من أهْلِ قِنَّسْرِيْن، وهو الّذي رَوَى عنهُ عن مَكْحُول أبي عَبْد الله الهُذَلِيّ، وأبي حَفْصٍ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بن مَرْوَان القُرَشِي.
وقال الحاكِم (١): أخْبَرَنا أبو العبَّاس السَّرَّاج (a)، قال: حَدَّثَنَا أبو همَّام الوَلِيد بن شُجاع، قال: حَدَّثَني ابن وَهْبٍ، قال: حَدَّثَني مُعاوِيَةُ بن صالح، عن أبي بِشْرٍ أنَّهُ رَأى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز (b).
أنْبَأْنَا أحْمَدُ بن أزْهَر بن السَّبَّاك، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، قال: أجازَ لِي أبو القَاسِم عليّ بن المحسِّن التَّنُوخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو إسْحَاق إبْراهيم بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطّبَري، قال: حدَّثَتْنا أمّ الضَّحَّاك عَاتِكَة بنت أحْمَد بن عَمْرو بن أبي عَاصم النَّبِيْل، قالت: قَرأتُ في كتاب أبي؛ أحْمَد بن عَمْرو بن أبي عَاصم النَّبِيْل، وأجاز لي أنْ أَرْوي عنه، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر - يعني ابن أبي شَيْبَة - قال: تُوفِّي أبو بِشْر مؤَذِّن دِمَشْق سَنَة ثَمانٍ وعِشْرين ومائة.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن نَسِيم في كتابهِ، عن أبي القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن شُجاع، قال: أخْبَرَنا (c) أبو عرو بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن يَوَهْ (d)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن اللُّنْبَانِيّ (e)، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي الدّنْيا، قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن سَعْد (٣)، قال: أبو بِشْر مؤَذِّنُ مَسْجِد دِمَشْقَ ماتَ سَنَة ثلاثين ومَائة، وقال غيرُه عن ابن سَعْد: في خِلَافة مَرْوَان بن مُحَمَّد.
стр. 5532
أبو بشرٍ العَطَّار (١)
كان بطَرَسُوسَ، وحَكَى عن رَجُلٍ مَجْهُول كان بالثَّغْر منْ رَهْط قيس بن ذَرِيح، رَوَى عنهُ أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن إبْراهيم المُزَكي.
قَرأتُ بخَطِّ تاج الإسْلَام أبي سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، وأنْبَأنَا بهِ وَلدُه أبو المُظَفَّر عَبْد الرَّحيم عنه، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد سُفْيان بن إبْراهيم التَّكَكيِّ بقِرَاءَتي عليه بأصْبَهَان، قال: أخْبَرَنا أبو صالح مُحَمَّد بن المُؤَمَّل البُشْتيّ - قَدِمَ علينا - قال: حَدَّثَنَا أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن إبْراهيم المُزكيِّ إمْلاءً، قال: سَمِعْتُ أبا بشْر العَطَّار يَقُول: كُنْتُ بطَرَسوس فوقع النَّفِيْرُ، فلمَّا قَرُبنا من الجوزَات سَمِعْتُ أَصوَاتَ حُرَّاسها فَوْق السُّطُوح يُكَبِّرُونَ بأنْوَاع التَّكْبير والتَّحْمِيْد، ما سَمِعْتُ بمثْلها في حُسْن الصَّوْت والهَيْئَة والتَّعْظِيم لذِكر الله ، فسَمِعْتُ بعد ذلك مُنْشِدًا ينشِد هذه الأبيات، فوقَعَ عليَّ البُكَاءُ ولم أدْرِ من ينشده.
فلمَّا أصْبَحْنا، قلتُ لبعضِ أهْل طَرَسُوس: سَمِعْتُ البَارِحَة كَذَا وكذا، فقال: قُمْ عمي، فجاءَ بي إلى شَيْخ ذَكَرَ أنَّهُ من فُرْسَانِ العَرَب، وصعَاليْكِ الغُزَاةِ، فقال: هذا الفَتَى الَّذي سَمِعْتَهُ البَارحَة يقُول فيُنْشِد الأبْيات، فقال: أنا من رَهْطِ قيس بن ذَرِيح، حَدَّثَني أبي عن آبائهِ وأجْدادِه أنَّ قَيْس بن ذَرِيْح لمَّا فارق لُبْنَى أنْشَأ هذه الأبْيَات واسْتَهْتَر بذِكْرها، وهي (٢): [من الطويل]
ولو أنَّني أسْتَطِيع صبْرًا وسَلوةً … تَنَاسَيْتُ لُبْنَى غير ما مُضْمر حِقْدَا
ولكن قلْبي قد تَقَسَّمَهُ الهَوَى … شَتَاتًا فما أُلْفَى صَبُورًا ولا جَلْدَا
سَلِ اللَّيْل عنِّي كيفَ أرْعَى نُجُومَهُ … وكيف أُقَاسِي الهَمَّ مُسْتَخْليًا فرْدَا
كأنَّ هبُوبَ الرّيْح من نحو أرْضِكُمُ … يُثِيْرُ فُتَاتَ المِسْكِ والعَنْبَر النَّدَّا
стр. 5533
أبو بِشْر التَّنُوخِيّ (١)
وقيل: أبو بَشِير.
حَكَى بعضَ أمْر وَقعَة اليَرْمُوك، وكان نَصْرَانيًّا من تَنُوخ، خَرَجَ من أنْطَاكِيَةَ مع بَاهَان مَلِك الرُّوم حينَ تَوجَّه إلى اليرمُوك، حَكَى ذلك عنه أبو جَهْضَم الأزْدِيّ، ذَكَرَ ذلك عَبْدُ اللهِ بن مُحَمَّد بن رَبيعَة القُدَّاميِّ، وأبو إسْمَاعِيْل مُحَمَّد بن عَبْدِ اللهِ الأزْدِيّ البَصْرِيّ (٢).
أبو بِشْر الوَزِيرُ الحَلَبيُّ النَّصْرانِيُّ (٣)
كان وَزِيرًا للأمِيْر مَحْمُود بن نَصْر بن صالح بن مِرْدَاس الكِلَابيِّ، أمير حَلَب، وكان قد سَاعَد محْمُودًا بماله حتَّى مَلَّكَه حَلَب واسْتَجْذَب إليه العَرَبَ، وكان مَحْمُود في أوَّل مُلكِه حَسَن الأخْلَاق، كَرِيم النَّفْسِ، ثمّ تغيَّر بعد ذلك على أصْحَابهِ وشحَّت نفسُه، وتغيَّرت أخْلَاقُهُ بعدَ رَحِيل السُّلْطان العَادِل ألْب أَرَسْلَان عن حَلَب، فتَغيَّر على وَزِيره أبي بِشْر.
وكان القَائِدُ أبو الحَسَن بن أبي الثُّرَيَّا، الّذي كان وَزِيرًا لعَطِيَّة بن صالح بن مِرْدَاس، قد سَعَى بأبي بِشْر ليَلِيَ وِزَارَة مَحْمُود، فقَبَضَ مَحْمُود أبا بِشْر الوَزِير، وطَالبَهُ بمالٍ جَلِيْل، وكان مَحْمُود قد رَغبَ في جَمْعِ المالِ وغَلَبَ عليه حُبُّ الدُّنْيا، فذَكَرَ له أبو بِشْر أنَّه عَاجِزٌ عن أدَاءِ ما طُوْلِبَ به، وأنَّهُ ممَّا لا تَصِل يَدُه [إليه] (a) ولا إلى
стр. 5534
بَعْضِه، فأمَر مَحْمُود بقَتْل وَلَدٍ كان لأبي بشر وبقَتْل أخيهِ فقُتِلَا، وقُطع رأساهمُا وعلِقا في عُنُقهِ، فسُمعَ أبو بِشْر وهو يَقُول: [من مجزوء الرمل]
وَيْح دَهْري ما أمَرَّهْ … ما وَفَى خَيْرُهُ بشَرّه
وحَلَفَ أبو بشرٍ أنَّهُ بعدَما فَعَلَه بابْنهِ وأخيْهِ لا يُظْهر له شَيئًا من مَاله، وقال:
كُلّ مَنْ عندَهُ لي شيءٌ مُوْدعٌ … فهو في حلٍّ منه وسَعَة.
ونَدِم مَحْمُود على ما فَعَل، وأرادَ الرُّجُوع له، وأرْسَل إليه شَافِع بن الصُّوْفيّ أنْ يُقَرِّر عليه شَيئًا ويُطْلقه، فامْتَنع.
واتَّفَق أنَّ مَحْمُودًا اصطَبَح، وقُدِّم إليه طَعَامٌ بعد سُكْرِه، فأَنْفَذَ منه لأبي بِشْر مع فَرَّاشِه، فقام قائمًا وقبَّل الأرْضَ وشَكَرَ ودَعا. فعَرف ابنُ أبي الثُّرَيَّا، فرَكِبَ ولَيَ الفَرَّاشَ ودفَعَ إليه مائة دِيْنارٍ، وسَألَهُ أنْ يقُول لمَحْمُود: إنَّ هذا شَيْخٌ خرِفٌ لأنَّهُ لم يقبل طَعَام موْلَانا، وقال: كَافأه الله وعَجّل عليه! ففَعَل الفَرَّاشُ ذلك.
ودَخَلَ ابنُ أبي الثُّرَيَّا عَقيْبَهُ على مَحْمُود، وجارَاهُ في حَدِيث لا يَتَعلَّق بأبي بِشر، فلم يقبل عليه ووجده مملوءَ القَلْب غَيْظًا من جَواب الفَرَّاش، فقال ابنُ أبي الثُّرَيَّا: اللهُ لا يَشْغَلُ لمَوْلَانا خَاطِرًا، فما أرَاهُ مُنْبَسطًا في مَجْلِسِهِ، ولا مُصْغيًا إلى المَمْلُوك! فحدَّثَهُ بما قال الفَرَّاشُ، فقال: يا مَوْلَانا، لَم تَزَال إليهِ مُحْسِنًا، ويُقَابلُه بالإسَاءةِ، فكيف يكُونُ بعدَ ما جَرَى عليه وعلى ابنِهِ وأخيهِ ما جَرَى؟ وأنا أدْرَى أنَّك تُريد مالَهُ، وقد تَكرَّر قَوْله أنْ لا يُعْطيك شَيئًا. قال مَحْمُود: هذا سَيْفي وخَاتمي خَذْهمُا وامْضِ إليه، فإنْ لَم يُقِرَّ بشيءٍ فاقْتُله.
فقام ابنُ أبي الثُّرَيَّا من عنده بذلك، واشْتَغَل مَحْمُود بالشُّرْب فلَهِىَ عنهُ، وأحْضَر ابنُ أبي الثُّرَيَّا أبا بِشْر فلَم يُطَالبْهُ بمالٍ، بَلْ قال له: ما زلتَ تَتَجلَّدُ حتَّى صرْتَ إلى هذه الحال!؟ فقال: يا قَائِدَ السَّوء، قد عَلِمتُ أنَّ هذا كُلّه من
стр. 5535
سَعْيك، والأجَلُ لا مَردَّ له، وهذا مَوْتُ الشُّهَدَاءِ، ولكن اسْتَعِدَّ لرِجْلكَ بحَبْلٍ، فسَتَمُوت ميْتَة الكِلَاب، وتُجَرّ جِيَفَتُكَ إلى الخَنْدَق. وقُتِلَ أبو بِشْر ورُمِي وَسْطَ بئر بُسْتَان القَصْر.
وصَعِدَ أبو نَصْر بن النَّحَّاسِ ثَاني يَوْم قَتْل أبي بِشْرٍ إلى خِدْمَة مَحْمُود، فقال له سِرًّا: تَمْضِي إلى أبي بِشْر لتَقْرير ما عليه ويُطْلَقُ، فقال: يا مَوْلَانا، وما قَتلتَهُ!؟ فأطْرَقَ مَحْمُود ساعةً ثُمَّ قال: تَمَّت عليه وعليَّ الحِيْلَةُ، ويَجبُ يا أبا نَصْر أنْ نَكْتُم هذا الأمْر. قال أبو نَصْر فما حَدَّثْتُ به إلَّا بعدَ مَوْتِ مَحْمُود.
ووَزَر ابنُ أبي الثُّرَيَّا لمحمُود، فلمَّا وَلِيَ نَصْرُ بن مَحْمُود حَلَبَ، أمَرَ بقَتْل ابن أبي الثُّرَيَّا، فقُتِلَ تحتَ القَلْعَة، وجُرَّ بحَبْلٍ على ما ذَكَرْناهُ في تَرْجَمَتِهِ (١)، وصَدَقَ فَألُ (a) أبي بِشْر.
