فذَهَبتِ الطَّائِفتانِ إلى القَاضِي تَاج الدِّين الكَرْدَرِيّ، وهو إذْ ذاكَ يَتَولَّى القَضَاءَ والفُتْيَا بحَلَب، فسألُوه عن هذه الوَاقِعَة، وعن وُقُوع الطَّلَاقِ وعَدَم وقُوعهِ، فقال: اذْهَبُوا إلى الشَّيْخ أبي الحُسَين فهو يُفْتِيكم فيها، وهو أخْبَرُ بها، فذَهَبُوا إليه، فقال للّذين حَلَفُوا أنَّهُ لَم يُصَلّ: أرَأيْتُموني أُصَلِّي؟ قالوا: لا واللَّهِ، قال: فاذْهَبُوا فإنَّكُمُ لَم تحنَثُوا، وقال للّذين حَلَفُوا أنَّهُ صَلَّى: أرَأيْتُموني صَلَّيْت؟ قالوا: نَعم، قال: اذْهَبُوا فإنَّكُم لَم تحنَثُوا، فعَادُوا جَمِيعًا إلى الكَرْدَرِيّ وذَكَرُوا له ما قال، فقال: أفْتَاكُم بالحَقِّ.
وحَدَّثَني عَمِّي أبو غَانِم، قال: قال لي أبو مُحَمَّد بن الحَدَّادِ: كُنْتُ لا أرَى أبا الحُسَين الزّاهِد يُصَلِّي، وكان إذا حَضَر وَقْتُ الصَّلاةِ يُنَادِيني: أبو مُحَمَّد قُم إلى الصَّلاة، فأقُوم إلى المَسْجِد وأُصَلِّي بجَمَاعَةِ المَسْجِد، ففَكَّرْتُ ذات يَوْم فيهِ، وكُنْتُ أُرِيْدُ أنْ أَرْتَقِبَهُ في وَقْتِ المَغْرب فإنَّهُ أضْيَقُ الأوْقَاتِ، قال: فلمَّا حان وَقْتُ المَغْرب وأذَّنَ المُؤذِّن، قال لي: قُمْ إلى الصَّلاةِ، فقُلتُ لَهُ: نعم، وتَباطئْتُ فنَادَاني الثَّانيَةَ، فقُلتُ لَهُ: نَعَم وتَغافَلْتُ، فنَاداني الثَّالثة وهو مُنْزَعجٌ، فقُلتُ لَهُ: نَعَم، وتَغَافَلْتُ، فالْتَفَتَ إليَّ وهو مُنْزَعجٌ وقال لي: يا مَيْشُوم (a)، أنا أُرِيْدُ أنْ أكُونَ مثْلَ الكَلْبِ يُخْسَأُ ولا يرْجَى، ثمّ تَرَكَني ومَضَى.
وحَدَّثَني عَمِّي أبو غَانِم، وقاضي العَسْكَر مُحَمَّد بن يُوسُف أنَّ الشَّيْخِ أبا الحُسَين حَجَّ في بعضِ السِّنِيْن من دِمَشْق، فسَيَّرَ معه بعضُ أهْل دِمَشْقِ وَدِيْعَةً جَامَدَانًا فيه قُمَاش، وكتَاب إلى صَاحِبهِ إِلى مَكَّة، حَرَسَها اللَّهُ، قالا: فلمَّا خَرَجَ أبو الحُسَيْن من دِمَشْق ألْقَى الجَامَدَان ومَضَى، فظَفِر به بعضُ الحُجَّاج فَحَمَلَهُ وجاءَ بهِ إلى مَكَّة، فنَزَلَ ذلك الرَّجُل بمَكَّة، وأوْدَعِ الجَامَدَان عند صَاحِبهِ الّذي أُرْسِل إليهِ، فنَظَر إلى الجَامَدَان فعَرفه ففتَحَهُ فوجَد فبه قُمَاشَه ووَجَدَ فيهِ كِتَابًا من الرَّجُل
стр. 5637
الّذي سَيَّرَهُ يَذْكُر فيه أنَّهُ قد أرْسَلِ الجَامَدَان مع الشَّيْخ أبي الحُسَين. قال: فقال صَاحِبُ الجَامَدَان للرَّجُل الّذي تَرَكَهُ عندَهُ: هذا الجاَمَدَانُ لي والقُمَاش قُمَاشِي، وهذا الكتابُ إليَّ وأرَاهُ الكتابَ، فقال: أنا وجَدْتُه مُلْقًى في المكان الفُلَانيّ، قال: فالْتَقَى صَاحِب الجَامَدَان الشّيْخ أبا الحُسَين، فقال له: مثْلُك يكُون النَّاس، ما أنتَ إلَّا أَمين، فالْتَفَتَ إليه وقال: يا بَارد، ألَم يَصِل إليك جَامَدَانُكَ، فما وَجْهُ عَتْبِكَ، ثُمَّ تَرَكَهُ ومَضَى.
سَمِعْتُ أبا العبَّاسِ أحْمَدَ بن يَحْيَى ابن الشَّيْخ أبي الحُسَين الزَّاهدِ بالميْطُور من سَفْح جَبَل قَاسِيُون، قال: أخْبَرَتْنِي عَمِّتي -يعني بنت الشَّيْخ أَبي الحُسَين- قالت: كنت في اللُّبَّن، وهي قَرْيَة بين نابُلُس والبَيْت المُقَدَّسِ، والشَّيْخ أبو الحُسَين وَالدِي بها، وابْني في الحَجِّ، وكان ذلك قبل عِيْد النَّحْر بيَوْمَيْن، فعَمِل (a) بَعْضُ مَنْ في اللُّبَّن للشَّيْخ أبي الحُسَين عُجَّةً، فاشْتَهيْتُ أنْ يَأكُل ابني منها، فقُلتُ: اشْتَهيْتُ ابني فُلَانًا يَأكُلُ من هذه العُجَّة (b)، فقال لي وَالدِي أبو الحُسَين: هَاتي، فدَفَعْتُ إليه العُجَّة والغَضَارَة الّتي هي فيها والخُبْز، فأخَذَ ذلك وخَرَج بالمِنْدِيل، فَحَجَّ ابني ورجَع، وأحْضَر إليَّ تلك الغَضَارَة بعَيْنها، فقُلتُ: ما هذه؟ فقال: هذه أحْضَرَها إليَّ الشَّيْخُ أبو الحُسَين وفيها العُجَّةُ مع الخُبْزِ.
قال لي أحْمَدُ بن يَحْيَى: وحَدَّثَتني عَمَّتي المَذْكُورَة، قالت: أخْبَرَني أخي، بعضُ وَلدِ الشَّيْخ أبي الحُسَين، قال: كان وَالدِي أبو الحُسَين يَجْمعُ قشُورَ البِطِّيْخ الّتي تلقَى فيَجْعَلُها في قِدْرٍ، ويأخُذُ مِغْرَفَةً ويُحَرِّكها ويُخْرِجُها فنَأكُلها، فنَجدُها من أطْيَب الأطْعِمَة، فلمَّا تُوفِّي الشَّيْخُ عمدَ بعضُ وَلدِه ففَعَل مثْل ما كان يَفْعَلُ، فلَم يُطِقْ أحَدٌ أنْ يَأكُلَها، فقال بَعْضُهم: القُشُورُ القشُور، والقِدْرُ القِدْر، والمِغْرَفَة المِغْرَفَة، ولكن اليَد الّتي كانت تُحَرِّكها ليسَتِ اليَد!.
стр. 5638
سَمِعْتُ سَيْفَ الدِّين مُوسَى ابن شَيْخنا مُحَمَّد بن رَاجِح المقدِسِيّ يقُول لي بحَلَب: حَكَى لي الفَقِيه يَعْقُوب الزَّنْكَلُونيّ، من أصْحَاب الشَّيْخ عُثْمان بن مَرْزُوق، عن صَاحِب الشَّيْخ أبي الحُسَين الزَّاهِدِ أنَّهُ قال: سَافَرْتُ أنا والشَّيْخ أبو الحُسَين، ﵀، من غَزَّة إلى عَسْقَلان، فاشْتَدَّ بنا الحَرُّ وعَطِشْنَا، فقال لي: يا فُلَان، تَجيء حتَّى نَزرَع مَقْثأَةً؟ فقُلتُ لَهُ: مُبَارَك، فقال: أيّما أحَبّ إليك؛ تَحْفِر أم تَزْرعِ؟ فقُلتُ: أحْفِر والشَّيْخ يَزْرَع، فَحَفَرتُ له جُوَبًا كَثِيْرةً وهو يَطْرَحُ في كُلِّ جُوْبةٍ حَصَاتَين (a) من الأرْضِ، إلى أنْ زَرَعنا شَيئًا كَثِيْرًا، ثُمَّ انْتَقَلْنا فاسْتَظْلَلْنا تحتَ شَجَرَة بَعِيدًا عن المَوضِع، فقال لي بعد سَاعةٍ: يِا فُلَانُ، اذْهَب فآتنِا من المَقْثَأةِ ببِطِّيْخ، فذَهَبْتُ فلَم أرَ شيئًا، فجئتُ إليه فأخْبَرتهُ، فقال: أنتَ ما تَعْرف تجيب البِطِّيْخ، ثُمَّ قامَ وقُمْتُ معه فأقبلْنا على المَقْتَأة فإذا هي كُلُّها لُجَّةٌ خَضْراءُ، وفيها من البِطِّيْخ شيءٌ كَثِيْرٌ، كبارٌ وصِغَارٌ، فأكَلْنا حتَّى شَبعْنا، ثمّ أخَذَ من ذلك البِطِّيْخ فوضَعَهُ في الجُرْج على الدَّابَّةِ، وحَمَلناهُ معنا إلى عَسْقَلانَ، وكان قد أصَاب أهْلَ عَسْقَلان مَرَضٌ، فما أكَل أحدٌ من أهْلِ عَسْقَلان قِطْعَة إلَّا وبَرَأ من ذلك المَرَض.
قال لي مُوسَى: وحَكَتْ لي سِتِّي أُمُّ الشَّيْخِ عُمَر زَوْجَةُ الشَّيْخِ أبي عُمَر، قالت: جَاءَ الشَّيْخُ أبو الحُسَين إلينا لَيْلًا بمَرْدَا، قَرْيةٍ من نابُلُسٍ، في وَقْتٍ باردٍ فقَعَد عند جَمَاعتِنا ساعَةً وبين أيديهم نارٌ يَصْطَلُونَ بها، ثمّ نهَضَ قائمًا، فقالوا له: يا سَيِّدِي، أين تَمْشِي في هذا الوَقْت المُظْلِم البَارِد؟ فقال: أنا آخُذُ من هذه النَّار وأسْتَضِيءُ بها، فأخَذَ قِطْعَةً من حَطَب الزَّيْتُون وهي تَشْتَعِلُ من تلك النَّار كَبِيرة، ووَضَعَها في ثَوْبهِ، ثُمَّ اسْتَضَاء بها فلم يَحْتَرق الثَّوبُ، وأخَذَها وذَهَبَ.
стр. 5639
سَمِعْتُ عَمِّي أبا غَانِم، ﵀، يَقُول: حَدَّثَني الشَّيْخُ أبو مُحَمَّد بن الحَدَّادِ، قال: لمَّا نَزَل المَلِكُ العادِلُ نُوِر الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي على عَزَاز يُحَاصِرها، جَاءني الشَّيْخ أبو الحُسَين الزَّاهِد يَوْمًا من الأيَّام، وقال: تعال حتَّى (a) نُحَاصِرِ عَزَاز ونُعَاون المُسْلمِيْن، ثمّ عَمِل صُوْرة قَلْعَةٍ من طِيْن، وقال لي: امْشِ حتَّى نَزْحَف عليها، ثُمَّ جَعَل يَقُول: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١) نَصْرٌ من اللَّهِ وكَسْرُ الصَّلِيب، وجَعَلِ يُكَرِّر ذلك، ثُمَّ قال: ها أخَذْناها، أخَذناها، أخَذْناهَا، ثُمَّ سَكَت، فوقَع طَائِر عقِيْبَ ذلك ببِطَاقَةٍ يُخْبرُ بأنَّها فُتِحَت في الوَقْتِ الّذي كان من الشَّيْخ أبي الحُسَين ما كان.
تُوفِّى الشَّيْخ أبو الحُسَين الزَّاهِد المقدِسيِّ بحَلَب [سَنَة ثَمانٍ وأرْبَعين وخَمْسمائة] (b)، ودُفِنَ بمَقَابِر المقام خَارج باب العِرَاق بتُرْبةِ بني الحدَاد، قِبْليّ مَقَام إبْراهيم ﵇، وقبَرُه ظَاهِرٌ يُزَارُ، وتُنْذَر عندَهُ النُّذُور، وزُرْتُهُ مِرَارًا.
أبو الحُسَين المالِكِيُّ
كان من شُيُوخ الصُّوْفيَّة بطَرَسُوس، وصَحبَ خَيْرًا النَّسَّاج، رَوَى عنهُ الحُسَينُ بن أحْمَد بن جَعْفَر الصَّيْرَفِيّ إنْشَادًا ذَكَرْناهُ فيما تَقَدَّم من كتابنا هذا (٢).
وحَكَى أبو القَاسِم القُشَيْريّ عنه حِكايَهً غير مُسْنَدة (c).
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه، قال: أخْبَرَنا عمَر بن أبي الحَسَن بن حَمُّوْيَه، ح.
стр. 5640
وأنْبَأَتْنا زَيْنَبُ بنتُ عبد الرّحْمن، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (١)، قال: وقال أبو الحُسَين المالِكِيّ: كُنْتُ أصْحَبُ خَيْر النَّسَّاج سِنِين كَثِيْرة، فقال لي قبل مَوْته كانيةِ أيَّام: أنا أمُوت يَوْم الخَمِيْس وَقْت المَغْرب، وأُدْفَن يَوْم الجُمُعَة قبل الصَّلاةِ، وسَتَنْسَى هذا، فلا تَنْسَ (٦).
قال أبوِ الحُسَين: فأنسيْتُه إلى يَوْم الجُمُعَة (a)، فلَقِيَني مَنْ خَبَّرني بمَوْتِه، فخَرَجْتُ لأحضُر جنَازَته، فوَجَدْتُ النَّاس رَاجعين يقُولُون: يُدْفَن بعد الصَّلاةِ، فلم أنْصَرف فحَضَرتُ (c) فوَجدتُ الجنَازة قد أُخْرجَت قبل الصَّلاة كما قال، فسَألتُ مَنْ حَضَر وَفَاتَهُ، فقال: إنَّهُ غُشِي عليه ثُمَّ أفَاق، ثمّ الْتفتَ إلى نَاحِيَةِ البَيْت وقال: قِفْ عَافَاك اللَّه؛ فإنَّما أنتَ عَبْدٌ مأمُور وأنا عَبْد مأمُور، والّذي أُمرتَ به لا يَفوتكَ (d)، والّذي أُمِرتُ بهِ يَفُوتني، فدَعَا بماءٍ، وجدَّد وُضُوءَهُ وصَلَّى وتَمدَّد وغمَّض (e) عَيْنيهِ، فرُؤي في المَنَام بعدَ مَوْته، وقيل له: كيف حَالُكَ؟ فقال: لا تَسَل، تَخلَصْتُ عن دُنْياكم الوَضِرَة.
أبو الحُسَين الفَرَّاءُ الفَقِيه الطَّرَسُوسِيُّ
رَوَى عن حَامِد بن يَحْيَى البَلْخِيّ، رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن خَمّ.
نَقَلْتُ من خَطِّ عَبْد اللَّه بن عليّ بن عَبْدِ اللَّه بن سُوَيْدَة التَّكْرِيتِيّ بها، وأنْبَأنَا به عنهُ سَمَاعًا منهُ عليّ بن شُجاع، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَعْد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد، قال: حَدَّثَنَا تَمِيْم، قال: حَدَّثَنَا الفَقِيه أبو اللَّيْث بن مُحَمَّد، قال:
стр. 5641
حَدَّثَنَا أبي (a)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن خَمَّ، قال: حَدَّثَني أبو الحُسَين الفَرَّاء الفَقِيه الطَّرَسُوسِيّ، قال: حَدَّثَنَا حَامِد بن يَحْيَى البَلْخِيّ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سُلَيمان، قال: كان عندنا بمَكَّة رَجُلٌ من أهْلِ خُوزسْتان، وكان رَجُلًا صَالِحًا، وكان النَّاس يُودِعُونَهُ وَدَائع لهم، فجاء رَجُل فأوْدَعَهُ عَشرة آلاف دِينْار، وخَرَجَ الرَّجُلُ في حاجةٍ فقَدِمَ مَكَّة، وقد ماتَ الخُوزَسْتانيّ، فسَأل أهْله ووَلدَهُ عن مالهِ، فلَمِ يكُن لهم به عِلْم، فقال الرّجُل لفُقَهاء (b) بمَكَّة، وكانُوا يَوْمئذٍ مُجْتَمعين مُتَوافرين: أوْدَعتُ فُلَانًا عَشرة آلاف دِيْنارٍ وقد ماتَ، وسَألْتُ أهْلَهُ ووَلَدَهُ، ولَم يكُن لهم بها عِلْم، فما تأمُرونَ؟ فقالوا: نحنُ نَرْجُو أنْ يكُون الخُوزَسْتانِيّ من أهْل الجَنَّة، فإذا مَضَى من اللَّيْل (c) ثُلُثُه أو نصْفُهُ ائْتِ زَمْزَمَ فاطّلِعْ فيها ونادِ: يا فُلَانُ ابن فُلَانٍ، أنا صَاحِب الوَدِيْعَة، ففَعَل (d) ذلك ثلاثَ ليالٍ فلَم يُجِبْهُ أحَدٌ.
فأتاهم فأخبرَهُم، فقالُوا (e): إنّا للَّهِ وإنّا إليهِ رَاجعُونَ، نَخْشى أنْ يكُون صَاحِبَكَ من أهْلِ النَّار، ائْت اليَمَنَ فإنّ فيها وَادِيًا يُقال له: بَرْهُوْت، وفيه بئر فاطَّلعِ فيها، فإذا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْل أو نصْفُه فنَادِ: يا فُلَانُ ابن فُلَانٍ، أنا صَاحِبُ الوَدِيْعة، ففَعَل ذلك، فأجابَهُ في أوَّل صَوْت، فقال: وَيْحَك، ما انْزَلكَ هَا هُنا وقد كُنْتَ صَاحِب خَيْر؟ قال: كان لي أهْلُ بيتٍ بخُرَاسَان فقَطَعْتُهم حتّى متُّ فأخَذَني اللَّهُ بذلك، فأنْزَلني اللَّهُ هذا المَنْزل، فأمَّا مالُكَ فهو على حاله، وإني لَم أأُتَمِن وَلدِي على ذلك، فدَفَنْتُه في بَيْت كذا، فقُل لوَلدِي ليُدخَلكَ دَارِي، ثُمَّ صِرْ إلى البَيْت فاحْفِر فإنَّك سَتَجدُ مالكَ وهو على حَالتهِ، فرجَع فوَجَد ماله على حَالته.
стр. 5642
أبو الحُسَين الكَرْجِيُّ (a)
كان من الصَّالِحينَ، وكان يُرَابط بطَرَسُوس. حَكَى عنه عَمُّوَيْه الزَّنْجَانِيّ.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين، عن الحَافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: سَمِعْتُ عَمُّوَيْه الزَّنْجَانِيّ الأشْتَر يَقُول: سَمِعْتُ أبا الحُسَين الكَرْجِيّ بنَهَاونْد يَقُول: كانت أُخْتٌ لي صالِحةٌ في الصِّغَر، وكُنْتُ أنا أشْتُو في أكْثَر السِّنِيْن بطَرَسُوس، فلمَّا كان سَنَة من السِّنِيْن عَزَمْتُ على الخُرُوج إليها، فسَألتنِي أنْ لا أخْرُج، فقُلتُ: لا أصْبرُ على بَرْد قُهُسْتَان والثُّلُوج، فهَتَف بي هَاتِفٌ: رَاعِ قَلْبها وأقِم عندَها، فنحنُ لا نُنْزلُ الثَّلْج في هذه الشَّتْوَة، فأقَمتُ عندَها، فلَم يَقَعْ واللَّهِ عندنا الثَّلْجُ في تلك السَّنَة.
أبو الحُسَين القَرَافِيُّ (١)
دَخَلَ التِّيْنَات، ولَقِيَ بها أبا الخَيْر التِّيْنَاتِيّ (b).
أبو الحُسَين المُسْتَهَام الحَلَبِيُّ (٢)
غُلَام المُتَنَبِيّ والبَبَّغَاء، شَاعِرٌ كانَ يَصْحَبُ المُتَنَبِيّ بحَلَب.
стр. 5643
قَرأتُ في مَجْمُوعٍ جَمَعَهُ بعضُ الأُدَبَاء: لأبي الحُسَين المُسْتَهَام الحَلَبِيّ غُلَام المُتَنَبِّي (١): [من الوافر]
نَزَلْتُ على ابن حَمَّادٍ فحيَّا … ويسَّرَ عِندَهُ سُبُلَ المَقِيْلِ
وقالَ علَيَّ بالطَّبَّاخ حتَّى … يزيدَ من البَوَادِرِ والبقُولِ
فغَدَّاني برَائحةِ الأمَانِي … وعَشَّاني بميْعَادٍ جَمِيلِ
قَرَأتُ في ذَيْل اليَتِيْمَة لأبي مَنْصُور الثَّعالِبِيّ [. . .] (a).
أبو الحُسَين الحَلَبِيُّ
إنْ لم يَكُن المُسْتَهَام المُقَدَّم ذِكْره فغَيْره، رَوَى عن أبي الطَّيِّب المُتَنَبِيّ وأبي العبَّاسِ النَّامِيِّ.
قَرأتُ بخَطِّ مُفْلح بن عليّ البَغْدَاديّ الأدِيْب: قيل كان سَيْفُ الدَّوْلَةِ يضَعُ الشُّعَراءَ على هِجَاءِ أبي الطَّيِّب فلا يُجيْب أبو الطَّيِّب أحدًا تَرَفُّعًا، فذَكَرَ أبو الحُسَين الحَلَبِيُّ أنَّ النَّامِيّ هَجَاهُ، فقال (٢): [من الكامل]
قد صَحَّ شِعْركَ والنُّبُوَّة لَم تَصِح … فدَع النُّبُوَّة لا أبَا لكَ واسْتَرِحْ
وارْجَ دَمًا (b) أصْبَحت تُوْجبُ سَفْكَهُ … إنَّ المُمَتعَّ بالحَيَاةِ لمَنْ رَبْح
стр. 5644
فأجابَهُ أبو الطَّيِّب فقال (١): [من الكامل]
نَارُ النُّبُوَّة مِن زنَادِي تقْتَدحْ … يَغدُو عليَّ من المهَا ما لَم يَرُحْ
أمري إليَّ فإنْ سَمِحْتُ بمُهْجة … كَرُمَتْ عليَّ فإنَّ مثْلي مَنْ سَمِحْ
فقال لهُ النّامِيّ (٢): [من الطويل]
أطْلَلْتَ (a) يا أيُّها الشَّقِيّ دَمَكْ … لا رَحِمَ اللَّهُ رُوْحَ مَنْ رَحِمَك
أُقْسِم لو أقْسَم الأَمِيرُ على … قَتْلِكَ قَبْل العِشَاءِ ما ظَلَمَك
فأجَابَهُ المتُنَبِيّ فقال (٣): [من المنسرح]
إيْهم أتاكَ الِحَمامُ فاصْطَلمَك … غير سَفيْهٍ عليكَ من شَتَمَكْ
همُّكَ في أَمْردٍ تُقَلِّبُ في … عَيْن دَواةٍ لظَهْره قَلَمكْ
وهمَّتي في انْتِضَاءِ ذي شُطَبٍ … أَقُدُّ يَوْمًا بحَدِّه أَدَمَكْ
فاخْسَأ مَلُومًا واربَعْ على ظَلعٍ … والْطِخْ بما بين إليتَيْكَ فَمَكْ
قُلتُ: ولعَمْري إنَّ المُتَنَبّي سَفِيْه في شَتْمه وهِجَائه، ولَم يكُن مُجِيْدًا في الهِجَاء، وكان يَسْلُك الفُحْش المُسْتَقْبَح في هِجَائهِ كما في قَصِيْدَتهِ الّتي يَهْجُو (b) بها ضَبَّة.
أبو الحُسَين الحَلَبِيُّ الصَّائِغُ
شَاعِرُ رَوَى عنهُ الرَّشِيْدُ بن الزُّبير بَيْتًا مُفْرَدًا في كتاب جِنَان الجِنَان
стр. 5645
وريَاض الأذْهَان، بعدَ أنْ ذَكَر في شِعْر الشَّريف البَيَاضِيّ (a) أبْيَاتًا يَهْجُو بها أبْخَر، وذَكَرَ بعدَها بَيْتَيْن لأبي الصَّلْت في مثْل ذلك، ثُمَّ قال: ومثْلُه ما أنْشَدَنيه أبو الحُسَين الحَلَبِيّ الصَّائغِ لنَفْسِه من أبياتٍ يَهجُو بها ابن حَدِيْد الشَّاعر، وهو (١): [من الكامل]
بفَمٍ كِمثْل القَبْر بعد ثلاثةٍ … في نَتْنه وصَدِيْدِه وعِظَامِهِ
وابنُ حَدِيد هذا هو عَبْدُ المُحْسِن بن حَديْد المَعَرِّيّ، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ (٢).
أبو الحُسَين الوَامِقُ المَعَرِّيُّ (٣)
شَاعِرُ حَسَنُ الشِّعْر، خَليْعٌ، من أهْلِ المَعَرَّة.
أنْبَأنَا أبو عَبد اللَّه مُحَمَّد بن عُمر بن عبد الرَّحْمن بن أبي العَجَائِز، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم الدِّمَشقيّ (٤)، قال: أبو الحُسَين الوَامِق المَعَرِّيّ الشّاعر، قَدِمَ دِمَشق.
أنْشَدَنا أبو اليُسْر شَاكِر بن عَبْد اللَّه الكَاتِبُ، قال: أنْشَدَني جدِّي القَاضِي أبو المَجْد مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن سُلَيمان للوَامِق من قَصِيدَة: [من الخفيف]
يا فتُوني بِمَنْ رَضَاهُ فتُوني … زِدْ فُؤادِي مِن وَجْدِهِ المَكْنُونِ
стр. 5646
وفيها (١):
يا نَوَاعِيْرَ شَيْزَرٍ اسْتَقبلي بالـ … ــشَّجْوِ قَلْبي وشَيِّعي بالحنَيْنِ
ذَكِّريني بَنْهرِكِ العَذْب أنْهَا … رَ دِمَشْقٍ يا طِيْبَ ما تُذكِريْني
أبِبَابِ البَرِيدِ أذْكُرُ وَجْدِي … أم ببَابِ الجِنَانِ أم جَيْرونِ
ها إليها كالنَّجْمِ ينقَضّ أو كالـ …
стр. 5647
وَوَدَّعت مَن ودَّعَت واغْتَدَت (a) … تَنْصَاعُ مِن بِيْدٍ إلى بِيْدِ
تُزاحِمَ الثَّلْجَ بِمَنْ قَلبُهُ (b) … يُوقَدُ نَارًا (c) بهَوَى الغِيْدِ
أنْشَدَني أبو البَرَكَات الفَضْل بن سَالِم بن المُهَذَّب الكَاتِب المَعَرِّيّ بها للوَامِق المَعَرِّيّ: [من الكامل]
أنا بالخَرَاجِ مُطَالَبُ ووَحَقِّ مَنْ … أرجُوهُ للغُفْرَانِ ما لي دِرْهَمُ
والمُلْكُ وَقْفٌ لو قَدرْتُ أبيعُهُ … لفَعَلتُ إلَّا أنَّ ذاكَ مُحَرَّمُ
قَرأتُ بخَطِّ أبي العَلَاء بن [أبي] (d) النَّدَى، في جُزءٍ وَقَعَ إليَّ بخَطِّهِ، وذَكَرَ فيه جَمَاعَة من شُعَرَاء المَعَرَّة، فكان فيما نَقَلْتُهُ منه: الوَامِقُ شَاعِرُ خَلِيْعٌ مُتَهَتِّكٌ، سَهْل الألْفَاظ بالمرَّة، ولَم يَذْكُر شَيئًا من شِعْره.
مَنْ كُنْيَتُه (e) أبو حَصِينْ
أبو حَصِيْن القَاضِي الرَّقِّيُّ (١)
قَاضِي حَلَب، واسْمُه عليّ بن عَبْد المَلِك، وإليهِ يُنْسَبُ حَمَّام أبي حَصِيْن بحَلَب، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٢).
стр. 5648
أبو حَصِيْن المَعَرِّيُّ
واسْمُه عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد (١)، وإليهِ يُنْسَبُ بنو أبي حَصِيْن بمَعَرَّة النُّعْمَان، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٢).
أبو حَفْصٍ الشَّافِعيُّ الفَقِيهُ (٣)
كان بحَلَب، وله شِعْر، رَوَى عنهُ الحَافِظُ أبو المَوَاهِب الحَسَن بن صَصْرَى، وخَرَّجَ عنهُ في مُعْجَم شُيُوخِهِ.
أنْشَدَنا الشَّيْخُ الأَمِينُ أَمِيْن الدِّين سَالِم بن الحَسَن بن مَوْهُوب بن صَصْرَى الدِّمَشيّ بالصَّنَمَيْن، ونحنُ مُتَوَجِّهونَ إلى الحَجَّ سَنَة ثَلاثٍ وعشْرين وستمائة، قال: أنْشَدَنا أبي، قال: أنْشَدَنا الفَقِيهُ الأدِيْبُ أبو حَفْص الشَّافِعيّ لنَفْسِه بدِمَشْق، وكان قد كَتَبَ بها من حَلَب إلى شَيْخنا الإمَام أبي المَعَالِي فَقِيْهِ الحَرَمَيْن، ﵀، وأنْشَدَناها، فلمَّا قَدِمَ علينا اسْتَعَدناها منه: [من الوافر]
أصَابَ الدَّهْرُ منِّي ما أصَابَا … وأوْجَبَ لي بِلا جُرْمٍ عِقَابا
وأوْطَأَني على أمْرٍ شَدِيْدٍ … ومَنْ يَبْغي معَ الأفْعَى حِرَابَا
ولو خُصِّصْتُ منكُمْ باعْتِنَاءٍ … قلَعْتُ لصَرْفِهِ بالكُرْهِ نَابَا
لئن سُعِدَتْ بخِدْمَتِكم عُيُوني … ملَأتُ جَنَابَ حَضْرَتِكُمْ عِتَابا
فكم أنفَذْتُ نَحْوَكَ مِن كتابٍ … ولَم أقْرأَ لَهُ يَوْمًا جَوَابًا
стр. 5649
بَقِيْتُ اليَوْم في حَلَبٍ عَلِيْلًا … فلا مُكْثًا أُطِيقُ ولا ذَهَابا
وخَالَطَني على رُغْمي شكَاةٌ … بها أُفْني لياليَّ انْتِحَابا
أنَادِي في ظَلَام اللَّيْل صَحْبي … ودَمْعُ العَيْن يُسْعِدُني انْسِكَابا
فلا أحَدُ يُصِيْخ إلى نِدَائي … ولا نَوْمي يُوَافيْني انْتِيَابا
وأصْعَبُ ما أُلَاقيَ أنَّ قَلْبي … يُريدُ لقاءَكمُ والدَّهْرُ يابَى
يُعَوِّقُني عنِ الإتْيانِ سُقْمِي … وفُقْدَانِي المَمَاطِرَ والثِّيَابا
لعلَّ اللَّه يشْفيْنىِ سَرِيعًا … ويَفْتَحُ لي مِنَ الأبْوَاب بَابَا
أخْبَرَنا الأَمِينُ سَالِم بن أبي المَوَاهِب، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: تُوفِّي ﵀ -يعني أبا حَفْص الفَقِيِه- عندَنا بدِمَشْقَ، في شُهُور سَنَة خَمْسٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة.
أبو حُفَيْص القَاضِي (١)
قاضي حَلَب، وكان يَسْكُن بها بسُوق السَّرَّاجين، واسْمُه عُمَر بن الحَسَن، ويُكْنَى أبا الحَسَن، وأبو حُفَيْصٍ لَقَبٌ له يُعْرَفُ بهِ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ في باب العَيْن (٢).
أبو حلَمَان الحَلَبِيُّ الصُّوْفيُّ (٣)
اسْمُه عليّ، ويُكْنَى أبا الحَسَن، وأبو حلَمَان لَقَبٌ له، وقد ذَكَرْناهُ فيما تَقَدَّم (٤).
стр. 5650
ذِكْرُ مَن يُكْنَى بأبي حَمْزَة
أبو حَمْزَة الأسَلِيُّ (١)
حدَّثَ بطَرَسُوس عن وَكِيع، رَوَى عنهُ أبو بَكْر بن مُسْلِم العَابِد، وأبو عليّ الحُسَين بن شَبِيْب، وسَمِعَاهُ بطَرَسُوس، وقد سُقْنا عنه حَدِيثًا في تَرْجَمَةِ الحُسَين بن شَبِيْب، وتَرْجَمَة أبي بَكْر بن مُسْلم (٢).
أبو حَمْزَة الفَقِيه بن أبي حَصِيْن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن سَعيد بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن المُطَهَّر المَعَرِّيُّ (٣)
واسْمُه الحَسَن، وَلِيَ قَضَاءَ مَنْبج، وهو الّذي رَثَاهُ أبو العَلَاء المَعَرِّيّ بالقَصِيدَة الدَّاليَّة الّتي أوَّلها (٤): [من الخفيف]
غيرُ مُجد في مِلَّتي واعْتِقَادي … نَوْح باكٍ ولا تَرَنّم شَاد
وكان فَقِيهًا حَنَفِيًّا، عَارِفًا بالفِقْه، رَاوِيًا للحَدِيْثِ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٥).
أبو حَمْزَة بن أبي حَصِيْن (٦)
قَاضِي مَعَرَّة النُّعْمَان، عُزِلَ عنِ القَضَاء وصُوْدر في سَنَة ثَلاثٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة، وتَوَلَّى قَضَاءَها بعدَهُ أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن سُلَيمان.
стр. 5651
قَرأتُ ذلك بخَطِّ بعض المَعَرِّيِّيْن، وهذا غير الأوَّل، لأنَّ ذاك تُوفِّي قبل هذا التَّاريخ بمُدَّة طَوِيلَة.
أبو حُمَيْدٍ المِصِّيْصيُّ (١)
واسْمُه عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد، وقد سَبَقَ ذِكْرُهُ (٢).
حَدَّثَ عن الحَجَّاج بن مُحَمَّد، رَوَى عنهُ أبو عَوَانَة، وعبد اللَّه بن مُحَمَّد الغَزَّاء (a).
أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر عبدُ الرَّحيم بن أبي سَعْد السَّمْعَانيّ في كِتَابِه إليَّ من مَرْو، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَاتِ الفَرَاوِيّ، ح.
وأنْبَأنَا أبو بَكْر بن الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، وأبو البَرَكَات الفَرَاوِيّ إجَازَةً -قال أبو الأسْعَد (b): أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد البَحِيْرِيّ، وقال أبو البَرَكَاتِ: أخْبَرَنا أبو عَمْرو المَحْمِيّ- قالا: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم عَبْد المَلِك بن الحَسَن الإسْفَرَاينِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَوَانَة الإسْفَرَاينِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو حُمَيْد المِصِّيْصيّ، قال: حَدَّثَنَا حَجَّاج يَرْوِي شُعْبَة، عن قتَادَة، عن أنَس (٣)، قال: جَمَعَ رسُول اللَّهِ ﷺ الأنْصَارَ فقال: فيكم أحدٌ من غيركُم؟ قالوا: لا؛ إلَّا ابن أُخْتٍ لنا، فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ ابنَ أُخْتِ القَوْم
стр. 5652
منهم، أو من أنْفُسِهم، قال: إنَّ قُرَيشًا كانت حَدِيث عَهْدٍ بجَاهِليَّةٍ، فأرَدتُ أنْ أتألَّفَهُم، أمَا تَرْضَونَ أنْ يَرْجعَ النَّاسُ بالدُّنْيا وتَرْجعُونَ برسُولِ اللَّهِ (a) إلى بُيُوتِكُم، لو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وسَلَكَ الأنْصَارُ شِعْبًا لسَلَكْتُ شِعْبَ الأنْصَار.
أنْبَأنَا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد الأَوَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبارَك بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن (b) عليّ بن مُحَمَّد بن قَشِيْش، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن عُثْمان الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عَبْد البَاقِي بن قَانِع، قال: سَنَة تِسْعٍ وسِتِّين ومَائتَيْن أبو حُمَيْد المِصِّيْصيّ؛ يعني: ماتَ.
أبو حَيَّة (c) بن عَمْرو (١)
قيل: إنَّ له صُحْبَة، رَوَى عنهُ عَمَّارُ بن أبي عَمَّار، وشَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁.
وفي الصَّحَابَة: أبو حَبَّة البَدْرِيّ، وهو ابن عَبْد عَمْرِو بن غَزِيَّة، من بني مَازِن بن النَّجَّار، قيل: اسْمُه عَامِر، وقيل: اسْمُه مالك، روى عنهُ عَبْد اللَّه بن عَمْرو (d)، ويُحْتَمل أنْ يَشْتَبه به إلَّا أنَّ أبا عليّ سَعيد بن عُثْمان بن السَّكَن فرَّق بينهما.
стр. 5653
أنْبَأنَا عليّ بن المُفَضَّل المَقْدِسِيّ، عن أبي القَاسِم خَلَف بن عَبْد المَلِك بن بَشْكُوَال، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن عَتَّاب، وأبو عِمْران بن أبي تَلِيْد إجَازَةً، قالا: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن عَبْد البَرّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم خَلَف (a) بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ سَعيد بن عُثْمان بن السَّكَن، قال: ومنهم -يعني من الصَّحَابَة- أبو حَيَّة بن عَبْد عَمْرو، يُقال له صُحْبَة، شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليّ بن أبي طَالِب، ورَوَى عنهُ عَمَّار بن أبي عَمَّار، مَوْلَى بني هاشِم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن السَّرْخَسِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن حَرْب، قال: حَدَّثَنَا عَفَّان، قال: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن سَلَمَة، عن عليّ بن زَيْدٍ، عن عَمَّار بن أبي عَمَّار (١)، قال: سَمِعْتُ (b) أبا حَيَّةَ (c)، قال: لمَّا نَزَلَتْ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (d) إلى آخرها، قال جِبْريلُ: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ ربَّكَ يأمُرُكَ أنْ تُقْرئها أُبَيًّا، فقال رَسُولُ اللَّهَ ﷺ لأُبَيّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَني (e) أنْ أُقْرئَكَ هذه السُّورةَ، قال أُبَيٌّ: وذُكِرتُ ثَمَّ، يا رسُول اللَّه؟ قال: نَعَم، فبَكَى.
وأنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن الأخْضَر، عن الحافِظ أبي الفَضْل بن نَاصِر، قال: أنْبَأنَا الأَمِير أبو نَصْر عليّ بن هبَة اللَّه بن عليَّ بن جَعْفَر بن مَاكُولا (٢)، قال: وقال الوَاقِدِيّ: وأبو حَبَّة بن غَزِيَّة بن عَمْرو، من بني مَازِن بن النَّجَّار، ولَم يَشْهَد بَدْرًا، وكذلك أبو حَبَّة بن عَبْد عَمْرو، الّذي كان مع عليّ بن أبي طَالِب ﵁ بصِفِّيْن.
стр. 5654
حَرْفُ الخَاءَ في الكُنَى
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو خَالِد
أبو خَالِدٍ التَّنُوخِيُّ القِنَّسْرِيْنِيُّ
شَاعِرٌ من أهْل قِنَّسْرِيْن، كان في زَمَن المأْمُون.
نَقَلْتُ من كتاب طَبَقَات الشُّعَراءِ لدِعْبِل بن عليِّ الخُزَاعِيّ في شُعَرَاءِ الجَزِيْرَة والشَّام، قال: ولهم أبو خَالِدٍ التَّنُوخِيّ، من أهْل قِنَّسْرِيْنَ، يَقُول يُحَرِّض أهْلَ الشَّام على طَاهِر بن الحُسَين: [من البسيط]
إيهَنْ نِزَارُ وإيْهَنْ عنْكِ قَحْطَانُ … حتَّامَ شُغْلُكُمُ حَرْبٌ وشَنْآنُ
فِيْم التَّحَاربُ (a) يالَ الشَّامِ قد جَشَأت … عليكُمُ بتِلَواها (b) خُرَاسَانُ
لا المالُ مالٌ يالَ الشَّام إنْ قَطَعَتْ … خَيْلُ الفُرَاتِ ولا الأوْطَانُ أوْطَانُ
هَذِي أرَاكُمْ بشَرٍّ فئَةٌ رقُمٌ … فُوْهَا إلى هلْكِكُمْ غَرْثَانُ ظَمْآنُ
قد يَمَّمَتُكُمُ فأدْنَى عَفْوِها نِقَمٌ … ووُدُّها لَكُمُ غِلٌّ وأضْغَانُ
أبو خَالِدٍ الفَارسِيُّ (١)
مَوْلَى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، رَوَى عنهُ. رَوَى عنه حَيْوَة بن شُرَيْح (c).
أنْبَأنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن عليّ بن قُشَام، عن الحافِظ أبي العَلَاء الحَسَن بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر بن أبي عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا
стр. 5655
أحْمَد بنُ عليّ بن مَنْجُوَيْه، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد الحاكِمُ (١)، قال: أبو خَالِد فَارِسيٌّ أعْتَقَهُ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، وكان رَجُلًا صَالِحًا، عن عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، رَوَى (a) حَيْوَة بن شُرَيْح عنه؛ قالَهُ البُخاريّ (٢).
أبو الخَصِيْب بن المُسْتَنِيْر المِصِّيْصيُّ
واسْمُه مُحَمَّد، وقيل: أحْمَد، غَلَبَتْ كُنْيَتُه على اسْمه.
رَوَى عن بِشْر بن المُنْذِر، وأبي اليَمَانِ، وسَعِيْد بن المُغِيرَة.
رَوَى عنهُ ابنُهُ أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن المُسْتَنِيْر، ومُحَمَّد بن المُسَيَّب، وأبو عَوَانَة الإسْفَرَاينِيّ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٣).
ذِكْرُ مَن يُكْنَى أبا الخَطَّاب
أبو الخَطَّاب بن عَوْن الحَرِيرِيُّ (٤)
رَوَى عن أبي العبَّاسِ النَّامِيِّ شَيئًا من شِعْره. رَوَى عنهُ أبو القَاسِم الشَّاعِرُ المُطَرِّزُ. وكان شَاعِرًا.
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَنِ مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر في كتاب المُفَاوَضَة، وأخْبَرَنا بهِ أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد المُكْتِبُ إجَازَةً، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد
стр. 5656
البَاقِي، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب بن بِشْرَان إجَازَةً، قال: قَرأ علينا مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر، قال: قال أبو الخَطَّاب بن عَوْن الحَرِيرِيُّ -وحَدَّثَني عنه أبو القَاسِم الشَّاعرُ بذلك، وقد رَأيتُه ولَم أسْمَع هذه الحِكايَةَ منهُ (a)-: دَخَلْتُ إلى أبي العبَّاسِ النَّامِيِّ فوجَدْتُه جالِسًا ورَأسُه كالثَّغَامَةِ بياضًا، وفيه شَعرةٌ واحدةٌ سَوْدَاء. قُلْتُ (b) لهُ: يا سَيِّدِي، في رَأسكَ شَعرةٌ سَوْداء؟ قال: نعم هذه بَقِيَّةُ شَبَابي وأنا أفْرَحُ بها، ولي فيها شِعْرٌ، قُلتُ: أنْشَدَنيهِ، فأنْشَدَني (١): [من المنسرح]
رَأيْتُ في الرَّأسِ شَعْرةً بقيتْ … سَوْدَاءَ تَهْوى العُيُونُ رُؤيتَهَا
فقُلْتُ للبِيْضِ إذْ تُرَوِّعُها: … باللَّهِ إلَّا رَحمْتِ وَحْدَتَها
وقَلَّ لبْثُ السَّوْدَاءَ في وطَنٍ … تكُون فيهِ البَيْضَاءُ ضَرَّتَها
ثُمَّ قال: يا أبا الخَطَّابِ، بَيْضاءُ واحدة تُرَوِّعُ ألفَ سَوْداء، فكيف سَوْداء بين ألفِ بَيْضاءَ!؟.
وقرأت بخَطِّه في هذا الكتاب، وهو رِوَايتي بالإسْنَاد المَذْكُور، قال: وأنْشَدَني -يعني أبا يُوسُف بن البَرِيْدِيّ- لأبي الخَطَّاب الحَرِيرِيّ: [من مجزوء الرجز]
يا قُرَّةَ العَيْنِ الّذي … صَارَ عليها رَمَدَا
مَلْلتُ من عَدِّ ذُنُو … بٍ لَيْسَ تُحْصَى عَدَدَا
ما زِلْتَ تَسْتَفْسِدُ حُبِّي … لكَ حتَّى فَسَدَا
قال ابن نَصْرٍ: وله أقْطَاعٌ ملَاحٌ، وهو صَاحِبُ الأبْيَاتِ المَشْهُورة التي يُغَنَّى بها، وهي: [من البسيط]
يا غَائِبًا عن سَوَادِ عَيْني … سكَنْتَ من قَلْبيَ السَّوَادَا
стр. 5657
وشهرَتُها تُغْني عن ذِكْرها إلَّا أنَّ فيها ما هو طِرَازُها عندَ الشُّعَراءِ؛ أنْشَدَنيهِ الأُسْتَاذُ أبو الحَسَن مِهْيار (١)، وهو [من مجزوء البسيط]
تَمِيْمَةُ الوَصْلِ هَجْرُ يَوْمٍ … في الدَّهْرِ لكنْ أرَاهُ زَادَا
وكيفَ أرْجُو الوِصَالَ ممَّن … تابَ مِنَ الهَجْرِ ثُمَّ عَادَا
أبو [الخَطَّاب] (٢) النَّجَّار
من الثَّغْر الشَّامِيّ، صَحِبَ إبْراهيم بن أدْهَم، وحَكَى عنه، رَوَى عنهُ يوسُف بن سَعيد (a) بن مُسَلَّم.
أنْبَأنَا أبو مَنْصُور بن مُحَمَّد بن الحَسَن، عنِ عَمِّه أبي القَاسِم الحافِظ (٣)، قال: أنْبَأنَا الشَّريفُ النَّسيْبُ، قال: حَدَّثَني أبو مُحَمَّد عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد الكتانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عَبدُ الوَهَّاب المَيْدانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عليّ بن هَارُون البَرْدَعِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَلامَةُ بن مُحَمَّد بن سَلامَة (b)، قال: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بن سَعيد، قال: حَدَّثَنَا أبو الخَطَّابِ النَّجَّار، قال: كُنَّا في البُحَيْرَة نَرْعَى الخَيْل ومعنا إبْراهيِمُ بن أدْهَم، فغَشِيَهُم السِّبُعُ، فنَفَرت الخَيْلُ (c) وتقَطَّعَت، وأفْزعنا، فخَرَجَ إبْراهيمُ نَحْوه وجَعَل يَقُول: يا قَسْورَة، إنْ كُنْتَ أُمِرْتَ فينا بشيءٍ فامْضِ لِمَا أُمرتَ بهِ وإلَّا فارْجع، فقد فزعتَ دَوَابَّنا، فرجَع وهو يُبَصْبِصُ.
стр. 5658
أبو الخَطَّاب النَّحْوِيُّ الشَّاعِرُ (١)
دَخَلَ حَلَب، وسَمِعَ بها بعضَ أوْلَادِ الشَّريف أبي إبْراهيم العَلَويّ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر في كتاب المُفَاوَضَة، وأنْبَأنَا به أبو اليُمْن الكنْدِيّ، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، قال: أنْبَأنَا أبو غَالِب بن بِشْرَان، قال: أَخْبَرَنا أبو الحَسَن بن عليّ بن نَصْر، قال: ومن المَلِيْح النَّسِيْج ما أَنْشَدَنيْهِ أبو الخَطَّاب النَّحويّ الشَّاعر لأبي إبْراهيم العَلَويّ الحَلَبِيّ، ولَم يَلْقَهُ، وإنَّما رَوَاهُ له وأنْشَدَهُ إيَّاهُ بعضُ أوْلَادهِ بحَلَب: [من السريع]
أَوْمَتْ بكفٍّ خلْتُهُ بَارِقًا … لولا عَبِيرٌ عَرْفُهُ سَاطِعُ
وأبْرَزتْ وَجْهًا كشَمْسِ الضُّحَى … يُؤْخَذُ من أنْوَارهِ الطَّالِعُ
ذِكْرُ مَن يُكْنَى أبا الخَيْر
أبو الخَيْر الأقْطَع التِّيْنَاتِيُّ المَغْرِبيُّ (٢)
وكان يُقَال له: المُبَاحِيّ لأكْله من المُبَاحَات، وقيل: اسْمه حَمَّاد بن عَبْد اللَّه.
стр. 5659
وكان أسْوَد اللَّوْن، مَغْربيًّا، فسَكَنَ التِّيْنَات وهى على أمْيَالٍ من المِصِّيْصَة، وقد ذَكَرْناها في صَدْرِ كتَابِنا هذا (١)، فَنُسِبَ إليها، وإنَّما قيل له الأقْطَع لأنَّهُ كان في جِبَالِ أنْطَاكِيَة يَطْلُب المُبَاحَ، وكان عَاهَدَ اللَّه ألَّا (a) يُشَارك الطَّيْر في مَأكُولها، فرَأى شَجَرَةً فيها ثَمَرٌ فأكَلَ منها، ونَسِي مُعَاهَدته، فاتَّفَقَ أنَّ تُنَاش أَمِير الثَّغْر، اتَّفق بلُصُوصٍ فأمْسَكَهم، وأخَذَهُ في الجُمْلَةِ، فَقَطَعَ أيْدِيهم وأرْجُلهم، وقَطَع يدَهُ معهم، وأمْسَكَ عن رِجْلهِ، وَسَنَذْكُر صُوْرة حَاله في هذه التَّرْجَمَة إنْ شَاءَ اللَّهُ.
رَوَى عنهُ أبو القَاسِم بُكَيْر بن مُحَمَّد، وعَبْد العَزِيْز البَحْرَانِيّ، وأبو الحُسَين أحْمَدُ بن الحُسَين الرَّازِيّ، وأبو الحُسَين القَيْرَوانيّ، وأبو عليّ الأهْوَازِيّ، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن يَزِيد، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ، ومَنْصُور بن عَبْدِ اللَّهِ الأصْبَهَانِيّ، وأبو بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّد الجَبَليّ، وإبْراهيم بن دَاوُد الرَّقِّيّ، وابنه عِيسَى بن أبي الخَيْر، وحَمْزَة بن عَبْد اللَّهِ العَلَويّ، وأبو الحَسَن عليّ بن مَحْمُود الزَّوْزَنِيّ الصُّوْفيّ، وأبو الحَسَن عليّ بن الحَسَن العَابِد، وأبو عَمْرو عُثْمانُ بن سَعيد بن عُثْمان الأسَدِيّ، وأبو الحَسَن البَغْرَاسيّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن خَمِيْس الصُّوْفيّ، ومَنْصُور بن عَبْد اللَّه، وعبد اللَّه بن مُحَمَّد الشِّيْحِيّ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين بن رَوَاحَة الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن عليّ (b) الصُّوْرِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا عَمْرو عُثْمان بن سَعيد الأسَدِيّ يَقُول: قَصَدْت زيَارة
стр. 5660
أبي الخَيْر التِّيْنَاتِيّ، فلمَّا حَصَلْتُ عندَهُ رَمَى إليَّ حَبْلًا، فقال: خُذْ هذا فاصْعَدِ الجَبَلَ، فاقْطَع حُزْمةَ حَطَب فبِعْها بدَانقَيْن، فتَقَوَّتْ بدَانقٍ وتَصَدَّق بدَانق. فقُلتُ: قد ضاقَتْ خِزَانَة مَوْلاي حتَّى أحْمِل الحَطَبَ وأُطْعِم عِبَادَهُ!؟ فصَاح وقال: الحَلَالُ، ثُمَّ القُرآن، ثُمَّ اللَّه ، فبالحَلَالِ يُسْتَعانُ على القُرْآن، وبالقُرْآنِ يُعْرَف اللَّهُ .
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن مُحَمّد بن يُوسُف، فيما أَذِنَ لنا أنْ نَرْويه عنهُ، قال: أخْبرنا أبو الفَتْح مُحَمّدُ بن عَبْد البَاقِي، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ (a) بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظ (١)، قال: سَمِعْتُ غير واحدٍ ممن لَقِيَ أبا الخير الأقْطَع، أنَّ سَبَب قَطْع يَدِه أنَّه كان قد عَاهَدَ اللَّه أن لا يَتَناوَل بشَهْوَة نَفْسه شَيئًا مُشْتَهى، فرَأى يَوْمًا بجَبَل لُكَام شَجَرَة زُعْرُور، فاسْتَحْسَنَها، فقَطَعَ منها غُصْنًا، فتَنَاوَل منها شَيئًا من الزُّعْرُور، فذَكَر عَهْدَهُ وتَركَهُ، ثمّ كان يَقُولُ: قَطَعْتُ عُضْوًا (b) فقُطِعَ منِّي عُضْوٌ.
أخْبَرَنا الحافظُ أبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْدِ اللَّه الرُّهَاوِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أَبو الفَضْلِ عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدِ القَادِر بن مُحَمَّد بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ بن أحْمَد بن الفَضْل، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليُّ بن عَبْدِ اللَّه بن الحَسَن بن جَهْضَم الهَمَذَانيّ، قال: حَدَّثَنَا بُكَيْر بن مُحَمَّد، قال: كُنْتُ عند الشَّيْخ أبي الخَيْر بالتِّيْنَاتِ، فبَسَطني بمُحَادثَته لي بذِكْر بدايَتِهِ إلى أنْ تهجَّمتُ عليه، فسَألتُهُ عن سَبَب قَطْع يَدِه، وما كان منهُ، فقال: يَد جَنتْ فقُطِعَتْ، فظَنَنْتُ أنَّهُ كانت له صبْوَةٌ في حَدَاثَتِهِ من قَطْعِ طَرِيقٍ أو نَحْوه ممَّا أوْجَبَ ذلك، فأمْسَكْتُ.
стр. 5661
ثُمَّ اجْتَمَعت معه بعد ذلك بسِنين مع جَمَاعَةٍ من الشُّيُوخ فيهم أبو الحَسَن عليّ البَغْرَاسيّ (a)، وأبو سُليْمان التَّلّ سَابِيّ، وأبو جَعْفَر الجُبَّائِيّ، وإبْراهيم بن إمام رَاغِب، فتَذَاكَرُوا مَوَاهِبَ اللَّهِ لأوْليَائهِ، وأكْثَرُوا ذِكْر كَرَامَاتِ اللَّهِ لهم ولهم (b)، إلى أنْ ذَكَرُوا طَيَّ المَسَافَات، فتَبَرَّم الشَّيْخ بذلك، فقَال: كم يقُولونَ: فُلَان مَشَى إلى مَكَّة في ليلةٍ، وفُلَانٌ مَشَى في يَوْمٍ! أنا أعْرفُ عَبْدًا من عَبِيْد اللَّه حَبَشِيٌّ، كان جالِسًا في جَامِع أطْرَابُلُس ورَأسُهُ في جَيْب مُرَقَّعَتهِ فخَطَر له طِيْبَة الحَرَم، فقال في سِرِّه: يا ليتَني كُنْتُ بالحَرَم، فأخْرَج رَأسَهُ من مُرَقَّعَته فإذا هو في الحَرَم، ثمّ أمْسَكَ عن الكَلَام، فتَغامَزَ الجميعُ واتَّفَقُوا على أنَّهُ ذلك الرَّجُل.
ثُمَّ قال أحَدُهُم: تَسْألُ الجَمَاعَةُ الشَّيْخ، أيَّدَهُ اللَّهُ، أنْ يُخْبِرَهُم بسَبَب قَطْعِ يَدِه، فقال كما قال لي: يَدٌ جَنَتْ فقُطِعَتْ! فقيل: قد سَمِعْنا منكَ هذا مِرَارًا كَثِيْرةً؛ أخْبِرنا كيفَ كان سَبَبُه؟ فقال: نعم، أنتُم تعلمُونَ أَنِّي من أهْل الغَرْبِ، فوَقَعَتْ لي مُطَالبة السَّفَرِ، فسِرْتُ حتَّى بَلَغْتُ الإِسْكَنْدَرِبَّة، فأقَمْتُ اثْنَتى (c) عَشْرَة سَنَةً، ثُمَّ سِرْتُ منها فبَلَغْتُ ما بين شَطَا ودِمْياط، فأقَمْتُ اثْنتي (d) عَشْرة سَنَةً، فقَيل له: إسْكَنْدريَّة بَلَد عَامِر أمْكَنَك القيام بها اثْنتي عَشرة (e) سَنَةً، وبين دِمْيَاط وشَطَا مَفَازَة لا زَرْع ولا ضَرْع؛ فما كان قُوْتُكَ؟ فقال: نَعَم، كان في النَّاسِ خَيْر في ذلك الزَّمانِ، وكان يَخْرُجُ من مِصْرَ خَلْقٌ كَثيْرٌ يُرَابطُونَ بدِمْيَاط، وكُنْتُ بَنيْتُ كُوْخًا على شَطِّ خَلِيْج، فكُنْتُ أَجيءُ من لَيْلٍ إلى ليْل إلى تحت السُّور، فإذا أفْطَر المُرَابِطونَ (f) ونفَضُوا سُفَرَهُم خَارجَ السُّور زَاحَمْتُ الكِلَابَ على قُامَةِ السُّفَر، فآخُذ كفَايَتي، فإن ذلك قُوْتي صَيْفًا، قالوا: ففى
стр. 5662
الشِّتَاء؟ قال: نَعَم، كان يَنْبُتُ حَوْلَ الكُوْخِ من هذا البَرْدِيّ الجَافي فيُخْصِب في الشِّتَاء، فأقْلَعُه فما كان منه في التُّراب يَخرُج غضًّا (a) أبْيَضَ فآكُلُه، وأرْمي بالأخْضر الجَاسِي، فإن هذا قُوْتي إلى أنْ نُوْقِرْتُ (b) في سِرِّي: يا أبا الخَيْر، تَزْعُم أنَّك لا تُشَاركُ الخَلْقَ في أقْوَاتِهم، وتُشِير إلى التَّوَكُّلِ، وأنتَ في وَسَط المَعْلُوم جَالِسٌ!؟ فقُلتُ: إلهي وسَيِّدِي ومَوْلاي، وعِزَّتكَ لا مَددْتُ يَدِي إلى شيءٍ ممَّا تُنْبِته الأرْضُ حتَّى تكونَ أنتَ المُوْصِل إليَّ برِزْقي من حيثُ لا أكُون أنا أوَّلًا فيهِ، فأقَمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي الفَرْضَ وأتَنَفَّلُ، ثُمَّ عَجَزتُ عن النَّافلةِ، فأقْمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي الفَرْضَ والسُّنَّةَ، ثمَّ عَجِزتُ عن السُّنَّةِ فأقمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي الفَرْضَ لا غير، ثُمّ عَجِزتُ عن القيام، فأقَمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي جالِسًا، ثمّ عَجِزتُ عن الجُلُوس، فرَأيْتُ إنْ طَرحْتُ نَفْسِي ذَهَبَ فَرْضي، فلجأتُ إلى اللَّه بسرِّي، وقُلتُ: إلهي وسَيِّدِي، افْتَرضْتَ عليَّ فَرْضًا تَسْألني عنهُ، وقسَمْتَ لي رِزْقًا وضَمِنْتَهُ لي، فتَفَضَّل عليَّ برِزْقي ولا تُؤاخِذني بما اعْتَقَدت معك، فوعِزَّتك لأجْتَهدنَّ أنِّي لا حَلَلْتُ عَقْدًا عَقَدتُه معك، فإذا بين يَدَيَّ قُرْصَان (c) بينهما (d) شيء، ولم يَذْكر الشَّيء، ولا سَأله أحدٌ من الجَمَاعَة، قال: فكُنْتُ آخُذُه على الدّوم (e) من لَيْلٍ إلى لَيل.
ثمّ طُوْلبتُ بالمَسِيْر إلى الثَّغْر، فسِرْتُ حتَّى دَخَلتُ فوْمَةَ (f)، ووَافَق ذلك يَوْم جُمعة، فوَجَدْتُ في صَحْن الجامع قَاصًّا يَتَكلَّمُ على النَّاسِ، وحَوْله حَلْقَة، فوقَفْتُ بينهم أسْمعُ ما يقُول، فذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّاء ﵇ والمِنْشَار، وما كان من خطَاب اللَّه له حين هَرَب منهم، فنَادَتْهُ الشَّجَرة: إليَّ يا زَكَرِيَّاء،
стр. 5663
فانْفَرَجَت له فدَخَلها وانْطَبَقَتْ عليه، ولحَقَهُ العَدُوّ فتَعَلَّقُوا بعَبَاءتهِ، ونادَاهُم الشَّيْطانُ: إليَّ، فهذا زَكَرِيَّاء، فأنَّ أنَّةً، فأوْحَى اللَّهُ إليه: يا زَكَرِيَّاء، لئن صَعدَتْ (a) منكَ أنَّةٌ، ثانية لأمْحُوَنكَ من دِيْوَانِ النُّبُوَّة، فعَضَّ زَكَرِيَّاء ﵇ على الصَّبْر حتَّى قُطِعَ بشَطْرين. فقُلْتُ في نَفْسِي: لقد كان زَكَرِيَّاء صَبَّارًا (b)، إلهي وسَيِّدِي، لئن ابتَلَيْتَني لأصْبرَنَّ.
وسِرْتُ حتَّى دخَلْتُ أنْطَاكِيَة، فرآني بعضُ إخْوَاني، وعَلِم أنِّي أُريدُ الثَّغْرَ، فدَفَع إليَّ سَيْفًا وتُرْسا للسَّبِيل، فدَخَلْتُ الثَّغْر، وكُنتُ حينئذٍ أحْتَشِمُ من اللَّهِ أنْ آوي وَراءَ سُور خيْفَةً من العَدُوّ، فجعَلْتُ مقامي في غابةٍ، فأكُون فيها بالنَّهَار وأخرجُ باللَّيْل إلى شَطِّ البَحْر فأغْرزُ الحَرْبة على السَّاحِل، وأُسْنِدُ التُّرْس إليها مِحْرَابًا، وأتَقَلَّدُ سَيْفي وأُصَلِّي إلى الغَداةِ، فإذا صلَّيْتُ الصُّبْح غَدَوتُ إلى الغَابةِ، فكُنْتُ فيها نَهَاري أجْمعَ.
فبَدَوت (c) في بعضِ الأيَّام فعَبرتُ بشَجَرَة بُطْم قد بلغَ بَعْضُه، وبَعْضُه أخْضَر، وبعضُه أحْمَر، وقد وَقَع عليه النَّدَى وهو يُبْرق، فاسْتَحْسنْتُه وأُنْسِيْتُ عَهْدَ رَبِّي، وقَسَمِي به أنِّي لا أمُدُّ يدي إلى شيءٍ مما تنبتُ الأرضُ، فَمدَدْتُ يَدي إلى الشَّجَرة، فقَطَعْتُ منها عنْقُودًا، وجَعَلْتُ بَعْضَهُ في فَمي وأنا أَلُوْكُهُ، ثمّ ذَكَرتُ العَقْدَ، فرَمَيتُه من يَدي، وبَزَقْتُ ما كان في فَمي، ثمّ قُلتُ: حَلَّت المِحْنَة، ورَميْتُ التُّرْس والحَرْبَة، وجلَسْتُ مَوضِعي يَدي على رَأسِي، فما اسْتَقَرَّ بي جُلُوسي حتَّى دَار (d) بي فُرْسَانٌ، وقالُوا لي: قُمْ، وسَاقُوني حتَّى أخْرَجُوني إلى السَّاحِل، فإذا الأَمِير تُنَاش (e) وحَوْله جَمَاعَة على خُيُول، ورِجَّالة كَثِيْرة، وبينَ يَدَيْهِ جَمَاعَة سُوْدَان
стр. 5664
جَمَّاسيْن كانُوا يقطعُونَ الطَّريق قبل ذلك اليَوْم في ذلك المَوضِع، فأسْرَى إليهم الأمِير تُنَاش (a) فكَبَسَهمِ في السَّحَر، وأخَذَ مَن كان منهم حَاضِرًا في الأكْوَاخ، وافْتَرقتِ الخَيْل تطلُب منْ هَرَب منهم في الغَابةِ، فوجَدُوني أسْوَد معه سَيْف وتُرْسٌ وحَرْبة، فلمَّا قُدِّمْتُ إلى الأَمِير، وكان رَجُلًا تُرْكِيًّا (b)، قال لي: أيْشٍ أنتَ؟ قُلتُ: عَبْدٌ من عَبِيْدِ اللَّه، فقال للسُّوْدانِ: أتَعْرِفُونَهُ؟ قالوا: لا، قال: بلى هو رَئيْسُكم، وإنَّما تَفْدُونَهُ بنُفُوسكم، لأقْطَعنَّ أيْديكم وأرْجُلكُم، قَدِّمُوهُم، فلم يَزَل يُقَدِّمُ رَجُلًا رَجُلًا، ويَقْطَعُ رِجلَهُ ويَدَهُ، حتَّى انْتَهَى إليَّ آخرهم، ثمّ قال لي: تَقَدَّم، مُدَّ يَدَكَ، فمَدَدتها فقُطِعَت، ثُمَّ قال: مُدَّ رِجْلك فمَدَدْتُها، ثمّ رفعْتُ رَأسي إلى السَّماءِ وقُلتُ: إلَهِي وسَيِّدِي، يَدي جَنَتْ، رِجْلي أيشْ عَمِلَتْ؟ وإِذا بفَارِسٍ قد وَقَفَ على الحَلْقَة ورَمَى بنَفْسِهِ إلى الأرْض، وصَاح: أيْشٍ تَعْملُون؟ تُرِدُونَ أنْ تنطَبقَ الخَضْرَاءُ على الغَبْرَاء، هذا رَجُلٌ صَالِحٌ يُعْرَفُ بأبي الخير المُبَاحيّ، وكُنْتُ أُعْرَفُ بذلكَ، فرَمَى الأَمِيرُ نَفْسَهُ عن فَرَسِهِ، واخَذَ يَدي المَقْطُوعَة من الأرضِ يُقَبِّلُها، ويتعلَّقُ بي ويَبْكى ويقُول: سَألتُكَ باللَّهِ أنْ تَجْعلَني في حلٍّ، فقُلتُ: من أوَّلِ ما قطَعْتَ يدي.
ثُمَّ قال الشَّيْخ أبو الخَيْر وهو يَبْكي: فأيّ مُصِيْبَة أعْظَم من مُصِيْبتي هذه! قُطِعَتْ يدِي، وانْقَطَعَتْ عنِّي القُرْصَان (c).
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد اللَّه بن الحُسَين الحَمَوِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الأَصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن عَبْد الجبَار الطُّيُورِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ عليّ الصُّوْرِيّ، قال: أخْبرَني أبو بَكْر مُحَمَّد بن خَمِيْس الصُّوْفيّ عن أبي الخيرِ التِّيْنَاتِيّ أنَّهُ قصَدَهُ رَجُلٌ من مكانٍ
стр. 5665
بَعيدٍ، فلمَّا وَصَلَ إليه وحَضَرت صلاةُ الظُّهْر والعَصْر، فلمَّا كان صَلَاةُ المَغْرب صَلَّى وجَهَرَ بالقراءةِ لَم يُحَقِّق التِّلَاوة، فوجدَ ذلك الرَّجُل في نَفْسه، وقال: كابَدْتُ مَشَقَّة السَّفَر إلى رجُلٍ لا يُقِيْمِ فَاتِحَة الكِتَاب (a)! وباتَ تلك اللَّيْلة، فلمَّا أصْبَح خَرَج إلى عَيْن بالقُرْب ليَتَوضَّأ وجَدَ السَّبعُ رَابِضًا عندها فرجَع هَارِبًا، والْتَقَى به أبو الخَيْر فتبيِّن الخَوْف في وَجْهِهِ، فتَوَجَّه إلى العَيْن، وتَوَجَّه الرَّجُل يَمْشِي خلْفَهُ ليَرَى ما يَصْنَعُ، فجاء أبو الخَيْر إلى السَّبعُ، فأخَذَ بأُذُنَيهِ، وجَعَل يَعْركُهما ويقُول له: كَمْ أقُول لك إذا كان عندنا ضَيْفٌ لا تُؤْذِنا (b)، قُم فانْصَرف، فوَلَّى السَّبُعُ ذَاهِبًا، ورجَع أبو الخَيْر يُريد المَسْجِد، فلحقَهُ (c) الرَّجُل في الطَّريق، فقال له: كُن كذا، والْحَنْ في الحَمْدِ!.
قُلتُ: هذا الرَّجُل هو إبْراهيم بن دَاوُد الرَّقِّيّ.
أخْبَرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هبَةِ اللَّه بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن أبي الحَسَن بن حَمُّوْيَه الجُوَيْنِيّ، ح.
وأخْبَرَتْنا الحرَةُ زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن في كتابها إليَّ غيرِ مَرَّة من نَيْسَابُور، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو النَّجِيْب إسْمَاعِيْل بن عُثْمان الفَارسِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (١)، قال: وأبو الخَيْرِ التِّيْنَاتِيّ مَشْهُور بالكَرَامَاتِ، حَكَي عن إبْراهيم الرَّقِّيّ أنَّهُ قال: قَصَدْتُه مُسَلِّمًا، فصَلَّى صَلَاةَ المَغْرب فلم يَقَرأ الفاتحة مُسْتَقِيْمًا (d)، فقُلْتُ في نَفْسِي: ضَاعَتْ سَفْرَتي، فلمَّا سَلَّمْتُ خَرَجتُ للطَّهَارَة، فقَصَدَني السَّبُعُ، فعُدتُ إليه، فقُلتُ: إنَّ
стр. 5666
الأسَد قَصَدَني، فخَرَجَ وصَاح على الأسَد وقال: ألَم أقُل لك لا تَعْرض لضيْفَانِي، فتَنَحَّى، وتَطَهَّرْتُ، فلمَّا رَجَعْتُ قال: اشْتَغَلْتُم بتَقْويم الظَّوَاهر، فخفْتُم الأسَد، واشْتَغْلنا بتَقْويم القَلْب فخافَنا الأسَدُ.
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّطِيْف بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْحِ بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا حَمْد (a) بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحَافِظ (١)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين، قال: وسَمعْتُ جدِّي إسْمَاعِيْلَ بن نُجَيْد يَقُول: دَخَلَ على أبي الخَيْر جَمَاعَة من البَغْدَاديِّيْن (b) يَتكلَّمونَ بشَطْحِهم بحَضْرته، فضَاقَ صَدْره من كَلامهم، فخَرَجَ، فجاء السَّبُعُ فدَخَلَ البَيْتَ، فانْضَمَّ بَعْضُهم إلى بعضٍ سَاكتِيْن، وتَغَيَّرت ألْوَانهم، فدَخَل أبو الخَيْر فقال: يا سَادَاتي، أين تلك الدَّعَاوي؟!.
قال أبو نُعَيْم (٢): ومنهم -يعني من الأوْلِيَاء-: أبو الخَيْر الأقطَع التِّيْنَاتِيّ، له الآيات والكَرَامَات (c)، تُوفِّي بعد الأربَعِين والثَّلاثمائة، كانت السِّبَاع والهَوَامّ يأنسُونَ بمُجَالسَته ويأوُونَ (d) إليه، وكان يَنْسج الخُوْصَ بإحْدَى يَديهِ. سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين يَقُول: سَمِعْتُ أحْمَد بن الحُسَين الرَّازِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا الخَيْر يقُول: مَنْ أحَبّ أنْ يَطَّلع النَّاس على عَمَلهِ فهو مُرَائي، ومَنْ أحبَّ أنْ يَطَّلع اللَّهُ على حَالهِ فهو كَذَّابٌ.
قال (٣): وكان يَقُول: ما بَلَغ أحدٌ حالةً شَرِيفةً إلَّا بمُلَازَمة المُوَافَقة، ومُعَانَقةِ الأدَب، وأداء الفَرِيْضَة، وصُحْبَة (e) الصَّالِحين، وخِدْمَة الفُقَرَاءَ الصَّالِحين (f).
стр. 5667
وكان يَقُول (a): القُلُوب ظُروفٌ، فقَلْبٌ مَمْلوءٌ إيْمانًا، وعَلَامَتُه الشَّفَقَة على جَميع المُسْلمِيْن، والاهْتِمام بما يَهمّهم (b)، ومُعَاوَنتهم على مَصَالِحهم، وقَلْبٌ مَملوءٌ نِفَاقًا فعَلامَتُه الحقْدُ والغِلُّ والغِشُّ والحَسَدُ.
أخْبَرَنا عَمِّي أبو غَانِم بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن حَمَّوْيَه، ح.
وأنْبَأتْنا زَيْنَبُ الشَّعْرِيَّة، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح بن شَاه الشَّاذْيَاخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (١)، قال: ومنهم -يعني من مَشَايخِ الصُّوْفيَّةِ-: أبو الخير الأقْطَع، مَغْربيّ الأصْل، سَكَنَ تِيْنَات، وله كَرَامَات وفِرَاسَاتٌ (c) حادَّة، كان كَبِير الشَّأْن.
قال أبو الخَيْر ما بَلغ أحَدٌ إلى حالةٍ شَرِيفةٍ إلَّا بمُلَازَمة المُوَافقة، ومُعَانَقَة الأدَب، وأداءِ الفَرَائِض، وصُحْبَة الصَّالِحينَ.
стр. 5668
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوفِيقِي
أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ إمام الكَلَّاسَةِ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا الحَافِظ أبو مُحَمَّد القَاسِم ابن الحافِظ أبي القَاسِم، قال: أخْبَرَنا الفَقِيه أبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن مُحَمَّد بقِرَاءةِ وَالدِي عليه وأنا أسْمعُ، عن أبي الفَتْح نَصْر بن إبْراهيم المَقْدِسِيّ، عن أبي الحَسَن عليّ بن عُبَيْدِ اللَّه (a)، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بُكَيْر بن مُحَمَّد المنذِريّ، قال: سَمِعْتُ أبا الخَيْر التِّيْنَاتِيّ يَقُول: بُعثْتُ إلى الثَّغْر فبكيْتُ، فقيل لي: مَحْرُوسَة ما عِشْتَ، وفُلَان وفُلَان طَائِفَة من الأخْيَار، وما بقي منهم غيري، كُلّهُم ماتُوا، وعاشَ أبو الخَيْر التِّينَاتِيّ مائة وعشرين سَنَة، وماتَ سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة أو قريبًا منه.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن حَمُّوْيَه، ح.
وأنْبَأتْنا زَيْنَبُ النَّيْسَابُوريَّة، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح.
وأنْبَأناَ أبو النَّجِيْب القَارِئُ، قال: أخْبَرنا أبو الأسْعَد القُشَيْريُّ، قالا: أخْبرنا أبو القاسم القُشَيريّ (١)، قال: ماتَ -يعني أبا الخَيْر الأقْطَع- سَنَة نَيّف وأرْبَعين وثَلاثِمائة.
стр. 5669
أبو الخَيْر المَوْزَة الشَّاعِرُ
من أهْلِ حَرَّان، نَفَذَ منها إلى دِمَشْقَ وعَلَّم بها الصِّبْيَانَ، واجْتازَ بحَلَب في طَرِيْقهِ إليها وفي عَوْدِه منها إلى خَرْتَبِرْت.
وذَكَرهُ العِمَادُ في السَّيْلِ والذَّيْل (١)، ولَم يَذْكُره في الخَرِيْدَة، وقال في ذِكْره، ورَأيْتُ ذلك في مُسَوَّدتِه، وقال: كان رَجُلًا خَيِّرًا من أهْل حَرَّان، مُعَلِّمًا بدِمشْقَ، يُعِلّم أوْلَاد الأُمرَاء، وتُوفِّيَ بخَرْتَبِرْت. وسَبَب تَسْمِيَته المَوْزَة أنَّهُ سُئِلَ عن هذين البَيْتَيْن: [من الرمل المجزوء]
اسْمُ مَنْ أهواهُ رِطْلا … نِ وبَاقيهِ مَدِيْنَهْ
ذَاتُ بَرٍّ ذاتُ بَحْرٍ … من قُرَى الشَّام حَصِيْنَه
فقال: هما في الموزَة، فسُمِّي بها ونُبِزَ بالمَوْزَة.
ويقُول أبو الحَكَم المَغْرِبيّ فيه من أرْجُوزَته: [من الرجز]
والمَوْزَةُ الشَّاعِرُ في قِصَّته … أعْجُوبَةٌ وعِبْرةٌ لمَنْ وَعَى
وشِعْرُه في كُبَكٍ مُشْتَهِرٌ … ليسَ به بينَ الأنَامِ مِنْ خَفَا
قال: وكُبَكٌ غُلَام، قال فيهِ أبو الخَيْر المَوْزَةُ: [من الرمل]
لو تُقَاسِي ما أُقَاسِي يا كُبَكْ … من سَقَامٍ وغَرَامٍ قَتَلَكْ
لَسْتَ من حُسْنٍ تفَردْتَ به … آدَمِيًّا إنَّما أنتَ مَلَكْ
عَذِّبِ القَلْبَ بما تَخْتَارُهُ … ليسَ هذا القَلْبُ لي بَلْ هُوَ لكْ
стр. 5670
حَرْفُ الدَّال في الكُنَى
أبو دُجَانَة الأَنْصَاريُّ (١)
صَاحِبُ رسُول اللَّه ﷺ ، واسْمُه [سِمَاك بن أوْس بن خَرَشة] (a)، شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وقد ذَكَرْناهُ (٢).
أبو الدَّرْدَاءِ
صَاحِبُ رسُول اللَّه ﷺ ، واسْمُه عُوَيْمر بن زَيْدٍ، غَزَا الصَّائِفَة واشْتَهر بكُنْيَته، وقد ذَكرْناهُ في حَرْف العَيْن (٣).
стр. 5671
أبو الدُّنْيا الأَشَجُّ (١)
اسْمُه عُثْمان بنُ خَطَّاب بن عَبْدِ اللَّهِ بن عَوَّام البَلَوِيّ، وإنَّما (a) كُنِيَ أبا الدُّنْيا لطُول عُمره. وقيل: إنَّ كُنْيَته أبو عَمْرو، وهو مَغْربيٌّ، ذَكَرَ أنَّهُ لقي عليّ بن أبي طَالِب ﵁ بصِفِّيْن، وله نُسْخَة يَرْويها عنه، لا يُعْتَمد على رِوَايتِه، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ في الأسْماءِ في حَرْف العَيْن (٢).
قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، في تَعْلِيقٍ له: الأَشَجُّ المَغْرِبيُّ، هو أبو عَمْرو عُثْمان بن خَطَّاب بن عَبْد اللَّه بن عَوَّامِ البَلَدِيّ (b) المَرَنْدِيّ، ومَرَنْدَةُ بالمَغْرب على ما روى، ولَم أرَ أحدًا من المَغارِبَة يَعْرفها، ولعَلَّها قد دَثَرت، وفي رُواةِ أهْلِ المَغْرب زِيَادَة اللَّه المَرَنْدِيّ، وهو فيما أظُنُّ صِقِلِّيٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
стр. 5672
حَرْفُ الذَّال في الكُنَى
أبو ذَرّ الطَّرَسُوسِيُّ الفَقِيهُ الحَنَفِيُّ (١)
فَقيْهٌ مُعْتَبَرٌ من أهْلِ طَرَسُوس، له كتاب في الفِقْه على مَذْهَب أبي حَنِيْفَة ﵁ سمَّاهُ كتاب الخِصَال، وَقَفْتُ عليه، وهو كِتَابٌ حَسَنٌ. وكان بطَرَسُوس قبل انْتِقَالها إلى الرُّوم.
حَرْفُ الرَّاء في الكُنَى
أبو رَافِع (٢)
مَوْلَى رسُول اللَّهِ ﷺ ، واسْمُه أسْلَم، وقيل: إبْراهيم.
شَهِدَ مع النَّبِيّ ﷺ أُحُدًا، والخَنْدَق وما بعدهما، وشَهِدَ مع عليٍّ (a) ﵁ صِفِّيْنَ، والجَمَل، والنَّهْرَوَان.
стр. 5673
رَوَى عن النَّبِيّ ﷺ ، رَوَى عنهُ أبو سُلَيْم مَوْلاهُ، والمُطَّلِب، وكان يَكْتُم إسْلَامَهُ حين كان للعبَّاس بن عَبْد المُطَّلِب، ووَهَبَهُ العبَّاس للنَّبِيّ ﷺ ، وقَدِمَ المَدِينَة بكتاب قُرَيْش إلى النَّبِيّ ﷺ ، فأظْهَرَ إسْلامَهُ، وكان قِبْطِيًّا.
أخْبَرَنا أبو الفَضْل أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن سِيْدهُم الأنْصَاريّ الدِّمَشقيّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْدِ القَوِيّ المِصِّيْصيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ البَغْدَاديُّ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن بِشْرَان المُعَدَّل، قال: أخْبرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحمّد بن أحْمَد المِصْرِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن أبي مَرْيَم، قال: حَدَّثَنَا مُحمّد بن يُوسُف، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان، عن ابن أبي لَيْلَى، عن الحَكَم، عن مِقْسَم (a)، عن ابن عبَّاسٍ (٢)، قال: اسْتَعْمَل رسُولُ اللَّه ﷺ أرْقَم بن الأرْقَم الزُّهْرِيّ على الصَّدَقَةِ، فاسْتَتْبع أبا رَافِع، فأتَى أبو رَافِعٍ النَّبِيَّ ﷺ فاسْتَشَارَهُ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : يا أبا رَافِع، إنَّ الصَّدَقَة حَرَام على مُحَمَّدٍ وآل مُحمّد (b)، وإنَّ مَوْلَى القَوْم منهم، أو من أنْفُسِهم.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا مَسْعُود بن أبي مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد الحَدَّاد، قال: أخْبَرَنا
стр. 5674
أبو نُعَيْم الحافِظ (١)، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي عَاصِم، قال: حَدَّثَنَا صالح بن زِيَاد، ح.
قال أبو نُعَيْم: وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بنُ أحْمَد بن حَمَّاد، قال: حَدَّثَنَا المُغِيرَة بن عبد الرَّحْمن، قالا: حَدَّثَنَا عُثْمان بن عبد الرَّحْمن، ح.
قال: وحُدِّثْتُ عن أبي جَعْفَر (a) مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن عليّ الحُلْوَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ هَارُون، واللَّفْظُ له، قالا: حَدَّثَنَا الجرَّاح بن مِنْهَال، عن الزُّهْرِيّ، عن أبي سُلَيمِ مَوْلَى أبي رَافِع، عن أبي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيّ ﷺ ، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : كيف بكَ يا أبا رَافِع إذا افتقَرْتَ؟ قُلتُ: أوَلا (b) أتقَدَّم في ذلك؟ قال: بَلَى، قال: ما مالُكَ؟ قُلتُ: أربَعُونَ ألفًا وهي للَّه ، قال: لا، أَعْطِ بعضًا وأَمْسك بعضًا وأصْلِح إلى وَلدكَ، قال: قُلْتُ: أوَلَهُم علينا يا رسُول اللَّهِ حَقٌّ كما لنا عليهم؟ قال: نَعَم، حَقُّ الوَلَدِ على الوَالد أنْ يُعَلِّمهُ الكتابَ. وقال عُثْمان بنُ عبدِ الرَّحْمن: كتابَ اللَّه والرَّمي والسِّبَاحَة. زادَ يَزيد (c): وأنْ يُوْرِثهُ طيبًا. قال: ومَتَى يكُون فَقْري؟ قال: بَعْدي.
قال أبو سُلَيْم: فلقد رأيْتُه افْتَقَر بعدُ حتَّى كان يَقْعُد فيقُول: مَنْ يَتَصَدَّق على الشَّيخ الكَبِير الأعْمَى، مَنْ يَتَصَدَّق على رَجُلٍ أعْلَمه رسُول اللَّهِ (d) أنَّهُ سيَفْتقر بعدَهُ، منْ يَتَصَدَّق فإنَّ يَدَ اللَّهِ العُلْيا (e)، ويَد المُعْطِي الوُسْطَى، ويَد السَّائِل السُّفْلَى، ومَنْ سَأل عن ظَهْر غِنًى كان له شِيَةٌ يُعْرَفُ بها يَوْم القِيامَة، ولا تَحلّ الصَّدَقَة لغَنِيّ ولا لذي مرَّة سَويٍّ.
стр. 5675
قال: فلقد رَأيْتُ رَجُلًا أعْطَاهُ أرْبَعة دَرَاهِم، فردَّ عليه منه (a) دِرْهَمًا، فقال: لا تردّ عليَّ صَدَقَتي، فقال: إنَّ رسُول اللَّه ﷺ نَهَاني أنْ أكْنِزَ فُضُول المالِ. قال أبو سُلَيْم: فلقد رأيْتُه بعدُ اسْتَغْنى؛ حتَّى أتَى (b) عَاشِر عَشرة. وكان يَقُول: ليتَ أبا رَافِعٍ ماتَ في فَقْره، أو وهو (c) فَقِيْرٌ، قال: ولَم يكُن يُكاتبُ مَمْلُوكًا إلَّا بثمنه الّذي اشْتَراهُ بهِ.
أنْبَأنَا أبو أحْمَد عَبد الوَهَّاب بن عليّ بن عليّ بن عُبَيْد اللَّه، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَات عَبد الوَهَّاب بن المُبارَك الأنْمَاطِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن هَزَارْ مَرْد الصَّرِيفِيْنِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر المُخَلِّص، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه (d) أحْمَد بن سُليَمان بن دَاوُد الطُّوْسيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللَّهِ الزُّبَيْر بن بَكَّار، قال: وحَدَّثَني أبو غَزِيَّة، قال: حدَّثَنِي إبْراهيم بن سَعْد بن إبرَاهيْم بن عَبْد الرَّحْمن بن عَوْف، عن ابن إسحاق، قال: حَدَّثَني هِشَام بن عُرْوَة، عن أَبِيهِ، عن عائِشَة (١)، قالت: أتَت سَلْمى مَوْلَاة رَسُول اللَّهِ ﷺ امْرأة أبَي رَافِعٍ، مَوْلَى رسُول اللَّهِ ﷺ (e)، إلى رسُول اللَّه ﷺ تَسْتَعديه على أبي رَافِع، فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ما لكَ ولها يا أبا رَافِع؟ فقال: تُؤْذيي يا رسُول اللَّه، فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِمَ آذَيْتِه؟ فقالت: واللَّهِ يا رسُول اللَّهِ ما آذَيْته بشيءٍ، ولكنَّه أحْدَث وهو يُصَلِّي، فقُلتُ: يا أبا رَافِع، إنَّ رسُول اللَّه ﷺ قد أمرَ المُسْلمِيْن إذا خَرَجت من أحدِهم رِيْحٌ أنْ يتوضَّأ، فقام يَضْربُني، فجَعَل رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