الفَتْحِ السُّلَمِيُّ المَعَرِّيُّ (١) شَاعِرٌ من أهْلِ مَعَرَّة النُّعْمَان، أقام بمِصْرَ، ومَدَحَ بها المُلُوك والوُزَرَاء، واسْتَوْطَن بها، ووُلد له بها أوْلَادٌ بَقي نَسْلهم إلى زَمَننا، وكان أحْدَب ويُلَقَّب بالرَّضِيّ.

стр. 5310

قَرأتُ بخَطِّ وَلده يَحْيَى بن سَالِم من شِعْر أبيه سَالِم يُعَاتِبُ: [من الكامل] ما كُنْتُ أَحْسِبُ أنَّ حَظِّي مَانِعٌ … صوْبَ الغَمَام الجَوْن أنْ يَتَدفَّقَا حتَّى مَدَحْتُ مُمَدَّحًا لو صافَحَتْ … عُوْدًا ذَوَى يمنَى يَديهِ لأَوْرَقا أَعْطَى ولم يُسْألَ فزَاد تَعَجُّبي … أنِّي سَألتُ فقد ظمِئْتُ وما سَقَا نَقَلْتُ من خَطِّ يَحْيَى بن سَالِم لأبيهِ: [من الخفيف] ليسَ في كُلِّ سَاعةٍ وأوَانِ … تَتَهيَّا صَنَائعُ الإحْسانِ فإذا أمْكَنَتْ فبَادِرْ إلَيها … حَذَرًا مِن تَعَذُّرِ الإمْكَانِ ونَقَلْتُ من خَطِّه لوَالدِه: [من الوافر] تَسَاوَى النَّاسُ في طُرُق المَنَايا … فما سَلِمَ الصَّرِيْحُ ولا الهَجِيْنُ تَدَيَّنَّا البَقَاءَ مِنَ اللَّيالِي … ومِن أرْوَاحنا تُوْفَى الدُّيُونُ وذَكَرَهُ الرَّشِيْدُ بن الزُّبَيْر في كتاب جِنَان الجِنَانِ ورِيَاض الأذْهَان، وأوْرَدَ له قَوْلَهُ: [من الطّويل] له رَاحَةٌ ينْهَلّ مِن فَيْضِها النَّدَى … فيَنْهلُّ في مَعْرُوفِها البَدْوُ والحَضْرُ ووَجْهٌ يُضيء البَدْرُ في قَسَماتِهِ … وأحْسَنُ ما في أوْجُهِ البَشَرِ البِشْرُ أنْشَدَني عبد الرَّحْمن بن عَوَض المَعَرِّيّ لسَالِم بن مُفَرِّج (a) بن أبي حَصِيْنَة، وكان أحْدَبَ، وتَحَاكم هو وابن المُنَجِّم عليّ بن مُفَرِّج (b) الشَّاعر بمِصْر عند القَاضِي صَدْرِ الدِّيْن الكُرْدِيّ المَارَانِيّ، فحَكَم صَدْر الدِّيْن على ابن المُنَجِّم، فعَمِل ابنُ المُنَجِّم: [من الطّويل] تَعَصَّبَ صَدْرُ الدِّيْن للأحْدَبِ الّذي … غَدَا يَدَّعي شِعْرًا وليسَ بِذِي شعْرِ فقُلْتُ مَعَاذَ اللّهَ يَصْلُحُ في الوَرَى … تَعَصُّبُ هذا الصَّدْرِ إلّا لذا الظَّهْرِ

стр. 5311

سَالِم بنُ مَكِّيّ بن مُحَمَّد بن ثَوَابَة بن عَمْرُون، أبو المُرَجَّا الكَلاعِيِّ الحِمْصِيّ (١) شَاعِرٌ جَيِّدٌ، عَارِفٌ بالنَّحو، كان يَتَّجِرُ في الكُتُب، وقَدِمَ حلَبَ. ذَكَرهُ الحافِظُ أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن مَحْمُود [بن] النَّجَّار في تَارِيْخهِ المُجَدّد لمَدِينَة السَّلام (٢)، بما أجَازَهُ لنا، وقال: سَالِمَ بن مَكِّيّ بن مُحَمَّد بن ثَوَابَة بن عَمْرُون الكَلاعِيّ، أبو المُرَجَّا، من أهْل حِمْص، أدِيبٌ فَاضِلٌ، يقُول الشِّعْر الجيِد، ويَعْرِفُ طَرَفًا من العَرَبِيَّةِ، وكان يَقْدم علينا بَغْدَاد كَثِيْرًا، ويُقِيْم بها، ويَشْتَري الكُتُب، ويُسَافر بها إلى الشَّام للتِّجَارَة. عَلَّقْتُ عنهُ شَيئًا من شِعْره، وكان مُتَدَيِّنًا، حَسَن الطَّريقَة، طَيِّب الأخْلَاق، كَيِّسًا. وقال: أنْشَدَني سَالِم بنُ مَكِّيّ الحِمْصِيّ لنَفْسِه ببَغْدَاد: [من الكامل] كم لي أُكَتِّمُ حَاسدِيْكَ وأُنْكِرُ … والدَّمْع يَفْضَحُ ما أُجِنُّ وأسْتُرُ وكَذَا المُحبُّ يُذِيعُ ما في قَلْبِهِ … فَرْطُ الغَرَام إلى الوُشَاةِ ويُظْهرُ لا تَحْسبي دَمْعِي كما زَعَمَ الوَرَى … ماءٌ يُرَقْرِقُهُ البُكَا المثْعَنْجِرُ بَل مُهْجَةٌ سَلَكت بأثْناءِ الحَشَا … فغَدَت تَفِيْضُ مِنَ الشُّؤُونِ وتَقطُرُ يا حُرَّةَ الأبوَينِ لا تَتَعَمَّدي … قَتْلي فَسَفْكُ دَمِي بطَرفِكِ مُنْكَرُ أَنسِيْتِ لَيْلَتنا بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى … واللَّيْلُ مِن صَفَحاتِ وَجْهِكِ مُقْمرُ وجِناؤُنا ثَمَرَ الحَدِيْثِ وبَيْنَنا … عتْبٌ تُرَاحُ بهِ القُلُوبُ وتَحْضَرُ وإذا الصَّبَا عَبِثَتْ بخَلْقك رنَّحَتْ … غُصنًا يمَيلُ بِهِ كَثِيبٌ مُوقَرُ

