مَنْ رأيْتُ من الغِلْمَان، وعليه طُرَّةُ وقفَاء، وعليه حُلَّةُ دِيْبَاجٍ، وهو يُقَاتِل قِتَالًا شَدِيْدًا وهو يَقُول (١): [من مجزوء الرمل]
أنا في أمْري رشَادٍ … بين غزْوٍ وجِهَادِ
بَدَنِي يَغْزُو عَدُوِّي … والهَوَى يَغزُو فُؤادِي
قال: فدَنَوْتُ منه فقُلْتُ: يا غُلَام، هذا القِتَال وهذه المَقَالَةُ والطُّرَّةُ والقفَاء والحُلَّة لايُشْبه بَعْضُها (a) بعضًا!؟ فقال الغُلَام: أحْبَبْتُ رَبِّي فشَغَلني بحُبِّه (b) عن حُبِّ غيره، فتَزَيَّنْتُ لحُور العِيْن لعَلَّها تَخطبُني إلى مَوْلاها.
أحْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْد الله الرُّهَاوِيّ في كِتَابِه إليْنَا غير مَرَّة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل عَبْد الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قال: أَخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْد القَادِر بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزيْز بن عليّ الأَزَجِيّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد بن يُوسُف، فيما أَذِنَ لنَا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُنَ سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزيْز الأَزَجِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن جَهْضَم، قال: حَدَّثني عَبْدُ السَّلام - يعني ابن مُحَمَّد المَخْزُوميّ - قال: حَدَّثَنَي أبو العبَّاس أحْمَد بن عُبَيْد، عن مُحَمَّد بن أبي الوَرد، قال: صَلَّى أبو عَبْدِ الله النِّبَاجِيّ بأهْل طَرَسُوس صَلَاةَ الغَدَاةِ، فوَقَعَ النَّفِيْرُ وصَاحُوا، فلم يُخَفِّف الصَّلاةَ، فلمَّا فَرَغُوا قالُوا له: أنْتَ جَاسُوْس! قال: وكيف ذاك؟ فقالوا: صَاحَ النَّفِيْر وأنْتَ في الصَّلاةِ لَم تُخَفِّف، قال: إنَّما سُمِّيَت صلاةً لأنَّها اتِّصَال باللهِ، وما حَسِبْتُ أنَّ أحدًا يكُون في الصَّلاةِ فيَقَع في سَمْعِه غيرُ ما يُخاطِب الله به.
стр. 5462
كَتَبَ إلينا أبو المُظَفَّر عبد الرَّحيم بن أبي سَعْد السَّمعَانيّ من مَرْو غير مَرَّة، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد مُحَمَّد بن مَنْصُور الحُرْضِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى المُزَكِّي، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلمِيّ، قال: أبو عَبْد الله النِّبَاجِيّ من أقْرَان ذي النُّون المِصْرِيّ، لهُ كَلَامٌ حَسَنٌ في المَعْرفَة وغيرها، وكان من أُسْتَاذِي أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، واسْمُ أبي عَبْد الله سَعيد بن بُرَيْد، كذلك ذَكَرهُ عُمَر بن مُحَمَّد بن بُجَيْر فيما حَدَّثَنَا عنهُ عليّ بن أحْمَد بن سَعيد الجُوزْجَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ الله سَعِيْد بن بُرَيْد النِّبَاجِيّ.
أخبَرَنا أبو العبَّاسِ أحْمَد بن عَبْد الله بن عُلْوَان، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، عن مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عَبد الوَهَّاب بن مُحَمَّد، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا حَمْد بن عَبْد اللهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبِي حَاتِم (١)، قال: سَعِيْد بن بُرَيْد أبو عَبْد الله النِّبَاجِيّ الزّاهِد، رَوَى عن [ … ] (a) رَوَى عنهُ أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ.
كذا وَقَعَ في أصْلِ الكتاب مُبَيَّضًا.
أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (٢)، قال: قَرَأتُ على أبي مُحَمَّد السُّلِميّ عن أبي زَكَرِيَّاء البُخاريّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الغَنِيّ بن سَعِيْد، ح.
стр. 5463
قال: وقَرَأتُ على أبي مُحَمَّد السُّلَمِيّ، عن أبي نَصْر ابن مَاكُولا (١)، قال (a) في باب يُرَيْد بالبَاء والرَّاء: سَعيد بن بُرَيْد أبو عَبْد اللهِ النِّبَاجِيّ الزَّاهِد.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ، عن أبي مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة، عن أبي نَصْر على بن هِبَة الله بن مَاكُولا (٢)، قال: أبو عَبْد الله النِّبَاجِي سَعِيْد بنُ بُرَيْد، أحَدُ الزُّهَّادِ، يَحْكي عنه أحْمَدُ بن أبي الحَوَارِيّ حكَايَات.
أخْبَرَنا زَيْد بن الحَسَن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيْبُ (٣)، قال: أبو عَبْدِ الله سَعيد بن بُرَيْد النِّبَاجِيّ، كان أحدَ عِبَادِ الله الصَّالِحين، يَحْكي عنه حِكَايَات أحْمَدُ بن أبي الحَوَارِيّ الدِّمَشقيّ وغيره.
أنْبْأنا تاجُ الأُمَناء أبو الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظُ (٤)، قال: سَعِيْدُ بنُ بُرَيْد أبو عَبْدِ اللهِ التَّمِيْمِيُّ النِّبَاجِيّ الزَّاهِدُ، حكَى عن الفُضَيْل (b) بن عِيَاض، وأبي خُزَيْمَةَ (c) العَابِد. حَكَى عنه أحْمَدُ بن أبي الحَوَارِيّ، والوَلِيدُ بن عُتْبَة الدِّمَشقيَّان، وعُمَر بن مُحَمَّد بن بُجَيْر البَحِيْرِيّ، وأبو عَبْد الله الأَصْبَحِيّ، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي الوَرْد، وأحمد بن مُحَمَّد بن بَكْر القُرَشِيّ، وأبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مُعاوِيَة الصُّوْرِيّ، وسَهْل بنُ عَاصِم، وعبد الله بن خُبَيْق الأنْطَاكِيّ، وكان عَابِدًا سَيَّاحًا.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ بن حَمُّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح بن شَاه الشَّاذْيَاخِيّ، قال: أخْبَرَنا
стр. 5464
أبو القَاسِم عَبْدُ الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (١)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين يَقُول: سَمِعْتُ أبا جَعْفَر الرَّازِيّ يَقُول: سَمِعْتُ عبَّاس بن حَمْزَة يَقُول: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ أبي الحَوَارِيّ، قال: سَمِعْتُ النِّبَاجِيّ يَقُول: أُسُّ (a) العِبَادَة في ثلاثةِ أشْيَاء: لا تَردّ من أحْكامهِ شيئًا، ولا تَدَّخِر عنه شيئًا، ولا يسْمَعُكَ تَسْألُ غيرَهُ حاجةً.
أْخبَرَنا المُؤيَّد بن عليّ الطُّوْسيّ في كِتابِهِ إليْنَا من نَيْسَابُور، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسَعَد هِبَة الرَّحمن بن عَبْدِ الوَاحِد بن عَبْد الكَريم القُشَيْريّ، قال: أخْبَرَنا أبو (b) صالِح أحْمَدُ بن عَبْدِ المَلِك بن عليّ المُؤذِّن النَّيْسَابُوريُّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو القَاسِم عُبَيْدُ الله بنُ أحْمَد الصَّيْرَفِيّ ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللهِ بن عُثْمان، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، عن أبي عَبْدِ اللهِ (c) النّبَاجِيّ، قال: إنْ أحْبَبْتُم أنْ تكُونوا أبْدَالًا فأحبُّوا مَا شَاءَ الله، ومَنْ أحبّ مَا شَاءَ اللّه لم ينَزْل به من مَقَادِير اللهِ وأحْكَامِهِ شيءُ إلَّا حَبَّهُ.
كَتَبَ إلينا أبو المُظَفَّر بن أبي سَعْد، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد الحُرْضِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر المُزكِّي، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الرَّحمن السُّلَمِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا العبَّاسِ بن الخَشَّاب البَغْدَاديّ يَقُول: سَمِعْتُ عَبْد السَّلام بن مُحَمَّد يَقُول: سَمِعْتُ أبا عليّ الرُّوْذبَارِيّ يَقُول: سَمعْتُ أبا العبَّاسِ بن عَبْدِ الله يَقُول: سَمِعْتُ ابنَ أبي الوَرْد يَقُول: قال أبو عَبْدِ الله النِّبَاجِيّ: مَنْ خَطَرت الدُّنْيا ببَالهِ لغير القيَام بأمْرَ اللهِ حُجِبَ عن الله.
قال: وأخْبَرَنا أبو عبدِ الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنا أبو جَعفَر الرَّازِيّ، قال: حَدّثَنَا
стр. 5465
العبَّاسُ بن حَمْزَة، قال: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن أبي الحَوَاريّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ النِّبَاجِيّ يَقُول: إنْ أعْطَاكَ أَغْنَاك، وإنْ مَنَعَك أرْضَاكَ.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد العَزِيْز بن مُحَمَّد بن نَصْر السُّتُورِيّ (a)، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نُصَيْر الخُلْدِيّ، قال: سَمِعْت أبا نَصْر السَّمَرْقَنْديّ بمَكَّة يَقُول: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن أنَس بن مَالِك يَقُول: سَمِعْتُ الوَلِيدَ بن عُتْبَةَ يَقُول: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ الله النِّبَاجِيّ يَقُول: أصَابَتْني ضيْقَة شَدِيدةٌ (b)، فبتُّ وأنا أتَفَكَّر في المَصِيْر إلى بَعْض إخْواني، فسَمِعْتُ قَائلًا يَقُول لي في النَّوْم: أيَجْمل بالحُرِّ المُرِيْد إذا وَجَدَ عند اللهِ ما يُريد أنْ يَمِيْل بقَلْبهِ إلى العَبِيْدِ!؟ فانْتَبَهْتُ وأنا من أغْنَى النَّاس.
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة الله بن الشِّيْرَازيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظ (٢)، قال: أَخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن الفَضْل، قال: أخْبرنا أبو عُثمان الصَّابُونيّ، قال: أخبَرنا أبو يَعْقُوب إسْحاقُ بن إبْرَاهيم العَدْل، قال: أخْبَرَنا بِشْر بن مُحَمَّد المُزَنِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بن مُحَمَّد بن عُبيد، قال: حَدَّثَنَا دَاوُد بن مُحَمَّد أنَّهُ سَمِعَ أبا عَبْدِ الله النِّبَاجِيّ يَقُول: خَمْسُ خِصَالٍ فيها تَمامُ العَمَل: مَعْرفَة الله، ومَعْرفَة الحَقّ، وإخْلَاص العَمَلِ لله، والعَمَل على السُّنَّة، وأكْل الحَلَال، فإنْ فُقِدَتْ واحدة لَم يَرْتَفع العَمَل، وذلك أنَّك إذا عَرَفْتَ الله ولم تَعْرف الحَقّ لم تَنْتَفع، وإذا عَرَفْتَ الحَقّ ولَم تَعْرف الله لم تَنْتَفِع، وإذا عَرَفْت الله وعَرَفْتَ الحَقّ ولم تُخْلص العَمَل لم تَنْتَفع، وإنْ عَرفْتَ الله وعَرَفت
стр. 5466
الحَقّ وأخْلصْتَ العَمَل ولَم يكُن العَمَلُ على السُّنَّةِ لم تَنْتَفِع، وإنْ تَمَّتِ الأرْبَع ولم يكُن الأكْل من الحَلَال لم تَنْتَفع.
