أَبِنْ لِي كيفَ أَمْسَيْتَ … وما كانَ من الحَالِ
وكم سَارَتْ بكَ النَّاقَـ … ـةُ نَحو المَنْزلِ الخَالِي
فكَتَبَ إليه الصَّنَوْبَريُّ (١): [من الوافر]
كَتَبْتُ إليكَ والنَّعْلانِ ما إنْ … أُقِلُّهما (a) من السَّيْر العَنِيْف
فإنْ رُمْتَ الجَوَابَ إليَّ فاكْتُبْ … على العُنْوانِ: يُدْفُع في الكَنِيْف
أبو حَامِد الزَّاهِدُ
حدَّثَ بِأَذَنَةَ عن جَعْفَر بن مُحَمَّد الخَفَّافِ، وأبي أُمَيَّةَ مُحَمَّد بن إبْراهيم الطَّرَسُوسِيّ، رَوى عنهُ القَاضِي (b) أبو عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللَّه الطَّرَسُوسِيّ قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان.
نَقَلْتُ من خَطّ القَاضِي أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ: حَدَّثَنَا أبو حَامِد الزَّاهد، بأَذَنَةَ، قال: حَدَّثَنَا جعفر بن مُحَمَّد الخَفَّافُ، قال: حَدَّثَنَا موسى بن أَيُّوبَ، قال: حَدَّثَنَا عُثْمان بن كَثِيْر، عن بَقِيَّة، عن إبْراهيم، قال: قال يُونُسُ بن عُبَيْد: ما نَدِمْتُ على شيءٍ نَدَامتي على أنْ لا أكُون أفْنَيت عُمْري في الجِهَادِ.
أبو حَامِد
صَاحِبُ بَيْتِ المَال، لهُ ذِكْرٌ، وكان بحَلَبَ، حَكَى عنه ابنُهُ أبو عليّ بن أبي حَامِدٍ، وقد ذَكَرْنا عنه حِكَايَةً (٢).
стр. 5602
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو الحَسَن
أبو الحَسَن بنُ ثَوَابَة (١)
كَاتِبٌ مَشْهُور، قَدِمَ حلَبَ صُحبَةَ الوَزِبر أبي الفَتْح الفَضْل بن الفُرَات حينَ مَرَّ بها.
أبو الحَسَن بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الدُّوَيْدَة
واسْمُه عليّ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٢).
أبو الحَسَن بن جَعْفَر المتُوَكِّل ابن مُحَمَّد المُعْتَصِم ابن هَارُون الرَّشِيْد ابن مُحَمَّد المَهْديّ ابن عَبْدِ اللَّه المَنْصُور بن مُحَمَّد بن عليّ بن عَبْد اللَّهَ بن العبَّاسِ الهاشمِيّ (٣)
قَدِمَ حلَبَ مع أبيهِ المُتَوَكِّل سَنَة أرْبعٍ وأرْبَعين ومَائَتَيْن، وكان يُعْرَف بابن فَرِيْدَة.
أنْبَأنا أبو مَنْصُور بن مُحَمَّد، عن عَمِّه الحافِظ أبي القَاسِم (٤)، قال: أبو الحَسَن بن جَعْفَر المُتَوَكِّل، وذَكَرَ نَسَبَهُ، قَدِمَ مع أبيهِ المتُوَكِّل دِمَشْق سَنَة ثَلاثٍ
стр. 5603
وأربعين ومَائتَيْن، فيما قَرَأتُه بخَطِّ أبي مُحَمَّد عبد اللَّه بن مُحَمَّد الخَطَّابيّ.
وذَكَرَ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن القَوَّاس (a) الوَرَّاق، قال: ماتَ أبو الحَسَن ابن المُتَوَكِّل المَعْرُوفُ بابنِ فَرِيدَة في آخر ذِي الحِجَّةِ سَنَة اثْنَتَيْن وسَبْعِين ومَائتَيْن.
أبو الحَسَن بن جَهْشَم الطَّرَسُوسِيِّ
رَوَى عن البَاغَنْدِيّ، ويَحْيَى بن مُحَمَّد بن صَاعِدٍ. وكان ضَعِيْفًا (b) في الرِّوَايَةِ.
أنْبَأنَا أبو هاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، عن أبي سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: دَفَعَ إليَّ الشَّيْخُ الإِمَامُ الحافِظُ أبو عليّ الحَسَن بن مَسْعُود الوَزِير الدِّمَشقيِّ جُزْءًا خَفِيًّا (c) بخَطِّ الشَّيْخ الإمَام الحافِظ الزَّاهِد الحَسَن بن إبْراهيم بن بَقي الأنْدَلُسِيّ، رَحْمَةُ اللَّه عليه، مَكْتُوب: رَأيتُ بخَطِّ الشَّيْخ الإمَام الحافِظ أبي سَعيد مَسْعُود بن ناصِر (d) السِّجْزِيّ ﵀، في وَرَقَةٍ مُرَبَّعةٍ مَكْتُوبة، وسَألتُه أنْ يُمِلّ عليَّ، فقال: وَجَدْتُ عند الشَّيْخ أبي سَعيد (e) مَسْعُود بن عليّ بن مُعَاذ السِّجْزِيّ ثمّ النَّيْسَابُوِريّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى، بخَطِّ الحاكِم أبي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه البَيَّاع الحافِظ، ﵀، في وَرَقَةٍ مُربَّعةٍ: اجْتَمَعْنا غَدَاة الخَمِيْس الرّابِع والعِشْرين من شَعْبان سَنَة إحْدَى وثَمانين وثَلاثِمائة، فذَكَرْنا الكَذَّابين بنَيْسَابُور الّذين ظَهَرَ لنا جَرْحهم، فأثْبَتناهُ في هذا الطَّبَق للاعْتِبَارِ، ونَسْأل اللَّه تعالَى العِصْمَة من ذلك بمَنِّه وطَوْلهِ: أبو الحَسَن بن جَهْشَم الطَّرَسُوسِيّ، يَرْوي عن البَاغَنْدِيّ وابن صَاعِد
стр. 5604
وأقْرَانهما، ثُمَّ ذَكَرَ جَمَاعَةً، وقال: جَمَاعَةُ مَنْ في هذا الطَّبَق كَذَبَةٌ في الرِّوَايَةِ، وكَتَب مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بخَطِّهِ.
قال الشَّيْخُ مَسْعُود: وأشْهد على ذلك جَمَاعَة وأثْبَتُوا خُطُوطهم عَقِيبَ خَطِّه منهم (a)، كما ذَكَرهُ الحاكِم أَيَّدَهُ اللَّهُ، وكَتَبَه عبد الرَّحْمن العَمَّاريّ بخَطِّه.
آخر: هؤلاء القَوْم الّذين ذُكِرَ أسَامِيهم في هذه الوَرَقَة، كُلّهم كَذَبَة، تَابَ اللَّهُ علينا وعليهم، ولا تَحلّ الرِّوَايَةُ عنهم لمَنْ أرادَ أنْ يأخُذَ ما يأخُذُه للَّهِ ، وكَتَب أبو جَعْفَر العَزَائِميّ بخَطِّه.
وآخر: عَرفْتُ المَذْكُورين فيهِ بالصِّفَةِ المَذْكُورة فيه، وكَتَبهُ سَعيد بن مُحَمَّد بخَطِّه.
قال الشَّيْخُ مَسْعُود: فسَألتُ الشَّيْخ مَسْعُود السِّجْزِيّ أنْ يُثْبتَ خَطّه عَقِيْبَ ما كَتَبْتُ عنهُ، ليكون لي حُجَّةً بذلك، فكَتَبَ: نُسِخَ هذا من وَرَقَةٍ بخَطِّ الحاكِم الإمَام أبي عَبْدِ اللَّه الحافِظ ﵀، وفيه خُطُوط المَشَايخ: العَمَّاريّ، والعَزَائِميّ والشُّعَيْبيّ، رَحِمَهُم اللَّهُ تعالَى، والوَرَقَة عندي.
أبو الحَسَن بن زَيْد الشَّيْزَرِيُّ
شَاعرٌ مُجِيْدٌ (b)، من أهْلِ شَيْزَر، كان في أيَّام نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، ووَعَظ أبا بَكْر بن الدّايَة نَائبِهُ بحَلَب بأبْيَاتٍ.
قَرأتُ بخَطِّ الفَقِيه إمَام الدِّين أبي عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن سَعيد بن سَلامَة الحَلَبِيّ المَعْرُوف بابنِ الرِّكَابِيّ: وقال أبو الحَسَن بن زَيْد الشَّيْزَرِيّ: [من الطويل]
لئن حَالَت الأيَّامُ بيني وبينَ ما … أُحَاولُ أو أنْحَى عليَّ زَمَاني
стр. 5605
ورُمْتُ مَرَامًا لَم يرُمْهُ مِنَ الوَرَى … سِوَايَ على ضَعْفي وبُعْدِ مَكَانِي
ففي ظِلِّ نُعْمى ابْنِ الوَصِيِّ مَوَاهِبٌ … تُحقِّقُ آمَالي وتُعْظِمُ شَانِي
إمامُ هُدًى لولا اهْتِدَائي بنُورِهِ … ضَلَلْتُ ونَالَتْني يَدُ الحَدَثَانِ
وإنْ تَكُ دَاري عَنْهُ أضْحَتْ بَعِيْدَةً … فشُكْري على بُعْدِ المَسَافَةِ دَانِ
وقال، ونَقَلْتُها من خَطِّ المَذْكُور: [من مجزوء الكامل]
باللَّهِ أُقْسِمُ صَادِقًا … قَسَمًا يَجلُّ عَنِ المُحَالِ
إنِّي امْرُؤٌ ما غيَرتْنـ … ـي بَعْدَ بُعْدِكُمُ اللَّيالِي
كَلَّا ولا خَطَر السُّلوُّ … وإنْ تَسَلَّيْتُم ببَالي
بل حَافِظٌ لعُهُودِكُمْ … في حَالِ حَلِّيْ وارْتِحَالي
أنْتُم وإنْ بِنتُمْ أحَبُّ … إليَّ مِن أهْلِيْ ومَالي
وحَدِيْثَكمُ أَشْهَى إلى … قَلْبي مِنَ العَذْبِ الزُّلالِ
ومَحَلُّكُم منّي بمَنْـ … ـزِلةِ اليَمِيْنِ منَ الشِّمَالِ
وتَعِزُّ فرقَتَكم علـ … ـيَّ وأَنْ أغِيْبَ فما احْتِيَالي
فعَلَيْكُم منِّي السَّلَا … مُ وباتَ حَاسِدُكُم بحَالي
وبَقِيْتُمُ في نِعْمَةٍ … ووُقِيْتُمُ عَيْنَ الكَمَالِ
وقال من قَصِيدَةٍ في مَجْد الدِّين بن الدَّايَةِ، ﵀، ونَقَلْتُها من خَطِّ المَذْكُور (a): [من البسيط]
فلا تَجُورَنَّ (b) مَجْدَ الدِّين مُقْتَدِرًا … فالجُورُ أقْبَحُ ما يَسْتَحسِنُ المَلكُ
وانْظُرْ لنَفْسِكَ واعْمَلْ للمَعَادِ ولا … يُطْغِيكَ إدْرَاكُ ما في طَيِّهِ (c) الدَّرَكُ
وخَفْ إصَابَةَ سَهْمٍ من سِهَام يَدٍ … تُمَدُّ في اللَّيْل والظَّلْماءُ تَحْتَبِكُ
стр. 5606
فطَاِئرُ الجَوِّ لولا الحُبُّ أوْقَعَهُ … في الحَبِّ تَلْقطُهُ ما صَادَهُ الشَّرَكُ
فإنْ أبيتَ سِوَى ما قد أتَيْتُ بهِ … بَغْيًا فلا بُدَّ للأصْوَاتِ تَشْتَبِكُ
أبو الحَسَن بن عبدِ اللَّه الفُوَطِيُّ الطَّرَسُوسِيُّ الصُّوْفيُّ
رَوَى عن أبي القاسِم الجُنَيْد بن مُحَمَّد، وعَلُّوْش الدِّيْنَورِي، رَوَى عنهُ عَبْد اللَّه بن يُوسُف الأصْبَهَانِيّ.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن أبي الحَسَن بن حَمُّوْيَه، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن شَاه بن أحْمَد الشَّاذْيَاخِيّ، ح.
