← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

في الرُّبْعِ المَسْكُون سَبْعَة أقْسَام، فسُمِّي كُلّ قسمٍ منها إقْليم، فتكون الأقالِيْم كُلّها سبْعَة، فأمَّا هِرْمِس الأوَّل فقَسَمها قِسْمَة مُسْتَويهً، فَجَعَل الإقليم الرَّابِع في الوَسَط من العُمْران، والسِّتَّة الأقالِيْم تُحيطُ به، وكُلّ إقليم منها سَبْعُمائة فَرْسَخَ في سَبْعمائة فَرْسَخ؛ فالأوَّلُ منها: الهِنْد، والثَّاني: الحِجَاز، والثَّالث: مِصْر والإسْكَنْدَرِيَّة، والرَّابِعُ: بَابلِ، والخامس: الرُّوم، والسَّادِس: يَأْجُوج ومَأْجُوج، والسَّابِع: الصِّيْن. فأمَّا بَطْلَيْمُوس الحَكِيمِ، فقَسَمها بِخَلاف ذلك (١)، وجَعلَهَا على قَدْر بُعْدها عن خَطِّ الاسْتِواء، وقَسَمها سَبعة أقْسام جعلَها في الرُّبْعِ المَسْكُون من الأرْض، كُلّ إقْليم كأنَّه بِسَاطٌ مَفْروشٌ قد مدَّ طُولهُ من الشَّرْق إلى الغَرْب، وعَرْضُهُ من الجَنُوب إلى الشَّمَال، وهي مُختلفَةُ الطُّول والعَرْض، فأطْوَلُها وأعْرَضُها الإقْليم الأوَّل، وأقْصَرها طُولًا وعَرْضًا الإقْليم السَّابِعُ، وأمَّا سَائرِ الأقالِيمْ مُقَسم بينهما من الطُّول والعَرْض. ثمّ ذَكَرَ كُلّ واحدٍ من الأقالِيْم السَبْعَة. وقال في الإقْليم الرَّابِع: الإقْليم الرَّابِع للشَّمْس أطْوَل ما يكون النَّهَارُ في المُدُن الّتي على الخَطَ المُسَمَّى وبَسِيْطه (a) أرْبعَة عَشَر ساعةً ونصفٌ، وبُعْدُ هذا الخطّ من خَطِّ الاسْتِواء ستَّةٌ وثلاثون دَرَجَة، يكُونُ من الأمْيَالِ ألفَي مِيْل وأرْبَعِمائة مِيْل، وسَعَة عَرْضهِ من آخر حُدُودِ الإقْليم الثَّالث إلى أوَّل حَدِّ الخامسِ من الأجْزَاء خَمْسُ دُرج وأرَبع دقائق ونصفٌ، يكون ذلكَ

стр. 562

من الأمْيَالِ ثلاثمائة وثمانيةً وثلاثين مِيْلًا ونصف مِيْل، وابْتَداؤه من الشَّرْق، ويَمُرّ على بلادِ الصِّيْن وجَنُوب بلادِ يَأْجُوج ومَأْجُوِج، ثُمّ يَمُرّ على بلادِ التُّرْك ممَّا يلي الجَنُوبَ والشَّمَال من بلادِ الهِنْد، ثُمّ يَمُرّ على بلادِ بَلْخ، ثُمّ يَمُرّ على شَمال بلادِ كَابُل، ثُمّ يَمُرّ على سِجِسْتَان، ثُمّ يَمُرّ على وَسَط بلاد كَرْمَان وخُرَاسَان، ثُم يَمُرّ على بلاد فَارِس وخُوزسْتان، ثِمّ يَمُرّ على وَسَط بلاد العِرَاق، ثمّ على وَسَطِ ديار بَكْر ورَبيعَة، ثُمّ يَمُرّ على جنوبِ بلَدِ الثَّغْر وشَمَال بَلَد الشَّام، ويَمُرّ على وَسَطِ بَحْر الرُّوم وجزيرة قُبْرُس وجزيرة رُودُس، ويَمُرّ في البَحْر على شَمَال بلَادِ مِصْر والإسْكَنْدَرِيَّة، وشَمال بلاد مماريقي (a) وبلادِ القَادِسِيَّة، وبلاد القَيْرَوان وبلاد طَنْجَة، ويَنْتَهِي إلى بحر المَغْرب، وأكثَرُ هذه المَواضع ألْوانُهم بين السُّمْرَةِ والبَيَاض. وفي هذا الإقْليم من الجِبَال الطِّوَال اثنان وعشرون يَهْرًا (b)، ومن المُدُن المَشْهُورة الكِبَار نحو مائتي مَدِينَةٍ واثني عَشر مَدِينَة، وهذا الإقْليم هو إقليمُ الأنْبِياء والحُكَمَاء، لأنَّهُ وسَطُ الأقالِيْم؛ ثلاثةٌ جَنُوبيَّةُ وثلاثةُ شَمَاليَّةٌ، وهو أيضًا في قِسْمَة النَّيِّر الأعْظَم من بَعْد الإقليْمَين الّلذين عن جَنَبَتِيْهِ -أعْني: الثَّالث والخامِس- وعَدَّ من المُدُن المَشْهُورة في هذا الإقْليم: زِبَطْرَة، مَلَطْيَة، سُمَيْسَاط، بَالِس، مَنْبج، حَلَب، قِنَّسْرِين، المَعَرَّة، المَعَرَّة (c)، كَفَرْ طَاب، شَيْزَر، حَمَاة، فَامِيَة، أَنْطاكِيَة، طَرَسُوس، الكَنِيْسَة السَّوداء، أَذَنَة، المِصِّيْصَة، قُورص، دُلُوْك.

стр. 563

قال: وعَرْضُ هذه البُلْدان جَميعها من ثلاث (a) وثلاثين دَرَجَةً إلى تسع (b) وثلاثين دَرَجَةً. وعدَّ غير هذه المواضع من المُدُن لم أكتبُها لأنَّهُ لا يتَعَلَّق بذِكْرها لي غَرضٌ، وإنَّما غَرَضي منها ما ذَكَرْتُه لأنَّهُ من أعْمَال حَلَب حَرَسَها اللهُ تعالى. وقَرَأتُ في تاريخ المَوْصِل للخَالِديَّيْن أبي بَكْر وأبي عُثْمان (١)، قالا: وأمَّا مَوْقعُها -يعني: المَوْصِل- من الأقالِيْم السَّبْعَة، ففي الإقْليم الرَّابِع، وهو أفْضَل الأقالِيم وأجَلُّها، وذلك أنَّهُ يبتدئُ من المَشْرِق بالصِّيْن فيَمُرّ ببلادِ التُّبَّت ثمّ على خُرَاسَان، ففيه من المُدُن: خُجَنْدَة، وأشْرُوسَنَة، وفَرغَانَة، وسَمَرْقَنْد، وبَلْخ، وبُخَارَى، وهَرَاة، وأبْرَشَهْر، ومَرْوَرُّوذ، ومَرو الشَّاهِجَان، وسَرْخَس، وطَخَارَسْتان، وطُوْس، ونَيْسَابُور، وجُرْجَان، وقُوْمِس، وطَبَرِسْتان، ودُنْبَاوَنْد، والدَّيْلَم، والرَّيّ، وأصْبَهَان، وقُمّ، وهَمَذَان، ونَهَاوَنْد، والدِّينوَر، وحُلْوان، وشَهْرَزُور، وسُرَّ مَنْ رَأى، والمَوْصِل، وبَلَد، ونَصِيبِيْن، وآمِد، ورَأس عَينْ، وقَالِيْقَلا، وشِمْشَاط، وحَرَّان، والرَّقَّة، وقَرْقِيسِيا. ثُمّ يَمُرُّ على شَمالِ الشَّام، ففيه من المُدُن: بَالِس، ومَنْبج، وسُمَيْسَاط، ومَلَطْيَة، وزِبَطْرَة، وحَلَب، وقِنَّسْرِين، وأَنْطاكِيَة، والمِصِّيْصَة، وأطرَابُلُس، وصَيْدَا، وأَذَنَة، وطَرَسُوس، وعَمُّورِيَّة، واللَّاذقِيَّة. ثُمّ يَمُرّ في بَحْر الشَّام على جزيرة قُبْرُس، ورُودُس، وإليها يُنْسَبُ هذا الإقْليم.

стр. 564

ثُمّ يَمُرّ في أرْضِ المَغْرب بالأنْدَلُس وقُرْطُبَة وسَردينة (a) إلى بلاد طَنْجَةَ، ويَنْتَهِي إلى بَحر المَغْرب. وأهُلُ هذا الإقْليم أَصَحُّ هذه الأقالِيْم طِبَاعًا وأتَمُّهُم اعْتدَالًا، وأحْسَنُهم وُجُوهًا وأخْلاقًا. والإقْليم الأوْسطُ هو الّذي فيهِ المَوْصِل أكْثَر الأقالِيْم السَّبْعَة مُدُنًا وعِمَارَةً، وأنَّه واسطَةُ الأقالِيْم، وأطيَبُهَا ماءً، وأعْدَلُها هواءً، وأحْسَنُها أهْلًا، وفيهِ مَغَاصُ الدُّرّ، وفي جِبَالهِ أنواعُ اليَوَاقِيْت والحِجَارَة المُثْمَنة، وجميعُ أصْنافِ الطِّيْب، ولأهْلهِ الصَّنَائِع والُّلطَف والتَّأليف في الرُّخَام، وصُنعْ الرُّخَام وعَمَل الفُسَيْفِسَاء، ونَصْب الطِّلَّسْمات. ومن أهلهِ كان الجبابِرَةُ من المُلُوك، وخِيرة الصَّالِحين، وكُلّ مَدِينَة مُعْتَدلة الهَوَاءَ مَشْهُورة الاسْم فمنهُ، داخلَةٌ فيه. وقال أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أحْمَد الجَيْهَانِيّ في كتابه: والإقْليم الرَّابِع يَبْتدئ من المَشْرِق فيَمُرّ ببلَد التُّبَّت ثمّ على خُرَاسَان، فيكون فيه من المُدُن: فَرْغَانَة، وخُجَنْدَة، وأشْرُوسَنَة، وسَمَرْقَنْد، وبُخَارَى، وبَلْخ، وآمُل، وهَرَاة، ومَرْوِ الرُّوذ، ومَرْو، وسَرْخَس، وطُوْس، ونَيْسابُور، وجُرْجَان، وقُوْمِس، وطَبَرِسْتان، ودُنْبَاوَنْد، وقَزْوِين، والدَّيْلَم، والرَّيّ، وأَصْبَهَان، وقُمّ، وهَمَذَان، ونَهَاوَنْد، والدِّيْنَوَر، وحُلْوان، وشهرَزُور، وسُرَّ مَنْ رَأى، والمَوْصِل، وبَلَد، ونَصِيبِيْن، وآمِد، ورَأس العَيْن، وقَالِيْقَلا، وشِمْشَاط، وحَرَّان، والرَّقَّة، وقَرْقِيسِيا.

стр. 565

ويَمُرّ على شمال الشَّام ففيه من المُدُن هناك: بَالِس، ومَنْبج، وسُمَيْسَاط، ومَلَطْيَة، وزِبَطْرَة، وحَلَب، وقِنَّسْرِيْن، وأَنْطاكِيَة، وأطْرَابُلُس، والمِصِّيْصَة، والكَنِيْسَة السَّوداء، وأَذَنَة، وطَرَسُوس، وعَمُّورِيَّة، ولَاذِقِيَّة. ثُمّ يَمُرّ في بَحْر الشَّام على جزيرة قُبرُس، ورُوْدُس. ثُمّ يَمُرُّ في أرْض المَغْرب على بلادِ طَنْجَة، وينْتَهِي إلى بلاد المَغْرب. قال: والإقْليم الرَّابِع وسَطُهُ حيثُ يكُون طُولُ النَّهَارِ الأطْوَل أرْبَع عَشرة سَاعةً ونصف سَاعة، وارْتفاع القُطْب ستَّةً وثلاثين جُزءًا وخُمْسِ جُزءٍ، وعَرْضُهُ من حَدِّ الإقْليم الثَّالث إلى حيثُ يكُون طُول النَّهَار الأطْول أرْبَع عَشرة سَاعةً ونصف ورُبْع سَاعة، وارْتفاع القُطْب تسعَةً وثلاثين جُزءًا، وهو مَسافَةُ ثلاثمائة مِيْلٍ. أنْبَأنَا الخَطِيبَان أبو البَرَكَات سَعيد وأبو الفَضْل عَبْد الوَاحِد ابنا هاشِم بن أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد الأسَدِيّان، قالا: كَتَبَ إلينا الحاَفِظ أبو طَاهِر بن مُحمَّد الأصْبَهَانِيّ أنَّ أحْمَد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ أنْبأَهُم، قال: أُخْبرتُ عن أبي الحُسَيْن ابن المُنَادِيّ، قال: والإقْليم الرَّابع وسَطُهُ حيثُ يكُون طول النَّهَار الأطْول أرْبَع عَشرة سَاعةً ونصف سَاعةٍ، وارْتفاع القُطْب ستَّةً وثلاثين جُزْءًا وخُمْسِ جُزْءٍ، وعَرْضُهُ من حَدِّ الإقْليم الثَّالث إلى حيثُ يَكون طُول النَّهَارِ الأطْوَل أرْبَع عَشرة سَاعةً ونصفَ ورُبْع ساعَة، وارتفاع القُطْب تِسْعَةً وثلاثين جُزْءًا، وهو مَسافَةُ ثلاثمائة مِيْلٍ. قال: والإقْليم الرَّابِع يَبْتَدئ من المَشْرِق فيَمُرّ ببلادِ التُّبَّت ثمّ على خُرَاسَان، وفيهِ من المُدُن هُنالك: خُجَنْدَة، وأشْرُوسَنَة، وفَرْغَانَة، وَسَمَرْقَنْد، وبَلْخ، وبُخَارَى،