стр. 5312

حَجَبَ العَفَافُ علَيَّ منكِ مَآرِبًا … عزَّتْ ومَحْضُ هَوَاكِ لا يَتَغَيَّرُ وثَقِيْلةِ الأرْدَافِ مُخْطَفةِ الحَشَا … خَوْدٍ تَقَرُّ بها العُيُونُ وتَسْهَرُ قالَتْ وقد سفَحَتْ بسَاحَةِ خَدِّها … دَمْعًا تُزَال بِهِ الذُّنُوبُ وتُغْفَرُ أنَسِيْتَ ما كُنَّا به وَيَدُ الصِّبَا … تَطوي لنا بُرْدَ الوِصَالِ وتَنْشُرُ أيَّامَ همُّكَ أهيَفٌ مُتَجَاذِبٌ … ومقَبَّلٌ عَطِرٌ وَطَرْفٌ أَحْوَرُ فأجَبْتُها كُفِّي فَهَمِّي سَابِقٌ … ومُهَنَّدُ عَضْبٌ ولَدْنٌ أسْمَرُ شُغْلي بإدْرَاكِ العُلَى وطِلَابِهِ … عن حُبِّ غَانيةٍ تُذلُّ وتَحْقِرُ وقال: سَألتُ سَالِم بن مَكِّيّ عن مَوْلدِه، فقال: في مُسْتَهَلِّ شَوَّال سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين وخَمْسِمائَة بحِمْصَ، وتُوفِّيَ ببَغْدَاد في رَجَب أو شَعْبان من سَنَة اثْنَتي عَشرة وسِتِّمائة. سَالِم بن مَنْصُور، أبو الغَنائِم الشَّاعر الحَلَبِيّ، ويُعْرَفُ بالفَاخِر (١) رَوَى عن أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن سَلامَة القُضاعيّ حِكايَةً سَمِعَها منه، وكَتَبَها عنه أبو شُجاع فَارِس بن الحُسَين الشَّهْرَزُورِيّ. أنْبَأنَا أبو أحْمَد عَبد الوَهَّاب بن عليّ الأَمِين، عن سَعيد بن أحْمَد بن الحُسَين الفَقِيه، عن أبي شُجاع فَارِس بن الحُسَين، قال: حَدَّثَني أبو الغَنائِم سَالِم بن مَنْصُور الشَّاعر المَعْرُوف بالفَاخِر منِ أهْلِ حَلَب، قال: سَمِعْتُ القَاضِي أبا عَبْد اللّه القُضاعيّ بمِصْر، يَقُول: إنّهُ حضَر قُسْطَنْطِينِيَّة رَسُولًا أَنْفَذه صَاحِبُ مِصْر، فذَكَرَ أنَّهُ حَضَرَ الطَّعَام مع المَلِك، فلمَّا رُفِعَ تَساقَط شيءٌ من فُتاتِ الخُبْز، قال: فتتَبَّعْتُه لقْطًا وأكَلْتُه، قال: فأشَار المَلِكُ إلى الحَشَم برَدِّ الطَّبَقِ، وقال: كُل، قُلتُ: ما بي حاجَةٌ إليهِ، فقال: وما حاجتُكَ في لَقْط الفُتَاتِ؟ قُلتُ: نحنُ نَرْوي عن نَبِيِّنا