وأنْبَأتْنا زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن، قالت: أخْبَرَنا الشَّاذْيَاخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (١)، قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بن يُوسُف الأصْبَهَانِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا الحَسَن بن عَبْدِ اللَّه الفُوَطِيّ (a) الطَّرَسُوسِيّ يَقُول: سَمِعْتُ الجُنَيْد يَقُول: سَمِعْتُ (b) السَّرِيّ يَقُول: اللَّهُمَّ ما عذَّبْتَني من شيءٍ فلا تُعَذِّبني بذُلِّ الحجابِ.
وقال أبو القَاسِم القُشَيْريّ (٢): سَمِعْتُ عَبْد اللَّه الأصْبَهَانِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا الحَسَن بن عَبْد اللَّهِ الطَّرَسُوسِيّ يَقُول: سَمِعْتُ عَلُّوْشَ الدِّيْنَورِيّ يَقُول: سَمِعْتُ المُزَيِّن الكَبِيرَ (c) يِقُول: كنت بمَكَّة، فوقَع لي (d) انْزِعاجٌ، فَخَرَجْتُ أُريدُ المَدِينَة، فلمَّا وَصَلْتُ إلى بئر مَيْمُونَة (e) إذا أنا بشَابٍّ مَطْرُوح، فعَدلتُ إليه وهو يَنْزِعُ، فقُلتُ لَهُ: قُلْ: لا إلَه إلَّا اللَّه، ففَتَح عَيْنَهُ وأنْشَأ يَقُول: [من الخفيف]
أنا إنْ مُتُّ فالهَوَى حَشْوُ قَلْبي … وبدَاءِ الهَوَى يَمُوتُ الكِرَامُ
стр. 5607
ثم ماتَ فغسَّلْتُه وكفَّنْتُه، وصَلَّيْتُ عليه، فلعَّا فَرَغْتُ من دَفْنهِ سَكَنَ ما بي من إرادةِ السَّفَر، فرجَعْتُ إلى مَكَّة.
أبو الحَسَن بن عُمَر بن أبي الحَسَن بن مُحَمَّد بن حَمُّوْيَه الحُوَيْنِيُّ (١)
شَيْخ الشُّيُوخ، هذا (a) يَكْتُب بخَطِّه فيما يَكْتُبه، ولا يُسَمِّي نَفْسَهُ، وبَعْضُهم يُسَمِّيه: عليًّا، وبَعْضُهُم يُسَمِّيه: مُحَمَّدًا، والصَّحيح أنَّ اسْمه كُنْيَتهُ.
وكان شَيْخًا حَسَنًا، فَقِيهًا فَاضِلًا، حَسَن السَّمْت، مَلِيْح الشَيْبَة، كَرِيم النَّفْس، نَزِهَها، حَسَن الكَلَام والمَنْطِق إذا تكَلَّم، كَثِيْر السُّكُوت إلَّا فيما يَعْنِيهِ، وكان لكَثْرة سُكُوته لا يكادُ يَعْرف فَضْلَهُ مَنْ رآه، فإذا تكلَّم في الفِقْه أو في غيره كان كَلَامه أحْسَن الكَلَام، وأكْثَر المُتَكَلّمِيْن صَوَابًا.
وَلِيَ القَضَاءَ بحَرَّان، ثمّ تَولَّى التَّدْرِيس بمِصْر في مَدْرَسَة الإمَام الشَّافعيّ، وتولَّى مَشْيَخَة الشُّيُوخ بالدِّيَار المِصْرِيَّة ودِمَشْق في دَوْلة المَلِك العادِل أبي بَكْر بن أَيُّوب، وبعدَهُ في دَوْلَة ابنهِ الملَك الكَامِل، وكان عَظِيمِ الحُرْمَة والمَكَانة عندَهما، وكان وَالد المَلِك الكَامِل صَاحِب مِصْر من الرَّضَاع، وسَيَّرَهُ المَلِكُ العادِل وابنُه المَلِك الكَامِل (b) في رَسَائِل مُتَعدِّدة إلى حَلَب وبَغْدَاد وغيرهما من البِلاد.
стр. 5608
واجْتَمَعْتُ به باليَارُوْقِيَّة ظَاهِر مَدِينَة حَلَب، وقد ورَدَها رَسُولًا من المَلِك الكَامِل مُحَمَّد إلى أخيه المَلِك الأشْرَف مُوسَى وهو إذ ذاك مُقِيم باليَارُوْقِيَّة بحَلَب، وسَمِعْتُ منه الأرْبَعِين حَدِيثًا لأبي الفُتُوح الطَّائيّ برِوَايته سَمَاعًا منه، وأحَادِيْث من أوَّل مُسْنَد الشَّافِعيّ بسَمَاعه للمُسْنَد من أبي زُرْعَة، وأخْبَرَنا أنَّ مَوْلده سَنَة ثَلاثٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة في شَوَّال.
وحدَّث شَيْخنا شَيْخ الشُّيُوخ عن هذين المَذْكُورين، وعن أبي الفَرَج الثَّقَفِيّ، وأبي مَنْصُور شَهْرَدَار بن شِيْرَوُيه (a) الدَّيْلَمِيّ.
أخْبَرَنا الشَّيْخ الفَقِيه الإمَام أبو الحَسَن بن عُمَر بن حَمُّوْيَه شَيْخ الشُّيُوخِ، باليَارُوْقِيَّة ظَاهِر مَدِينَة حَلَبَ، قال: أخْبَرَنا أبو زُرْعَة طَاهِر بن مُحَمَّد بن طَاهِر المَقْدِسِيّ [. . .] (b).
سَمِعْتُ جَمال الدِّين أحْمَد بن عُثْمان بن الصَّلَاح الحَرَّانيّ الصُّوْفيّ، قال: كان الشَّيْخ صَدْر الدِّيْن بن حَمُّوْيَه لا يَتْرك أحدًا يُباشِر خِدْمتَهُ، وإذا دَخَل الحَمَّام غَسَل نَفْسَه وحَكَّ رِجْلَهُ بيَده، ولا يُمكِّن أحدًا غيره من مُبَاشَرة ذلك، فدَخَلْتُ يَوْمًا الحَمَّام معه، فأخَذْتُ حَجَر الرِّجْل وجِئْتُ إليه، فقال: ما تُرِيدُ؟ فقُلْتُ له مُمَازِحًا: أحكُّ رِجْلك لتعُودَ من بَرَكتي عليك، فمَدَّ رِجْلَهُ فحَكَكْتُها.
وقال لي: قَدِمَ شَيْخ الشُّيُوخ صَدْر الدِّيْن إلينا، إلى حَرَّان، وكان من عَادَته أنْ لا يَأكُل من وَقْف الخَوَانك شيئًا أصْلًا، فقال لي: اطْبُخ لنا أَرُزًّا، ودَفَعَ إليَّ ما أطْبخه به، قال: فلمَّا أردتُ الطَّبْخ أفكرتُ في ماء نهر جُلَّاب، وهو نَهْرٌ بحَرَّان، وهو عَكِرٌ من التُّراب الأحْمَر، ولا يَصْفُو إلَّا إذا وُضِعَ في الإناءِ ورَسَت فيه الطِّيْن،
стр. 5609
فقُلتُ: هذا أَرُز وأطْبُخه بهذا الماء يَجيء أحْمَر اللَّوْن، فعُدتُ إلى نَفْسِي، وقُلتُ: آخذ من ماء الصِهْرِيج الّذي في الخَانكَاه، ثُمَّ أفكرتُ في (a) أنَّ الشَّيْخ لا يَتَناول شَيئًا من وَقْف الخَانكَاه، ثمّ قُلْتُ: للشَّافِعِيّ وَجْهٌ في أنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ بحالٍ، وهو على الإباحَة، فأخذتُ منه وطَبَخْتُ، فلمَّا اسْتَوى أتَيتُه به وقدَّمته بينَ يَدَيْهِ، فَنَظَرَ فيه، وأنْكَره وقال: من أيّ ماءٍ طَبَخْت هذا الأَرُزّ؟ فقُلْتُ: من ماء الصِهْرِيج الّذي للخَانكَاه، فقال: وما عَرفتَ عَادَتي؟! فقُلْتُ: فلَنا وَجْهٌ في أنَّ الماءَ مُبَاح، وأنَّهُ لا يُمْلَك، فقال لي: وتُعَلِّمني الفِقْه أيضًا؟! ارْفَعه إلى الصُّوْفيَّةِ، فأخَذْتُه وجِئْتُ به الصُّوْفيَّة، ولَم يَأكُل منه شيئًا، وقال لي: ارْتَد (b) لنا جُبْنًا ولَبَنًا وما أشْبَهَ ذلك، فجئته بما طلَبَ، فأكَلَ منه، ولم يَأكُل من الأَرُز، ﵀.
تُوفِّي شَيْخُنا شَيْخ الشُّيُوخ أبو الحَسَن بالمَوْصِل في العَشْر الأُخَر من جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة سَبْع عَشرة وستمائة بِالمَوْصِل، وكان بها رَسُولًا، وبَلَغَنا خَبَرُ وَفَاته إلى حَلَب، فعُمِل له العزاء بالمَدْرَسَة النُّورِيَّة المَعْرُوفة ببني أبي عُصْرُون، وتوَلَّى ذلك شِهَاب الدِّين عَبْد السَّلام بن المُطَهَّر بن عَبْد اللَّه بن أبي عُصْرُون؛ مُدَرِّسُها، لمُصَاهَرة كانت بينَهما.
ولمَّا قَدِمْتُ المَوْصِل رَسُولًا في بعضِ السِّنِيْن، زُرْتُ قَبْر قَضِيْب البَان ظَاهِر المَوْصِل وشَيْخ الشُّيُوخ في تُرْبَة قَضِيْب البَان، وهو مَدْفُونٌ إلى جَانبه، وقَرَأتُ على الرُّقْعَة الّتي على قَبْره تَاريْخ وَفَاتهِ، ﵀.
أبو الحَسَن بن مُحَمَّد (c) بن مُحَمَّد بن يُوسُف البُخاريُّ، ابنُ أبي ذَرّ
قاضِي القُضَاة بخُرَاسَان.
كان عَابِدًا زَاهِدًا سائحًا، قَدِمَ طَرَسُوس للتَّعَبُّد (d) بها.
стр. 5610
وذَكَرَهُ الحَافِظُ أبو عَبْد اللَّه الحاكِم في تاريخ نَيْسَابُور (١)، في تَرْجَمَةِ أبيه أبي ذَرّ القَاضِي، كما أنْبَأنَا أبو بَكْر عَبْدُ اللَّه بن عُمَر بن عليّ، وعَبْد الرَّحمن بن عُمَر بن أبي نَصْر، قالا: أخْبَرَنا أبو الخَيْر (a) أحْمَد بن إسْمَاعِيل القَزْوِينيّ، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ، قال: أخْبَرَنا أبَوا عُثْمان الصَّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، وأبَوَا بَكْرٍ البَيْهَقِيّ والحِيْرِيّ، فيما أجَازوه لي، قالُوا (b): أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الحافِظ، قال: مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُوسُف قاضِي القُضَاة بخُرَاسَان، أبو (c) ذَرّ البُخاريّ، كان يَنْتَحِل مَذْهَب الحَدِيْث، ويَذُبّ عن السُّنَّة وأهْلها. قال: وأعْقَب الوَلد الشَّيْخَ الزَّاهِدَ العَالِمَ السَّيَّاح العَابِد أبا الحَسَن بن أبي ذَرّ، كان يَتَعبَّدُ إمَّا بمَكَّة أو بطَرَسُوس (d)، وإمَّا في جِبَالِنا بنَيْسَابُور، وقَلَّ ما كان يَسْكن بُخَارَى تَجنُّبًا للدُّخُول على السُّلْطان.
أبو الحَسَن التِّهَامِيُّ
الشَّاعرُ، واسْمُه عليّ بن مُحَمَّد، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٢).
стр. 5611
أبو الحَسَن الفَاسِيُّ (a) الزَّاهِدُ
نَزِيلُ حَلَب، من أهْلِ فاس؛ بَلْدَة بالمَغْرب، واسْمُه عليّ بن مُحَمَّد بن يُوسُف، وقد تقَدَّم ذِكْرُهُ (١).