وقال: أخْبَرَنا الحافِظُ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللهِ الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن حَمْشَاد (a)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن سَالِم، قال: حَدَّثَني إبْراهيمُ بن الجُنَيْد، قال: حَدَّثَني النَّضْر بن عِيسَى بن يَحْيَى، قال: قال رَجُلٌ لأبي عَبْد الله النِّبَاجِيّ وأنا أسْمَعُ: يا (b) أبا عَبْدِ الله، الرَّاضِي يَسْأل؟ قال: يُعَرِّض، قال: مثْل أيّ شئ؟ قال: مثل قَوْل أيُّوب: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٢).
أخْبَرَنا أبو إسْحَاق إبْراهيم (c) بن أزُرْتق، فيما أجَازَهُ لنا وسَمِعْنا منه، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْد القَادِر بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز الأَزَجِيّ، ح.
وأخْبَرَنا حَسَن الأَوَقِيّ إذْنًا، عن أبي طَاهِر الأزَجِيّ، قال: أخْبَرَنا الأزَجِيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن عَبْد الله بن جَهْضَم، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عِيسَى بن هَارُون، قال: حَدَّثَنَا العبَّاس بن حَمْزَة، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ الله النِّبَاجِيّ يَقُول: إنّ لله عِبَادًا يَسْتحيُونَ من الصَّبْر يَسْلكُونَ مَسْلَك الرِّضَا، وله عِبَادُ لو يعلُمونَ ما يَنْزل من القَدر لاسْتَقْبلُوهُ اسْتقَبالًا حُبًّا لربِّهم ولقَدَره عندَهُم، فكيف يَكْرهونَهُ بعدَما وَقَع!
وقال: أخْبَرَنا ابن جَهْضَم، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عليّ بن يَعْقُوب الزَّاهِد، قال: حَدَّثَنَا أبو عُمَر بن خَلَف، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، قال: سَمِعْتُ
стр. 5467
أبا عَبْدِ الله النِّبَاجِيّ يَقُول: تَدْرِي ما أرادَ عَبِيْد أهْل الدُّنْيا من مَوَاليهم أنْ يرضَوْا عنهم، وأرادَ الله من عَبِيده أنْ يرضَوْا عنه وما رَضُوا عنه، حتَّى كان رِضَاهُ عنهم قَبْل رِضَاهم عنهُ.
وقال: أخْبَرَنا ابن جَهْضَم، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحمّد بن مِهْرَان، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن سَهْل بن حَسَّان، فيما قَرأتَ عليه ببَلْخ، قال: حَدَّثَنَا يُوسُف بن مُوسَى بن عَبْد الله، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن سَلَّام، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَمْرو الغَزِّيّ أنَّ أبا عَبْد اللهِ النِّبَاجِيّ سَألَ الله أنْ يَجْعل رِزْقَهُ في الماءِ، ثمّ سَأل الله أنْ يَقْطَع عنه شُرْبَ الماءِ فأُري في مَنَامهِ: إنَّكَ خَلْقٌ أجْوَف فكانَ غذاؤُه الماءَ.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أحْمَد الرَّزَّاز، قال: حدَّثَنَا أبو بكر مُحَمَّد بن الحَسَن بن زِيَاد النَّقَّاش، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن عَاصِم بدِمَشْق، ويُوسُف بن الحُسَين بالرَّيّ، وابن أبي حَسَّان الأنْمَاطِيّ، قالُوا: حَدَّثَنَا ابنُ أبي الحَوَارِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله النِّبَاجِيّ يَقُول: تَدري أيّ شيء قُلْت البَارِحَة وبَارحَةَ الأُوْلَى؟ قُلتُ: قَبِيْحٌ بعُبَيْدٍ ذَلِيل مثْلي يُعْلِم عَظيْمًا مثْلك ما لا يَعْلَم، إنَّك تَعلم أنِّي لو خُيِّرت بين أنْ تكُون لي الدُّنْيا مُنذ يوْم خُلِقَتْ أتَنَعَّمُ فيها حَلالًا لا أُسْأل عنه يَوْم القِيامَة، وبين أنْ تَخْرُج نَفْسِي السَّاعَة، لاخْتَرْتُ أنْ تَخْرُج نَفْسِي السَّاعَة، ثُمَّ قال: إنَّا نُحبّ أنْ نلقَى مَنْ نُطيع.
стр. 5468
سَعِيْدُ بن جِبَاءَة، أبو مُحَمَّد المَعَرِّيّ التَّنُوخِيّ
من أهْلِ مَعَرَّة النُّعْمَان.
هكَذا وَجَدْتُه بخَطِّ شَيْخنا أبي إسْحَاق إبْراهيم بن أبي اليُسْر، فلا أدْرِي نَسَبه إلى جَدِّه الأعْلَى الّذى يَنْتَسِبُ إليه بنو جِبَاءَة، أو أنَّ أباهُ كان اسْمه جِبَاءَهَ باسْمِ جَدّه الأعْلَى، وهو من بني أبي الأسَد مُحَمَّد بن سَلامَهَ بن المُثَنَّى بن جِبَاءَة - وإليه يَنْتَسِبُ بَيْتهم بمَعَرَّة النُّعْمَان - ابن سُلَيْمان بن زُرْعَة بن سَلامَة بن نَبِيْل بن الصَّبَّاح بن مُقَاتِل بن زَيْد بن ذُهْل بن زُرْعَة بن ثَعْلَبَة بن مَالِك بن فَهْم بن تَيْم الله بن أسَد بن وبْرَهَ ويُعْرَفُ بالضِّيَاء، وهو من بَيْتٍ مَعْرُوف بمَعَرَّة النُّعْمَان، فيه جَمَاعَة من العُلَمَاءَ والشُّعَراء.
ولسَعِيْد هذا شِعْرٌ، ورَوَى عن أبي الحَسَن عليّ بن المُؤيَّد بن أحْمَد بن حَوَاري شَيئًا من شِعْره، رَوَى عنهُ أبو إسْحَاق بن أبي اليُسْر.
أنْبَأنَا أبو إسْحَاق إبْراهيم بن شَاكِر بن عَبْد الله بن سُلَيمان، ونَقَلْتُه من خَطِّهِ، قال: أنْشَدَني الشَّيْخُ الضِّيَاء أبو مُحَمَّد سَعِيْد بن جِبَاءَة المَعَرِّيِّ، ﵀، سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وخَمْسِمائَة بدَاره بباب حجي، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن عليّ بن المُؤيَّد بن حَوَاري لنَفْسِه (١): [من الرمل]
مَنْ عَذِيْري من عذَارى قَمَر (a) … عرَّضَ القَلْبَ لأسْبَاب التَّلَفْ
عَرَفَ (b) الشِّعْرُ الّذي عَارَضَه (c) … أنَّهُ جَارَ عليه فوَقَف
стр. 5469
وقَرَأتُ في مَجْمُوع وَقَعَ إليّ هذه الأبْيَات لسَعِيْد بن جِبَاءَة: [من الكامل]
أنا مَنْ عرفْتَ جَلادَةً وحزامَةً … لكِنْ ذَهبتُ مِنَ الهَوَى بُمغَرَّرِ
إنْ كُنْتَ لم تَخْبُرْ غَرَامي باللِّوَى … فاسْتَخْبِرِ الأحْيَاءَ عنِّي تُخْبَرِ
كم نَظْرَةٍ أبدَتْ أسَىً أَخْفَيتُهُ … عن نَاظِرِ الوَاشِي بما لَم يَنْظُرِ
لو كُنْتُ أَمْلِكُ أمْرَ قَلْبي لَم أكُن … ألْقَى الهَوَى إلا بحُكْمِ مُخبِّرِ
يا صَاحِ كم صَاحٍ تداخَلَ قَلْبَهُ … سُكْرُ الغَرَامِ ووَدَّ أنْ لَم يَسْكَرِ
ظَنَّ الهَوَى سَهْلًا فَوافَقَ صَعْبَهُ … مَعَ زَلَّةِ الشِّعرِ الّتي لَم تُغْفَرِ
سَعِيْدُ بن الحَاضِن الغَسَّانِيُّ الحَلَبِيُّ
قيلِ: إنَّهُ هو القائل في الحُسَين بن حَمْدَان حين كَتَبَ إليه المُقْتَدِرُ في إنْجَادِ ذَكَا الأعْور على بَني تَمِيْم، حين عَائُوا في بَلَدِ حَلَب وأفْسَدُوا فسَادًا كَثيْرًا، فأسْرَى إليهم من الرَّحْبةِ، وواقَعهم على خُنَاصِرَة، وأَسَرَ منهم جَمَاعَة، وقد ذَكَرْنا ذلك في تَرْجَمَةِ الحُسَين بن حَمْدَان (١)، فقال سَعِيْد بن الحَاضِن (٢): [من الرجز]
أصْلَح ما بين تَمِيْم وذَكَا
أَبْلجْ يُشْكِي بالرِّمَاح من شكَا
يُدلُّ بالجَيْشِ إذا ما سَلَكا
كأنَّهُ سُلَيْكَةُ بن السُّلَكَا
стр. 5470
سَعِيْدُ بن حُذَيْفَة بن اليَمَان حُسَيْل - وقيل: حِسْل - بن جَابِر بن عَمْرو بن رَبيعَة بن جُرْوَة بن الحَارِث بن مَازِن بن قُطَيْعَة بن عِيسَى العَبْسِيُّ القُطَعِيُّ الأنْصَاريُّ (١)
بَايَع عليّ بن أبي طَالِب هو وأخُوهُ صَفْوَان بن حُذَيْفَة بوَصِيَّةِ أبيهما إيَّاهمُا بذلك، وشَهِدَا معه صِفِّيْن، فقُتِلَا بها. لهُ ذِكْرٌ.
سَعِيْدُ بنُ حَرْبٍ البَغْرَاسِيُّ، أبو عُثْمان الحافِظُ الأنْطَاكِيُّ (٢)
سَكَنَ بَغْرَاس؛ حِصْن قَرِيب من أنْطَاكِيَة من الحُصُون المَنِيعة.
رَوَى عن عُثْمان بن خُرَّزَاد الأنْطَاكِيّ، وأحمد بن عليّ بن سَعيد القَاضِي المَرْوَزيّ.
رَوَى عنهُ أبو القَاسِم الحَسَن بن مَنْصُور بن النِّمْس، وأبو المُفَضَّل مُحَمَّد بن عَبْدِ الله الشَّيبَانِيّ الكُوْفيّ، وذَكَرَ أنَّهُ سَمِعَ منه ببَغْرَاس.