نَقَلْتُ ذلك من خَطِّ الشَّريف مُحيى الدِّين أبي حَامِد مُحَمَّد ابن الشَّريف أبي جَعْفَر الهاشميِّ الحَلَبيِّ، ﵀.
أبو بَقِيَّة (٢)
رَاجِزٌ قَدِمَ مع المُتَوَكِّل حَلَب في سَنَة أرْبَعٍ وأرْبَعين ومَائتَيْن، وقال مُزْدَوَجَةً يَصِفُ فيها المَنَازِلَ من سَامَرَّاء إلى دِمَشق، أوَّلها: [من الرجز]
وليسَ مِن مَوْتكِ من مَنَاصِ
أمَا تَخَافينَ مِنَ القِصَاصِ
стр. 5536
وتَرْتَجينَ الفَوْزَ بالخَلَاصِ
فبَادِري بالطَّاعَةِ المَعَاصِي (a)
وهى طَويْلةٌ.
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو بَكْر
أبو بَكْر بن أحْمَد بن عليّ بن عَبْد العَزِيْز البَلْخيِّ السَّمَرْقنديّ الحنفِيّ الفَقِيه المعرُوف بالظَّهِيْر (١)
أصْلُهُ من بَلْخ، وهو من أهْل سَمَرْقند.
فَقِيْهٌ فَاضِلٌ، مُفْتٍ على مَذْهَب الإمَام أبي حَنيْفَة ﵁، قرأ الفِقْه على الإمَام قُطْب الدِّين عليّ بن مُحَمَّد الإسْبِيْجَابيِّ بعد الخمسمائة، ودَرَّسَ الفِقْه بمَرَاغَة.
وقَدِمَ حلَبَ في أيَّام نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي ﵀، وأظُنُّه نَزَل بها بالمَدْرَسَة الحَلاوِيَّة، ومُدَرِّسُها إذ ذاك عَلاء الدِّين عبد الرَّحْمن الغَزْنَوِيِّ، ثمّ تَوَجَّه إلى دِمَشْق، وولِيَ التَّدْرِيس بها في الخِزَانَة الغَرْبيَّةِ من جَامع دِمشْق، ثمّ ولي التَّدْرِيس بمَسْجِد خَاتُون ظَاهِر دِمَشْق.
ووَقفتُ لهُ على كتاب ألَّفه في شرْحِ الجامع الصَّغير (٢)، وهو كِتَابٌ حَسَنٌ في بابه، ووَقَف كُتُبه على المَدْرَسَة النُّورِيَّة الحَلاويَّة بحَلَب، ووجَدْتُ تاريْخ وَقْفهِ إيَّاها في شَوَّال سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة، وفي هذه السَّنَة
стр. 5537
ماتَ بدمَشْق، ولاحَ لي بقَرَائن الحالِ أنَّهُ كان أوْدعَ كُتُبه بحَلَب عند الإمَام عَلاء الدِّين الغَزنَوِيّ مُدَرِّس الحَلاويَّة بحَلَب، فلمَّا حَضَرهُ المَوْتُ بدِمَشْق وَقَفَ كُتُبه على المَدْرسَةِ بحَلَب.
وقَرأتُ بخَطّه على ظَهْر كتابٍ من كُتُبه المَوْقُوفَة: رَأيْتُ فيما يرى النَّائم بمَرَاغَة، وأنا مُدَرِّسٌ بمَدْرَسَة الخلَيفَة، لَيْلَة الجُمُعَة أواخر ذي الحجَّة سَنَة سَبعٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، الشَّيْخَ الإمَامَ الزَّاهِدَ أبا بَكْر مُحَمَّد بن أبي سَهْلٍ السَّرْخَسيِّ ﵀، فنَاوَلني يَدَهُ اليُمْنَى فأخَذْتُها ومَسَسْتُها وقبَّلتُها، وقُلْتُ لهُ: اقْبَلني، فقال لي بالفَارسِيَّةِ: مَنْ أنْ تُوَم، فقُلتُ لَهُ: ومَنْ تُرَا زَانْ تُوَم، ثمّ أدْخَل طرفَ لِسَانه في فيَّ فامْتَصَصْتُه وابتلَعْتُ رِيْقَهُ، وقد أخَذَني وأسْنَدَني إلى حَائطٍ في مَسْجِد كبير وَاسع كأنَّهُ مَسْجِدُ الجَامع، وكان طَلْقَ الوَجْهِ أبْيَضَ أحْمَر، حَسَن العَيْنَيْن، خَفِيف اللِّحْيَة.
قَرأتُ بخَطِّ ظَهِيْر الدِّيْن أبي بَكْر السَّمَرْقنديّ، من شِعْره، على ظَهْر كتَابٍ من كُتُبهِ المَوْقُوفَة بالمَدْرَسَةِ الحَلاويَّةِ: وممَّا ظَهَرَ لي من أَمْرِ الشَّام أنْ قلتُ: [من الكامل]
الشَّامُ كامْرَأةٍ لها دَلٌّ بهِ … شُغِفَ الرِّجالُ وإنَّها حَسْنَاءُ
فاقْنع بِذاكَ وخَلِّهَا بقِناعِهَا … لا تكْشِفَنَّ فإنَّها قَرْعَاءُ
وقَرأتُ أيضًا بخَطِّه على ظَهْر كتابٍ من الكُتُب المَوْقُوفَة بَيْتَيْن من شِعْره هُما (١): [من السريع]
يا زَائِدًا في أكْلِهِ لَقْمَةً … أسْقَمْتَ جسْمًا سَالمًا بالتُّخَمْ
فيا لَها مِن لُقْمَةٍ أسْقَمَت … جِسْمًا ورَدَّتْ عِدَّةً من لُقَمْ
стр. 5538
أخْبَرَنَا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِمِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانِيِّ ونَقَلْتُه أنا من خَطِّ السَّمْعَانِيِّ، قال: وقال عُمَرُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد النَّسَفِيِّ: الْتَمَس الإجَازَة منِّي الإمَام أبو بَكْر بن أحْمَد البلخِيُّ السَّمَرْقَنْديّ بهذه الأبْيَات (١): [من الطّويل]
أيا مُقْتَدَى الأيَّام يا ذَا العُلَا عُمَر … وَقَاكَ حَفِيْظُ الخَلْقِ مِن شُبْهَةِ الضَّرَرْ
أَجِزْ لأبي بَكْرِ بنِ أحْمَدَ مُفْضِلًا … وبدِّلْ لَهُ بالأجْرِ بالصَّفْوَةِ الكَدَر
جَمِيعَ الّذي صنَّفْتَهُ وسَمِعْتَهُ … وخُذْ صَالِحَ الدَّعْوَاتِ ظُلْمَةِ السَّحَرْ
قال: فكَتَبْتُ إليه: [من الوافر]
أَجَزْتُ لسَيِّدِي وفَريدِ عَصْري … أبي بَكْرِ بنِ أحْمَدَ ما ابْتَغَاهُ
على شَرْطِ التَّحَرُّزِ والتَّوَقِّي … وذِكْري بالدُّعَاء كما حَكَاهُ
أُجِيْبَ دُعَاؤُهُ فِينا وفيهِ … وفي الدَّارَيْنِ تَمَّ لَهُ مُنَاهُ
أنْبَأنَا أبو البَرَكاتِ الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الشَّافِعِيّ (٢)، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أبو بَكْر السَّمَرْقنديّ الحَنَفِيّ الفَقِيه المَعْرُوف بالظَّهِيْر، قَدِمَ دِمشْق، وأقامَ بها مُدَّةً، وعُقِدَ لَهُ مَجْلِسُ التَّدْرِيسِ في الخِزَانَة الغَرْبيَّةِ (a) بشَامٍ من جَامِع دِمَشْق الّتي جُعِلَتْ مَسْجِدًا، ثمّ فُوِّضَ إليهِ التَّدْرِيسُ بمَسْجِد خَاتُون إلى أنْ ماتَ بدِمَشْق لَيْلَة الاثْنَين، ودُفِنَ يَوْم الاثْنَين الثَّالث والعِشْرين من شَوَّال سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة.
стр. 5539
أبو بَكْر بن أنَس بن مَالِكٍ الأنْصَاريّ البَصْرِيّ (١)
غَزَا الرُّومٍ واجْتازَ بِدَابِق، وقَدِمَ على أبيهِ أنَس بن مَالِك ﵁، وحَكَى له حِكايَة حَكاها عنه ثَابِتٌ البُنَانِيّ.
أخْبَرَنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد البَغْدَاديُّ قِراءَةً عليهِ بحَلَب، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرَنَا أبو طَالِب بن غَيْلان، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللّه الشَّافِعِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن الحَسَن بن عَبْدِ الجبَار، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن الصَّبَّاح البزَّار (a)، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاقُ ابن بنت دَاوُد بن أبي هِنْد، قال: أخْبَرَنَا عَبَّاد بن رَاشدٍ البَصْرِيّ، عن ثَابِتٍ البُنَانِيّ، قال: كُنْتُ عند أنَسِ بن مَالِكٍ، وقَدِمَ علينا ابن له من غَزَاةٍ له، يُقال له أبو بَكْر، فسَائلَهُ فقال: ألَا أُخْبرُكَ عن صَاحِبنا فُلَانٍ، بينا نحنُ قَافِلين في غَزَاتنا إذ ثَارَ وهو يَقُول: وَا أهْلَاهُ (b) ! فثُرنا إليهِ وظَنَنَّا أنَّ عَارِضًا عَرضَ له، فقُلْنا: ما لكَ؟ فقال: إنِّي كُنْتُ أُحَدِّثُ نفْسِي أنْ لا أتَزَوَّجَ حتَّى أُسْتَثْهَد فيُزَوِّجَني اللّهُ تعالى من حُوْر العِيْن، فلمَّا طالَتْ عليَّ الشَّهَادَةُ، قُلْتُ في سَفَري هذا: إنْ رجَعْتُ هذه المرَّة تَزَوَّجت، فأتَاني آتٍ قُبَيْل في المَنَام، فقال: أنتَ القَائِل إنْ رَجَعْتُ تَزَوَّجت؟ قُمْ فقد زَوَّجَكَ اللّهُ العَيْنَاءَ، وانْطَلَق بي إلى رَوْضَةٍ خَضْراءَ مُعْشِبَة فيها عَشْرُ جَوَارٍ، بيَد
стр. 5540
كُلّ واحدةٍ صنْعَةٌ تَصْنَعُها، لم أَرَ مثلَهُنَّ في الحُسْن والجَمَال، فقُلتُ: فيكُنَّ العَيْنَاءُ؟ فقُلْن: نحنُ من خَدَمها، وهي أمَامَك، فَمَضَيْتُ فإذا رَوْضَةٌ أَعْشَبُ من الأُوْلَى وأحْسَنُ، فيها عِشْرونَ جَارِيَةً، في يَدِ كلِّ جَارِيَة (a) صنْعَة تَصْنَعُها ليس العَشْرُ إليهنَّ بشيءٍ من الحُسْن والجَمَال، فقُلتُ: فيكُنَّ العَيْنَاءُ؟ قلن: نحنُ من خَدَمها وهي أمامَك، فإذا أنا بِرَوْضَةٍ وهي أعْشَبُ من الأُوْلَي والثَّانيَةِ في الحُسْن والجَمَالِ (b)، فيها أرْبُعونَ جَارِيَةً في يَدِ كُلّ واحدةٍ منهُنَّ صنْعَةُ تَصْنَعُها ليسَ العَشْرُ والعشرُونَ إليهنَّ بشيءٍ في الحُسْنِ والجَمَالِ، قُلتُ: فيكُنَّ العَيْنَاءُ؟ قُلن: نحن من خَدَمها، وهي أمَامكَ، فَمَضَيْتُ فإذا أنا بيَاقُوتةٍ مُجَوَّفَة، فيها سَرِيرٌ، عليه امْرَأة قد فضَل جَنْبَاها السَّرير، قُلتُ: أنتِ العَيْنَاء؟ قالت: نَعَم، مَرْحَبًا، فذَهَبْتُ أضَعُ يَدِي عليها، قالت: مَهْ! إنَّ فيك شَيئًا من الرُّوْح بَعْدُ، ولكن تُفْطِرُ عندَنا اللَّيْلة، قال: فانْتَبَهْتُ (c)، قال: فما فَرَغ الرَّجُل من حَدِيثه حتَّى نَادَى المُنَادِي: يا خَيْلَ اللّهِ ارْكَبِيّ، قال: فركِبنا فصَافَّنَا العَدُوّ، قال: فإنَّنِي لأنْظُر إلى الرَّجُل وأنْظُر إلى الشَّمْس وأذْكُرُ حَدِيثَهُ فما أدْرِي رَأسُه سَقَط أم الشَّمْسُ سَقَطَتْ.