أبو الحَسَن بن يزيد الحَلَبِيُّ (٢)
أنْشَدَ عنه الأُسْتَاذُ أبو سَعْد الجَرْجُوسيّ (b) الزَّاهِد.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلب، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: أنْشَدَنا القَاضِي أبو النُّجْح يُوسُفُ بن شُعَيْب الشِّيْرَوانِيّ بنَيْسَابُور، قال: أنْشَدَنا حَمْزَة بن هِبَة اللَّه الحَسَنيّ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد الفَارسِيّ، قال: أنْشَدَنا الحاكِم أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الحافِظ، قال: أنْشَدَني الأُسْتَاذُ الزَّاهِد أبو سَعْد (c) هو الجَرْجُوسيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن بن يَزِيد الحَلَبِيّ لبَعْضِهم (٣): [من مجزوء الكامل]
وحَمَائِم نَبَّهْنَنِي … واللَّيْلُ دَاجي المَشْرِقَيْنِ
شَبَّهْتُها (d) لمَّا بَكَيْن … وما ذَرَيْن جُفُون (e) عَيْني
بنِسَاءِ آل مُحَمَّدٍ … لمَّا بَكَيْنَ على الحُسَينِ
стр. 5612
أبو الحَسَن بن أبي بَكْر بن جَعْفَر اليَزْدِيُّ (١)
شَيْخٌ كان بطَرَسُوس، رَوَى عنهُ الحاكِم أبو عَبْد اللَّه، وقد ذَكَرْنا عنه حِكايَةً جَرَتْ له بطَرَسُوس في تَرْجَمَةِ أبي القَاسِم يُوسُف بن يَعْقُوب السُّوْسِيّ (٢).
أبو الحَسَن بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيُّ (٣)
واسْمُه عليّ بن عَبْد اللَّه، قد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٤).
أبو الحَسَن بن أبي خَازِن القَلَانِسِيُّ البَغْدَاديُّ
واسْمُه عليّ بن يَحْيَى، واشْتَهر بكُنْيَتهُ وكُنْيَة أبيهِ، وهو سِبْطُ صَدَقَة البَغْدَاديّ صَاحِب التَّاريخ.
شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، قَدِمَ حلَبَ، وكُتِبَ عنهُ بها شيءٌ من شِعْره، رَوَى لنا عنْهُ الزَّيْن يُونُس بن أبي الغَنائِم البَغْدَاديّ المُقْرِئ.
أنْشَدَنا أبو الفَتْحِ بن أبي الغَنائِم البَغْدَاديّ، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن بن أبي خَازِن القَلَانِسِيّ البَغْدَاديّ بحَلَب: [من الكامل]
سَهِرت جُفُوني في هَوَى مَنْ لَم يَدُرْ … ذِكْرُ السُّهَادِ بجَفْنِهِ والنَّاظِرِ
يا أيُّها البَدْرُ الّذي ألْحَاَظُهُ … تُغْنِيهِ عن حَمْلِ الحُسَام البَاتِرِ
أأمِنْتَ أنْ تَهْوى وتَخْضَعَ مِثْلَما … أنا خَاضِعٌ فلَبِسْتَ حُلَّةَ غَادِرِ
стр. 5613
حَكَى لنا شَيْخُنا الصَّاحِبُ قاضِي القُضَاة أبو المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم، قال: كان أبو الحَسَن بن أبي خَازِن شَابًّا ذَكيًّا، وكان يَقْرأُ عليَّ الفِقْه (a) بالمَوْصِل هو وجَمَاعَة معه، فشَاورَني يَوْمًا في أكْل تَمْرِ البَلَاذُر، فنَهَيْتُه عن ذلك، فَمضَى هو ورَفِيْقانِ له واشْتَروا منه شيئًا ودَقُّوه وجَعَلوه في هَرِيْسةٍ وأكَلُوها، فجاءني أبو الحَسَن ابن أبي خَازِن ووَجْهُه قد اكْمَدّ، فوَقَفَ معي في صَحْنِ المَدْرَسَة، وأخْبرَني أنَّهُ أكَلَ تَمْر البَلَاذُر، فلم أُنْكِر عليه خَوْفًا من أنْ يَسْتَشْعِر ويَتَوهَّم، فهوَّنْتُ الأمرَ عليه، فجَعَل يُحَادثُني ونحنُ نَمْشِي، ثمّ دَخَل إلى بَيْتِه في المَدْرَسَة، فأخْرَج الجَرَّة والإبْرِيْق والكَانُون وجَمِيعَ حَوَائِجهِ، فعَلمْتُ أنَّهُ قد أثَّر معه، فسَكَّنْتُه ثمّ أَقَمتُ عليه مَنْ يُعَالجهُ ويُطْعِمُه الهَرِيْسة في كُلِّ يَوْم، فواظَبَ ذلكَ إلى أنْ سَكَنَ عنه.
ثمّ غلبَ عليه الأدَبُ وأثر الذَّكَاءُ معه في الشِّعْر، فكان يَنْظِم شِعْرًا جَيِّدًا إلى الغايةِ، وجاء إلينا إلى حَلَبَ، ونَزَل عندنا بالمَدْرَسَة.
قال لي أبو الفَتْحِ البَغْدَاديّ المُقْرِئ: تُوفِّي أبو الحَسَن بن أبي خَازِن القَلَانِسِيّ بمَيَّافَارقِين.
أبو الحَسَن بن أبي نَصْر الكِنَانِيُّ العَسْقَلانِيُّ (١)
واسْمُه عليّ بن مُحَمَّد، وهو مَشْهُور بكُنْيَتهُ وكُنْيَة أبيهِ.
شَاعِرٌ قَدِمَ حلَبَ، ولَم أظْفَر بشيءٍ من شِعْره، ووَقَفْتُ في شِعْر أبي بَكْر الصَّنَوْبَريّ على أبْيَاتٍ كَتَبَها الصَّنَوْبَريُّ إليه يُجِيْبُه عن أبْيَاتٍ كَتَبَها إليه،
стр. 5614
ويَشْكُره عن شِعْرٍ مَدَحَهُ به، أوَّلها (١): [من الخفيف]
إنْ تَكُن يا أخي ظُبَا الشِّعْر فُلَّتْ (a) … وتَشَظَّتْ صِفَاتُه فاضْمَحَلَّتْ
منها:
أيهذَا المُهْدِي (b) طَرائفَ ألْفَا … ظٍ كما رِيْحَتْ الرِّيَاضُ وظُلَّتْ
من مَدِيْحٍ يدقّ عن كُلِّ فهْم … وإذا دقَّتِ المَدَائِحُ جَلَّتْ
في مَعَان عزَّتْ على الخلقِ إلَّا … أنَّها حين رُمْتَها أنْتَ ذَلَّتْ
حَرُمْتَ يا أخي على قَائِل الشِّـ … ـعرِ ولكنَّها لرَاويهِ (c) حَلَّت
فهي تَخْفَى لُطْفًا وتُظْهر حُسْنًا … مثلما أُغْمدَتْ سُيُوفٌ وسُلَّت
أنتَ شَمْسُ العُلَا الّذي بعُلَاهُ … يتَحلَّى العُلَا إذا ما تَحَلَّت
بإخائيْكَ يا أبا حَسَنٍ عا … دَت لَيَالي الإخاءِ لمَّا تَوَلَّت
ضَحكَتْ عنكَ طُرَّتا حَلَبٍ حُسْـ … ـنًا وذَابَتْ سَمَاؤها فاسْتَهَلَّت
وخَلَتْ عَسْقَلانُ يا ابن أبي نَصْـ … ـرٍ من المَجْدِ حين منكَ تَخَلَّتْ
أبو الحَسَن البَغْرَاسيُّ (٢)
واسْمُه عليّ، من شُيُوخ الصُّوْفيَّةِ بالثُّغُورِ الشَّامِيَّة، وبَغْرَاس حِصْنٌ قريبٌ من أنْطَاكِيَة.
حَكَى عن أبي الخَيْرِ التِّيْنَاتِيّ. رَوَى عنهُ أبو القَاسِم الحَسَن بن أحْمَد بن هاشِم المُقْرِئ. وكان أحَدَ الصَّالِحين الزُّهَّاد.
стр. 5615
أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ (١)، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللَّه الصُّوْرِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا القَاسِم الحَسَن بن أحْمَد يَقُول: سَمِعْتُ أبا الحَسَن البَغْرَاسِيِّ يَقُول: قال لي أَبو الخَيْر التِّيْنَاتِيّ: إيَّاكَ وكَثْرَة السَّفَر؛ فإنَّهُ يُقَسِّي القَلْبَ، ويَذْهَبُ بالدِّين.
وقال (٢): سَمِعْتُ أبا عَبْد اللَّه يَقُول: سَمِعْتُ أبا القاسِم يَقُول: سَمِعْتُ أبا الحَسَن البَغْرَاسيّ يَقُول: قَرأتُ فيما أوْحَى اللَّهُ إلى دَاوُد: يا دَاوُد، قُلْ لبني إِسْرَائيِل: لا يُجَاوزُونِي بالمَعَاصِي فأبْتَليهم بالأَسْفَارِ، أُمْحِقُ فيها الأعْمَار، وأُقِلُّ فيها الأعْمَال.
أبو الحَسَن العَيْشِيُّ (a) - أو: العَبْسِيّ- المُؤدِّبُ
كان ببَالِس، وحَكَى عن بعض المجانِيْن، حَكَى عنه أبو الفَوَارِس بن حَنِيْف الطَّبَريُّ.
أخْبَرَنَا أبو نَصْر (b) عَبْدُ العَزِيْز بن يَحْيَى بن المُبارَك الزَّبيدِيّ ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَتْنا (c) شُهْدَة ابنهُ أحْمَد بن الفَرَج بن الإِبَرِيّ، قالت (d): أخْبَرَنَا جَعْفَرُ بن أحْمَد بن الحُسَين السّرَّاجُ (٣)، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد الأَرْدِسْتَانِيّ بمَكَّة في المَسْجِد الحَرَام، قال: أخْبَرَنَا الأُسْتَاذ أبو القَاسِم الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن حَبِيْب المُذَكِّر (٤)، قال: سَمِعْتُ أبا الفَوَارِس بن حَنِيْف بن أحْمَد بن حَنِيْف الطَّبَريّ (e)، قَال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن العَيْشِيّ (f) المُؤدِّبَ يقُول: انْحَدَرتُ من بَالِس أُريدُ العِرَاق،
стр. 5616
فدَخَلْتُ المَوْصِل، فأقَمتُ بها أيَّامًا، فبينا أنا مارٌّ في بعضِ أزقَّتها فإذا صِيَاحٌ وجَلَبَةٌ، فسَألتُ عنها، فقيل: هَا هُنا دارُ المَجَانِيْن، وهذا صَوْتُ (a) بَعْضِهم. فدَخَلْتُ، فإذا شَابٌّ مَشْدُود مُتشَحِّطٌ في الدَّم، فسَلَّمْتُ فرَدَّ، فقال: من أين تَجيء؟ قُلتُ: من بَالِسَ، قال: وأين تُريد؟ قُلتُ: العِرَاق، فقال: تَعْرفُ بني فُلَانٍ؟ فأشَار إلى أهْلِ بَيْت، قُلتُ: نعم، قال: لا صَنَعَ اللَّه لهم ولا خَار (b)، هم الّذين أدْهَشُوني، وتيَّمُوني، وأحَلُّوني هذا المحلَّ، قُلتُ: وما فَعَلُوا (c)؟ قال: [من السريع]
زَمُّوا المَطَايَا واسْتَقلوا ضُحًى … ولَم يُبَالُوا قلبَ مَنْ تَيَّمُوا
ما ضرَّهُم واللَّه يَرْعاهُمُ … لو ودَّعُوا بالطّرفِ أو سَلَّمُوا
ما زلْتُ أُذرِي الدَّمْعَ في إثْرهِم … حتَّى جَرَى من بعد دَمْعِي دَمُ
ما أنْصَفُوني يَوْمَ بانُوا ضُحَى … ولَم يَفُوا عَهْدِي ولَم يَرْحَمُوا
أبو الحَسَن المَشُوْق الشَّامِيُّ (١)
صَاحِبُ المُتَنَبِيّ، وقيل: أبو الحُسَين.
رَوَى عن أبي الطَّيِّب المُتَنَبِيّ، رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن عُمَر الزَّاهِر، وقاضِي القُضَاة أبو بِشْر الفَضْل، وكان شَاعِرًا مُجِيْدًا من العَصْريِّيْن.
أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد القَاضِي إذْنًا، عن أبي القَاسِم بن السَّمَرْقنديّ، قال: أنْبَأنَا أبو يَعْقُوب الأدِيْب، عن أبي مَنْصُور الثَّعالِبِيّ (٢)، قال:
стр. 5617
وأنْشَدَني مُحَمَّد بن عُمَر الزَّاهِر، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن المَشُوْق صَاحِب المُتَنَبِيّ لنَفْسِه: [من الخفيف]
لَيْلَةً بتُّها بقُرْبَى (a) أُسَقّى … عاتقًا عانَقَتْ مَدَاها الدُّهُورُ
وكأنَّ السَّماءَ والبَدْرَ والأنْجُـ … ـــمَ رَوْضٌ ونَرْجِسٌ وغَدِيرُ
قال أبو مَنْصُور الثَّعالِبِيّ (١): وأنْشَدَني أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد الإفْرِيْقِيّ في كتاب شِعَارِ (b) النُّدَماءِ لأبي الحَسَن المَشُوْق الشَّامِيّ، ولَسْتُ أتَحَقَّق اسْمُه، في المِشْمِش (c): [من الرجز]
أمَا تَرَى المِشْمِشَ يا خِلّ الأدَب … مُشَطَّبًا أكْرِم بهَاتِيْكَ الشُّطَبْ
مُثَقَّبَ الهَامَاتِ من غير ثُقَبْ … كأنَّها بَنَادِق من الذَّهَبْ
أبو الحَسَنِ المَشْعُوف
شَاعِرٌ من طَبَقَة أبي الطَّيِّب المُتَنَبِيِّ وأقْرَانه، كان معه بحَلَب.
قَرأتُ في بعض أخْبَار المُتَنَبِيّ أنَّهُ اجْتَمَع عند أبي الطَّيِّب المُتَنَبِيّ بحَلَب أبو القَاسِم النَّاصِبِيّ، وأبو العَدْل، وأبو تمَام الخُرَاسَانيّ، وأبو عَبْدِ اللَّه الدَّنفُ، وأبو الحَسَن (d) المَشْعُوف، فأنْشَدَهُم أبو عَبْدِ اللَّه الشِّبْليُّ خَادِم المُتَنَبِيّ بيتَ أبي المَنْصُور المَكْفُوف المَقْدِسِيّ، وسَألَهم إجازَته، وهو في أوَّلِه شِيْنٌ وآخره شِيْنٌ: [من البسيط]
شِبْهُ الهِلَالِ على غُصْنٍ مُنَعَّمةٌ … بَيْضاءُ نَاعِمَةٌ في كَفِّها نقَشُ
стр. 5618
قال: فبَدَر أبو الحَسَن المَشْعُوف، فقال:
شَفَّتْ بطَلْعَتِها مَنْ كان ذَا نُسُكٍ … فالقَلْبُ منه لِمَا قد نَالَهُ دَهِشُ
وتَمام الحِكايَة (a) تأتي في تَرْجَمَةِ أبي عَبْدِ اللَّهِ الشِّبْليّ (١)، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى.
أبو الحَسَن الدُّلَفيُّ الشَّاعِرُ المِصِّيْصيُّ (٢)
رَوَى عن أبي العَلَاء أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن سُلَيمان، ولَقِيَهُ بمَعَرَّة النُّعْمَان.
رَوَى عنهُ أبو مَنْصُور الثَّعالِبِيّ في ذَيْل اليَتِيْمَة، وقال (٣): حَدَّثَني أبو الحَسَن الدُّلَفِيّ المِصِّيْصيُّ الشَّاعرُ، وهو ممَّن لَقِيتُه قَديْمًا وحَدِيثًا في مُدَّة ثلاثين سَنَةً، قال: لقيْتُ بمَعَرَّة النُّعْمَان عجبًا من العَجَب، رَأيتُ أعْمَى شَاعِرًا طَرِيفًا يلعَبُ بالشِّطْرَنْج والنَّرْد، ويَدْخُل في كُلِّ فَنّ من الجِدّ والهَزْل، يُكْنَى أبا العَلَاء، وسَمِعْتُه يَقُول: أنا أحْمَدُ اللَّه على العَمَى كما يَحْمدُه غيري على البَصَر (b)، فقد صَنَعَ لي وأحْسن بي إذْ كَفَاني رُؤيَة الثُّقَلَاءِ والبُغَضَاء.
стр. 5619
هكذا قال، فإنْ صَحَّ عن أبي العَلَاء بن سُلَيمان فلعَلَّهُ كان في أيَّام حَدَاثَته وصِبَاه، فإنّهُ كان بَعِيدًا من اللَّعب والهَزْل، وقد ذَكَرَ الثَّعالبِيّ هذه الحِكايَة في تَرْجَمَةِ أبي العَلَاء بن سُلَيمان، ويُحْتَمل أنْ يكُون آخر يُكْنَى أبا العَلَاء، واللَّهُ أعْلَمُ.
أبو الحَسَن الحَلَبِيُّ (١)
حَكَى عن السَّرِيّ الرَّفَّاء، رَوَى عنهُ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر الكَاتِب.
قَرَأتُ في كتاب المُفَاوَضَة (٢)، تألفُ مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر الكَاتِب بخَطِّهِ، وأنْبَأنَا به شَيْخُنا أبُو اليُمْن الكِنْديّ وغيرُه، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِيّ، عن أبي غَالِب بن بِشْرَان، قال: أَخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر، قال: حَدّثَني أبو الحَسَن الحَلَبِيّ، وكان شَيْخًا يعرفُ أخْبَار سَيْف الدَّوْلَةِ، قال: كُنَّا مُجْتَمعين يَوْمًا في دِهْليز سَيْفِ الدّوْلَةِ، وجَمَاعَة من الشُّعَراءِ والشُّيُوخ المُتَقدِّمينَ؛ كأبي العبّاسِ النَّامِيّ، وأبي بَكْر الصَّنَوْبَريّ، ومن النَّشْءِ اللّاحِقين كأبي الفَرَج البَبَّغَاء، والخَالِديّيْن، والسَّرِيّ، فتَذَاكَرُوا الشِّعْر، وأُنْشِدَتْ قَصِيدَةُ المُتَنَبِيّ الّتي أوَّلُها (٣): [من الطويل]
فَديْناكَ من رَبْعٍ وإنْ زدْتَنا كَرَبا
فاسْتَحْسَن الجَمَاعَةُ قَوْله في إعْظَام الرَّبْع: [من الطويل]
نَزَلْنا عن الأكْوَارِ نَمْشِي كَرَامَةً … لمَنْ بانَ عنْهُ أَنْ نُلمَّ بهِ رَكْبَا
стр. 5620
فقال السَّرِيُّ: لولا أنَّكُمُ إذا سَمِعْتُم ما قلْتُهُ بعدَ هذا، ادَّعَيْتُم أنَّني سَرَقْتُهُ منه لأَمْسَكْتُ، وأنْشَد قَصِيدَةً لَامِيَّة قال فيها (١): [من الكامل]
نَحْفَى ونَنْزِلُ وهو أعْظَمُ حُرْمَةً … من أنْ يُذَالَ برَاكبٍ أو نَاعِلٍ
فحَكَم الجَمَاعَةُ له بالزِّيادَةِ في قَوْله: نَحْفَى ونَنْزِلُ.
قلتُ: في هذه الحِكَايَة نَظَرٌ؛ فإنَّ الصَّنَوْبَريّ تُوفِّي سَنَة أرْبَعٍ وثلاثين، وأبو الفَرَج لَم يكُن وَرَدَ إلى سَيْفِ الدَّوْلَةِ.
أبو الحَسَنِ المِصِّيْصِيُّ العَابِدُ
غَزَا بلاد الرُّوم، ورَوَى عن أبي خَيثَمَة زُهَيْر بن حَرب، رَوَى عنهُ أبو عليّ الحَسَنُ بن قُتَيْبَة.
أخْبَرَنَا أبو الحَجَّاج يُوسُفُ بن خَلِيل بن عَبْد اللَّه إجَازَةً، قال: أخْبَرَنَا أبو سَعيد بن أبي الرَّجَاء الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد الحَدَّاد، إجَازةً إنْ لم يكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أبو نُعَيْم أحْمَدُ بن عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بنُ خَلَّاد، قال: حَدَّثَنَا الحَارثُ بن أبي أُسامَة، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بن قُتَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن المِصِّيْصيّ -قال أبو عليّ: وقد غَزَا مَعَنا بلاد الرُّوم، وكان رَجُلًا صَالِحًا عَابِدًا- فحدَّثنا عن أبي خَيْثَمَة، عن عليّ رَفَعَهُ: أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْن بعد رَكْعَتَي المَغْرب، قَرَأ في كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الكِتَابِ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) خَمْس عَشرة مرَّة جاءَ يَوْم القِيامة فقيل: هذا من الصِّدِّيقين فيَجُوزُهم، يُقال: هذا من الشُّهَدَاء، فيَجُوزُهم، فيُقال: هذا من النَّبِيِّيْن فيجُوزُهُم، فيُقال: هذا من المَلائِكَة فيَجُوزُهم، فلا يُحْجَبُ حتَّى يَنْتهى إلى ظِلّ عَرْش الرَّحمن. حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
стр. 5621
أبو الحَسَن المِصِّيْصيُّ
شَاعِرٌ ظَفِرْتُ له بأبْيَاتٍ في جموع بخَطِّ بعض أهْل الأدَب، وهي: [من السريع]
أطْيَبُ مِن عُوْدٍ على جَمْر … ومِنْ زُلالٍ شِيْبَ بالخَمْرِ
ومن نَسِيمِ النَّوْرِ في رَوْضَةٍ … أنْهَارها ما بينَها تَجْري
مَقَالَةٌ يَسْمَعُها مَاجِدٌ … من شَاكِرٍ يُطْنِبُ في الشُّكْرِ
أبو الحَسَنِ الأنْطَاكِيُّ (١)
شَاعِرٌ من شُعَرَاءِ العَصْر، ذَكَرَهُ أبو مَنْصُور الثَّعالِبِيّ في يَتِيْمة الدّهْر، بما أنْبَأنَا بهِ عُمَرُ (a) بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، عن أبي القَاسِمِ بن السّمَرْقنديّ، قال: أخْبَرَنَا أبو يَعْقُوبَ الأدِيْبُ فيما كَتَبَ به إلينا، قال: أخْبرَنا أبو مَنْصُور الثَّعالِبِيّ (٢)، قال: أبو الحَسَن الأنْطَاكِيّ، أنْشَدَني له الزَّاهِرُ: [من الكامل]
لمَّا تأمَّل جُوْدَك القَطْرُ (b) … وسَمَا ليُدْرك صَدْرَكَ البَحْرُ
خَجلَا جَمِيعًا مثل ما خَجلَا … مُذ قَابَلاكَ الشَّمْسُ والبَدْر
يا صَالح الخَيْرات ما صَلَحا … إلَّا لكَ التَّأييْدُ والنَّصْرُ
قال (٣): وأنْشَدَني له في وَصْفِ عُودٍ: [من البسيط]
يُمْلي القَرِيْضَ عليه لَفْظ مُحْسِنَةٍ … فيَنْبري مُخْبرًا عنها بأخْبَارِ (c)
ما جَسَّ (d) أوْتارَهُ في وَجْهِ نَائبةٍ … إلَّا اسْتَقاد بثَارَاتٍ (e) وأوْتَار
стр. 5622
تَحْنُو عليه له أُمٌّ تُخَاطبُه … سِرًّا فيُخْبرنا النَّجْوَى (a) بإظْهارِ
وإنْ هَفَا فركَتْ آذانَهُ شفقًا (b) … عليه من وَصْمَة النُّقْصَانِ والعَارِ
أبو الحَسَنِ المَعَرِّيُّ (١)
شَاعِرٌ مُجِيْدٌ من أهْل مَعَرَّة النُّعْمَان، وَقَعَ إليَّ كذلك غير مُسَمًّى ولا مَنْسُوب، قرأتُ ذِكْرَهُ في المَجْمُوع المَعْرُوف بالرَّبيْبةِ، جَمْع مُستَنِيْر بن عَبْدِ الغَالِب المَعَرِّيّ بخَطِّه، قال: من قَصِيدَة لأبي الحَسَن المَعَرِّيّ (c): [من مجزوء الكامل]
دَارٌ غَدَتْ للفَضْلِ (d) دَارَهُ … أفْلَاكُ أَسْعُدِها (e) مُدَارَه
منها المَحَامِدُ مُسْتَـ … ـقَاةٌ والمَحَاسِنُ مُسْتَعَارَه
شَرُفاتها هيْفُ الخُصُـ … ـور لها بها حُسْنٌ (f) وشَارَه
فلكُلِّ طَرْفٍ نحْوها … ولكُلِّ جَارحَةٍ إشَارَه
وعلى جَميع الدُّور في … الدُّنْيا تقَلَّدتِ الإمَارَه
فتُرَابُها مِسْكٌ سَحـ … ـيْقٌ شَقّ بُرْدُ اللَّيْل فَارِه
لا تَهْتَدِي لنُعُوتِ أدْ … نَاهَا الفُحُولُ بنُو عُمَاره
وله أشْعَارٌ كَثِيْرة في الأطْعِمَة، منها قَوْله في صِفَة تَقْلِيَةٍ، ونَقَلْتُها من مُخْتَار كتاب رِيَاضِ المُهَج تألفُ مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن أبي خَالِد السِّيْرَافيّ: [من السريع]
تَقْلِيَةٌ ما أنْسَ لا أنْسَها … مَعْقُودةٌ ذاتُ عَقَاقِيرِ
стр. 5623
قَابلْتُها خَضْراءَ قد فُوِّفَتْ (a) … بالبَيْضِ تَفْويفَ الأزَاهِيْرِ
كأنَّما دَاراتهُ فَوْقَها … دَرَاهِمٌ تحتَ دَنَانِيْرِ
وقَرَأتُ في رِيَاض المُهَج للسِّيْرَافيّ: أبو الحَسَن المَعَرِّيّ يَصِفُ عُجَّة: [من الوافر]
ومُنْبَسِطٍ إليَّ بلا انْقِبَاضٍ … وذَاك لأنَّنا صِنْوَا وَلاءِ
تشهّى عُجَّةً وأتَى بنَعْتٍ … يَدُلُّ على النَّبَاهَةِ والذَّكَاءِ
فجئتُ بها ذِرَاعًا في ذِرَاعٍ … مُدَوَّرةً مُهَنْدَسَة البنَاءِ
بلا ثَلْمٍ ولا شَقٍّ تَرَاهُ … عُيُونُ النَّاظِرينَ ولا انْطِوَاءِ
أَقَاصِيْها أدَانِيْها اعْتِدَالًا … تَرُوقُ ذَوي المُرُوءَةِ والثَّرَاءِ
كَمثْلِ سَبِيْكَةِ الذَّهَبِ المُصَفَّى … أو الشَّمْسِ انْحَنَتْ عِندَ المَسَاءِ
مَزَجْتُ بِبَيْضِها بصَلًا ولَحْمًا … وأبْزَارًا ومُرْبًا ذا صَفَاءِ
فجأءَتْ كالحَيَاةِ لها نَسِيمٌ … يَردُّ الرُّوْحَ مِن بَعْدِ الفَنَاءِ
وأنِّى للطُّهَاةِ إذا أرَدْنَا … ونِعْم العِلْمُ إصْلَاحُ الغذَاءِ
أبو الحَسَن البَصْرِيُّ (١)
سَمِعَ بحَلَب أحْمَد بن مُحَمَّد الرَّافِقِيّ، رَوَى عنهُ حَنَشُ بن غَالِب.