أخْبَرَنا المُؤيَّد بن مُحَمَّد (a) الطُّوْسيّ في كِتَابِهِ إليْنَا من نَيْسَابُور، قال: أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل أحْمَدُ بن عليّ بن عَبْدِ اللَّطِيْف المَعَرِّيّ بحَلَب، قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ أبو العَلَاءِ
стр. 5471
أحْمَدُ بن عَبْدِ الله بن سُلَيمان المَعَرِّيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثنَا أبو القَاسِم الحَسَنُ بنُ مَنْصُور بن النِّمْسِ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُثْمان سَعيدُ بن حَرْب الحافِظُ الأنْطَاكِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عليّ بن سَعيد القَاضِي المَرْوَزيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن حَسَّان السَّمْتِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُثْمان عَبْد الله بن يَزِيد الحِمْصِيُّ، قال: حَدَّثَني الأوْزَاعِيّ، عن عَبْدَةَ بن أبي لُبَابَة، عن عَبْدِ اللهِ بن عُمَر (١)، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ . إنَّ للهِ قَوْمًا يَخصُّهُم بالنِّعَم لمنَافِع النَّاسِ، يُقِرُّها فيهم ما بذَلُوها، فإذا مَنَعُوها حَوّلَها إلى غيرهم.
سَعِيْدُ بن حَمْدَان بن حَمْدُونَ بن الحَارِث بن لُقْمَان بن الرَّشِيْد بن المُثَنَّى بن رَافِع بن الحَارِث بن غُطَيْف بن مَحْرَبَة (a) بن جَارِيَة (b) بن مَالِك بن عُبَيْد بن [ … ] (c) بن عَدِيّ بن أُسامَةَ بن مَالِك (d) بن بَكْر بن حُبَيْب بن عَمْرو بن غَنْم بن تَغْلِب (٢)
واسْمُ تَغْلِب: دِثَار بن وَائِل.
стр. 5472
هكذا نَقَلْتُ نَسَبهُ من خَطِّ الوَزِبر أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن المَغْرِبيّ (١)، وجَعَل بَيَاضًا بين: عُبَيْد بن، وبين: ابن عَدِيّ.
وهو أبو العَلَاء التَّغْلِبيّ الحَمْدَانِيّ، وَالد الأَمِير أبي فِرَاس الحَارِث بن سَعِيْد، وَلِيَ مَلَطْيَة وسُمَيْسَاط في سَنَة تِسْع عَشرة وثَلاثِمائة، ذَكَرَ ذلك السَّلِيْل بن أحْمَد بن عِيسَى في تَارِيْخِه (a).
ووَلِيَ المَوْصِل أيضًا، وغَزَا الرُّوم في سَنَة تِسْع عَشرة وثَلاثِمائة، فأوْغَل وقَتَل وسَبَى وغَنِم.
وكان شَاعِرًا مُجِيْدًا، وإيَّاه عنِّي أبو فِرَاس وَلَدُه في قَصِيْدَتهِ الرَّائِيَّة الّتي (b) يَذْكُر فيها مآثِر أجْدَاده وأهْلهِ (٢): [من الطويل]
أُولئكَ أَعَمَامي ووَالِدِيَ الّذي … حَمَى جَنَباتِ المُلْكِ والمُلْكُ شَاغِرُ
بحَيثُ نسَاءُ الغَادرينَ طَوَالقٌ … وحيثُ إِمَاءُ النَّاكِثِيْنَ حَرَاِئِرُ
стр. 5473
وَقَعَ إليَّ نُسْخَة من شعر أبي فِرَاس، بخَطِّ أبي المَجْد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، شَرْح أبي عَبْد الله بن خَالَوَيْه، وعليها بخَطِّ ابنه أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله: هذه النُّسْخَة قَابَل عليها وَالدِي، ﵀، من أرْبَع نُسخ، وصَحَّت بنِهايَة المُمْكن، وهي بخَطِّه، وقابَلْتُ أنا عليها من نُسْخَةٍ خَامِسةٍ كَثِيْرة الشَّرْح، وقد خَرَّجْتُ ما وَجَدْتُ من الزِّيادَة بخَطِّي في حَوَاشِيها، وها أنا أذْكُر من الأبْيَات والشَّرْح في هذه القَصِيدَة ما تَضَمَّن ذِكْر أبي العَلَاء سَعِيد على صُوْرته، قال بعد هذين البَيْتَيْن، أعني ابن خَالَوَيْه: أبو العَلَاء سَعِيْد بن حَمْدَان كان مُلَازمًا حَضْرة المُقْتَدِر، فكانت أكْثَر مَواقفهِ على بَابهِ، ولمَّا عَظُم أمْرُ الرَّجَّالَة سَارُوا إلى دار المُقْتَدِر في أرْبَعيْن ألْفًا، فهَزَمُوا ابنَ يَاقُوت الحَاجِبَ والسَّاجِيًّة والحَجريَّة، وكان أبو العَلَاء في دَار الخلَيفَة على غير أُهبةٍ، فأمَره بالخُرُوج إلِيهم، ودَفَع إليه جَوْشَنَ المُعْتَضِد، ودِرْع وَصِيْف الخَادِم، فظَاهر بينهما، ويخرج فضرب فيهم بالسَّيْف، وغَشُوه من كُلِّ جانبٍ وأثْخَنُوه بالجِرَاح فثَبَتَ حتَّى هزَمَهم، فلم تَقُمْ لهم قائمةٌ إلى اليَوْم.
وبخَطِّ أبي الحَسَن في الحَاشِيَة: فقال فيه هَوْبَر الكِنَانِيّ، من وَلد هَوْبَر صَاحِب تَغْلِب في حَرْب قَيْس وتَغْلِب، قَصِيدَةً يَمْدَحُه فيها، منها: [من الخفيف]
يُبْرِزُونَ الوُجُوهَ تَحْتَ ظِلَال الـ …
стр. 5474
عاد إلى القَصِيدَة (١): [من الطويل]
له بسُلَيْم وَقْعَةٌ جَاهِلِيَّةٌ … تُقِرّ بها فَيْدٌ وتَشْهَدُ حَاجِرُ
قال ابنُ خَالَوبه: عارضَتْ بنو سُلَيم الحَاجَّ، وكان الأَمِيرُ أبو العَلاءِ حَاجًّا مُتَطوِّعًا، فأوْقَع بهم وهَزَمَهُم، فكَتَبَ إليهِ أخُوهُ أبو السَّرَايَا نَصْر بن حَمْدَان، وكان هو وأبو العَلَاء شَاعِري (a) بني حَمْدَان: [من الخفيف]
جَاءَني المُخْبِرُ الخَبِيْر بأنْ قد … زَأَرَتْ حَوْلَكَ الأُسُودُ زَئِيرا
حَوّطَتْ غَارةً عليكَ سُلَيْمٌ … فثَنَيْتَ العِنَانَ فيهِمْ مُغِيْرَا
لم تَزَلْ بالحُسَامِ تَبْري رُؤوسًا … وَبحَدِّ السِّنَان تَفْري النُّحُورا
وبِوُدِّي أنِّي حضَرتُ فأغْنَيـ …
стр. 5475
نُبِّئْتُها تَسْألُ عَن مَوْقِفِي … بأرْضِ شَرْجٍ والقَنَا شُرَّعُّ
وعن عُقَيْلٍ إذ صبَحْناهُمُ … وقَد تَلَاقَى الحُسْرُ والدُّرَّع
شَدَدْتُ فيهم شَدَّ ذي صَوْلةٍ … قَدْ جَرَّبتْهُ الحَرْبُ لا يُخْدَع
عَادَ إلى القَصِيدَة (١): [من الطّويل]
يُقَصِّر عُمْر الحقْد في ظِلِّ غَزْوه … بصَوْلة نائي الخَوْف والمَوْتُ حَاضِرُ
رَمَى الله منْهُ الرُّوْم في كُلِّ مَعْقِلٍ … بمُسْتَيقظ أسْرَارُه وهو سَاهِرُ
فَلَم يَسْتَتر خَاف ولَم يَنْج هَاربٌ … ولم يَمْتَنِعْ حِصْنٌ ولم يُهْد حَائِرُ
وكلّ مشيدٍ رُدّ كسرًا بحَسْرةٍ … فبُطْنَانُه للمُسْلِمين ظَوَاهِرُ
كأنَّ الثُّرَيَّا في يلَامق أَهْلِهِ … تُشَاكلُها في لَمْعها وتُحَاوِرُ
وقَرَأتُ في غير النسْخَة المَذْكُورَة شَرْح هذه الأيات: قال ابنُ خَالَوَيْه: غَزَا أبو العَلَاءِ سَعيْدُ بن حَمْدَان وسَيْفُ الدَّوْلَةِ أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد اللّه بن حَمْدَان من مَلَطْيَة حتَّى أغارا على مَدَائن الرُّوم: ويلفد (a) وسَمَنْدُو، وأغارا على الصَّفْصَاف ووَادِي سَابُور، فأحْرَقا المَدَائِن، وسَبَيَا الذَّرَارِيّ، وقَتَلا الحُمَاة، وفَتَحَا الحُصُون، وكانت غَزَاةً عَظِيمَةً جَلِيْلَةً.
стр. 5476
عادَ إلى القَصِيدَة (١): [من الطّويل]
غَزَا الرُّومَ لَم يقْصِدْ جَوَانِب غِرَّة … ولا سَبَقتْهُ بالمُرَادِ النَّذَائرُ
فلم تَرَ إلَّا فَالقًا هامَ فَيْلَق … ونَحْرًا (d) لَهُ تحْتَ العَجَاجَةِ نَاحِرُ (b)
وأبْيَض مَاضِي العَزْم فيْهِم يَقُدّه … بأبْيَض مَاضِي العَزْم أبيضُ زَاهِرُ
وتَسْمعُ من جرْس الحَدِيْدِ بسوْقهم … غِنَاءَ غَوَانٍ ما لهُنَّ مَزَاهرُ
قصَرْن خُطَى صِهْرِ الدُّمُسْتُق وابْنهِ … وفيهنَّ عن سَعْي الضَّلَالَة قَاصِرُ
رَأى الثَّغْر مَثْغُورًا فسَدّ بسَيْفهِ … فَم الدَّهْر عنه وهو سَغْبان فَاغِرُ
مَسَاعٍ يَضِلّ الشِّعْر (c) فيهنَّ جُهْدَه … وتَهْلِكُ في أوْصَافهنَّ الخَوَاطِرُ
ومسْتردَفاتٍ مِن نسَاءٍ وصِبْيَةٍ … تُثَنَّى على أكْتَافهنَّ الغَدَائِرُ (d)
بُنَيَّات أمْلَاكٍ أُتِيْنَ فُجْاءَةً … فهُنَّ (e) وفي أعْنَاقِهنَّ الجَوَاهِرُ
قال: ذَكَرَ غَزَاة أبي العَلَاء بن حَمْدَان، وقد دَخَل من نَوَاحِي مَلَطْيَة في سَنَة تِسْع عَشرة وثَلاثِمائة، فأوْغَلَ في بَلَدِ الرُّوم، وقَتَلَ وسَبَى وغَنِم، وكان معهُ خسَة آلاف فَارِس من العَرَب، كُلّ ألفٍ بلون من العَذَب والرَّايَاتِ على رِمَاحهم.
قال ابنُ خَالَوَيْه: ومآثِر أبي العَلَاء أكْثَر من أنْ تُحْصَى، وهو الّذي ضَمِنَ عن بَنِي البَرِيْدِيّ سّتمائة ألف دِيْنارٍ ثُمَّ أمَرهُمِ بالهَرَب، ودَارَى السُّلْطان عنهم حتَّى صَلح أَمْرُهم، وأقَرَّهُم على أعْمَالِهم فما دَخَلُوا مَدِينَة السَّلام إلَّا مَالكيْها، وأهْدوا إلى أبي العَلَاء هَدِيَّةً بألفِ ألف دِرْهَمٍ فلم يَقْبَل منها إلَّا عِمَامَة خَزٍّ، وله مِثْل ذلك كَثِيْر.
стр. 5477
نَقَلْتُ من كتابِ المَأْثُور من مُلَح الخُدُور، تأليف الوَزير أبي القَاسِم بن المغرِبيّ بخَطِّه، وذَكَرَ نَسَبَ أبي العَلَاء كما أوْرَدناهُ، وكَتَبَ بعدَهُ: وبعضُ حُسَّادِ هؤلاء القَوْمِ يَرْميهم بالدِّعْوَة (١)، ويقُول: إنَّهم مَوَالي إسْحَاق بن أيُّوبَ التَّغْلِبِيّ، وذلك بَاطِلٌ! وأصْلُه أنَّ كَثِيْرًا منهم أسْلَمُوا على يَدِ إسْحَاق هذا، فتَطَرَّق القَوْلُ عليهم لأجْلِ ذلك، وقد قال الشَّاعر: [من البسيط]
إنَّ العَرَانين تلْقَاها محُسَّدَةً … ولن تَرَى للئَام النَّاس حُسَّادَا
قال الوَزِيرُ أبو القَاسِم، ونَقَلْتُه من خَطِّه: كان أبو العَلَاء سَعِيْد بنُ حَمْدَان مُلَازمًا بَغْدَاد، وخَاصًّا بحَضْرَة المقتَدِر، قالوا: فكانت أكْثَر مَوَاقِفه على بابهِ، وكانوا في بعضِ الأوْقَات سَارُوا إلى قَصْر المقدِر مُشَغِّبين عليه، فهزمُوا مُحَمَّد بن يَاقُوت والحجَريَّة والسَّاجَيَّة، وكان أبو العَلَاء بن حَمْدَان في دَار المقتَدِر على غير أُهبةٍ، فأمَرَهُ بالخُرُوج إليهم ودَفَع إليهِ جَوْشَن المعتَضِد باللّه، ودِرْع وَصِيْفٍ الخَادِم، فظَاهَر بينهما، وخرج مع منْ حَضَر من غِلْمَانه، فضَرَب فيهم بالسَّيْف، وغَشُوهُ من كُلِّ جَانبٍ، وأثْخَنوهُ بالجِرَاح، فثَبَتَ حتَّى هَزَمَهم، فقال فيه هَوْبَر الكِنَانِيّ من وَلد هَوْبَر صَاحِب تَغْلِب في حَرْب قيس وتَغْلِب، قَصِيدَةً يَمدَحه فيها، منها: [من الخفيف]
يُبْرِزُونَ الوُجُوهَ تحتَ ظِلَالِ الـ … ـمَوْتِ والمَوتُ مِنْهُمُ يَسْتَظِل
كُرَمَاءٌ (a) إذا الظُّبَى واجَهَتْهُمْ … منَعَتْهُم أحْسَابُهُمْ أنْ يَزلُّوا
قال الوَزِيرُ أبو القَاسِم، ونَقَلْتُه من خَطِّه: وكان أبو العَلَاءَ شَاعِرًا، يُعَدُّ من شُعَرَاء بَنِي حَمْدَان، وكان أوْقَعَ ببني عُقَيْل بمَوضع يُقال له شَرْج من أرْضِ (b)
стр. 5478
العَاليَةِ ورَاءَ نَجْدٍ، فظَفِرَ بهم بعد قِتَالٍ شَدِيدٍ، وقال: [من السريع]
نُبِّئْتُها تَسْألُ عن مَوْقفِي … بأرْضِ شَرْجٍ والقَنَا شُرَّعُ
وعن عُقَيْلٍ إذْ صبَحْناهُمُ … وقد تَلَاقَى الحُسْرُ والدُّرَّعُ
وَقَد أتانا مِنهُمُ فَيْلَقٌ … حَامٍ حمَاهُ ما لَهُ مَدْفِع
شَدَدْتُ فيهم شَدَّ ذِي صوْلَةٍ … قد جَرَّبَتهُ الحَرْبُ لا يُخْدَعُ
إذ فُلِقَتْ هَامُ أُسُودِ الوَغَى … وقُطَّتِ (a) الأسْوُقُ والأذْرُعُ
ووَجَدْتُ في هذه الأبياتِ زِيَادَةً قرأتُها بخَطِّ الوَزِير أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن مَسْعُود بن الحُصَيْن (١)، وهي بعد البيت الثَّالث: [من السريع]
حتَّى إذا ما كَشَّرتْ نَابَها … وعِيْفَ كأسُ المَوْتِ لا يُكْرَعُ
نَجْنِي نُفُوسًا بَيْنَ سُمْرِ القَنَا … فَهْيَ كَكَرِّ الطَّرْفِ أو أَسْرع
وبعد بَقِيَّة الأبْيَات خَتَمها بقَوْلهِ: [من السريع]
لا تزجُريني عَنْ طلَابِ العُلَا … ما إنْ ينالُ العِزَّ مَن يضْرَعُ
أنا سَعيدٌ وأَبي أحْمَدٌ … بالسَّيْف ضَرِّي وَبِهِ أنْفَعُ
أرادَ بقَوْله: وأبي أحْمَد: حَمْدَان، لأنَّ اشْتِقاقهما واحدٌ.
ونَقَلْتُ من خَطِّ الوَزِير أبي القَاسِم: وغَزَا أبو العَلَاء سَنَة تِسْع عَشرة وثَلاثِمائة، فأوْغَل في بلاد الرُّوم وقَتَل وسَبَى وغَنِم، وكان معه خَمْسَة آلاف فَارِس من العَرَب، كُلّ ألفٍ بلون من الرَّايَاتِ والعَذب على أرْمَاحهم. وهذا مَنْظرٌ عَجَبٌ إذا تَصَوَّرْتَه.
стр. 5479
وأبو العَلَاء - فيما قالُوا - كَنَ عن بَنِي البَرِيْدِيّ ستّمائة ألف دِيْنار، ثمّ أمَرَهُم بالهَرَب، ودَارَى السُّلْطان عنهم حتَّى أصْلح أمْرَهُم وأقَرَّهم على أعْمَالِهم، فما دَخُلوا مَدِينَة السَّلام إلَّا مَالكيْها، وأهْدَوا إلى أبي العَلَاء هَدِية بألفِ ألف دِرْهَمٍ فلم يَقْبل منها إلَّا عِمَامَة خَزٍّ.
ذَكَرَ مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ في كتاب عُنْوَان السِّيَر (١)، قال: أبو العَلَاء سَعيد بن حَمْدَان، وكان في عَسْكَرِ اقتَدِر باللّهِ خَمْسَة آلافٍ من السُّوْدانِ، ومَنَازِلهِم بدَرْب عَمَّار، فكَثُر تَحكُّهُم وشَغبُهُم، فأوْقَع بهم أبو العَلَاء بن حَمْدَان في سَنة ثَمان عَشرة وثَلاثِمائة، وأحْرَق مَنَازِلهم، وبَطُل أمْرَهم من الدَّوَاويْن والدُّنْيا، وتقدَّم أبو العَلَاءَ عند الرّاضِي باللّه لأنَّه نَصَر أباهُ في حَربهِ.
واغْتَالَهُ ابنُ أخيْهِ أبو مُحَمَّد ناصِرُ الدَّوْلَة، وقُتِلَ (a) بالمَوْصِل سَنَة أرْبَعٍ وعِشْرين وثَلاثِمائة.
سَعِيْد بن حُمْرَة بن مَالِك الهَمْدانِيّ الأُرْدُنِيّ (٢)
من الغُزَاةِ المَذْكُورين، غَزَا الرُّوم واجْتازَ بحَلَب في غَزَواته.
ذَكَرَ أبو مُحَمَّد عَبْد اللّه بن سَعيد القُطْرُبُّليّ، عن الوَاقِدِيّ، قال: قال مَشْيَخَة من أهْلِ الشَّام: كان سُفْيان بن عَوْف الأزْدِيّ قد اتَّخَذَ من كُلِّ جُنْدٍ من أجْنَادِ الشَّام رجَالًا أهْل فُرُوسِيَّة ونَجْدَة وعَفَاف وسِيَاسَة للحَرْب، وكانُوا عدَّة له قد عَرَفهم وعُرِفوا به، فسُمِّي لنا منهم من جُنْد الأُرْدُنّ: سَعيد بن
стр. 5480
حُمْرَة (a) بن مَالِك الهَمْدانِيّ، وحُبَيْش بن دُلَجَة القَيْسِيّ، وعَبْد الله بن مَكْشُوح المُرَاديّ، وذَكَرَ غيرهم.
أنْبَأنَا أبو الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: سَعيد بن حُمْرَة بن مَالِك الهَمْدانِيّ، من أهْلِ الأرْدُنّ، كان غَزَّاءً يَغْزُو الرُّوم، ويَجْتَازُ بدِمَشْق.
سَعِيْدُ بن حَمْزَة بن أحْمَد بن الحَسَن بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن الحارِث بن سَارُخ، أبو الغَنائِم النِّيْلِيُّ الكَاتِبُ (٢)
حَدَّثَ عن أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن الحرَانيّ، وأبي المُظَفَّر (c) هِبَة اللّه بن أحْمَد بن الشِّبْليّ.
وكان شَاعِرًا من أهْل النِّيْل، من عَمَل الحِلَّة المَزْيَديَّة، يَشْتَمل على قُرَىً كَثِيْرة، قَدِمَ حلَبَ، ودَخَلَ منها إلى بَلَد الرُّوم، رَوَى عنه رَفِيْقنا الحافِظ مُحِبّ الدِّين أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن محمُود بن النَّجَّار.
أنْبَأنَا أبو عَبْد الله بن النَّجَّار، قال: أخْبَرَنَا سَعيد بنُ حَمْزَة الكَاتِب بقِرَاءَتي عليه، قال: أخْبَرَنَا أبو (d) عَبْد اللّه بن الحرَانيّ، قال: أخْبَرَنَا الحُسَين بنُ طَلْحَة،
стр. 5481
قال: أخْبَرَنَا عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللّه بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عَمْرو (a) بن البَخْتَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بنُ الوَلِيد الفَحَّام، قال: حَدَّثَنَا أبو أحْمَد الزُّبيرِيّ، قال: حَدَّثَنَا خَلَفُ بن طَهْمَان أبو العَلَاءِ الخفَاف، قال: حَدَّثَني نَافِع بن أبي نَافِع، عن مَعْقِل بن يَسَار (١)، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: مَنْ قال حين يُصْبحُ: أعُوذُ بالسَّمِيع العَلِيم من الشَّيْطان الرَّجيم، وقَرأ الثّلاثَ [آياتٍ] (b) من آخر سُوْرة الحَشْر، وكَّلَ اللّهُ به سَبْعِين ألف مَلَكٍ يُصَلُّون عليه حتَّى يُمْسِيّ، ومَنْ قالها مَسَاءً، فمثل ذلك.