стр. 5313

وصَاحِب شَرِيْعتنا أنَّ ذلك مُهُور الحُور العِيْن، وأمَان من الفَقْر في الدُّنْيا، فقال: مَلِيْح واسْتَحْسَنَه، وأمَرَ بجَائِزَة سَنيَّةٍ وُضِعَتْ بين لَديَّ من عَيْن وثِيَابٍ، قال: فقال القُضاعيّ: أيُّها المَلِكُ، وهذا أيضًا من بَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فكَاشَرَني كالكَارِه لِمَا قُلْتُ، ولولا ذلك لزَادَني صِلَةً. سَالِم بن مُؤْمِن المِصْرِيُّ قَدِمَ حلَبَ حين مَلَكَها المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن أيُّوب، في سَنَهَ تِسْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، وله شِعْرٌ حَسَنٌ. قَرأتُ بخَطِّ يَحْيَى بن ظَافِر النَّجَّار الحَلَبِيِّ في مَجْمُوعٍ لهُ، ذَكَرَ فيه أنَّ سَالِمًا هذا وَرَدَ حَلَبَ حين مَلَكَها المَلِكُ النَّاصِر صَلاح الدِّين، وأوْرَدَ له هذه الأبْيَات: [من الوافر] غَرَامُ الصَّبِّ ليسَ لَهُ نَفَادُ … وكيفَ وبالفُؤاد لهُ ازْدِيَادُ ومَن مَلَكَ الغَرَامُ لهُ قِيَادًا … بَعِيْدٌ أنْ يُفَكَّ لَهُ قِيَادُ إذا ما رَامَ صَبْرًا عَن مُرَاد … ففي ذاكَ المُرَادِ لَهُ مُرَادُ ولَيسَ لقَلْبهِ مِنهُ سُلُوٌ … ولا للطَّرْفِ مِنهُ بهِ رقَادُ سُعُودُ الصَّبِّ وَصْلٌ مِن سُعَادٍ … وشِقْوتُهُ مَتَى هَجَرَتْ سُعَادُ وأوْرَدَ أيضًا في إنْسَانٍ كَبِير الأنْفِ: [من مجزوء الكامل] إنْ كُنْتَ مُفْتَخِرًا بأنْـ … ـفِكَ فَهْوَ قد بَلَغَ السَّماءَ لو كُنْتَ تَصْلُحُ للإمَا … رَة لَم يَكُن إلَّا لِوَاءَا

стр. 5314

سَالِم بن وَابِصَة بن مَعْبَد الأسَدِيّ الرَّقِّيّ (١) وَلي إمْرَة الرَّقَّة، وخَرَجَ منها إلى دِمَشْق، واجْتازَ بحَلَب أو ببَعْضِ عَمَلها، وحَدَّثَ عن أَبيِهِ وَابِصَة، رَوَى عَنْهُ ابنُ أخيهِ صَخْر بن عبد الرَّحْمن بن وَابِصَة، وجَعْفَر بن بُرْقَان، وفُضَيْل بن عَمْرو. أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل الدِّمَشقيُّ بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنَا أبو طَاهر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الحافِظ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين المُبارَك بن عَبْد الجبَار الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا الحُسَين بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الله الدَّهَّان، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو عليّ مُحَمَّدُ بن سَعيد بن عبد الرَّحْمن بن إبْراهيِم بن عِيسَى بن مَرْزُوق القُشَيْريّ الحَرَّانيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا هِلال بن العَلَاءِ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بنُ عُثْمان، قال: حَدَّثَنَا أصْبغُ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن بُرْقَان، عن شَدَّاد مَوْلَى عِيَاض العَامِرِيّ، عن وَابِصَة (٣): أنَّهُ كان يقُومُ في النَّاسِ يَوْم الأضْحَى ويَوْم الفِطْر فيقُولُ: إنِّي شَهِدْتُ رسُولَ اللّه ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعَ وهو يَقُول: أَيُّها النَّاسُ، أيُّ يَوْم أَحْرَمُ؟ قال النَّاسُ: هذا اليَوْم، وهو يَوْم النَّحْر، قال: أيُّ شهرٍ أَحْرَمُ؟ قال النَّاس: هذا الشَّهْر، قال: فإنَّ دِمَاءَكُمُ وأمْوَالَكُمَ

стр. 5315

وأعْرَاضَكم مُحَرَّمةٌ عليكم كحُرْمَةِ يَوْمكم هذا، في بَلَدكم هذا، إلى يَوْم تَلْقَونَهُ، ألَا هل بَلَّغْتُ؟ قَال النَّاس: نَعم، فرفَعَ يَديهِ إلى السَّماء: اللَّهُمَّ اشْهَد، يقُولُها ثلاثًا، ثُمَّ قال: ليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ منكم الغائبَ، قال وَابِصَةُ: وإنَّا (a) شَهِدنا وغبتُم، ونحنُ نُبِلّغُكم. قال عَمْرو بنُ عُثْمان: وزَادَني في هذا الحَدِيْث أبو سَلَمَة الحَذَّاءُ؛ يعني: الحَكَم بن الحَكَم بن أبي تحيَّة أنّ جَعْفَرًا حدَّث بمثْل هذا الحَدِيْث، قال: صَلَّى بنا سَالَم بن وَابِصَة يَوْم جُمعة بالرَّقَّة، فذكَرَ حَدِيثَ وَابِصَةَ، فقال: ونشْهَدُ (b) عليكُم كما أشْهدَ عليه. أَنْبَأْنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ الله، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد هِبَة اللّه بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بن أبي طَاهِر، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرَنَا أبو المَيْمُون بن رَاشِد، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَة (٢)، قال: حَدَّثَنِي عَبْد السّلام بن عبد الرّحْمن القَاضِي، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن جدِّيّ، قال: كان سَالِم بن وَابِصَة وَالي الرَّقَّة ثَلاثين سَنَة، فكان يَمُرّ بنا ونحن صِبْيَان على بَغْلةٍ شَهْبَاء، عليه ردَاء أصْفَرُ، يُصَلِّي بالنَّاس الجُمُعَةَ. أَنْبَأْنَا عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن عُمَر السَّمَرْقنديّ، إجَازَة إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد البَزَّاز، قال: أخْبَرَنَا عِيسَى بن عليّ الكَاتِبُ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم البَغَويّ، قال: سَالِم بنُ وَابِصَة سَكَنَ الكُوفَةَ. أخْبَرَنَا المُبارَك بن مَزْيَد الخَوَّاصُ ببَغْدَادَ، قال: أخْبَرَنَا أبو السَّعَادَات نَصْرُ اللّه بن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد القَزَّازُ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، قال:

стр. 5316

أخْبَرَنَا عليّ بنُ عُمَر بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنَا مُحَمَّد بنُ عَبْدِ اللّه الأبْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عُرُوبَة الحَرَّانِيّ، قال في الطَّبَقَةِ الأُوْلَى من التَّابِعِين من أهْلِ الجَزِيْرَة: سَالِم بنُ وَابِصَة بن مَعْبَد، حَدَّثَ عن أبيهِ. أنْبَأْنَا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن عَبْد اللّه بن عُلْوَان، عن مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا حَمْدُ بن عَبْد اللّه، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد بنُ أبي حَاتِم (١)، قال: سَالِم بن وَابِصَة بن مَعْبَد، رَوَى عن أَبيِهِ وَابِصَة، رَوَى عنهُ جَعْفَر بنُ بُرقَان. أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنَا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، قال: أخْبَرَنَا الحُسَين بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنَا أبو أحْمَد مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الدَّهَّان، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ مُحَمَّد بن سَعيد بن عبد الرَّحْمن (٢)، قَال: سَالِم بن وَابِصَة بن مَعْبَد، حَدَّثَ عن أبِيهِ. أنْبأنَا أبو المحاسِن بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (٣)، قال: أخْبَرَنَا أبو يَعْقُوب يُوسُفُ بن أَيُّوب، قال: أخْبَرَنَا أبو طَاهِر عَبْد الكَريم بن الحَسَن (a) بن رِزْمَة، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنَا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الجَوْزِيّ (b) ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي الدُّنْيا (٤)،

стр. 5317

قال: وقال سَالِم بن وَابِصَة الأسَدِيُّ (١): [من الطّويل] أرَى الحِلْمَ (a) في بَعْضِ المَوَاطن ذِلَّةً … وفي بَعْضها يُشَرِّف (b) فَاعِلهْ إذا أنْتَ لَم تَدْفَع بحِلْمِكَ جَاهِلًا … سَفِيْهًا ولَم تَقْرِن به مَن تجاهِلهْ لبسْتَ له ثَوْبَ المَذَلَّةِ صَاغِرًا … وأصْبَحْتَ قد أوْدَى بحَقِّكَ بَاطِلُه فأَبْق على جُهَّالِ قَوْمك إنَّهُ … لكُلِّ جَهُولٍ مَوْطنٌ هو جَاهِلُه أخْبَرَنَا القَاضِي أبو نَصْر بن الشِّيْرَازيّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن بن أبي الحُسَين (٢)، قال: أَنْبَأْنَا أبو مُحَمَّد بن صَابِر وغيرُه، قالا: أخْبَرَنَا أبو القَاسِمِ بن أبي العَلَاء، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بنُ عَبْد اللّه بن الحُسَين الدُّوْرِيّ إجَازةً، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا ابن دُرَيْدٍ، عن شُيُوخِهِ، قال: كان سَالِم بنُ وَابِصَةَ الأسَدِيّ رَجُلًا حَلِيمًا، وكان له ابن عَمٍّ سَفِيهٌ يَحْسُدُه، ولَم يكُن يلغُ في الشَّرَفِ مَبْلَغَهُ، فكان يتنقَّصُه، فقال سَالِم ذلك لإخْوَانه وخاصَّته من بَنِي عَمِّه، فقال رَجُلٌ منهم: تعهَّد أهْلَهُ ووَلده بالصِّلَة ودَعْهُ فإنَّهُ سَيَصْلح، ففَعَل، فأتاهُ ابنُ عَمِّه ذلك فقال: أنْتَ أحقُّ النَّاس بما صَنَعْتَ، وأنْتَ أوْلَى بالكَرَم منِّيّ، واللّه لا أَعُودُ لشيءٍ تَكْرهُه أبدًا منِّيّ، فقال سَالِم في ذلك (٣): [من البسيط] ذو نَيْرَبٍ من موالِي السَّوْءِ ذو حسدٍ … يقتات لَحْمِي فما يَشْفيه من قَرَمِ كقُنْفُذ الرَّمْل ما تَخْفَى مَدَارجُه … خَبٌّ إذا نامَ عنه (c) النَّاسُ لَمْ يَنَمِ مُحْتَضِنًا ظَرِبَانًا ما يُزايلهُ … يُبْدي لي الغِشَّ والعَوْراءَ في الكَلِمِ

стр. 5318

دَاوَيْتُ قَلْبًا طَوِيْلًا غَمْرُه فَرحًا (a) … منهُ وقلَّمْتُ أظْفَارًا بلا جَلَمِ بالرِّفْق والحِلْم أُسْدِيه وأُلْحِمُه (b) … بقيًا (c) وحِفْظًا لما لَم يَرْع من رَحِمي كأنَّ سَمْعِي إذا ما قال مُحْفِظةً … يَصَمُّ عنها وما بالسَّمْع من صَمَمِ حتَّى أَطَّبَى وُدَّهُ رفْقي بهِ ولقد … أُنْسِيْتُه الحِقْد حتَّى عَادَ كالحُلُم فأصبحَتْ قَوْسه دُوني مُوَتَّرةً (d) … يَرْي عَدُوِّي جهَارًا غير مُكْتَتمِ إنَّ من الحِلْم ذُلًّا أنْتَ عَارِفُهُ (e) … والحِلْمُ عن قُدْرةٍ ضَرْبٌ من الكَرَم النّيرَبُ: الدَّاهِيَة. والظَّرِبانُ: الدُّوَيْبَةُ الكَثِيْرة الفَسْو. ذَكَرَ أبو بَكْر أحْمَد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ في كتاب جُمِلِ أنْسَاب الأشْرَاف (١)، قال: تَفاخَرَ مُعاوِيَة بن مَرْوَان بن الحَكَم - وكان مَائِقًا - وخَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة، فقال سَالِم بن وَابِصَة: [من الطّويل] إذا افْتَخَرت يَوْمًا أُمَيَّةُ أطْرَقَتْ … قُرَيْشٌ وقالُوا مَعْدِنُ الفَضْل والكَرَمْ فإنْ قيل هَاتُوا خَيْركم أَطْبقُوا معًا … على أنَّ خَيْر النَّاس كُلّهم الحَكَمْ ألَسْتُم بَنِي (f) مَرْوَان غَيْثَ بِلَادَنا … إذا السَّنَةُ الشَّهْبَاءُ سَدَّتْ على الكَظَمْ أَنْبَأْنَا تاجُ الأُمَناء أبو الفَضْل أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسمِ عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: سَالِم بن وَابِصَة بن مَعْبَد الأسَدِيُّ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَ عن أبيهِ. رَوَى عنهُ جَعْفَر بن بُرْقَان، وابنُ أخيهِ صَخْر بنُ عبد

стр. 5319

الرَّحْمن بن وَابِصَة، وفُضَيْل بن عمرو. وقَدِمَ دِمَشْق، وكانت دَارُه فيها بقَنْطَرَة سِنَان ناحية بابِ تُوْمَا، وكان شَاعِرًا، ووَلِيَ إمْرَة الرَّقَّة. وقال (١): أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرَنَا أبو المَيْمُون، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَة (٢)، قال: سَألْتُ عَبْد السَّلام بن عبد الرَّحْمن بن صَخْر (a) بن عبد الرَّحْمن بن وَابِصَة الأسَدِيّ القَاضِي عن ولد وَابِصَة بن مَعْبَد، فقال لي: كان وَلد وَابِصَة: عُقْبَة، وسَالِم، وعَبْد الرَّحمن، وعَمْرو، فأكْبَرُهم عُقْبَةُ وسَالِم. قال: وماتَ سَالِم في آخر خِلَافَة هِشَام، وكان غُلامًا شَابًّا في خِلَافة عُثْمان. قال الحافِظُ: كان في النُّسْخَة العَتِيقة: في أوَّل خِلَافَة هِشَام بَدَل: آخر، فاللّهُ أعْلَمُ بالصَّوَاب. سَالِم بن هِبَة الله بن عليّ بن المُبارَك، أبو المَجْد الهاشِمِيِّ الحارِثِيّ الحَلَبيِّ (٣) من وَلد الحَارِث بن عَبْد المُطَّلِب، وُلد بحَلَب، وكان مُقِيْمًا بها إلى أنْ ماتَ، وكانت لَهُ حُرْمَةٌ عند مُلُوكها. وقد ذَكَرْنا في تَرْجَمَةِ سَابِق بن مَحْمُود حِكَايَة عنه (٤).

стр. 5320

وكان فيه هَزْلٌ ومَزْجٌ، والوَقْفُ الّذي في قَرْيَة عَنَاذَان (١) على مَقْرُبة من حَلَب على بَنِي الحَسَن والحُسَين وقْفُهُ، وَقَفَهُ وغيرَه من الحَوَانِيْت بحَلَب على أوْلَاده وشَرَطَ أَنَّهم مَتى انْقَرضُوا عاد ذلك وَقْفًا على بَنِي الحَسَن والحُسَين بحَلَب، فانْقَرض عَقِبُه، وعاد الوَقْفُ إلى أوْلَاد الحَسَن والحُسَين ﵉، وهو الآن جارٍ عليهم في يَدِ مَنْ يتَولَّى نِقَابَة العَلَوِيّيْنَ بحَلَب. وكان هذا الكتاب عندي من جُمْلَةِ كُتُب الوُقُوف، الّتي كانت في سَلَّة الحُكْم عند سَلَفي من قُضَاة حَلَب، فطَلَبَهُ منِّي الشَّريفُ النَّقِيْبُ أبو عليّ بن زُهْرَة، فدَفَعْتُه إليهِ. وكان الشَّريفُ أبو المَجْد هذا مُموَّلًا فَاضِلًا، أَدِيْبًا، شَاعِرًا مُجِيْدًا. روَى عنهُ أبو سَلامَة مُرْشِد بن عليّ شَيئًا من شِعْره، وكان بينه وبينَهُ مَوَدَّةٌ ومُمَازحةٌ، وكذلك بينه وبين أبيه سَدِيد المُلْك أبي الحَسَن عليّ بن مُنْقِذ. ووقَعَ إليَّ جُزءٌ بخَطِّ أبي المُغِيْث مُنْقِذ بن مُرْشِد بن علِيّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ، جَمعً فيه كُتُبًا ورَدَت إلى وَالده أبي سَلامَة مُرْشِد من جَمَاعة كاتَبُوه، وفيه صَدْرُ كتابٍ من الشَّريف أبي المَجْد سَالِم هذا، فنَقَلْتُ ما ذَكَرهُ من هذه المُكَاتَبة، وهو (٢): [من الطّويل] وأَدْنيتَنِي حتَّى إذا ما مَلَكْتَني … بقَولٍ يُحلُّ العُصْمَ سَهْلَ الأبَاطِح تَجافيتَ عنِّي حيثُ لا ليَ حِيْلَةٌ … وغَادَرتِ ما غادرتِ بين الجَوَانِح طَيُّ هذه المُكَاتَبة: أدَامَ اللّهُ أيَّام الحَضْرة، رُقْعَةٌ بخَطِّ المَوْلَى سَدِد المُلْك، قَدَّسَ اللّهُ رُوحَهُ، إلى عَبْدكَ، والّذي تَتَضَمَّن اسْتِقالتهُ من مُخَاطبته إيَّاه بما

стр. 5321

سَوْف يقفُ عليه، ويُبَيِّن فيها مُعْتقدَهُ في هذا البَيْت صَلَواتُ اللّه على السَّلَف منه ورَحْمَةُ اللّه وبَرَكاتُه، ونحن الخَلَف الّذي أنا والطُّوَيريلي (a)، وأبو طَالِب الرَّخمَة من جُمْلَتهم، وباللّه ما كان أحدُهمُا يَعْتَقد في صَاحبهِ ما أظنُّكَ يا مَوْلاي تَعْتقدُه فيَّ وأعْتَقده فيك من الوَلَاء، وأكُون بالصِّفَة الَّتي تُفْهَم، وكُتُبي إليك تَتَردَّدُ سِرًّا وجَهْرًا لا تَرُدُّ عليَّ جَوَابًا يَرُدُّ رَمَقِيّ، وأتعَلَّل به، ولا قَوْلًا ولا فعْلًا ولا شَابَاش (١): [من الوافر] فإنْ تَكُ مِثْلَ ما زَعَمُوا مَلُولًا … كما تَهْوى سَريعَ الانْتِقَالِ صَبَرْتُ على مَلَالِكَ لي برَغْمي … وقُلْتُ عَسَى يَمَلُّ مِنَ الملَالِ ثُمَّ ذَكَرَ فَصْل مُعَاتَبةٍ، وقال فيه، والشِّعْر له: [من البسيط] رُشْتُم جَنَاحي وأعْنَاني نَوَالُكُم … وَاشْتَدَّ أزْرِيْ بكُم يا أفْضَلَ النَّاسِ فإنْ سَعَى الدَّهْر في حالٍ تُشَاب بها … تِلكَ الأيَادِي فَمَحْمُولٌ على الرَّأسِ أَنْبَأَنَا أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد اللّه بن عُلْوَان، عن أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ، قال: ومن شُعَرَاء الشَّام المُعَارضين هذه الطَّبَقَة - يعنيِ: الخَفَاجِيّ وابن سُمَّان وغيرهما - الشَّريفُ أبو المَجْد سَالِم بن هِبَة اللّه الهاشِميِّ، من ولدِ الحَارِث بن عَبْد المُطَّلِب، مَوْلدُه بحَلَب، وكان مُحْتَرمًا عند وُلَاهِ حَلَبَ، له المِيْزَة والفَضْل، وكان بينَهُ وبين جَدِّي ووَالدِيّ، ﵏، مَوَدَّةٌ وخُلْطَةٌ، وكان كَثِيْر الدُّعَابَةِ والهَزْل، وله أشْعَارٌ حَسَنةٌ، حَرِصْتُ على جَمْعها، وكَاتبتُهُ في آخر عُمْرِه، وصَدْر عُمْريّ، أسْأله إثْبَاتَها وإنْفَاذَها، وهو إذ ذاكَ بحَلَبَ، فاعْتَذَر بأنَّهُ

стр. 5322

ما عُنِيَ بجَمْعها ولا دَوَّنَها، ولَم أجدْ منه سِوَى ما نَقَلْتُهُ من خَطِّ وَالدِي ﵀ يَقُول: أنْشَدنيهِ بشَيْزَر سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة (١): [من الطّويل] أَثِرْ بتَمادِي شَدَّهَا المتَدارك … دُجَى كُلّ يَوْم أغْبَرَ اللَّوْن حَالِكِ وَشِمْ لطلابِ العِزّ عزمَةَ مُقْدِمٍ … على الهَوْل خَوَّاضٍ غِمَارَ المَهَالِكِ فإمَّا عُلًا تَضْفُو عليَّ ظِلَالُها … وإمَّا رَدَىً بين القَنَا والسَّنَابِكِ فحتَّام تُمْسِي حَائِرَ العَزْم خَامِلًا … سمير (a) الأمَانِي والهُمُوم النَّوَاهكِ ويَمْطُلك الحظُّ الحَرُون مُسَوِّفًا … بنَيْل العُلَى مَطْل الغَرِيْم المُمَاحِكِ ولا نَفْسِ ما بالي أراك مُقِيْمةً … على الضَّيْم لا يَجْري الإبَاءُ ببَالكِ إذا عنكِ ضَاقَتْ بَلْدَةٌ فتَبَدَّلي … بأُخرَى تَرُوضِي جَامحًا من رَجَائكِ (b) إلَامَ طلابُ الفَضْل بين مَعَاشرٍ … أبَوْا أنْ يكُونُوا أَهْلَهُ لا أبا لكِ قال أُسامَةُ: ومن شِعْره في جَدِّي سَدِيد المُلْكِ أبي الحَسَن عليّ بن مُنْقِذٍ: [من الكامل] يا مَن حَمَاهُ مِنَ النَّوَائِبِ مَوْئلي … وعَلَيهِ إنْ جَارَ الزَّمانُ مُعَوَّلي ومُعيْدَ أيَّامِي الذَّوَاهِبَ بَعدَما … هَرِمَتْ تَبَخْتَرُ في الشَّبَابِ المُقْبِلِ حتَّامَ في رَبْعِ الهَوَانِ إقامَتِي … ومُعَرَّسي بالمَنْزلِ المُسْتَوبَلِ أَفَضَاقَ ظَهْرُ الأرضِ أم قَصُرَتْ يَدَا … عَزْمِي أم انْقَطَعَتْ ظُهُورُ الذُّمَّلِ فَلأُرْحِلَنَّ العِيْسَ في طَلَب العُلَى … مَحْثُوثةً وأسَأتُ إنْ لَم أفْعَلِ ولأنْظُرنَّ إلى الحَوَادِثِ من عَلٍ … وَقَدِ اعتَلَقْتُ بحَبْل جُوْدٍ من عَلي

стр. 5323

قَرأتُ بخَطِّ المُفَضَّل بن مَوَاهِب بن أسَد الفَارزِيّ، أنّهُ كَتَبَ إليهِ الشَّريفُ أبو المَجْد سَالِم ثلاثة أَبْيَات يُدَاعبُه، فأجَابَهُ، والأبْيَات هذه: [من الرمل] أنا لَوْلَا أنَّ عَقْلي قَدْ فَسَدْ … ما تَعَرَّضْتُ بحُبِّ ابْنِ أسَدْ جَائِرٌ في الحُكم ما أنْصَفَنِي … بزَّني رُوْحًا وخَلَّى لي جَسَدْ وأنا المَحْسُودُ فِيهِ عَجَبًا … لَيْتَهُ يرضَى فأرْضَى بالحَسَدْ فقال المُفَضَّل ارْتِجَالًا: [من الرمل] ملأَتْ قَلْبِي سُرُورًا رُقْعَةٌ … لو بَدَتْ لابنِ هِلَالٍ لسَجَدْ ضَمِنَتْ حُسْنَ اعْتِقَادٍ مِن فَتَىً … لا عَدِمْنا مِنهُ حُسْنَ المُعْتَقَدْ جَمَعَ اللّهُ بهِ شَمْل العُلَى … فَهْيَ أُمّ بَرَّةٌ وَهْوَ الوَلَدْ لا خَلَتْ نِعْمَتُهُ مِن حَاسِدٍ … فَلقَدْ عَظَّمَهَا أهْلُ الحَسَدْ غُصُنٌ من دَوْحَةٍ طَاهِرَةٍ … لَيسَ مِن أغْصَانِها منْ لَم يَسُدْ ألْمَعِيٌّ غلَبَ النُّور على … قَلْبهِ فيما يُعَاني فاتَّقَدْ أنا عَبْدٌ لكَرِيمٍ جُوْدُهُ … ما خَلَا في عَصْرِهِ مِنْهُ أَحَدْ أبَدًا تَجْحَدُهُ مُعْتَذِرًا … وشُهُودُ الجُوْد تُبْدِي ما جَحَدْ قَرَأتُ في كتابِ جِنَان الجِنَان ورِيَاض الأذْهَان، تأليفُ الرَّشِيْد بن الزُّبَيْر: لأبي المَجْد سَالِم بن هِبَة اللّه في حَرِيق جَامع دِمَشْق: [من الخفيف] فأَتَتْهُ النِّيْرَانُ شَرْقًا وغَرْبًا … عن يَمِيْنٍ وَتارةً عن يَسَارِ ثُمَّ مَرَّتْ على حَدِائِقِ نَخْلٍ … وإذا الجَمْرُ مَوضِعُ الجُمَّارِ فكانَّ الجنَانَ قد عصَتِ اللـ … ـهَ فَوَلَّى عَذَابَها للنَّارِ أخْبَرَنِي الشَّريفُ أبو المَحَاسن عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الهاشِمِيّ، قال: نَقَلت من خطِّ ابن شرارة الحَلَبِيّ النّصْرانِيّ في تَعْليقٍ له: تُوفِّي الشَّريف أَبُو المَجْد

стр. 5324

سَالِم بن هِبَة الله في لَيْلَة يَوْم الخَمِيْس سَادِس عَشر جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة اثْنَتي عَشرة وخَمْسِمائَة بحَلَب. وقَرأتُ بخَطِّ الأُسْتَاذ أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْمِيّ (١)، وأجَازَهُ لي المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ وأبُو اليُمْن الكِنْدِيّ عنه، قال في حَوَادِث اثْنَتِي عَشرة وخَمْسِمائَة في تَارِيْخهِ: وفي لَيْلَة الخَمِيْس سَادِس عَشر جُمَادَى الأُوْلَى تُوفِّي الشَّريفُ جَمَال الشَّرَف أبو المَجْد سَالِم بن هِبَةِ اللّه الهاشِمِيّ الحارِثِيّ، وكان من ظِرَافِ النَّاسِ، وطُرَف الزَّمانِ، خَلْقًا، وخُلُقًا، وأدَبًا، ودُعَابَةً، وشِعْرًا. سَالِم بن لَاوِي، أبو صَالِح الرُّومِيّ الطَّرَسُوسِيّ أصْلُه رُوميٌّ، وكان بطَرَسُوس، ورَوَى عن عُبَيْدِ اللّه بن لُؤْلُؤ السَّاجِيّ. قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيِّ: أبو صالِح سَالِم بن لَاوِي الرُّومِيّ الطَّرَسُوسِيّ، رَوَى عن عُبَيْد اللّه بن لؤلُؤ بن جَعْفر بن حَمُّوْيَه السَّاجِيّ، عن عُمَر بن وَاصِل الصَّخْريّ، عن أَبي مُحَمَّد سَهْل بن عَبْد اللّه بن يُونُس بن سَوَّار التُّسْتَرِيّ مَعَانِي القُرْآن له. سَالِم بن يَحْيَى بن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّطِيْف المَعَرِّيُّ التَّنُوخِيُّ رَوَى عنهُ القَاضِي عَبْد القَاهِر بن عَلَوِي بن المُهَنَّا المَعَرِّيّ، قاضي مَعَرَّة مَصْرِيْن.

стр. 5325

قَرَأتُ في كتابِ نُزهَةِ النَّاظِر ورَوْضَة الخَاطِر، تأليفُ. عَبْد القَاهِر بن عَلَوِي: وأنْشَدَنِي الشَّيخُ الفَقِيهُ زيْن الدِّين أبو عليّ سَالِم بن يَحْيَى بن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّطيْف في يوْم عِيْد الفِطْر من سَنَةِ اثْنَتَيْن وثَمانين وخَمْسِمائَة للنَّاظِر أبي نَصْر المُهَنَّا بن عليّ بن المُهَنَّا في الحَمَّام الّتي بناها أحْمَد بن الدُّوَيْدَة: [من الرمل المجزوء] إنَّ حَمَّامكَ هذا … غيرُ مَأمُونِ الجِوَارِ ما رَأيْنَا قَبْل هذا … جَنَّةً في وَسْط نَارِ سَالم الثَّقَفِيّ (١) شَهِدَ وَفاةَ سُليْمان بن عَبْد المَلِك، ولهُ ذِكْرٌ فِي بَيْعَة عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بِدَابِق، وكان قَرِيبًا منه، ويُعَدُّ من أخْوَالهِ. أخْبَرَنَا أبو الفَضْل أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن في كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: قَرَأتُ على أبي غَالِبِ بن البَنَّاء، عن أبي مُحَمَّد الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنَا أحْمَد بن مَعْرُوف إجَازَةً، قال: حَدَّثَنَا الحُسين بن الفَهْم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْد (٣)، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن مُحَمَّد، عن يَعْقُوب بن دَاوُد الثَّقَفِيّ، عن أشْيَاخٍ من ثَقِيف، قال: قُرئ عَهْدُ عُمَر بعدَ وَفَاةِ سُليْمان بالخِلَافَةِ وعُمَر ناحيةً، وهو بِدَابِق، فقام رَجُلٌ من ثَقِيف يُقال له سَالِم من أَخْوَال عُمَر، فأخَذَ بضَبْعَيهِ (a) فأقامَهُ، فقال عُمَر: أمَا واللّهِ ما اللّه أرَدتَّ بهذا، ولن تصيْبَ بها منِّي دُنْيا. أُمُّ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، أم عَاصِم بنْت عَاصِم، أُمُّهَا ثَقَفيَّةٌ.
следующие страницы →