نَقَلْتُ من مَجْمُوعٍ وَقَعَ إليَّ بمَارِدِين بخَطِّ بعض الفُضَلَاء، فيه: قال -ولَم يَذْكُر مَنْ قال-: وأخْبَرَنَا الشَّيْخُ الصَّالِحُ الوَاعِظُ أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن
стр. 5624
يَحْيَى الزَّبِيْديّ، قال: أخْبَرَنَا حَنَش بن غالب، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن البَصْرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد الرَّافِقِيّ بحَلَب، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن الحَسَن (a) بن زَيْد الحَرَّانيّ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن إسْحَاقَ بن يَزِيد الخَطَّابيّ، قال: دَفَعَ إليَّ عُمَرُ كِتَابًا فقال: هذا كلام عُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز، فكان فيه: ما اسْتَحكَتْ ضَلالةٌ على قَوْمٍ حتَّى يَعْترفُوا بالذُّنُوب ثمّ لا يَتُوبُونَ، ليس الفِقْهُ بمَعْرفَة ما لا يُسْتَطاع، ذلك شَكٌّ فيهِ، ولكن بمَعْرفَة ما يكُون الوقُوف عليه، كُلّ تَأوِيْل رُدَّ إلى إنْكَارٍ كُفْرٌ، ومن الرِّيْبة الخفيَّة رِقَّة القُلُوب مع المَعَاصِيّ، والشّغل بالحَسَناتِ مع المقَام على السَّيِّئَات، ومن الضَّلَالةِ المُوْبقة الاعْترَاف بالذَّنْب لا ينْزُع عنه، ومن العقُوباتِ الحفيَّةِ تَرْك عِلْم لا يُعْمل به، ووِلَايَة لا يُعْدل فيها، وبكتمان العُلَمَاء العِلْم، وتضَاغُن قُلُوب أهْلِ المِلَّةِ، واعْتِساف المَكْسَب، والتَّعرُّض للدُّنْيا يفْسد الدِّين، وما بعدَ القُدْرة إلَّا الحَسْرة والنَّدَامَة، وما بعد الإمْكان من الفُرْصَة إلَّا الفَوْت، وسَتَعْلَمُون ما أقُول لكم، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١).
أبو الحَسَنِ الفَرَّاءُ (٢)
شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، كان بحَلَب يَعْمل الفرَاء، ويَنْظِم شِعْرًا جَيِّدًا، رَوَى لنا عنْهُ أبو الفَضْلِ عبدُ الرَّحْمن بن أبي غَانِم بن سِنْدِي.
أنْشَدَنا أبو الفَضْل بن سِنْدِي الحَلَبِيّ، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن الفَرَّاء لنَفْسِه بحَلَب: [من المنسرح]
стр. 5625
أَعِدْ حَدِيثَ العُذَيْب يا عَامِرْ … وقُلْ عن النَّازِلين بالحَاجِرْ (a)
يُطْرِبُني ذِكْرُهُمْ وكَم وَلَهٍ (b) … جَدَّدَ ذِكْر الأحْبَابِ للذَّاكِرْ
يَقُولُ لي عَاذلي تَمُوتُ أسًى … لو كانَ يُغْني مَلَامَةُ الزَّاجِرْ
والوَفْدُ قد أُربحَتْ تِجَارَتُهُمْ … وأنتَ من ريحِ أجْرِهِمْ خَاسِرْ
لا ناسِكٌ مُحْرِمٌ أخُو وَرَعٍ … ولا جَهُولٌ (c) بما رَجَا ظَافِرْ
اقْنَعْ بطَيْفِ الخَيَالِ فَهْوَ عَسَى … يأتيكَ في حِنْدِسِ الدُّجَى زَائِرْ
فقُلْتُ مَنْ لي بما تَقُولُ وقَدْ … أمسَيْتُ صبًّا مُوَلَّهًا (d) سَاهِرْ
قال (١): كان أبو الحَسَن الفَرَّاءُ من ظِرَاف النَّاسِ، ومَدَحَ أكَابِر الحَلَبِيِّيْن، ولَم يأخُذ على شِعْره جَائِزَةً قَطّ، وكان يقُول إذا مَدَح كَبيرًا أو غيره: أنا أعْمَلُ هذا مَحَبَّة، فإذا دَفَعَ إليهِ جَائِزَةً رَدَّها وانْقَطَعَ عنهُ، ويقُول: أنا أعْمل في صنْعَتي كُلّ يَوْم بدِرْهَم يَكْفيني فلا حاجَة لي إلى أحَدٍ.
أبو الحَسَن الدَّيْلَمِيُّ (٢)
كان بأنْطَاكِيَة، وحَكَى عنه الوَلِيد بن مُسْلِم.
أخْبَرَنَا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّدُ بن هِبَةِ اللَّه بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنَا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ بن مُحَمَّد الجُوَيْنِيّ، ح.
وأنْبَأتْنا زَيْنَبُ بنْتُ عَبْد الرَّحْمن الشَّعْرِيّ، قالا: أخْبَرَنَا أبو الفُتُوح بن شَاه الشَّاذْيَاخِيّ، ح.
стр. 5626
وأخْبَرَنا أبو النَّجِيْب الفَارسِيّ في كتابه، قال: أخْبَرَنَا أبو الأَسْعَد بن عَبْد الوَاحِد بن عَبْد الكَريم، قال: أخْبَرَنَا جَدِّي أَبو القَاسِم القُشَيْريّ (١)، قال: ويُحْكَى عن أبي الحَسَنِ الدَّيْلَمِيّ أنَّهُ قال: دَخَلْتُ أنْطَاكِيَة لأجْلِ أسْوَد (a) قيل لي: إنَّهُ يَتَكلَّم على الأسْرَار، فأقمتُ [فيها] (b) إلى أنْ خَرَجَ من جَبَل اللُّكَام ومعه شيء من الطَّعَام يَبِيْعُه، وكنتُ جائعًا منذ يَوْمَيْن لَم آكُل شيئًا، فقُلتُ لَهُ: بكم هذا؟ وأوْهَمْتُه (c) أنِّي أشْتَري ما بينَ يَدَيْهِ؟ فقال: أقْعُد ثَمَّ حتَّى إذا بِعْناه نُعْطِيكَ ما تَشْتري به شيئًا، فتَرَكْتُه وصِرْتُ إلى غيره أُوْهِمُه أنِّي أُسَاوِمُهُ، ثُمَّ رجعتُ إليهِ، فقُلتُ: إنْ كُنْتَ تَبِيْع هذا فقُل لي بكم؟ فقال: إنَّما جعت يوْمَيْن، اقْعُد حتَّى إذا بِعْناه نُعْطيك ما تَشْتَري به شيئًا، فقَعَدْتُ، فلمَّا باعَهُ أعْطَاني شيئًا ومَشَى، فتَبعْتُه فالْتَفَتَ إليَّ وقال: إذا عرَضَت (d) لك حاجَةٌ فأَنْزلها باللَّهِ إلَّا أن يكُون لنَفْسك فيها حَظٌّ، فتُحْجَب عن اللَّه.
стр. 5627
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوْفِيقِي
أبو الحَسَن الرَّفَنِيُّ (a)
من أهْلِ رَفَنِيَّة؛ بَلْدَة من العَوَاصِم وأعْمَال حَلَب.
له كُتُبٌ مُصَنَّفةٌ في الحِكْمَة والحِسَاب، ذُكِرَ له منها كتابُ الجَبْرِ، ويعرفُ بالحُدُود وعِلَلَهُ بالبُرْهَانِ والهَنْدَسَةِ، وكتاب قِسْمَةِ الأعْدَاد.
ذِكْرُ مَن يُكْنَى بأبي الحُسَين
أبو الحُسَين بن أحْمَد بن الطَّيِّب الفَقِيهُ البَصِيْرُ المَعْرُوفُ بالحَكَّاك (١)
له ذِكْرٌ في التَّاريْخ.
أنْبَأنَا أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي أبو القَاسِم الحافِظ (٢)، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: قَرَأتُ في كتابٍ لأبي مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، ذَكَرَ أنَّهُ بخَطِّ عَبْد المُنْعِم بن عليّ المَعْرُوف بابنِ النَّحوِيّ، قال: وفي يَوْم الاثْنَين لإحْدَى وعشرين لَيْلَةً خَلَتْ من صَفَر سَنَة خَمْس وسَبْعِين وثَلاثِمائة، خَرَجَ أبو الحُسَين (b) الحَكَّاكُ الفَقِيهُ من دِمَشْقَ إلى مِصْر مُسْتَصْرحًا إِلى المُلَقَّب بالعَزِيز، ومُسْتَحثًّا له بإخْرَاج عَسْكَر إلى الشَّام بسَبَب العَدُوّ، وأنَّهُ قد نَزلَ على حَلَبَ.
стр. 5628
والظَّاهِرُ أنَّهُ سُيّر من شَرِيْف بن سَيْفِ الدَّوْلَة حين خَطَب للعَزِيز، واجْتازَ بدِمَشقَ. وذَكَرَ عَبْدُ المُنْعِم يَوْم خُرُوجهِ منها.
أبو الحُسَين بن حُذَيْق (١)
كان من العُبَّاد بالمِصِّيْصَة، وله كلام حَسَنٌ، وصَحِبَ إبْراهيم الخَوَّاص، وحَكَى عن عليّ الرَّفَّاء وغيره من العُبَّادِ، رَوَى عنهُ أبو بَكْر الدُّقِّيّ، وأبو القَاسِم مَنْصُور بن أحْمَد، وقد سُقْنا عنه حِكايَة حَكَاها عن رَجُلٍ بالمِصِّيْصَة فيما يأتي.
