سَوْف يقفُ عليه، ويُبَيِّن فيها مُعْتقدَهُ في هذا البَيْت صَلَواتُ اللّه على السَّلَف منه ورَحْمَةُ اللّه وبَرَكاتُه، ونحن الخَلَف الّذي أنا والطُّوَيريلي (a)، وأبو طَالِب الرَّخمَة من جُمْلَتهم، وباللّه ما كان أحدُهمُا يَعْتَقد في صَاحبهِ ما أظنُّكَ يا مَوْلاي تَعْتقدُه فيَّ وأعْتَقده فيك من الوَلَاء، وأكُون بالصِّفَة الَّتي تُفْهَم، وكُتُبي إليك تَتَردَّدُ سِرًّا وجَهْرًا لا تَرُدُّ عليَّ جَوَابًا يَرُدُّ رَمَقِيّ، وأتعَلَّل به، ولا قَوْلًا ولا فعْلًا ولا شَابَاش (١): [من الوافر]
فإنْ تَكُ مِثْلَ ما زَعَمُوا مَلُولًا … كما تَهْوى سَريعَ الانْتِقَالِ
صَبَرْتُ على مَلَالِكَ لي برَغْمي … وقُلْتُ عَسَى يَمَلُّ مِنَ الملَالِ
ثُمَّ ذَكَرَ فَصْل مُعَاتَبةٍ، وقال فيه، والشِّعْر له: [من البسيط]
رُشْتُم جَنَاحي وأعْنَاني نَوَالُكُم … وَاشْتَدَّ أزْرِيْ بكُم يا أفْضَلَ النَّاسِ
فإنْ سَعَى الدَّهْر في حالٍ تُشَاب بها … تِلكَ الأيَادِي فَمَحْمُولٌ على الرَّأسِ
أَنْبَأَنَا أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد اللّه بن عُلْوَان، عن أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ، قال: ومن شُعَرَاء الشَّام المُعَارضين هذه الطَّبَقَة - يعنيِ: الخَفَاجِيّ وابن سُمَّان وغيرهما - الشَّريفُ أبو المَجْد سَالِم بن هِبَة اللّه الهاشِميِّ، من ولدِ الحَارِث بن عَبْد المُطَّلِب، مَوْلدُه بحَلَب، وكان مُحْتَرمًا عند وُلَاهِ حَلَبَ، له المِيْزَة والفَضْل، وكان بينَهُ وبين جَدِّي ووَالدِيّ، ﵏، مَوَدَّةٌ وخُلْطَةٌ، وكان كَثِيْر الدُّعَابَةِ والهَزْل، وله أشْعَارٌ حَسَنةٌ، حَرِصْتُ على جَمْعها، وكَاتبتُهُ في آخر عُمْرِه، وصَدْر عُمْريّ، أسْأله إثْبَاتَها وإنْفَاذَها، وهو إذ ذاكَ بحَلَبَ، فاعْتَذَر بأنَّهُ
стр. 5322
ما عُنِيَ بجَمْعها ولا دَوَّنَها، ولَم أجدْ منه سِوَى ما نَقَلْتُهُ من خَطِّ وَالدِي ﵀ يَقُول: أنْشَدنيهِ بشَيْزَر سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة (١): [من الطّويل]
أَثِرْ بتَمادِي شَدَّهَا المتَدارك … دُجَى كُلّ يَوْم أغْبَرَ اللَّوْن حَالِكِ
وَشِمْ لطلابِ العِزّ عزمَةَ مُقْدِمٍ … على الهَوْل خَوَّاضٍ غِمَارَ المَهَالِكِ
فإمَّا عُلًا تَضْفُو عليَّ ظِلَالُها … وإمَّا رَدَىً بين القَنَا والسَّنَابِكِ
فحتَّام تُمْسِي حَائِرَ العَزْم خَامِلًا … سمير (a) الأمَانِي والهُمُوم النَّوَاهكِ
ويَمْطُلك الحظُّ الحَرُون مُسَوِّفًا … بنَيْل العُلَى مَطْل الغَرِيْم المُمَاحِكِ
ولا نَفْسِ ما بالي أراك مُقِيْمةً … على الضَّيْم لا يَجْري الإبَاءُ ببَالكِ
إذا عنكِ ضَاقَتْ بَلْدَةٌ فتَبَدَّلي … بأُخرَى تَرُوضِي جَامحًا من رَجَائكِ (b)
إلَامَ طلابُ الفَضْل بين مَعَاشرٍ … أبَوْا أنْ يكُونُوا أَهْلَهُ لا أبا لكِ
قال أُسامَةُ: ومن شِعْره في جَدِّي سَدِيد المُلْكِ أبي الحَسَن عليّ بن مُنْقِذٍ: [من الكامل]
يا مَن حَمَاهُ مِنَ النَّوَائِبِ مَوْئلي … وعَلَيهِ إنْ جَارَ الزَّمانُ مُعَوَّلي
ومُعيْدَ أيَّامِي الذَّوَاهِبَ بَعدَما … هَرِمَتْ تَبَخْتَرُ في الشَّبَابِ المُقْبِلِ
حتَّامَ في رَبْعِ الهَوَانِ إقامَتِي … ومُعَرَّسي بالمَنْزلِ المُسْتَوبَلِ
أَفَضَاقَ ظَهْرُ الأرضِ أم قَصُرَتْ يَدَا … عَزْمِي أم انْقَطَعَتْ ظُهُورُ الذُّمَّلِ
فَلأُرْحِلَنَّ العِيْسَ في طَلَب العُلَى … مَحْثُوثةً وأسَأتُ إنْ لَم أفْعَلِ
ولأنْظُرنَّ إلى الحَوَادِثِ من عَلٍ … وَقَدِ اعتَلَقْتُ بحَبْل جُوْدٍ من عَلي
стр. 5323
قَرأتُ بخَطِّ المُفَضَّل بن مَوَاهِب بن أسَد الفَارزِيّ، أنّهُ كَتَبَ إليهِ الشَّريفُ أبو المَجْد سَالِم ثلاثة أَبْيَات يُدَاعبُه، فأجَابَهُ، والأبْيَات هذه: [من الرمل]
أنا لَوْلَا أنَّ عَقْلي قَدْ فَسَدْ … ما تَعَرَّضْتُ بحُبِّ ابْنِ أسَدْ
جَائِرٌ في الحُكم ما أنْصَفَنِي … بزَّني رُوْحًا وخَلَّى لي جَسَدْ
وأنا المَحْسُودُ فِيهِ عَجَبًا … لَيْتَهُ يرضَى فأرْضَى بالحَسَدْ
فقال المُفَضَّل ارْتِجَالًا: [من الرمل]
ملأَتْ قَلْبِي سُرُورًا رُقْعَةٌ … لو بَدَتْ لابنِ هِلَالٍ لسَجَدْ
ضَمِنَتْ حُسْنَ اعْتِقَادٍ مِن فَتَىً … لا عَدِمْنا مِنهُ حُسْنَ المُعْتَقَدْ
جَمَعَ اللّهُ بهِ شَمْل العُلَى … فَهْيَ أُمّ بَرَّةٌ وَهْوَ الوَلَدْ
لا خَلَتْ نِعْمَتُهُ مِن حَاسِدٍ … فَلقَدْ عَظَّمَهَا أهْلُ الحَسَدْ
غُصُنٌ من دَوْحَةٍ طَاهِرَةٍ … لَيسَ مِن أغْصَانِها منْ لَم يَسُدْ
ألْمَعِيٌّ غلَبَ النُّور على … قَلْبهِ فيما يُعَاني فاتَّقَدْ
أنا عَبْدٌ لكَرِيمٍ جُوْدُهُ … ما خَلَا في عَصْرِهِ مِنْهُ أَحَدْ
أبَدًا تَجْحَدُهُ مُعْتَذِرًا … وشُهُودُ الجُوْد تُبْدِي ما جَحَدْ
قَرَأتُ في كتابِ جِنَان الجِنَان ورِيَاض الأذْهَان، تأليفُ الرَّشِيْد بن الزُّبَيْر: لأبي المَجْد سَالِم بن هِبَة اللّه في حَرِيق جَامع دِمَشْق: [من الخفيف]
فأَتَتْهُ النِّيْرَانُ شَرْقًا وغَرْبًا … عن يَمِيْنٍ وَتارةً عن يَسَارِ
ثُمَّ مَرَّتْ على حَدِائِقِ نَخْلٍ … وإذا الجَمْرُ مَوضِعُ الجُمَّارِ
فكانَّ الجنَانَ قد عصَتِ اللـ … ـهَ فَوَلَّى عَذَابَها للنَّارِ
أخْبَرَنِي الشَّريفُ أبو المَحَاسن عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الهاشِمِيّ، قال: نَقَلت من خطِّ ابن شرارة الحَلَبِيّ النّصْرانِيّ في تَعْليقٍ له: تُوفِّي الشَّريف أَبُو المَجْد
стр. 5324
سَالِم بن هِبَة الله في لَيْلَة يَوْم الخَمِيْس سَادِس عَشر جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة اثْنَتي عَشرة وخَمْسِمائَة بحَلَب.
وقَرأتُ بخَطِّ الأُسْتَاذ أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْمِيّ (١)، وأجَازَهُ لي المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ وأبُو اليُمْن الكِنْدِيّ عنه، قال في حَوَادِث اثْنَتِي عَشرة وخَمْسِمائَة في تَارِيْخهِ: وفي لَيْلَة الخَمِيْس سَادِس عَشر جُمَادَى الأُوْلَى تُوفِّي الشَّريفُ جَمَال الشَّرَف أبو المَجْد سَالِم بن هِبَةِ اللّه الهاشِمِيّ الحارِثِيّ، وكان من ظِرَافِ النَّاسِ، وطُرَف الزَّمانِ، خَلْقًا، وخُلُقًا، وأدَبًا، ودُعَابَةً، وشِعْرًا.
سَالِم بن لَاوِي، أبو صَالِح الرُّومِيّ الطَّرَسُوسِيّ
أصْلُه رُوميٌّ، وكان بطَرَسُوس، ورَوَى عن عُبَيْدِ اللّه بن لُؤْلُؤ السَّاجِيّ.
قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيِّ: أبو صالِح سَالِم بن لَاوِي الرُّومِيّ الطَّرَسُوسِيّ، رَوَى عن عُبَيْد اللّه بن لؤلُؤ بن جَعْفر بن حَمُّوْيَه السَّاجِيّ، عن عُمَر بن وَاصِل الصَّخْريّ، عن أَبي مُحَمَّد سَهْل بن عَبْد اللّه بن يُونُس بن سَوَّار التُّسْتَرِيّ مَعَانِي القُرْآن له.
سَالِم بن يَحْيَى بن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّطِيْف المَعَرِّيُّ التَّنُوخِيُّ
رَوَى عنهُ القَاضِي عَبْد القَاهِر بن عَلَوِي بن المُهَنَّا المَعَرِّيّ، قاضي مَعَرَّة مَصْرِيْن.
стр. 5325
قَرَأتُ في كتابِ نُزهَةِ النَّاظِر ورَوْضَة الخَاطِر، تأليفُ. عَبْد القَاهِر بن عَلَوِي: وأنْشَدَنِي الشَّيخُ الفَقِيهُ زيْن الدِّين أبو عليّ سَالِم بن يَحْيَى بن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّطيْف في يوْم عِيْد الفِطْر من سَنَةِ اثْنَتَيْن وثَمانين وخَمْسِمائَة للنَّاظِر أبي نَصْر المُهَنَّا بن عليّ بن المُهَنَّا في الحَمَّام الّتي بناها أحْمَد بن الدُّوَيْدَة: [من الرمل المجزوء]
إنَّ حَمَّامكَ هذا … غيرُ مَأمُونِ الجِوَارِ
ما رَأيْنَا قَبْل هذا … جَنَّةً في وَسْط نَارِ
سَالم الثَّقَفِيّ (١)
شَهِدَ وَفاةَ سُليْمان بن عَبْد المَلِك، ولهُ ذِكْرٌ فِي بَيْعَة عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بِدَابِق، وكان قَرِيبًا منه، ويُعَدُّ من أخْوَالهِ.
أخْبَرَنَا أبو الفَضْل أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن في كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: قَرَأتُ على أبي غَالِبِ بن البَنَّاء، عن أبي مُحَمَّد الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنَا أحْمَد بن مَعْرُوف إجَازَةً، قال: حَدَّثَنَا الحُسين بن الفَهْم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْد (٣)، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن مُحَمَّد، عن يَعْقُوب بن دَاوُد الثَّقَفِيّ، عن أشْيَاخٍ من ثَقِيف، قال: قُرئ عَهْدُ عُمَر بعدَ وَفَاةِ سُليْمان بالخِلَافَةِ وعُمَر ناحيةً، وهو بِدَابِق، فقام رَجُلٌ من ثَقِيف يُقال له سَالِم من أَخْوَال عُمَر، فأخَذَ بضَبْعَيهِ (a) فأقامَهُ، فقال عُمَر: أمَا واللّهِ ما اللّه أرَدتَّ بهذا، ولن تصيْبَ بها منِّي دُنْيا.
أُمُّ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، أم عَاصِم بنْت عَاصِم، أُمُّهَا ثَقَفيَّةٌ.
стр. 5326
أَنْبَأَنَا سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: سَالِم الثَّقَفِيّ، شَهِدَ وَفاةَ سُليْمان بن عَبْد المَلِك، وبَيْعَة عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، لهُ ذِكْرٌ.
سَالم البُرْنُسِيّ السِّنْدِيّ (٢)
وَلِيَ المِصِّيْصَة في أيَّامِ المَهْدِيّ، وكان من الشُّجْعَان المَذْكُورين في الحَرْب، وأُولي الآرَاء والغَنَاء، ولَم يَزَل سَاكِنًا في الثُّغُور، مُجَاهِدًا فِي سَبِيْل اللّه، وكان مَخْلَد بن الحُسَين، وأبو إسْحَاق الفَزَارِيّ يَعْتَمدان عليه، وله خَبَرٌ مع الرَّشِيْد في الغَزَاة الّتي غَزَاها وهو خَلِيفَة.
ذَكَرَ أبو بَكْر أحْمَد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدان (٣)، قال: ولَم تَزَل الطَّوَالِعُ تَأتِيها - يعني المِصِّيْصَة - من أنْطَاكِيَة في كُلِّ عامٍ، حتَّى وَلِيَها سَالِم البُرْنُسِيّ (a)، وفَرَضَ معه لخَمْسِمائة (b) مُقَاتِل على خَاصَّةِ عَشرة دَنَانِيْر، عَشرة دَنَانِيْر، فكَثُرَ مَنْ بها وقَوُوا، وذلك في خِلَافَة المَهْدِيّ رَحْمَةُ اللّهِ عليه.
وذَكَرَ أبو مُوسَى هَارُون بن مُحَمَّد بن إسْحَاق بن عِيسَى الهاشِمِيّ في كتاب النَّسَب (٤)، وقَرَأتُه في كتابهِ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن حَمّاد المِصِّيْصيّ، مَولَى المَهْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن عُثْمان بن زِيَاد المِصِّيْصيّ، عن أَبيهِ، قال: خَرَجْنا مع أَمِير المُؤْمنِيْن رِضْوَانُ اللّه عليه غُزَاةً من المِصِّيْصَةِ، فلمَّا صرْنا في غُمارِ عَسْكَره كان
стр. 5327
يبْلغُه اخْتِلاطُنا بالجُنْد ومُنَازَعتُنَا إيَّاهُم في المَنَازِل، فعَزَلَ عَسْكَرَنا من عَسْكَره، وعَرَضَنا، فبَلَغ أهْلُ المِصِّيْصَة ومَنْ ضَوى إليهِم ألْفَين وثَمانمائة ونَيِّفًا على السَّبْعين، وبَلَغَ أهْلُ أذَنَة ثَمانمائة ونَيِّفًا على الثَّمانيْن، وبَلَغ أهْلُ طَرَسُوس ألْفًا وسِتِّمَائة ونَيِّفًا وأرْبَعين، فعَزَلَنا من عَسْكَره، ونَزَلنا طُوَانَة، وأقَمْنا بها ثلاثة أيَّام حتَّى صَار إليه عُيُونُه، فأخْبَرُوه خَبَرَ الطَّاغِيَة، وأنَّهُ لا جَمْعَ له، فسِرْنا حتَّى انْتَهَينا إلى أَدَرُوليَة، فأقَمْنا بمَرْج أَدرُوليَة أرْبَعَ ليالٍ، والرَّشِيْد لا يَسْتَشِير أحَدًا من أهْل الثُّغُور، وفَتَحْنا ثلاثةً وعِشْرين حِصْنًا من حُصُون العَدُوّ، وذلك أنَّ الطَّاغِيَة وجّهَ إلى البَطَارِقة الّذين في ناحية الضَّوَاحِي فجَمَعَهُم ورِجَالهم، حتَّى عَسْكَروا على خَلِيْج القُسْطَنْطِينِيّة، والنَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ أنَّ الطَّاغِيَة يُرِيد لقاءَ هارُون.
وعَزَم أَمِيرِ المُؤْمنِيْن على لقاءِ الطَّاغِيَة حيث كان (١)، فتوجَّهَ من أَدَرُوليَة حتَّى دَخَل القُفْلِ، والقُفْلُ شعْبٌ مَسِيْرته أرْبَعَةُ أمْيَالٍ، ثُمَّ يُفْضِي إلى مَرْجٍ رَحبٍ فَسِيْح، يَلِيهِ خَلِيْج قُسْطَنْطِينِيَّة، فنَزَلَ على نَهْرٍ عظيم كَثِير الماءِ، والعَدُوّ نُزُول على ذلك النَّهْر، فكَتَبَ الطَّاغِيَةُ إلى بَطَارقَتَه أنْ أَنْزلُوا القُفْلَ، ولتكُن الرَّجَّالَةُ مُنتظِمَةً حتَّى تَمْلأ القُفْل، والخَيْلُ على بابِ الشّعْب ممَّا يَلي عَسْكر أمِير المُؤمنِين وخَارِج القُفْل، والعَدُوُّ يَحُول بين المُسْلمِيْنَ وبين أَنْ يَنَالُوا شَيئًا من العُلُوفَة، وقد ضَيَّق على المُسْلِمِيْنَ غاية التَّضييْق وليسَ لهم مَلْجأٌ ولا مَسْلَكٌ.
فلَّمَا اشْتَدَّ بالمُسْلِمِيْن ما هم فيه من الجَهْد، كَتَبَ أَميرُ المُؤْمنِيْن كِتَابًا إلى الطَّاغِيَةِ لَطْلبُ المُهَادَنَة، وبَذَلَ له كُلّ أَسِير وأَسِيْرة، وأنَّهُ يَبْنِي ما هُدِمَ من الحُصُون الّتي خرَّبها فِي مَسِيْره، فأبَى عليه. واشْتَدَّت شَوْكَة العَدُوّ، وطَمِعُوا كُلّ مَطْمَعٍ، وضعُفَتْ خُيُول المُسْلِمِيْن، ونَخَبَتْ قُلُوبهم.
стр. 5328
فلمَّا رَأى الرَّشِيْد ذلك، فَزع إلى الأشْيَاخ من أهْلِ الثُّغُور، فجَمَع إبْراهيم بن مُحَمَّد الفَزَارِيّ، ومَخْلَد بن الحُسَين، ولَم يكُن في أيَّامهما لهما نَظِيرُ في الدِّيانَة والفَضْل والعِلْم، فقال له إبْراهيم بن مُحَمَّد: يا أَمِير المُؤمنِيْن، خَلَّفْتَ الرَّأيَ خَلْفَ القُفْل، ولكُلِّ مَقَامٍ مَقَال، ومَخْلَد يَصِير إلى أَمِير المُؤمنِيْن (a)، وتَفرَّق القَوْم على ذلك، فلمَّا كان في اللّيْل صار أَمِير المُؤْمنِيْن إلى مَحْلَد بن الحُسَين مُعَظِّمًا له، وكان مَخْلَد من عُقَلَاءِ الرِّجَال، فقال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، أصِير إليكَ في لَيْلَتَنا إنْ شَاءَ اللهُ، ومَضَى مَخْلَدٌ إلى إبْراهِيم بن مُحَمَّد الفَزَارِيّ فأرْسَلا إلى سَالِم البُرْنُسِيّ؛ من أَشْجَعِ أهْلِ زَمَانِهِ من السِّنْد، فَخَلَيَا به، واسْتَعلمَا ما عنده من الرَّأي، فأعْلَمَهُم أنَّهُ لا يَجْتَمع معهما عند أَمِير المُؤْمنِيْن، وأنَّهُ يَحْتاجُ إلى ما كان في خَزَائن أَمير المُؤْمنِيْن من كُسْوَة وطيْبٍ وطَعَامٍ ومالٍ، وأنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُظْهِرَ العِصْيَان والمُحَارَبة هو وأهْل الثُّغُور لأَمِير المُؤْمنِيْن ولأصْحَابهِ، فما كان عند أَمِير المُؤْمنِيْن من عدة (b)، وأنَّهُ يَحْمل أصْحَابَهُ على صِدْق المُحَارَبة.
فَمضَى مَخْلَد بن الحُسَين إلى أَمِير المُؤْمنِيْن بذلك، فأجابَهُ إلى ما سَأل، ودَفَعَ إليهِ ما أرَاد، وبَاكَر سَالِم القِتَالَ، واعْتَزل أهْل الثُّغُور عن قُرب أَمِير المُؤْمنِيْنِ، وتَلَاحم القَوْم بينهم الحَرْب، وعُرْقبَت (c) دَوَابّ، وخُرِّقَتْ مَضَارب، وزَحَفَ سَالِم البُرْنُسِيّ بمَن مَعَهُ من أهْلِ الثُّغُور، حتَّى نَزَل بالقُرْبٍ من مُعَسْكر الرُّوم، وبَعَثَ يَطْلبُ منهم الأمَانَ، ويُطْمِعُهُم في أَمِير المُؤْمنِيْن ومَن مَعَهُ، وفي كُلِّ ذلك تَجئ الرُّسُلُ إلى سَالِم يَسْألُونَهُ الرُّجُوع إلى أَمِير المُؤْمنِيْن، وتُحْمل إليه الجَوَائِز والخلَع، فكُلّ ذلك يردُّها، وبَطَارِقَة الطَّاغِيَة ورُؤساؤهم يَنْظرُونَ إلى ذلك.
стр. 5329
وكَتَبَ إلى البَطَارِقَة كِتَابًا وألْطَفَهُم، ووَجَّه إليهم بمالٍ وكُسًا وطِيْب، ودَعَاهم إلى طَعَامِهِ في مَضْربهِ، فأجَابَهُ العَدُوُّ، ووَجَّهَت البَطَارِقَة بكتابهِ إلى الطَّاغِية، فكَتَبَ إليهم أنْ يَقْبلُوا من سَالِم ولا يَعْرضُوا له إلَّا بسَبِيل خَيْر، ولا لأحدٍ ممَّن تبعَهُ، فإنَّهُم أهْلُ الثُّغُور ورِجَال الحَرْب، صُبُرٌ عندَ اللِّقَاء، وشَوْكَتُهُم الشَّوْكَةُ الصَّعْبَةُ، فآنَسوه وآنَسَهم، وحَلَفَ لهم وحَلَفُوا له، وقال: إنَّ في أصْحَابي مَنْ لا أَثِق بهِ، لحَدَاثَة سِنِّه وقِلَّة حُنْكَته، وفي أصحَابكُم كذلك، فقالوا: نَعَم، فقال: تكُون طَائِفَة مكان كذا، وطَائِفَة مكان كذا.
فرتَّب سَالِمٌ أصْحَابَهُ في الدَّرْب كُلِّه، وصَارَ في يَديهِ وأيْدِي المُسْلمِيْن، وتَميلُ طَائِفَةٌ على سَاقة سَالِم، فقُتِلَ من المُسْلِميْن ثلاثة نَفَر، وأخَذَ العَدُوّ من ثِقْلة سَالِم بَعْضَها، ويَمِيل سَالِم بمَن معَهُ من أهْلِ الثُّغُور على العَدُوّ، فقُتِلَ من العَدُوّ نَيِّفٌ على سَبْعِين ألف رَجُل، وأُسِرَ من العَدُوّ زُهَاء ثلاثين ألفًا، وغَنِمَ المُسْلمُونَ من الدَّوَابِّ والبِغَالِ والدُّرُوع والسُّيُوف ما لا يُحْصَى، ونادَتْ رِجَال من النَّصْرانِيَّةِ بسَالِم: يا سَالِم، ارْحَم النَّصْرانِيَّة، ابْق منهم بَقِيَّة! فجَمَعَ الغَنائِم وأجازَها الجَبَل، وضَرَبَ القِبَاب لأَمِير المؤمنِيْن رَحْمَةُ الله عليه، ونَضَّد جِيَفَ القَتْلَى على الطَّريق يُمْنَةً ويُسْرةً، واسْتَنْقَذَ ما كان من عَطَايَاهُ للبَطَارِقَة، ووجَّه إلى أَمِير المُؤْمنِيْن فأقْبَل، وحَلَفَ سَالِمٌ لا يَرْكَب ولا يُفَارق ركابَ أَمِير المُؤْمنِيْن حتَّى يُجِيْزَهُ الدَّرْبَ، فلمَّا نزل المُسْلمُونَ مَنْزِلَهُم أمرَ أَمِير المُؤْمنِيْن بضَرْب أعْنَاقِ الأُسَارَى، فلم يَسْتَبق منهم أحدًا، ولم يَمُرّ أَمِير المُؤْمنِيْن بحِصْنٍ إلَّا فَتَحَهُ اللهُ عليه حتَّى قَدِمَ المَأمَن.
стр. 5330
سَالِم، خَادِم ذي النُّون المِصْرِيّ (١)
صَحِبَهُ إلى الشَّامِ، ودَخَلَ معَهُ المواضع الّتي دَخَلها من الشَّام، وسَاحَ فيها، وقد دَخَل ذُو النُّون مَنْبج وجَبَل اللُّكَام.
حَكَى عن ذي النُّون، ورَوَى عنهُ يَعْقُوب بن نَصْر الفَسَوِيّ، ومُحَمَّد بن أحْمَد بن سَلَمَة.
أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، عن أبي القَاسِم بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو عُثْمان إسْمَاعِيْل بن عبد الرَّحْمن الصَّابُونِيّ إجَازةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن حَبِيْب المُفَسِّر، قال: سَمِعْتُ أبا بَكْر أحْمَد بن عبد الرَّحْمن المَرْوَزيّ يَقُول: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بن نَصْر الفَسَوِيّ يَقُول: سَمِعْتُ سَالمًا خَادِم ذي النُّون المِصْرِيّ يَقُول: بينا أنا أَسِيْر مع ذي النُّون في جَبَل لُبْنَان، إذ قال لي: مَكانكَ يا سَالِم، لا تَبْرَح حتَّى أعُودَ إليك، فغَابَ عنِّي ثلاثة أيَّامٍ، وأنا أتَقَمَّش من نَبَاتِ الأرْض وبقُولها، وأشْرَب من غُدُر الماء، ثُمَّ عادَ بعد ثلاثٍ مُتَغيِّر اللَّوْن خَاثِرًا، فلمَّا أتَى ثَابَتْ إليه نَفْسُه، فقُلتُ لَهُ: أين كُنْتَ؟ فقال: إنِّي دَخَلْتُ كَهْفًا من كُهُوف الجَبَلِ، فرَأيْتُ رَجُلًا أغْبَر أشْعَث نَحِيْفًا نَحِيْلًا، كأنَّما أُخْرج من حُفْرته، وهو يُصَلِّي، فلمَّا قَضَى صَلاتَهُ سَلَّمْتُ عليه، فرَدَّ عليَّ وقام إلى الصَّلاة، فما زَال يَرْكَع ويَسْجُد حتَّى قَرُب العَصْر فصَلَّى العَصْر، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ بحِذَاءِ المِحْرَاب يُسَبّح، فقُلتُ لَهُ: رَحِمكَ اللهُ، تُوصِيني بشيءٍ، أو تَدْعُو لي بدَعْوَةٍ، فقال: يا بُنَيّ، آنسَكَ اللهُ بقُرْبهِ، وسَكَتَ، فقُلتُ: زِدْني، فقال: يا بُنَيّ، مَنْ آنَسَه اللهُ بقُرْبهِ أعْطاهُ أرْبَعٍ خِصَالٍ: عِزًّا من غير عَشِيرة، وعِلمًا من غير طَلَب، وغَنَاء من دُون مَالٍ، وأُنْسًا من غير جَمَاعَة. ثمّ شَهقَ شَهْقَةً فلَم يُفِق إلى الغَد، حتَّى تَوَهَّمْتُ
стр. 5331
أنَّهُ مَيِّتُ، ثُمَّ أفاقَ، فقامَ وتَوضَّأ، ثُمَّ قال: يابُنيَّ، كَم فاتَني من الصَّلَوَاتِ؟ قُلتُ: ثلاثٌ، فقَضَاهَا، ثمّ قال: إنَّ ذِكْر الحَبِيْب هَيَّج شَوْقي، وأزَالَ عَقْلي! قُلتُ: إنِّي رَاجعٌ فزِدْني، قال: حِبَّ مَوْلاكَ ولا تُرد بحُبِّهِ بَدَلًا؛ فإنَّ المُحبِّين لله هُم تِيْجان العُبَّادِ وزَيْن العبَاد، ثُمّ صَرَخَ صَرْخَة فحَركتُه فإذا هو مَيِّتٌ، فما كان إلَّا بعد هُنَيْهَة إذا بجَمَاعَةٍ من العُبَّادِ مُنْحَدرين من الجَبَل، فصلَّوا عليه، ووارَوهُ، فقُلتُ: ما اسْم هذا الشَّيْخ؟ قالوا: شَيْبَان المَجْنُون.
قال سَالِم: فسَألْتُ أهْل الشَّام عنه، فقالوا: كان مَجْنُونًا هَرَبَ من أذَى الصِّبْيَان، قُلتُ: فهل تَعْرفُونَ من كَلامِهِ شيئًا؟ قالوا: نعم، كلمة؛ كان إذا خَرَج إلِى الصَّحَارى يَقُول: فإذا لَم (a) أُجنّ بإلهي فبمَنَ!؟ ورُبَّما قال: فإذا لَم أُجنّ بك رَبِّي فبمَن!؟.
سَالِم الشَّيْزَرِيُّ (١)
من أهْلِ شَيْزَر، وانْتَقَلَ إلى دِمَشْق، وكان حَسَن الطَّريقة، ذَكَرهُ شَيْخُنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن نَجْم بن عَبد الوَهَّاب بن الحَنْبَلِيّ في كتابهِ الّذي وَسَمه بكتاب الاسْتِسْعَاد بمَن لقيْتُ من صَالِحى العُبّاد في البِلادِ.
قَرأتُ بخَطِّ شَيْخنا نَاصِح الدِّين أبِي مُحَمَّد بن الحَنْبَلِيّ الأنْصَاريّ، قال: الشَّيْخ سَالِم الشَّيْزَرِيّ من أهْلِ شَيْزَر، قَدِمَ دِمشْقَ قَرِب السِّتِّين والخَمْسمائة، ونَزَل عندنا في المَدْرَسَةِ، واشْتَغَل بالفِقْه على وَالدِي ﵀، لحفِظ كتاب الإيْضَاح تأليف جَدّ أبي الشَّيْخ أبي الفَرَج، وقَرأ عليه أيضًا كتاب التَّبْصرَةِ في الأُصُول تَصْنِيف
стр. 5332
الشَّيْخ أبي الفَرَج، من حِفْظِه، وحَفِظَ كتاب الفَصِيح، وكان يُكَرِّرُ عليَّ مَحْفُوظاتهِ إلى أنْ ماتَ.
وكان شُجَاعًا كَرِيْمًا، وكُنْتُ أنا أقْرأُ عليه من كتاب الإيْضَاح، وكان كَثِيْر المُلَازَمةِ لصَلاة الجَمَاعَةِ في حَلْقَةِ الحَنَابِلَةِ، وكان لا يَنام كُلّ لَيْلَةٍ حتَّى يَقْرأ سُوْرة يس والوَاقِعَة وتَبارَك والسَّجْدَة.
وعُمِّرَ إلى أنْ قَدِمْتُ من بَغْدَاد، وسَمِعَ دَرْسِي في المَدْرَسَة، والحَلْقَة سِنِيْنَ، وماتَ قَرِيبَ العَشْر بعد السِّتِّمائة.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ السَّائِب
السَّائِب بن بِشْر بن عَمْرو الكَلْبيّ (١)
شَهِدَ الجَمَل وصِفِّيْن مع عليٍّ ﵁، وله فيهما ذِكْرٌ.
السَّائِب بن حُبَيْشٍ الكَلاعِيُّ الشَّامِيُّ (٢)
كان على دَوَاوِيْن قِنَّسْرِيْن في أيَّام بني مَرْوَان، وحَدَّثَ عن مَعْدَان بن أبي طَلْحة اليَعْمَرِيّ، رَوَى عنهُ حَفْصُ بن رَوَاحَة الأنْصَاريّ الحَلَبِيّ، وزَائِدَةُ بن قُدَامَة (a).
стр. 5333
أنْبَأنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر وَجِيْهُ بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْد المَلِك، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن السَّقَّاء، وأبو مُحَمَّد بن بَالُوَيْه، قالا: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا عبَّاس بن مُحَمَّد، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَعِيْن يَقُول: قد رَوَى زَائِدَةُ عن السَّائِب بن حُبَيْش. قال يَحْيَى: ويَنْبَغي أنْ يكُون شَامِيًّا.
أنْبَأنَا أبو عَبْد الله الحُسَين بن عُمَر بن بَاز، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الحَقّ بن عَبْد الخَالِق بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم بن النَّرْسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد الغُنْدجَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَهْل، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (٢)، قال: السَّائِب بن حُبَيْش الكَلاعِيّ، رَوَى عنه زَائِدَةُ.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن، عن أبي البَرَكَات عَبد الوَهَّاب بن المُبارَك، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبارَك بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا الحُسَين بن جَعْفَر ومُحَمَّد بن الحَسَن، قالا: أخْبَرَنا أبو العبَّاس الوَلِيد بن بَكْر، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أحْمَد بن زَكَرِيَّاء، قال: أخْبَرَنا صالح بن أحْمَد بن عَبْد الله العِجْلِيّ، قال: حَدَّثني أبي أحْمَد (٣)، قال: السَّائِب بن حُبَيْش الكَلاعِيّ، شَامِيٌّ ثِقَةٌ.
أنْبَأنَا أبو البَرَكَات سَعيدُ بن هاشِم بن أحْمَد، عن أبي طَاهِر الخَضِر بن الفَضْل المَعْرُوف برَجُل، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عَبدُ الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن مَنْدَة إذْنًا، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (٤)، قال:
стр. 5334
سَائِبُ بن حُبَيْش الكَلاعِيّ، رَوَى عن مَعْدَان بن أبي طَلْحَة، رَوَى عنهُ زَائِدَة بن قُدَامَة، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك.
قال أبو مُحَمَّد (١): أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن أحْمَد بن حَنْبَل فيما كَتَبَ إليَّ، قال: سَألْتُ أبي عن السَّائِب بن حُبَيْشٍ، قَلْتُ لهُ: هو ثِقَة؟ قال: لا أدْرِي.
أنْبَأنَا سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر اللَّفْتُوانيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن جَعْفَر الأصْبَهَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن زَنْجُوَيْه، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد العَسْكَريّ، قال: فأمَّا حُبْيَشٌ - الحَاءُ مَضْمُومَة، غير مُعْجَمة، وتحت الباءِ نُقْطةٌ، والشِّيْن مَنْقُوطَة - السَّائِب بن حُبَيْش الكِلَابيّ، رَوَى عن مَعْدَان بن أبي طَلْحَة، رَوى عنهُ زَائِدَةُ.
كذا قال! وإنَّما هو الكَلاعِيّ بالعَيْن.
أنْبَأنَا أبو حَفْص المُكْتِبُ، قال: أنبَأنَا أبو غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي الفَتْحِ بن المَحَامِلِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عُمَر الدَّارَقُطْنِيّ، قال: السَّائِبُ بن حُبَيْش الكَلاعِيّ، رَوَى عن مَعْدَان بن أبي طَلْحَة. رَوَى عنهُ زَائِدَةُ بن قُدَامَةَ، حدَّثناهُ ابن القَاسِمٍ الهاشِميّ، قال: حَدَّثَنَا حَنْبَل بن إسْحَاق، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد الله أحْمَدُ بن حنْبَل، قال: حَدَّثَنَا مُعاوِيَة بن عَمْرو وأبو سعيد - يَعني مَوْلَى بني هاشِم - قالا: حَدَّثَنَا زَائِدَة، قال: حَدَّثَنَا السَّائِب بن حُبَيْش الكَلاعِيّ، قال أبو عَبْد الله: قال عبد الرَّحْمن بن مَهَدِي: عن السَّائِب بن حُبيشٍ، أخْطأ فيه؛ يعني: أنَّ عبد الرَّحْمن رَوَاهُ عن زَائِدَة عن السَّائِب.
قُلتُ: هكَذا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ، وقد رَوَاهُ أبو عَبْد الله أحْمَد بن حَنْبَل في المُسْنَد عن عبدِ الرَّحْمن بن مَهْدِي، عن زَائِدَة بن قُدَامَة، عن السَّائِب.
стр. 5335
أخْبَرَنا بهِ عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ هِبَة اللّه بن مُحَمَّد بن الحُصَيْن، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن جعفَر بن مَالِك القَطِيْعِيِّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بن أحْمَد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثَني أبي (١)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمن بن مَهْدِيّ، عن زَائِدَة بن قُدَامَة. ووَكِيعٌ قال: حَدَّثَني زَائِدَة بن قُدَامَة، عن السَّائِب - قال وَكِيع: ابن حُبَيْش الكَلاعِيّ - عن مَعْدَان بن أبي طَلْحَة اليَعْمَرِيّ، قال: قال لي أبو الدَّرْدَاء: أين مَسْكَنكَ؟ قال: قُلْتُ: في قَرْيَةٍ دُون حِمْص، قال: سَمِعْتُ رسُول اللّه ﷺ يَقُول: ما من ثلاثة في قَرْيَةٍ لا يُؤذَّن (a) ولا يُقَام فيهم إلَّا اسْتَحْوَذَ عليهم الشَّيْطان؛ عليكَ بالجَمَاعَةِ فإنَّما يأكُل الذِّئبُ القَاصِيَة.
قال ابنُ مَهْدِي: قال السَّائِبُ: يعني بالجَمَاعَة، الجَمَاعَة في الصَّلَاةِ.
فهذا أبو عَبْد اللّه رَوَى الحَدِيْث عن عبد الرَّحْمن بن مَهْدِيّ، ووَكِيِع عن زَائِدَة عن السَّائِب، وأظُنُّ الدّارَقُطْنِيّ رَأى أبا عَبْد اللّه قال في تفسِير الجماعة: قال ابنُ مهدِي: قال السَّائِب، فظَنَّ أنَّ ابن مَهْدِي رَوَاهُ عن السَّائِب! وليسَ الأمر كذلك؛ بل رَوَى أبو عَبْد اللّه الحَدِيْث عن ابن مَهْدِي ووَكِيع، كليهما عن زَائِدَة عن السَّائِب، وجاء التَّفْسير لمَعْنى الجَمَاعَة في رِوَايَة ابن مَهْدِيّ، فقال أبو عَبْد اللّه: قال ابنُ مَهْدِي: قال السَّائِب، فبَيِّنٌ أنَّ هذا الكَلَام من قَوْل السَّائِب، وأنَّ ابن مَهْدِي تفرَّد في رِوَايته بهذا التَّفْسِيرِ دُون وَكِيع، لكن عن زَائِدَةَ، عن السَّائِب، فلا وَجْهَ لتَخْطِئة أبي عَبْد اللّه في ذلك، بل الخَطَأ وَقَعَ من الدَّارَقُطْنِيّ، واللّهُ أعْلَمُ.
стр. 5336
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ الله، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه البَلْخِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن الحُسَين بن عَبْد اللّهِ البَزّار (a)، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن غالب البَرْقَانِيّ، قال: وسَألتُه - يعني: الدَّارَقُطْنِيّ - عن السَّائِب بن حُبَيْشٍ؟ فقال: من أهْلِ الشَّام، صالِحُ الحَدِيْث، حَدَّثَ عنهُ زَائِدَة، لا أعْلَم حَدَّثَ عنهُ غيرهُ.
قُلتُ: قد حَدَّثَ عنهُ حَفْصُ بن رَوَاحَة الأنْصَاريُّ الحَلَبِيُّ أيضًا.
أنْبَأنَا أبو الفَضْل أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)؛ عَمِّي، قال: السَّائِبُ بن حُبَيْش الكَلاعِيِّ، حَدَّثَ عن مَعْدَان بن أبي طَلْحَة، رَوى عنهُ زَائِدَةُ بن قُدَامَة، وحَفْص بن رَوَاحَة الأنْصَاريّ الحَلَبِيّ. وذَكَرَ أبو الحُسَين الرَّازِيّ في تَسْمِيَةِ كُتَّابِ أُمَرَاءِ دِمَشْق، وقال: كان على دَوَاوِيْن قِنَّسْرِيْن في خِلَافَة بَنِي مَرْوَان.
سُبَيْع بن يَزِيد الحَضْرَميّ، وقيل: الأنْصَاريّ (٣)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ، وكان من وُجُوه أصْحَابهِ الّذين شَهِدُوا على كتاب الحَكَمَيْن بين عليٍّ ومُعاوِيَة.
أخْبَرَنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللّه، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنَا
стр. 5337
الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه البَلْخِيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين (a) بن أَيُّوب، قال: أخْبَرَنَا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن أحْمَد بن إسْحَاق بن نِيْخَاب الطِّيبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن الحُسَين بن عليّ الكِسَائِيّ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان الجُعْفِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن بَشِير، عن عَوَانَة بن الحَكَم، قال أحمدُ: وسَمِعْتُ غيرَهُ ذَكَرَهُ، قال: تَسْمِيةُ مَنْ شَهِدَ على كتاب الحَكَمَيْن بصِفِّيْن بين عليّ ومُعاوِيَة: عَبْد اللّه بن العبَّاس بن عَبْد المُطَّلِب، الأشْعَثُ بن قَيْسٍ الكِنْدِيّ، سَعيد بن قَيْسٍ الهَمْدانِيّ، عَبْد اللّه بن الطُّفَيْل العَامِرِيّ، حُجْر بن يَزِيد الكِنْدِيّ، وَرْقَاء (b) بنُ سُمَيّ العِجْلِيّ، وعبد اللّه بن فُلَان العِجْلِيّ، وعُقْبَة بن زِيَاد الأنْصَاريّ، ويَزِيْد بن حُجَيَّة التَّيْمِيّ، ومالك بن كَعْب الهَمْدانِيّ. قال: هؤلاء شُهُود عليّ؛ عَشرةٌ من أهْلِ العِرَاق.
قال: وشُهُودُ مُعاوِيَة عَشرةٌ من أهْلِ الشَّامِ: أبو الأعْوَر عَمْرو بن سُفْيان السُّلَمِيّ، حَبِيْبُ بن مَسْلَمَة الفِهْريّ، عبد الرَّحْمن بن خَالِد بن الوَلِيد المَخْزُوميّ، مُخَارِق بن الحَارِث الزُّبَيْدِيّ، زَامِلِ بن عَمْرو العُذْرِيِّ، عَلْقَمَة بن يَزِيد الحَضْرَميّ، حَمْزَة بن مَالِك الهَمْدانِيّ، سُبَيْع بن يَزِيد الحَضْرَميّ، عُتْبَةُ بن أبي سُفْيان بن حَرْب بن أُمَيَّة، يَزِيد بن الحُرِّ العَبْسِيّ. وكَتَبُوا كتاب شُهُود الحُكُومَة سَنَة سَبْعٍ وثلاثين.
أنْبَأنَا أبو الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي أبو القَاسِم الحافِظ (٢)، قال: سُبَيْع بن يَزِيد الحَضْرَميّ، ويُقال الأنْصَاريّ، من وُجُوه أصْحَاب مُعاوِيَة،
стр. 5338
وهو ممَّن شَهِدَ في الصَّحِيْفَة الّتي كَتَبَها بينَهُ وبينَ عليِّ في الرِّضَا بتَحْكيم الحَكَمَيْن، له ذِكْرٌ في كتاب أبي مِخْنَف لُوط بن يَحْيَى وغيره. وذَكَرَ أبو مِخْنَف أنَّهُ أنْصَارِيٌّ، فاللّهُ تعالَى أعْلَم.
سُحَاج المَوْصِلِيُّ (١)
كان بِدَابِق، وحَقُّهُ أنْ لا يُذْكَرَ، لأنَّهُ ليس من العُلَمَاء، ولا من الأمَاثِل، لكن الحافِظ أبا القَاسِم عليّ بن الحَسَن ذَكَرَهُ في كتابهِ فجَعَل له ذِكْرًا، وإنْ لم يَكُن من شَرْط كتَابه، لأنَّهُ وَفَد من المَوْصِل إلى دَابِقَ، ولَم يكُن بدِمَشْق، وليس من الأمَاثِل، ومثله إنَّما يُذكَر في المُلَح؛ فذَكَرنا تَرْجَمتَهُ على ما ذَكَرها الحافِظ ﵀.
أنْبَأنا تاجُ الأُمَناءِ أبو الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَنِ، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: سُحَاج المَوْصِلِيّ، وَفَدَ على سُليْمان بن عَبْد المَلِك.
أخْبَرَنَا (٣) أبو القَاسِم نَصْرُ بن أحْمَدَ بن مُقَاتِل، قال: حَدَّثَنا جَدِّي أبو مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الأهْوَازِيّ، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي أبو العبَّاس أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن أبي سَعيد الكَرْجِيّ بمَكَّة، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نُصَيْر الخُلْدِيّ، قال: حدَّثنا أحْمد بن مُحمّد بن مَسْرُوق، قال: حدَّثنا أحمَد بن جَمِيْل المَرْوَزيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بن المُبارَك، عن الضَّحَّاك، قال: فام السُّحَاج المَوْصِلِيّ إلى سُليْمان بن عَبْد المَلِك بِدَابِق فقال: يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، إنَّ أَبِينا هَلَك، فوَثَبَ أخَانا فأخَذَ مالنا فاقتطعَهُ، فقال: لا رَحِمَ اللّهُ أباك، ولا عَافَى أخَاك، ولا رَدَّ عليك مالَكَ، ولا حَيَّاك.
стр. 5339
سُحَيْم بن المُهاجِر (١)
وَلي إمْرَة أطْرَابُلُس في أيَّام عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، وتوجَّهَ منها إلى نَاحِيَةِ أنْطَاكِيَة والجَبَل الأسْوَد في مَكِيدة كَادَها فلْقَط (a) البِطْرِيْق فقَتَلَهُ، ووَلَّاهُ الوَلِيدُ بنُ عَبْد المَلِك غَزْو البَحْر.
أنْبَأنَا القَاضِي أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم السُّلَمِيِّ الفَقِيه، إجَازَةً إِنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو نصْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن هَارُون، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن يعْقُوب بن أبي العَقَب، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد المَلِك أحْمَد بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَائِذ، قال: قال الوَلِيد: وأخْبَرَني غير واحدٍ أنَّ طَاغِيَة الرُّوم لمَّا رَأى ما صَنَع اللّه للمُسْلِمين مَنْعَهُ (٢) مَدَائن السَّاحِل، كَاتَبَ أنْبَاط جَبَل لُبْنَان واللُّكَام، فخَرَجُوا جَرَاجِمَة، فعَسْكَروا بالجَبَل، ووَجَّه طَاغِية الرُّوم فلْقَط البِطْرِيْق في جَمَاعَةٍ من الرُّوم في البَحْر، فسَار بهم حتَّى أرْسَى بهم (b) بوَجْهِ الجَر، وخَرَج بمَن معه حتَّى عَلا بهم على جَبَل لُبْنَان، وبثَّ قُوَّادَهُ في أقْصَى الجَبَل، حتَّى بلغَ أنْطَاكِيَة وغيرها من الجَبَل الأسْوَد، فأعْظَم ذلك المُسْلمُونَ بالسَّاحِل، حتَّى لَم يكُن أحدٌ يَقْدر يَخْرج في ناحيةٍ من رَجًا (c) ولا غيرها إلَّا بالسِّلاح.
стр. 5340
قال الوَلِيد: فأخْبَرَنا غير واحد من شُيُوخنا أنَّ الجَرَاجِمَة غَلَبَت على الجِبَال كُلّها من لُبْنَان وسَنِيْر وجَبَل الثَّلْج وجِبَال الجَوْلَان، فكانت بَاسنْبل (a) مَسْلَحَة لبَاقي الزُّهَّاد (b)، وعَقْرَبا الجَوْلَان مَسْلَحَهَ حتَّى جَعلُوا يُنادُون عَبْد المَلِك بن مَرْوَان من جَبَل دَيْر المُرَّان من اللَّيْل، حتَّى بَعَثَ إليهم عَبْدُ المَلِك بالأمْوَال ليَكُفُّوا حتَّى يَفْرغ لَهم، وكان مَشْغُولًا بقِتَال أهْل العِرَاق، ومُصْعَب بن الزُّبَيْر وغيره.
قال: ثمّ كَتَبَ عَبْد المَلِك إلى سُحَيْم بن المُهاجِر في مَدِينَة أطْرَابُلُس، يَتَواعَدهُ ويأمرُه بالخُرُوج إليهم، فلم يَزَل سُحَيْم ينتَظر الفُرْصَة منهم، ويَسْأل عن خَبَرهم وأُمُورهم، حتَّى بَلَغَهُ أنَّ فلْقَط في جَمَاعَةٍ من أصْحَابه في قَرْيَةٍ من قُرَى الجَبَل، فخَرَج سُحَيْم في عشرين رَجُلًا، من جُلَدَاء أصْحَابهِ، وقد تهيَّأ بهَيْئَةِ الرُّوم في لبَاسه وهَيْئَته وشَعره وسِلَاحه، مُتَشبِّهًا ببِطْرِيْق من بَطَارِقَة الرُّوم؛ بعثَهُ مَلِك الرُّوم إلى جَبَل اللُّكام في جَمَاعَةٍ من الرُّوم، فغَلَبَ على ما هُنالك.
فلَّمَا دَنَا من القَرْيَة، خَلَّفَ أصْحَابه وقال: انْتظرُوني إلى مَطْلع كَوْكَب الصُّبْح، فدَخَلَ على فلْقَط وأصْحَابهِ، وهُم في كَنِيْسَة يَأكُلون ويَشْربُون، فمَضَى إلى مُقَدَّم الكَنِيْسَة، فصَنَعَ ما يَصْنَعُه النَّصارى من الصَّلاة والقَوْل عند دُخُولها (c) كَنَائِسها، ثمَّ جَلَسَ إلى فلْقَط، فقال له: مَنْ أنتَ؟ فانْتَمى إلى الرَّجُل الّذي يَتَشبَّهُ به، فصَدَّقَهُ، وقال له: إنِّي إنَّما جئتُكَ لِمَا بلَغَني من جهاز سُحَيْم، وما أجْمعَ بهِ من الخُرُوج إليك، لأُخْبرك بهِ وأكْفيكَ أمْرَهُ إنْ أتَاك، ثُمَّ تَنَاول من طَعَامهم، ثمّ قال لفلْقَط وأصْحَابه: إنَّكُم لَم تَأتُوا ها هُنا للطَعَام والشَّرَاب، ثمّ قال لفلْقَط: ابْعَث معي عَشرةً من هؤلاء من أهْلِ النَّجْدَة والبَأْسِ، حتَّى نَحْرسكَ اللَّيْلة، فإنِّي لسْتُ آمَنُ أنْ يَأتيك ليْلًا، فبَعَثَ معه عَشرة، وأمَرَهم بطَاعَته، فخَرَجَ بهم إلى أقْصَى
стр. 5341
القَرْيَة، وقام بهم على الطَّريق الّذي يتخوَّفُون أنْ يَدْخُل عليهم منه، فأقام حَارِسًا منهم، وأمَرَ أصْحَابه فنامُوا، وأمَرَ الحَارِس إذا هو أراد النَّوْم، أنْ يُوقِظ حَارِسًا منهم ويَنام هو، فحَرَس الأوَّل ثمّ أقام الثَّانيّ، ثمِّ قَام سُحَيْم الثَّالث ثُمَّ قال: أنا أحْرس فنَم، فلمَّا اسْتَثْقَلوا (a) نَوْمًا، قَتَلَهم بذُبَابَة سَيْفه رَجُلًا رَجُلًا، فاضْطَرَبَ التَّاسِع فأصَاب العَاشِر برِجْله، فوَثَبَ إلى سُحَيْم فاتَّخذا (b) وصَرَعَهُ الرُّوميّ، وجَلَس على صَدْره، واسْتَخْرج سُحَيْمٍ سِكِّينًا في خُفّة، فقَتَلَهُ بها. ثُمّ أتَى الكَنِيْسَة، فقَتَلَ فلْقَط وأصْحَابه، رَجُلًا رَجُلًا.
ثُمّ خَرَج إلى أصْحَابهِ العشرين، فجاء بهم فأرَاهُم قَتْلَهُ مَنْ قَتَلَ من الحَرَس وفلْقَط، ومَن في الكَنيْسَة، ووضعُوا سُيُوفهم فيمَن بقيّ، فنَذِرَ (c) بهم مَنْ بَقِيَ منهم، وخَرجُوا هُرَّابًا حتَّى أتَوا سُفُنَهم بوَجْهِ الحَجر، فرَكبُوها ولحَقُوا بأرْضِ الرُّوم، ورجَع أنْبَاط جَبَل لُبْنَانَ إلى قُرَاهم.
أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرَنَا أحْمَدُ بن إبْراهيم، قال: حدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ عَائِذ، قال: حدَّثَنَا الوَلِيد، قال: لمَّا وَلِيَ الوَلِيد بن عَبْد المَلِك، وَلّى غَازِيَة البَحْر ثلاثة نَفَرٍ من المَوَالِي: سُحَيْم بن المُهاجِر، وأبا خُرَاسَان، وسُفْيانَ الفَارسِيّ.
أخْبَرَنَا أبو الفَضْل أحْمَد بنُ مُحَمَّد بن الحَسَن في كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (٢)، قال: سُحَيْم بن المُهاجِر من سُكَّان أَطْرَابُلُس، ووَلِيَ إمْرَتها في
стр. 5342
أيَّام عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، وكَتَبَ إليهِ عَبْدُ المَلِك أنْ يَكِيد بعض الرُّوم، ووَلَّاهُ الوَلِيدُ غَزْو البَحْر.
كذا قال! ولَم يكْتُب إِليهِ عَبْدُ المَلِك أنْ يَكِيد، وإنَّما كَتَبَ إليه يأمُره بالخُرُوج، فدَبَّرَ هو برَأيهِ ما دبرهُ.
стр. 5343
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
سِدَادُ بن إبْراهيم بن مُحَمَّد، أبو النَّجِيْب - وقيل: أبو السِّدَاد - الجَزَرِيّ ويُعْرفُ بالظَّاهر (١)
وقيل في اسْمه: شَدَّاد بالشِّيْن المُعْجَمة، والصَّحيح أنَّهُ بالسِّيْن المُهْملَة المَكْسُورَة.
من أهْلِ جَزيْرة ابن عُمَر، وله بها مَسْجِد يُعْرَفُ بمَسْجِد الظَّاهر، وكان شَاعِرًا مَطْبُوعًا، حُلْوَ الألْفَاظ سْهْلَها، لَطِيْف المَعَاني.
دَخَلَ حَلَب، ومَدَحَ بها الأَمِيرَ سَيْفَ الدَّوْلَة أبا الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن حَمْدَان، وظَفِرْتُ له بأبياتٍ يَتَشوَّق فيها حَلَب، ومَدَحَ عَضُد الدَّوْلَة ابن بُوَيْه.
وذَكَرَ لي أبو السَّعَادَاتِ بن المُرَحِّل أنَّهُ بالسِّيْن المهملَة، وأنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عَبْد الله بن أحْمَد بن أَحْمَد بن أحمَد بن الخَشَّاب كذلك. وكذلك ذَكَرهُ رَفِيْقُنا الحافِظ مُحِبّ الدِّين أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مَحمُود [بن] النَّجَّار في حَرْف السِّيْن المُهْملَة في التَّاريخ الّذي ذَيَّلَ به تاريخ أبي بَكْر الخَطِيب (٢)، وشَاهَدْت اسْمه بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفيِّ مَضْبُوطًا بالشِّيْن المُعْجَمة في بعض تَعَالِيْقه.
стр. 5344
رَوَى عنهُ أبو الحَسَن عليّ بن مَنْصُور المَعْرُوف بدَوْخَلَة، وأبو الفَتْح أحْمَدُ بن عليّ بن النَّخَّاسِ المَدَائنيِّ الحلبِيَّان، وأبو القَاسِم عليّ بن المحسِّن بن عليّ التَّنُوخيِّ، وأبو عليّ مُحَمَّد بن وِشَاحٍ الزَّيْنَبِي، وأبو نَصْر أحْمد بن عَبْد الله بن أحْمَد الثَّابِتيِّ.
قَرأتُ بخَطِّ عَبْد المُنْعِم بن الحَسَن بن الحُسَين بن اللُّعَيْبَة أبي الفَضْل الحَلَبيِّ، قال: لأبي السِّدَاد الظَّاهر الجَزَرِيِّ أنْشَدَنيها الشَّيْخُ الأدِب أبو الفَضْل جَامِعُ بن عليّ بالجَزِيْرَة، في جُمَادَى الأُوْلَى من سَنَة خَمْس عشرة وخمسِمائَة: [من الطويل]
أيا حَلَبُ الغَرَّاءُ والمَنْزلُ الرَّحبُ … ويا بَلَدًا قَلْبي بتَذْكَارِهِ صَبُّ
لئن بَانَ جسْمي عَنْ مَعَالِمِ ربْعِها … فما بانَ عن أطْلَالِ سَاحَتِها القَلْبُ
عَلَامَ أُسَلِّي النَّفْسَ عنْكِ وَفِيكِ لي … عَلَائقُ منها هَدَّ مُهجَتِي الحُبُّ
هَواؤُكِ لولا صِحَّةٌ في هُبُوبِهِ … ومَاؤُكِ لولا أنَّهُ باردٌ عَذْبُ
نَقَلْتُ من خَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفيِّ، وأنْبَأنَا به عنه أبو القَاسِم عَبْد الله بن رَوَاحَة وغيره، قال: قَرأتُ على أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الجَبَّارِ التُّونُسِيّ اللُّغَويّ بالإسْكَنْدَرِيَّةِ لأبي النَّجِيْب شَدَّاد بن إبْراهيم الجَزَرِيّ المُلَقَّب بالظَّاهر، وقد اسْتَدْعاهُ الوَزِيرُ المُهَلَّبيّ، وضَبَطَهُ السِّلَفِيُّ في خَطِّه بالشِّيْن المعجَمة (١): [من السريع]
عَبْدُكَ تَحْتَ الحَبْلِ عُرْيَانُ … كأنَّهُ لا كان شَيطَانُ
يَغْسِل أثْوَابًا كأنَّ البِلَى … فيها خَلِيْطٌ وَهْىَ أوْطَانُ
أَرَقُّ من ديني إنْ كان لي … دينٌ كما للنَّاسِ أَدْيَانُ
كأنَّها حَالي من قبل أنْ … يصحّ عندِيْ لكَ إحْسَانُ
стр. 5345
يقُول مَنْ يُبْصَرُني مُعْرضًا … فيها وللأقْوَالِ بُرْهانُ
هذا الّذي قد نَسَجَت فَوْقَهُ … عَنَاكِبُ الحِيْطَان إنْسَانُ
قَرأتُ في مَجْمُوع أظُنُّه بخَطِّ بعض الحلبِيّيْن أو المَعرِّيّيْن: حدَّثَ أبو النَّجِيْب سِدَاد بن إبْراهيم الجَزَرِيّ الشَّاعرُ المُلقَبُ بالظَّاهر، قال: كُنْتُ كَثِير المُلَازَمة للوَزِير أبي مُحَمَّد المُهَلَّبي، فاتَّفقَ أنْ غَسَلت ثِيَابي يَوْمًا، وأنْفَذَ يَدْعُوني، فاعْتَذَرْتُ بعُذْرٍ لَم يَقبَلْهُ، وألَحَّ في اسْتِدْعائي، فكَتبْتُ إليهِ: [من السريع]
عَبْدُكَ تَحْت الحَبْل عُرْيانُ … كأنَّهُ لا كان شَيْطَانُ
يَغْسل أثْوَابًا كأنَّ البِلَى … فيها خلِيْطٌ وَهْيَ أوْطَانُ
أَرَقُّ من ديْنيَ إنْ كان لي … دينٌ كما للنَّاسِ أدْيانُ
كأنَّها حَالِي من قَبْل أنْ … يُصْبح عندِي لكَ إحْسَانُ
يقُول مَنْ يُبْصِرُني مُعْرِضًا … فيها وللأقْوَالِ بُرْهَانُ
هذا الّذي قد نسَجَت فَوْقَهُ … عَنَاكبُ الحِيْطَان إنْسَانُ
فأَنْفَذَ له جُبَّةً وقَيْصًا وعِمَامَةً وسَرَاوِيل وكِيْسًا فيه خَمْسمائةِ دِرْهَم، وقال: قد أنْفَذْتُ إليك ما تلْبَسُه وتدفَعُه إلى الخَيَّاط ليُصْلِحَ لك الثِّيَاب على ما تُرِيدُه، فإنْ كُنْتَ غسَلْتَ التِّكَّة واللَّالِكَة (١) عَرِّفني لأُنْفذَ عِوضها.
قَرأتُ بخَطِّ الشَّريِف مُحَمَّد بن الحَسَن بن مُحَمَّد بن أبي القَاسِم الأَقْسَاسِيّ: أنْشَدَني أبو الحُسَين عَاصِم الأدِيْب الشَّاعِر للظَّاهِر الجَزَرِيّ، واسْمُه شَدَّاد بن إبْراهيم عند وَدَاعهِ لأبي غَالِب مُحَمَّد بن خَلَف فْخَر المُلْك، وكان قَصَدَهُ وامْتَدَحَهُ: [من الكامل]
خَتَم النَّبِيِّيْنَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ … ومُحَمَّدُ بنُ عليٍّ الوُزَرَاءَا
стр. 5346
والظَّاهِرُ الشُّعَراءَ وَهْوَ مُوَدِّعٌ … مِن حَضرةِ ابنِ عليٍّ العَلْيَاءَا
سَأَسيرُ عنكَ ولي إليكَ تَلفُّتٌ … فيَكُونُ قُدَّامِي إليك وَرَاءَا
قَرأتُ في رسالة أبي الحَسَن عليِّ بن مَنْصُور بن القارح الحَلَبيِّ (١) الّتي كَتَبَها إلى أبي العَلَاء بن سُلَيمان، وأجابَهُ عنها برسَالة الغُفْرَان: أنشدَني الظَّاهِر الجَزَرِيّ لنَفْسِه، وقَرأتُ بخَطِّ أبي الفَتْح أحْمَد بن عليّ المَدَائي، في مَجْمُوعٍ وَهَبْنِيْه وَالدِي ﵀ بخَطِّ المَذْكُور أنْشَدَني الظَّاهر الجَزَرِيّ لنَفْسِه (٢): [من الوافر]
أرَى جِيْلَ التَّصَوُّفِ شَرَّ جيْلٍ … فَقُلْ لَهُمُ وأَهْوِن بالحُلُولِ
أقالَ اللهُ حين عَشِقْتُمُوه … كُلُوا أكْل البَهَائِم وارْقُصُوا لي
ونَقَلْتُ أيضًا من خَطِّ أبي الفَتْح المَدَائي للظَّاهِر في المجمُوع المَذْكُور: [من الخفيف]
لا تَثِقْ بالسُّكُوتِ من كُل صُوْفي … واحْتَرِزْ مِنهُمُ وكُنْ في سُدُوفِ
بالعَكَاكِيْز والمحابر والصُّحْـ … ـف وجَمع كمثْلِ جَمْعِ الزُّحُوفِ
ويلَ دَاعِيْهِمُ وحُقَّ لهُ الويـ … ـل إذا ما أَتَى بأَلْفْي خَرُوفِ
وصِنانٍ فإنْ همُ بايَتُوهُ … أكَلُوا بيتَهُ بحَشْو السُّقُوفِ
أَتُرى رَبَّهمْ يقُولُ ارْقُصُوا لي … واتْرُكُوا ما افْتَرضْتُ مِن مَعْرُوفِ
شَرُّ جِيْلٍ تَرَاهُ في عَالَم الحَشْـ … ـرِ إذا أُوْقِفُوا ليَوْمٍ مَخُوفِ
نَقَلْتُ من خَطِّ بعضِ الأُدَبَاء؛ وقيل إنَّهُ من بنَي أبي حَصِيْنَة: للظَّاهِر الجَزَرِيّ: [من الكامل]
стр. 5347
يا دَهْرُ إنَّكَ أَنْتَ نَابِذُ ريْقهِ … خَمْرًا وغَارِسُ خَدّه تُفَّاحَا
وغَزِلْتَ من غَزِلٍ شِبَاكَ جُفُونه … ونصَبْتَها فتَصَيَّدَت أرْوَاحا
وله؛ ونَقَلْتُه من خَطِّ المَذْكُور [من الطويل]
أبايَعْتَ أهْلَ البَيْعَة اليَوْمَ في دَمي … غلبتَ فَخذ أخْطَارَهُمْ وتَقدَّم
ولا تُوْرق عَيْنَيكَ سُقْمي فإنَّهُ … حَرَامٌ على الذِّميِّ مِيْرَاثُ مُسْلمِ
وهذان البيتان يُرْوَيان لعَبْدِ المُحْسِن الصُّوْرِيّ (١)؛ وهو أصَحُّ.
وممَّا نَقَلْتُهُ من تَعْلِيقي من الفَوَائِد ممَّا أنْشَدَهُ الظَّاهرُ لنَفْسِهِ: [من الكامل]
أَدِر المُدَامَةَ يا ابنَ شِبْلٍ وَاسْقِني … فيها نَسِيْئَةَ رِيْقِكَ المتُعَذِّرِ
فإذا رَأيْتَ مِنَ النّدَامىَ صاحِيًا … فينا فلَاحِظْهُ بطَرْفِكَ يَسْكَرِ
ومن شِعْره أيضًا قَوْله، وقيل: إنَّها للوَزِير أبي نَصْر بن النَّحَّاس الحَلَبيِّ، والصَّحيحُ أنَّها للظَّاهِر (٢): [من الكامل]
انْظُر إلى حَظِّ ابن شِبْلٍ في الهَوَى … إذ لا يَزَالُ لكُلِّ قَلْبٍ شَائِقَا
شَغَل النِّسَاءَ عن الرِّجالِ وطَالَما … شَغَل الرِّجال عن النِّسَاء مُرْاهِقَا
عَشِقُوهُ أَمْرَدَ فالتحَى فعَشِقْنَه … اللهُ أكْبَرُ ليس يَعْدَمُ عَاشِقا
ومن شِعْره المُسْتَحْسَن يَصِفُ قَوْس قُزَح: [من المتقارب]
ألسْتَ نَرَى الجَوَّ مُسْتَعْبِرًا … يُضَاحِكُهُ بَرْقُهُ الخُلَّبُ
وقد لَاحَ مِن قزَحٍ قَوسُهُ … بَعِيدًا وتَحسبُهُ يقرُبُ
كطَاقَي عَقِيقٍ وفيْرُوزجٍ … وبينَهُما آخَرٌ مُذْهَبُ
стр. 5348
وقال في الأَمِير سَيْف الدَّوْلَةِ عليّ بن عَبْد الله بن حَمْدَان: [من البسيط]
وحَاجةٍ قيلَ لي نَبِّهْ لها عُمْرًا … ونَمْ فقُلْتُ عَليٌّ قد تَنَبَّهَ لي
حَسْبِي عَليَّان إنْ نابَ الزَّمانُ وإِن … جاءَ المعَادُ بها في القَوْلِ والعَمَل
فلى عليُّ بنُ عَبْدِ اللهِ مُنْتَجعُ … ولي عليٌّ أَمِيرُ المُؤْمنِيْنَ وَلي
أنْبَأْنَا عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز اللَّخميِّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفيِّ، قال: أخْبَرَنا المُبارَك بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو القَاسِم عليّ بن المحسِّن بن عليِّ التَّنُوخِيّ، قال: أنْشَدَني أبو النَّجِيْب سِدَاد بن إبْراهيم الجَزَرِيّ المَعْرُوف بالظَّاهِر لنَفْسِه (١): [من الكامل]
أفْسَدْتُم نَظَري عليَّ فما أَرَى … مُذْ غِبْتُم حَسَنًا إلى أنْ تقْدَمُوا
فدَعُوا غَرَامي ليسَ يُمكنُ أنْ تَرى … عَن الرِّضَا والسُّخْط أحْسَنَ منكم
أنْبَأْنَا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مَحْمُّود بن النَّجَّار، قال في تَارِيْخهِ (٢): سِدَاد بن إبْراهيم، أبو النَّجيْب الجَزَرِيُّ المُلقَّبُ بالظَّاهِر، شَاعِرٌ مَلِيح الشِّعْر، قَدِمَ بَغْدَاد ومَدَح بها أبا مُحَمَّد المُهَلَّبيِّ، وَزِير مُعِزّ الدَّولَة أحْمَد بن بُوَيْه، ومَدح عَضُد الدَّوْلَة أيضًا، رَوَى عنهُ أبو القَاسِم عليّ بن المحسِّن التَّنُوخيِّ، وأبو عليّ مُحَمَّد بن وِشَاح الزَّيْنَبيِّ، ورَأيْتُ اسْمَهُ مُقَيَّدًا بالسِّيْن المُهْملَة بخَطِّ أبي الحُسَين هِلِّل بن المحسِّن بن الصَّابيِّ الكَاتِب.
قال ابنُ النَّجَّار: قَرأتُ في كتاب أبي نَصْر أحْمَد بن عَبْد الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن ثَابِت الثَّابِتيِّ الفَقِيه بخَطِّه، قال: أنْشَدَني أبو النَّجِيْب شَدَّاد بن إبْراهيم الظَّاهر بمَدِينَة السَّلام؛ يعني لنَفْسِه: [من الكامل]
لا تَسْألنَّ عن الخلَيْطِ المنْزِلا … في العَقْلِ ما يَنْهاكَ عن أنْ تَسْألا
стр. 5349
كم مَعْقِلٍ في شَطِّ رَيْحانٍ عَفَا … فرَمَيْتُ بالإعْرَاضِ ذاكَ المَعْقِلَا
وطَوَيتُهُ حتّى كأنِّي لَم أكُن … من سَاكِنيهِ مُشَيِّعًا مُسْتَقْبِلا
قال ابنُ النَّجّار: وذَكَرَ قَصيدَةً طَوِيلَةً في الرّدِّ على أبي حَنِيْفَة ﵁. هكَذا رَأيْتُه مُقَيَّدًا بخَطِّ الثّابِتّي. شَدَّاد، بفَتْح الشِّيْن المعجَمة وتَشْدِيْد الدَّال، فاللهُ أعْلَمُ بالصّوَاب.
سِرَاجُ بن إِدْرِيس بن عِيسَى الحَلَبِيُّ
شَاعِرٌ كَتَبَ عنهُ رَفِيْقنا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن يُوسُف البِرْزَاليّ.
نَقَلْتُ من خَطّ أبي عَبْد اللّه البِرْزَاليّ، وأجَازَ لنا رِوَايَةَ مما يَجُوز له رِوَايته، في السَّنَة تُوفِّي فيها: أنْشَدَني سِرَاجُ بن إِدْرِيس بن عِيسَى الحَلَبيُّ الأصْلِ الشّافِعيّ، مَوْلده سَنَة اثنتَيْن وثَمانين بحَلَب، وتَأدَّبَ بها، قَرأ القُرآن على الحاجّ عليّ اليَمَنِيّ، وعلى العَلَم اللُّورْقِيّ النَّحْو، والفِقْه على شَمْسِ الدِّين مُحَمَّد الجَزَرِيّ: [من الوافر]
أمِيْنَ الدِّيِن لَم تُرْقَ المَعَالِي … برَافعَةٍ أجَلَّ مِنَ السَّخَاءِ
ومِن أدَبٍ تُراضِعُني وَلَاهُ … فما أحْلَى مُرَاضَعَةَ الوَلَاءِ
وأبْعُدُ عنه خَوْفُ ندَىً جَمِيلٍ … لِعَجْزي عن مُلَاحَظةِ الوَفَاءِ
وفي الإفْرَاطِ بالإحْسَانِ شَرّ … يَرَاهُ أُولُو العُقُولِ منَ العَنَاءِ
وها أنا قد أشَرْتُ ومِن بَعيْدٍ … يُشَارُ إلى الكَوَاكِبِ في السَّماءِ
ومَنْ تَرَك الهُدَى بالنَّجْمِ ضلَّتْ … رَكائبُهُ عن السُّبُل السَّوَاءِ
стр. 5350
سُرَاقَة بن عبد الرَّحْمن (١)
كان أمِيْرًا على الثُّغُور الشَّامِيَّةِ.
ذَكَرَهُ الحافِظ أبو القَاسِم، بما أخْبَرَنا بهِ ابنُ أخيه، أبو الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحسَن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا عَمِّي (٢)، قال: سُرَاقَة بن عبد الرَّحْمن، وَجَّهَهُ عَمَرُ بن عَبْد العَزِيْز من دِمَشْق أمِيْرًا على الثُّغُور، بعد خُرُوج مَسْلَمَة بن عَبْدِ المَلِك من القُسْطَنْطِينِيَّة، وذَكَر ذلك في كتَاب غَزْوَة القُسْطَنطيْنيَّة الّذي ذَكَر عن عَبْد اللّه بن سَعيد بن قَيْس الهَمْدانِيّ، وقد تقدَّم ذِكْر إسْنَادِهِ في تَرْجَمَةِ الأصْبَغ بن الأشْعَث الكِنْدِيِّ (٣).
هكذا قال الحافِظُ أبو القَاسِم: وَجَّهَهُ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز أمِيْرًا على الثُّغُور بعد خُرُوج مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك وذَكَرَ ذلك في غَزْوة القُسْطَنْطِينِيَّة، الّذي ذكر عن عَبْدِ اللّه بن سَعيد بن قَيْسِ الهَمْدانِيّ! وغَزْوِة القُسْطَنْطِينِيَّة، الّتى رَوَاها عَبْدُ اللّه بن قَيْس، كانت في زَمن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، أغْزَى ابنَهُ مَسْلَمَةَ إلي القُسْطَنْطِينِيَّة في جَيْشٍ ضَخْم، كان فيهِ البَطَّال، وعَبْد اللّه بن سَعيد الهَمْدانِيّ، وعَرَضَ عليه أنْ يُجْعَلَ فيها أمِيْرًا على هَمْدَان فلَم يَفْعَل، وغَزَا مَسْلَمَةُ هذه الغَزَاة، وعادَ في أيَّام أبيهِ، ولم يكُن لعُمَر بن عَبْد العَزِيْز وِلَايَة على الثُّغُور، والغَزَاةُ الّتي رجَع فيها مَسْلَمَة والخِلَافَة إلى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، هي الغَزَاةُ الّتي أغْزَاه أخُوه سُليْمان بن عَبْد المَلِك، وتُوفِّيَ سُليْمان ومَسْلَمَة مُحَاصِر القُسْطَنْطِينِيَّة، فلمَّا وَلي عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، سَيَّر إِلى مَسْلَمَة وأمْرَهُ بالقفُول فعَادَ من القُسْطَنْطِينِيَّة، وليسَت هذه الغَزَاةُ الغَزْوةَ الّتي روَاها عَبْد اللّه بن سَعِيْد الهَمْدانِيّ، فلا أدْرِي كيف ذَكَرَ الحافِظُ أبو القَاسِم ذلك.
стр. 5351
سَرَايَا بن هِبَةِ الله بن الحَسَن بن أحْمَد بن الطَّاش - وقيل: سَرَايَا بن هِبَةِ اللّه بن الحَسَن بن إبْراهيم - أبو الغَنائِم الحَرَّانيّ (١)
تَاجِرٌ مَشهُورٌ جَوَّال، دَخَلَ بلاد الشَّام ومِصْر واليَمَن والهِنْدَ وخُرَاسَان وجَالَ في البِلاد في تِجَارته، وسَكَن دِمْيَاط بأهْلِهِ، ودَخَلَ حَلَب في طَرِيْقهِ وتِرْدَاده في تِجَارته.
وكان رَاغِبًا في العِلْم وسَمَاع الحَدِيث، سَمِعَ ببَلْخ أبا شُجاع عُمَر بن أبي الحَسَن البِسْطَامِيّ وعُثْمان بن أحْمَد بن الشَّرِيك، ومُحَمَّد بن عُمَر الأَشْهَبّي، وأبي مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ، وبنَيْسَابُور أبا عَبْد اللّه مُحَمَّد بن الفَضْل بن أحْمَد الفَرَاوِيّ، وببَغْدَاد أبا مُحَمَّد رِزْق اللّه بن عَبد الوَهَّاب بن عَبْد العَزِيْز التَّمِيْمِيّ، وبدِمَشْق القَاضِي أبا طَالِب عليّ بن عبد الرَّحْمن بن عِيَاض الصُّوْرِيّ، وبدِمْيَاط الأَمِيرَ مُقَلَّد بن أبي الحَسَن بن مُنْقِذ الشَّيْزَرِيّ، وحَدَّثَ عن أبي مُحَمَّد الحَسَن بن عليِّ بن أبي طَالِب العَلَويّ.
رَوَى عنهُ الحافظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن إبْراهيم السِّلَفِيّ، وسَمعَ منه بالإسْكَنْدَرِيَّة، وتاج الإسْلام أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصور السَّمْعَانيّ، وكَتَبَ عنهُ بنَيْسَابُور.
قَرأتُ بخَطّ الحافِظ أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الأصْبَهَانِيّ، وأخْبَرَنا بهِ إجَازةً عنه أَبو القَاسِم عَبْد اللّه بن الحُسَين بن رَوَاحَة، وعبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل، وغيرهم، قال: أخْبرَني أبو الغَنائِم سَرَايَا بن هِبَة اللّه بن الحَسَن بن الطَّاش الحَرَّانيّ بالإسْكَنْدَرِيَّة، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ بن أبي طَالِب العَلَويّ ببَلْخ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن عليّ الحافِظُ، قال:
стр. 5352
أخْبَرَنا أبو صالِح العَنْبَر بن الطَّيِّب بن مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن العَنْبَر بن صالح بن عَبْدِ اللّه بن مُحَمَّد بن نغوان (a) العَنْبَريّ النَّيْسَابُوريّ، قال: أخْبَرَنا جَدِّي أبو مُحَمَّد يَحْيَى بن مَنْصُور الحاكمِ، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَضْل أحْمَد بن سَلَمَة بن عَبْد اللّه الحافِظُ، قال: حَدَّثَنا إسْحَاق بن إبْراهيم، ومُحَمَّد بن رَافِع، ومُحَمَّدُ بن يَحيى، قال إسْحَاق: أخْبَرَنا، وقال الآخران: حَدّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاق، قال: أخْبَرَنا مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هُرَيْرَة (١)، عن رسُول اللهِ ﷺ ، قال: مَنْ صَلَّى على جنَازة فله قِيْرَاط، ومَنْ انْتَظَرها حتَّى تُوضع في اللَّحْدِ فله قِيْرَاطانِ، والقِيْرَاطان مثل الجَبَلين العَظِيْمَين.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الغَنائِم سَرَايَا بن هِبَةِ اللّه بن الحَسَن الحَرَّانيّ إمْلاءً في مَسْجِد عَقِيل بنيْسَابُور، قال: أنْشَدَني الأَمِير مُقَلَّد بن أبي الحَسَن بن مُنْقِذ الشَّيْزَرِيّ لنَفْسِه بدِمْيَاط: [من البسيط]
لي حُرْمَة الضَّيْفِ والجَارِ القَدِيم ومَنْ … أتاكُمُ وكُهُولُ الحَيِّ أطْفَالُ
واللّهِ لولا قُيُودٌ في قَوَائِمِنا … منَ الجَمِيلِ وفي الأعْنَاقِ أغْلَالُ
لكانَ لي في بِلَادِ اللّه متَّسَعُ … ولِلمُلُوكِ لُبَاناتٌ وأشْغَالُ
قُلتُ: هذه الأبْيَاتُ لحَسَّان بن الحُبَاب، رَوَاها ابن الخَيَّاط عنه، وقد تقدَّمت في تَرْجَمَتِهِ (٢).
стр. 5353
وقال أبو سَعْد: أنْشَدَني سَرَايَا بن هِبَة اللّه الحَرَّانيّ، من أهْل دِمْيَاط، إمْلاءً، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن بن الرَّءَّايين (a) بكَنْبَايتَ من أرْضِ الهِنْد: [من الطويل]
وما وَجْد أعْرَابيَّةٍ قَذَفَتْ بهِ … صُرُوف النَّوَى من حيثُ لَم تك ظنَّتِ
تمنَّت أحَاليبَ اللّقَاحِ وخَيْمَةً … بنَجْدٍ فلَم يُقْضَى لها ما تَمنَّتِ
إذا ذَكَرتْ ماءَ العُذَيْب وطِيْبَهُ … وبرد حَصَاها آخر اللَّيْل أنَّتِ
لها أنَّةٌ عندَ العشَاء وأَنَّة … سُحَيْرًا فلولا انَّتَيْهَا (b) لَجُنِتِ
قال السَّمْعَانيُّ: قال لي سَرَايَا بن هِبَة اللّه: فأجَزْتُها أنا بأبْيَاتٍ من عند نَفْسِي كما جاءت: [من الطويل]
كوَجْدِي إذا ما بتُّ أرْعْى نُجُومهَا … وأطْوِي الفَيَافِي حيثُ ما هِيَ حَلَّتِ
بنَفْسِي أفدِي مَن بها طَابَ مَجْلِسي … وغَابَ سُرُوري حِينَ ما هِيَ وَلَّتِ
فيا رَبّ يا رَحْمانُ تَجْمَعُ بَيْنَنا … وأبْلغْ مُنَايَ قَبْلَ أُدْخلُ حُفْرتي
وأشْكُو إليها ما لَقِيْتُ مِنَ الضَّنَا … ودَمْعِي على الخِدَّين يَجْري لغُرْبتي
قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ السِّلَفِيّ: سَرَايَا هذا وُلد بحَرَّان سَنَة أرْبْعٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة في صَفَر، على ما ذَكَرَهُ لي، ودَخَلَ دِيَار مِصْر في تِجَارةٍ، ثُمَّ أقامَ بدِمْيَاط مُدَّةً، ودَخَلَ على الكِبَر خُرَاسَان، فسَمِعَ ببَلْخ عُمَر بن أبي الحَسَن البِسْطَامِيِّ، وعُثْمان بن أحْمَد بن الشَّرِيك، ومُحَمَّد بن عُمَر الأَشْهَبيّ، وغيرهم، وذَكَرَ لي أنَّهُ سَمعَ أبا مُحَمَّد التَّمِيْمِيّ ببَغْدَاد وآخرين بدِمَشْق، وغيرها من البُلْدان، وكان حَرِيصًا على الحَدِيْثِ سَمَاعِهِ، نَفَعَهُ اللّهُ بذلك، وقد دَخَل الحِجَازَ واليَمَن وبلاد الهِنْد، قَدِمَ علينا الإسْكَنْدَرِيَّة سَنَة أرْبْعٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة في جُمَادَى الأُوْلَى.
стр. 5354
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: سَرَايَا بن هِبَة اللّه بن الحَسَن بن إبْراهيم الحَرَّانيّ أبو الغَنائِم، شَيْخٌ صَالِحٌ من أهْلِ حَرَّان، سَكَنَ دِمْيَاط من أرض مِصْرَ، وهو مُتَودِّدٌ كَثِيْر الرَّغْبَةِ في الخَيْر وسَمَاع الحَدِيْث والعِلْم، وقال لي: سَمِعْتُ ببَغْدَاد من الشَّيْخ أبي مُحَمَّد رِزْق اللّه بن عَبدِ الوَهَّاب بن عَبْدِ العَزِيْز التَّمِيْمِيّ وسِنُّه كان يَحْتَمل ذلك ولكن ما وجَدْنا أصْل سَمَاعه، وسَمِعَ على كِبَر سِنّه، بقراءتي الكَثِيْر بنَيْسَابُور من مُحَمَّد بن الفَضْل بن أحْمَد الصَّاعِدِيّ، ثمّ رَأيتُه ببَغْدَاد في سَنَة أرْبعٍ وثَلَاثين، وسَمِعَ بقراءتي أيضًا بها، وآخر عَهْدِي به أنِّي رَأيتُه بدِمَشْق في سَنَة ستٍّ وثَلاثين عَازِمًا على الرُّجُوع إلى دِيَار مِصْر، وتَجْدِيد العَهْد بأوْلَاده، وكانُوا بدِمْيَاط، وسَمِعَ بقرِاءتي شَيْئًا عن القَاضِي أبي طَالِب عليّ بن عبد الرَّحْمن بن عِيَاض الصُّوْرِيّ بدِمشْق. وكُنْتُ قد علَّقْتُ عنه مُقَطَّعات من الشِّعْر بنَيْسَابُور.
سُرْخَاب بن الحَسَن بن الحُسَين - وقيل: سُرْخَاب بن أبي الغَرِيْب بن يَحْيَى بن الحَسَن - أبو الفَضْل الأُرْمَوِيُّ الشَّافِعيُّ (١)
كان من أهْل أُرْمِيَة، وكان شَافِعيّ المَذْهَب، فَقِيهًا مُتكَلِّمًا مُفْتِيًا، صَحِبَ أبا سَعْد عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن أبي عُصْرُون، وتَفَقَّهَ عليه، وتولَّى التَّدْرِيس بحَلَب بالمَدْرَسَة النُّورِيَّة المُسْنَدة إلى بَني أبي عُصْرُون، وكان يَنُوب فيها عن القَاضِي نَجْم الدِّين عبد الرَّحْمن بن أبي سَعْد، وكان يَتَولَّى تَرْبية أوْلَاده، ويُعَلِّمهم الفِقْه، وكان مُحْتَرمًا بحَلَب عند المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُفَ بن أَيُّوب، إلى أنْ اتَّفَق منه أمْر تغيّر قَلْب السُّلْطان، فَخَرَجَ عن حَلَب في سَنَة خَمْسٍ وستِّمائة.
стр. 5355
وسَمِعَ بحَلَب شَيْخنا أبا الحَسَن عليّ بن أبي بَكْر الهَرَويّ، وكان لي بهِ اجْتِمَاعِ في المَحَافِل، ولا أعْلَمِ أنَّهُ حَدَّث بشيءٍ، ولَم يكُن له اعْتِناء بالحَدِيْث، وكان دمِثَ الأخْلَاق، حَسَنَ المُنَاظَرة والكَلَامِ، إلّا أنّهُ يُؤذي في المُنَاظَرة مَنْ يَتْكَلَّم معه كَثِيْرًا، وتُوفِّيَ ﵀ بإرْبِل سَنَة سَبْعٍ وستِّمائة، وبَلَغَتنا وَفَاته فعُقِدَ له العزَاء بحَلَب، في المَدْرَسَة الّتي كان يُدَرِّس بها، وحَضَر عَزَاهُ الأئمَّةُ والقُضَاة وأعْيَان البَلد.
قرأت مِن خَطِّ أبي البَرَكَات المُبارَك بن أحْمَد بن المُسْتَوفِيّ، في تاريخ إرْبِل (١)، وأجَازهُ لنا، قال: الإمَام سُرخَاب المُدَرِّس، هو أبو الفَضْل سُرْخَاب بن أبي الغَرِيْب بن يَحْيَى بن الحَسَن الأُرْمَوِيّ من أُرْمِيَة، إمامٌ عالِمٌ فَقِيْهٌ على مَذْهَب الشَّافِعيّ، إنْ شَاءَ اللّهُ، أقَامَ بحَلَب مُدَّةً يُدَرِّس بها، وكان سَبَب خُرُوجه منها أنَّهُ كان بمَدْرَسَةٍ فيها بِرْكة ماءٍ فيها سَمَك، فغَسَل الفُقَهَاء يَوْمًا ثِيَابَهم، وألْقُوا ماءَ الصَّابُون في البِرْكة فماتَ السَّمَكُ، فأُخْبِر بذلك، فضَرَبَ الفُقَهَاءَ وأخْرَجَهم، فِبَلغَ ذلك المَلِك الظّاهِر غَازِي بن يُوسُف، فأخْرَجَهُ، ورُدَّ إرْبِل، ونَزَل وهو مرِيض بالمَدْرَسَة المُظَفَّريّة، ورَأيته بها، فلم ير الفُقَهَاءُ والمُدَرِّسُ بها مَقَامه بينهم، فنَقَلُوه إلى دار المَضِيْف (a)، وعادَهُ الفَقِيْر إلى رَحْمَة اللّه أبو سَعيد كَوْكَبُوري بن عليّ بن بُكْتِكِيْن، وأمَرَهُ أنْ يُوْصِي في مالِه، وأنْ يَتَصَدَّق بهِ، فقال: يكُون إنْ شَاءَ اللّهُ، ولَم يُوْصِ بشيءٍ وتُوفِّي، وخلَّفَ جُمْلَةً وخَلَّفَ كُتُبًا، ولَم يكُن له وَارِثٌ، غير أنَّهُ أَعْتَقَ جاريةً وغُلامًا، ووَصَلهُما من مالِه. وتُوفِّيَ في حَادِي عَشر جُمَادَى الآخرة من سَنَة سَبْعٍ وستِّمائة، بإرْبِل بدار الضَّيْف.
стр. 5356
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ سَرِيّ
السَّرِيّ بن أحْمَد بن السَّرِيّ، أبو الحَسَن الكِنْدِيُّ المَعْرُوف بالرَّفَّاء المَوْصِليِّ (١)
شَاعِر مُجِيْد، حَسَنُ اللَّفْظ، حُلْو المَعَاني، قَدِمَ حلَبَ، ومَدَحَ بها الأَمِير سَيْف الدّوْلَة أبا الحَسَن عليّ بن عَبْد اللهِ بن حَمْدَان في سَنَة خَمْسٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة، وسَمِعَ منه بها شَيئًا من شِعْره أبو بَكْر مُحَمَّد بن العبَّاس الخُوارَزْميِّ، وأبو الحَسَن الحَلَبِيّ، ورَويا عنه، ورَوَى عنهُ أيضًا أبو عليّ أحْمَدُ بن عليّ المَدَائِنِيّ المَعْرُوف بالهَائِم، والحُسَين بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الخالِع، وأبو عليّ المُحَسِّن بن عليّ بن مُحَمَّد التَّنُوخِيّ، وأبو الحَسَن أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الصَّلْت المُجْبرُ، ونَصْر بن أحْمَد بن يَعْقُوب، وأبو إسْحَاقَ إبْراهيم بن هِلِّل الصَّابِئ، وابنه أبو عليّ المُحَسِّن بن إبْراهيم الصَّابِئ.
وجَمَعَ كِتَابًا سَمَّاهُ المُحِبُّ والمَحْبُوب والمَأكُول والمَشْرُوب (٢)، وهو مَجْمُوعٌ حَسَنٌ.
وبَلَغَني أنَّهُ لمَّا قَدِمَ حلَبَ، قَاصِدًا سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، وَقَفَ على بابهِ
стр. 5357
يَلْتَمس الوُصُول إليه، وعلى بابهِ جَمَاعَة من الشُّعرَاء، قد كَتَبُوا إليه رُقْعَةً، يَسْألونَهُ فيها أنْ يَسْمَع أشْعَارَهُم، فوَقَّع فيها: أنتُم غُثَاءً! فقال السَّرِيّ وأنْفَذَها إلى سَيْف الدَّوْلَة (١):
هذا اليَقِيْنُ المَحْضُ لا التَّوَهُّمُ
هُمُ غُثَا احْوَى ولَسْتُ منهُمُ
وللقَوَافي مَجْهَلٌ ومَعلَمُ
وهُنَّ إمَّا صَارِمٌ أو لَهْذَمُ
تكَادُ تَجْري مِن حَوَاشيْهِ الدّمُ
وأنْتَ بالجُوْدِ لها مُسْتَلئمُ
إذْ كُلُّ مَن همت بهِ مُسْتَسْلِمُ
يا ابنَ أبي الهَيْجَاء أنْتَ العَلَمُ
أنَافَ حتَّى كلَّلَتهُ الأنْجُمُ
مِنَ الغَمَام الجوْدِ أنْتَ أكْرَمُ
وما الظُّبَى عَزْمُكَ منها أَصْرَمُ
الشِّعْرُ كالحَلْي وأنْتَ مِعْصَمُ
مِنهُ الجَنَى الحُلْوُ ومِنهُ العَلْقَمُ
لا يَسْتَوِي فَصِيْحُهُ والأعْجَمُ
يَوْمًا ولا دِيْنارُهُ والدِّرْهَمُ
فدَعَاهُ دُوْنَهُم وسَمِعَ منه.
أخْبرَني أبو الدُّرّ يَاقُوت بن عَبْدِ الله الحَمَوِيُّ، قال: نَقَلْتُ من خَطِّ أبي عليّ المُحَسِّن بن إبْراهيم الصَّابِئ: سَمِعْتُ السَّرِيّ بن أحْمَد الشَّاعِر يقُولُ لوَالدِي أبي
стр. 5358
إسْحَاق ونحنُ على شُرْبٍ: أشْتَهيِ يا سَيِّدِي أنْ أَمْلِكَ ألفَ دِرْهَمٍ وأمُوتَ، فقال له: اعْمَلْ قَصِيدَةً طَوِيلَةً تَمْدَح بها الوَزِير، يعني أبا الفَضْل العبَّاس بن الحُسَين الشِّيْرَازيّ، فعَمِل قَصِدَةً طَوِيلَةً مِيْمِيَّةً، فأنْشَدَها وَالدِي الوَزِير، وقال له: هذا شَاعِرً يَشْتَهر شِعْرُه، ويَبْقَى على الأيَّام ذِكْرُه، وله فيك آمَالٌ، وخَاطَبَهُ ونازَلَهُ إلى أنْ أَطْلقَ له ثلاثة آلاف دِرْهَم قِيْمتها مائتا دِيْنار، فقَبَضْتُها أنا، وكان السَّرِيُّ نَازلًا عليَّ وسَاكِنًا معي في دَارِي، ولم أُعْلِمه بحصُولها، فلمَّا اجْتَمَعْنا على الشُّرْب رَسَم لي وَالدِي إحْضَار الكِيْس فأحْضَرُته، فلمَّا رَآه كادَ يَمُوتُ فَرحًا، ولَم يَنَمْ تلك اللَّيْلة سُرُورًا، فلمَّا أصْبَح، أخَذَ الدَّرَاهِم ومَضَى.
وغابَ أيَّامًا ثمّ جاءني، وعليه ثِيَاب جُدَد فَاخِرة، من جُمْلتها عِمَامَةٌ طُوْلُها نحو مائهَ ذِرَاع، ودُرّاعَةً وَاسِعَةُ الأكْمَام، تَنْجَرُّ في الأرْض، وخَلْفَهُ غُلَام أمْرَدُ بثِيَابٍ مثل ثِيَابهِ، فضَحِكْنا ضَحكًا خَرَجْنا فيه عن الحَدِّ، وتُوفِّيَ بعد ذلك بأيَّامٍ يَسِيْرة.
وفي شِدَّة فَاقَة السَّرِيّ وفَقْره قال ما أخْبَرَنا به أبو هاشِم عَبْد المُطّلب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مَحَمَّد بن مَنْصُور السّمْعَانيِّ، ح.
وأخْبَرناهُ أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد كتابةً، قالا: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عُبَيْد الله العُكْبَراوي إجَازةً، قال: أنْشَدَنا أبو الفَضْل عَبْدُ الكَريم بن إسْمَاعِيْل بن عُمَر بن سَنْبك الشَّافِعيّ الفَقِيه الأَزَجِيِّ، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الصَّلْت المُجْبِر، قال: أنْشَدَنا السّرِيّ الرّفَّاء لنَفْسِه (١):
يَكْفِيكَ من جُمْلَةِ (a) أخْبَاري … يُسْرِي في الحُبِّ وإعْسَارِي (b)
стр. 5359
وكانت الإبْرَةُ فيما مَضَى … تَصُون (a) وَجْهِي ثُمَّ أشْعَاري
فأصْبَح الرِّزْقُ بها ضَيِّقًا … كأنَّهُ من ثُقْبها جَارِي
نَقَلْتُ من كتاب المُفَاوَضَة، تأليفُ مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر بخَطِّه، وأخْبَرَنا بهِ إجَازَةً أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ وغيره، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أنْبَأنَا أبو غَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد بن سَهْل بن بِشْرَان النَّحْوِيّ، قال: قَرأ علينا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر الكَاتِبُ، قال: حَدَّثني أبو القَاسِمِ الرَّقِّيّ المُنَجِّم، قال: كان السَّرِيّ بني بن أحْمَد الرَّفَّاء يَوْمًا جالِسًا معنا، في دِهْلِيْز سيْفِ الدّوْلَة، فوُصِفَ له دَعْوةً كان فيها، فقال: وكان فيها هِرِيسْة، بكَسْر الهَاءِ، ثُمَّ أنْشَدَنا قَصِيدَة له أوَّلُها (١):
أأُقْحوانًا أرَتْهُ أَمْ بَرَدًا … غَيْدَاءُ يَهْتَزُّ عِطْفُهَا غَيَدَا
حتَّى قال فيها:
لو وَجَدَتْ للفِرَاقِ ما وَجَدَا … لافتقَدَتْ نَوْمَها كما افْتَقَدا
ثُمَّ خَرَجَ الآذِنُ، فدَخَلنا إلى سَيْف الدَّوْلَة، وتَفاوَضْنا الحَدِيْث، وأنْشَدَهُ الشِّعْرَ السَّرِيُّ، فاسْتَطابَهُ واسْتَحْسَنَهُ، قال: فحلَفَ بعضُ الحاضِريْن - قال: وأظُنُّه الفُصَيْصِيَّ - أنَّ سَرِيًّا السَّاعَة كان يُحَدِّثُنا حَدِيثَ دَعْوَة فقال: وكان فيها هِرِيسْة - بكَسْر الهَاءِ - فقال سَيْفُ الدَّوْلَة: وَيْلكَ، مَنْ يَقُول هِرِيْسة يقُول مثل هذا الشِّعْرِ!؟
وفي هذه الأبْيَات (٢): [من المنسرح]
لا تَلْحُ صَبًّا على صَبَابِتِهِ … إذ وَجَدَ الغَيَّ في الهَوَى رَشَدَا
стр. 5360
فلَم تَزَلْ للفِرَاقِ عَادَتُهُ (a) … تكَدِّرُ (b) المَوْردَ الّذي وَرَدَا
سِرْنا بآمَالنا إلى مَلِكٍ … يُسَرّ بالآملِ الّذي وَفَدَا
مُسْتَيقظ الرَّأي والعَزِيْمَة ما اسْـ … ــتَيْقَظَ طَرْفُ الزَّمانِ أو رَقَدَا
قال أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر وأنْشَدَني له في الكَانُون، ووَجَدْتُ القَصِيدَةَ في سَلامَة بن فَهْدٍ (١):
وأزْهَرَ وَضَّاحٍ يَرُوقُ عُيُونَنا … إذا ما رَمَيْنَاهُ بلَحْظِ النَّوَاظِرِ
له أرْبعٌ تأبَى السُّرَى غيرَ أَنَّها … تُصَافِحُ وَجْهَ الأرْضِ مثلَ الحَوَافِرِ
تُقِلُّ جسُوْمًا بَعْضُها في مُوَرَّدٍ … وسَائرهُا في مثْل صِبْغِ الدَّيَاجِرِ
تُوَاصِلُهُ أيَّامَ للقُرِّ صَوْلَةٌ … وتَهْجرُهُ (c) أيَّامَ لَفْح الهَوَاجِر
أخْبَرَنا أبو هاشِم بن أبي المَعَالِي، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي بَكْر المَرْوَزيّ، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر يَحْيَى بن عبد الرَّحيم المُقْرِئ، وأبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين القُطْنِيّ، وأبو سَعْد عَبْدُ الله بن أسْعَد بن حَيَّان النَّسَائي بنَيْسَابُور، وأبو صالح عَبْدُ المَلِك بن عَبْد الوَاحِدِ بن القُشَيْريّ بالطَّابَرَان في النَّوْبَة الخَامِسَةِ، قالُوا: أنْشَدَنا إسْمَاعِيْلُ بن زَاهِر النُّوقانِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلَمِيّ، قال: أنْشَدَنا نَصْرُ بن أحْمَد بن يَعْقُوب، قال: أنْشَدَني السَّرِيّ بن أحْمَد المَوْصِلِيّ لنَفْسِه (٢):
شَبَابُ المَرْءِ ثَوْبٌ مُسْتَعارُ … وأيَّام الصِّبِي أبَدًا قِصَارُ
طَوَى الدَّهْرُ الجَدِيدَ من التَّصَابي … فلَيْسَ لِمَا طَوَى الدَّهْر انْتِشَارُ