أنْبَأنَا حَسَن بن أحْمَد الصُّوْفِيّ، عن الحافِظ أبي طَاهِر، قال: أخْبَرَنَا ثَابِت بن بُنْدَار، قال: أخْبَرَنَا الحُسَيْن بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنَا الوَلِيد بن بَكْر، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا أبو مُسْلم صَالِح بن أحْمَد بن عَبْد اللّه العِجْليّ، قال: حَدَّثَنِي أبي (١)، قال: وأبو بَكْر بن أنَس [بن] (d) مَالِك بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ.
стр. 5541
أبو بَكْر بن أيُّوب بن شَاذِي المَلِك العادِل سَيْف الدِّين
واسْمُه مُحَمَّد، وقد سَبَقَ ذِكْرُهُ في المحمَّدين (١) من هذا الكتاب.
أبو بَكْر بن جُمْهُور
كان من المُجَاهِدين بطَرَسُوس، وقرأ القُرْآن على أبي بَكْر بن مُجَاهِد، وحَكَى عنه.
وَقَعَ إليَّ مُجَلّد فيه أجْزاء تتضمّن أخْبَارًا وحِكَايَاتٍ عن أبي نَصْر إبْراهيم بن عليّ بن عِيسَى بن الجراح، فقَرأتُ في بَعْضها ممَّا هو مُلْحقٌ بها، وليس بإسْنَادٍ: قال أبو بَكْر بن جُمْهُور، وكان ممّن يلزم طَرَسُوس ويُوَاصِل الغَزْو: كُنْتُ بين يَدَي أبِي بَكْر بن مُجَاهِد، ﵀، حتَّى جاءه رَجُلٌ يُريد القِراءَهً عليه، فوجَده يُقْرئ رجُلًا قد تقَدَّمه، فجلسَ في ناحيةٍ من الحَلْقَةِ، فلمَّا فَرغ الأوَّلُ، قام فجلَسَ مَوضِعَهُ، ثُمّ ابْتَدأ يَقْرأ الحَمْد، وأرَادَ أنْ يَقْرأ أوّلَ سُوْرة البَقَرة، فلمَّا قال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٢) قال له أبو بَكْر حتَّى تُتمّ الخَتْمَة الأوَّلَة ثمّ تَقْرأ غيرها، فقال الرَّجُل: وأيّ خَتْمَة يا أُسْتَاذ؟ قال: الّتي بلغْتَ منها إلى عَبَس، فاحْتَشَم الرّجُل، ونَهَضَ وقَرأ غيره، فسَألَهُ سائِلٌ عن الحَدِيْث، فقال: هو واللّهِ كما قال، ابْتَدأتُ عليه خَتْمَةً مُنذ ثَلاث عَشرة سَنَةً ولَم أفْرَغ منها، وبلغْتُ منها إلى عَبَس، وعَرَضَ لي سَبَبٌ فخَرَجْتُ إلى البَصْرَة، وطَالَتْ غَيْبَتِي فلم أقْدَم إلَّا في هذا الوَقْت.
стр. 5542
أبو بَكْر بن حَمَّاد بن عليّ بن عَبْد الله الحَلَبِيِّ
شَاعِرٌ كَتَبَ عنهُ أبو البَرَكَات بن المُسْتوفِيِّ أبْيَاتًا من شِعْره، وذَكَرهُ في تاريْخ إرْبِل (١)، بما أجَازَهُ لنا، قَال: أبو بَكْر بن حَمَّاد بن عليّ بن عَبْد الله الحَلَبِيِّ، اجْتَمَعْتُ به في مَنْزِلي بإرْبِل في ثاني شَهْر رَبيع الأوَّل من سَنَة اثْنَتَيْن وعِشْرين وسِتِّمائة، وأنْشَدَني لنفسِه أَبْيَاتًا عَملها على الفُرَات: [من الطّويل]
ويَوْمٍ مَرَرْنا بالفُرَاتِ وجَمْعُنا … كِرَامٌ وأوْقَاتُ السُّرُور تُسَاعِدُ
نَزَلنا بها والماءُ يرقُصُ ضَاحِكًا … نَرَى العَيْشَ صَفْوًا والغَرَامُ فَرَائدُ
وأمْوَاهُها تَجْري كدَمْعِ مُوَلَّهٍ … رَمَاهُ بفَقْدِ الإِلْفِ دَهْرٌ مُعَانِدُ
أبو بَكْر الدُّقِّيّ (٢)
اسْمُه مُحَمَّد بن دَاوُد، دَخَل الثَّغْر، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ (٣).
أبو بَكْر بن الضَّحَّاك بن قيسٍ بن خَالِد بن وَهْب بن ثعلَبَة الفِهْريُّ
وقد تَقَدَّمَ نَسَبُه في تَرْجَمَةِ أبيهِ (٤)، كان في صُحبَة سُليْمان بن عَبْد المَلِك بِدَابِق، وحَكَى عن وَفَاتِهِ.
стр. 5543
قَرَأتُ في كتاب الوَصَايَا لأبي حَاتِم سَهْل بن مُحَمَّد السِّجِسْتَانِيّ (١)، قال: حَدَّثُونا عن أبي بَكْرِ بن الضَّحّاك بن قيسٍ الفِهْريّ، قال: شَهِدْنا مع سُليْمان عَبْدِ المَلِكِ جنَازَةَ رجُل من قُرَيْشٍ، فجَلَسْتُ قَرِيبًا منه، فأخَذَ حفْنَةً من تُرَابٍ، فقَبَضَ عليها، ثمّ أرْسَل أصَابعَهُ، وبَسَطَ كَفَّيْهِ والتُّراب فيها، ثُمَّ قال: إنَّ هذا لمِدْفنٌ (d) طَيِّبُ! قال: فواللهِ الّذي لا إله غيرُه ما أت له جُمعة حتَّى دَفَنَّاهُ إلى جَنْب القُرَشِيّ، ليس بينهما أحَدٌ.
أبو بَكْر بن عُثْمان بن قَجْمَك السَّلَّوْرِيُّ المَنْبِجِيُّ الحَنَفِيُّ (٢)
فَقِيْهٌ حَنَفِيّ المَذْهَب، عَارِفٌ بالفِقْه، صَالِحٌ، وَرِعٌ، تُرْكُمَانِيٌّ من خَيل سَلَّور (b)، من تُرْكُمَان بَلَد (c) مَنْبج، سَكَنَها، واشْتَغَل بالفِقْه، وَسَمِعَ الحَدِيْث بها من القَاضِي رَافِع الفَايَوِيّ (d). وروى لنا عنْهُ بحَلَب أمَالي الإمَام بُرْهَان الدِّين البَلْخِيّ في سَنَة ثَمانٍ وعشرين وسِتّمائة في جُمَادَى الأُوْلَى، وسَألتُه في هذا التَّاريخ عن مَوْلدِه، فقال: لي ثَمانيةٌ وستون سَنَةً تقدِيرًا.
وكان لهُ شِعْرٌ مُتَوسِّطٌ، وكان مَشْغُوفًا به وبنَثْره أيضًا، يَعْرِضُهما على النَّاسِ، مُسْتَحْسِنًا لهما.
أخْبَرَنَا بَدْر الدِّين أبو بَكْر بن عُثْمان بن قَجْمَكَ السَّلَّوْرِيّ الفَقِيه بحَلَب، قال: أخْبَرَنَا القَاضِي [ … ] (e).
стр. 5544
أنْشَدَنِي الفَقِيهُ أبو بَكْر بن عُثْمان المَنْبِجيّ لنَفْسِه بحَلَبَ: [من الطّويل]
إذا اخْتَرْتَ أنْ تَحْيَا فَمُتْ عَنْ عَوَائقٍ … مِنَ الحسِّ خَمْسٍ ثُمَّ عن مُدْرَكاتِها
وقَابِلْ بوَجْهِ العَقْل عَالَمَ قُدْسِهِ … فَذاكَ حَيَاةُ النَّفْسِ عِندَ مَمَاتِها
تُوفِّي الفَقِيه بَدْر الدِّين أبو بَكْر بن عُثْمان بمنبج [ … ] (a).
أبو بَكْر بن عُمَير الجُرْجَانِيّ
سَمِعَ بأنْطَاكِيَة القَاسِمِ بن أحْمَد بن مُحَمَّد البَغْدَاديّ، وبحَلَب سَيَّار بن نَصْر بن سَيَّار.
رَوَى عنهُ أحْمَدُ بن إبْراهيم الإسْمَاعِيْليّ، وقد سُقْنا عنه حَدِيثًا رَوَاهُ عن القَاسِمِ في تَرْجَمَةِ القَاسِمِ (١) من هذا الكتاب.
أنْبَأْنَا أبو حَفْص المُكْتِبُ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِمِ بن السَّمَرْقَنْديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِمِ إسْمَاعِيْل بن مَسْعَدَة، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِمِ حَمْزَة بن يُوسُف السَّهْمِيّ (٢)، قال: أخْبَرَنَا الإسْمَاعِيْليّ، قال: حَدَّثَنِي أبو بَكْر بن عُمَيْر، قال: حَدَّثَنَا سَيَّار بن نَصْر بن سَيَّار البَزَّار (b) البَغْدَاديّ بحَلَب، قال: حَدَّثَنَا الهَيْثَم بن أيُّوب الطَّالقَانيِّ، قال: حَدَّثنا سَهْل بن عبد الرَّحْمن الجُرْجَانِيّ، لَقِيتُه بالبَادِيَة بسُوق فَيْد، عن مُحَمَّد بن مُطَرِّف، عن مُحَمَّد بن المُنْكَدِر، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رَسُولُ اللّهِ ﷺ : اسْتَعِينُوا على الحَوَائِج بكتْمَانِها فإنَّ لِكُلِّ نِعْمَة حَاسِدًا.
стр. 5545
أبو بَكْر بن مُحَمَّد بن عليّ بن مَغْفَل الأسَدِيُّ الطِّيبِيُّ
من أهْلِ القُرآن، فَقِيْرٌ حَسَن السَّمْت، من أهْلِ الطِّيْب (١)، وعندَهُ فَضْلٌ وخَوْضٌ في شيءٍ من كلام أرْبَاب الطَّرِيقَة، قَدِمَ علينا حَلَب، ونَزَل في المَسْجِد المَعْرُوف بنا، وكان حلو الكَلَام والمُحاضَرَة، وما كان خاليًا من التَّصَنُّع.
أنْشَدَني أبو بَكْر بن مُحَمَّد بن مَغْفَل الطِّيبِيّ في شهر رَمَضَان من سَنَة إحْدَى وثَلاثين وستِّمائة بمَسجِدنا بحَلَب، قال: أنْشَدَني البَحْرَانِيُّ الشَّاعرُ لنَفْسِه بالمَوْصِل في سَنَة خَمْسٍ وعشْرين تقدِيرًا: [من الطويل]
يَظُنُّ نُحُولي ذُو السَّفَاهَةِ والغَبَا … غَرَامًا بهِنْدٍ واشْتِيَاقًا إلى دَعْدِ
ولَم يَدْر أنِّي ماجدٌ شَفَّ جِسْمَهُ … لِقاءُ هُمُوم خَيْلُها أبدًا تُرْدِي
عَدِمْتُ فُؤَادًا لا يَبيتُ وهَمُّهُ … كِرَامُ المَسَاعِي وارْتِقَاءٌ إلى المَجْدِ
خَلِيليَّ ما دَارُ المَذَلَّةِ فاعْلَما … بدَارِي ولا من ما أعدَادها وِرْدِي
ولا ليَ في أنْ أصْحَبَ النَّذْلَ حَاجَةٌ … لصِحَّةِ عِلْمي أنَّهُ جَرَبٌ يُعْدِي
أبو بَكْر بن مَسْعُود بن أحْمَد الكَاسَانِيُّ، الإمَامُ عَلاء الدِّين (٢)
أمير كَاسَان، بلدَة من وراء النَّهْر من بلاد التُّرْك.
أقام ببُخَارَى، واشْتَغَل بها بالعِلْم على شَيْخه الإمَام عَلاءِ الدِّين مُحَمَّد بن أبي أحْمَد السَّمَرْقنديّ، وقَرأ عليه مُعْظَم تَصَانيفه مثل: التُّحْفَة في الفِقْه، وشَرْح
стр. 5546
التَّأويْلات في تفسِير القُرآن العَظِيم، وغيرهما من كُتُب الأُصُول، وسَمِعَ منه الحَدِيْث، ومن غيره، وبَرَع في عِلْمي الأُصُول والفُرُوع.
وزوَّجَه شَيْخه السَّمَرْقنديّ بابْنَته فاطِمَة الفَقِيهَة العَالِمَة، وخَرَجَ بها معه إلى بلادِ الرُّوم، وكان مُحْتَرَمًا بها، فجَرَى بينَهُ وبين فَقِيْهٍ من كِبَار الفُقَهَاء كلامٌ، فرَفَع الكَسَانِيُّ المِقْرَعَة على ذلك الفَقِيه، وتأذَّى مَلِكُ بلادِ الرُّوم من ذلك ولَم يَقُل له شيئًا، وكان يرْكبُ الحِصَان إلى أنْ ماتَ، وله رُمْح يَصْحبه في الحَضَر والسَّفَر، وعنده نَخْوة الإمَارة، وعزَّة النَّفْسِ.
وسُيِّرَ من الرُّوم رَسُولًا إلى حَلَب إلى نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، فعَرَض عليه المقام بحَلَبَ والتَّدْرِيس بالمَدْرَسَة الحَلاويَّة، فأجابَهُ إلى ذلك، ووَعَدَهُ أنْ يَعُود إلى حَلَب بعد رَدِّ جَوَاب الرِّسَالَةِ، فعاد إلى الرُّوم وأعاد الجَوَاب على مَلِك الرُّوم.
ثُمَّ قَدِمَ حَلَب، فأكْرَمهُ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، ووَلَّاهُ التَّدْرِيس بالمَدْرَسَةِ الحَلاويَّة المَعْرُوفة بمَسْجِد السَّرَّاجين، وفَوِّضَ إليه نَظَرها، وزَاوِيَة الحَديْث بالشَّرْقيَّة بالمَسْجِد الجَامِع، فحَدَّثَ بالزَّاويَة المَذْكُورة عند خِزَانَة الكُتُب، ودَرَّس بالمَدْرَسَة المَذْكُورَة وبالجَاوَليَّة، وكان حَرِيْصًا على تَعْليم العِلْم، ونَفْع الطَّلَبَة.
وكان فَقِيْهًا، عَالمًا، صَحيْح الاعْتِقَادِ، كَثِيْر الذَّمّ للمُعْتَزِلة وأهل البدَع، يُصَرِّح بشَتْمهم ولعنهم في درُوسِهِ.
وصَنَّفَ كُتُبًا في الفِقْه والأُصُول؛ منها كتَابه في الفِقْه الّذي وَسَمَهُ ببَدَائع الصَّنَائع في تَرْتيب الشَّرَائع، رَتَّبه أحْسَن تَرْتيب، وأوْضَح مُشْكلاته بذِكْر الدَّلائل في جَمِيع المَسَائِل، ومنها كتابه الّذي وَسَمَهُ بالسُّلْطانِ المُبِيْن في أُصُول الدِّين، وكان مُوَاظِبًا على ذِكْر الدَّرْس، ونَشْر العِلْم.
стр. 5547
حَدَّثَني وَالدِي، ﵀، قال: كان عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ كَثِيْرًا ما يَعْرِضُ له النِّقْرِس في رِجْلَيهِ والمَفاصِل، فكان يُحْمل في مِحَفَّة من مَنْزِله بالمَدْرَسَة، ويَخْرُج إلى الفُقَهَاءِ بالمَدْرَسَة، ويَذْكُر الدَّرْس ولا يمنَعُه ذلك الألَم من الأشْغَالِ، ولا يُخِلّ بذِكْر الدَّرْس.
وكانت زَوْجَته فَقيْهةً فَاضِلةً، تَحْفظ التحْفَة من تَصْنِيف وَالدها، وتَنْقل المَذْهَب، ورُبَّما وَهِم الشَّيْخ في الفَتْوَى في بعض الأحْيان، فتأخُذ عليه ذلك الوَهْم، وتُنَبِّهُه على وَجْهِ الصَّوَاب، فيَرْجع إلى قَوْلها.
وَسَنَذكُرها في حَرْف الفَاءِ فيمَن اسْمه فاطِمَة من النِّسَاء (١) إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
أنْبَأنَا جَمَاعَةٌ من شُيُوخي عن الشَّيْخ الإمَام عَلاء الدِّين الكاسَانِيّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الإمَام الأجَلّ الأُسْتَاذ عَلاء الدِّين - يعني مُحَمَّد بن أبي أحْمَد السَّمَرْقَنْديّ - قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ الإمَامُ أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن خِدَام البُخاريّ، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ القَاضِي الإمَام أبو عليّ الحُسَينُ بن الخَضِر بن مُحَمَّد النَّسَفِيّ، جَدِّي ﵀، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخ الإمَام الجلَيْل أبو بَكْر مُحَمَّد بن الفَضْل الكَاغَدِيّ، قال: حدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب الحارِثِيّ الشَّيْخُ الفَقِيهُ الحافِظُ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن إسْحَاق السِّمْنَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ بنُ تَوْبَة القَزْوِينيّ، قال: حَدَّثَنَا إِمامُ المُسْلمِيْن مُحَمَّد بن الحَسَن الشَّيْبَانِيّ، رحْمَةُ الله عليه، قال: حَدَّثَنَا أبو حَنِيْفَة ﵀، قال: حَدَّثَنَا عَلْقَمَة بن مَرْثَد، عن ابن بُرَيْدَةَ، عن أَبيِهِ (٢)، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّهُ كان إذا بَعَثَ
стр. 5548
جَيْشًا، قال: اغْزُوا بِسْمِ اللهِ، وفي سَبِيْلِ اللهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ باللهِ، لا تَغُلّوا، ولا تَغْدروا، ولا تمَثُلُوا، ولا تقتُلُوا وَلِيدًا، وإذا حَاصَرْتُم مَدِينَةً أو حِصْنًا فادْعُوهم إلى الإسْلَام، فإنْ أسْلَمُوا فأخْبِروهُم أنَّهم من المُسْلمِيْن، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، الحَدِيْث.
أخْبَرَني الشَّريفُ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عُمَر بن الحَسَن بن مُحَمَّد، البُخاريّ الأصْلِ (a)، الحَلَبِيّ المَوْلد والمَرْبَى، والشَّيْخُ نِظَام الدِّين مُحَمَّد بن عَتِيق الدِّيْبَاجِيّ الحنَفِيّ، قالا: قال الشّيْخُ الإمَام عَلاءُ الدِّين أبو بَكْر الكَاسَانِيّ في أوَّلِ اعْتِقَادِه، وسَمِعْنَاهُ منهُ: لا شَيء أرْضَى عند اللهِ تعالَى من هِدَايَةِ العبَاد إلى سَبِيل الرَّشَادِ، والإبانَة لهم عن المَرْضِيّ من الاعْتِقَاد، وهو اعْتِقَادُ السُّنَّة والجَمَاعَة؛ إذ به يُنَال خَيْر الدَّارَيْن، وسَعَادَةُ المَحَلَّين، فَمن تَمَسَّك بهِ، فقد اتَّبع الهُدَى، ومَنْ حَادَ عنه فقَد ضَلَّ وغَوَى، وذَكَرهُ إلى آخره.
стр. 5549
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوفِيقِي
حدَّثني مُحِبُّ الدِّين مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النَّجَّار الحافِظ، قال: سَمِعْتُ جَمَاعَةً يَحْكُون لي عن الإمَام عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ المُقِيْم بحَلَب: أنَّهُ كان أُقْعِدَ من رِجْليه لنِقْرِس عَرَضَ له فيها، فنَزَلَ إليهِ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، ودَخَلَ إليه يَعُودُه، فتحرَّك عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ له، فظَنَّ نُور الدِّين أنَّهُ يُحَاول القيامَ له، فقال له بالفَارسِيَّةِ: بنشِي بنشِي؛ أي: اقْعُد لا تَقُم، فقال: يا مَوْلَانا بنشِي من اللهِ (a).
سَمعْتُ شَمْسَ الدِّين أبا عَبْد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر، قال: قَدِمَ عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ إلى دِمَشْق، فحَضَرَ إليه الفُقَهَاءُ، وطَلَبُوا منه الكَلَام معهم في مَسْألَةٍ، فقال: أنا ما أتكلَّمُ في مَسْألَةٍ فيها خِلَافُ أصْحَابنا، فعيِّنُوا مَسْألَةً، قال: فعَيَّنوا مَسَائِل كَثِيْرةً، فجَعَل يَقُول: ذَهَبَ إليها من أصْحَابنا فُلَان، فلم يَزَل كذلك حتَّى إنَّهم لَم يَجدُوا مَسْألَةً إلَّا وقد ذَهَب إليها واحدٌ من أصْحَاب أبي حَنِيْفَة ﵁، فانْفَضَّ المَجْلِسُ، وعَلِمُوا أنَّهُ قَصَدَ الغَضَّ منهم، فقالوا: إنَّهُ طَالِب فِتْنَة، فلم يَتَكلَّمُوا معه.
قُلتُ: وللشَّافِعِيّ ﵁ مَسَائِل انْفَرد فيها لَم يَذْهب إليها أحدٌ من أصْحَابنا أصْلًا، كمَسْألَة المَخْلُوقَة من ماء الزَّاني ونَحْوها، فإنَّ الفُقَهَاء الّذين حَضَروا مع الكَاسَانِيّ تجَنَّبُوا الكَلَام فيها لظُهُور دَلِيْل أصْحَاب أبي حَنِيْفَة رَضِيَ اللهُ [عنهُ] (b) فيها، وأرَادَ الكَاسَانيُّ أنْ يُلْجئَهم إلى تَعْيين مَسْألَةٍ من هذا النَّوع، فنَكَبُوا عن ذلك لهذا المَعْنَى، واللهُ أعْلَمُ.
стр. 5550
سَمِعْتُ الفَقِيه شَمْسَ الدِّينِ الخُسْرُوشَاهِيّ بالقَاهِرَة يقُول لي: لأصْحَابكم في الفِقْه كتابُ البَدَائِع للكَاسَانيّ، وقفتُ عليه، ما صَنَّفَ أحدٌ من المُصَنِّفين من الحنفِيَّة ولا من الشَّافِعيَّة مثْله، وجَعَل يُعَظِّمه تَعْظِيمًا. قال لي: ورَأيْتُه عند المَلِك النَّاصِر دَاوُد صَاحِب الكَرَك؛ أهْدَاهُ إليه بعض الفُقَهَاء الحنفِيَّة - وأظُنُّه قال: الشَّمْس نَجَا، أحَدُ المُدَرِّسين بدِمَشْق - فعَجِبْتُ ممَّن يكُون عندَهُ مثل ذلك الكتاب (a) ويَسْمَح بإخْرَاجِه من مُلكْه.
سَمِعْتُ النَّقِيْبَ السَّديْد دَاوُد بن عليّ البُصْرِاويّ يَقُول: كان الشَّيْخُ عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ لا يَرْكب إلَّا الحِصَان وبقُول: لا يرْكبُ الفَحْل إلَّا الفَحْل، وكان له رُمْح لا يُفَارقه، وكان شُجاعًا، قال لي: وكان لا يَأكُل عُمره كُلّه إلَّا اللَّحْم المَطْبُوخ بالماءَ والحِمَّص، ﵀.