أنْبَأنَا الحَافِظ أبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْدِ اللَّهِ الرُّهَاوِيّ، قال: أخْبَرَنَا الخَطِيبُ أبو الفَضْل عَبْدُ اللَّهِ بنُ أحْمَد الطُّوْسيّ، قال: أخْبَرَنَا أحْمَدُ بن عَبْد القَادِر بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ الأَزَجِيّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بنُ عَبْد اللَّه بن الحَسَن بن جَهْضَم، قال: حَدَّثَني أبو القَاسِم مَنْصُور بن أحْمَد، قال: سَمِعْتُ ابنَ حُذَيْق يَقُول: لهذه العُلُوم ثلاثةُ آدَابٍ: أحَدُها أَلَّا يُذْكَر إلَّا مع أهْلها، والثَّانيَة أَلَّا يُذْكَر إلَّا في وَقْتِهِ، والثَّالثة، وهو تَاجُه، أنْ ينطَوي الإنْسانُ على كتْمانهِ وتَرْك ذِكْره على دَائم الأوْقَاتِ حتَّى يَسْمَعَهُ من غَيْره.
أنْبَأنَا أبو المُظَفَّر بن أبي سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنَا مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلَمِيِّ (٢)، قال: أبو الحُسَين (a) بن حُذَيْق، صَحِبَ إبْراهيم الخَوَّاص وغيره، بَغْدَادِيٌّ، نَزَلَ المِصِّيْصَة، وكان يَقُول: انْفَع النَّاس جهْدَك، فإنْ لَم تَسْتَطع فارْفَع أذَاكَ عنهم.
стр. 5629
أبو الحُسَين بن أبي التَّمَّام القَاضِي
رَوَى عن يُونُس بن عليّ بن يُونُس البُوْقِيّ، إمَام بُوْقا، رَوَى عنهُ أبو عَمْرو عُثْمان بن عَبْدِ اللَّهِ الطَّرَسُوسِيُّ.
أبو الحُسَين بن أبي عَبْدِ اللَّه بن حَمْزَة بن الصُّوْفيُّ المَقْدِسِيُّ الزَّاهِدُ (١)
أحَدُ الأوْلِيَاءِ المَذْكُورين، والأصْفياءِ المَسْتُورين، وأرْبَاب الكَرَامَات المَشْهُورين.
كان قد أقَامَ بحَلَب مُدَّة، وكان يَأوِي إلى دَار الشَّيْخ أبي مُحَمَّد بن الحَدَّادِ، وكان يَتَستَّر عن إظْهار العِبَادَةِ والكَرَامَات، حتَّى أنَّهُ ما رَآه أحدٌ يُصَلِّي فَرضًا ولا نفلًا إلَّا قَليلًا، ويُظْهر حَالهُ في صُوْرة البَلَه.
وقيل: إنَّهُ من نَسْل عُمَر الأطْرَاف؛ من ذُرِّيَّة عليّ بن أبي طَالِب ﵁.
ذَكَرَ لي حَفِيْدُه أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بنُ يَحْيَى بن أبي الحُسَين، قال: جَدِّي أبو الحُسَين بن أبي عَبْد اللَّهِ بن حَمْزَة بن الصُّوْفيّ المَقْدسِيّ، قال: وذُكِرَ أنَّ حَمْزَة كان شَرِيْفًا عُمَريًّا من بَيْتِ المَقْدِس، من وَلدِ عُمَر الَأطْرَاف، وعُرِفَ بذلكَ لحُسْن عَيْنيهِ، وكان يُشَبَّهُ بعليّ بن أَبي طَالِبٍ ﵁.
لَقِيَ الشَّيْخُ أبو الحُسَين يُوسُفَ بن أيُّوب الهَمَذَانيّ، وسَمِعَ وَعْظه بمَرْو، ولَقِي غيره من الزُّهَّادِ والعُبَّاد.
стр. 5630
رَوَى عنهُ يُوسُف بن مُحَمَّد بن مُقَلَّد التَّنُوخِيّ، وأبو نَصْر عَبْد الوَاحِد بن مُحَمَّد بن أبي سَعْد الكَرْجِيّ، والشَّيْخ أبو مُحَمَّد بن الحَدَّاد الحَلَبِيّ.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: أنْشَدَنا يُوسُف بن مُحَمَّد الدِّمَشقيّ من لَفْظه، وكَتَبَ لي بخَطِّه، قال: أنْشَدَني أبو الحُسَين بن عَبْد اللَّهِ المَقْدِسيُّ الزَّاهِدُ بدِمَشْقَ (a): [من مجزوء الخفيف]
ما لنَفْسِي وما لَها … قد هَوَتْ في مِطَالِها
كُلَّما قُلْتُ قد دَنَا … وتَجلَّى ضَلَالُها
رَجَعَتْ تَطْلُبُ الحَرَا … مَ وتأبَى حَلَالَها
عَاتبُوها لعَلَّها … تَرْعَوي عن فِعَالِها
واعْلِمُوها بأنَّ لي … وَلَها مَنْ يَسَالُها
كذا قال: أبو الحُسَين (b) بن عَبْد اللَّه! والصَّحيحُ: أبي عَبْد اللَّهِ.
سَمِعْتُ الشَّيْخ أبا الفَضْل مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن أحْمَد بن قُرْنَاص الحَمَوِيّ (c) يَقُول: أُنْشِدت هذه الأبْيَات، وقيل لي إنَّ الشَّيْخ أبا الحُسَين الزَّاهِد كان يمثلُ بها كَثِيْرًا، قال: فلا أدْرِي هي له أو لغيره: [من الوافر]
أُرَاني كُلَّما يَمَّمْتُ أمْرًا … تَصَرَّمُ دُونَ مبْلَغِهِ حِبَالي
يَظُنُّ النَّاسُ فيَّ خِلَافَ أمْري … وتلكَ قَضِيَّةٌ فيها وَبَالي
على الدُّنْيا مُثَابَرَتي وحُزْني … وبالدُّنْيا هُمُوي واشْتِغَالي
وإذا فاتَتْ زَخَارِفُها يَمِيْني … مَدَدْتُ إلى تَنَاوُلها شِمَالي
стр. 5631
أخْبَرَنا أبو هَاشِمِ عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبرَنا الإمَامُ تاجُ الإسْلَام أبو سَعْد المَرْوزيّ، قال: سَمِعْتُ أبا نَصْر عَبْدَ الوَاحِد بن مُحَمَّد بن أبي سَعْد الكَرْجِيّ الشَّيْخ الصَّالِح، وقد قَطَع البَادِيَة على التَّجْرِيد وشَرْط القَوْم من غير زَادٍ ورَاحلَةٍ مَرَّاتٍ، يقُول لي مُذَاكَرَةً: سَألتُ الشَّيْخِ أبا الحُسَين المَقْدِسِيّ: هل رَأيتَ أحدًا من أوْلِيَاءِ اللَّهِ تعالَى؟ قال: رأيْتُ في سيَاحَتي عَجَميًّا بمَرْوَ يَعظُ النَّاسَ ويَدْعُو الخَلْقَ إلى اللَّهِ تعالَى، يُقال له: يُوسُف.
قال أبو نَصْر: أرادَ بذلك الإمَام يُوسُفَ بن أَيُّوبَ الهَمَذَانيّ.
قال أبو سَعْد المَرْوَزيّ: أبو الحُسَين أحَدُ عِبَادِ اللَّه الصَّالِحينَ، ومَنْ يُضْرَبُ به المَثَل في الأحْوَالِ السَّنِيَّةِ، والكَرَامَاتِ الظَّاهِرَةِ، وقَطْعِ البَوَادِي على الوَحْدَة، ولُقِيّ المَشَايخ، وصُحْبَته الأكَابِر، حتَّى سَمِعْتُ أنَّ الإفْرنْج يعْتَقدُونَ فيه، ويقُولونَ: إنَّ السِّبَاع والوُحُوش مثل البَهَائِم والغَنَم تَسْجد لأبي الحُسَين المَقْدِسِيّ.
وأخْبَرَني وَالدِي ﵀ وغيره: أنَّ الفِرنْج كانوا يُعَظِّمُونَ أبا الحُسَين الزَّاهِدَ ويَعْتَقدُونَ فيه.
وقال لي: إنَّ جَمَاعَةً رَأوهُ مِرَارًا راكب (a) الأسَد.
حدثني القَاضِي شَمْس الدِّين أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر، قال: حَدَّثَني رَجُلٌ كان (b) من الفُقَهَاءِ الخفِيَّة بدِمَشْق، يُقال له: سُلْطان، قال: حَكَى لي رَجُلٌ كانَ يَصْحَبُ الشَّيْخ أبا الحُسَين ويُلَازِم خِدْمَتَهُ، قال: كان الشَّيْخُ يأتي إلى الجِبَال المُبَاحَاتِ يَجْني منها العِنَبَ ويَعْصرُه (c) ويَطْبخُه رُبًّا ويُهْدِي منه إلى أصْحَابهِ ومَعَارِفه، فأتَى إلى جَبَل لُبْنَان، وجَمَعَ منه شيئًا وعَصَره، وقال لي: امْضِ إلى القَرْيَة الفُلَانيَّة؛ إلى فُلَان، وقُل له: أبو الحُسَين يُسَلِّم عليك ويقُول لك: أَعِرْهُ
стр. 5632
المِرْجَل الّذي لك ليَطْبُخَ فيه رُبًّا، وكانت تلك القَرْيَة على فَرَاسِخ من ذلك المَوضِع الّذي هو فيه، قال: فقُلتُ لَهُ: يا شَيْخ، المَوضع بَعِيدٌ، والطَّريق مَخُوفٌ، وفيه السِّبَاع والفِرِنْجِ! فقال لي: ما عليكَ بأسٌ، إرْكَب حِمَاري وخُذْ عَصَاي وامْضِ؛ فإنَّ السِّبَاع متى رَأتْ حِمَاري (a) وعَصَاي لا تَعْتَرضُكَ وكذلك الفِرِنْج.
قال: فأخَذْتُ العَصَا، ورَكبتُ الحِمَار، ومَضَيْتُ، فَجَعَلَتِ السِّبَاعُ تَمُرّ بي فأُريها عَصَا (b) الشَّيْخ، وتَرَى حِمَارَهُ تحتي فلا تَلْوِي إليَّ وتَمْضِي لشَأنها، ولَقِيني جَمَاعَة من الفِرِنْج، فوَجَدْتُ منهم من الخَوْف شيئًا عَظيْمًا، فلمَّا رأوا الحِمَار والعَصَا عَرفوهُما، فلَم يُؤذنِي أحدٌ منهم.
وجِئْتُ إلى القَرْيَةِ، وأنا على غَايةٍ من الخوف الّذي أصَابَني، فقُلْتُ لذلك الرّجُل: الشّيْخ يُسَلِّم عليكَ ويُقول: خُذْ المِرْجَلَ الّذي لك وَجئْ إليه، فقال لي: الشَّيْخ مَقْصُودُه المِرْجَل، وما له حَاجةٌ فيَّ أنْ يُعَنِّيَني في هذا الطَّريق، وما أظُنُّه قال لك في أنْ أجيءَ؟! فقُلْتُ لِمَا غَشِيَني من الوَحْشَة في الطَّريق والجَزَع: بلى، قال لي: يأخُذه ويَجيء، فجاءَ صُحْبَتي إلى المكانِ الّذي به الشَّيْخُ، ووَضَعْتُ المِرْجَل على رَأسي لأسْتَظِلَّ بهِ من الحَرِّ، فلمَّا جئْتُه قال لي: وما الّذي حَمَلَك على أنْ تُعَنِّي الرّجُل إلى هَا هُنا؟ فقُلْتُ: ما وَجَدْتُه في الطَّريق من السِّبَاع والفِرِنْج! فقال لي: أوَلَم يَكْفك ما شَاهَدْته في طَرِيقكَ؟! وما الّذي يُؤمنُكَ أنْ يكُون في المِرْجَلِ عَقْربٌ تَلْدغكَ السَّاعَة؟ قال: فما اسْتَتمَّ الشَّيْخُ كَلامَهُ حتَّى لَدَغَتْني (c) عَقْرَبٌ بين عَيْنيَّ، وسَقَطت لوَجْهي، وبَقِيْتُ مَطْرُوحًا ساعَةً حتَّى جاء الشَّيْخ وأَمَرَّ يدَهُ على المَوضِع فسَكَن وقُمتُ.
стр. 5633
قُلتُ: ذَاكَرْتُ بهذه الحِكايَة الشَّيْخَ الفَقِيه مُحَمَّد اليُوْنِينيّ فعَرِفها، وقال: المَوِضع الّذي كان الشَّيْخ به، وجَرَى له فيه هذه القَضِيَّة، هي يُوْنِين، وهذه القَرْيَة خَرج منها جَمَاعَة من الصَّالِحين، ودَخَلْتُها غير مَرَّة.