وقال: أنْشَدَنا أبو الغَنائِم سَعيد بن حَمْزَة الكَاتِب لنَفْسِه (٢): [من الطّويل]
لقد هَجَرتني أُمّ هَاجَرَ وابْتَدَتْ … تَقُول لقد خَابَتْ لنا فِيْكَ آمَالُ (c)
رَأتْ رَجُلًا أَعْشَى مُسِنًّا وما بهِ … حِرَاكٌ وقد أرْدَاهُ بُؤسٌ وإقْلَالُ
ومَنْ جَاوَزَ التِّسْعِين عَامًا تَعُدْ له (d) … برُودُ قُواهُ رثَّةٌ (e) وَهْيَ أَسْمالُ
ولمَّا رَأتْ شَيْبي وفَقْري تَنَكَّرَتْ … وصَدَّت وحَالَتْ حين حالَتْ بي الحَالُ
وماذا على (f) مثْلي مُحِبٌّ وما له … شَفِيْعٌ إليها لا [شَبابُ] (a) ولا مَالُ
أنْبَأنَا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن أبي الحَجَّاج، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب، قال: [ … ] (h).
أخْبَرَنَا أبو عَبْد الله بن النَّجَّار كتابةً، قال: سَعِيْدُ بن حَمْزَة بن أحْمَد بن
стр. 5482
الحَسَن بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن الحَارِث بن سَارُخ، أبو الغَنائِم الكَاتِبُ، من سَاكني قَرَاح ابن أبي الشَّحْم (١)، كان كَاتبًا يتَصَرَّف في الأعْمَالِ الدِّيْوَانيّة، وفيه فَضْلٌ وأدَبٌ، ويقُول الشِّعْر الحَسَنَ ويَتَرسَّل، وقد سَمِعَ شَيئًا من الحَدِيْث من أبي عَبْد اللّه مُحمّد بن عَبْد اللّه بن عَبْد الحَميْد بن الحَرَّانيّ الشَّاهِد، وأبي المُظَفَّر هِبَة اللّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الشِّبْل، كَتَبْنا عنهُ، وكان حَسَنَ الأخْلَاق، لَطِيْفَ الطَّبْع، كَيِّسًا.
وقال: سَألتُ أبا الغَنائِم عن مَوْلدِه، فقال: وُلدتُ بالنِّيْل لثَلاثٍ خَلَوْنَ من شَهْر رَبِيع الأوَّل من سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسمائة، ودَخَلْتُ بَغدَاد بعد عِشْرين سَنَةً من عُمري. وتُوفِّيَ في شَهْر رَمَضَان سَنَة ثَلاث عَشْرة وسِتّمائة يَوْم الجُمُعَة لعَشْرٍ خَلَوْنَ منه، ودُفِنَ بمَقَابِر قُرَيْش.
أنْبَأنَا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المُنْذِريّ (٢)، قال في ذِكْر مَنْ ماتَ في سَنَة ثلاث عَشرة وسِتّمائة: وفي شَهْر رَمَضَان تُوفِّي الشَّيْخ أبو الغَنائِم سَعيد بن حَمْزَة بن أحْمَد بن الحَسَن بن سَارُخ النِّيْلِيّ الكَاتِب ببَغْدَاد، ومَوْلده بالنِّيْل لثَلاثٍ خَلَوْنَ من شَهْر رَبِيع الأوَّل سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة.
سَمِعَ ببَغْدَادَ من أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عَبْد اللّه (a) بن الحَرَّانيّ، وأبي المُظَفَّر هِبَة اللّه بن أحْمَد بن الشِّبْليّ (٣)، وحَدَّث، وكان لهُ شِعْرٌ، ومَدَح جَمَاعَةً من الأُمَرَاءِ والوُلَاةِ، ودَخَلَ إلى بلادِ الرُّوم والشَّام.
стр. 5483
سَعِيْدُ بن رَحْمَة بن نُعَيْم، أبو عُثْمان الأصْبَحِيُّ المِصِّيْصيُّ (١)
من أهْل المِصِّيْصَة.
حَدَّثَ عن أبي إسْحَاق الفَزَارِيّ، وعبد اللّه بن المُبارَك، ومُحَمَّد بن حِمْيَر (a)، ومُحَمَّد بن شُعَيْب بن شَابُور، وعليّ بن بَكَّار المِصِّيْصيّ، وإسْمَاعِيْل الجَعْفَرِيِّ الكُوْفيّ.
رَوَى عنهُ أبو يُوسُف مُحَمَّد بن سُفْيان بن مُوسَى الصَّفَّار، وعبد اللّه بن أحْمَد بن مَعْدَان الغَزَّاءُ، ومُحَمَّد بن حَمَّاد، ومُحَمَّد بن عُثْمان المِصِّيْصيُّون، وعُمَيْر بن يُوسُف بن جَوْصَا، ومُوسَي بن عبد الرَّحْمن القَلَّاء الحَلَبِيّ، وإبْراهيم بن مَتُّوْيَهْ الأصْبَهَانِيّ، ومُحَمَّد بن المُبارك بن حَمَّادٍ الضَّبِّيِّ، وأبو بِشْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن حَمَّاد، وأبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن بِشْر الطَّالَقَانِيّ.
أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا عَمُّ أبي الحافِظ أبو القَاسِم عليِّ بن الحَسَن (٢)، قال: أخْبَرَنَا أبو غَالِب أحْمَد بن الحَسَن بن البَنَّاء، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن بن الآبِنُوسِيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو إسْحَاق إبْراهِيم بن مُحَمَّد بن الفَتْح الجِلِّيِّ (b)، قال: حَدَّثَنَا أبو يوسُف مُحَمَّد بن سُفْيان بن موسى (c) المِصِّيْصيّ، قال: حَدَّثَنَا سَعِيد بن رَحْمَة بن نُعَيْم، قال: سَمِعْتُ عَبْد اللّه بن المُبارك، عن عَبْد الحَميْد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرَّحْمن بن غَنْم، عن
стр. 5484
مُعَاذ بن جَبَل (١)، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: والّذي نفس مُحَمَّد بيَده ما شحبَ وَجْهٌ ولا اغْبَرَّت قَدَمٌ في عَمل يُبْتَغى به دَرجات الجَنَّة، بعد الصَّلاةِ المَفْرُوضَة، كجِهادٍ في سَبِيْل اللّه (a)، ولا ثَقُلَ مِيْزَانُ عَبْدٍ كدَابَّةٍ تَنْفُقُ له في سَبِيْل اللّه أو يُحْملُ عليها في سَبِيْل اللّه .
أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد عَبْد العزِيز بن الحُسَين بن هِلالَة الأنْدَلُسِيُّ، قال: أخْبَرَنَا أَسْعَد بن أبِي سَعيد الأصْبَهَانِيّ، قال: أخْبَرَتْنا فاطِمَةُ بِنْتُ عَبد اللّه بن أحْمَد بن القَاسِم بن عَمِيل الجُوزْدَانِيَّة (b)، قالت (c): أخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن رِيْذَة، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم سُليْمان بن أحْمَد الطَّبَرَانِيّ، قال: أخْبَرَنَا إبْراهيم بن مَتُّويَهْ الأصْبَهَانِيّ، قال: [حدَّثنا سَعِيْد بن رَحْمَة المِصِّيْصيّ، قال: حدَّشنا: مُحمَّد بن حِمْيَر، عن إبْرَاهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن عِكْرمَة، عن ابن عَبَّاس، قال: قال رَسُول اللّه ﷺ : مَنْ نَبَت لَحْمُه من السُّحْت، فالَّنار أوْلَى بهِ، ومَنْ أكَل دِرْهَمًا من رِبَا فهو ثَلاثة وثلاثُون زنْيَة] (d).
أنْبَأنَا يُوسُف بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنَا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن إسْمَاعيْلِ الطَّرَسُوسِيّ إجَازَةً، عن أبي الفَضْل مُحَمَّد بن طَاهِر القدِسِيّ، قال في الأحَادِيْث الَّتي روَاها الكَذَبَةُ والمَجْرُوحُون والضُّعَفَاء والمَتْرُوكُون (٢) حَدِيث: مَنْ أكل درْهمًا من رِبًا فهو مثْل ستَّةٍ وثَلاثين زنْية، قال: وفيه سَعِيد بن رَحْمَة بن نُعَيْم المِصِّيْصيّ، وسَعِيْد هذا ليس بحُجَّة.
стр. 5485
وقال في حَدِيث (١): مَنْ أعانَ ظَالِمًا ليدْفَع ببَاطِلهِ حَقًّا: فيه سَعِيد بن رَحْمَة المِصِّيْصيّ ليس بحُجَّة في الحَدِيْث، مُنْكَرَهُ.
سَعِيْدُ بن زَيْد بن خَالِد، أبو عُثْمان الهاشِميّ مَوْلاهم الحِمْصِيّ (٢)
شَاعِرٌ من أهْلِ حِمْص، حَدَّثَ عن دِيْك الجِنّ عَبْد السَّلام بن رَغْبَان الحِمْصِيّ بحَدِيثٍ قد سُقْناهُ عنه عن دِيْك الجِنّ في تَرْجَمَتِهِ (٣) فيما يَأتي بَعْدُ في كتابنا هذا (a) إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى، رَوَاهُ عنه عَبْدُ اللّه بنُ مُحَمَّد الفَارسِيِّ الشَّاعر.
قَدِمَ حلَبَ، وسَمِعَ منه بها أبو القَاسِم الحُسَين وأبو الحُسَين أحْمَد ابْنَا عليّ بن أبي أُسامَة الحَلَبِيَّان.
أخْبَرَنَا الخَطِيبُ أبو القَاسِم عَبْد المُحْسِن بن عَبْد اللّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الطُّوْسيّ في كِتَابِهِ إليْنَا من المَوْصِل غير مَرَّة، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي عبدُ الرَّحْمن بن أحْمَد بن مُحَمَّد، بقِرَاءَتي عليه يَوْم الثُّلاثَاء تَاسِع عَشر رَمَضَان سَنَة إحْدَى وسِتِّين وخَمْسِمائَة، قال: أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور عَبْد المُحْسِن بن عليّ بن مُحَمَّد التَّاجر، قال: أنْشَدَنا أحْمَد بن عليّ المَدَائِنِيّ بحَلَب.
قُلتُ: ونَقَلْتُه أيضًا من خَطِّ المَدَائِنِيّ في مَجْمُوعٍ وَهَبْنِيْه وَالدِيّ، قال: حَدَّثَنِي أبو الحُسَين أحْمَد بن أبي أُسامَة، قال: أنْشَدَنا سَعيد بن زَيْدٍ الحِمْصِيُّ، قال: أنْشَدَنا دِيْكُ الجِنّ لنفسِه (٤): [من الخفيف]
стр. 5486
وعَزِيزٍ بين الدَّلَالِ وبين الـ … ـمُلْكِ فارَقْتُهُ على رَغْمِ أنْفِي
لم أكُنْ أُعْلِم الزَّمان بِحُبِّيهِ … فيَجْني فيْهِ عليَّ بصَرْفِ
صُنْتُ عن أكْثَري هَوَاهُ فما … يَعْلَمُ ما بي إلَّا فُؤادِي وطَرْفي
والّذي نَقَلْتُهُ من خَطِّ المَدَائِنِيّ:
وعَزِيْرٍ بينَ النَّعِيْم وبين المُلْكِ
سَعِيْدُ بن سَعيد الفَارِقِيّ، أبو القَاسِم النَّحْوِيّ (١)
أدِيبٌ فَاضِلٌ، عَارِفٌ بالعَرَبِيَّة، وَقَفْتُ لهُ على مُصَنَّف فيهِ تَقْسِيمات العَوَامِل وعِلَلها في النَّحو، وله كتاب تَفْسِير المَسَائِل المُشْكِلة في أوَّل المُقْتَضَب لأبي العبَّاسِ المُبَرَّدِ.
قَرأ العَرَبِيَّة على عليّ بن عِيسَى الرَّبَعِيِّ، وسَمِعَ بحَلَب أبا عَبْد اللّه الحُسَين بن أحْمَد بن خَالَوَيْه، ورَوَى عن عَبْد اللّه بن أحْمَد العَجَمِيّ خَبَرًا رَوَاهُ عنه أبو مُحَمَّد الحَسَن بن مُحَمَّد الخَلَّال الحافِظ.
أخْبَرَنَا به أبو المُظَفَّر عبد الرَّحيِم بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ في كتابهِ، عن أبي المَعَالِي عَبْد اللّه بن أحْمَد البَزَّاز، قال: أخْبَرَنَا أبو سَعْد مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الأسَدِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن مُحَمَّد الخَلَّال الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم سَعِيْدُ بن سَعيدٍ الفَارِقيّ النَّحْوِيِّ - إمْلاءً في جَامِع المَدِينَة، وما كَتَبْتُه إلَّا عنه، وليس عندي عنهُ غيره، في رَجَب سَنَة خَمْسٍ وسَبْعِين وثَلاثِمائة - قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ اللّه بن أحْمَد العَجَمِيّ، قال: حَدَّثَنَا ابن دُريْد، عن عبد الرَّحْمن،
стр. 5487
عن عَمِّه، قال: سَمِعْتُ يُونُسَ بن حَبِيْب يَقُول: كان يُنَادِم المُنْذِرَ بن ماءَ السَّماء جَدّ النُّعْمان بن المُنْذِر بن المُنْذِر رَجُلان من بَني أَسَدٍ، يُقال لأحَدِهما خَالِد بن المظل (a) والآخر عَمْرو بن مَسْعُود بن كَلَدَة، وهُما اللَّذان عَنَاهُما (b) الشَّاعر بقَوْله: [من الطّويل]
ألَا بَكَر النَّاعِي بخَيْرَيْ (c) بَني أَسَدْ
فشَربَ لَيْلَةً معهما، فراجَعَاهُ الكَلَام، فأغْضَبَاهُ، فأمَرَ أنْ يُحْفَر لكُلّ واحدٍ منهما حَفِيرة بظَهْر الكُوفَة، ويُجْعلَان في تَابُوتَين ثُمَّ يُدْفَنان في الحَفِيْرة، ففُعِلَ بهما ذلك، فلمَّا أصْبَحَ سَأل عنهما فأخْبَرُوه بهَلَاكِهما، فرَكِبَ حتَّى نَظَر إليهما فأمرَ ببِنَاءِ الغَرِيَّين، فبُني عليهما، ثمّ جَعَل لنَفْسِه يَوْمَيْن في السَّنَة يَجْلسُ فيهما عند القَبْرين، سَمَّى أحدَهمُا يَوْمِ نَعِيْم والآخر يَوْمَ بُؤْس، فكان يُوضَعُ سَرِيرُه بينهما، فأوَّلُ مَنْ يطلُعُ عليه في يَوْم نَعِيْمهِ وهو على سَرِيره يُعْطيهِ مائةً من الإِبِلِ سُهْمًا، وهي السُّوْد وكانت ممَّا يَقْتَنيها المُلُوكُ، وكان أوَّل مَنْ يُشْرف عليهِ في يَوْم بُؤسهِ يُعْطِيه رأسَ ضَرِبان، ثمّ يأمرُ به فيُذْبَح ويُغَرَّي بدَمِهِ الغَرِيَّيْن، فلَبثَ بذلك بُرْهَةً من دَهْره يُعْطي ويَقْتُل ويُغَرِّي بدِمَاءِ القَتْلى الغَرِيَّيْن.
فبينما هو ذات يَوْم من أيَّام بُؤْسِه، إذ طلَعَ عليه عَبِيْدُ بن الأبْرَص الأسَدِيّ أوَّل مَنْ أشْرَف عليهِ، فقال له المُنْذِر: هَلَّا كان الذَّبْح لغيركَ يا عَبِيْدُ؟ قال: أتَتْكَ بحَائنٍ رِجْلاهُ؛ فأرْسَلَها مَثَلًا، فقال المُنْذِر: أو أجَلٌ بَلَغَ أنَاهُ، قال: أنْشِدني يا عَبِيْدُ شِعْركَ فإنَّهُ يُعْجبُني، فقَال: حَالَ الجَرِيْضُ دُونَ القَرِيْض وبلغَ الحِزَامُ الطُّبْيَيْن. الجَرِيْضُ: غصَّة المَوْت، فأرْسَلَها مثلًا.
стр. 5488
فقال له المُنْذِر: أَسْمِعْنيّ، فقال له عَبيْدٌ: المَنَايا على الحَوَايا، فأرْسَلَها مثلًا، فعَال له بَعْضُ القَوْم: أَنْشِدِ المَلِكَ هَبلَتْكَ أُمُّكَ، قال: وما قَوْل قائلٍ مَقْتُول! فقال له آخرُ: ما أشَدّ جَزعَكَ من المَوْتِ يا عَبِيْدُ؟ قال: لا يَهْتمّ رحْلكَ منْ ليسَ معك، فأرْسَلَها مثَلًا، أي: لا يَدْخُل في أمْرِك مَنْ لا يهتمّ بكَ، قال له المُنْذِر: قد أمْلَلْتَني فأَرِحْنِي قبل أنْ آمُر بِكَ، قال عَبِيْد: مَنْ عَزَّ بَزَّ، أي: مَنْ غَلَبَ كَسَبَ، فأرْسَلَها مثَلًا، فقال له المُنْذِر: أنْشَدَني (١): [من مخلع البسيط]
أقْفَر من سَاكنه (a) مَلْحُوبُ
فقال عَبِيْدٌ: [من السريع]
أَقْفَر من أهْلهِ عَبيْدُ … فاليَوْم لا يُبْدِي ولا يُعِيْدُ
غَتَّتْ له غتَّةٌ (b) نَكُوْدُ … وحَان منهُ لهما الوُرُودُ
فقال له المُنْذِر: أَسْمِعْني قبل أنْ آمُر بذَبْحِكَ، فأنْشَأَ يَقُول: [من المتقارب]
لا غَرْو من عيْشَةٍ نَافِده
وفي أُخْرى (٢): [من المتقارب]
لا خَيْرَ في عيْشَةٍ نَاكِدَة … وهل غَيْرُ ما سُنَّة واحدَهْ
فأبْلغْ (c) بَنيَّ وأعْمَامَهُمْ … بأنَّ المَنَايا هيَ الرَّاصِدَهْ (d)
لها مُدَّةٌ فنفُوسُ العِبَادِ … إليها وإنْ كرهَتْ (e) قَاصِدَهْ
فلا تَجْزَعُوا بحَمامٍ بنا … فللمَوْتِ ما تَلِدُ الوَالِدَهْ
стр. 5489
فقال له المُنْذِر: يا عَبِيْد، لا بُدَّ من المَوْتِ، وقد عَلِمْتَ أنَّ أبي لو عُرِضَ عليَّ في هذا اليَوْم لَم أجِدْ بُدًّا من ذَبْحِهِ، فأمَّا إذ كُنْتَ لها وكانت لك، فاخْتَر إحْدَى ثلاث خِصَالٍ: إنْ شِئْتَ من الأكْحَل، وإنْ شِئْتَ من الأبْجَل، وإنْ شئْتَ مِن الوَرِيدِ، فقال له عَبيْد: أَبَيْتَ اللَّعْنَ؛ ثلاث خِصَال كسَحَابِ عَادٍ، وُرَّادُها شَرُّ وُرَّاد، ومَقَادُها شَرُّ مَقاد، ولا خَيْر فيها لمُرْتَاد، ولكن إنْ كان ولا بُدَّ فاسْقِنِي الخَمْر حتَّى إذا مات لها مَفَاصِلي، وذهَلَتْ لها ذَوَاهِلي، فشَأنُكَ وما تُريد، فأمَرَ المُنْذِر بالخَمْر فسُقِي منها حاجتَهُ حتَّى إذا أخَذَت منهُ، وطابَتْ نفسُه دَعَا به ليَذْبَحَهُ، فأمَرَ بقَتْلِهِ فقال (١): [من الطّويل]
وخَيَّرني ذُو البُؤْسِ في يوم بُؤْسِهِ … خِصَالًا أرَى في كُلّها المَوْتَ قدْ بَرَقْ
كما خُيِّرَتْ عَاد من الدَّهْر مرَّةً … سَحَائِبَ ما فيها لذي خِيرَة أنَقْ
سَحَائب [ريْح] (a) لم تُوكَّلْ ببَلدةٍ … فتَتْركها إلَّا كما لَيْلَة طَلَقْ
فأمَرَ المُنْذِر به، فقُصِدَ حتَّى ماتَ، وغُرِّي بدَمِهِ الغَرِيَّيْن.
قَرأتُ بخَطِّ بَعْض الفُضَلَاء في مَجْمُوع، وأظُنُّه بخَطِّ الشَّريفِ إِدْرِيس بن الحَسَن بن عليّ الإِدْرِيسِيّ المِصْرِيّ، قال من جُزْءٍ ضَخْم جَمَعَ كاتبُه أو مُصَنِّفه (b) فيه تَوَارِيْخ الوَفَاة منذُ سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة إلى آخر سَنَة اثْنَتَيْن وتِسْعِين وأرْبَعِمائة: قُتِلَ الفَارِقِيّ أبو القَاسِمِ سَعِيْدُ بن سَعيد في المَوْكِب بعد المَغْرب عند بُسْتَان الخَنْدَق - يعني بالقَاهِرَة - يوْم الجُمُعَة لسَبع بَقِينَ من جُمَادَى الأُولَى سَنَة إحْدَى (c) وتِسْعِين وثَلاثِمائة، ودُفِنَ مكانَهُ.
стр. 5490
سَعِيْد بنُ سَهْل بن مُحَمَّد بِن عَبْد الله، أبو المُظَفَّر النَّيْسَابُوريّ، ويُعْرفُ بالفَلكِيِّ (١)
حَدَّثَ عن أبي الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد المَدِيْنِيّ، وأبي عليّ نَصْر اللّه بن عُثْمان الخشُنَامِيِّ.
وهو من أهْلِ نيسَابُور، وسَكَن خُوارَزمَ، وكان كَاتبًا مُتَصرِّفًا، ثمّ وَزر لصَاحِب خُوارَزْم، وتمكَّن عندَهُ، ثُمَّ خافَ منه فخَرَجَ إلى الحَجِّ، وقيل: إنَّهُ خَرَجَ من خُوارَزْم أيَّام فِتْنَة الغُزّ، ووصَلَ إلى الشَّام وقَدِمَ حلَبَ (a)، وحَدَّثَ بها بجُزءٍ من حَديث أبي الحَسَن المَدِيْنِيّ ومَجْلِس من إمْلاءِ نَفْسه، ثمّ صَعِدَ إلى دِمَشْق، وحدَّث بذلك الجُزء. وأقْبَل عليه نُور الدِّين محمُود بن زَنْكِيّ، وأنْزَله خَانقَاه السُّمَيْسَاطِيّ، وطلَب زِيَارَة البَيْت المُقَدَّس، فأخَذَ نُور الدِّين له إذْنًا من الفِرِنْج، فزَارَهُ وعادَ إلى دِمَشق فأمْسَكَه نُور الدِّين بدِمَشْق، وجَعَلَهُ شَيْخ رِبَاط السُّمَيْسَاطِيّ، فأثر آثَارًا جَمِيلة، وأقام بدِمَشْق إلى أنْ ماتَ.
رَوَى عنهُ الحافِظ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقِيّ، والحافِظ أبو المَوَاهِب الحَسَن بن هِبَةِ اللّه بن صَصْرَى، وأبو عليّ الحُسَين بن عَبْد اللّه بن رَوَاحَة، وأبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الطَّرَسُوسِيّ الحَلَبِيّ، وعُمَر بن مُحَمَّد العُليَمِيّ أبو الخَطَّاب،
стр. 5491
وكان قد سَمعَ منه بخُوارَزْم، ورَوَى عنهُ تاجُ الإسْلَام أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانِي بالإجَازة.
رَوَى لنا عنْهُ عَمِّي ووَالدِي: أبو غَانِم وأبو الحَسَن، وأخْبَراني أنَّهُ نَزَل بحَلَب بمَدْرَسَة الحَلاوِيِّين عند مُدَرِّسها عَلاء الدِّين عبد الرَّحْمن بن مَحْمُود، وأنَّهُ أمْلَى عليهم هذا الجُزء في سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة.
ورَوَى لنا عنْهُ من الدِّمَشقيِّيْن أبو عَبْدِ اللّه مُحَمَّد بن حُسَيْن بن المُجَاوِر، وأبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن هِبَة اللّهِ زَيْنُ الأُمَناء، ومُحَمَّد بنُ غَسّان بن غَافِل الأنْصَاريّ، والسَّلَّار بَهْرَام بن مَحْمُود بن بَخْتِيار الأتَابِكيّ، ووَلدُه مُحَمَّد بن بَهْرَام.
أخْبَرَنَا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد، ووَالدي أبو الحَسَن أحْمَد ابْنَا أبي الفَضْل هِبَة اللّه بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قراءةً منِّي عليهما بحَلَب، قالا: حَدَّثَنَا أبو المُظَفَّر سَعيد بن سَهْل الفَلَكِيِّ إمْلاءً بحَلَب، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عُبيد اللّه (a) المَدِيْنِيّ، قال: أخْبَرَنَا الشَّيْخُ أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن إبْراهيم بن مُحَمَّد المُزكِيّ ﵀، قال: أخْبَرَنَا عبد البَاقي بن قَانِعٍ الحافِظ، قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ الوَارِث بن إبْراهيم العَسْكَريّ، قال: حَدَّثَنَا سَيْف بن مِسْكِين، قال: حَدَّثَنَا المبُارَكُ بن فَضَالَة، عن الحَسَن، قال (١): قال عُتَيّ (٢): خَرَجْتُ في طَلَب
стр. 5492
العِلم فقَدِمْتُ الكُوفَة، فإذا أنا بعبدِ اللّه بن مَسْعُود ﵁، فقُلتُ: يا أبا عبد الرَّحْمن، هل للسَّاعة من عَلَم يُعْرفُ بهِ؟ قال: سَألْتُ رسُول اللّهِ ﷺ عن ذلك، فقال: من أعْلَام السَّاعَة أنْ يكُون الوَلَدُ غَيْظًا، والمَطَر قَيْظًا، ويفيضُ الأشْرَارُ فَيْضًا، ويُصَدَّق الكَاذبُ، ويُكَذَّب الصَّادِقُ، ويُؤْتَمن الخَائِن، ويُخَوَّن الأَمِين، ويَسُود كُلَّ قَبِيلَةٍ مُنَافِقُوها، وكُلّ سُوْق فُجَّارُها، وتُزَخرف المَحَارِيْبُ، وتخرَب القُلُوبُ، ويَكْتَفي الرِّجال بالرِّجالِ والنِّسَاء بالنِّسَاءِ، وتُخَرَّب عمْرَان الدُّنْيا، ويُعْمَر خَرابُها، وتَظْهَر الفِتْنَة، وأكْل الرِّبَا، وتَظْهَر المَعَازِفُ والطُّبُولُ، وشُرْب الخَمْر، وتَكْثُر الشُّرَط والغَمَّازُون والهَمَّازون.
أخْبَرَنَا أبو القاسِم عَبْد اللّه بن الحُسَين بن عَبْد الله بن رَوَاحَة، قال: أخْبَرَنَا أبي أبو عليّ الحُسَيِن بن عَبْد اللّه بن الحُسَيْن بن رَوَاحَة، قال: أخْبَرَنَا الصَّدْرُ الكَبير الوَزِير الزَّاهِدُ زَيْن الدِّين أبو المُظَفَّر سَعِيْد بنُ سَهْل بن مُحَمَّد الفَلَكِيّ، بقِرَاءَتي عليه يَوْم عِيْدِ الفِطْر سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة، بين حَرَّان والفُرَات، عند وُصُوله من مَكَّة، حَرَسَها اللّهُ، إلى الشَّام، ح.
وأخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم ووَالدِي أبو الحَسَن، وأبو عَبد الله مُحَمَّد بن حُسَيْن بن المجاوِر بحَلَب، وأبو البَرَكات الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن هِبَهَ اللّه، ومُحَمَّد بن غَسَّان بن غَافِل الأنْصَاريّ بدِمَشْق، والسَّلَّار بَهْرَام بن مَحْمُود بن بَخْتِيار الأتَابِكيِّ، ووَلده مُحَمَّد بالمِزَّة من غُوْطَة دِمَشْق، قالوا: أخْبَرَنَا - وقال عَمِّي ووالدي: حَدَّثَنَا - سَعِيْد بن سهلٍ الفَلَكِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنَا الشَّيْخُ أبو القاسِم عبدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد السَّرَّاج، قال: أخْبَرَنَا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عُبْدُوْس الطَّرَائِفِيّ، قال: أخْبَرَنَا عُثْمانُ بن سَعيد الدَّارِمِيِّ، قال: أخْبَرَنَا سَعِيْدُ بن أبي مَرْيَم، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّان، قال: حَدَّثَني أبو حَازِم، عن سهل بن سَعْد
стр. 5493
رَضِيَ اللهُ عنهُ (١): أنَّ رَجُلًا كان من أعْظَم المُسْلِمِيْن غَنَاءً عن المُسْلمِيْن في غَزْوة غَزاها مع رسُول اللّه ﷺ ، فنَظَر إليهِ رَسُول اللّه ﷺ فقال: مَنْ أحَبَّ أنْ ينظُرَ إلى رَجُلٍ من أهْل النَّارِ فليَنْظُر إلى هذا! فاتَّبَعَهُ رجُلٌ من القَوْمِ وهو على تلك الحالِ من أشَدِّ النَّاسِ على المشرِكين، حتَّى جُرح، فاسْتَعجلَ المَوْت فجَعَل ذُبَابَة سَيْفه بين ثَدْيَيْهِ حتَّى خَرَج من بين كَتفَيْهِ، فأقْبَل الرَّجُل الّذي كان معَهُ إلى رسُول اللّه ﷺ مُسْرِعًا، فقال: إنِّي أشْهَدُ أنَّك رسُول اللّه، فقال له رسُول اللّه ﷺ : وما ذاك؟ قال: قلتَ: مَنْ أحَبَّ أنْ ينظُر إلى رَجُلٍ من أهْل النَّار فليَنْظُر إلى هذا، فكان من أعْظَمنا غَنَاءً عن المُسْلِمِيْن، فقُلْتُ: إنَّهُ لا يَمُوتُ على ذلك، فلمَّا جُرِحَ اسْتَعجل المَوْتَ فقَتَلَ نَفْسَهُ، فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : إنَّ العَبْدَ ليَعْمَلُ عَمَلَ أهْل الجَنَّة، وإنَّهُ لمن أهْل النَّار، ويَعْمل بعَمَل أهْل النَّار وإنَّهُ لمن أهْل الجَنَّة، وإنَّما الأعْمَالُ بالخَوَاتيْم.
أخْبَرَنَا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمعُ، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بِن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قِرَاءَةً عليْنَا من لفظه، قال: أخْبَرَنَا سَعِيْد بنُ سَهْل الفَلَكِيّ إجَازةً، ح.
وأخْبَرَنَا وَالدِي وعَمِّيّ، قالا: أمْلَى علينا أبو المُظَفَّر سَعِيْد بن سَهْل بحَلَب، ح.
وأخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن حُسَيْن المُجَاوِر (a) بحَلَب وبدِمَشْق، وزَيْن
стр. 5494
الأُمَناء أبو البَرَكَات، ومُحَمَّد بن غَسَّان بدِمَشْقَ، قالُوا: أخْبَرَنَا أبو المُظَفَّر سَعيْدُ بن سَهْل، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ اللّهِ بن أحْمَد بن عُثْمان الخُشْنَامِيّ إمْلاءً، قال: أَخْبَرَنا أَبُو سَعِيد مُحَمَّد بن مُوسَى بن الفَضْل الصَّيْرَفِيّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو العباسِ مُحَمَّد بن يَعْقُوب الأصَمُّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ سِنان القَزَّازُ، قال: حَدَّثَنَا محبوب بن الحَسَن الهاشِميّ، قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عن الحَسَن، عن عِمْران بن حُصَيْن ﵄ (١): أنّ رَجُلًا أَعْتَق ستَّةً مَمْلُوكين له عند مَوْتهِ، لَم يكُن له مالٌ غيرهم، فبَلَغَ ذلك النَّبِيّ ﷺ فجَزَّأهُم ثلاثةً، ثمّ أقْرَع بينهم، وأَعْتَقَ اثْنَين وأَرَقّ أرْبَعةً.
أخْبَرَنَا عَمِّيّ، ووَالديّ، وأبو عَبْد الله بن المُجَاوِر، وأبو البَرَكَات بن عَسَاكِر، ومُحَمَّد بن غَسَّان الأنْصَاريّ، وبَهْرَام بن مَحْمُود، وابنه مُحَمَّد، قالوا: أخْبَرَنَا أَبُو المُظَفَّر سَعِيْد بن سَهْل الفَلَكِيّ - قال عَمِّي ووَالدي: إمْلاءً بحَلَب - قال: أنْشَدَنا عليّ بن أحْمَد المَدِيْنِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو سَعْد بن عَليَّك الحافِظ، قال: أنْشَدَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن حَمْدَان، قال: أنْشَدَنا الصُّوْلِيّ، قال: أنْشَدَنا إبْراهيم بن المُعَلَّى، قال: أنْشَدَنا عليّ بن عَبْد اللّه الطُّوْسيّ لنَفْسِه: [من الخفيف]
هَجَمَ البردُ والشِّتَاءُ وما أمْـ … ــلِكُ إلّا رِوَايَةَ العَرَبيَّهْ
وقَمِيْصًا لو هبَّتِ الرِّيْحُ لَم يبْـ … ــقَ على عَاتِقَيَّ مِنهُ بَقِيَّهْ
ويقِلُّ الغناءَ عنِّي فُنُون الـ … ــعِلْم إنْ عَصَّفَتْ شمالٌ عَرِيَّهْ
أخْبَرَنَا تَاج الأُمَناء أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن في كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، عَمِّي، قال: سَعِيْد بنُ سَهْل بن مُحَمَّد بن عَبْد الله، أبو المظَفَّر النَّيْسَابُوريّ المَعْرُوف بالفَلَكِيّ، سَمِعَ بنَيْسَابُور أبا الحَسَن المَدِيْنِيّ،
стр. 5495
وأبا عليّ (a) الخُشْنَامِيِّ، وقد كان وَزر لصَاحِب خُوارَزم، ثمّ خَافَهُ فخَرَجَ عن خُوارَزم، وحَجَّ وتَصَدَّق بالحِجَاز بصَدَقَاتٍ كَثِيْرة، ثمّ قَدِمَ دِمشق في سَنَة ثَلاث وخَمْسِين وخَمْسِمائَة، واسْتَوْطَن دُوَيْرَة أبي القَاسِم السُّمَيْسَاطِيّ، وجَدَّد بها الصُّفَّة الغَرْبيَّة، والبِرْكَة الّتي تُقَابلها، وجَدَّد قَنَاتها من مَالهِ، ولَم يأخُذ من الشُّرَكاء (b) في القَناة شيئًا، تَصَدَّق بذلك عليهم لِمَا رَأى من سُوءِ مُشَاركتهم، وقِلَّة إنْصَافهِم فيما يَلْزمهُم. وتَفَقَّد أحْوَال الصُّوْفيَّةِ، ونَظَر في أوْقَافهم، واحْتَاط عليها، وأثَّر فيها أثرًا حَسَنًا.
وكان شَيْخًا مُسِنًّا، ثِقَةً، حَسَن الاعْتِقَادِ، مُتَواضِعًا، ﵀. كَتبتُ عنهُ شيئًا يَسِيْرًا.
стр. 5496
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبَهِ تَوْفِيقِي
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: قال لنا تاج الإسْلَام أبو سَعْدٍ عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: سَعِيْدُ بن سَهْل بن مُحَمَّد الفَلَكِيّ أبو المُظَفَّر، من أهْلِ نيسَابُور، سَكَنَ خُوارَزْم، ووَلِيَ بها أعْمَالًا سَنيَّةً إلى أن صَارَ المُتَصرِّف فيها، وكان يَصْدُر صَاحِبُ خُوارَزْم عن رَأيه، ويُشَاورُه في مهمَّاتهِ، واسْتَوْزَرَه.
وكان حَسَنَ التَّدْبِير، ذا رَأي وكِفَايَة وشَهَامَةٍ، ومع هذه الكِفَايَة في الأُمُور الدُّنْياويَّة خَيِّر، حَسَن السِّيْرَة، كَثِيْر البَذْلِ والإنْفاق على أهْل القُرْآن والصَّلَاح، يَشْتَغل في أكْثَر أوْقَاتهِ بقرَاءة القُرْآن والعِبَادَة، ويَجْهد أنْ يَأكُل من الحَلَال، وَرَد بَغْدَاد حَاجًّا نُوَبًا عدَّةً؛ منها في سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة، وكُنْتُ بها ولَقِيتُه.
سَمِعَ بنَيْسَابُور أبا الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد المَدِيْنِيِّ، وأبا عليّ نَصْر اللّهِ بن أحْمَد بن عُثْمان الخُشْنَامِيِّ وغيرهما، وكُنْتُ قد نَفذت إليهِ جُزءًا من سَمَرْقَنْد إلى خُوارَزْم من مَسْمُوعَاته، وكان يَقْرأ الحُلْيَة، واسْتَجَزْتُ منهُ، وظَنِّي أنَّهُ أجازَ لي لأنِّي لمَّا رَأيتُه ببَغْدَاد ما عرفْت أنَّهُ سَمِعَ شَيئًا من الحَدِيْثِ حتَّى أكْتُب عنه أو أسْتَجِيْز، وكان يَسْألُني الرُّجُوع إلى خُرَاسَان والمُصَاحبةَ في الطَّريق فلَم يتَّفق ذلك.
стр. 5497
ذَكَرَ رَفِيْقُنا الحافِظ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النَّجَّار في التَّاريِخ المُجَدَّد لمَدِينَة السَّلام (١)، وأجَازَ لنا رِوَايتهُ عنه، قال: سَعِيْدُ بن سَهْل بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ، أبو المُظَفَّر المَعْرُوف بالفَلَكِيِّ، من أهْلِ نَيْسَابُور، سَمِعَ أبا الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن مُحمّد المَدِينيِّ، وأبا عليّ نَصْر اللّه بن أحْمد بن عُثْمان الخُشْنَامِيّ وغيرهما، ثمَّ إِنّهُ سَكَنَ خُوارَزْم، ووَلِيَ الوِزَارَةَ لأميرها، ودَخَلَ بَغْدَادَ مِرَارًا، وحَدَّثَ بها، فرَوَى لنا عنْهُ عَبدُ الوَهَّاب بن عليّ الأَمِين (a)، وابنُ أخيهِ عَبد السّلام بن عبد الرَّحْمن، وأبو مُحَمَّد بن الأخْضَر.
ثمّ إنَّهُ سَافَرَ إلى الشّام لزيَارة بَيْت المَقْدِس، فوَرَدَها في أيَّام المَلِك نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، فأكْرَم مَوْردَهُ، وطَلَبَ له إذْنًا من الفِرِنْج حتَّى زارَ بَيْتَ المَقْدِس، وعادَ إلى دِمَشْق، وطَلَبَ العَوْد إلى بلادِهِ، فلَم يَسْمَح نُور الدِّين بفِرَاقه وأُمْسِكَ بدِمَشْق، وأنْزَلَهُ في خَانكَاه السُّمَيْسَاطِيّ، وجَعَلَهُ شَيْخًا بها، فأقام بها مُدَّة لا يَتَناوَل من وَقْفها شَيئًا، ونَصِيْبه من الخَانكَاه يَجْمَعُه عندَهُ إلى أنْ صارَ بيَدِه منه جُمْلَة حَسَنةٌ، فعَمَّرَ بها الإِيْوَان الّذي في الخَانكَاه والسّقَاية، وأقام هُناكَ إلى حين وَفاتِهِ.
وحَدَّث؛ رَوَى عنهُ الحافِظ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة اللّه الشّافِعيّ، ورَوَى لنا عنْهُ جَمَاعَة بدِمَشْق والقُدْس ومِصْر.
حدَّثني شَيْخُنا مُعِيْن الدِّين أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن حُسَيْن بن مُحمّد المُجَاور (a)، قال: قَدِمَ هذا الشَّيْخ - يعني أبا المُظَفَّر الفَلَكِيِّ - الشَّام في أيَّامِ المَلِك العادِل نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، فأكْرَمهُ، وطَلَبَ زِيَارة البَيْت المُقَدَّس، فطَلَب له إذْنًا من الفِرِنْج فزَارَهُ وعادَ على حِمَار وحْش في غَايةِ العُلُوِّ، وطَلَب العَوْدَ إلى بلَادِه،
стр. 5498
فلم يَسْمَح بهِ المَلِكُ العادِل، وأمْسَكَهُ بدِمَشْق، وأنْزَلَهُ خَانقَاه السُّمَيْسَاطِيّ وجَعَلَهُ شَيْخَها، فأقام بها مُدَّة، ولَم يكُن يَتَناول من وَقْفها شيئًا، ونَصِيْبُه من الخَانقَاه يَجْمَعُه عندَهُ إلى أنْ صَارَ عنده منه جُمْلَة حَسَنةٌ، فعَمَّرَ به الإِيْوَانَ في الخَانقَاه والسّقَاية، وأقام بها إلى أنْ ماتَ.
قَرأتُ بخَطِّ عُمَر بن أَسْعَد بن عَمَّار المَوْصِلِيّ: الشَّيْخِ سَعِيْدُ بن سَهْل بن مُحَمَّد الفَلَكِيِّ النَّيْسَابُوريّ، كان أوَّلًا من أهل الكتَابة، ووَزَر لخُوارَزْمشَاه مُدَّة، ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ من خُرَاسَان أيَّام فِتْنَة الغُزّ وتَرَك الدُّنْيا وأسْبَابها، وانْعَكَف على الزُّهْدِ وطَرِيق الآخرة، وصَارَ شَيْخًا للصُّوفيَّة مُقَدَّمًا عليهم، مُسَلّكًا لهم، ولهُ كَلَامٌ حَسَنٌ في الطَّريق، ماتَ سَنَة ستِّين وخَمْسِمائَة.
قَرَأتُ على ظَهْرِ الجُزء الّذي أمْلَاهُ سَعِيْد بن سهل الفَلَكِيّ بحَلَب على عَمِّي ووَالدِي وغيرهما، بخَطِّ النَّجِيْب سَعْد اللّه بن مُحَمَّد بن الوَزَّان، وكان كَاتب الحُكْم بحَلَب، وأحَد مَنْ سَمِعَ الجُزءِ من الفَلَكِيّ: سُئِلَ أبو المُظَفَّر الفَلَكِيّ عن مَوْلدِه، فقال: في شَوَّال سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة بنَيْسَابور.
أنْبَأنَا أبو عَبْدِ اللّه بن النَّجَّار، قال: قَرأتُ بخَطِّ سَعِيْد بن سَهْل الفَلَكِيّ: المَوْلد بنَيْسَابُور في شَهْر شَوَّال سَنَة ثَمانٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة.
أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: ماتَ سَعيد الفَلَكِيّ عَصْرَ يَوْم الأَحَد، ودُفِنَ يَوْم الاثْنَين الحَادِي والعِشْرين من شَوَّال سَنَة ستِّين وخَمْسِمائَة بعد صَلَاة الظُّهْر بمَقْبَرَة الصُّوْفيَّة المُقَابلة للمَيْدَان الأخْضَر.
стр. 5499
سَعِيْد بن سَلَّام وقيل: سَعِيْد بن سَلْمِ، أبو عُثْمان بن أبي سَعيد المَغْرِبيُّ الصُّوْفيُّ العَارِفُ (١)
دَخَلَ التِّينَات، وصَحِبَ بها أبا الخَيْر التِّيْنَاتِيّ، وصَارَ من كِبار مَشَايخ الصُّوْفيَّة.
стр. 5500
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبَهِ تَوْفِيقِي
ذكْرُ المَعْرُوفين بالكُنَى
الألف
أبو إبْراهيم الزُّهْرِيّ
واسْمُه أحْمَدُ بن سَعْد بن إبراهيم بن سَعْد، كان من العُبَّادِ، ودَخَلَ المِصِّيْصَة، وجَالَ في جَبَل اللُّكَام، ولَقِيَ به رَجُلًا من العُبَّادِ يقتَاتُ من لَبَن الظِّبَاء، وحَكَى عنهُ ذلك، وقد ذَكَرْنا الحِكايَة فيما تَقَدَّم من كتَابنا هذا في ترجَمَتِهِ في باب الأحْمَدِين (١).
أبو إبْراهيم العَلَويّ الحَرَّانيّ
واسْمُه مُحَمَّد بن أحْمَد، واشْتَهر بالشَّريف أبي إبْراهيم، وعَقِبُه بحَلَب، وما زَالَت فيهم نِقَابَة العَلَويِّيْن بعدَهُ، وقد ذَكَرنا تَرْجَمته في باب المُحَمَّدِين (a) أيضًا.