سَمِعْتُ الفَقِيه جَمال الدِّين أبا السَّرَايَا خَلِيفَة بن سُلَيمان بن خَلِيفَة الكَاتِب، قال: كان عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ قد أقامَ في بلاد الرُّوم، فتَشَاجَرَ هو ورَجُل فَقِيْه يُعْرَفُ بالشَّعْرَانيّ ببلاد الرُّوم في مَسْألَة المُجْتَهدين هل هُما مُصِيْبان أم أحَدُهما مُخْطئ؟ فقال الشَّعْرَانيُّ: المنقُول عن أبي حَنِيْفَة ﵁ أنَّ كُلّ مُجْتَهد مُصِيْبٌ، فقال الكَاسَانِيُّ: لا؛ بل الصَّحيحُ عن أبي حَنِيْفَة أنَّ المُجْتَهدين: مُصِيْبٌ ومُخْطئٌ، والحقُّ في جِهَةٍ واحدةٍ، وهذا الّذي تَقُوله مَذْهَبُ المُعْتَزِلة، وجَرَى بينهما كَلامٌ في ذلك، فرَفَع عليه الكَاسَانِيُّ المِقْرَعَة، فشَكَى إلى مَلِك الرُّوم، فقال سُلْطانُ الرُّوم لوَزِيره: هذا قد افْتأَتَ على الرَّجُل فاصْرفه عنَّا، فقال الوَزِيرُ: هذا رَجُلٌ شِيْخٌ وله حُرْمَة، ولا يَنْبَغي أنْ يُصْرَف بل نُنْفذهُ رَسُولًا إلى نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي ونتَخَلَّصُ منه بهذا الطَّريق، فسُيِّر من الرُّوم رَسُولًا إلى نُور الدِّين إلى حَلَب.
стр. 5551
وكان قَدِمَ الرَّضِي السَّرْخَسِيّ صَاحب المحيْط حَلَب ووَلَّاهُ نُور الدِّين المَدْرَسَة الحَلاويَّة بعد ولد العَلَاءِ الغَزْنَوِيّ، وكان في لِسَانه لُكْنَة، فتَعَصَّبَ عليه جَمَاعَة من الفُقَهَاءِ الحنفِيَّة بحَلَب، وصَغَّرُوا أمْرَهُ عند نُور الدِّين على ما ذَكَرْناهُ في تَرْجَمَتِهِ في (a) باب المُحَمَّدين (١)، فأوْجَبَ ذلك أنْ عُزِلَ عن التَّدْرِيس بها، وتَوَجَّه إِلى دِمَشْق، وكُوْتِبَ عَالي (b) الغَزْنَوِيّ في الوُصُول إلى حَلَب ليُوَلَّى تَدْرِيس المَدْرسَة، وكان بالمَوْصِل، واتَّفَق وُصُول الكَاسَانِيّ رَسُولًا من الرُّوم إلى نُور الدِّين، واحْتَرَمَهُ وأكْرَمَهُ، واجْتَمَع (c) فُقَهَاء المَدْرَسَة وطَلَبُوا من نُور الدِّين أنْ يُوَلِّيَهُ التَّدْرِيسَ بالمَدْرَسَةِ المَذْكُورة، فعَرَضَ نُور الدِّين عليهِ ذلك، فدَخَلَ المَدْرَسَة ورَآها فأعْجَبَتْهُ، وأجابَ نُور الدِّين إلى ما عرضَهُ عليه، وقال له: هذه الرِّسَالَة أمَانَةٌ معي، فإذا أعَدْتُ الجَوَابَ إليهم عُدْتُ بعد ذلك وقَدِمْتُ حَلَبَ، وكَتَبَ نُور الدِّين مَحْمُود خَطَّهُ لعَلاء الدِّين الكاسَانِيّ بالمَدْرَسَة، ورَجع الكاسَانِيّ وأعاد جَوَاب الرِّسَالَة، وعاد إلى حَلَب، ووَصَلَ الخبَرَ بوُصُوله، فخَرَجَ جَمَاعَةٌ عَظِيمَةٌ من الفُقَهَاءِ إلى لقَائه إلى باب بُزَاعَا.
قال لي خَلِيفَة: وكُنْتُ إذ ذاكَ صَبِيًّا صَغيرًا، فخَرَجْتُ مع وَالدِي فيمَن خَرَج، فعَهْدِي بالشَّيْخ (d) الكَاسَانِيّ والفُقَهَاء مُجْتَمعُون حوْله، وأقام ذلك اليَوْم بباب بُزَاعَا على عَزْم الدُّخُول صَبِيْحَة تلك اللَّيْلة، فجاءهُ في أثناءَ النَّهَار رَجُلٌ من الفُقَهَاء وقال له: عَبَرَ هَا هُنا رَجُلٌ شَيْخٌ فَقِيْهٌ، ومعهُ جَمَاعَة من الفُقَهَاء، وقالوا: هذا عَالِي الغَزْنَوِيّ، وقد جاءَ إلى حَلَب لأخْذِ المَدْرَسَة، فقال النَّجِيْب - يعني مُحَمَّد بن سَعْد الله بن الوَزَّان - وجَمَاعَة غيرُه من الفُقَهَاء للكَاسَانِيّ: المَصْلَحةُ أنْ
стр. 5552
نَقُوم ونَدْخُل (a) إلى حَلَب، فبَقى وقام وسَار فوَصَلَ حَلَب بُكْرة، وكان عَالي قد وَصَلَها العَصْر من اليَوْم المُتَقدِّم، ونزل بالحُجْرة، فوَصَلَ الكَاسَانِيّ ودَخَلَ المَدْرسَة والفُقَهَاء حَوْله، فأرْسَل الفُقَهَاء إلى عَالِي وقالوا له: تَقُوم وتَخْرُج لأجْل الشَّيْخ، فامْتَنعَ، فأعَادُوا له القَوْل ثانيًا، وقالوا: المَصْلَحة أنَّكَ تَخْرُج بحُرْمتك وإلَّا يَدْخُل مَنْ يُخْرجُكَ قَسْرًا بغير اخْتِيَارك، فلمَّا رَأى الجِدّ في ذلك خرَجَ من الحُجْرة ومَضَى إلى حُجْرهَ صَغِيرَةٍ كانت في جانب المَدْرَسَة، فنَزَلَها.
وكان نُور الدِّين إذ ذاك غائبًا عن حَلَب، فكُوْتِبَ في ذلك، فوَلَّى الكَاسَانِيّ المَدْرَسَة الكَبِيرة، وكان ابن الحَلِيم (b) مُدَرِّسًا بمَدْرَسَة الحَدَّادِين، فاسْتُدْعي إلى دِمَشْق، ووُلِّي مكانَهُ عَالِي الغَزْنَوِيّ.
قال لي (c) مُقَرِّب الدِّين أبو حَفْص عُمَر بن قُشَام: إنَّ الشَّريفَ النَّقِيْبَ أبا طَالِب - يعني أحْمَد بن مُحَمَّد - نَقِيْب العَلَويِّيْن بحَلَب، خَرَج وتَلقَّى الكَاسَانيّ، وحَرَّضَهُ على سُرْعة الوُصُول إلى حَلَب، وقال لي ابن قُشَام: لمَّا وَرَدَ الكَاسَانِيَّ في الرِّسَالَةِ من الرُّوم، وطَلَبَهُ (d) نُور الدِّين لتَدْرِيس المَدْرَسَة، أجاب إلى ذلك، وقال: أَعُود وأُؤدِّي جَوَاِبَ الرِّسَالَة ثُمَّ أرْجع، فَمضَى وبُسِطَت له سجَّادةٌ بالمَدْرَسَةِ، وكانت تُبْسَط كُلّ يَوْم ويَجْتَمع الفُقَهَاءُ حوْلها إلى أنْ قَدِم واسْتَقَلَّ بالتَّدْرِيس والنَّظَر.
قال لي (e) خَلِيفَة بن سُلَيمان: ولَم تَزَل حُرْمَةُ الكَاسَانِيّ تَعْظُم وتَزِيد، ويَرْتَفع أمْرُهُ عند نُور الدِّين ومَنْ بعْدَهُ من المُلُوك إلى أنْ تناقصَتْ في أيَّام المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين، فلَزم مَكانَهُ بالمَدْرَسَة، ثُمَّ عَظُم بعد ذلك أمْرُه عند المَلِك الظَّاهِر، وما زَالَ يَحْتَرمهُ إلى أنْ ماتَ.
стр. 5553
وقال لي (a) السَّدِيْدُ النَّقِيْب دَاوُد البُصْرَاويّ: كان الكَاسَانِيُّ يَصْعَد إلى قَلْعَة حَلَب رَاكِبًا ويَنْزل حيثُ يَنْزل المَلِك الظَّاهِر، فاتَّفقَ أنْ صَعِدَ يَوْمًا والفُقَهَاء بأجْمَعهم بينَ يَدَيْهِ، فلمَّا وَصَلَ إلى باب القَلْعَة قام البَوَّاب وقال: يَدْخُل الشَّيْخُ، ويَرْجع الفُقَهَاء، فلَوَى الشَّيْخُ عِنَان حِصَانه وقال: يَرْجع الشَّيْخ أيضًا! فبَلغَ المَلِك الظَّاهِر، فأرْسَل (b) في الحال مَنْ أدْخَل الشَّيْخ والفُقَهَاء معه إلى أنْ نَزَل الشَّيْخ حيثُ يَنْزل، ودَخَلَ الشَّيْخُ والفُقَهَاءُ معه إلى مَجْلسهِ.
قُلتُ: ولمَّا تُوفِّي الكَاسَانِيّ، تولَّى المَلِكُ الظَّاهِرُ تَرْبية وَلدِه وكان صَبِيًّا، واسْتَخدَم عُتَقَاءه وولَّاهُم تَرْبية وَلَده بالقَلْعَة، واجْتَهد في إشْغَالِه بالفِقْه فلم يَنْجُب.
قال لي خَلِيفَةُ بن سُلَيمان: ماتَ عَلاء الدِّين الكَاسَانِيّ يَوْم الأَحَد بعد الظُّهْر، وهو عَاشِر رَجَب، في سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وخَمْسِمائَة.
ثمّ قَرأتُ بخَطِّ خَلِيفَة على ظَهْر كتابٍ: تُوفِّي الأُسْتَاذُ الإمَامُ عَلاءُ الدِّين الكَاسَانِيّ ذو المَكَارِم أبو بَكْر بن مسْعُود عَاشِر رَجب بعد الظُّهْر سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وخمْسِمائَة، وتَوَلَّى التَّدْرِيسَ بعدَهُ الأُسْتَاذُ الإمَامُ افْتِخار الدِّين في سَابِع عَشر رَجَب.
سَمِعْتُ ضِيَاءَ الدِّين مُحَمَّد بن خَمِيْس الوَكِيل المَعْرُوف بابنِ المَغْرِبيّ يَقُول: حَضَرْتُ الشَّيْخ عَلاء الدِّين الكَاسَانِيَّ عند مَوْتهِ، فشَرَع في قرَاءةِ سُوْرة إبْرَاهيم ﵇ حتَّى انْتَهَى إلى قَوْلهِ تعالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١) فخَرَجَتْ رُوْحُه عند فرَاغه من قَوْلهِ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
стр. 5554
قُلتُ: ودُفِنَ، ﵀، دَاخِل مَقَام إبْرَاهيم ﵇ ظَاهِر (a) حَلَب، في قُبَّةٍ من شَماليْهِ كان دَفَنَ فيها زَوْجَهُ فاطِمَة بنت عَلاء الدِّين السَّمَرْقَنْديّ، ولَم يَقْطَع زيَارَة (b) قَبْرها كُلّ لَيْلَة جُمعة إلى أَنْ ماتَ ﵀، وزُرْتُ قَبْريهما في هذه القُبَّة المَذْكُورَة غير مَرَّة.
أبو بَكْر بن مُسْلِم العَابِد (١)
صَاحِبُ قَنْطَرَة بَرَدَان، كان من أهْلِ طَرَسُوس، وبَرَدَان هو نَهْر طَرَسُوس.
سَمِعَ بطَرَسُوس أبا حَمْزَة الأسَلِيّ العَابد، حَكَى عنه الحُسَين بن شَبيْب الآجُرِّيّ الزَّاهِدُ، وحَكَى عنه أبو بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّدُ بن الحَجَّاج المَرْوَرُّوذِيّ، وصَحِبَهُ الجُنَيْد بن مُحَمَّد.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عُمَر بن بُكَيْر المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْل بن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد اللهِ الفَحَّام، قال: حَدَّثَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد الصَّيْدَلانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْوَلُ بن مُحَمَّد بن الحَجَّاج المَرُّوذيّ (c)، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن شَبِيْب الآجُرِّيّ، وكان هذا من النُّسَّاك المَذْكُورين، قال: حَدَّثَنَا أبو حَمْزَة الأسَلِيّ (d) بطَرَسُوس، قال: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، قال: حَدّثَنَا أبي وإِسْرَائِيل، عن
стр. 5555
أبي إسْحَاق، عن عَبْدِ الله بن خَلِيفَة (١)، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : الكُرْسِيِّ الّذي يَجْلسُ عليه الرَّبُّ ، ما يفضُل منه إلَّا قَدْرَ أرْبَع أصَابِع، وإنَّ له أطِيْطًا كأطِيْط الرَّحْل الجَدِيْدِ.
قال أبو بَكْر المَرُّوذِيّ (a):[قال لي أبو علي الحُسَين بن شَبِيْب] (b): قال لي أبو بَكْر بن مُسْلِم العَابِد: حين قَدِمْنا إلى بَغْدَاد أخْرَج (c) ذلك الحَدِيْثَ الّذي كَتَبْناهُ عن أبي حَمْزة، فكَتَبهُ أبو بَكْر بن مُسْلِم بخَطِّه وسَمِعْنَاهُ جَمِيعًا، فقال أبو بَكْر بن مُسْلم: إنَّ المَوضِع الّذي يَفْضُلُ لمُحَمَّد ﷺ ليُجْلِسَهُ عليه. قال أبو بَكْرٍ الصَّيْدَلانِيّ: منْ رَدَّ (d) هذا فإنَّما أرادَ الطَّعْنَ على أبي بَكْر المَرُّوذيّ (e)، وعلى أبي بَكْر بن مُسْلِم العَابِد.
أخْبَرَنا أبو إسْحَاق إبْراهيم بن عُثْمان بن يُوسُف، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، وقد سَمِعْتُ منه غيره، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن النَّقُّور (f)، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ بن أحْمَد بن الفَضْل الأَزَجِيّ (٢)، قال: حَدَّثنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن الحَسَن بن جَهْضَم، قال: سَمعْتُ مُظَفَّر بن سَهْل المُقْرئ يَقُول: قال أبو بَكْر أحمد بن مُحَمَّد (g) بن الحَجَّاجِ المَرْوَرُّوذِيّ: دَخَلْتُ على أبي بَكْر بن مُسْلم، صَاحِبِ قَنْطَرَة بَرَدَان، يَوْمَ عِيْدٍ، فوَجدْتُ عليه قَمِيْص مَرْقُوع نَظِيْفٌ مطْبَق، وقُدَّامهُ قليل
стр. 5556
من خَرْنُوب يقرضُه، فقُلتُ لَهُ: يا أبا بَكْر، اليَوْم عِيْدُ الفِطْر، وتَأكُل خَرْنُوبًا؟ فقال لي: لا تَنْظُر إلى هذا؛ ولكن انْظُر إلى أنَّهُ إنْ سَألني من أين هو؟ أيْش أقُول.
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطيْف بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ بن أَحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظُ (١)، قال: وأمَّا أبو بَكْر بن مُسْلم، فَمن المُسْتأنسِيْن باللهِ لا يَنْفَكُّ من (a) مشَاهدَتِهِ ومُذَاكرتِهِ، وكان الجُنَيْدُ من تَلَامذَته.
أبو بَكْر بن نَوْفَل بن الفُرَات بن مُسْلِم الحَلَبِيُّ
رَوَى عن أَبِيهِ نَوْفَل بن الفُرَات، رَوَى عنهُ مَنْصُور بن أبي مُزَاحِم، وذكَرَ أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن عُبْدوس الجَهْشِيَارِيّ في كتاب الوُزرَاء أنَّهُ كان من كُتَّاب المَهْدِيِّ (٢).
أخْبَرَنا عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ (b) بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظ (٣)، قال: حَدَّثنا أبو مُحَمَّد - يعني ابن حَيَّان (c) - قال: حَدَّثنا أحْمَد - يعني ابن الحَسَن (d) - قال: حَدَّثَنَا أحْمَد - يعني ابن إبْراهيم - قال: حَدَّثنا مَنْصُور بن بَشِير، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر - يعني ابن نَوْفَل بن الفُرَات - عن أَبِيهِ أنَّ عُمَر اسْتَعْمَل جَعْوَنَة (e) بن الحَارِث على مَلَطْيَة فغَنِم، أو أصَابَ وغَنِم، ووَفَد ابنُه إلى عُمَر، فلمَّا دَخَلَ عليه وأخْبَره الخَبَر، قال له عُمَر (f): هل أُصِيْبَ من المُسْلمِيْن أحَدٌ؟ قال: لا، إلَّا رُوَيْجِل، فغَضِبَ عُمَر وقال:
стр. 5557
رُوَيْجلٌ! مَرَّتَين؛ تَجِيئُونَ بالشَّاةِ والبَقَرة ويُصَاب رَجُل من المُسْلِمِيْن! لا تَلِي لي أنْتَ ولا أبُوك عَمَلًا ما كُنْتُ حيًّا.
أبو بَكْر بن يُوسُف بن مُحَمَّد الحَكِيم الرَّسْعَنِيُّ المُلَقَّب بالتَّقِيّ (١)
حَكِيمٌ فَاضِلٌ من أهْلِ رَأس عَيْن، مَهَر في عِلْمِ الطِّبّ، وشَذَا شَيئًا من الأدَب، وتموَّل ودَخَلَ إلى بلادِ الرُّوم، واتَّصَل بخِدْمة عَلاء الدِّين كَيْقُبَاذ بن كَيْخُسْرُو وحَظِي عنده، واتَّخذ بها أمْلَاكًا كَثِيْرة، ثمّ صار بعده مع وَلده غِيَاث الدِّين كَيْخُسْرُو، ثمّ بعده مع وَلَده كَيْكَاوُس، وأرْسَله إلى حَلَب إلى المَلِك النَّاصِر يُوسُف، وتَوَجَّه إلى مِصْر إلى المَلِك المُعَظَّم تُوْرَانشَاه، ثمّ عاد إلى مَخْدُومه، ثمّ جاء رَسُولًا إلى المَلِك النَّاصِر، وفي صُحْبَتهِ بنت عَلاء الدِّين زَوْج المَلِك النَّاصِر، فقَدِمَ معها حَلَب، وأحْضَرَها إليه إلى دِمَشْق، ودَخَلَ بها المَلِكُ النَّاصِر، وأعْطَاهُ عَطَاءً حَسَنًا، وذلك في سَنَة إحْدَى وخمْسِين وسِتِّمائة، وعاد إلى الرُّوم.
ثُمَّ أرْسَلَهُ كَيْكَاوُس إلى المَلِك النَّاصِر فقَدِمَ حلَبَ مُجْتَازًا، ونَفَذ إلى المَلِك النَّاصِر، ثمّ عاد، ثمّ قَدِمَ عليه رَسُولًا (a) حين طَرَق التَّتَار بلادَ الرُّوم، فقَدِمَ دِمَشْق، وأقام بها مُدَّةً.
ثُمَّ عَزَم على التَّوَجُّه إلى مِصْر ليَسِيْر في البَحْر إلى بلادِ الرُّوم، فسَيَّرَهُ المِصْرِيُّون في البَحْر لإبْرَام الصُّلْح بينهم وبين (b) المَلِك النَّاصِرِ، فقَدِمَ إلى دِمَشْق، واسْتَحْلَف لهم المَلِك النَّاصِر، ثمّ صَعِدَ إلى مِصْر، وحَضَر يَمِين صَاحِبها المَلِك المَنْصُور لمَلِك النَّاصِر، ثمّ عادَ إلى دِمَشْق فأقام بها مُدَّة.
стр. 5558
وعَزم على التَّوَجُّه إلى مِصْر لانْقِطَاع الطُّرُق إلى الرُّوم، فوَرَد قَاصِدٌ من كَيْكَاوُس بكتابٍ إلى المَلِك النَّاصِر يَطْلبُ منه أنْ يُوجِّه إليه الحَكِيمٍ المَذْكُور، وأخْبَرَني القَاصِدُ المَذْكُور أنَّهُ لو وَصَلَ إليه قَتَله، فخَافَ خَوْفًا عَظيْمًا ومَرض، وكَتَبَ إلى الفِرنْج بالسَّاحِل يَطْلُب منهم أمانًا على نفسه ومَاله، فأجَابُوه إلى ذلك، وأقام مَرِيْضًا أيَّامًا، وتُوفِّيَ بدِمَشْق في شَهْر رَبيع الأوَّل من سَنَة سِبْعٍ وخمْسِين وسِتِّمائة، وأوْصَى أنْ يُتَصَدَّق عنه بثُلث مَالهِ، ويُسْتَفكَّ منه أُسَارى، وأسْنَد وَصِيَّتَهُ إلى الأَمِير جَمال الدِّين مُوسَى بن يَغْمُور. ووَصَلَ رَسُوله إلى الفِرِنْج بالأمَان له بعدَ مَوْتهِ، وأحْضَرهُ إليَّ.
وكان الحَكِيم المَذْكُور قد اجْتَمَع بي مِرَارًا، وكان حلو المَنْطق (a)، دَمِث (b) الأخْلَاق، وجَرَى بيني وبينه (c) مُذَاكَرَات، وأنْشَدَني عدَّة مُقَطَّعاتٍ من شِعْره؛ أكْثَرها هِجَاء، فلم أكْتُب عنه شيئًا.
وأنْشَدَني عِمَاد الدِّين علِيّ بن عَبْد الله بن التِّلِمْسَانِيّ بحَمَاة، قال: أنْشَدَني الحَكِيم تَقِيّ الدِّين أبو بَكْر الرَّسْعنِيّ لنَفْسِه، وكَتَبَها على باب شُبَّاكٍ بالجَوْسَق بحَمَاة: [من مجزوء الكامل]
انْظُر إلى أَثَر المُلُو … كِ يَرُعْكَ منهُ الرَّوْنَقُ
فالرَّسْمُ بعد الظَّاعنيـ …
стр. 5559
أبو بَكْر بن أبي الخَصِيْب المِصِّيْصيّ
رَوَى عن أحْمَد بن صالح، واسْمُه مُحَمَّد، وأظُنُّه مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن المُسْتَنِيْر، وجَدُّه أبو الخَصِيْب. وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (١).
أبو بَكْر بن أبي عليّ بن أبي سَالم التَّنُوخِيّ (٢)
المَعَرِّيّ (a) الأصْل، الحَلَبيّ المَوْلد والمنشَأ، السِّمْسَار في الخُضَر ببَاب الجنَان بحَلَب، وهو ابن أُخْت أبي العَلَاء بن أبي النَّدَى.
شَاعِرٌ حَسَن الشِّعْر، أدْرَكتُه بحَلَب، وحاضَرْتُه، وسَمِعْتُ منه شَيئًا من شِعْره وشِعْر غيره من المَعَرِّيّيْن، رَوَى لنا عن خاله أبي القَاسِم بن أبي النَّدَى، وعن أبي بَكْر المُجَلِّد النَّقِيْب بالحَلاويَّة، وكان سِمْسَارًا بدَار كُوْره بحَلَب.
سَألتُه في سَنَة خَمْسٍ وعشْرين وسِتّمائة عن مَوْلدِه، فقال: يكُون عُمري الآن أرْبَعةً وخَمْسِين أو خمْسَةً وخَمْسِين سَنَة، فيكُون موْلدُهُ على هذا في حُدُود السَّبْعين والخمسمائة.
وبَلَغَني أنَّهُ وَقَفَ بين يَدي المَلِك الظَّاهِر ﵀، وأنْشَدهْ قَصِيدَة من شِعْره في مَدحهِ، وكان ذلك من أوَّل نَظْمه الشّعْر، فلهَّا فَرغ من إنْشَادِه، قال: مَن هو هذا؟ فقيل: هو ابن أُخْتِ أبي العَلَاء بن أَبي النَّدَى، فقال له المَلِكُ الظَّاهِر: الخالُ لا يُوَرث.
أنْشَدَني أبو بَكْر بن أبي عليّ التَّنُوخِيُّ الحَلَبيُّ بها لنَفْسِه: [من الخفيف]
كُلّ يَوْمٍ أسَىً لقَلْبي المَشُوْقِ … واكْتِئابٌ على فِرَاقِ فَرِيقِ
стр. 5560
حَمَّلُوني ثِقْلَ الغَرَام وقد كُنْـ … ـتُ لثِقْلِ الغَرَام غَيْرَ مُطيْقِ
يا رَفِيْقي رِفْقًا عليَّ فما ين … فَع ذا الوَجْدِ مثْلُ رِفْقِ الرَّفَيْقِ
إنْ يكُن يُطْلَقُ الأَسِيْر فما با … لُ فُؤِادِي المَشُوقِ غَيرُ طَلِيْقِ
أنا مُلْقىً ما بينَ قَلْبٍ حَرِيقٍ … مِن جَوَى لوعَتي وجَفْنٍ غَرِيقِ
لو رَأى حَالَتي عَدُوِّي لَمَا سُرّ … بها حالةً فكيفَ صَدِيْقي
وأنشدَني لنَفْسِه (a): [من الطويل]
وأسْمَرَ حَيَّاني عَشِيَّةَ زُرْتُهُ … بما اعْتُصِرَتْ مِن طَرْفه واحْورَارِهِ
سَقَاني بلَحْظِ العَيْن خَمْرًا شرَابُها … إلى اليَوْم عِندي فضْلَةُ مِن خُمارِهِ
لرُوَفَةُ لَحْظٍ أسْكَرتَنْي ولَم تكُنْ … سُلافةَ كأسٍ عُتِّقَت مِن عُقَارِهِ
فَبِتُّ أُسَقَّاها طِلًا ذاتَ سَوْرةٍ … تُفَرِّقُ ما بين الفَتَى واصْطِبَارِهِ
على وَرْدِ خدَّيهِ وسَوْسَنِ صُدْغِهِ … ونَرْجِسِ عَيْنَيْهِ وآسِ عِذَارِهِ
وأنشدَني لنَفْسِه وقال: هذه طَريْقَة سَلَكْتُها على نَهْج أبي العَلَاء بن سُلَيمان في اسْتَغْفر واسْتَغْفري (١)، أتعَمَّدُ في أوَّل الأبيات إلى كم، وتارةً كم: [من الهزج]
إلى كَمْ أيُّها اللَّاهِي … تَجَرِّيكَ على اللهِ
أتَسْهُو عن رِضَا مَنْ ليـ … ـس عن رِزْقِكَ بالسَّاهِ
ألَا يَنْهاكَ يا ذا الجَهْـ … ل عن عِصْيَانِهِ نَاهِ
أتَسْتمْسِكُ للنَّفْسِ … بدُنْيَا حَبْلُهَا وَاهِ
وتَمْشي مشْيَةَ المُخْتَا … ل في سِرْبَالِكَ الزَّاهِي
ولا تفكُرُ يا مَغْرُو … رُ في صَوْفِ الرَّدَى الدَّاهِي
стр. 5561
كُن الأوَّاهَ إنَّ الل … هَ يَهْوَى كُلَّ أوَّاهِ
ولا تُبْدِ لَهُ تْيهًا … فيَشْنَا كُلَّ تيَّاهِ
تُوفِّي أبو بَكْر السِّمْسَار التَّنُوخِيّ هذا بحَلَبَ في شَهْر ذي القَعْدَة من سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثين وستِّمائة.
أبو بَكْر بن أبي الفَتْح المَكِّيُّ (١)
إمَامُ الحنفِيَّةِ بالحَرَم الشَّريف.
كان شَيْخًا حَسَنًا تَقِيًّا، حَنَفِيّ المَذْهَب، يَؤُمُّ بالحنفِيَّةِ بين يَدَي الحَجَرِ.
قَدمَ علينا حَلَب في سَنَة إحْدَى وستِّمائة وَافِدًا على المَلِك الظَّاهِر غَازِى، ﵀، مُسْتَرفِدًا، فوَصَلَهُ وأحْسَنَ قِرَاهُ، ورَجع إلى مكَّة حَرَمَها اللّهُ.
حَدَّثَ عن أبي مُحَمَّد المُبارَك بن عليّ بن الطَّبَّاخَ، نَزِيلُ مَكَّة. رَوَى (a) عنهُ دَاوُد بن سُلَيمان بن خَلِيل العَسْقَلانِيّ المَكّيّ.
وكُنْتُ اجْتَمَعْتُ بهِ بحَلَب حينَ قَدِمَها، وكان يَتَردَّد إلى وَالدِي وعَمِّي، رَحِمَهُما اللّهُ، ولم أسْمَعْ منه شيئًا.
وتُوفِّيَ بمَكَّة، حَرَسَها اللّهُ، في المحرَّم سَنَة عشْرين وستِّمائة، ودُفِنَ في المَعْلَاة، ووَلي وَلدُه إمَامَة الحنفِيَّةِ بعدَهُ.
стр. 5562
أبو بَكْر بن أبي مَرْيَم الغَسَّانِيُّ
واسْمُه عَبْد اللّه بن مُحَمَّد، تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (١).
أبو بَكْر بن الأصْبَهَانِيّ المُقْرِئ ويُعْرفُ بأبي بَكْر الإسْكَافِ (٢)
أحَدُ أئمّةِ جَامع طَرَسُوس.
ذَكَرَهُ أبو عَمْرو عُثْمان بن عَبْدِ اللّه الطَّرَسُوسِيِّ، فيما نَقَلْتُهُ من خَطِّه، في كتَاب سِيَر الثُّغُور، في ذِكْر أئمَّة الجَامع بطَرَسُوس، بعد أنْ ذَكَرَ أبا حَفْص عُمَر بن الحَسَن المَوْصِليّ ثُمَّ قال: وكان أبو بَكْرٍ الإسْكَاف المُقْرِئ تَقَدَّم قَبْلَهُ، فصَلَّى بالنّاسِ ثلاثًا، يَعْني في صَلَاةِ التَّرَاوِيْح فامْتَنعَ من الإمَامَةِ، وقد رَأيتُه وقَرأتُ عليهِ، وكان من الأبْدَالِ المُبرِزيْن.
حَدَّثني مَنْ أثِقُ بهِ أنَّهُ لقَّنَ في مُدَّة خَمْسِين سَنَةً في جَامع طَرَسُوس، هو ومَنْ يقرأُ عليه في مَجْلِسِه، أكْثَرَ من عَشْرةِ آلاف رجُل لمُوَاظَبَته على درَاسَةِ القُرآن وتلقِيْنه، وأنَّ حَلْقَتَهُ كانت أكْثَر الحلَقِ عددَ مَنْ يتلَقَّن ويُلَقِّن، وكان قد وَفَدَهُ أهْلُ طَرَسُوس إلى بَغْدَاد هو وأبو عليّ بن الأصْبَهَانِيّ مُسْتَصْرِخًا حين ضَايقَها نَقَفُور (٣).
стр. 5563
أبو بَكْر الأحْنَف البَغْدَادي (١)
سَمعَ بالمِصِّيْصَة شَاكِرًا البَغْدَاديِّ، رَوَى عنهُ أبو العبّاسِ النَّسَوِيُّ.
قُرِئ على فَخْر الدِّينِ أبي العبّاسِ أحْمَد بن عَبْدِ اللّهِ بن مُحَمَّد العَقْرِيّ الحُمَيْدِيّ بالمَوْصِل، قال: أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر عبدُ الصّمَد بن الحُسين بن عَبْدِ الغَفّار الزَّنْجَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن إبْراهيم اليُوْنَارتيّ الأصْبَهَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَينُ بن عَبْدِ المَلِك الأدِيْبُ، قال: أخْبَرَني أحْمَد بن الفَضْل المُقْرِئ إجَازةً: أنّ أبا العبّاس النَّسَوِيّ أخْبَرَهُم، قال: سَمِعْتُ أبا بَكْر الأحْنَفَ البَغْدَاديّ بدِمَشْقَ يَقُول: سَمِعْتُ شَاكِرًا بالمِصِّيْصَة يَقُول: رَأيْتُ رَبَّ العِزّة في المَنَامِ بعدَ قتل حُسَيْن بن مَنْصُور، رأيتُ كأنِّي وَاقِف بنَ يَدَيْهِ، أو كما قال، فقُلتُ: يا سيِّدِي، أنْتَ حَكْمتَ في كتابكَ: مَنْ قَتَلَ قُتِل، ومَنْ سَرَق قُطع، فأيْش كان جُرْم الحُسين بن مَنْصُور حتَّى قُتِلَ وقُطع يَدَاه ورِجْلاه وصلِبَ؟ فقال: ذلك أوْدَعْناهُ سِرًّا من سَرَائرنا فأذَاعَهُ فعاقَبْناهُ، قال: فقُلتُ: يا سَيِّدِي، هو ذا الشِّبْليّ يَجِيءُ بالعَظَائم! قال: وقال "وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" (٢)، قال: فغَدَوْتُ إلى الشِّبْليّ، فقَصَصتُ عليه مثْلَ ما رَأيتُ، قال: فقال الشِّبْليُّ: أعْرَضْتُ عما دُوْنَه، أو كما قال.
أبو بَكْر الدِّيْنَورِيّ الطَّرَسُوسِيّ (٣)
شَيْخ الحَرَم.
стр. 5564
حَكَى عن مُظَفَّر القِرْمِيْسِينِيّ، رَوَى عنهُ أبو نُعَيْم الحافِظ.
أخْبَرَنا المُؤيَّدُ بن مُحَمَّد الطُّوسيِّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قال: أخْبَرَنا أبو صالح الحَافِظ، قال: سَمعْتُ أبَا نُعَيْم الحافِظ (١) يَقُول: سَمِعْتُ أبا بَكْر الدِّيِنْورِيّ الطّرَسُوسِيّ يَقُول: سُئِلَ مُظَفَّر القِرْمِيسِيِنيّ: ما خَيْرُ ما أُعْطِىَ العَبْدُ؟ قال: فَرَاغُ العَبْدِ (a) ممَّا لا يَعْنيهِ ليَشْتَغل (b) ويتفرَّغ إلى ما يَعْنيْهِ.
أبو بَكْر النَّيْسَابُوريُّ المَعْرُوف بالمَغَازِليّ
من شُيُوخ الصُّوْفيَّة.
حكى بحَلَب عن المُزَنِيّ صَاحب الإمَام الشّافِعيّ، وبمنبج عن المُرْتَعِش، رَوَى عنهُ أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد اللّه بن جَهْضَم الهَمَذَانيّ، ومَنْصُور الهَرَويّ، وقد ذَكَرْنا حكَايتَهُ عن المُزَنِيّ في تَرْجَمَة مَنْصُور الهَرَويّ (٢).
قَرأتُ بخَطِّ عُبْدُوْس بن عَبْدِ اللّه بن مُحَمَّد بن عُبْدُوْس أبي الفَتْح: حَدّثَنَا الشَّيْخُ أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز، واللَّفْظُ له، ح.
وأخْبَرَنا الحَافِظ أبو مُحَمَّد عَبْد القَادر بن عَبْد اللّهِ الرُّهَاوِيّ (c) في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل عَبْدُ اللّه بن أَحْمَد، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْد القَادِر بن مُحَمَّد بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ الأَزَجِيّ، قالا: حَدّثَنَا أبو الحَسَن الهَمَذَانيّ، قال: حَدّثَنَا أبو بَكْر النّيْسَابُوريّ المَعْرُوف بالمَغَازِليّ بمَنْبج، وقد أتَى عليه مائَهُ سَنَة وأكْثَر، ورَأيْتُ تحتَهُ قِطْعةُ خصَاف، وذكَرَ أنَّهُ جَالِسٌ عليها منذ أرْبَعيْن سَنَة، ورَأيْتُ عليه عبَاءة مُخْمَل رُوميّ ذكَرَ أنَّهُ يلبَسُها منذُ ثلاثين سَنَة.
стр. 5565
قال: قال لي جَعْفَر المُرْتَعِشُ، ﵀: سَافَرْتُ خَمْسِين سَنَةً ليسَ نعيشُ إلَّا بالحِيْلَة، وسَافَرْتُ ثلاثين سَنَةً أمْشي كُلّ سَنَة ألفَ فَرسَخ، لَم يُفَارقني فيها ثلاثة أخْلَاق: لم أُعَاشِر إلَّا مَنْ عَرفْتُه، ولَم أنْزل عن الفَقْرِ، وإنْ فُتح لي بشيءٍ ولو نصف رَغِيف طالبْتُ نفسِي بالمُوَاسَاةِ.
أبو بَكْرٍ المُعَوَّجُ الأنْطَاكِيُّ الشَّاعِرُ (١)
شَاعِرٌ مُجيْدٌ من أهْل أنْطَاكِيَة، وينسَب أيضًا المِصْرِيّ، ولعَلَّهُ من أنْطَاكِيَة وسَكَنَ مِصْر.
رَوَى عنهُ شَيئًا من شِعْره أبو بَكْر الصُّوْلِيّ، وأبو سَهْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن زِيَادٍ القَطَّان.
أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو هاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو شُجاع عُمَر بن أبي الحَسَن البِسْطَامِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن خَيْرُون، ح.
وأنبأنَا زَيْد بن الحَسَن النَّحويّ (a)، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزّاز، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن وِشَاح (b)، قال: حدَّثنا عبدُ الصَّمَد بن أحْمَد بن خَنْبَش (c) الخولانِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو سَهْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن زِيَادٍ (d)، قال: أنْشَدَنا المُعَوَّجُ الأنْطَاكِيّ لنَفْسِه في بَدْر الحَمَاميّ وسقَط عن فَرَسِهِ ففَصَدَ: [من البسيط]
لا ذنبَ للطِّرْفِ إنْ زلَّتْ قَوَائمُهُ … وليسَ يَلْحقُه من عَائب دَنَسُ
стр. 5566
حَملْتَ بأسًا وجُوْدًا فوْقَهُ ونَدَىً … وليسَ يقْوَى بهذا كُلِّهِ الفَرَسُ
قالوا فَصَدْتَ فما خَلْقٌ بهِ حَركٌ … خَوْفًا عليك ولا نَفْسٌ بها نَفَسُ
كَفّ الطَّبِيْب دَعا كَفًّا نُقَبلها (a) … ويُطْلَبُ الغَيْثُ منها حين يَحْتَبِسُ
قَرَأتُ في كتاب العِيَادَة لأبي بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ، أظُنُّه بخَطِّ كَاتبهِ، قال: وزَعَم لي أبو بَكْر المُعَوَّجُ الشَّاعرُ المِصْرِيُّ أنَّ بَدْرًا الحَمَامِيّ، رَكب إلى المَيْدَان بمِصْر، فتَقَطَّرَ (b) بهِ فَرَسُه، فاحْتاج إلى الفَصْد، فافْتَصَد، فدَخَلَ عليه فأنْشَدَهُ: [من البسيط]
لا ذَنْبَ للطِّرْفِ إنْ زَلَّتْ قَوَائمُهُ … وليسَ يلْحَقُهُ من عَائبٍ دَنَسُ
حَملْتَ بأسًا وجُوْدًا فَوْقَهُ ونَدَىً … وليس يَقْوَى بهذا كُلِّهِ الفَرَسُ
قالُوا افْتَصَدْتَ فما نَفْسُ العُلَى معها … خَوْفًا عليك ولا نَفْسٌ (c) لها نَفَسُ
كفّ الطَّبِيْب دَعَا كَفًّا نُقبلها … وتَطْلُبُ الرِّزقَ منها حين يَحْتَبسُ
وقد رُوي البَيْتان الأوَّلَان من هذه الأبْيَات لأبي تَمَّام (١)، ورُويا لأبي دُلَف، وقد ادَّعَاهُما أبو عَبْد الله بن خَالَوَيْه، والصَّحيحُ أنَّهما لأبي بَكْر المُعَوَّج الأنْطَاكِيّ في جُمْلَة هذه الأبْيَات، واللهُ أعْلَمُ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَتح أحْمَد بن عليّ المَدَائِنِيّ في مَجْمُوعٍ وَهَبْنِيْهِ أبي ﵀: أبو بَكْر المُعَوَّجُ يَهْجُو وَصِيْفَ البَازمَازِيّ (٢): [من الوافر]
مَدَحْتُكَ يا وَصِيْف البَازمَازي … ولم أتلَقَّ بخلك باحْتِرَازِ
стр. 5567
دَعَوْتُك للنَّدَى فهَرَبتَ منِّي (a) … كأنِّي قد دَعَوتُكَ للبرَازِ
وكيف أقُول ترغَب في المَعَالِي … إذا ما كُنْتَ تَرْغَبُ في المَخَازِي
ولم أُلْبسكَ ثَوْبَ المَدْح إلَّا … وجَدتُكَ قد خَريتَ على الطِّرَازِ
أبو بَكْر القُرَشِيُّ المِصِّيْصيُّ (١)
شَاعِرٌ من أهْلِ المِصِّيْصَةِ، مَذْكُورٌ، حَسَن الشِّعْر.
سَيَّرَ إليَّ بعضُ الأصْدِقَاء بالقَاهِرَة قِطْعَةً من تاريْخ أبي إسْحَاق السَّقَطِيِّ (٢) صَاحِب كتاب الرَّدِيْفِ، فقَرَأتُ فيه ما ذَكَرَهُ في حَوَادِث سَنَة ثَمانٍ وأرْبعين وثَلاثِمائة، قال: وفيها كانت غَلَبَةُ الرُّوم والنَّقَفُور بن الفَقَّاص (b) على عَيْن زُرْبَة، وتَلّ موْزَة (٣)، وتَلّ صَوْغا (٤)، وحَمَّام نوْفَل (٥)، وأرْقِينية (٦)، وما بين هذه المُدُن من القُرَى والرَّسَاتِيْق. وقيل: بل ذلك كان في سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين، ثُمَّ قال (c):
стр. 5568
وأكْثَر شُعَرَاءُ الثُّغُور والمَنْكُوبُونَ المَرَاثِي فيما حَلَّ بهم، ثُمَّ قال: وقال أبو بَكْر القُرَشِيُّ المِصِّيْصيُّ في ذلك: [من البسيط]
لا تبكينَّ خَليْطَ الدَّارِ إذ بَانَا … ولا المَعَارِجَ من دَعْدٍ (a) وأظْعَانا
وَابْكِ الثُّغُورَ الّتي أضْحَتْ مَعَالمُها (b) … دَوَارِسًا أقْفَرَتْ رَبْعًا وقِيْعانا
أبْلِغْ خَلِيْفَتنا عنَّا رِسَالَتَنا … لقِيْتَ يا صَاحِ إنْ بَلَّغْتَ رِضْوَانا
خَلِيفَةَ اللهِ لو عَايَنْتَنا لجَرَتْ … مِنكَ الدُّمُوعُ لنا سَكْبًا وتَهْتَانا (c)
جَرَّ العَدُوُّ علينا في عَسَاكِرِهِ … كأنَّها قِطَعٌ في اللَّيْلِ تَغْشَانا
يَسْبي ويَقْتُلُ ما يَلْقَاهُ مِن أحَد … كأنَّما أُلْبِسَ الإسْلَامُ خِذْلَانا
بعَيْنِ زُرْبَةَ إذ حَطَّتْ عَسَاكِرُهُ … وتَلِّ موْزَا إلى أَعْبَارِ جَيْحَانا
وتَلِّ صوْغَا وما وَالاهُ صَبَّحَهُ … وبالخَلِيْجِ وجَوْزِ المَرْجِ مَسَّانا
وبالكَنِيْسَةِ والحَمَّامِ زَلْزَلَها … وبالمَلَنْدِينِ قبلَ العِيْدِ وَازَانا (d)
وحِصْنِ أرْقانَ والأحْوَاقِ ضَعْضَعَها … وبالمُثَقَّبِ والتِّيْنَاتِ غَادَانَا
وأهْلِ بَيَّاسٍ ابتاعُوا مَدِيْنَتَهُمْ … مِنَ العَدُوِّ كَفَى بالبَيْع خُسْرَانا
وكم حُصُونٍ إذا عدَّدْتَها كَثُرَتْ (e) … يَكْفِيْكَ من بَاطِنِ المَنْشُورِ عُنْوانا
مَدَائنٌ أصْبَحَتْ بالثَّغْرِ مُوْحِشَةً … مَنَابِرٌ عُلِّيَت بالبَغْي صُلْبَانا
تَرَى الخَنَازِيرَ تَسْعى في مَسَاجِدِها … وطَالَ مَا عُمِرَت فِقْهًا وقُرْآنَا
تَرَى أئمَّتَها صَرْعَى وقد ذُبِحُوا … عِندَ المَحَارِيبِ إذْلَالًا وإيْهانا (f)
تَرَى المَصَاحِفَ (g) والأجْزاءَ مُحْرَقَةً … هَلَّا بَكَيتَ (h) لها سِرًّا وإعْلَانا
تَرَى الرِّجَالَ كَبُدْنِ الحَجِّ قد نُحِرُوا … حَوْلَ الحُصُون عليها الطَّيْرُ قُطْعَانا (i)
стр. 5569
تَرَى النِّسَاءَ مع الوِلْدَانِ يَجْمَعُهُمْ … أرَاذِلُ الرُّومِ أبْكَارًا وصِبْيَانا
تَرَى العَرَائسَ أقْرَانَ العُلُوجِ معًا … عُوِّضْنَ بالسَّيْفِ أزْوَاجًا وأخْتَانا
يقُول فيها:
مُحَمَّدٌ يا رَسُولَ اللهِ لو نَظَرَتْ … عَيْنَاكَ أو سَمِعَتْ أُذْنَاكَ شَكْوَانا
وقَد جَفَانا بنُو الإسْلَامِ كُلُّهُم … فلا مُغِيْثَ لَنا - واللهِ - مَوْلَانا
لأبْكِيَنَّ على الإسْلَام مُكْتَئبًا … حتَّى أُوَسَّدَ في الأجْدَاثِ أكْفَانا
ثُمَّ ذَكَرَ سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وثَلاثِمائة، وقال: وفيها وَرَدَت الأخْبارُ بإغْارة الرُّوم على الحُصُون الثَّملِيَّة (a)، واجْتِيَاح بَلَدِ الإسْلَام، وهَرَب بَقَايا أهْلِ الثُّغُور عن مَعَاقِلهم إلى الأقَاصِي.
وقال: ووَافَت قَصِيدَةٌ لأبي بَكْر القُرَشِيّ المِصِّيْصيّ، قُرِئتْ وتَدَاوَلها النَّاسُ، أوَّلها: [من الوافر]
إلى أهْلِ الدِّيانَةِ أجْمَعِيْنَا … رِسَالةُ أهْلِ ثَغْرٍ صَابِريْنَا
وهي مائة وستُّونَ قَافيَةً، فيها ما حَلَّ بأهلِ الثَّغْر من القَتْلِ والسَّبْي والحَرْق والنَّهْب، وأُمُور في اسْتِماع بَعْضها إِذْكَار ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، فلم يَحْفُلوا بها، ولا انْثَنُوا عليها.
أبو بَكْرٍ الزُّبَيْرِيُّ
حَكَى بأنْطَاكِيَة عن أبي الحُسَين الدَّرَّاج، رَوَى عنهُ عَبْدُ الوَاحِد بن بَكْرٍ الوَرْثَانِيّ.
стр. 5570
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد، وأبو العبَّاسِ ابْنا عَبْدِ الله بن عُلْوَان، قالا: كَتَبَ إلينا أبو الفَضْلِ مُحَمَّد بن بُنَيْمان، قال: أخْبَرَنا بُنْجِير بن مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا جَعْفَر بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَاحِد بن بَكْر الوَرْثَانِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا بَكْر الزُّبَيْرِيّ بأنْطَاكِيَة يَقُول: سَمِعْتُ أبا الحُسَين الدَّرَّاج يقُول: النَّاسُ في السَّمَاعِ على ثلاثة (a) أُصُول؛ فمَن أشَارَ إلى الذَّاتِ (b) ألْحَدَ، ومَنْ أشارَ إلى المَخْلُوقين أشْرَك، ومَنْ مَلَكَتْهُ حِكْمتُه فسَمِع من حَالهِ فقد وَجَدَ.
أبو بَكْرٍ المَرْوَزيُّ
رَوَى عن رَجُلٍ لَم يُسَمِّه؛ لَقِيَهُ بطَرَسُوس.
أبو بَكْرٍ الطَّرَسُوسِيُّ
حَكَى عن نُعَيْم بن حَمَّاد، رَوَى عنهُ أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن سَهْل الخَالِديّ.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال:
أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر عَبْد اللهِ بن عليّ بن حَمُّوْيَه بن أَبْرَك الهَمَذَانيّ بها، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عبد الرَّحْمن الشِّيْرَازيّ، قال: سَمِعْتُ أبا العبَّاس أحْمَد بن سَعيد بن مَعْدَان يَقُول: سَمِعْتُ أحْمَد بن مُحَمَّد بن سَهْل الخَالِديّ يَقُول (c): سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ الطَّرَسُوسِيّ يقُول: أُخِذَ نُعَيْم بن حَمَّاد في أيَّام المِحْنَة، سَنَة ثَلاثٍ وعشْرين أو أرْبَع وعِشْرين، وألقَوهُ في السِّجْن، وماتَ في سَنَة سَبْعٍ وعشرين، وأوْصَى أنْ يُدْفَنَ في قيُودِهِ، وقال: إنَّني مُخَاصِم.