أخْبَرَني عَمِّي جَمال الدِّين أبو غَانِم بن هِبَة اللَّه، قال: حَدَّثني الشَّيْخُ أبو مُحَمَّد بن الحدَاد الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثني الشَّيْخُ أبَو الحُسَين الزَّاهِدُ، قال: كُنْتُ يَوْمًا بالقُحْوَانَة (a) فصَادَفْتُ جَمَاعَةً من خَيَّالةِ الفِرِنْج وهم يَشْربُونَ، فجئتُ إلى قَرْيَةٍ من قُرَى المُسْلمِيْن الّتي تُجَاورهم وتَقْرُب منهم، فقُلْتُ لهم: تَعالُوا حتَّى أُعطيْكُم خُيُول الفِرِنْج (b)، قال: فأخَذْتهم وجئتُ بهم إلى المَوضِع، والفِرنْج قد نامُوا سُكَارَى، فانْتَقَيْتُ لهم أرْبَعيْنَ حِصَانًا من خِيَارِ خُيُولِهم، وسَلَّمتُها إليهم، فأخَذُوها ومَضَوْا، فانْتَبه الفِرِنْج فلمْ يَجِدُوا خُيُولهم، فافْتَكرُوا وقالوا: انظرُوا المَجْنُونَ لا يكون هَا هُنا، قال: ففَتَّشُوا عليَّ إلى أنْ رَأوْني، فقالوا: أين خُيُولنا؟ فقُلْتُ لهم: عندي قد رَبَطتُها لم تَأكُل (c)، قال: فقالوا لي: تعال أَرِنا إيَّاها، قال (d): فأخَذْتهم وجَعَلْتُ أصعَدُ بهم جَبَلًا وأنْزِل وَادِيًا إلى أنْ عَلَمْتُ أنَّ المُسْلميْنَ قد وصَحلُوا بالخُيُولِ إلى مَأمَنِهم، فجئْتُ بهم إلى مَغَارة هناك، فأدْخَلْتُهم إليها وقُلتُ: ها هي ذه (e) خُيُولُكُم، وكُنْتُ قد ربطَتُ قَصَبًا على مَعَالفَ وجَعَلْتُ بينَ يَدَيْهِا تِبْنًا ورَبَطْتُها، ثُمَّ قال: فنَظَرُوا إلى ذلك وصَلَّبُوا على وُجُوهِهِم، وقالُوا: عَمِل علينا هذا المَجْنُون، ولَم يتعرَّضُوا لي بسُوْءِ.
стр. 5634
حَكَي لي عَمِّي أبو المَعَالِي عبدُ الصَّمَد بن هِبَةِ اللَّه، قال: كان للشَّيْخ أبي الحَسَن حَميْرٌ، فكان يُرْسلُهَا بُكرةً فتَخْرج إلى تَلّ عَرَن؛ قَرْيَةٌ بالنُّقْرَة، وليسَ معها أحَدٌ، فتَرْعَى ثُمَّ تَجيءُ إلى مَنْزِله سالِمةً وقد شَبعَتْ.
قال لي أبي ﵀: وكان يَسُوق حَمِيرَهُ هذه بينَ يَدَيْهِ، فإذا جاءَ إلى مفْرَق طُرُق صَاح فيها: خُذي يَمينًا فتأخُذ يَمِينًا، وإن قال: خُذِي يَسَارًا أخَذَتْ يَسارًا، وإنْ قال: شَرْقًا أو غَرْبًا فَعَلَتْ ما يَقُول.
قال لي وَالدِي: وسَيَّرتْ إليه خَاتُون زَوْجَة (a) قَسِيم الدَّوْلَة أتَابِك زَنْكِي شُقَّة أَطْلَس ليُفَصِّلها لامرْأتهِ، فاسْتَدْعَى خَيَّاطًا وفَصَّلَها سَرَاويْلَات لَحِميره. وكان تَعمَّد (b) مثل ذلك ستْرًا لحاله.
وسَمِعْتُ أبا الفَضْل مُحَمَّد بن أبي البَرَكَات بن قُرْنَاص (c)، الصَّالِج ابن الصَّالِح يَقُول: بَلَغَني أنَّ الشَّيْخ أبا الحُسَيْن الزَّاهِد دَخَلَ على الشَّيْخ أبي البَيَان الزَّاهِد فأعْطَاهُ أُبْلُوجًا من السُّكَّر، فأخذَهُ منه ولَم يَردّه، وخَرَجَ من عنده فدَفَعَهُ إلى أصْحَاب الشَّيْخ أبي البَيَانِ، فقالُوا له: خُذْه فإنَّ الشَّيْخَ أعْطَاكَ إيَّاهُ، فقال: أيْشٍ أعْمَلُ به؟ أنا لا يَأكُل حِمَاري سُكَّرًا!.
وأخْبَرَني القَاضِي شَمْس الدِّين أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر إنْ شَاءَ اللَّهُ، قال: حَجَّ الشَّيْخُ أبو الحُسَين الزَّاهِدُ إلى مَكَّة، حَرَسَها اللَّهُ (d)، على ثلاثة (e) حَمِير، وكان إذا ضَجرَ نامَ عليها مُعْتَرضًا، ويَصُفُّها صَفًّا ويَجْعَل رأسَهُ على حِمَارٍ، ووسَطه على آخر، ورِجْليهِ على آخر، وتَمشِي به كذلك، لا يتقدَّم أحدٌ منها على الآخر، ولَم يطلُبْ من أحدٍ في الطَّريق لها عَلَفًا، وكان يُعَلّقِ عليها المَخَالِي، قال: فمدَّ بعضُ النَّاسِ يدَهُ إلى مِخْلَاةٍ منها، فوجَدَ (f) فيها رَمْلًا.
стр. 5635
حَدَّثَني عَمِّي أبو غَانِم، قال: حَدَّثَني الشَّيْخ أبو مُحَمَّد بنُ الحَدَّادِ، قال: كُنْتُ يَوْمًا جالِسًا على باب دَاري، فجاءَ إليَّ شَاذْبَخْت وسُنْقُرجَا، وكانا خَادِمَيْن من خَوَاصِّ خَدَم نُور الدِّين، ومعهما أرْبعونَ أسِيْرًا من الفِرنْج، فقالا: أينَ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّد؟ فقُلْتُ لهما: ما تُريدان، ها أنا ذا؟ فقالا: المَوْلَى نُور الدِّين يُسَلِّم عليك ويقُول لك: انْتَق من هؤلاء الأُسَارَى أسِيْرًا للشَّيْخِ أبي الحُسَين، قال: فاخْتَرْتُ أسِيْرًا منهم وتَرَكتُه، فلمَّا أقْبل الشَّيْخُ أبو الحُسَين سلَّمْتُه إليه، قال: فأخذَهُ الشَّيْخ أبو الحُسَين، ولَم يَحْتَجر عليه، وتَرَكَه باخْتِيَار نَفْسِه، فكان يَنام وَحْدَه ويَمْضي ويَجيء وَحْدَهُ ولا يَهْرُبُ، واللَّه يحْفَظُه بحيث لا يَسْتَطيع الهَرَب.
قال: وكان يَرْكبُ الشَّيْخُ أبو الحُسَين حِمَارَه ويُعْطي الأَسِيْر الغَاشِية يَحْملها بينَ يَدَيْهِ، ويَجيءُ إلى السُّوق إلى أشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً له مِنَ الرَّوَافضِ، فيَقف عليه فيَشْتِمُونَهُ ويقْصدُ ذلك قَصْدًا، قال: فكانت عاقبَةُ ذلك الأَسِيْر أَنَّهُ أسْلَم، وحَسُن إسْلَامه.
حدَّثَنِي أبو عبد اللَّهِ مُحَمَّدُ بن يُوسُفَ بن الخَضِر، قاضي العَسْكَر، قال: حَدّثني صَاحِبٌ للشَّيْخِ أبي الحُسَين الزّاهِد كان يَخْدمُه واسْمُه عليّ، قال: قال (a) الشَّيْخِ أبو المَعَالِي بن الحدادِ للشَّيْخ أبي الحُسَين يَوْم جُمعة: سَألتُكَ باللَّهِ العَظِيْم إلّا صَلَّيْت اليَوْمَ الجُمُعَة، وشَدَّد عليه المَسْألَةَ، فأجابَهُ إلى ذلك، فلمَّا غصَّ المَسْجِدُ الجَامِعُ بحَلَب بالزِّحَام، جاءَ الشَّيْخ أبو الحُسَين وهو مُتَلفِّعٌ بكسَاءٍ له، والماءُ يَتَقاطَرُ من لِحْيَتهِ، فجلَسَ إلى جانب المِنْبَر، فلمَّا أُقيْمتِ الصَّلاةُ انْقَسم النَّاسُ طَائفتَيْن؛ فطَائِفَةٌ رَأتْهُ يُصَلِّي، وطَائِفَةٌ رأتْهُ قاعدًا لَم يَقُم، فحلَفَ بعْضُهم بالطَّلَاق أنَّهُ رآه يَرْكَعُ ويَسْجُد مع الإمَام وهو يُصَلِّي، وحَلَف البعضُ الآخرُ بالطَّلَاق أنَّهُ رَآهُ قَاعِدًا لَم يتحَرَّك من مَكانهِ ولَم يُصَلِّ!.
стр. 5636
فذَهَبتِ الطَّائِفتانِ إلى القَاضِي تَاج الدِّين الكَرْدَرِيّ، وهو إذْ ذاكَ يَتَولَّى القَضَاءَ والفُتْيَا بحَلَب، فسألُوه عن هذه الوَاقِعَة، وعن وُقُوع الطَّلَاقِ وعَدَم وقُوعهِ، فقال: اذْهَبُوا إلى الشَّيْخ أبي الحُسَين فهو يُفْتِيكم فيها، وهو أخْبَرُ بها، فذَهَبُوا إليه، فقال للّذين حَلَفُوا أنَّهُ لَم يُصَلّ: أرَأيْتُموني أُصَلِّي؟ قالوا: لا واللَّهِ، قال: فاذْهَبُوا فإنَّكُمُ لَم تحنَثُوا، وقال للّذين حَلَفُوا أنَّهُ صَلَّى: أرَأيْتُموني صَلَّيْت؟ قالوا: نَعم، قال: اذْهَبُوا فإنَّكُم لَم تحنَثُوا، فعَادُوا جَمِيعًا إلى الكَرْدَرِيّ وذَكَرُوا له ما قال، فقال: أفْتَاكُم بالحَقِّ.
وحَدَّثَني عَمِّي أبو غَانِم، قال: قال لي أبو مُحَمَّد بن الحَدَّادِ: كُنْتُ لا أرَى أبا الحُسَين الزّاهِد يُصَلِّي، وكان إذا حَضَر وَقْتُ الصَّلاةِ يُنَادِيني: أبو مُحَمَّد قُم إلى الصَّلاة، فأقُوم إلى المَسْجِد وأُصَلِّي بجَمَاعَةِ المَسْجِد، ففَكَّرْتُ ذات يَوْم فيهِ، وكُنْتُ أُرِيْدُ أنْ أَرْتَقِبَهُ في وَقْتِ المَغْرب فإنَّهُ أضْيَقُ الأوْقَاتِ، قال: فلمَّا حان وَقْتُ المَغْرب وأذَّنَ المُؤذِّن، قال لي: قُمْ إلى الصَّلاةِ، فقُلتُ لَهُ: نعم، وتَباطئْتُ فنَادَاني الثَّانيَةَ، فقُلتُ لَهُ: نَعَم وتَغافَلْتُ، فنَاداني الثَّالثة وهو مُنْزَعجٌ، فقُلتُ لَهُ: نَعَم، وتَغَافَلْتُ، فالْتَفَتَ إليَّ وهو مُنْزَعجٌ وقال لي: يا مَيْشُوم (a)، أنا أُرِيْدُ أنْ أكُونَ مثْلَ الكَلْبِ يُخْسَأُ ولا يرْجَى، ثمّ تَرَكَني ومَضَى.