стр. 566

وآمُوية (a)، ومَرُّوذ، ومَرْو، وسَرْخَس، وطُوْس، ونَيْسَابُور، وجُرْجَان، وقُوْمِس، وطَبَرِسْتان، ودُنباوَنْد، وقَزْوِين، والدَّيْلَم، والرَّيّ، وأصْبَهَان، وقُمّ، وهَمَذَان، ونَهَاوَنْد، والدِّينوَر، وحُلْوَان، وشَهرَزُور، وسُرَّ مَنْ رَأى، والمَوْصِل، وبَلَد، ونَصِيبِيْن، وآمِد، ورَأسْعَين (b)، وقَالِيْقَلا، وشِمْشَاط، وحَرَّان، والرَّقَّة، وقَرْقِيسِيا. ثُمّ يَمُرّ على شَمَال الشَّام وفيهِ من المُدُن هُنالكَ: بَالِس، ومَنْبج، وسُمَيْسَاط، ومَلَطْيَة، وزِبَطْرَة، وحَلَب، وقِنَّسْريْن، وأَنْطاكِيَة، وطَرابُلُس، والمِصِّيْصَة، وصَيْدَا، والكَنِيْسَة السَّوْداء، وأَذَنَة، وطَرَسُوس، وعَمُّورِيَّة، ولَاذِقِيَّة (١). ثُمّ يَمُرّ في بَحْرِ الشّام على جزيرة قُبْرُس، ورُوْدُس. ثُمّ يَمُرُّ في أرْض المَغْرب على بلادِ طَنْجَة، وينْتَهِي إلى بلاد المَغْرب، وَذَكَرَ الحِيَارِ من الإقْليم الثَّالث. أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الشَّافِعِيِّ بدِمَشق، قال: أخْبَرَنا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَةِ الله الشَّافِعِيِّ الحافِظُ (٢)، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِمِ عليّ بن إبْرَاهِيْم الحُسَيْنِيّ، وأبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مَنْصُور المَالِكِيُّ، وأبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن عَبْد الوَاحِد بن زُرَيْق، ح.

стр. 567

وأنْبَأنَاه إجَازَةً عاليًا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور بن زُريق، قالوا: قال لنا أبو بَكْر أحمدُ بن عِليّ بن ثَابِت الحَافِظ (١): ذَكَر عُلَماءُ الأوَائِل أنَّ أقاليم الأرْض سَبْعةٌ، وأنَّ الهِنْد رسَمَتها فَجَعَلَتْ صِفَةَ الأقالِيْم كأنَّها حَلقة مُستَديرةٌ تَكْتَنِفُها ستُّ دَوَائر على هذه الصِّفة: | فالدَّائرةُ الوُسْطَى هي إقليم بَابِل، والدَّوائر السِّتّ المُحْدقة بالدَّائرة الوُسْطَى كُلُّ دائرة منها إقليمٌ من الأقالِيْم السِّتَّة. فالإقْليمُ الأوَّل منها: إقليم بلَاد الهِنْد. والإقْليم الثَّاني: إقليمُ الحِجَاز. والإقْليمُ الثَّالثُ: إقليم مِصْر. والإقْليمُ الرَّابِعُ: إقليم بَابِل؛ وهو المُمَثَّلُ بالدَّائرةِ الوُسْطَى الّتي اكتَنَفَتْها سَائرُ الدَّوائر، وهو أوْسَطُ الأقالِيْم وأعْمَرها، وفيه جَزيرة العَرَب، وفيهِ العِرَاقُ الّذي هو سُرَّةُ الدُّنْيا، وحَدُّ هذا الإقْليم ممَّا يلي أرضَ الحِجَاز وأرضِ نَجْدٍ الثَّعْلَبِيَّة من طريق مَكَّة، وحَدُّه ممَّا يلي الشَّام وراء مَدِينَة نَصِيبِيْن من ديار رَبِيْعَة بثلاثة عَشر فَرْسَخًا، وحَدُّهُ ممَّا يلي أرْض خُرَاسَان وراء نَهْر بَلْخ، وحَدُّه ممَّا يلي الهِنْد خلف الدَّيْبُل بِستَّة فَرَاسِخ، وبَغْدَاد في وَسَط هذا الإقْليم. والإقْليم الخاَمِس: بلاد الرُّوم والشَّام. والإقْليم السَّادِس: بلاد التُّرْك، والإقْليم السَّابِع: بلاد الصِّيْن.

стр. 568

وهذا الّذي ذَكَرَهُ الخَطِيبُ، من أنَّ الإقْليم الخامِس بلاد الرُّوم والشَّام، وَهْمٌ فاحشٌ لأنَّ البِلَاد الشَّمَاليَّة من الشَّام وهي الّتي حَكَينا فيها عن الخَالِديّين والجَيْهَانِيّ وأبي الحُسَيْن بن المُنَادِيّ، وعن الرِّسَالَة التي ذكَرْنَاها في أوَّل الباب مَا حَكَيْناهُ، اتَّفَقُوا كُلّهم على أَنَّها من الإقْليم الرَّابِع، وما عَدَا هذه البِلاد من بلاد الشَّام -وهي الأكْثَر- هي من الإقْليم الثَّالث، فكيفَ يَجْعَل الشَّام جميعَهُ من بلَادِ الإقْليم الخامِس ولم يذهَبْ أحَدٌ إلى ذلك، وإنَّما أوْرَدنا قَوْلَهُ لوصْفه الإقْليم الرَّابِع لكونه أوْسَط الأقالِيْم وأعْمَرَها. واللهُ الموفِّق للصَّواب. بابُ ما جاءَ في صِحَّةِ تُرْبَة حَلَب، وهَوَائها، واعْتِدَالِ مِزَاجها، وخِفَّة مائها اعْلَم أنَّ هَواءَ حَلَب الغَرْبيّ يُنْعِشُ الأنْفُسَ ويُحْييها، ويُرَبِّي الأجْسَامَ ويُغَذِّيْها، ويُؤثِّرُ في الأجْسادِ كتأْثيرهِ في الزُّرُوع بعدَ الفَسَاد، فإنَّ الزَّرْع بها قد يَذْبُل ويَبُور، فيَخْضَرُّ عندما تَهبُّ عليه الدَّبُور، ومياهُهَا بالرِّقَّةِ والخِفَّة مَوْصُوفَة، وتُرْبَتُها بقلَّةِ العُفُوناتِ مَشهُورةٌ مَعْرُوفةٌ، وهذه الأسْبابُ مُوْجِبَةٌ للصِّحَّة والاعْتِدال، مُؤثِّرةٌ في دَفْعِ الأسْقَام والأعْلَال. وما أحْسَن ما وصفَها عَبْد المَلِك بن صَالح، وجَمعَ في أوْجَز كلام ما فيها وفي بلادهَا من المَدَائح، وقد قيل له يَوْمًا: يا أبا عَبْد الرَّحْمن، ما أحْسَنَ بلادَكُم! فقال: وكيف لا تَكُون كذلك، وهي تُرْبَةٌ حَمراءُ، وسُنبلةٌ صَفْراءُ، وشَجَرةٌ خَضْراءُ، فيافي فُيَّح، وجِبَالٌ وُضَّح (١).

стр. 569

وسَمِعْتُ الحَكِيم الصَّفِيّ سُلَيمان بن يَعْقُوب بن سَعيد البَغْدادِيّ بقيصَريَّة (١) من بَلَد الرُّوم يقول لي: ذَكَر أَرُسْطَاطَالِس في كتاب الكيان (٢) أنَّهُ لَمَّا أَتَى مع الإسْكَنْدَر لقَصْدِ دَارَا المَلِك ومُقاتَلَته (٣)، وَصَل معهُ إلى حَلَب -وكانت تُسَمَّى باليُونانيَّةِ: بِيْرُواءَ- فتحقَّق حالَ تُرْبَتِها، وصِحَّة هَوَائها، فاسْتَأْذن الإسْكَنْدَر في المَقَام بها، وقال: إنَّ لي بها (a) مَرَضًا باطنًا، وهَوَاءُ هذه البَلْدَة مُوَافقٌ لشِفَائيّ، فأقَام بها، فَزَال ما كانَ به من المَرَض. وقد اتَّبَعَهُ الإسْكَنْدَر بعدَ ذلك فيما اعتَمده من فعالهِ، وسَلَك طريقَهُ الّذي سَلكَهُ ونَسَج على منواله، فإنَّ الشَّيْخ أبا مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الفَقِيه الدِّمَشْقِيّ أخْبَرَنَا بها، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن ابن هِبَة الله الشَّافِعِيُّ (٤)، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم الفَقِيه، قال: أخْبَرَنَا أبو الفَتْح نَصْر بن إبْرَاهِيْم المَقْدِسِيِّ، وأبو مُحمَّد عَبْدُ الله بن عَبد الرَّزَّاق بن فُضَيْل، قالا: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن مُحمَّد بن عَوْف بن أحْمَد بن عَوْف، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ الحَسَنُ بن مُنِير، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن خُرَيْم، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا غَالِبُ بن غَزْوَان الثَّقَفِيّ، قال: حَدَّثَنَا صَدَقَة بن يَزِيد الخُرَاسَانيّ، عَمَّن

стр. 570

حدَّثَهُ، قال: لمَّا أتَى ذُو القَرْنَيْن العِرَاقَ، اسْتَنْكَر قَلْبَهُ، فبَعَثَ إلى تُرَاب الشَّام فأُتِي بهِ، فجَلَسَ عليه، فرجعَ إليهِ ما كان يَعْرفُ من نَفْسه. ولا أشُكُّ أنَّ التُّراب الّذي أُحْضر إليهِ، من تُرَاب حَلَب أو بعض عَمَلها، لِمَا ذَكَرناهُ من فِعْل أَرُسْطُو، ولِمَا بَيَنَّاهُ في الباب المُتَقدِّم من أنَّ الإقْليم الرَّابِع وَاسِطة الأقاليِمْ، وأطيَبُها ماءً، وأعْدَلُها هَواءً، وأحْسَنُها أهْلًا، وأصَحُّها طِباعًا، وليس في بلادِ الشَّام من الإقْليم الرَّابِع غير حَلَب وأعْمَالها. وقَرَأتُ بخَطِّ الحَافِظ أبي نَصْر بن فُتُوح الحُمَيْدِيّ، قال: ووَقَع طَاعُون ووَباء بالشَّام، فَأرادَ الوَلِيدُ أنْ يخرُجَ إلى حَلَب فيُقِيم بها، فقال لَهُ رَجُلٌ يا أَمِير المُؤمِنِين، إنَّ الله يقول: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)، فقال له الوَلِيدُ: فذلك القليلَ أُرِيْدُ. قُلْتُ: وقد كان جَمَاعَةٌ من بني أُمَيَّة اخْتارُوِا المَقَام بناحيةِ حَلَب، وآثَرُوها عِلى دِمَشْق، مع طِيْب دِمَشْق وحُسْنها، وكَوْنها وطَنَهُم، ولا يَرْغَب الإنْسَان عن وطَنه إلَّا بما هو أفْضَل منهُ، فمنهم هِشَام بن عَبْد المَلِك، انْتقَل إلى الرُّصَافَة، وسَكَنها واتَّخذها مَنْزِلًا لصِحَّة تُرْبَتها، واخْتار المَقَام بها على دِمشْق، ومنهم عُمَر ابن عَبْد العَزِيْز ﵀، أقام بخُنَاصِرَة واتَّخذها لهُ مَنْزِلًا، ومنهمِ مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك، سَكَنَ بالنَّاعُورَة، وابْتَنَى بها قَصْرًا، وبناهُ بالحَجَر الصَّلْد الأَسْود، وبقي ولدَهُ به بعْدَهُ، وكان صالح بن عليّ بن عَبْد الله بن عَبَّاسٍ قد وَلي الشَّام جميعَهُ، فاخْتارَ حَلَب لمَقَامهِ، وابْتَنى له بِظَاهِرها قَصْر بُطْياس، وهو من غَرْبيّ النَّيْرَب (٢) وشَماليّه، ووُلِدَ لهُ بهِ عامَّة أولادِه.

стр. 571

كُلُّ هذا لمَا اخْتُصَّتْ به هذه البِلاد من الصِّحَّة والاعْتدال، وكذلك الحَصَانَة؛ فإنَّني قَرَأتُ في كتاب نَسَب بني العبَّاس، تأليف أبي مُوسَى هارُون بن مُحمَّد بن إسْحَاق بن مُوسَى بن عِيسَى بن موسَى بن مُحمَّد بن عليّ بن عَبْد الله بن عَبَّاس (١): أنَّ إبْرَاهِيمْ بن صالح بن عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس لمَّا مات، وكان أولاده بفِلَسْطين قال: فأمَرَ الرَّشيدُ عَبْد المَلِك بن صالح بحَمْل ولدِ إبْرَاهِيمْ جميعًا من فِلَسْطين إلي حَلَب من مال أَمِير المُؤمِنِين، لاجْتماعَ ولد صَالح بن عليٍّ بها، ولأنَّها حَصِيْنَةُ مَنِيعةٌ، وأنْ يُجْري عليهم من الأرْزَاق ما أمَر به لهم، فحملَهُم عَبْدُ المَلِك بن صالح جميعًا من فِلَسْطين إلى حَلَب، فلم يَزَالُوا بها إلى أنْ تُوُفِّي الرَّشِيد، ثمّ افْتَرقُوا. وأمَّا غير هؤلاءَ من المُلُوك العِظَام؛ أرْباب المَمالِك الوَاسعَة، والبِلَاد الشَّاسِعَة، الّذين تَرَكُوا سَائر بلادهم، واخْتاروا المَقَام بحَلَب قَرَارًا، وجَعَلُوها مَسْكَنًا لهم ودَارًا، فأكْثَر من أنْ يُحْصَوْنَ، وهذا هِرَقْل، على سَعة مملكته واسْتِيلائهِ على بلاد الرُّوم وبلاد الشَّام جميعها، اخْتَار المَقَام بأَنْطاكِيَة، وكان كما ذَكَرنا عنه أنَّه كُلَّما حَجَّ بَيتَ المَقْدِس، خَلَّف سُورْيَة - وهي شام حَلَب وقِنَّسْرِيْن وعَمَلهما - وطَعَن في أرْض الرُّوم، الْتَفَتَ إلا فقال: عليك السَّلام يا سُوِرْيَة، تَسْليم مُوَدّع ولم يَقْض منكِ وَطَرَهُ، وهو عَائد. ولمَّا فُتِحَتْ قِنَّسْرِيْن، وسِار نحو القُسْطَنْطِينِيَّة الْتَفَتَ وقال: عليكِ السَّلام يا سُورْيَةُ، سَلامُ لا اجْتماع بعدَهُ.

стр. 572

بَابٌ في ذِكْر ما وَرَدَ من الكِتَابةِ القَدِيْمَة على الأحْجَار بحَلَب، وعَمَلها، وما أشْبَه ذلك قد ذَكَرْنا في أوَّل كتابنا هذا، ما حَكَاهُ أبو أُسامَةَ الخَطِيب بحَلَب (١)، أنَّ أباهُ حَدَّثَهُ أنَّهُ حَضَرَ مع أبي الصَّقْر القَبِيْصِيّ ومعهما رَجُل يَقْرأُ باليُونانِيَّة، فنَسَخُوا كتابةً كانت على القَنْطَرَة الّتي على باب أَنْطاكِيَة، قال: ونُسْختُها: بُنِيَتْ هذه المَدِينَة؛ بناها صَاحب المَوْصِل، والطَّالِعُ العَقْرَبُ والمُشْتَري فيهِ، وعُطَارِد يليهِ، وللهِ الحَمْدُ كَثِيْرًا. وذَكَرْنا أنَّ صَاحِب المَوْصِل هو بُلُوكُوس (a) . وقَرَأتُ بِخَطِّ إبْرَاهِيْم بن أحْمَد بن إسْحَاق بن إبْرَاهِيْم بن عَطَاء الله، ممَّا سَمعَهُ على أبي العبَّاس الكِنْدِيّ: قُرئ على أبي العبَّاسِ أحْمَد بن إبْرَاهِيْم الكِنْدِيّ، قال: حَدَّثني أبو مُزَاحِم مُوسَى بن عُبَيْدِ الله بن يَحْيَى بن خَاقَان في رَجب من سنَة تسعَ عَشرة وثَلاثِمائة، قال: حَدَّثني أبو مُحمَّد عَبْدُ اللهِ بن أبي سَعْدٍ الوَرَّاق، قال: حَدَّثني عليُّ بن الحُسَيْن بن هارُون، قال: حَدَّثني أحمدُ بن عَبَّاد، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِك بن قُرَيْب، قال: وُجُدَ حَجَر بقِنَّسْرِيْن مَزْبُور مكتوب فيهِ بالعِبْرَانِيَّة: [من الوافر]

стр. 573

إذا كان الأَميرُ وصَاحِبَاهُ … وقَاضِي الأرْضِ يُدْهن في القَضَاءَ فوَيْلٌ ثمّ وَيْلٌ ثُمّ وَيْلُ … لقاضِي الأرْضِ مِنْ قَاضِي السَّمَاءَ وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللهِ الطَّرَسُوسِيِّ، قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، في كتاب سِيَر الثُّغُور من تألفه، في ذِكْر مَدِينَة طَرَسُوس، قال: وببَاب قَلَمْيَة -يعني: باب طَرَسُوس- حَجَر بحَضْرة دار مُزَاحِم، مدوَّر، لاصِق بالحائط، مَكْتُوب عليهِ باليُونانيَّةِ سُطُور قرأها أحْمدُ بن طُغان السِّنْدِيّ البَيْطَار، فذَكَر أنَّ المكتوبَ عليهِ: الحمدُ للّهِ الوَارث للخَلْقِ بعد فَنَاءِ الدُّنْيا كما غَرَّقنيّ، فإنِّي ابن عمِّ ذي القَرْنَيْن، عِشْتُ أرْبَعمائةِ سنَة وكسرًا، ودُرْتُ الشَّرْقَ والغَرْبَ أطلُبُ دواءً للمَوتِ، مَنْ أرادَ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ فليُصَلِّ في هذا الدَّيْر عند العَمُودِ ركْعَتَيْن، ومَنْ أرادَ صَنْعَةَ العَمَدِ وآلتها فعليهِ بالقَنْطَرَة السَّابِعَة من جِسْر أَذَنَة (a) . أَخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّهِ مُحمَّد بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّمِ بن سَلْمَان الإرْبِلِيِّ، قال: أَخْبَرَتْنَا الكَاتِبةُ شُهْدَة بنتُ أحْمَد بن الفَرَج، قالت: أَخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّهِ الحُسَيْن بنُ أحْمَد ابن مُحمَّد النِّعَالِيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن مُحمَّد بن عُبَيْد اللّهِ بن مُحمَّد بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عُثْمان بن سَعيد بن السَّمَّاك، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن إبْرَاهِيْم الخُتَّلِيّ (١)، قال حَدَّثني أبو عَمْرو عُثْمان بن سَعيد بن يَزِيد الأنْطاكِيّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الهَيْثَم المِصِّيْصِيّ، قال: حَدَّثَنَا تَمَّامُ بن كَثِيْر أبو قُدَامَةَ السَّاحِلِيّ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن شُعيْب بن شَابُور، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ القَاصُّ، قال: أتيتُ أَنْطاكِيَةَ، فإذا أسْوَدُ قد نَبَشَ قَبْرًا فأصَابَ فيه صَفيحَةَ نُحاسٍ، فهِا مَكْتوبٌ بالعِبْرَانيِّة، فأَتَوْا بها

стр. 574

إلى إمام أَنْطاكِيَة، فبَعَثَ إلى رَجُلٍ من اليَهُودِ فقرأَهُ، فإذا فيه: أنا عَوْنُ بن أُرْميا النَّبِيّ، بَعَثَني رَبِّي إلي أَنْطاكيَة أدْعوهُم إلى الإيمان باللّهِ، فأَدْركني فيها أجَليّ، وسَينْبشني أسْوَدُ في زمانِ أُمَّةِ أحمدَ ﷺ . وقعَ إليَّ ببَغْدَاد كتاب من تأليف أحْمَد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الزَّيّات الهَمَذَانِيّ الفَقِيه، فنَقَلْتُ منهُ: حَدَّثَنَا أبو حَمْرو عَبْد العَزِيْز بن مُحمَّد بن الفَضْل، قال: حَدَّثني الفَضْل بن شَخْرف (١)، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللّه بن جُبير، قال: حَدَّثني مُوسَى ابن طَرِيف، عن أبي يَحْيَى، عن إسْمَاعِيْل بن عَيَّاشٍ، قال (٢): كُنْتُ جَالِسًا إلى عَامِل أَنْطاكيَة إذ وردَ عليه كتاب من أبي جَعْفَر بنَبْش القُبُور، فنَبَشُوا في هذا الجَبَل قَبْرًا، فإذا فيه رَجُل اضلاعُهُ تَتَثَنَّى، وعند رأْسهِ لَوْحٌ مَكْتُوبٌ فيه: لَا إلَهَ إِلَّا اللّه مُحمَّد رسُول اللّهِ، أنا عُوْذُ بن سَام بنِ نُوح، بُعِثْتُ إلى أهْل أَنْطاكِيَة فكذَّبُوني وقَتَلُونيّ، ويَنْبشني رَجُل أسْوَدُ أفْرَعُ أصْلعُ، فنظرُوا فإذا الّذي نَبَشَهُ أسْوَد، وكانت عليه عِمامَة فكَشَفُوها، فإذا هو أصْلعُ، ونَزَعُوا خُفَّهُ فإذا هو أفْرَعُ، فقال: اتْرُكُوهُ كما كان. أخْبَرَنَا سُلَيمان بن مُحمَّد بن الفَضْل المَوْصِليّ في كتابهِ، قال: أَخْبَرَنَا أبو القَاسِم ابن السَّمَرْقَنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الإسْمَاعِيْليُّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم السَّهْمِيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو أحْمَد بن عَدِيّ، قال: حَدَّثَنا جَعْفَر بن أحْمَدَ، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن كَثِيْر، قال: حَدَّثَنا ابنُ لَهِيْعَةَ، عن يَزِيد، عن أَبَان بن أبي عَيَّاشٍ، عن

стр. 575

أنَس بن مالِك (١)، قال: قال رسُول الله ﷺ : إنَّهُ وُجد تحت الجِدَار الّذي قال اللّهُ في كتابه: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ (٢) أنَّه كان لَوْحٌ من ذَهَب، والذَّهَبُ لا يَصْدَأُ وِلا يتغيَّر، فيهِ مكْتُوب: بِسْمِ اللّه الرَّحْمن الرَّحِيْمِ، عَجِبْتُ لمَنْ يُؤمِنُ بالمَوْت كيفَ يفرَح، وعَجِبْتُ لمَن يؤمِنُ بالقَدَرِ كيف يحزنُ، وعَجِبْتُ لمَن يُؤْمِنُ بزوَالِ الدُّنْيا وتقلّبها بأهْلها كيفَ يَطْمئن إليها، مُحمَّد رسُول اللّهِ. أخْبَرَنا أبِو عَبْد اللّه مُحمَّد بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم الإرْبِليِّ، قال: أخْبَرَتْنَا الكَاتِبَةُ شُهْدَة بنتُ الإِبرِيّ، قالت: أَخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه النّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحمَّد بن عُبَيْد اللّه (٣) الحِنَّائِيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو عَمْرو بن السَّمَّاك، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن إبْرَاهيم ابن سُنَيْن قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللّه مُحمَّد بن عَمْرو بن الجَرَّاح، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان، عن ابن أبي نَجِيْح، عن مُجَاهِد (٤)، في قَوْله وكاَنَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا قال: صُحُفُ عِلْم. وقال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن سُنَيْن، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَة ابن بَسَّام، عن إسْمَاعِيْل، عن لَيْث، عن مُجَاهِد، قال: كان الكَنْزِ لَوْحًا من ذَهَبٍ في أحَد جانبيه: لا إله إلَّا اللّه الواحِد الصَّمَدُ لم يَلِدْ ولم يُولَدْ ولم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَد (٥)، وكان في الجانب الآخر: عَجَبًا لمَنْ أيقَن بالمَوْت كيف يَفْرح، وعَجَبًا لمَن أيْقَن بالنَّار كيفَ يَضْحك، وعَجَبًا لمَن رَأى الدُّنْيا وتقلّبها بأهْلها ثمّ هو يَطْمئن إليها، عَجَبًا لمَنْ أيْقَن بالحِسَاب غَدًا ثمّ لا يَعْمل. قُلْتُ: وكان الكَنْز المذكُور بأَنْطاكِيَة فيما رُوِيَ عن ابن عَبَّاس ﵁، وقد ذَكَرْنا ذلك في فَضْل أَنْطاكِيَة (٦).

стр. 576

أخْبَرَنا أبو عَليّ حَسَنُ بن أحمَدَ بن يُوسُف، قال: أخْبَرنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحمَّد ابن أحْمَد بن إبْرَاهِيْم، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الطُّرَيْثِيثِيّ، ح. وأخْبَرنا أبو إسْحَاق إبْرَاهِيمِ بن عُثْمان الزَّركَشِيّ البَغْدادِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتح ابن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن خَيْرُون، قال أبو إسْحَاق: وأخْبَرنا أبو المُظَفَّر الكَاغِدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الطُّرَيْثِيثيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر بن دَرَسْتَوَيْه، قال: حَدَّثَنَا يَعْقوبُ بن سُفْيان، قال: حَدَّثتنا هَنَّادَةُ بنْتُ مالِكٍ الشَّيْبَافِيّ، ذكَرَت عن صَاحبها حَمَّاد بن الوَلِيد الثَّقَفِيّ أنَّهُ سَمِعَ جَعْفَر بن مُحَمَّد وهو يَقُول، حين سُئلَ عن كَتْر الغُلَامَيْن اليَتيمَيْن وصَلَاح أبيهما، فقال جَعْفَر إنَّه كان أبوهُما صَالِحًا دونَهُ سَبعَةُ آباءٍ، فحُفِظَ الغُلَامان بصَلَاح أبيهما الأكْبَر، وإنَّما كان الكَنْزُ علم سَطْرين ونصف ولم يَتم الثَّالث، فيه مَكْتُوب: يا عَجَبًا من المَوقن بالمَوْتِ كيفَ يَفْرِح، ويا عَجَبًا من المُوْقن بالرِّزْق كيفَ يَتْعَبُ، ويا عَجَبًا من المُوقن بالحِسَاب كيف يَغْفُلُ. وهذا الكَنْز كان بأَنْطاكِيَة، جاء في التَّفْسِير عن ابن عَبَّاس (١) وغيره ذلك. وفي جَبَل بني عُلَيْم من أعْمَال حَلَب قَرْيَة يُقالُ لها: نَحْلَة، وقريبٌ منها مَقْبرَة علجها كتابة بالرُّومِيّةِ، وبشُاهد النَّاظر عِلى المَقْبَرَة في بعض اللَّيالِي نُورًا سَاطعًا حتَّى إذا قصَدَهُ اخْتَفَى عنهُ النُّور، فلا يَرَى شيئًا، وهذا أمرٌ شَائع ذائع مُسْتفيضٌ، أخْبَرَني جَمَاعَة لا يتصَوّر تَواطؤهُم على الكَذِب أنَّهُم شَاهَدُوهُ. وقال لي صَدِيقُنا بَهَاء الدِّين أبو مُحمَّد الحَسَن بن إبْرَاهِيْم بن الخَشَّاب ﵀: أمَرَ الأَمِير سَيْف الدِّين عليّ بن قِلْج - وكان من أكابر الأمراء بحَلَب، وقد اجْتَمعتُ أنا به ولم أسْأله عن ذلك - بأنْ تُنْقَل تلك الكتابة الرُّومِيَّة، فنُقلت، ودَفَعَها إلى بعض علماءِ الرُّوم، فتَرْجَمها، فكان مَعْناها: هذا النُّور هِبَةٌ من اللّه العَظِيْم لنا، أو ذَكَر كلامًا نحو هذا، وفيهِ زِيَادة عليه.

стр. 577

وحَضَرْتُ بقَلْعَة الرَّاوَنْدَان عند المَلِك الصَّالِح أحْمَد بن المَلِك الظَّاهِر غَازِي ابن يُوسُف بن أَيُّوب، فحَكَى أنَّ عندَهُ ببلَد الرَّاوَنْدَان قَرْيَةً، وأشَارَ بيَده نحو الغَرب، وقال: هي في ذلك المكان، وِأنَّه يشُاهَدُ فيها نُور سَاطِع، إمَّا في ليلةِ الجُمُعَة أو في لَيلة أُخْرى سِوَاها، يخظُر إليهِ منْ كان ضارجًا عن تلك القَرْيَة، حتَّى إذا قَصَدَها ووصَلَ إليها غاب عنه فلم يَرَ شيئًا. قَراتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللّه الطَّرَسُوسِيّ، في كتَاب سِيَر الثُّغُور، قال: وفي البُرْج المَنْسُوب إلى الهُرْي، فَذَكَر أشياء ثمّ قال: وعلى أسْكُفَّتَي الباب العُلْيَاتَيْن (a) حَجَر قد طبَّق المصرَاعَيْن، فيه قبر ذَقْيَانُوس مَلِك أصْحَاب الكَهْف، ذَكَرَ لي جَمَاعَةٌ ثقاتٌ بطَرَسُوس أنَّ يَازْمَار (b) الخاَدِم في ولايتهِ كَشَفَ عنهُ بمِقْدَار ما يُمْكن الوصُول إليهِ، فَوُجِدَ ميِّتًا مُسَجَّىً بأكْفانِهِ مُصَبَّرًا، معه سَيْفٌ إلىِ جَانبهِ، فأمَرَ بالسَّيفِ فأُخِذَ فوُزِنَ فوَجَدُوه أحدَ عشر أُوْقِيَّة بالطَّرَسُوسِيّ الّتي وزْن كُلّ أُوْمِيَّة منها إشان وثلاثون دِرْهَمًا، ورَدَّ ما كان كُشِفَ منهُ إلى صاله. قلتُ: والعَجَبُ أنَّ عَبْد اللّه المأمُون دُفِنَ في بِطانَةِ مِحْرَاب جامعِ طَرَسُوسَ بسلَاحِه، ولمَّا مَلَكَ الدُّمُسْتُق طَرَسُوس، سَقَط مِحْرَاب الجاَمع، وسقَط المأْمُون بسلاحِه، فأخَذَ الدُّمُسْتُق سَيْفه، ورَدَّ الباقي إلى حالِهِ، ورُدَّ إلى مَوضِعِه. وشاهدْتُ في المَدْرَسَة الحَنَفِيَّة المَعْرُوفة بالحَلاويَّة بحَلَب مَذْبجًا من الرُّخَام المَلَكيّ الشَّفَّاف الّذي يُقَرِّب النَّصَارَى عليه القُرْبان، وهو من أحْسَن الرُّخَام صُورةً، إِذا وضعَ تحتَهُ ضَوءٌ بَانَ من وجههِ، فسألْتُ الشَّريف تَاج الدِّين أبا المَعَالِي الفَضْل وَلد

стр. 578

شَيْخنا افْتِخار الدِّين أبي هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ عنهُ، وكان نَشَأ بهذه المَدْرَسَة، ووَلي تَدْريسها بعدَ أبيه، فقال لي: إنَّ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي أحْضَره من أفَامِيَة، ووضعَهُ في هذه المَدْرَسَة، وعليه كتابةٌ باليُونانيَّةِ، فسألتُهُ عنها فذكَرَ لي أنَّهُ حَضَر مَنْ تَرْجَمَهَا، وفيها مَكْتُوب: عُمِلَ هذا للمَلِك دِقْلِطْيَانُوسْ والنَّسْرُ الطَّائر في أربعَة عَشر دَرَجَةً من بُرْج العَقْرَب، قال: فيكُون مِقْدَار ذلك ثلاثة آلاف سنةٍ، واللّهُ أعْلَمُ. قلتُ: وهذا دِقْلِطْيَانُوسْ هو آخر مُلُوك رُوْمِيَة. قيل: إنَّهُ مَلَك عشرين سنَة. وسَمِعْتُ والديّ، ﵀، يقُول لي: إنَّ نُور الدِّين مَحْمُود في زَنْكِي، ﵀، كان يَحْشُو للفُقَهاءِ القَطَائف، ويَمْلَأُ بها هذا الجُرْن الرُّخَام، ويَجْتَمِعُون عليهِ، ويأكُلُوْنَها. بابٌ في ذِكْرِ ما بحَلَب وأعْمالها من المَزَارَاتِ، وقُبُور الأنْبِياء والأوْلِيَاء، والمَواطِن الشَّرِيْفَة، الّتي بها مَظَاّنَ إجَابة الدُّعَاء فأمَّا قلعَةُ حَلَب؛ ففيها مَقامَا إبرَاهِيمِ ﷺ : الأعْلَى والأسْفَل، وقيل: إنَّ إبْرَاهِيم ﵇ كان قد وَضَعِ أثْقالَهُ بتَلِّ القلْعَة، وكان يُقِيمِ بهِ ويَبُثُّ رِعَاءَهُ إلى نَهْر الفُرَاتِ والجَبَل الأَسْود، ويَحْبسُ بعض الرِّعَاء بما معَهُم عندَهُ، ويأمُرُ بحَلْب ما معَهُ، واتِّخاذ الأطْعمة، وتَفْرقتها على الضُّعَفَاء والمَسَاكِين، وقد ذكَرنا ذلكَ مُسْتَقصىً في باب تسْمِيَة حَلَب (١). فأمَّا المَقام التَّحْتَانيّ؛ فكان مَوضِعُهُ كَنيْسَة للنَّصارَى إلى أيَّام بني مِرْدَاسٍ، وقد قال ابنُ بُطْلان في بعض رَسائله (٢) إنَّ فيها كان المَذْبَح الّذي قرَّب عليهِ إبْرَاهِيمُ ﵇، فغُيِّرت بعد ذلك وجُعِلَتْ مَسْجِدًا للمُسْلِمينَ، وجَدَّدَ عِمارَتَهُ

стр. 579

نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، ووَقِفَ عليهِ وَقْفًا حَسَنًا، ورَتَّبَ فيهِ مُدَرِّسًا يُدَرِّسُ الفِقْه على مَذْهَب أبي حَنِيفَة ﵁. وأمَّا المَقام الأعْلَى؛ ففيهِ تُقَام الخُطْبَة بالقَلْعَة، ويُصَلِّي فيه السُّلْطَان الجُمُعَة. وفيه رَأس يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇، مُوْضُوع فِي جُرْن من الرُّخَام في خِزَانَةٍ، ووقَعَ الحَريقُ ليلةً من اللَّيالِي في المَقام المذكور فاحْترقَ جميعُه في سَنَة أرْبَعٍ وسِتِّمائة، ولم يَحْترق الجُرْن المَذْكُور، ودَع اللّهُ النَّار عنهُ. وقَرَأت في تاريخ مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْمِىّ (١)، وأنْبَأنا بهِ شَيْخُنا ابو اليُمْن الكِنْدِيّ عنهُ، قال: في سَنَة خَمْسٍ وثلاثين وأرْبَعِمائة ظَهَرَ ببَعْلَبَك رأسُ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء في حَجَرٍ مَنْقُور، فنُقِلَ إلى حِمْصَ، ثُمّ إلى حَلَب وهو بها إلى الآن. وأخْبرَني أبو الحَسَن عليّ بن أبي بَكْرٍ الهَرَوِيّ، ﵀، قال (٢): بقَلْعَة حَلَب مَقَام إبْرَاهِيم الخلَيْل ﵇، وبه صَنْدُوق فيه قِطْعَة من رَأس يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇، ظَهَرَت سنَة خَمْسٍ وثلاثين وأرْبَعِمائة. وأمَّا ما هُوَ في نَفْسِ المَدِينَة، فنها مَسْجِد الغَضَائِرِيّ، ويُعْرفُ الآن بمَسْجِد شُعَيْب، وهو أوَّل مَسْجِد اخْتَطَّهُ المُسلِمُونَ بحَلَب عند فَتْحها. أنْبَأنَا شَيخُنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، عن مُحمَّد بن عليّ العُظَيْميّ، قال (٣): لمَّا فَتَحَ المُسلِمُون حَلَب، دَخَلُوها من باب أَنْطاكِيَة، ووَقَفُوا دَاخل الباب، وَحَفُّوا حولَهُم بالتِّرَاس، فبُنِيَ في ذلك المكان مَسْجِدٌ وهو المَعْرُوف بالغَضَائِرِيّ.

стр. 580

وأخْبَرَني عَمِّي أبو غَانِم مُحمَّد بن هِبَهَ اللّهِ أنَّ الغَضَائِرِيّ كان يَعْبُد اللّه بالمَسْجِدِ المَعْرُوف بالغَضَائِرِيّ دَاخلِ باب أَنْطاكِيَة، وهو المَعْرُوف الآن بمَسْجِد شُعَيْب، لأنَّ نُور الدِّين وَقَفَ عليهِ وقْفًا، وجُعِلَ فيه الشَّيْخ شُعَيْبًا يُقْرئُ النَّاسَ الفِقْه. وهذا الغَضَائِرِيّ هو أبو الحَسَن علِيّ بن عَبْد الحَمِيْد الغَضَائِرِيّ؛ أحدُ الأوْليَاءِ من أصْحَاب سَرِيّ السَّقَطِيّ، وحَجَّ من حَلَب مَاشِيًا أرْبَعين حِجَّة، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ (١) في مَوضِعَها من كتَابنا هذا إنْ شاءَ اللّهُ. وأمَّا شُعَيْب فهو ابن أبي الحَسَنِ بن حُسَين بن أحْمَد الأنْدَلُسِيِّ الفَقِيهُ، كان من الفُقَهَاءِ الزُّهَّادِ، وكان مَحْمُوِد بن زَنْكِي يَعْتقدُ فيهِ، وكان مُقَيْمًا بهذا المَسْجِد، فوقَفَ على المَسْجِد وَقْفًا، ورَتَّب فيه شُعَيْبًا هذا يَذْكُرَ الدَّرْسَ على مَذْهَب الشَّافِعِيِّ ﵁، فاليوم يُعْرفُ بمَسْجِد شُعَيْب. وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ (٢) إنْ شاءَ اللّهُ تعالَى. ومنها مَسْجِدُ غَوْثٍ داخل باب العِرَاق في المَرْمَى، وفيهِ قِطْعة من عَمُود فيهِ كابة في الحَجَر، يَزْعُمُون أنَّ عليًّا رِضْوَانُ اللّه عليهِ كَتَبَها بسِنَان رُمْحه حين وردَ إلى صِفِّيْن، ويقُولونَ: إنَّ هذا الحَجَر نُقِلَ من الرَّقَّة إلى حَلَبَ. قال لي عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ (٣)، فيما ذَكَرَهُ من الزِّيارَات بحَلَب: وبها دَاخل باب العِرَاق مَسْجِد غَوْث، بهِ حَجَرٌ عليه كتابةٌ، ذَكَروا أَنَّها خَطّ عليّ بن أبي طَالِب ﵇، ولَهُ حِكَايةٌ. قلتُ: وأظُنُّ أنَّ مَسجِد غَوْث هذا مَنْسُوبٌ إلى غَوْث بن سُلَيمان بن زِيَاد قاضىِ مصْر، وكان قَدِمَ مع صالِح بن عليّ بن عَبْد اللّه بن العبَّاس إلى حَلَب، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ (٤) في مَوضِعها من هذا الكتاب إنْ شاءَ اللّهُ تعالَى.

стр. 581

ومنها مَشْهَدُ النُّور، وهو بالقُرْبِ من باب قِنَّسْرِيْن في بُرْج من أسْوار حَلَب؛ فيما بين بُرْج الغَنَم وباب قِنَّسْرِيْن، قال لي عَمِّي أبو غَانِم مُحمَّد بن هِبَة اللّه بن أبي جَرَادَةَ: هذا مَشْهَد النُّور، إنَّما سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهُ رُؤِيِ النُّور يَنْزِلُ عليه مِرارًا؛ قال: وكان ابن أبي نُمَيْر العَابِد يتَعَبَّدُ فيهِ، فاتَّفَق أنْ نَزَلَ مَلِكُ الرُّوم على حَلَب مُحاصِرًا لها، فجاء الحَلَبِيُّون إلى ابن أبىِ نُمَيْر العَابِد، فقالُوا: ادْعُ الله لنا أيُها الشَّيْخ، قال: فسَجَدَ على تُرْسٍ كان عندَهُ، ودَعَا اللّه تَعالَى، وسَأله دَفعْ العَدُوّ عن حَلَب، فرأى مَلِكُ الرُّوم في منامه تلكَ اللَّيْلة قائلًا يقُول له: ارْصَل عن هذه البَلْدَة، وإلَّا هَلَكت، أتَنْزِلُ عليها وفيها السَّاجدُ على التُرْس في ذلك البُرْج، وأشَار إلى البُرْج الّذي فيهِ مَشْهَد النُّوْر، فانْتَبه مَلِكُ الرُّوم، وذَكَرَ المنام لأصْحَابهِ، وصَالَح أهْل حَلَب، وقال: لا أرْحَل حتَّى تُعْلِمُوني مَنْ كان السَّاجِد على التُرْس فِى ذلك البُرْج، فكَشَفُوا عنه، فوصدُوه ابن أبي نُمير، ورَحَل مَلِكُ الرُّوم عن حَلَب. وقال لي الوَزِير الأكْرَم أبو الحَسَن علىِّ بن يُوسُف القَفْطِيّ: مَشْهَد النُّور تَعْتَقِدُ فيه النُّصَيْرِيَّة اعْتِقَادًا عَظِيمًا ويَحُجُّونَ إليهِ. وهذا ابنُ أبي نُمير هو أبو عُبَيْدِ اللّه عبد الرَّزَّاق بن عَبْد السَّلام بن عَبْد الوَاحِد في أبيِ نُمير العَابِد الأسَدِيّ، وكان من الأوْلِيَاء المَشْهُورين بالكَرَامَات، وَسَنَذَكُره في مَوضِعه (١) من هذا الكتاب إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى، وقَبْرُهُ خارج باب قِنَّسْرِيْن، يُزَار وتُنْذَر لَهُ النُّذُور إلى يَومنا هذا، وهو مَدْفُون في تُرْبَة بني أَمِين الدَّوْلَة ابن الرَّعْبَانِيّ، غَرْبيّ قَلْعَة الشَّريف والخَنْدَق. وقيل: إنَّهُ ما سُئل اللّه عنده حاجَة إلَّا قَضَاها. وقال لي أبو بَكْر أحْمَد في عَبْد الرَّحِيْم بن العَجَمِيّ: يُقال لقَبْره سُمّ سَاعَة، لسُرعة الإجابة عندَهُ، يعني: إذا دَعَا الإنْسان عنده على عدُوِّه.

стр. 582

وكان بالقُرْبِ منهُ، من جهة الشَّمَال إلى جانب سُور باب قِنَّسْرِيْن، قَبْر مُشْرِق بن عَبْد اللّه العَابِد الحَنَفِيّ، وكان فَقِيهًا حَنَفيًّا مُنْقَطِعًا في المَسْجِد الجَامِع، وكان قَبْرهُ يُزَار ويُتَبَرَّك به، وزُرْتُهُ مِرارًا مع والدي ﵀، فلمَّا حرَّر المَلِكُ الظَّاهِر خَنادِق حَلَب، ووُضِعِ التُّراب على المَقَابِر حُوِّلَ قَبْر مُشْرِق العَابِد من مَوضِعه، ونُقِلَ إلى سَفْحِ جَبَل جَوْشَن، وشاهدْتُه في المَوضِع الّذي نُقِلَ إليهِ، ولَوْح قَبْره الأوَّل عليه، وَسَنَذْكُره إنْ شَاءَ اللّهُ في مَوضِعه (١). وفي المَسْجِد الجامع في الشَّرْقِيَّة من القِبْليَّةِ في العِضَادة الثَّانيَة المُلاصقَة لصَحْن الجَامِع في شمالي الشَّرْقيَّة مَوضع مُتَعَبَّد مُشْرِق العَابِد المذكور. وأخبَرَني القَاضِي أبو مُحمَّد الحَسَن بن إبْرَاهِيمِ بن الخَشَّاب، قال: كان الخَطِيب أبو الفَضْل عَبْد الوَاحِد بن هاشِم يُصَلِّي بجامع حَلَب في الشَّرْقيَّة، ويتَعَمَّد الصَّلاة في هذا المَوْضِع المذكُور، فسَألتُهُ عن ذلك، فقال: كان أبي هاشِم يُصَلِّي أبدًا هَا هُنا كَثِيْرًا، وأخْبرني أنَّ الشَّيْخ مُشْرِق بن عَبْد اللّه العَابِد كان يُصَلِّي فيه، وأنّه رَأى النَّبِيّ ﷺ في المنام يُصَلِّي ها هُنا. وخَارج المَدِينَة، ممَّا يَلي القِبْلَة، مَقام إبْرَاهِيْم ﷺ فِى الجَبَّانَة، وفي مِحْرَاب المَسْجِد حَجَرٌ قيل إنَّهُ كان يَجْلِسُ عليه، وفي الرّوَاق القِبْليّ الّذي يلي الصَّحْن صَخْرة نابِتَةٌ فيها نُقْرَة؛ قيل: إنَّه كان يَحْلب فيها غَنَمُه، وقد ذكَرنا ذلك فيما تقدّم (٢). وفي المَشْهَد المذكُور في جهة الشَّمَال فيها قَبْر الإمام عَلاء الدِّين أبي بَكْر الكَاسَانِيّ الحَنَفِيّ، أمير كَاسَان، وقَبْر امْرأته فاطِمَة بنت شَيْخِه عَلاء الدّين السَّمَرْقنَدِيّ، وكانا من العُلَمَاء الصَّالِحين، وَسَنَذْكُرهما في هذا الكتاب (٣) إنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 583

وقِبليّ هذا المَشْهَد مَقْبَرَة فيها جَمَاعَة من العُلَمَاءِ الصَّالِحين الأخْيار؛ منهم أحْمد الأُصُولِيّ صَاحب بُرْهَان الدِّين البَلْخِيّ، وسَيأتي ذِكْره (١) إنْ شَاءَ اللّهُ. وقِبْليّ هذه المَقْبَرَة قَبْر أبي الحُسَيْن الزَّاهِد المَقْدِسِيّ، تُنْذَرُ له النُّذُور، والدُّعَاءُ عنده مُسْتَجاب، وله كَرَامَات مَشْهُورة، وكان الفِرِنْج يُعَظِّمُونَهُ، وقيلِ إنَّهُ رُؤيَ وهو راكب الأسَد. وإلى جَانبه قَبْر صَاحبٍ لَهُ من الأوْلِيَاء أيضًا يُقالُ لهُ: زَيْد العَابِد. ومن شَمالي المَشْهَد التُّرْبَة المَعْرُوفة بسَلَفِي من بَني العَدِيْم، فيها جَدّ أبي أبو غَانِم وعَمِّي أبو غَانِم، وكانا من العُبَّادِ الأوْلِيَاء، وفيها قَبْر الحَافِظ أبي بَكْرٍ الجَيَّانِيّ، وسيأتي ذِكْر هؤلاء في هذا الكتاب (٢)، إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. وفي جِهة الشَّمَال من هذه الجَبَّانَة مَشْهَد للخَضِر ﵇؛ قيل: إنَّهُ رُؤيَ فيه، وهو قَدِيمٌ، وعليه وَقْفٌ. ومن شَرْقيّ المَدِينَة، بينها وبين النَّيْرَب، مَشْهَد قَرْنَبِيَّا (٣) على جَبَل صَغِير؛ قيل: إنَّهُ رُؤي النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فيه، فعَمره قَسِيم الدَّولَة آقْ سُنْقُر، ووَقَفَ عليه وَقْفًا.

стр. 584

وخارجِ باب الأرْبَعِين قَبْر بِلال بن رَبَاح مُؤَذِّن النَّبِيّ ﷺ ، ولا يُعْرف مَوضِعِ قَبْره بل نُقِلَ أنَّهُ مات بحَلَب ودُفِنَ بها خارج باب الأرْبَعِين، وَسَنَذكُر ذلك في موضِعه (١)، ونذكُرُ اخْتلافَ النَّاسِ فيه إنْ شَاءَ اللّهُ. وقد شُوْهِدَ النُّور مِرارًا يَنْزل على الجَبَّانَة الّتي خارج باب الأرْبَعِين بالجَبَل. وفي هذا الجَبَّانَة جَمَاعَةٌ من الأوْلِيَاءِ والصَّالِحين منهم: الحَافِظُ أبو الحَسَن عليِّ ابن سُلَيمان المُرَاديّ، أحَدُ الأوْلِيَاء المُكاشَفين، والأُسْتَاذ عَبْد اللّه بن عُلْوَان، والد شَيْخنا الحَافِظ أبي مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن، وشَيْخنا المذكُور. وفيها -في تُرْبَةٍ واحدة- قُبُور جَمَاعَة من الأوْلِيَاء منهم: الشَّيْخُ أبو الحَسَن عليّ بن يُوسُف الفَاسِيّ، والشَّريف الزَّمِن، والشَّيْخُ عَبْد الحَقّ المَغْربِيّ، وشيخ الشُّيُوخ بالمَوْصِل، وسيأتي ذِكْرهُم في هذا الكتاب (٢) إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. وبني جَبَّانَة باب النَّصْر مَشْهَدٌ يُعْرفُ بمَشْهَدِ الدُّعَاءِ، يُقالُ: إنَّ الدُّعَاءَ به مُسْتَجابٌ. وبباب الجِنَان، مُلاصِق الباب من ظَاهرهِ، مَشْهَدٌ قَديمٌ يُعرفُ بمَشْهَد عليّ بن أبي طَالِب ﵁، قيل: رُؤيَ في المَنَام؛ أخْبَرَني بذلك الشَّيْخُ علىِّ بنُ أبي بَكْر الهَرَوِيّ (٣).

стр. 585

وبجَبَل جَوْشَن مَشْهَد الدَّكَّة، ومَشْهَد الحُسَيْن ﵁، وقد ذَكَرْناهمُا عند ذِكْر جَبَل جَوْشَن (١). وفي قِبْلي جَبَل جَوْشَن، في طَرف اليَارُوْقِيَّة (٢)، مَشْهَد الأنْصاريّ؛ قال لي أبو الحَسَن بن الهَرَوِيّ (٣): بهِ قَبْر عَبْد اللّه الأنْصاريّ، كما ذَكَرُوا. وأخْبَرَني والِديّ، ﵀، قال: رأت امْرأةٌ من نساءِ أُمراء اليَارُوْقِيَّةِ في المَنَام قائلًا يَقُول: ها هُنا قَبْر الأنْصاريّ صَاحب رَسُول اللّه ﷺ ، قالُوا: فنَبَشُوا، فوجَدُوا قَبْرًا، فبَنَوا عليه هذا المَشْهَد، وجَعَلُوا عليه ضَريحًا. وفي قَرْيَةٍ يُقالُ لها نَوَائل (٤)، من شَرْقيّ مَدِينَةِ حَلَب، على رأس جَبَلها، مَشْهَدٌ يُقالُ هو مَقام إبْرَاهِيمَ ﷺ . وبأرْض آرِل (٥)، وهي قَرْيَة من جَبَل سِمْعَان، على رأس الجَبَل من جِهَة الشَّرْق، مَشْهَدٌ مُشْرِفٌ على بَلَد الأُرْتِيْق جَميعه، يُقالُ لهُ مَشْهَدُ الرَّجْمِ، يُزَار ويُتَبَرَّكُ به، وفيه سِرْدَابٌ، قيل: إنَّ نَبِيًّا من الأنْبِياء رَجَمَهُ قَوْمُهُ، وأنَّه في ذلك السِّرْدابِ؛ سَمِعْتُ والديّ، ﵀، يَذْكُر لي ذلك.

стр. 586

وبرُوْحِين؛ قَرْيَة من جَبَل سِمْعَان، مَشْهَدٌ حَسَنٌ، وفي جانب المَسْجِد منه ثلاثة قُبُور، قيل إنَّ الأوْسَط منها قَبْر قُسّ بن سَاعِدَة الإيَادِيّ، والقَبْران الآخران قَبْرَا سِمْعَان وشَمْعُون من الحَوَارِيّين (١)، وقد ذَكَرْنا قِصَّة قُسّ، ومَقَامه بين القَبْرين، والشِّعْر الّذي أنْشَدَهُ (٢)، فلا حاجَةَ إلى إعادتهِ هَا هُنا، وسيأتي في تَرْجَمَةُ قُسٍّ (٣) من شَرْح ذلك ما فيه مَقْنَعٌ إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. وبجَبَل بَرْصَايَا قَبْر شَيْخ بَرْصِيْصَا، ومَقام دَاوُد ﵇، وقد ذَكَرْناهُ (٤). وقال لي الشَّيْخُ عليّ بن الهَرَوِيّ (٥): جَبَلُ بَرْصَايَا به مَقَامُ بَرْصِيْصَا العَابِد، وقَبْر شَيخ بَرْصِيْصَا، ومَقام دَاوُد ﵇. وقال (٦): مَشْحَلا قَرْيَةٌ من بَلَد عَزَاز، بها قَبْرُ أخي دَاوُد النَّبِيّ ﵇. قُلْتُ: وهذه مَشْحَلا قَرْيَة من قِبْلّي عَزَاز وغَرْبيّها، وبها نَهْر جار وبَساتِيْن، وقد خَرَجَ منها بعضُ أهْلِ الحَدِيْث. وبقُورُس قَبْر أُوْرِيَّا بن حَنان (٧)، في قُبَّةٍ من قِبْليّ المَدِينَة، وقِصَّتُه مع دَاوُد ﵇ مَعْرُوفة، تُذْكَر في مَوضِعها (٨) إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. وبمَنْبج مَشْهَدٌ من شَرْقيّ المَدِينَة، زَعَمُوا أنَّ بهِ قَبْر خَالِد بن سِنَان العَبْسِيّ، وهو النَّبِيّ الّذي ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ، وَسَنَذْكُر قِصَّتَهُ (٩) إنْ شَاءَ اللّهُ.

стр. 587

أخبَرَني عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ، قال (١): وبها -يعني: مَنْبج- مَشْهَد النُّور، يَزعمُونَ أنَّ به بعض الأنْبِياء، ويقُولونَ إنَّهُ خَالِد بن سِنَان العَبْسِيّ الّذي قال فيه رسُول الله ﷺ (٢): ذَاك نَبِيٌّ أضَاعَهُ قَوْمُه. قال (٣): وبها مَسْجِد المُسْتَجَاب، وبها قُبُور جَمَاعَة من الصَّالِحين. وفيها مَشْهَدٌ من غَربيّ المَدِينَة وشَماليّها يُقالُ لهُ: المُسْتَجاب، يُتَبَرَّكُ بهُ، ويُقالُ: إنَّ الدُّعَاءَ به مُسْتَجاب. وبجَبَل باب بُزَاعَا -من غَرْبيَ البَاب، وُيُقالُ للجَبَل: تَيْمَر- مَشْهَدٌ مُطلٌّ على البَاب، يَزُورُونَهُ ويَتَبَرَّكُونَ به، وبقولونَ بأنَّه في كُلِّ سَنَةٍ في خَمِيْس نَيْسَان يجتَمع إليهِ من هذه الدُّوَيْبَات الحُمْر الّتي تُشْبهُ الذَّرَارِيْح، ويُوجَد علىِ المَقَابِر شيء كَثِيْر حتَّى يعمّ أكْثَر الأرْض الّتي حَوْل المَشْهَد، ثُمّ تَذْهب من حولهِ، ولا يبقَى إلَّا اليَسِيْر. وبجَبَل الطّور إلى جانب قِنَّسْرِيْن مَشْهَدٌ قيل إنَّه مَقام صالِح النَّبِيّ ﵇، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٤). وقال لي الشَّيْخُ عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ (٥): مَدِينَةُ قِنَّسْرِيْن بجَبَلها مَشْهَدٌ يُقال إنَّه مَقامُ صالِح النَّبِيّ ﷺ ، ويُقالُ: إنَّ النَّاقَة منهُ خَرَجَتْ لصَالحِ، وبهِ آثارُ أقْدَام البَعِير. قال: والصَّحِيح أنَّ صَالِحًا كان بأرْض اليَمَن، وقَبْرُه في شَبْوَةَ باليَمَن، هذا ما ذَكَرَهُ ابن الهَرَوِيّ.

стр. 588

والصَّحيحُ أنَّ مَوضِعَ النَّاقَة بالحِجْر من مَدَائِن ثَمُود، والّذي يَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّ هذا المَشْهَد من بناءِ صَالح بن عليّ بن عَبْد اللّه بن العبَّاس، وكان إليهِ ولاية الشَّام، وله آثارٌ بحَلَب وقِنَّسْرِيْن، فنُسِبَ المَشهَدُ إلى صالح ﵇. وبمَعَرَّة النُّعْمَان -فيما زَعَمُوا- قَبْر يُوْشَع بن نُوْن ﵇، في مَشْهَد هناك، جَدَّدَ عِمارتَهُ المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب، ﵀، وهو يُزَارُ ويُتَبَرَّكُ بهِ. وقيل: إنَّ بها قبر مُحمَّد بن عَبْد اللّه بن عَمَّار بن يَاسِر، يُزَارُ أيضًا. وبكَفَرْ طَاب قَريَةُ يُقالُ لها شَحْشَبُو (١) قيل بها قَبْر الإسْكَنْدَر، وقيل: إنَّه مات بها ونُزِعَ ما في جوْفه ودُفِنَ بهذا المكان، وصُبِّر جَسَدهُ وحُمِل إلى أُمِّهِ؛ وقد ذكَرَ بعضُ أرْباب التَّواريخ أنَّه ماتَ بحِمْص، فلا اسْتَبعدُ ذلك؛ فإنَّ كَفَرْ طَاب كانت من أعال حِمْص، واللّهُ أعْلَمُ (٢). قال لي عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ (٣): شَحْشَبُو قَرْيَة من أعال فَامِيَة، بها قَبْر الإسْكَنْدَر، وبقال إنَّ أمْعَاءَهُ هناك وجُثَّته بمَنارَة الإسْكَنْدَرِيَّة، وقيل إنّه ماتَ ببَابِل. وبدَيْر سِمْعَان من قُرَى مَعَرَّة النُّعْمَان -ويُقالُ أيضًا: دَيْر النَّقِيرَة لأنَّ إلى جانبها قَرْيَة يُقالُ لها النَّقِيْرَة- قَبْر عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ﵁ في حَائر صَغِير، وإلى جانبه، من خَلْف ظَهْره، قَبْر الشَّيْخ أبي زكرى يَحْيَى بن المَنْصُور، وكان

стр. 589

أحَد أَوْلياء اللّه تعالَى، وله كَرَامَات ظَاهِرة، وكان قد أقام في المَسْجِد الّذي بهذه القَرْيَة يَعْبُد اللّه تعالَى حتَّى أدْرَكه أجَلُه، فدُفِنَ في الحاَئِر إلى جانب عُمَر ﵄، وَسَنَذْكُره (١) إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى في كتابنا هذا. وبأَنْطاكِيَة قبر حَبِيْبٍ النَّجَّار، مُؤمن آل ياسِيْن، وزُرْتُ قَبْرَهُ بها. وبها قبر عَوْن بن أُورْميا النَّبِيّ، وقَبْر عُوْذ بن سَام بن نُوح النَّبِيّ ﵉، وقد ذكَرناهمُا في بابٍ قبل هذا (٢). وأخْبَرنا أبو عَبْد اللّهِ مُحمَّد بن دَاوُدَ بن عُثْمان الدَّربَنْدِيّ بحِبْرَى في مَشْهَد الخلَيل ﵇، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن الشَّافِعِيُّ، قال: أنْبَأنَا أبو سَعد عَمَّارُ بن طَاهِر بن عَمَّار بن إسْمَاعِيْل الهَمَذَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم مَكِّي بن عَبْد السَّلام بن الحَسَن بن القَاسِم بن مُحمَّد الرُّمَيْلِيّ المَقْدِسِيّ، قال: أخْبرَني الشَّيْخُ أبو الحَسَن عليّ بن الخَضِر بن سُلَيمان بن سَعيد السُّلَميّ الدِّمَشْقِيّ، إجَازَةً شَافَهني بها، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم تَمَّام بن مُحمَّد بن عَبْد اللّهِ الحاَفظُ الرَّازِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْقُوب إسْحَاقُ بن إبْرَاهِيمَ الأذْرَعِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن الخَضِر، عن هِشَام بن خَالِد، عن الوَلِيد بن مُسْلِم، عن سَعِيد -يعني: ابن عَبْد العَزِيْز- عن مَكْحُول، عن كَعْب، قال: بطَرَسُوس من قُبُور الأنْبِياء عَشَرةٌ، وبالمِصِّيْصَة خَمْسَةٌ، وبسَواحلِ الشَّام من قُبُور الأنْبِياءَ ألْفُ قَبْرٍ، وبأَنْطاكِيَة قَبْر حَبِيْبٍ النَّجَّار، وذَكَرَ تَمام الحَدِيْث.

стр. 590

وقد ذَكَرْنا فيما تقدَّم، في فَضْل أَنْطاكِيَة (١)، حَدِيثًا مُسْنَدًا مَرْفُوعًا إلى النَّبِيّ ﷺ ، قال: إنَّ فيها التَّوْراةَ، وعَصَا مُوسَى، ورَضْرَاض الألْوَاح، ومَائِدَة سُلَيمان بن دَاوُد في غَارٍ من غِيْرَانها. وفي حديثٍ آخر عن ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال (٢): وفيها جبَلٌ، وفي ذلك الجَبَل غَارٌ، وفي ذلك الغَارِ عَصَا مُوسَى ﷺ وشيءٌ من ألْوَاحهِ، ومائِدَةُ سُلَيمانَ، ومَحْبُرَةُ إِدْرِبسَ، ومِنْطَقَةُ شُعَيْب، وبُرْدَا نُوح. وقد ذَكَرْنا فيما نَقَلْنَاهُ عن الحَسَن بن أحْمَد المُهَلَّبِيّ في وَصْفها (٣): وبها كَنِيْسَةُ القُسْيَانِ، وهي كَنِيْسَةٌ جَلِيلَةٌ، ويُقال إنَّ بها كَفَّ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇. وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيِّ، قاضي المَعَرَّة، قال: قَبْرُ أبي مُعاوِيَة الأَسْوَد بطَرَسُوس، بباب الجِهاد في الطَّربق الآضذ إلى المَيْدَان يُمْنة السَّائر، بإزاءِ قُبَّةِ ابن الأغْلَب، ما فارقَهُ الزُّوَّارُ مُدَّة عِمَارَة طَرَسُوس تَبَرُّكًا بهِ وتَيَمُّنًا بالدُّعَاءِ بحَضْرته. وقال أبو عَمْرو: سَمِعْتُ عِدَّةً من شُيُوخ طَرَسُوس يقُولُون: ما صَدَق أحَدٌ نِيَّتَهُ في حاجَةٍ للّه فيها رِضًا، فتَوَسَّل ودَعَا عند قَبْر أبي مُعاوِيَة، إلَّا أجابَهُ اللّهُ . وبعَرْبَ سُوْس -وقيل: إنَّها آخر حُدُود الشَّام- في جَبَل بَانَجْلُوسْ، من غَرْبيّ عَرْبَ سُوْس، الكَهْفُ الّذي كان فيهِ أصْحَاب الكَهْف، ولَبثُوا فيه ثلاثمائة سِنينَ، وزُرْتُ المكان عند دُخُولي إلى بلادِ الرُّوم، وهو مكانٌ حَسَنٌ كَثِيْر الزُّوَّار، وهو كما وصفَهُ اللّهُ تعالَى في كتابه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ

стр. 591

وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ (١). والكَهْف يَدْخُل إليه الإنْسانُ حَبْوًا لا يُمْكِن الماشِي أنْ يَمْشِي فيه قائمًا لقِصَر سَقْفه، وبُنِيَ عليه مَشْهَد عظيم بالحَجَر، وجُعِلَ له سُور، ووُقِفَ عليه وَقْفٌ للزُّوَّار، وقد ذَكَرْنا عَرْبَ سُوْس فيما تقدَّم (٢). قال لي عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِىِّ (٣): مَدِينَة الرُّصَافَة بها قُبُور جَمَاعَة من الصَّحابَةِ والتَّابِعِين لا أعْرف أسمْاءهُم. وقال (٤): مَدِينَة بَالِس بها مَشْهَد عليّ بن أبي طَالِب ﵇، وبها مَشْهَد الطُّرْح، وبها مَشْهَد الحَجَر؛ يُقالُ: إنَّ رأسَ الحُسَيْن ﵇ وُضع عليه عندما عَبَرُوا بالسَّبْيّ، واللّهُ أعْلَمُ. بابٌ في ذِكْرِ ما بحَلَب وأعْمالها من العَجَائِبِ، والخَوَاصِّ، والطِّلَّسْمات، والغَرَائبْ حَدَّثَني والديّ، ﵀، قال: لم يكُن البَقُّ يُوجَدُ في مَدِينَة حَلَب، ولا يُعْهَد منهُ شيء، إلى أنْ اتَّفَق عِمَارَةٌ في بعض أسْوارها، ففُتحَ فيها طاقَة أفضَتْ إلى مَغَارة كانت مَسْدُودة، فَخَرج منها بَقٌّ عظيم عند فَتْحها، أظُنُّها في ناحيةِ قَلْعَة الشَّريف، فَحَدَث البَقُّ فهِا من ذلك اليَوم. قال: وقيل بأنَّه كان الإنْسانُ إذا أخْرَج يدَهُ من داخل السُّور إلى خارجه سَقَطَ البَقُّ على يَدِه، فإذا أعادها إلى داخل السُّور ارْتَفَعَ.

стр. 592

وأخْبرَني الرَّئِيس إبْرَاهِيْم بن الفَهْمِ، رَئيس مَعَرَّة النُّعْمَان، قال: كان في مَعَرَّة النُّعْمَان عَمُود فيه طِلَّسْم للبَقِّ، قال: وذَكَرَ أهْلُ المَعَرَّة أنَّ الرَّجُل كان يُخْرج يدَهُ وهو على سُور المَعَرَّة إلى خارج السُّور فيَسْقُط عليها البَقُّ، فإذا أعادَها إلى داخل السُّور زالَ عنها. قال لي: وأخْبَرَني رَجُلٌ من أهْل المَعَرَّة يُسَمَّى مُحمَّدًا، قال: رأيتُ أسْفل عَمُودٍ في الدَّار الِّتي كُنْتُ بها في مَعَرَّة النُّعْمَان ففتحْتُ مَوضِعَهُ لأسْتَخرجه، فانْخرقَ إلى مَغَارة، فأنْزَلْتُ إليها إنْسانًا -أو قال: نَزَل هو بنَفْسه- ظَنًّا أنَّه مطلَبٌ، فوَجَدنا مَغَارةً كبيرةً، ولم نَجِد فيها شيئًا، قال: ورَأَى فيها في الحائط صُورَةَ بَقَّةٍ، قال: فن ذلك اليوم كثُر البَقُّ بمَعَرَّة النُّعْمَان. وقد قال أبو عمرو القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسِيّ في قَصِيدَة الأعْلَام، في وَصْف أَنْطاكِيَة، وقد قدَّمنا ذِكْره: [من الرجز] والبَقُّ لا يَدْخُلُها ويتَّصل … لكن بها فأر عَظيم كالوَرَل وقال في تفْسير هذا البيت: ولا يَدخُلُها البَقُّ، ومَنْ خَرَجَ منها آذَاهُ البَقُّ، وهي كَثِيْرةُ الفَأْر. وسَمِعْتُ والديّ، ﵀، وغيره من الحَلَبِيِّين، يقُولُون: لَم نَسْمَع بأنَّ حَيَّةً من الحَيَّات الّتى دَاخل مَدِينَة حَلَب لَدَغَتْ أحدًا فمات من لَدْغتها. قال لي والدي ﵀: ويُقالُ إنَّ بها طِلَّسْمًا للحَيَّاتِ، وقيل إنَّهُ ببُرْج الثَّعَابِين في الزَّاويَةِ الّتي عندَ باب الفَرَادِيْس المُسْتَجَدَّ. وبَلَغَني أنَّ جَمَاعَة في زَمَاننا لَدَغَتهُم حَيَّاتٌ دَاخل مَدِينَة حَلَب، ولم تُؤْذِهمِ كجاري العَادَة، وأنَّ المَلْدُوغِ لا يبقى بالألم إلَّا أيَّامًا يسيرةً ويَبْرأ، والعَجَبُ أنَّ حَيَّات بَانَقُوسَا خارج المَدِينَة لا تَلْدَغُ أحَدًا إلَّا ويموتُ في الحالِ، وحَيَّات المَدِينَة كما ذَكَرنا، وهذا لُطْفٌ من اللّه .

стр. 593

وسَرْمِيْن لا يُوجَد فيها حَيَّة أصْلًا، وفىِ وَسَطها عَمُود يُقال إنَّه طِلَّسْم للحَيَّات. وذَكَرَ لي أهْلُ مَعَرَّة النُّعْمَان أنَّ حَيَّات مَعَرَّة النُّعْمَان لا تُؤْذِي إذا لَدَغَتْ كما يُؤذي غيرها. وسَمِعْتُ إبْرَاهِيم بن الفَهْمِ، رئيس المَعَرَّة، يقُولُ: إنَّ العَمُودَ القائم في مَدِينَةِ المَعَرَّهَ هو طِلَّسْم، ذَكَرَوا أنَّه للحَيَّات، وأنَّ الحيَة إِذا لَدَغَتْ إنْسَانًا عندنا بالمَعَرَّة لا تُؤذِيهِ. وهذا العَمُود قائمُ مُسْتَقرٌّ على قاعدَة بزُبْرَة حَدِيدٍ في وسطه يُمِيْله الإنْسان فيَميل، وربَّما تُمِيلهُ الرّيح القويَّة، ويضع النَّاس تحته إذا مال الجَوْز أو اللَّوْز فيعُود إلى مُسْتَقرِّه فيُكَسِّرهُ. وسَمِعْتُ إبْرَاهِيْم بن الفَهْم المَذْكُور يقُول: كان بالمَعَرَّة عَمُودٌ آخر كان فيهِ طِلَّسْم للعَقَارِب، فكانت العَقَارِب بالمَعَرَّة لا تُؤذِيّ، فزَال ذلك العَمُود، فزال أثَره، والعَقارِبُ اليَوم بالمَعَرَّة إذا لَدغَتْ تقتُل. وبناحيَةِ الجَزْر من أعْمَال حَلَب، بالقُرْبِ من مَعَرَّة مَصْرِيْن، قَريَةٌ يُقالُ لها: يَحْمُول (١)، ولنا فيها ملكٌ نَتَوَارثُهُ عن أجْدادنا من حُدُود الثَّلاثمائة للهِجْرة، لا يُوجَد في أرْضِها عَقْرَبٌ أصْلًا. وحَكَى في جَمَاعَةٌ من فلَّا حيها أنَّهم يَخْرجُون في بعض الأوْقَاتِ، ويَحْتَطِبُونَ من جَبَل الأعْلَى حَطَبًا، ويأتونَ بهِ إلى يَحْمُول هذه، فربَّما يَعْلق في الحَطَب من الجَبَل عَقْرَبُ، فمَتَى ما شَمَّت تُراب يَحْمُول ماتَتْ. ومن العَجَب أنَّ إلى جانب يَحْمُول قَرْيَتَيْنِ يُقال لأحديْهما: الكَفْر، وللأُخْرى: بَيْت رَأس (٢)، وبين جدارها وجدار كُلِّ واحدة من القَريتَيْن مِقْدَار شَوْط فَرَس،

стр. 594

وإذا صَاح إنْسان في القَريَة سُمِعَ في القَرْيَةِ الأُخرى، وفي كُلِّ واحدةٍ من القَرْيَتين من العَقَارِب شيءٌ كَثِيرٌ، وهي من أشَدِّ العَقَارِب ضَرَرًا. وفي يَحْمُول هذه آبار كَثِيْره، ماؤها مَعِيْن، طُول البئر مِقْدَار عَشرة أذْرع، وهاتان القَرْيَتان ليس فيهما بئرٌ واحدٌ، وإذا حُفِرَ فيهما بئر لايَجِدُونَ فيها مَعِينًا، ولهم صَهَاريج من ماء المَطَر، وربَّما يقلّ علجهم الماء، فيكُون شُرب أهْلِ القَريَتَيْن من يَحْمُول هذه. وأخْبرَني مَنْ أثِقُ بهِ من الحَلَبِيِّين أنّه وَلي عَمَلًا بشِيْحِ الحَدِيْدِ (١)، وأنَّه لا يُوْجَد بها عَقْرَبٌ أصْلًا، وأنّ الرَّجُل من أهل شِيْحِ إذا غَسَل ثَوْبَهُ في مائهِا ثمّ خَرَجَ إلى مَوضِع آخر، فوُضِعَ على ثَوبهِ ماءٌ وعُصِر وشَرِبَهُ مَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَب بَرِئَ من وَقْتهِ، وإنْ قُطر منهُ قَطْرَةٌ على عَقْربٍ ماتَتْ في الحالةِ الرَّاهِنَةِ. وهذه شِيْح الحَدِيْد قَرْيَةٌ كبيرةٌ لها كُورَة، وفيها وَالٍ ودِيْوَان، وهي في طَرف العَمْق من أعْمَال أَنْطاكِيَة، وِ اليَوم من أعْمَال حَلَب مُضافَةٌ إلى حَارِم، وبها كان مَقَام يُوسُف بن أسْبَاط رحْمَةُ اللّهِ علَيهِ. وأخْبَرَني والدِيّ، ﵀، وجَمَاعَة من مَشَايخ حَلَب، يَأْثُرُهُ الخَلَفُ عن السَّلَف، أنَّ العَمُود الحَجَر المَعْرُوف بعَمُود العُسْر، بالقُرْبِ من الأسْفَربس (٢)

стр. 595

بمَدِينَة حَلَب، ينفَعُ من عُسْر البَوْل، وإذا أصَاب الإنْسان أو الدَّابَّة عُسْر البَول أتَوا به إليهِ، وأدَارُوا به حَوْلَهُ، فيَزُول ما بهِ، وذَكَرُوا أنَّ هذا مُجَرَّبٌ، والنَّاسُ يَعْرِفُونَ ذلك إلى زَمَننا هذا ويَسْتعمِلُونَهُ فيُفيد، والمَحَلَّة الَّتي هذا العَمُود بها تُعرف بعَمُود العُسْر. وفي قُرَى حَلَب في النَّاحِيَةِ الشَّرْقيَّة، وتُعْرَفُ بالحَبْل (١)، خِرْبةٌ تُعْرفُ بجُبِّ الكَلَب، وهي إلى جانب قِبْثان الحَبْل كان بها بئر ينفَعُ المَكْلُوب. وأخْبَرَني والِديّ، ﵀، فيما يَأْثُرهُ عن سَلَفه، أنَّ هذا البِئْرَ كان يَنفَعُ مَنْ عَضَّهُ الكَلْب الكَلِب، فيأْمَن المَعْضُوض من الكَلَب بالنَّظر في تلك البئر والشَّرب منها. قال والدِي ﵀: وبَطَلَت مَنْفَعة البِئْر بأنَّ امْرأةً ألْقَتْ فيها خِرْقَةَ حَيْضٍ، فبطلَ تأثيرُها، وهذا مُتَدَاولٌ عند أهْل حَلَب، يَأْثُرُهُ الخَلَفُ عن السَّلَف، وإنَّما بطلَت مَنْفَعَةُ البئر في صُدُود الخَمسمائة. ونَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَنِ عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ، في تاريخهِ المَوْسُوم بالبدَايةِ والنِّهايَة (٢)، قال: سَنَة خَمسٍ وأرْبعين وأرْبَعِمائة، فيها كَلِبَت الذِّئابُ والكِلَابُ وأتْلَفْت أكْثَر النَّاسِ. قال أبي: قال لي جَدُّكَ ﵀: كان أبي أبو المُتَوَّجَ قد دَخَل إلى حَلَبَ، وترَكَني عندَ جَدِّي الصُّوفِيّ أتفَرَّجُ بسَرْمِيْن، وكُنْتُ لا أعْرفُ لي وَالدًا سِواه لغَيْبَة أبي عند الأُمراءِ والمُلُوك، فقال: يا عَليّ،

стр. 596

احْذَرْ أنْ تَخْرج وَحْدَك فإنَّ الكِلَاب الكَلِبةَ كَثِيرٌ، فاتَّفَق أنِّى خَرَجْتُ مع أصْحَابي وغِلْمَاني، فَقُيِّضَ لي كَلْبٌ فَرَعشَنِي، فدَخَلت غيرَ طيِّب النَّفْس، وذلك بعد العَصْر والزَّمان الصَّفَريُّ في التَّشَارِين، فمضَى مَنْ خَبَّرَ جَدِّي الحَسَن الصُّوفِيّ العِجْلِيّ، فركبَ فَرَسَهُ، وأخَذ دَلْوًا للسُّمُوط وأخَذَني، ومضَى يَخُبُّ ويُنَاقِل، وأنا معَهُ، إلى أنْ أتَى بي جُبّ الكَلَب شَماليّ حَلَب، فَسقَاني منهُ، وغَسَل يَدي ورِجْلي ووَجْهي، وقال: اقْلَعْ ثيابكَ، فقُلتُ: الله الله! إن خلَعْتُ ثيابي في هذا البَرْد مُتّ، فقال: وليتَ مُتّ واسْتَرحت [منك] (a) يا صَانِع، فاسْتَقَى أربعين دَلْوًا وصَبَّها عَلىَّ، وقال: تَطَلَّعْ في الجُبِّ، وكانت آية الجُبّ إنْ نَفَعَ المَرْعُوش أَبْصَر النُّجُوم في الجُبِّ، وإنْ لَم يَنْفَعهُ سَمِعَ نَبِيْح الكِلَاب، فقال: ما تَرَى؟ فقُلتُ: أرَى النُّجُوم في الماءِ، فقال: الحَمْدُ لله، ورَكِب، وأخَذَني فباتَ في سَرْمِيْن، ولكن بَعْدَ تَهَوُّرِ اللَّيْل. قال: يقُول جَدُّكَ: فوالله بعد تَمام الأسْبُوع بُلْتُ ثلاثَة (b) كِلَاب مُصَوَّرة بأذْنَابها ورُؤوسها. قال: ولم يَزَل هذا الجُبُّ يَتَدَاوَى به النَّاسُ إلى أنْ مَلَكَ حَلَب رِضْوَان المَلِك ابن تاج الدَّوْلَة، فعَوَّل على تَوْسِيع فَمهِ، وكان ضَيِّقًا، عليه أرْبَعة أَعْمَدة، تَمنَعُ أنْ يُنْزلَ فيه، فقال: نَعملَهُ يكون الإنْسانُ يَنْزل إليه، ولا يَقْلِبُ عليه، فقيل له: إنَّ هذه الطِّلَّسْمات لا يجبُ أن تتغَيَّر عن كيفيَّاتها، فلم يَقْبَل، ففتحه، فزَال عنه ما كان يزيل الأذَى. وكان يقال إنَّ ذلك كان في سَنَة ستٍّ وتِسْعِين وأرْبعمائة، وهو كان من العَجَائب الثَّلاث: جُبُّ الكَلَب، ونَهْر الذَّهَب، وقَلْعَة حَلَب؛ فأمّا النَّهْر فهو ماء يَجْري إلى أنْ ينتَهي إلى مَواضِع في الجَبُّول وغيرها من القُرَى، فيسكُبونها ويُجْرُون

стр. 597

إليها السَّواقي، فإذا دَخَل تلك المساكب جَمَد بإذْن الله، وصار مِلْحًا أبيض في بياض الثَّلْج، فيُباع منه بالأمْوالِ الخَطيرة، ولذلك سُمِّي نَهْر الذَّهَب. قُلتُ: وهذا عليّ بن مُنْقِذ صَاحب هذه الوَاقِعَة هو الأَمِير سَدِيْدُ المُلْك [أبو الحَسَن عليّ] (a) بن أبي المُتَوَّج مُقَلَّد بن مُنْقِذ الكِنَانِّي، الّذي فَتَح شَيْزَر واشْتَراها من الأُسْقُف بمالٍ بذلَهُ له على ما ذَكَرناهُ في الباب المُتَقدِّم في ذِكْر شَيْزَر (١)، وكان من الرِّجال العُقلاءِ، والأُمَراءِ العُلَمَاء، والأُدَبَاء الشُّعَرَاء، وجَدُّهُ المذكُور لأُمِّه هو الحَسَنُ بن عِجْل المَعْرُوف بالصُّوفيِّ، وبنو الصُّوفِيّ الّذين تَولُّوا رئاسة دِمَشْق كانُوا من نَسْلِه، وكان الصُّوفِيِّ يَسْكن سَرْمِيْن، وسيأتي ذكْرهُما (٢) في هذا الكتاب إن شَاءَ اللهُ تعالَى. قَرَأْتُ في كتاب الرَّبِيع، تأليفُ غَرْس النِّعْمَة أبي الحَسَن مُحمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن بن إبْرَاهِيم بن هِلِّل الصَّابئ، وأخْبَرنا به عَبْد اللَّطِيف بن يُوسُف إجَازَةً، عن أبي الفَتْح مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ، عن أبي عَبْد الله الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَنا غَرْسُ النِّعْمَة أبو الحَسَن، قال: وحَدَّثَني أبو عَبْد الله بن الإسْكَافِيِّ كاتب البَسَاسِيرِيّ في سَنَة إحْدَى وخمسين وأرْبَعِمائة، قال: احْتَرق بحَلَب عاما أوَّل، بُرْجٌ من أبْراج سُورها، وحَكَي ذلك للمُسْتَنْصِرِ باللهِ صَاحب مِصْر خَادِمٌ كان له بحَلَب، فقال له: إنْ كُنتَ صَادِقًا ففي هذه السَّنَة يُخْطَبُ لنا بالعِرَاق، وذَاكَ عندنا في كُتُبنا دَلِيل على ما قُلْناهُ. قال أبو عَبْد الله: واتَّفَق أنْ جئنا وأَقَمْنا الخُطْبَة في ذي القَعْدَة من سَنَة خَمْسين.

стр. 598

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ تَوْفِيقِى وفي قَرْيَة من قُرَى جَبَل السُّمَّاق من أعْمَال حَلَب يُقالُ لها: كَفْر نَجِدْ (١)، وهي قَرْيَةٌ كبيرةٌ، كَثِيرة الأشْجَار، بئرٌ من غَرْبي القَرْيَة ربَّما سَاح ماؤُها في بعض السِّنِين على وجهِ الأرْض، من خَاصِّيَّة ماءِ البِئْر أنّه يُخْرجُ العَلَقَ إذا نَشِبَ في حَلْق الإنْسان أو الدَّابَّةِ إذا شُرب ذلكَ الماء (٢). وهذا أمرٌ مُستَفِيضٌ لا شَكَّ فيه، فإنّني جرَّبْتُهُ أنا بنَفْسِي، فإنّي سَافرْتُ في بعض السِّنِين مع والدي، ﵀، إلى حَمَاةَ، فشربْتُ ماءً بتُمْنَعَ (٣)، وهي قَريَةٌ في طَريق حَمَاة من عَمَل كَفَرْ طَاب، ولها رَكِيَّةٌ (٤) مَعْرُوفة بالعَلَق، فَنَشبَ في حَلْقي عَلَقَةٌ في مَوضعٍ لا يُوصَل إليه في أقْصَى الحَلْق، وعُدتُ إلى حَلَب، وهي على حالها، وعُولِجْتُ بأنْواع الأدْوِيَةِ الّتي تُسْتَعمل لاسْتخراج العَلَقِ، فلَمْ تَنْجِعْ شيئًا، وجعلَتْ تَكبر في حَلْقي، ويَزْدادُ خُرُوج الدَّم بسَبَبِهَا، حتَّى أنّي كُنْتُ أُلقي منهُ في كُلِّ يوم شيئًا كَثِيرًا، فاشْتَغل خاطِرُ والدِي، ﵀، لذلكَ.

стр. 599

فاتَّفَق أنْ حَضَر مُقَدِّم قَرْيَة كَفْر نَجِد عند عَمِّي أبي المَعَالِي، وذَكَرَ له خَاصِّيَّة هذه البئر، فجاء عمِّي وذَكَر لوالدِي ذلك، فقام في الحالِ ورَكِب، وسَارَ بي إلى كَفْر نَجِد، فوصَلْناها آخر النَّهَارِ قبل المَغْرب، وخرج بي إلى البئر، وشَرِبْتُ من مائها مرارًا، وعُدْتُ إلى القَرْيَة، وألْقَيْتُ من الدَّمِ شيئًا كَثِيرًا، وغَلَبني النَّوم لِمَا نالَني من التَّعب، فأغْمضت، فخرجَتْ العَلَقَةُ من حَلْقي إلى فَمي فوجَدَتْهُ مُطبَقًا، فطلبت مَنْفَسَ الهَوَاءِ وأنْ تخرج من خيشُومي، فانتَبَهْتُ، وفَتَحْتُ فمي، فَنَزَلَتْ إليه، فأخرجتُها من فمي وهي بِمِقْدَار الإصْبَع الطَّويلة بعدَ أنْ ألقَتْ ما كان في جَوْفها من الدَّمِ. وفي أعْمَال حَلَب عِدَّة حَمَّاتٍ تَنْفَعُ من البَلَاغِم والرِّيَاح وكَثِير من الأدْواءِ، فمنها حَمَّةٌ في السُّخْنَة (١) من عَمَل المَنَاظر (٢) من ناحيةِ قِنَّسْرِين، ماؤها في غاية الحَرارة، وأهلُها يَغْتَسلُونَ فيها ويَتَعَوَّضُونَ بها عن الحَمَّام، وذَكَرَ لي جَمَاعَة من أهْلها أنَّهم يَنْتفعُونَ بها من الرِّيح والبَلْغَم والحَبّ، ونَزَلْتُ إليها واغْتَسلْتُ فيها. وذُكِرَ لي أنَّ بناحيَةِ العَمْق حَمَّة أُخْرى يَتَداوَى بها النَّاسُ أيضًا. وذَكَرَ أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب، في كتاب البُلْدان، وَعَدَّ کور قِنَّسْرِين والعَوَاصِم، وقال (٣): وكُورَة الجُومَة، وبها العُيُونُ الكِبْرِيتِيَّة الّتي تَجْرِي

стр. 600

إلى الحَمَّة، والحَمَّةُ بقَرْيَة يُقالُ لها جَنْدَارِس، ولها بُنْيانٌ عَجيبٌ مَعْقُودة بالحِجَارَة، يأتيْهَا النَّاسُ من كُلِّ الآفاق، فيَسْبَحُونَ فيها للعِلَلِ الّتي تُصِيْبهُم، ولا يُدْرَي من أين يَجيءُ ماؤُها ذلك الكِبْرِيِتيُّ، ولا أينَ يَذْهَبُ. وقَرَأتُ في كتاب أخبار البُلْدَان، تأليفُ أحْمَد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهَمَذَانِيّ، المَعْرُوفُ بابنِ الفَقِيهِ، قال (١): وعلى سَبْعَة أمْيالٍ من مَنْبِج حَمَّةٌ، عليها قُبَّةٌ تُسَمَّي: المُدِيْر، وعلى شَفِيرها صورةُ رَجُلٍ من حَجَرٍ أسْوَد، تَزْعَمُ النِّسَاءُ أنَّ كُلّ مَنْ لا تَحْبَلُ منهُنَّ إذا حَكَّتْ فَرجَها بأَنْف تلكَ الصُّورَة حَبِلَتْ. وبها حَمَّامٌ يُقالُ لهُ حَمَّامُ الصَّرانِيّ (a) في وسَطهِ صُورةُ رَجُلٍ من حَجَرٍ يخرجُ ماءُ الحَمَّام من إحْليلِهِ. أخْبَرني بَهَاءُ الدِّين أبو مُحمَّد الحَسَنُ بن إبْراهِيم بن الخَشَّاب، ﵀، قال: أخْبَرَني ابنُ الإكْلِيليِّ المُنَجِّم الحَلَبيِّ، قال: لمَّا حُفِرَ بالمَسْجِد الجامِع بحَلَب مَوضِع المَصْنَع للماءِ، وُجِدَ فيه صُورَةُ أسَدٍ من الحَجَر الَأسْوَد، وهو مَوْضُوع على بلاطٍ أسْودَ، ووَجْهه إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قال: فاسْتَخْرجُوه من مكانه، فجرى بعدَ ذلك ما جَرَى من خَراب جامِع حَلَب؛ إمَّا بالزَّلْزَلَةِ وإمَّا بالحَرِيق. قُلتُ: ووَقَعَ مثل ذلك في زَمَاننا، في أيَّام دَوْلة المَلِك العَزِيز مُحمَّد بن المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أيُّوب، وأتَابِكُهُ ومُدَبِّرُ دَوْلته طُغْرِل الخَادِم الظَّاهِريّ، فجدَّدَ طُغْرِل دارًا في القَلْعَة ليَسْكنها، فلمَّا حُفِرَ أسَاسُها، ظَهَرَ في ما حَفَرُوه صُورة أسَدٍ من حَجرٍ أَسْوَد، فأزالُوهُ عن مَوضِعه، فسَقَط بعد ذلك الجانب القِبْليّ من أسْوار قَلْعَة حَلَب، وانْهَدَمَ من سَفْح القَلْعَة قِطْعة كبيرة.
следующие страницы →