وحَدَّثَني عَمِّي أبو غَانِم، وقاضي العَسْكَر مُحَمَّد بن يُوسُف أنَّ الشَّيْخِ أبا الحُسَين حَجَّ في بعضِ السِّنِيْن من دِمَشْق، فسَيَّرَ معه بعضُ أهْل دِمَشْقِ وَدِيْعَةً جَامَدَانًا فيه قُمَاش، وكتَاب إلى صَاحِبهِ إِلى مَكَّة، حَرَسَها اللَّهُ، قالا: فلمَّا خَرَجَ أبو الحُسَيْن من دِمَشْق ألْقَى الجَامَدَان ومَضَى، فظَفِر به بعضُ الحُجَّاج فَحَمَلَهُ وجاءَ بهِ إلى مَكَّة، فنَزَلَ ذلك الرَّجُل بمَكَّة، وأوْدَعِ الجَامَدَان عند صَاحِبهِ الّذي أُرْسِل إليهِ، فنَظَر إلى الجَامَدَان فعَرفه ففتَحَهُ فوجَد فبه قُمَاشَه ووَجَدَ فيهِ كِتَابًا من الرَّجُل
стр. 5637
الّذي سَيَّرَهُ يَذْكُر فيه أنَّهُ قد أرْسَلِ الجَامَدَان مع الشَّيْخ أبي الحُسَين. قال: فقال صَاحِبُ الجَامَدَان للرَّجُل الّذي تَرَكَهُ عندَهُ: هذا الجاَمَدَانُ لي والقُمَاش قُمَاشِي، وهذا الكتابُ إليَّ وأرَاهُ الكتابَ، فقال: أنا وجَدْتُه مُلْقًى في المكان الفُلَانيّ، قال: فالْتَقَى صَاحِب الجَامَدَان الشّيْخ أبا الحُسَين، فقال له: مثْلُك يكُون النَّاس، ما أنتَ إلَّا أَمين، فالْتَفَتَ إليه وقال: يا بَارد، ألَم يَصِل إليك جَامَدَانُكَ، فما وَجْهُ عَتْبِكَ، ثُمَّ تَرَكَهُ ومَضَى.
سَمِعْتُ أبا العبَّاسِ أحْمَدَ بن يَحْيَى ابن الشَّيْخ أبي الحُسَين الزَّاهدِ بالميْطُور من سَفْح جَبَل قَاسِيُون، قال: أخْبَرَتْنِي عَمِّتي -يعني بنت الشَّيْخ أَبي الحُسَين- قالت: كنت في اللُّبَّن، وهي قَرْيَة بين نابُلُس والبَيْت المُقَدَّسِ، والشَّيْخ أبو الحُسَين وَالدِي بها، وابْني في الحَجِّ، وكان ذلك قبل عِيْد النَّحْر بيَوْمَيْن، فعَمِل (a) بَعْضُ مَنْ في اللُّبَّن للشَّيْخ أبي الحُسَين عُجَّةً، فاشْتَهيْتُ أنْ يَأكُل ابني منها، فقُلتُ: اشْتَهيْتُ ابني فُلَانًا يَأكُلُ من هذه العُجَّة (b)، فقال لي وَالدِي أبو الحُسَين: هَاتي، فدَفَعْتُ إليه العُجَّة والغَضَارَة الّتي هي فيها والخُبْز، فأخَذَ ذلك وخَرَج بالمِنْدِيل، فَحَجَّ ابني ورجَع، وأحْضَر إليَّ تلك الغَضَارَة بعَيْنها، فقُلتُ: ما هذه؟ فقال: هذه أحْضَرَها إليَّ الشَّيْخُ أبو الحُسَين وفيها العُجَّةُ مع الخُبْزِ.
قال لي أحْمَدُ بن يَحْيَى: وحَدَّثَتني عَمَّتي المَذْكُورَة، قالت: أخْبَرَني أخي، بعضُ وَلدِ الشَّيْخ أبي الحُسَين، قال: كان وَالدِي أبو الحُسَين يَجْمعُ قشُورَ البِطِّيْخ الّتي تلقَى فيَجْعَلُها في قِدْرٍ، ويأخُذُ مِغْرَفَةً ويُحَرِّكها ويُخْرِجُها فنَأكُلها، فنَجدُها من أطْيَب الأطْعِمَة، فلمَّا تُوفِّي الشَّيْخُ عمدَ بعضُ وَلدِه ففَعَل مثْل ما كان يَفْعَلُ، فلَم يُطِقْ أحَدٌ أنْ يَأكُلَها، فقال بَعْضُهم: القُشُورُ القشُور، والقِدْرُ القِدْر، والمِغْرَفَة المِغْرَفَة، ولكن اليَد الّتي كانت تُحَرِّكها ليسَتِ اليَد!.
стр. 5638
سَمِعْتُ سَيْفَ الدِّين مُوسَى ابن شَيْخنا مُحَمَّد بن رَاجِح المقدِسِيّ يقُول لي بحَلَب: حَكَى لي الفَقِيه يَعْقُوب الزَّنْكَلُونيّ، من أصْحَاب الشَّيْخ عُثْمان بن مَرْزُوق، عن صَاحِب الشَّيْخ أبي الحُسَين الزَّاهِدِ أنَّهُ قال: سَافَرْتُ أنا والشَّيْخ أبو الحُسَين، ﵀، من غَزَّة إلى عَسْقَلان، فاشْتَدَّ بنا الحَرُّ وعَطِشْنَا، فقال لي: يا فُلَان، تَجيء حتَّى نَزرَع مَقْثأَةً؟ فقُلتُ لَهُ: مُبَارَك، فقال: أيّما أحَبّ إليك؛ تَحْفِر أم تَزْرعِ؟ فقُلتُ: أحْفِر والشَّيْخ يَزْرَع، فَحَفَرتُ له جُوَبًا كَثِيْرةً وهو يَطْرَحُ في كُلِّ جُوْبةٍ حَصَاتَين (a) من الأرْضِ، إلى أنْ زَرَعنا شَيئًا كَثِيْرًا، ثُمَّ انْتَقَلْنا فاسْتَظْلَلْنا تحتَ شَجَرَة بَعِيدًا عن المَوضِع، فقال لي بعد سَاعةٍ: يِا فُلَانُ، اذْهَب فآتنِا من المَقْثَأةِ ببِطِّيْخ، فذَهَبْتُ فلَم أرَ شيئًا، فجئتُ إليه فأخْبَرتهُ، فقال: أنتَ ما تَعْرف تجيب البِطِّيْخ، ثُمَّ قامَ وقُمْتُ معه فأقبلْنا على المَقْتَأة فإذا هي كُلُّها لُجَّةٌ خَضْراءُ، وفيها من البِطِّيْخ شيءٌ كَثِيْرٌ، كبارٌ وصِغَارٌ، فأكَلْنا حتَّى شَبعْنا، ثمّ أخَذَ من ذلك البِطِّيْخ فوضَعَهُ في الجُرْج على الدَّابَّةِ، وحَمَلناهُ معنا إلى عَسْقَلانَ، وكان قد أصَاب أهْلَ عَسْقَلان مَرَضٌ، فما أكَل أحدٌ من أهْلِ عَسْقَلان قِطْعَة إلَّا وبَرَأ من ذلك المَرَض.
قال لي مُوسَى: وحَكَتْ لي سِتِّي أُمُّ الشَّيْخِ عُمَر زَوْجَةُ الشَّيْخِ أبي عُمَر، قالت: جَاءَ الشَّيْخُ أبو الحُسَين إلينا لَيْلًا بمَرْدَا، قَرْيةٍ من نابُلُسٍ، في وَقْتٍ باردٍ فقَعَد عند جَمَاعتِنا ساعَةً وبين أيديهم نارٌ يَصْطَلُونَ بها، ثمّ نهَضَ قائمًا، فقالوا له: يا سَيِّدِي، أين تَمْشِي في هذا الوَقْت المُظْلِم البَارِد؟ فقال: أنا آخُذُ من هذه النَّار وأسْتَضِيءُ بها، فأخَذَ قِطْعَةً من حَطَب الزَّيْتُون وهي تَشْتَعِلُ من تلك النَّار كَبِيرة، ووَضَعَها في ثَوْبهِ، ثُمَّ اسْتَضَاء بها فلم يَحْتَرق الثَّوبُ، وأخَذَها وذَهَبَ.
стр. 5639
سَمِعْتُ عَمِّي أبا غَانِم، ﵀، يَقُول: حَدَّثَني الشَّيْخُ أبو مُحَمَّد بن الحَدَّادِ، قال: لمَّا نَزَل المَلِكُ العادِلُ نُوِر الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي على عَزَاز يُحَاصِرها، جَاءني الشَّيْخ أبو الحُسَين الزَّاهِد يَوْمًا من الأيَّام، وقال: تعال حتَّى (a) نُحَاصِرِ عَزَاز ونُعَاون المُسْلمِيْن، ثمّ عَمِل صُوْرة قَلْعَةٍ من طِيْن، وقال لي: امْشِ حتَّى نَزْحَف عليها، ثُمَّ جَعَل يَقُول: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١) نَصْرٌ من اللَّهِ وكَسْرُ الصَّلِيب، وجَعَلِ يُكَرِّر ذلك، ثُمَّ قال: ها أخَذْناها، أخَذناها، أخَذْناهَا، ثُمَّ سَكَت، فوقَع طَائِر عقِيْبَ ذلك ببِطَاقَةٍ يُخْبرُ بأنَّها فُتِحَت في الوَقْتِ الّذي كان من الشَّيْخ أبي الحُسَين ما كان.
تُوفِّى الشَّيْخ أبو الحُسَين الزَّاهِد المقدِسيِّ بحَلَب [سَنَة ثَمانٍ وأرْبَعين وخَمْسمائة] (b)، ودُفِنَ بمَقَابِر المقام خَارج باب العِرَاق بتُرْبةِ بني الحدَاد، قِبْليّ مَقَام إبْراهيم ﵇، وقبَرُه ظَاهِرٌ يُزَارُ، وتُنْذَر عندَهُ النُّذُور، وزُرْتُهُ مِرَارًا.
أبو الحُسَين المالِكِيُّ
كان من شُيُوخ الصُّوْفيَّة بطَرَسُوس، وصَحبَ خَيْرًا النَّسَّاج، رَوَى عنهُ الحُسَينُ بن أحْمَد بن جَعْفَر الصَّيْرَفِيّ إنْشَادًا ذَكَرْناهُ فيما تَقَدَّم من كتابنا هذا (٢).
وحَكَى أبو القَاسِم القُشَيْريّ عنه حِكايَهً غير مُسْنَدة (c).
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه، قال: أخْبَرَنا عمَر بن أبي الحَسَن بن حَمُّوْيَه، ح.
стр. 5640
وأنْبَأَتْنا زَيْنَبُ بنتُ عبد الرّحْمن، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (١)، قال: وقال أبو الحُسَين المالِكِيّ: كُنْتُ أصْحَبُ خَيْر النَّسَّاج سِنِين كَثِيْرة، فقال لي قبل مَوْته كانيةِ أيَّام: أنا أمُوت يَوْم الخَمِيْس وَقْت المَغْرب، وأُدْفَن يَوْم الجُمُعَة قبل الصَّلاةِ، وسَتَنْسَى هذا، فلا تَنْسَ (٦).
قال أبوِ الحُسَين: فأنسيْتُه إلى يَوْم الجُمُعَة (a)، فلَقِيَني مَنْ خَبَّرني بمَوْتِه، فخَرَجْتُ لأحضُر جنَازَته، فوَجَدْتُ النَّاس رَاجعين يقُولُون: يُدْفَن بعد الصَّلاةِ، فلم أنْصَرف فحَضَرتُ (c) فوَجدتُ الجنَازة قد أُخْرجَت قبل الصَّلاة كما قال، فسَألتُ مَنْ حَضَر وَفَاتَهُ، فقال: إنَّهُ غُشِي عليه ثُمَّ أفَاق، ثمّ الْتفتَ إلى نَاحِيَةِ البَيْت وقال: قِفْ عَافَاك اللَّه؛ فإنَّما أنتَ عَبْدٌ مأمُور وأنا عَبْد مأمُور، والّذي أُمرتَ به لا يَفوتكَ (d)، والّذي أُمِرتُ بهِ يَفُوتني، فدَعَا بماءٍ، وجدَّد وُضُوءَهُ وصَلَّى وتَمدَّد وغمَّض (e) عَيْنيهِ، فرُؤي في المَنَام بعدَ مَوْته، وقيل له: كيف حَالُكَ؟ فقال: لا تَسَل، تَخلَصْتُ عن دُنْياكم الوَضِرَة.
أبو الحُسَين الفَرَّاءُ الفَقِيه الطَّرَسُوسِيُّ
رَوَى عن حَامِد بن يَحْيَى البَلْخِيّ، رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن خَمّ.
نَقَلْتُ من خَطِّ عَبْد اللَّه بن عليّ بن عَبْدِ اللَّه بن سُوَيْدَة التَّكْرِيتِيّ بها، وأنْبَأنَا به عنهُ سَمَاعًا منهُ عليّ بن شُجاع، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَعْد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد، قال: حَدَّثَنَا تَمِيْم، قال: حَدَّثَنَا الفَقِيه أبو اللَّيْث بن مُحَمَّد، قال: