احْذَرْ أنْ تَخْرج وَحْدَك فإنَّ الكِلَاب الكَلِبةَ كَثِيرٌ، فاتَّفَق أنِّى خَرَجْتُ مع أصْحَابي وغِلْمَاني، فَقُيِّضَ لي كَلْبٌ فَرَعشَنِي، فدَخَلت غيرَ طيِّب النَّفْس، وذلك بعد العَصْر والزَّمان الصَّفَريُّ في التَّشَارِين، فمضَى مَنْ خَبَّرَ جَدِّي الحَسَن الصُّوفِيّ العِجْلِيّ، فركبَ فَرَسَهُ، وأخَذ دَلْوًا للسُّمُوط وأخَذَني، ومضَى يَخُبُّ ويُنَاقِل، وأنا معَهُ، إلى أنْ أتَى بي جُبّ الكَلَب شَماليّ حَلَب، فَسقَاني منهُ، وغَسَل يَدي ورِجْلي ووَجْهي، وقال: اقْلَعْ ثيابكَ، فقُلتُ: الله الله! إن خلَعْتُ ثيابي في هذا البَرْد مُتّ، فقال: وليتَ مُتّ واسْتَرحت [منك] (a) يا صَانِع، فاسْتَقَى أربعين دَلْوًا وصَبَّها عَلىَّ، وقال: تَطَلَّعْ في الجُبِّ، وكانت آية الجُبّ إنْ نَفَعَ المَرْعُوش أَبْصَر النُّجُوم في الجُبِّ، وإنْ لَم يَنْفَعهُ سَمِعَ نَبِيْح الكِلَاب، فقال: ما تَرَى؟ فقُلتُ: أرَى النُّجُوم في الماءِ، فقال: الحَمْدُ لله، ورَكِب، وأخَذَني فباتَ في سَرْمِيْن، ولكن بَعْدَ تَهَوُّرِ اللَّيْل.
قال: يقُول جَدُّكَ: فوالله بعد تَمام الأسْبُوع بُلْتُ ثلاثَة (b) كِلَاب مُصَوَّرة بأذْنَابها ورُؤوسها.
قال: ولم يَزَل هذا الجُبُّ يَتَدَاوَى به النَّاسُ إلى أنْ مَلَكَ حَلَب رِضْوَان المَلِك ابن تاج الدَّوْلَة، فعَوَّل على تَوْسِيع فَمهِ، وكان ضَيِّقًا، عليه أرْبَعة أَعْمَدة، تَمنَعُ أنْ يُنْزلَ فيه، فقال: نَعملَهُ يكون الإنْسانُ يَنْزل إليه، ولا يَقْلِبُ عليه، فقيل له: إنَّ هذه الطِّلَّسْمات لا يجبُ أن تتغَيَّر عن كيفيَّاتها، فلم يَقْبَل، ففتحه، فزَال عنه ما كان يزيل الأذَى.
وكان يقال إنَّ ذلك كان في سَنَة ستٍّ وتِسْعِين وأرْبعمائة، وهو كان من العَجَائب الثَّلاث: جُبُّ الكَلَب، ونَهْر الذَّهَب، وقَلْعَة حَلَب؛ فأمّا النَّهْر فهو ماء يَجْري إلى أنْ ينتَهي إلى مَواضِع في الجَبُّول وغيرها من القُرَى، فيسكُبونها ويُجْرُون
стр. 597
إليها السَّواقي، فإذا دَخَل تلك المساكب جَمَد بإذْن الله، وصار مِلْحًا أبيض في بياض الثَّلْج، فيُباع منه بالأمْوالِ الخَطيرة، ولذلك سُمِّي نَهْر الذَّهَب.
قُلتُ: وهذا عليّ بن مُنْقِذ صَاحب هذه الوَاقِعَة هو الأَمِير سَدِيْدُ المُلْك [أبو الحَسَن عليّ] (a) بن أبي المُتَوَّج مُقَلَّد بن مُنْقِذ الكِنَانِّي، الّذي فَتَح شَيْزَر واشْتَراها من الأُسْقُف بمالٍ بذلَهُ له على ما ذَكَرناهُ في الباب المُتَقدِّم في ذِكْر شَيْزَر (١)، وكان من الرِّجال العُقلاءِ، والأُمَراءِ العُلَمَاء، والأُدَبَاء الشُّعَرَاء، وجَدُّهُ المذكُور لأُمِّه هو الحَسَنُ بن عِجْل المَعْرُوف بالصُّوفيِّ، وبنو الصُّوفِيّ الّذين تَولُّوا رئاسة دِمَشْق كانُوا من نَسْلِه، وكان الصُّوفِيِّ يَسْكن سَرْمِيْن، وسيأتي ذكْرهُما (٢) في هذا الكتاب إن شَاءَ اللهُ تعالَى.
قَرَأْتُ في كتاب الرَّبِيع، تأليفُ غَرْس النِّعْمَة أبي الحَسَن مُحمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن بن إبْرَاهِيم بن هِلِّل الصَّابئ، وأخْبَرنا به عَبْد اللَّطِيف بن يُوسُف إجَازَةً، عن أبي الفَتْح مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ، عن أبي عَبْد الله الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَنا غَرْسُ النِّعْمَة أبو الحَسَن، قال: وحَدَّثَني أبو عَبْد الله بن الإسْكَافِيِّ كاتب البَسَاسِيرِيّ في سَنَة إحْدَى وخمسين وأرْبَعِمائة، قال: احْتَرق بحَلَب عاما أوَّل، بُرْجٌ من أبْراج سُورها، وحَكَي ذلك للمُسْتَنْصِرِ باللهِ صَاحب مِصْر خَادِمٌ كان له بحَلَب، فقال له: إنْ كُنتَ صَادِقًا ففي هذه السَّنَة يُخْطَبُ لنا بالعِرَاق، وذَاكَ عندنا في كُتُبنا دَلِيل على ما قُلْناهُ.
قال أبو عَبْد الله: واتَّفَق أنْ جئنا وأَقَمْنا الخُطْبَة في ذي القَعْدَة من سَنَة خَمْسين.
стр. 598
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوْفِيقِى
وفي قَرْيَة من قُرَى جَبَل السُّمَّاق من أعْمَال حَلَب يُقالُ لها: كَفْر نَجِدْ (١)، وهي قَرْيَةٌ كبيرةٌ، كَثِيرة الأشْجَار، بئرٌ من غَرْبي القَرْيَة ربَّما سَاح ماؤُها في بعض السِّنِين على وجهِ الأرْض، من خَاصِّيَّة ماءِ البِئْر أنّه يُخْرجُ العَلَقَ إذا نَشِبَ في حَلْق الإنْسان أو الدَّابَّةِ إذا شُرب ذلكَ الماء (٢).
وهذا أمرٌ مُستَفِيضٌ لا شَكَّ فيه، فإنّني جرَّبْتُهُ أنا بنَفْسِي، فإنّي سَافرْتُ في بعض السِّنِين مع والدي، ﵀، إلى حَمَاةَ، فشربْتُ ماءً بتُمْنَعَ (٣)، وهي قَريَةٌ في طَريق حَمَاة من عَمَل كَفَرْ طَاب، ولها رَكِيَّةٌ (٤) مَعْرُوفة بالعَلَق، فَنَشبَ في حَلْقي عَلَقَةٌ في مَوضعٍ لا يُوصَل إليه في أقْصَى الحَلْق، وعُدتُ إلى حَلَب، وهي على حالها، وعُولِجْتُ بأنْواع الأدْوِيَةِ الّتي تُسْتَعمل لاسْتخراج العَلَقِ، فلَمْ تَنْجِعْ شيئًا، وجعلَتْ تَكبر في حَلْقي، ويَزْدادُ خُرُوج الدَّم بسَبَبِهَا، حتَّى أنّي كُنْتُ أُلقي منهُ في كُلِّ يوم شيئًا كَثِيرًا، فاشْتَغل خاطِرُ والدِي، ﵀، لذلكَ.
стр. 599
فاتَّفَق أنْ حَضَر مُقَدِّم قَرْيَة كَفْر نَجِد عند عَمِّي أبي المَعَالِي، وذَكَرَ له خَاصِّيَّة هذه البئر، فجاء عمِّي وذَكَر لوالدِي ذلك، فقام في الحالِ ورَكِب، وسَارَ بي إلى كَفْر نَجِد، فوصَلْناها آخر النَّهَارِ قبل المَغْرب، وخرج بي إلى البئر، وشَرِبْتُ من مائها مرارًا، وعُدْتُ إلى القَرْيَة، وألْقَيْتُ من الدَّمِ شيئًا كَثِيرًا، وغَلَبني النَّوم لِمَا نالَني من التَّعب، فأغْمضت، فخرجَتْ العَلَقَةُ من حَلْقي إلى فَمي فوجَدَتْهُ مُطبَقًا، فطلبت مَنْفَسَ الهَوَاءِ وأنْ تخرج من خيشُومي، فانتَبَهْتُ، وفَتَحْتُ فمي، فَنَزَلَتْ إليه، فأخرجتُها من فمي وهي بِمِقْدَار الإصْبَع الطَّويلة بعدَ أنْ ألقَتْ ما كان في جَوْفها من الدَّمِ.
وفي أعْمَال حَلَب عِدَّة حَمَّاتٍ تَنْفَعُ من البَلَاغِم والرِّيَاح وكَثِير من الأدْواءِ، فمنها حَمَّةٌ في السُّخْنَة (١) من عَمَل المَنَاظر (٢) من ناحيةِ قِنَّسْرِين، ماؤها في غاية الحَرارة، وأهلُها يَغْتَسلُونَ فيها ويَتَعَوَّضُونَ بها عن الحَمَّام، وذَكَرَ لي جَمَاعَة من أهْلها أنَّهم يَنْتفعُونَ بها من الرِّيح والبَلْغَم والحَبّ، ونَزَلْتُ إليها واغْتَسلْتُ فيها.
وذُكِرَ لي أنَّ بناحيَةِ العَمْق حَمَّة أُخْرى يَتَداوَى بها النَّاسُ أيضًا.
وذَكَرَ أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب، في كتاب البُلْدان، وَعَدَّ کور قِنَّسْرِين والعَوَاصِم، وقال (٣): وكُورَة الجُومَة، وبها العُيُونُ الكِبْرِيتِيَّة الّتي تَجْرِي
стр. 600
إلى الحَمَّة، والحَمَّةُ بقَرْيَة يُقالُ لها جَنْدَارِس، ولها بُنْيانٌ عَجيبٌ مَعْقُودة بالحِجَارَة، يأتيْهَا النَّاسُ من كُلِّ الآفاق، فيَسْبَحُونَ فيها للعِلَلِ الّتي تُصِيْبهُم، ولا يُدْرَي من أين يَجيءُ ماؤُها ذلك الكِبْرِيِتيُّ، ولا أينَ يَذْهَبُ.
وقَرَأتُ في كتاب أخبار البُلْدَان، تأليفُ أحْمَد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهَمَذَانِيّ، المَعْرُوفُ بابنِ الفَقِيهِ، قال (١): وعلى سَبْعَة أمْيالٍ من مَنْبِج حَمَّةٌ، عليها قُبَّةٌ تُسَمَّي: المُدِيْر، وعلى شَفِيرها صورةُ رَجُلٍ من حَجَرٍ أسْوَد، تَزْعَمُ النِّسَاءُ أنَّ كُلّ مَنْ لا تَحْبَلُ منهُنَّ إذا حَكَّتْ فَرجَها بأَنْف تلكَ الصُّورَة حَبِلَتْ. وبها حَمَّامٌ يُقالُ لهُ حَمَّامُ الصَّرانِيّ (a) في وسَطهِ صُورةُ رَجُلٍ من حَجَرٍ يخرجُ ماءُ الحَمَّام من إحْليلِهِ.
أخْبَرني بَهَاءُ الدِّين أبو مُحمَّد الحَسَنُ بن إبْراهِيم بن الخَشَّاب، ﵀، قال: أخْبَرَني ابنُ الإكْلِيليِّ المُنَجِّم الحَلَبيِّ، قال: لمَّا حُفِرَ بالمَسْجِد الجامِع بحَلَب مَوضِع المَصْنَع للماءِ، وُجِدَ فيه صُورَةُ أسَدٍ من الحَجَر الَأسْوَد، وهو مَوْضُوع على بلاطٍ أسْودَ، ووَجْهه إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قال: فاسْتَخْرجُوه من مكانه، فجرى بعدَ ذلك ما جَرَى من خَراب جامِع حَلَب؛ إمَّا بالزَّلْزَلَةِ وإمَّا بالحَرِيق.
قُلتُ: ووَقَعَ مثل ذلك في زَمَاننا، في أيَّام دَوْلة المَلِك العَزِيز مُحمَّد بن المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أيُّوب، وأتَابِكُهُ ومُدَبِّرُ دَوْلته طُغْرِل الخَادِم الظَّاهِريّ، فجدَّدَ طُغْرِل دارًا في القَلْعَة ليَسْكنها، فلمَّا حُفِرَ أسَاسُها، ظَهَرَ في ما حَفَرُوه صُورة أسَدٍ من حَجرٍ أَسْوَد، فأزالُوهُ عن مَوضِعه، فسَقَط بعد ذلك الجانب القِبْليّ من أسْوار قَلْعَة حَلَب، وانْهَدَمَ من سَفْح القَلْعَة قِطْعة كبيرة.
стр. 601
أخْبَرنا أحمد بن الأزْهَر بن السَّبَّاك البَغْدادِيّ، في كتابهِ إليَّ، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصاريّ، قال: أنْبَأنا المُحَسِّنُ بن علىّ التَّنُوخيُّ (١)، قال: حَدَّثَني الحَسنُ ابنُ ابنةِ غُلَام أبي الفَرَج البَبَّغَاء، وكَتَب خَطّه، وشَهد له أبو الفَرَج بصِحَّة الحِكَاية، قال: في أعْمَال حَلَب ضَيْعَةٌ تُعرَفُ بعَيْن جَارَا (٢)، وبينها وبين الحَوْتَة (٣) حَجَرٌ قائم كالتَّخْم بين أرْض الضَّيْعَتَيْن، فربَّما وقَع بين أهْلِ الضَّيعَتَيْن شرٌّ، فيكيدُهُم أهْلُ الحَوْتَةِ بأنْ يطرَحُوا ذلك الحَجَر القائم، فكُلَّما (a) يقَع الحَجَرُ، يَخْرج أهْلُ الضَّيْعتَين من النِّسَاءِ ظَاهرات مُتَبرِّجات لا يَعْقلن بأنْفُسهنَّ طلبًا للجِمَاع، ولا يَسْتَقْبحن (b) في الحالِ ما هُم عليه من غَلَبةِ الشَّهْوَة، إلى أنْ يَتَبادر الرِّجالُ إلى الحَجَر فيُعِيدُونَهُ إلى حَالهِ الأُولَى، فيَتَراجعن النِّساءُ إلى بُيُوتهنَّ، وقد عَادَ إليهنَّ التَّمْييزُ باسْتقباح ما كُنَّ عليه.
وهذه الضَّيْعَة كان سَيْفُ الدَّوْلَة أقْطَعها أبا علىّ أحمد بن نَصْر البَازْيَار، وكان أبو عَلىّ يَتَحَدَّثُ بذلك ويَسْمَعَهُ منهُ النَّاسُ، وذَكَر هذه الحكاية بخَطّهِ في الأصْل.
стр. 602
قُلتُ: هكذا قال: الحَوْتَة بالحاءِ، وهي الآن تُسَمَّى الهَوْتَةِ بالهاء، وهي إلى جانب عِنْجَارا. والهَوْتَة أُقْطِعْتُها، وبَطل ما ذكَرَهُ التَّنُوخيُّ، وقيل لي بأنَّ الحَجَر باق.
قَرَأتُ في تاريخ أعارنيهِ بعضُ الهاشِميِّينَ بحَلَبَ، جَمَعَهُ أبو غَالِب هَمَّامُ بنُ الفَضْل بن جَعْفَر بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (١)، ذَكَر فيه حوادثَ سنَة سبعٍ وستِّين وأرْبَعِمائة، أنَّهُ ظَهَرَ بأَنْطاكِيَةَ طِلَّسْمٌ في جُرْن على صُوَر الأتْرَاك، فما حالَ الحَوْلُ حتَّى فَتَحها الأتْراكُ.
ثم قَرَأتُ بخَطِّ مُحمَّد بن عليّ العُظَيْميّ الأُسْتَاذ في تاريخه (٢)، وأنْبَأنَا به عَنْهُ المُؤيَّد بن مُحمَّد الطُّوسِيّ، في حَوادِث سَنَة سبعِ وستِّين، قال: وفيها فَتَحَ سُلَيمان بن قُطَلْمِش نِيقِيَّة وأعْمالها، وفيها كانت الزَّلْزَلَةُ بأَنْطاكِيَة، فأخْرَبَت منها كَنَائِس ومنازِل وبعضَ سُورها، وفيها ظَهَرَ بأَنْطاكِيَة طِلَّسْم الأتْرَاك في دَيْرٍ على بابها، وكان الدَّيْرُ عابَ، فلم يَجِدُوا له خَشَبًا لسَعَةِ أكْوَاره، فجدَّدُوا في وسَطِه أسَاسَاتٍ للقَنَاطِر، فخرَج عليهم جُرْنٌ فيه خَيَّالة أتْرَاك من نُحاسٍ، فظَهَر الأتْرَاكُ على أَنْطاكِيَة.
وذكَرَ العُظَيْميُّ في تاريخه المُخْتصَر (٣)، ما أخْبَرَنا به شَيْخُنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ إجَازَةً عنهُ، قال في حَوادث سَنَة سَبْعٍ وستِّين وأرْبَعِمائة: وزُلْزِلَتْ أَنْطاكِيَةُ، وفَتَحَ سُلَيمان بن قُطَلْمِش نِيقِيَّة وأعْمَالها، وظَهَر بأَنْطاكِيَة طِلَّسْم الأتْرَاك في دَيْر المَلِك على باب أَنْطاكِيَة، سَبْعَة أتْرَاك من نُحاسٍ على خَيْل نُحاسٍ بجِعَابِهم، فما حالَ الحَوْلُ حتَّى فَتَحَها الأتْرَاكُ.
стр. 603
قُلتُ: فقد تَواطأ ابن المُهَذَّب والعُظَيْميِّ على أنَّ هذا كان في سنَة سَبْعٍ وستِّين! وليس الأمْر كذلك؛ بل كان فَتْح سُلَيمان بن قُطَلْمِش أَنْطاكِيَة في سَنَةِ سَبْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، والظَّاهر أنَّ ابن المُهَذَّب نَقَلَ ذلك وطَغَى القَلَمُ في سَنَة سَبْع وسَبْعِين وستِّين، فكتبه على الغلَط، ونَقَل العُظَيْميُّ ذلك من تاريخه على الغَلَط، والصَّحيح ما ذكَرَهُ حَمْدَان بن عَبْد الرَّحِيم الأثارِبيّ في أخْبار الفِرِنْج (١)، وقرأتُهُ بخَطِّ الرَّئِيس يَحْيَى بن المِرَاوِيّ الحَلَبِيّ، وذَكَرَ أنَّه نَقَلَهُ من خَطِّ حَمْدَان بن عَبْد الرَّحِيم، قال: وكان من عجائب الزَّمان أنَّ أنْطاكِيَة خرَّبَتْها زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ قَبْلَ فَتْحها بمُدَّة أربع سِنين، وسقَط من سُورها عدَّةُ أبْرِجَةٍ.
حَكَى القَاضِي حَسَنُ بن المَوْج الفُوعيّ، قال: كُنْتُ قد هَرَبْتُ من المِجَنّ (٢) ووصَلتُ إلى أَنْطاكِيَة، وخدَمْتُ بها الأجَلّ مَسْعُود وَزير يَغِي سْغان، فتَرَكني على العِمَارَة، قال: فعُدْنا إلى ما قد أخْربَتْهُ الزَّلْزَلَةُ من السُّور فعَمرناهُ، فعَاد أحَدُ الأبْرِجَةِ هَبْطًا وعَاب، فأُشير علينا بنقَضِه، وأنْ يُقرَّر أسَاسهُ، فهَدَمْناهُ، ونَزلناهُ على آخر دِمْس في أسَاسهِ، فوَجَدْنا جُرْنًا قد انكَسَر عليه طابقٌ عظيم، فكَشَفْناهُ فَوجَدْنا فيه سَبْعَةَ أشْخاصٍ من نُحاسٍ على خَيْلٍ من نُحاسٍ، على كُلِّ واحدٍ ثَوْبٌ
стр. 604
من الزَّرَد، مُعْتَقِلًا تُرْسًا ورُمْحًا، قال: فعرَّفْتُ الأجَلّ مَسْعُود بذلكَ، فنَفَّذ ثِقَتَهُ، فأخْرج الأشْخاصَ، وكَشَفَ ما تحت الجُرْن، فلم يَجِد شيئًا سِوَاها، فحَمَل الأشخاصَ إلى الوَزِير فأخَذَها، وأحْضَرَها إلى مَجْلِس الأَمِير يَغِي سْغان؛ فقال بعضُ الحاضِرِين: لو أحْضَر الأميرُ من مَشَايخ المَدِينَة مَنْ يَكْشف لهُ حقيقةَ هذا الأمْر، فتقَدَّم بإحْضَار جَمَاعَةٍ، وأُبرزَتْ إليهم الأشْخاص وقيل لهم: تَعْرفُونَ ما هذه الأشخاصُ؟ قالوا: ما نَعْرفُ! بل إنَّنا نَحْكي للأمِير ما يُقاربُ هذا الأمْر: لنا دَيْرٌ يُعْرفُ بدَيْرِ المَلِكِ، واسِع الهَوَاءِ، عابَ علينا في سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فتكسَّر أكثَرُ خَشَبِه، فَنَقَضْنَاهُ، وتَطَلَّبْنا له خَشَبًا بمِقْدَاره فلَم نَجِد بأَنْطاكِيَة وبلدِهَا شيئًا، فأشَار علينا بعضُ الصُّنَّاعِ بتَقْديم الحَائِط، فَحَفَرْنا أساسَ الحائط الجديد، فلمَّا انتَهينا إلى أسْفَلهِ، وجَدْنا أشْخاصَ أتْرَاكٍ من نُحاسٍ في أوْسَاطِهِم القِسِيِّ والنُّشَّاب، فلم نَحْفل بذلكَ، وعَمرنا الحائط، فما مَضَى لنا غير مُدَّة قَصيرة حتَّى سَرَقَ المَدِينَة سُلَيمانُ بن قُتْلَمِش (a) في أوَّل شَعْبان سَنَة سبْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، في أربعمائة غُلامٍ أو دُون، ومَلَكَنا كما سَمِعَ الأميرُ، وهذه الأشْخاصُ ربَّما كانت من أُمَّةٍ هذه أشْكالُهُم من العَرَب أو غيرهم من المُسْلِمِين، وَوَرَّوْا عن خَبر الفِرِنْج، وكان قد وصَلَهُم عنهم أخْبارٌ شاذَّةٌ، وما يَجْسرُ أحدٌ يَفُوهُ بها، فشَتَمَهُم يغَي سْغَان أقْبَح شَتْمٍ وقال: يا كُفَّار، في الأرْض غير الأتْرَاك؟! وأمَرَ بإخْراجهم، فما حالَ الحَوْلُ حتَّى قيل: الفِرِنْجُ قد نَزَلُوا القُسْطَنْطِينِيَّة.
هذا ما حَكاهُ القَاضِي حَسَنُ بن المَوْج، والتَّوَاريخ كُلّها مُتَّفقةٌ على أنَّ سُلَيمان بن قُطَلْمِش هَجَم أَنْطاكِيةَ في سَنَة سَبْع وسَبْعِين وأرْبَعِمائة.
وقال حَمْدَانُ بن عَبْد الرَّحِيم بعد هذه الحِكَاية، ونَقَلْتُهُ من غير خطِّ ابن المِرَاوِيّ: ومِثْل هذا أنَّ رُوْجَّار صَاحب أَنْطاكِيَة احْتاج إلى رُخَام يَسْتَعْملُه، فَذُكِرَ له أنَّ في المَوْضِع الفُلَانىّ قَصْرًا عَمرهُ المَلِكُ الّذي عَمر أَنْطاكِيَة، وأنَّ فيهِ من الرُّخَام كُلِّ
стр. 605
عَجيبة، فأمَرَ أنْ يُطْلَب، وكان هذا في سَنَة اثْنَتي عَشرة وخَمْسِمائَة، فلمَّا كُشِفَ عنهُ وُجِدَ جُرْن رُخَام، وفيه فَارسٌ على فَرَس، إلَّا أنَّ فيها ما يُنافي الفَرَس، وهو مُلثَّم لا يَبِين فيهِ غير عَيْنَيه، فأُحْضِر ذلك الشَّخْصُ إليهِ، وأخذَ في أحاديثِ تلكَ الأشْخاص التُّرْكِيَّة والفِرِنْجِيَّة، فنَظَر في ذلك، فقال لهُ بعض القُسُوس اضْرِبْ بهِ الأرْضَ يَنْكَسر ويَنكَسر شَرّهُ، فَضَرَبَ بهِ الأرْض حتَّى تَكَسَّر. وفي تلك الجُمُعَة وصَلَهُ مُسْتَصْرِخُ بَيت المَقْدِس يُخْبرُهُ بنُزُولِ عَسْكَرِ المِصْرِيِّين إليهِم، فسَار حتَّى إذا وصَلهم وبرز لمُقَابلَةِ عَسْكَرهم فجايشُوا أيَّامًا، ثمّ رجع عَسْكَر مِصْر وقد خَسر، وعاد رُوجَّار إلى أَنْطاكِيَة، ولم يُقِمْ بها غير عَشرة أيَّامٍ، وخَرَج إلى أعْزَاز وحَاصَرهَا، فأنْفَذَ الحَلَبِيُّون إلى إيل غَازِي بن أُرْتُق، فاسْتَدْعُوه ومَلَّكُوه حَلَب، وشَدَّ التُّرْكُمان، وسار إليه فالْتقَوا على فُرْضَة لَيْلُون على مَوضعٍ اسْمهُ تَلّ عُقْبَرين (١) فكُسِرَ الفِرِنْج، وقُتِلَ رُوْجَّار، وأُخِذَ رأسُهُ، وقُتِلَ من الفِرِنْج عدَد أُلوف، ولو تَمَّ عَسْكَر إيل غَازِي إلى أَنْطاكِيَة لأُخِذَتْ، ولكنَّهُ هَابَ الأمْرَ، ولله المَشِيْئَةُ.
بابٌ في ذِكْرِ مَا يَتَعلَّق بحَلَب وأعْمَالها من المَلَاحِم وأمَارات السَّاعَة
أخْبَرنا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحمَّد بن أبي الفَضْل الهَرَوِيّ في كتابهِ إلينا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم تَمِيم بن أبي سَعْد بن أبي العبَّاسِ الجُرْجَانِيّ، قال: أخْبَرَنا الحاكِم أبو الحَسَن عليّ بن مُحمَّد بن عليّ البَحَّاثِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحمد بن هارُون، قال: أخْبَرَنا أبو حَاتِم مُحَمَّدُ بنُ حِبَّان بن أحمد البُسْتِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحمد بن أبي عَوْن، قال: حَدَّثنا أبو ثَوْر، قال: حَدَّثَنا مُعَلَّي بن مَنْصُور،
стр. 606
قال: حدثنا سُلَيمان بن بلال، قال: حنا سُهَيْلٌ، عن أبيه، عن أبي هريرة (١)، أنَّ رسُول اللهِ ﷺ قال: لا تقُوم السَّاعَةُ حتَّى يَنْزل الرُّومُ بالأعْماقِ أو بدَابِق، فيخرُجُ إليهم جَيْشٌ من أهْل المَدِينَة، وهم خِيار أهْلِ الأرْض يَوْمئذٍ، فإذا تَصَافُّوا، قالت الرُّومُ: خلُّوا بيننا وبين الّذين سَبَوْا منَّا نُقَاتلهُم، فيقُول المُسلِمُون: لا واللهِ لا نُخَلِّي بينكم وبين إخْوَاننا، فيقاتِلونَهُم فيُهْزَموا، ثُلُثٌ لا يتُوبُ الله عليهم أبدًا، ثمّ يُقتَل ثُلُثُهُم، وهم أفْضَلُ شُهَدَاء عند اللهِ، ويَفْتَح ثُلُثٌ، فيفتتحُون قُسْطَنْطِينِيَّة، فبينا هُم يَقْسِمونَ الغَنائِم، قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بالزَّيْتُون، إذ صاحَ فيهم الشَّيْطانُ: إنَّ المَسِيْحَ قد خَلَفَكُم في أهالِيْكُم، فيَخْرجُونَ، وذلك باطلٌ، فإذا جاءوا الشَّام خرجَ -يعني الدَّجَّالَ- فبينا هم يُعِدُّونَ للقتالِ، ويُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إذ أُقيمتِ الصَّلاةُ، فيَنْزل عِيسَى بنُ مَرْيَم (a) فإذا رآهُ عَدُوُّ اللهِ يَذُوبُ كما يَذُوبُ الثَّلْج، ولو تَرَكُوهُ لذاب حتَّى يَهْلِكَ، ولكنَّه يَقْتُلُه اللهُ بيَدِه، فيُريهم دَمَهُ في حَرْبَتِهِ.
هذا حديثٌ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ مُسْلم بن الحَجَّاج في صَحِيحه، عن زُهَيْر بن حَرْب، عن مُعَلَّى بن مَنْصُور، عن سُلَيمان بن بلال، وقد أوْرَدناهُ عنهُ فيما تقدَّم (٢).
كَتَبَ إليْنا أبو مُحمَّد أحمد بن الأزْهَر بن عَبْد الوهَّاب بن السَّبَّاك من بَغْدَاد، أنَّ القَاضِي أبا بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن مُحَمَّد أخبرَهُم كتابةً، عن أبي مُحَمَّد الحَسَن ابن علىّ بن مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر مُحَمَّد بن العبَّاس بن زَكَرِيَّاء بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن أحمدُ بن جعفر بن مُحَمَّد بن المُنَادِي، قال (٣):
стр. 607
أُخْبِرتُ عن الحَكَم بن مُوسَى السِّمْسَار، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن حَمْزَة، عن إسْحَاق بن عَبْد اللهِ، قال: أخْبَرَني عَبْدُ الرَّحمن بن سَنَّة (a)، عن مَنْ أَخْبَرَهُ، أنَّه سَمِعَ رسُولَ اللهِ ﷺ يقُول (١): بَدَأ الإسْلام غَرِيبًا، ثمّ يَعُودُ غَريبًا، فطُوبَى للغُرَباءِ، قالُوا: ومَن الغُرَباء يا رسُول اللهِ؟ قال: الّذين يَصْلُحُون إذا فسَدَ النَّاسُ، والّذي نَفْسِي بيَده لَيَأْرِزَنَّ (٢) الإيمانُ إلى المَدِينَة كما يَحُوزُ السَّيْل الدِّمَن، والّذي نَفْسي بيَدِه ليَأْرِزَنّ الإسْلامُ إلى ما بين المَسْجِدَيْن كما تأْرِزُ الحيَّة إلى حُجْرِها، فبينما هُم كذلك اسْتَغَاثَ العَرَبُ بأعْرابها، فخَرجُوا في مَجْلَبةٍ (b) لهم لصالح (c) من قَضَى وخير من بقي، فاقتتلُوا هم والرُّوم، فتَنقلِب (d) بهم الحربُ حتَّى يردُوا العَمْقَ، عَمْقَ أَنْطاكِيَة، فيَقْتَتلُونَ فيها ثلاثَ ليالٍ (e)، العَرَبُ والرُّوم، ويَرْفَعُ اللهُ النَّصْر عن كُلٍّ حتَّى تُخَاضَ (f) الخَيْلُ إلى رُكَبِهَا في الدَّمِ، وتقُول المَلائِكَةُ: يا رَبّ، ألَا تَنْصُر عبادَكَ المُؤْمنينَ؟ فيقُول: حتَّى يكثُر شُهادهُم (g). فيُسْتَشْهَد ثُلُث، ويَصْبِر ثُلُثٌ، ويَرجع ثُلُثٌ شكاكًا، فيُخْسف بهم، فيقُول الرُّوم: لن نَدَعَكُم حتَّى تخرجُوا كُلّ بَضْعَةٍ فيكم ليستْ منكم (h)، فيقُول العَرَب للعَجَم: الْحَقُوا بالرُّوم، فيقُول العَجَمُ: أَكُفْرٌ (i) بعد الإيمانِ! فيغضَبُونَ عند ذلك، فيجتَمعُونَ على الرُّوم، فيَقْتتلُون هُمْ وهُم، ويَغْضَبُ الله عند ذلك فيَضْربُ بسَيْفِه، ويَطْعن برُمْحِه.
стр. 608
فقيل لعَبْد اللهِ بن عَمْرو: وما سَيْفُ الله ورُمْحُهُ؟ قال: سَيْفُ المؤمن (a) ورُمْحُهُ حتَّى يَهْلكَ الرُّوم جميعًا، فما يَنْفَلتُ منهم مُخَبِّرٌ (b). ثمّ يَنْطلقُونَ إلى أرْضِ الرُّوم، فيَفْتَحُونَ حُصُونَها ومَدَائِنَها بالتَّكْبير، ثمّ يأتُوا مَدِينَة هِرَقْل، فَيجِدُوا خَلِيجها بَطْحَاءَ، ثمّ يَفْتحُونها بالتَّكْبير، ثمّ يأتُوا فيُكَبِّرُون الله تَكْبيرةً فتُسْقِط جدارًا من جُدُرٍ بها، ثمّ يُكَبِّرُون تكْبيرةً أُخرى فتُسْقِطُ جدارًا آخَر، ثمّ يُكَبِّرُون تَكبيرةً أُخْرى فتُسْقط جدارًا آخر، ثمّ لا يَبقَى جدَارُها البَحْريّ إلَّا سَقَط (c)، ويَسِيرونَ إلى رُوْميَةَ فيَفْتَحُونَها بالتَّكْبير، فيَكيلونَ بها غَنائمهم كيلًا بالفَرَايق (d).
قال أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي (١): وحَدَّثَنَا علىّ بن دَاوُد، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله ابن صالح، قال: حَدَّثَني اللَّيْثُ بن سَعْد، قال: حَدَّثَنِي أبو قَبِيل المَعَافرِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرو، أنَّهُ قال فيما كان يسأل عنه من المَلَاحِم (٢): إنَّ رَجُلًا من أعْداء المُسْلِمِين بالأنْدَلُس، يُقالُ لهُ: ذُو العُرْف، يَجْمَعُ من قَبائل الشِّرك جَمْعًا عَظيمًا، فَيَعْرف مَن بالأنْدَلُسِ أنّه لا طَاقَة لهم بهِ، فيَهْرب أهْل القُوَّة من المُسْلِمِينَ في السَّير (e)، فيَجُوزُون إلى طَنْجَة، ويَبْقَى ضَعَفَة المُسْلِمِين وجماعَتُهُم ليسَ لهم سُفُنٌ يَجُوزُونَ فيها، فيبعَثُ اللهُ لهم وَعْلًا يُبَيِّنُ لهم الأرْض في البَحْر، فيجُوزونَ، فلا يُبْطِنُ الماءُ أظْلَافَهُ فيَفْطُنُ لهُ النَّاسُ، فيقُولُ بعضُهُم لبعضٍ اتَّبِعُوا الوَعْلَةَ، فيجُوز النَّاسُ كُلّهُم على أثرِه، ثمّ يرجع البَحْر قَلًّا على ما كان عليهِ قبل ذلك، ثمّ يجُوز العَدُوّ في المَرَاكبِ، فإذا أحَسَّهُم أهْلُ إفْرِيقِيَّة هربُوا كُلّهم مِن إفْرِيقِيَّة، ومعهم مَنْ كان بالأنْدَلُس من المُسْلِمِيْن، حتَّى يَقْتَحمُون الفُسْطَاط هَرَبًا من ذلك العَدُوّ،
стр. 609
حتَّي ينزلُوا فيما بين تَرْنُوط إلى الأهْرَام مَسيرةَ خَمْسَة بُرُد، فيصِلُونَ هُنالك تَتْرَي، فتخرج إليهم رايةُ المُسْلِمينَ على الجِسْرِ فيَنصرُهُم اللهُ عليهم فيهزمُونَهُم ويقتلونَهُم إلى نُوبِيَة مَسِيرَة عَشْرِ لَيالٍ من النِّيل، فيُوقِدُ أهْل الفُسْطَاط بعَجلهم وأدَاتِهم سَبْع سِنين، ويَنْفَلِتُ ذُو العُرْفِ من أهْلِ القَتلِ، ومعَهُ كتابٌ قد كُتِبَ لهُ وأُمِرَ أنْ لا ينظُر فيه حتَّى يَقْدمَ مِصْر، فيَنْظُر فيهِ وهو مُنْهزمٌ، فيَجد فيهِ ذِكْر الإسْلام، وأنَّهُ يُؤْمرُ بالدُّخُول فيه إذا قرأ ذلك الكتاب، فيَسْأل الأمَانَ على نَفْسِه وعلى مَنْ أجَابهُ إلى الإسْلام الّذين انفلَتُوا مَعَهُ من القَتْلِ، فيَسْلَم (a) ويَصير مع المُسْلِمِين. ثمّ يأتي في العام الثَّاني رَجُلٌ من الحَبَشَة يُقالُ لهُ أَسِيس وقد جَمَعَ جَمْعًا، فيَهْربُ المُسْلِمُونَ من أُسْوَان حتَّى لا يبقَى فيها ولا فيما دونَها أحدٌ من المُسْلِمِين إلَّا دَخَل الفُسْطَاط، فيَنْزل أسِيس بجَيْشِه مُدِفًّا على رَأسِ بَرِيدٍ من الفُسْطَاط، فتخرج إليهم رَايةٌ من المُسلِمِيْنَ على الجِسْرِ، فيَنْصُرهم الله عليهم، فيَقْتلونَهُم ويأسرُونهم حتَّى يُبَاع الَأسْوَدُ بعَبَاءةٍ.
قال اللَّيْثُ بن سَعْدٍ: قال أبو قَبِيْل: فالفَارِس يَوْمئذٍ خَيْرٌ من كَذَا وكَذَا راجِلًا، يُغير على فَرَسِه فيُصيب لأهْلهِ الشَّاةَ والطّعْم يُغِيثهم بهِ.
قال اللَّيْثُ بن سَعْدٍ: فقُلْنَا لأبي قَبِيلٍ: قَدْرَ ماذا؟ فقال: قَدْر ما يأتيهم أعْرابٌ على قِعْدانِهِم مِدادًا لهم، يَخْرُج الرَّاكبُ يَوْمئذٍ من عَدَن أبْيَنَ فلا يَجِدُ لراحلته كَلَأً حتَّى يَرِدَ الشَّام، فإذا اجْتَمع المُسْلِمُونَ بالشَّام سَاروا إلى الرُّوم، فالتَقُوا بالأَعْماق من أرْض قِنَّسْرِين فاقتَتلُوا، وأنْزلَ اللهُ على الفَريقَيْن الصَّبْر، ورَفَع عنهم النَّصْر، قال أبو قَبِيلٍ: فيُقْتل ثُلُث المُسْلِمِين، فهم من خِيارِ شُهَدَاء المُسْلِمِين، ويَهْرب ثُلُثٌ فيُخْسَف بهم، ويَبْقَى ثُلُث.
стр. 610
أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا الحَافِظ أبو القَاسِم بن الحَسَن (١)، قال: أنْبَأنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن مُحَمَّد بن إبْرَاهِيم الحِنَّائِيُّ، قال الحَافِظُ: وحَدَّثَنا أبو البَرَكَات الخَضِر بن شِبْل بن عَبْد الوَاحِدِ الحَارِثِيُّ الفَقِيه، عَنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو عَليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إبْرَاهِيم المُقْرِئ، قال: حَدَّثنا أبو نَصْر عَبْدُ الوهَّاب بن عَبْد الله بن عُمَر المُرِّيّ، قال: أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْدُ الجَبَّار بن عَبْد الصَّمَد السُّلَمِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحمدُ بن عُمَيْر بن يُوسُفَ ابن جَوصَا، قال: حَدَّثَنَا أبو عَامر مُوسَي بن عَامِر بن عُمَارَة بن خُرَيْم المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيد بن مُسْلِم، قال: حَدَّثَنِي سَعيد بن عَبْد العَزِيز أنَّ مَنْ أدْرَك من عُلمائنا كانُوا يقُولُونَ: يخرجُون أهْل مِصْر من مِصْرِهم إلى ما يلي المَدِينَة، ويخرج أهل فِلَسْطين والأُرْدُنّ إلى مَشَارِق البَلْقَاءِ وإلى دِمَشْقِ، ويخرجُ أهْلُ الجَزِيرَة وقِنَّسْرِين وحِمْص إلى دِمَشْق، وذلك لِمَا كان حَدَّثَنَا بهِ سَعيد، عن مَكْحُول، عن رسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قال (٢): فُسْطَاط المُسْلِمِين يوم المَلْحَمَة الكُبرى بالغُوطَة مَدِينَة يُقالُ لها دِمَشْق.
أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحمد بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد القَاسِمُ بن علىّ ابن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَاتِ الخَضِرُ بن شِبْل بن عَبْد الوَاحِد الحَارِثِيّ،
стр. 611
قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن مُحَمَّد بن إبْرَاهِيم، قال: أخْبَرَنا أبو عَلىّ الحَسَنُ بن عليّ بن إبْرَاهِيم المُقْرِئ، قال: حَدَّثنا أبو نَصْر عَبْد الوهَّاب بن عَبْد اللهِ بن عُمَر المُرِّيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْدُ الجَبَّار بن عَبْد الصَّمَد السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحمدُ بن عُمَيْر بن يُوسُف بن جَوصَا، قال: حَدَّثَنَا أبو عَامِر مُوسَي بن عَامِر ابن عُمَارَة بن خُرَيْم المُقْرِئ، قال: حدَّثَنا الوَلِيد بن مُسْلِم، قال: لقيتُ أبا بِشْرٍ الكَلاعِيّ، وكانَ ثِقَةً، فذاكرتُهُ، فقال: سَمِعْتُ أبا وَهْبٍ الكَلاعِيّ يُخْبر عن مَكْحُول أنَّ المَلَاحِمَ عَشْرٌ، فأولاهُنَّ مَلْحَمَةُ قَيْسارِيَّة فِلَسْطين وآخرهُنَّ مَلْحَمَة عَمْق أَنْطاكِيَة.
قَرَأتُ في كتاب المَلَاحِم والفِتَن (١) لأبي عَبْد اللهِ نُعَيْم بن حَمَّاد المَرْوزِيّ، وقد قرأهُ كاتبهُ على أبي بَكْر عَبْدِ اللهِ بن مُحَمَّد بن سَعيد بن الحَكَم بن أبي مَرْيَم، قال أبو بَكْر: حَدَّثَنَا نُعَيْم بن حَمَّادٍ.
وأنْبَأنَا عَبْد العَزِيز بن الحُسَيْن بن هِلالَة، قال: أخْبَرَنا بذلك أمّ هَانئ عَفِيفَة بنتُ أبي بَكْر أحمد بن عَبْد الله بن مُحمَّد الفَارْفَانيِّ (٢) الأصْبَهَانِيَّة، قالت: أخْبَرَتْنا فاطِمَة بنْتُ عَبْد الله الجُوزْدَانِيَّة، قالت: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن رِيذَة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الطَّبَرَانيِّ، قال: أخْبَرَنا عَبْد الرَّحْمن بن حَاتِم المُرَاديّ، قال: حَدَّثَنَا نُعَيْم بن حَمَّاد، قال: حَدَّثَنا الوَلِيد ابن مُسْلِم، عن الوَلِيد بن سُلَيمان بن أبي السَّائِب، سمعَ القَاسِم، أبا عَبْد الرَّحْمن يقول: الفِئَةُ الخَاذلَةُ للمُسْلِمين بعَمْق عَكَّا وأَنْطاكِيَة، يَنْخَرِق (a) لهم من الأرْض خَرْقٌ يَدْخلُونَ فيه لا يَرون الجَنَّة ولا يرجعُونَ إلى أهليهم أبدًا.
стр. 612
وقال: حَدَّثَنا نُعَيْم بن حَمَّادٍ (١)، قال: حَدَّثَنا الوَلِيد، عن كُلْثُوم بن زِيَادٍ، عن سُلَيمان بن حَبِيب المُحَارِبِيِّ، عن كَعْبٍ، قال: تَقْتَتِلُونَ بالأَعْماقِ قتالًا شديدًا، ويُرفَع النَّصْر، ويُفْرَغ الصَّبْر، ويُسَلَّط الحَدِيد بَعْضُهُ على بعضٍ، حتَّى تركُضَ الخَيْلُ في الدَّمِ إلى ثُنَّتِها (a) ثلاثة أيَّام مُتَوَاليَة، لا يَحْجزُ بينهم إلَّا اللَّيْلُ حتى تَقُول عَمائرُ من النَّاس -يعني طَوَائف-: ما كان الإسْلام إلَّا إلى أجَلٍ ومُنْتَهى، وقد بلَغ أجَلَهُ ومُنْتَهاهُ، فالْحَقُوا بمَوَالِدِ آبائنا، فيلحقُونَ بالكُفْر، ويَبْقى أبناءُ المُهاجِرينَ فيقُول رَجُلٌ منهم: يا هؤلاء، ما ترونَ إلى ما صَنَعَ هؤلاءِ؟ قُومُوا بنا نَلْحَق باللهِ، فما يَتَّبِعُهُ أحَدٌ، فيَمْشي إليهم حتَّى يأتيَهُم فيَنْشُلونَهُ بِنَيَازِكهم (b) حتَّى أنَّ دماءَه لتَبُلّ أذرعُهُم، فيهزمهُم اللهُ.
قال الوَلِيدُ (٢): فَحَدَّثَني عُثْمان بن أبي العَاتِكَة، عن كَعْب مِثْلَهُ، قال كَعْب: فذلكَ أكْرمُ شَهيدٍ (c) كان في الإسْلام إلَّا حَمْزَة بن عَبْد المُطَّلِب، فتَقُول المَلائِكَةُ: رَبّنا ألَا تَأْذَن لنا بنُصْرة عِبادَكَ؟ فيقُول: أنا أوْلَى بنُصْرَتهم، فيَوْمئذٍ يَطْعنُ برُمْحه، ويَضْربُ بسَيْفه ورُمْحه، وسَيْفُهُ أَمْرُهُ، فيَهْزمهمُ اللهُ، ويَمْنَحهُم أكْتافَهم فيدُوسُونَهم كما تُدَاس المَعْصَرَة (d)، فلا يكُون للرُّوم بَعْدَهَا جَمَاعَةٌ ولا مُلكٌ.
وقال: حَدَّثَنَا نُعَيْم (٣)، قال: حَدَّثَنَا الحَكَمُ بن نَافِعٍ، عن جَرَّاح، عن أَرْطَأةَ، قال: إذا ظَهَرَ صَاحبُ الأدْهَم في الإسْكَنْدَرِيَّة، وَعَلَا أرضَ مِصْر، لَحقَتِ العَرَبُ
стр. 613
بيَثْرِبَ والحِجَاز وتخَلّي بين الشَّام (a)، وتلحَق كُلّ قَبِيلَةٍ بأهْلِها، ويَبْعث إليهم بجَيْش، فإذا انْتَهَوا بين الجَزِيرتَيْن نادَى مُنادِيهم: ليخرج إلينا كُلّ صَريح أو دَخِيل كان منَّا في المُسْلِمِين، فتَغْضَب المَوَالِي، فيُبايِعُونَ رَجُلًا يُسَمَّى صالح بن عَبْدِ الله بن قَيْس بن يَسَار، فيخرج بهم، فيلقَى بهم جَيْشَ الرُّوم، فيَقْتلهم، ويَقَعُ المَوْتُ في الرُّوم، وهم يَوْمئذٍ ببَيتِ المَقْدِس قد اسْتَولَوا عليها، فيَمُوتُونَ مَوْتَ الجَرَاد، ويَمُوتُ (b) صاحبُ الأدْهَمِ، ويَنْزِلُ صالحٌ بالمَوالِي أرْض سُوريَة، فيدْخُل عَمُّورِيَّة وتَدِين لهُ، ويَنْزِل قُمولية ويَفْتَح بزنطيَة، وتَكُون أصْوَات جَيْشهِ فيها بالتَّوْحِيد عَالية، وتُقْتسم أمْوَالها بينهم بالآنيةِ، ويَظْهَرُ على رُوْميَة ويَسْتَخرج منها تابُوت صُهْيُون (c)، وتَابُوت من جَزع فيه قُرْط حَوَّاء، وكتونة آدَم -يعني: كِسَاءَهُ- وحُلَّة هارُون، فبينا هو كذلك إذ أتاهُ خَبَرٌ وهو باطل فيرجعُ.
قال جَرَّاح عن أَرْطَأة (١): المَلْحَمَة الأُوْلَى في قَوْل دَانِيال (d) بالإسْكَنْدَرِيَّة [يَخرجُون] (٢) بسُفُنهم فَيَسْتَغِيث أهلُ مِصْر بأهلِ الشَّام، فيَلْتَقُونَ فيَقْتلُونَ قتالًا شَدِيدًا، فيَهْزم المُسلِمُونَ الرُّوم بعد جُهْدٍ شَديدٍ، ثمّ يُقيمُونَ عامًا (e)، ويَجْمعُونَ جَمْعًا عَظِيمًا، ثمّ يُقْبلونَ فينزلُون يَافَا فِلَسْطين (f) عَشَرة أمْيَالٍ، ويعتَصِم أهْلُهُ بذَرَارِيهم في الجِبَال، فيلقَاهم المُسلِمُونَ فيَظْفَرُون بهم، ويقتُلونَ مَلِكَهُم.
والمَلْحَمَةُ الثَّانيَةُ: يَجْمعُون -بعد هزيمَتهم- جَمْعًا أعْظَم من جَمْعِهم الأوَّل، فيُقْبلُونَ فيَنزلُونَ عَكَّا، وقَدْ مَلَك مَلِكُهم ابن المَقْتُول، فيلتَقي المُسْلِمُونَ بعَكَّا، ويُحْبَسُ النَّصْرُ عن المُسْلِمِين أرْبَعين يومًا، ويَسْتَغيث أهلُ الشَّام بأهْل الأمْصَار، فيُبْطِئُونَ عن نَصْرهم، فلا يَبْقَى يَوْمئذٍ مُشْرِكٌ؛ حُرٌّ ولا عَبْدٌ من النَّصْرانيَّة إلَّا أمَدَّ الرُّوم،
стр. 614
فيَفِرُّ ثُلُثُ أهْل الشَّامِ، ويُقْتَل الثُّلُث، ثُمَّ يَنْصُر اللهُ البَقِيَّة، فيَهْزمُونَ الرُّوم هزيمةً لم يُسْمَع بمثلها، ويقتُلونهم ومَلِكَهُم.
والمَلْحَمَةُ الثَّالثةُ: يرجعُ مَن رَجَع منهم في البَحْرِ، وينْضَمّ إليهم مَنْ كان فَرَّ منهم في البَرِّ، ويُمَلِّكُونَ ابنًا لمَلِكهم المَقْتُول؛ صَغيرًا لم يَحْتَلِم، ويقذف (a) لهُ مَوَدَّةٌ في قُلوبِهم، فيُقْبلُونَ بما لم يُقْبل بهِ مَلِكَاهُم الأوَّلانِ من العَدَد، فيَنْزلُونَ عَمْقَ أَنْطاكِيَة، ويَجْتَمعِ المُسلِمُون فيَنْزلُونَ بإزائهم، فيَقْتتلونَ شَهْرين، ثمّ يُنْزلُ اللهُ نَصْرَهُ على المُسْلِمِين فيَهْزمُونَ الرُّومَ، ويَقْتلونَ فيهم وهُم هاربُونَ طالعُونَ في الدَّرْب، ثمّ يأتيهِم مَدَدٌ لهم، فَيقفُونَ، ويَتَذامَرُ المُسلِمُونَ، فيَكرُّونَ عليهم كَرَّةً فيقْتلُونَهُم ومَلِكهُم، ويَنْهَزم بقيّتهم، فيطلُبُهُم المُهاجِرونَ، فَيَقْتلُونَهُم قَتْلًا ذَريعًا، فحينئذٍ يَبْطُل الصَّلِيب، ويَنْطلقُ الرُّومُ إلى أُمَمٍ من وَرَائهم من الأنْدَلُس، فيُقْبلُونَ بهم حتَّى يَنْزلُوا الدَّرْبَ فيتمَيَّز المُهاجِرونَ نِصْفَيْن، فيسيرُ نصْفٌ في البَرِّ نحو الدَّرْب، والنِّصْف الآخر يركَبُون في البَحْر، فيَلْتقي المُهاجِرون الّذين في البَرِّ ومَنْ في الدَّرْب من عَدُوِّهم، فيُظفرهُم اللهُ بعدُوِّهم، فيهزمونهم هزيمةً أعْظم من الهزائم الأُوَل، ويُوجِّهُونَ البَشِير إلى إخْوَانهم في البَحْر: إنَّ مَوْعدَكم المَدِينَة، فيُسَيّرهُم الله أحْسَن سِيرةٍ حتَّى ينزلُوا على المَدِينَة، فيفتحُونَها ويخرِّبُونَها، ثمّ يكون بعد ذلكَ أنْدَلُسٌ، وأنتُم (b) تجمعُون فتأتونَ الشَّام فيلقَاهم المُسلِمُون فيَهْزمهم اللهُ.
وقال: حَدَّثَنَا نُعَيْم (١)، قال: حَدَّثَنَا الحَكَم بنُ نَافِعٍ، قال: ثمّ يَسْتَمدّ الرُّوم بالأُمَم الثَّانيَةِ، فتجيش عليهم الألْسِنَةُ المختلفة، ويَجْتَمع إليهِ (c) أهْلُ رُومِيَةَ والقُسْطَنْطِينِيَّة وأَرْمِينِيَة حتى الرِّعَاء والحَرَّاثُون تغضَبُ لمَلِكِ الرُّوم، فيُقبل بأُمَمٍ كَثِيرة سِوَى الرُّوم، مُلُوك عشرَةٌ يبلُغ جَمْعُهم مائةَ ألف وثمانين ألفًا، وتَنْزوِي العَرَبُ بعْضُها إلى بعضٍ من
стр. 615
أقْطَار الأرْض، ويَجْتَمِعُ الجناحَان مِصْرُ والعِرَاقُ بالشَّامِ وهي الرَّأسُ، فيُقْبل مَلِكُ الرُّوم على مِنْبَر مَحْمُولٍ على بَغْلَيْن فيُوجِّهُونَ جُيُوشَهُم، فيَجُولُونَ الشَّام كُلّها غير دِمَشْقَ، فيَسير إليهم المُسلِمُونَ على أقْدامِهم، فيَلتَقُونَ في عَمْقِ كَذَا وكَذَا وعَمْق كَذَا وكَذَا أرْبَعة مَواطن، فيَسير الجَمْعَان على نَهْرٍ ماؤُهُ باردٌ في الصَّيْف حَارٌّ في الشِّتَاءِ، فيَفُور (a) مَاؤهُ ويكثُر يَوْمئذٍ، فينزل المُهاجِرونَ أدْناهُ والرُّومُ أقْصَاهُ، ويربطونَ خُيُولهم بالشَّجَر الّتي عند رحالِهم، ويَسْتَعدَّوا للقتالِ حتَّى يصيروا في أرْض قِنَّسْرِيْن، فيكون مَنْزلهم ما بين حِمْص وأَنْطاكِيَّة (b)، والعَرَب فيما بين بُصْرَى ودِمَشْق وما وراءهُما، فلا يُبْقي الرُّوم خَشَبًا ولا حَطَبًا ولا شَجَرًا إلَّا أوْقَدُوهُ، فَيلتَقِي الجَمْعان عند نُهَيْر فيما بين حَلَب وقِنَّسْرِيْنَ، ثمّ يصيرُونَ إلى عمْق من الأرْض، فيهِ عُظم قتالِهم، فمَنْ حَضَر ذلك (c) فليَكُن في الزَّحْف الأوَّل، فإنْ لَمْ يَسْتَطع ففي الثَّاني أو الثَّالث أو الرَّابِع أو الآخِر، فإنْ لَمْ يُطِق فليَلْزَم فُسْطَاط الجماعَة لا يُفَارِقُها فإنَّ يَدَ اللهِ عَلَيهُم، ومَنْ هَرَب يَوْمئذٍ لم يَرَح ريح الجَنَّة، فيقُول الرُّوم للمُسْلِمين: خَلَّوا لنا أرْضَنا وردُّوا إلينا كُلّ أحْمر وهَجِين منكُم، وأبناء السَّرَاري، فيقُول المُسلِمُون: مَنْ شَاء لَحِقَ بكُم، ومَن شَاءَ دفَع عن دينهِ ونَفْسهِ، فَيَغْضَبُ بنو الهُجْن والسَّرَاري والحَمْرَاء، فيعقدُونَ لرَجُلٍ من الحَمْرَاء رايةً وهو السُّلْطَان الّذي وعد إبرَاهِيم وإسْحَاق (d) أنْ يُعْطَيا في آخر الزَّمان، فيُبايعُونَهُ، ثمّ يقاتلونَ وَحْدَهُم الرُّومَ، فيُنْصَرُونَ على الرُّوم، ثمّ تَنْحازُ فَجَرَةُ العَرَب إلى الرُّوم ومُنافقوهم حين يَرون نُصْرَة المَوَالي على الرُّوم، وتَهْرب قَبائلُ بأسْرها جُلُّها من قُضَاعَة وناسٌ من الحَمْرَاءِ، حتَّى يركزُوا رَاياتهم فيهم، ثمّ يُنادِي الرِّفاق بالتَّمّيز، فإذا لَحق بهم مَنْ لَحقَ، نادَوا: غَلَب الصَّلِيبُ، فخَيْرُ العَرَب يَوْمئذ اليَمَانيُّون المُهاجِرُونَ (e) وحِمْيَر وأَلْهَان وقَيْس؛ أُولئك خَيْرُ النَّاس يَوْمئذٍ، فقَيْسٌ يَوْمئذٍ تَقْتُل ولا تُقْتَلُ، وحَدَسٌ مِثْلها، والأَزْدُ يُقْتلونَ
стр. 616
ولا يَقْتُلُونَ، ويَوْمئذٍ يَفْترقُ جَيْشُ المُسلمِين أربَع فرقٍ: فِرْقة يَسْتَشْهدُون، وفِرْقة تَصْبِر، وفِرْقَة تَفِرُّ، وفرقة تَلْتَجئ (a) بعَدُوِّها.
قال: ويَشُدّ الرُّومُ على العَرَب شدَّةً، فيُقْبل (b) خليفَتُهم القُرَشِيّ اليَمَانيّ الصَّالِح في ثلاثةِ آلاف، فيُؤمِّرُونَ عليهم أميرًا ومعَهُ سَبْعُون أميرًا كُلّهُم صَالحٌ صَاحب رايَة، فالمَقْتُول والصَّابِر يَوْمئذٍ في الأجْر سَواءٌ، ثمّ يُسلِّطُ اللهُ على الرُّوم ريحًا وطَيرًا تَضْرب وجُوهَهُم بأجْنحتها فتَفْقَأ أعيُنَهُم وتنصَدِع بهم الأرْض، فيتَحلحَلُوا (c) في مَهْواةٍ بعدَ صَوَاعق ورَواجف تُصِيْبُهم، ويُؤيِّدُ اللهُ الصَّابِريْنَ، ويُوجِبُ لَهُم من الأجْرِ كما أوْجَب لأصْحَاب مُحمَّدٍ ﵇، ويَملأُ قلوبَهُم وصُدُورَهُم شَجاعةً وجُرْأةً، فإذا رأت الرُّوم قلَّة الفرقَةِ الصَّابِرَة طَمعَتْ، فقَالَتْ: ارْكَبُوا كُلّ حافرٍ فطَؤُوهُم وانْبذُوهُم (d)، فيقُومُ رَاكِبٌ من المُسْلِمِيْن على سَرْجِهِ (e) فيَنْظُر عن يَمينه وشَمالهِ وبين يديهِ فلا يَرَى طَرَفًا ولا انْقطَاعًا. فيقُول: أتاكُم الخَلْقُ، ولا مَدَدَ لكم إلَّا اللهُ، فمُوتُوا وأَميْتُوا، فيُبَايعُونَ رَجُلًا منهم بَيْعَة خلَافةٍ، فيأمرهُم فيُصلُّونَ الصُّبْحَ، فيَنْظُرُ اللهُ إليهم، فيُنْزل عليهم النَّصْرَ، ويَقُول: لم يَبْقَ إلَّا أنا وملائكتي وعِبَادِي المُهاجِرونَ، اليوم مأْدُبَةُ الطَّيْر والوُحُوشِ، لأطعمنَّهَا لُحُومَ الرُّوم وأنْصَارِهَا، ولأسْقيَنَّها دِمَاءَهُم، فيَفْتح ربُّكَ خَزائن سلَاحهِ الّتي في السَّماءِ الرَّابعةِ، وسِلَاحُهُ العِزّ والجَبَرُوت، فيُنزل عليهم المَلائِكَة، ويَقذفُ المُسلِمُونَ قِسِيَّهُم، ويَدُقُّوا أغْمادَ سُيُوفهم، فَيُصْلِتُونَها عليهم، ويُوَجِّهُوا أسنَّة رماحهم إليهم، ويبْسُط ربُّكَ يدَهُ إلى سِلَاحِ الكُفَّار، فيَضُمه فلا يقْطَع، وَيَغلُّ أيدِيَهُم إلى أعْنَاقهم، ويُسَلّطُ أسْلِحَةَ المُوَحِّدِين عليهم، فلو ضَرب مؤمنٌ
стр. 617
يَوْمئذٍ بزَندٍ (a) لقُطِعَ، ويَهْبط جِبْرِيل ومِيْكائِيل فيَدفعُونَهُم بمَنْ مَعَهُم من المَلائِكَةِ، فيَهْزمهم اللهُ، فَيَسُوقُونَهُم كالغَنَم حتَّى ينتَهُوا بهم إلى مُلُوكهم، و [يَخرّ] (b) مُلُوكهم من الرُّعْب لوجوههم، وتُنْتزع أتْوجَتهم عن رُؤوسهم، فيَطَؤُونَهُم بالخَيْل والأقْدام حتَّى يْقْتُلوهُم حتَّى تبلُغَ دِمَاؤُهُم ثُنَنَ الخَيْل فلا تُنَشّفه الأرْضُ، وكُلّ دَم يبلُغُ ثُنَنَ الخَيْل فهو مَلْحَمَة، وهو ذِبْحٌ، فذلك انْقِطاعُ مُلْكِ الرُّوم، ويَبْعَث اللهُ مَلَائكة إلى جزائرها تُخبرهم بقَتْلِ الرُّوم.
وقال: حَدَّثنا نُعَيْم (١)، قال: حَدَّثَنا أبو المُغِيرَة، عن صَفْوَان، قال: حدَّثَنا بَعْضُ مَشَايخِنَا، قال: جَاءَنا رَجُلٌ وأنا نازل عند خَتَنٍ لي بعِرْقَة (c)، فقال: هل من مَنْزلٍ اللَّيْلة؟ فأنزلوهُ، فإذا رَجُلٌ خَلِيق للخَيْر كأنَّهُ حين يُنْظر إليه مُلْتَمِسٌ العِلْم، فقال: هل لكم علْمٌ بسُوْسِيَةَ (٢)؟ قالوا: نَعم، قال: وأين هي؟ قُلْنا: خَرِبَة نحو البَحْر، فقال: هل فيها عَيْنٌ يُهْبطُ إليها بدَرجٍ وماء بارد عَذب؟ قالوا: نَعم، فقال: هل إلى جانبها حِصْن خَرِبٌ؟ قلنا: نعم، قال: قلنا: مَنْ أنتَ يا عَبْد اللهِ؟ قال: أنا رَجُل من أَشْجَع، قالوا: ما بالُ ما ذَكَرْتَ؟ قال: تُقبل سُفُنُ الرُّوم في البَحْر حتَّى يَنْزلُوا قريبًا من تلك العَيْن، فيُحرِّقونَ سُفُنَهم، فيَبْعَث إليهم أهْل حِمْصَ (d) وأهل دِمَشْقَ، فيمكثون ثلاثًا يَدعُونَهم الرُّوم على أنْ يُخَلُّوا لهمُ البَلَد، فيَأبَون عليهم، فيُقاتلهم
стр. 618
المُهاجِرونَ، فيكون أوَّل يَوْم القَتْلُ في الفَريقَيْن كلاهما، واليَوْمَ الثَّاني على العَدُوّ، والثَّالث يَهْزمُهم اللهُ، فلا تُبَلّغ سُفُنهم منهم إلا أَقلَّهُم، وقد حَرَّقُوا سُفُنًا كَثِيْرةً، قالوا: لا نَبْرحُ هذا البَلَد، فيَهزمُهُم اللهُ، وصَفّ المُسْلِمِيْن يَوْمئذٍ بحِذَاءِ البُرْج الخَرِب، فبينما هم على ذلك، قد هَزَم اللهُ عَدَوَّهم، حتَّى يأتي آت من خَلْفهم فيُخبرهم أنَّ أهْل قِنَّسْرِيْن قد أقْبَلُوا مُقْبلين إلى دِمَشْقَ، وأنَّ الرُّومَ قد حَمَلَت عليهم، وكان مَوْعِدًا منهم في البَرِّ والبَحْر، فيكون مَعْقِل المُسْلِمِيْن يَوْمئذٍ دِمَشْق.
وقال: حَدَّثَنا نُعَيْم (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو أَيُّوب سُلَيمانُ بن دَاوُد، قال: حَدَّثَنا أرْطَأةُ بن المُنْذِر، قال: سَمِعْتُ أبا عَامِرٍ الأَلْهَانِيَّ يقُول: خَرجْتُ مع تُبَيْع من باب الرَّسْتَن، فقال: يا أبا عَامِرٍ، إذا نُسفَتْ هَاتان الزّبلَتان (a) فاخْرِجْ أهْلَكَ من حِمْص، قال: قُلتُ: فإنْ لَم أفْعَل؟ قال: فإذا دُخِلَت أنطَرَسُوس فَقُتل فيها ثَلاثمائة شَهيد فاخْرِج أهلَكَ من حِمْص، قُلت: فإنْ لَمْ أفْعَل؟ قال: فإذا جاءَ الحِمْلُ من أهْل الأنْدَلُس بألف قِلْعٍ (٢)، ثمّ فرَّقَها بين الأقْرَع ويَافَا فاخْرِج أهلَكَ من حِمْص، قُلتُ: أرأيتَ إنْ لم أفْعَل؟ قال: فواللهِ لئن لم تَفْعَل ليُصِيْبَنَّ أهْلَكَ ما أصَابَ أهلَ حِمْصَ! قُلتُ: وما الّذي يُصِيْبُهم؟ قال: يُغْلِقُها أعَاجِمُها على ذَرارِي المُسْلِمِين ونِسَائهم.
وقال: حدَّثَنَا نُعَيْم (٣)، قال: حَدَّثَنا بَقِيَّة، عن صَفْوَان، عن شُرَيْح بن عُبَيد (b)، عن كَعْب، قال: تكون وَقْعَةٌ بيَافَا؛ يُقَاتلهم المُسلِمُونَ يَوْم (c) الأرْبَعاء والخَمِيْس والجُمُعَة والسَّبْت والأَحَد، ثمّ يفتح اللهُ للمُسْلِمين يَوْم الاثْنَين.
стр. 619
قال صَفْوَانُ: فسَألتُ عن ذلك خَالِد بن كَيْسَان، فقال: حَدَّثَني أبي قال: إذا هَزَمَ اللهُ الرُّوم من يَافَا سَارُوا حتَّى يَجْتَمعُوا بالأَعْماق، فتكُون المَلْحَمَة (a).
وقال: حدَّثَنا نُعَيْم (١)، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ القُدُّوس، عن صَفْوَان، عن عَامِر بن عَبْد اللهِ أبي اليَمَان الهَوْزَنِيّ، عن كَعْب، قال: إنَّ الله يُمِدّ أهْلَ الشَّام إذا قاتلَهُم الرُّوم في المَلَاحِم بقطْعَتَين، دَفْعَة سَبْعِين ألفًا، ودَفْعَة ثَمانين ألفًا من أهل اليَمَن، حَمائل سُيُوفِهم المَسَدُ، فَيَقُولُونَ: نحنُ عِبَادُ اللهِ حَقًّا حقًّا، نُقاتل أعْدَاءَ اللهِ، يرفَع اللهُ عنهم الطَّاعُون والأوْجَا [ع] والأوْصَابَ حتَّى لا يكون بَلَد أَبْرأَ من الشَّام، ويكون ما كان في الشَّام من تلك الأوْجَاع والطَّاعُون في غيرها.
قال كَعْبٌ: وإنَّ بالمَغْرب لَحَمَلَ الضَّأْنِ مَلك من مُلُوكِهم، يُعِدُّ لأهْل الإسْلام (b) ألْفَ قِلْعٍ، كُلَّما أعدَّها بَعَثَ اللهُ عليها قاصِفًا من الرِّيح، حتَّى يأذنَ اللهُ بخُرُوجها، فَتُرسِي ما بين عَكَّا والنَّهْر، فيَشْغَلُوا كُلّ جُنْدٍ أنْ يُمِدّ جُنْدًا، فسألتُهُ أيّ نَهْر هو؟ قال: مُهَراق الأُرُنْط؛ نَهْر حِمْص، ومُهَرَاقُهُ ما بين الأقْرَع إلى المِصِّيْصَة.
وقال: حَدَّثَنا نُعَيْم (٢)، قال: حَدَّثنا ابن وَهْب ورِشْدِين جميعًا، عن ابن لَهِيْعَة، عن أبي قَبِيْل، عن حَيْوِيل (c) بن شَرَاحِيْل قال: سَمِعْتُ عَبْد الله بن عَمْرو ابن العَاص يقول: إنَّ أهل الأنْدَلُس يأتون في البَحْر، وإنَّ طُول سُفُنهم في البَحْر خَمسُون مِيْلًا، وعَرْضُها ثلاثة عَشَر مِيْلًا حتَّى يَنْزلُوا الأَعْماق (d).
قال ابن وَهْبٍ: البَرّ والبَحْر.
стр. 620
أنْبَأنَا أبو العبَّاس أحمدُ بن عَبْد اللهِ بن عُلْوَان، وسعيد بن هاشِم بن أحمد الأسَدِيّان، عن أبي البَرَكَات الخَضِر بن شِبْل الحَارِثِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحمَّد ابن الحُسَيْن، قال: أخْبَرنا أبو عَليّ الأهْوَازِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو نَصْر عَبْد الوهَّاب ابن عَبْدِ الله بن عُمَر بن أَيُّوب المُرِّيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو هاشِم عَبْد الجَبَّار بن عَبْد الصَّمَد السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أحمدُ بن عُمَيْر، قال: حَدَّثَنَا أبو عَامِر مُوسَى بن عَامِر، قال: حَدَّثنا الوَلِيدُ بن مُسْلِم، قال: حَدَّثَني كُلْثُوم بن زِيَادٍ، عن سُلَيمان بن حَبِيْب المُحَارِبِيّ، عن رَجُلٍ من قَوْمهِ أنَّهُ سَمِعَهُ من كَعْب يقُول: يلتقُونَ بعَمْق عَكَّا فيَقْتتلُونَ، ثمّ يَتَهايَبُون فيَنْحازُونَ، ثمّ يَقْتتلُونَ ثمّ يَتَهَايَبُونَ حتَّى يَنْتَهُوا إلى عَمْق أَنْطاكِيَة، فيقيمونَ به لا يَنْهَزم هؤلاءِ ولا هؤلاءِ، ويَبْعَث المُسلِمُون فيستَمدُّون إلى عَدَن أبْيَن، ويَبْعَث الرُّوم إلى مَنْ يُمِدُّهم من رُوْميَة.
أخْبَرنا أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الشَّافِعِيّ الدِّمَشْقِيّ بها، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة اللهِ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحمَّدُ بن أحمد بن أبي الصَّقْر، قال: أخْبَرَنا هِبَةُ الله بن إبْرَاهِيْم بن عُمَر بن الصَّوَّاف، قال: أخْبرنا أبو بَكْر أحمد بن مُحمَّد ابن إسْمَاعِيْل المُهَنْدِس، قال: حَدَّثَنا أبو بِشْر الدُّولَابِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد ابن عَوْف، قال: حَدَّثَنَا أبو المُغِيرَة، قال: حَدَّثَنا صَفْوَان بن عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا أبو الزَّاهريَّة حُدَيْر بن كُرَيْب، عن كَعْب أنَّه قال، ح.
قال الحَافِظُ أبو القَاسِم: وأنْبَأنَا أبو عَليّ الحَدَّاد (a)، وحَدَّثَني أبو مَسْعُود -يعني: عَبْد الرَّحِيْم بن عليّ بن حَمَد- عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن
стр. 621
أحمد الذَّكْوَاني، قال: حَدَّثَنا أبو الشَّيْخ (a)، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيْم بن مُحمَّد بن الحَسَن، قال: حَدَّثنا عِيسَى بن خَالِد، قال: حَدَّثَنَا أبو اليَمَان، عن صَفْوَان بن عَمْرو، عن أبي الزَّاهِرِيَّةِ، عن كَعْب أنَّهُ قال: لَنْ تَزالوا بخَيْر ما لم يَرْكَب أهْل الجَزِيرَة أهل قِنَّسْرِيْن، وأهل قِنَّسْرِيْن أهل حِمْصَ، فيَوْمئذٍ تكون الجَفْلَةُ ويَفْزَعُ النَّاس إلى دِمَشْق.
أخْبَرنا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحمد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن الحَافِظ (١)، قال: أخْبَرنا أبو البَرَكَات الخَضِرُ بن شِبْل الفَقِيهُ، قال: أخْبَرنَا أبو طَاهِر مُحمَّد بن الحُسَيْن، قال: أخْبرنَا أبو عَليّ الحَسَن بن عليّ بن إبْرَاهِيْم المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو نَصْر عَبْد الوهَّاب بن عَبْد اللهِ بن عُمَر المُرِّيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو هاشِم عَبْد الجَبَّار بن عَبْد الصَّمَد السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن أحمد بن عُمَيْر ابن يُوسُف، قال: حَدَّثَنا أبو عَامِر مُوسَى بن عَامِر، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيد بن مُسْلم، حَدَّثَني يَزِيد بن سَعيد بن ذي غَضْوَان (b) العَنْسِيّ، عن مُدْلِج بن المِقْدَاد العُذْرِيّ، عن سُلَيم مولَاهُم أنَّه سَمِعَ كَعْبَ الأحْبَارِ يقول: إذا نزلَت الرُّومُ عَمْقَ الأَعْماقِ بأَنْطاكِيَةَ، فَمن لم يَنْصُر المُسْلِمِيْن يَوْمئذٍ فليسَ هو على شيء.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحمَّد بن طَبَرْزَد، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصاريّ، قال: أخْبَرنا أبو مُحمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن مَعْرُوف، قال: أخْبَرَنَا الحُسَيْن بن فَهْم، قال: حَدَّثنا مُحمَّد
стр. 622
ابن سَعْد، قال: أخْبَرَنا عَارِمُ بن الفَضْلِ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن زَيْد، عن أَيُّوبَ وهِشَام، عن مُحمَّد قال: نُبِّئْتُ أنَّ عَبْدَ الله بن سَلَّام قال: إنْ أدْرَكنِي، وليسَ لي ركُوبٌ فاحملُوني حتَّى تَضَعُوني بين الصَّفَّين؛ يعني: قتال الأَعْماق.
أخْبَرنا أبو مَنْصُور عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أنْبَأنا أبو عَليّ الحَسَنُ بن أحمد المُقْرِئُ، قال: أخْبَرنَا أبو نُعَيْم الحَافِظ، قال: حَدَّثَنَا حَبِيْب بن الحَسَن، وعَبْدُ اللهِ بن مُحمَّد، قالا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بن الحَسَن أبو حُفَيْص القَاضِي الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن كَامِل بن مَيْمُون الزَّيَّات، قال: حَدَّثَنا مُحمَّدُ بن إسْحَاق العُكَّاشِيّ، قال: حَدَّثنا الأوْزَاعِيّ قال: قَدِمْتُ المَدِينَةَ في خِلَافَة هِشَام، فقُلتُ: مَنْ هَا هُنا من العُلَمَاءِ؟ قالوا: ها هُنا مُحمَّدُ بن المُنْكَدِر، ومُحمَّدُ بن كَعْب القُرَظِيّ، ومُحمَّد بن عليّ بن عَبْد الله بن عَبَّاسٍ، ومُحمَّد بن عليّ بن الحُسَيْن بن فاطِمَة بنْت رسُول اللهِ ﷺ ، فقُلْتُ: واللهِ لا بُدَّ أنْ أبْدَأ بهذا قَبْلَهُم، قال: فدَخَلْتُ المَسْجِدَ، فسَلَّمْتُ، فأخَذَ بيَدِي فأدْنَاني منهُ، فقال: من أيّ أخَوَانِنَا أنتَ؟ فقُلتُ له: رَجُل من أهْلِ الشَّام، قال: من أيِّ أهْل الشَّام؟ قُلتُ: رَجُل من أهل دِمَشْق، قال: نَعَم؛ أخْبَرَني أبي عن جَدِّي أنَّه سَمِعَ رسُول اللهِ ﷺ يقولُ (٢): للنَّاسِ ثَلاثةُ (٣) مَعَاقِل؛ فمَعْقِلهُم من المَلْحَمَة الكُبرى الّتي تكون بعَمْقِ أَنْطاكِيَةَ: دِمَشْق، ومَعْقِلُهم من الدَّجَّالِ: بَيتُ المَقْدِس، ومَعْقِلُهم من يَأْجُوج ومَأْجُوج: طُوْر سَيْناء.
стр. 623
ونَقَلْتُ من كتاب المَلَاحِم والفِتَن، تأليف نُعَيْم بن حَمَّاد (١)، ممَّا رَواهُ عنهُ أبو بَكْر بن أبي مَرْيَم، وأنْبَأنَا عَبْد العَزِيْز بن الحُسَيْن، قال: أخْبَرَتْنا به الحُرَّة عَفِيفَة بنتُ أحمد، قالت: أخْبَرَتْنا فاطِمَة، قالت: أخْبَرَنا ابن رِيْذَة، قال: أخْبَرنا الطَّبَرَانِيّ، قال: أخْبَرَنا المُرَاديّ، قال: حَدَّثَنَا نُعَيْم، قال: حَدَّثَنا أبو عُمَر، عن ابن لَهِيْعَة، عن عَبْدِ الوهَّاب بن حُسَين، عن مُحمَّد بن ثَابِتٍ، عن أبيهِ، عن الحَارِث، عن عَبْد اللهِ، قال: لا يَنْجُو من بلِيَّتها (a) إلَّا مَنْ صَبَر على الحِصَارِ، والمَعْقِلُ من السُّفْيَانِيّ بإذْن اللهِ ثَلاث مُدُنٍ للأعَاجم ناحيَة الثُّغُور: مَدِينَة يُقالُ لها أَنْطاكِيَة، ومَدِينَة يُقالُ لها قُورُس، ومَدِينَة يُقالُ لها سُمَيْسَاط، والمَعْقِل من الرُّوم جَبَلٌ يُقالُ لهُ المُعْنِقُ (b).
وقال: أخْبَرنا أبو عَبْد الله نُعَيْم بن حَمَّاد المَرْوزِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنا أبو عُمَر؛ صاحبٌ لنا من أهْلِ البَصْرَة، قال: حَدَّثنا ابنُ لَهِيْعَة، عن عَبْد الوهَّاب بن حُسَين، عن مُحمَّد بن ثَابِت، عن أبيهِ، عن الحَارِث الهَمْدَانِيّ، عن عَبْد اللهِ بن مَسْعُود، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: يكُون بين المُسْلِمِيْن وبين الرُّوم هُدْنَةٌ وصُلْحٌ حتَّى يقاتلُوا معهم عَدُوًّا لهم، فيُقاسمُونَهم غنائِمَهُم، ثمّ إنَّ الرُّوم يَغْزُونَ مع المُسْلِمِيْن فَارِس، فيَقتلُونَ مُقاتلتَهُم، ويَسْبُونَ ذَرَاريَهُم. فتَقُول الرُّومُ: قَاسِمونا الغَنائِم كما قاسَمْناكُم، فيُقاسِمُونَهم الأمْوَال وذَرَاري المُشْرِكين، فتقُول الرُّومُ: قاسِمُونا ما أصَبْتُم من ذَرارِيْكُم، فَيَقُولُونَ: لا نُقاسِمكم ذَرارِي المُسْلِمِيْن أبدًا، فَيَقُولُونَ: غَدَرْتُم، فتَرجعُ الرُّومُ إلى صَاحبهِم بالقُسْطَنْطِينِيَّة، فَيَقُولُونَ: إنَّ العَرَبَ غَدَرَتْ بِنا، ونحنُ أكثَرُ منهم عَدَدًا، وأتَمّ منهم عُدَّة، وأشَدّ منهم قوَّةً، فأمدّنا نُقاتلْهُم. فيقُول: ما كُنت لأغْدرَ بهم وقد كانت لهم
стр. 624
الغَلَبَةُ في طُول الدَّهْر علينا، فيأتُونَ صَاحبَ رُوْمِيَة فيُخْبرونَهُ بذلك فيُوجِّهُ بثمانين غَايَةً (١) تحتَ كُلّ غايَةٍ اثنا عَشَر ألْفًا في البَحْر، ويقُول لهم صَاحبُهُم: إذا أَرْسَيْتُم بسَوَاحل الشَّامِ، فَحَرِّقُوا المراكب لتقاتلُوا عن أنفُسِكُم فيَفْعَلونَ ذلك، ويأْخُذَونَ أرضَ الشَّام كُلَّها بَرَّهَا وبَحْرَهَا ما خَلا مَدِينَةَ دِمَشْق والمُعْنِق، ويُخْرِّبُونَ بَيتَ المَقْدِس.
قال: فقال ابنُ مَسْعُود: وَكَم تَسَعُ دِمَشْقُ من المُسْلِمِيْن؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : والذي نَفْسي بيده لتتَّسِعَنَّ على مَنْ يأتها من المُسْلِمِيْن كما تَتَّسِعُ الرَّحمُ على الولدِ، قال: قُلتُ: وما المُعْنِقُ يا نَبيّ الله؟ قال: جَبَلٌ بأرض الشَّام من حِمْصَ على نَهْر يُقالُ لهُ الأُرُنْط (a)، فتكون ذَرَارِي المُسْلِمِيْنَ في أعْلَى المُعْنِقِ والمُسلِمُونَ على الأُرُنْط، يُقاتلونَهُم صَباحًا ومَسَاءً، فإذا أبْصَرَ ذلك صَاحبُ القُسْطَنْطِينِيَّة، وَجَّهَ في البَرِّ إلى قِنَّسْرِيْن ثلاثمائة ألف (b) حتَّى تَجيئَهُم مادَّةُ اليَمَن سَبْعُون ألفًا، ألَّفَ الله قُلُوبهُم بالإيمان، فيهم أربعُونَ ألْفًا من حِمْيَر، حتَّى يأتُوا بَيتَ المَقْدِس، فيُقَاتلونَ الرُّومَ، فيَهْزمونَهم ويُخرجُونَهُم من جُنْدٍ إلى جُنْدٍ حتَّى يأتُوا قِنَّسْرِيْن، وتَجِيئُهم مادَّةُ المَوَالِي، قال: قلتُ: وما مادَّةُ المَوَالِي يا رسُول الله؟ قال: هُمْ عَتاقَتُكم، وهم منكم؛ قَوْمٌ يَجِيْئُون من قِبَلِ فَارِس، فَيَقُولُونَ: تَعَصَّبْتُم يا مَعْشَرَ العَرَب! لا نكُون مع أحدٍ من الفَرِيقَيْن، أو تجتَمع كلمتكُم، فتُقَاتِل نِزَارٌ يَوْمًا، واليَمَنُ يَوْمًا، والمَوَالِي يَوْمًا، فيُخْرجُونَ الرُّومَ إلى المُعْنِق (c)، ويَنْزِلُ المُسلِمُونَ على نَهْرٍ يقال كَذَا وكَذَا، والمُشْرِكون على نَهْرٍ يُقالُ لهُ الرّقيَّة (d)، وهو النَّهْرُ الأَسْوَدُ، فيُقاتلونَهُم، فيَرْفَعُ نَصْرَهُ عن العَسْكَرين، ويُنْزل صَبْرهُ عليهما، حتَّى يُقْتَلَ من المُسْلِمِيْن ثُلُثٌ، ويَفرّ ثُلُثٌ، ويَبْقَى الثُّلُث.
стр. 625
فأمَّا الّذين يُقْتَلُونَ فشَهِيدُهم كشَهيدِ عَشَرة من شُهَدَاء بَدْر، يَشْفعُ الواحدُ من شُهَدَاءِ بَدْرٍ لسَبْعِين، وشَهِيْدُ المَلَاحِم يَشْفَعُ لسَبْعمائة.
وأمَّا الثُّلُثُ الّذين يَفِرّونَ، فإنَّهم يفتَرقُونَ ثلاثةَ أثْلَاثٍ: ثُلُث يلحَقُونَ بالرُّوم ويقُولُونَ: لو كان للهِ بهذا الدِّين من حَاجةٍ لنَصَرَهُم، وهم مُسْلِمَةُ العَرَب: بَهْرَاء (a) وتَنُوخ وطَيِّء وسَلِيْح (b). وثُلُثٌ يقُولونَ: منَازلُ آبائنا وأجْدَادنا، وحيث لا ينالنا الرُّوم أبدًا، مُرُّوا بنا مُرُّوا بنا إلى البَدْو، وهُم الأعْرَابُ. وثُلُثٌ يقُولونَ: إنَّ كُلّ شيءٍ كاسْمِهِ، وأرْض الشَّام كاسْمها: الشُّؤْم، فَسِيروا إلى أرض العِرَاق واليَمَن والحِجَاز حيثُ تخاف الرُّوم.
وأمَّا الثُّلُث الباقي، فيَمْضي بعضُهُم إلى بعضٍ يقُولُونَ: اللهَ اللهَ! دَعُوا عنكم العَصَبِيَّة، ولتَجْتَمع كلمتُكُم، وقاتِلُوا عَدُوَّكُم؛ فإنَّكُم لن تُنْصَرُوا ما تَعَصَّبْتُم، فيجتَمعُونَ جميعًا ويتَبايَعُونَ على أنْ يُقاتِلُوا، حتَّى يَلْحَقُوا بإخْوانِهم الّذين قُتِلُوا، فإذا أبْصَر الرُّومُ إلى مَنْ تَحوَّل إليهم، ومَنْ قُتِل، ورَأوا قِلَّة المُسْلِمِيْنَ، قام رُومِيٌّ بين الصَّفَّين ومَعَهُ بَنْدٌ في أعْلَاهُ صَلِيبٌ، فيَقُول: غَلَبَ الصَّلِيبُ، غَلَبَ الصَّلِيْبُ، فيقُومُ رَجُلٌ من المُسْلِمِيْن بين الصَّفَّين ومعَهُ بَنْدٌ فيُنادِي: بل غَلَبَ أنْصَارُ اللهِ وأوْلياؤهُ، فيَغْضَب اللهُ على الّذين كَفَرُوا من قَولهم: غَلَبَ الصَّلِيبُ، فيقُول: يا جِبْرِيلُ، أَغِثْ عِبَادِي، فينحَدِر في مائةِ ألْفٍ من المَلائِكَةِ، ويقُول: يا مِيْكَائِل، أغِثْ عِبَادِي، فَيَنْحَدِر في مائتي ألفٍ من المَلائِكَة، ثمّ يقُول: يا إسْرافِيْل، أغِثْ عِبَادِي، فيَنْحَدِر إسْرافِيْلُ في ثلاثمائةِ ألفٍ من المَلائِكَةِ، ويُنْزل اللهُ نَصْره على المُؤْمنيْن، ويُنْزلُ بأسَه على الكُفَّارِ فيُقْتَلُونَ ويُهْزَمُونَ.
ويَسِير المُسلِمُونَ في أرْض الرُّوم حتَّى يأتُوا عَمُّورِيَّةَ، وعلى سُورها خَلْقٌ كَثِيْرٌ يقولونَ: ما رأينا شيئًا أكثر من الرُّوم! كَم قَتَلْنا وهَزمنا وما أكَثرهم في
стр. 626
هذه المَدِينَة، فَيَقُولُونَ: أمِّنُونا على أنْ نُؤدِّي إليكُم الجِزْيَةَ، فيأْخُذُون الأمَان لهم ولجميع الرُّوم على آداءِ الجِزْيَةِ، وتجتَمع إليهم أطْرَافُهُم. فَيَقُولُونَ: يا مَعْشَرَ العَرَب، إنَّ الدَّجَّال قد خَالفَكم إلى ذَرارِيكم -والخَبَر باطلٌ- فمَنْ كان فيهم منكم فلا يُلقيَنَّ شيئًا ممَّا معَهُ، فإنَّهُ قوَّة لكم على ما بَقي، فيَخْرجُونَ فيجدُونَ الخَبَر باطلًا، وتَثب الرُّومُ على مَنْ بقي في بلادِهم، فيَقْتلونهم حتَّى لا يَبْقى بأرْض الرُّوم عَرَبيٌّ ولا عَرَبيَّةٌ ولا وَلَد عَرَبيّ إلّا قُتِل، فيبلُغ ذلكَ المُسلِمِيْنَ، فيَرجعُونَ غَضَبًا للهِ فيَقْتُلونَ مُقاتِلَتَهم ويَسْبُونَ الذَّرَارِي، ويَجْمَعُونَ الأمْوَالَ، لا يَنْزلونَ على مَدِينَةٍ ولا على حِصْنٍ فوق ثلاثة أيَّام حتَّى يفْتح لهم، ويَنزلونَ على الخَلِيْج، ويمدّ الخَلِيْج حتَّى يَفيْضَ، فيُصْبح أهلُ القُسْطَنْطِينِيَّةِ يقُولونَ: الصَّلِيب مَدَّ لنا بَحْرنا، والمَسِيْحُ نَاصرُنا. فيُصْبحُونَ والخَلِيْج يابسٌ، فتُضْربَ فيه الأخْبِيَةُ ويَحْسِر البَحْرُ عن القُسْطَنْطِينِيَّة، ويَحُوط المُسلِمُونَ ليلة الجُمُعَة بالتَّحْمِيْد والتَّكْبير والتَّهْلِيْل إلى الصَّبَاح ليسَ فيهم نائمٌ ولا جالسٌ، فإذا طَلَعَ الفَجْرُ كَبَّر المُسلِمُونَ تَكْبيرةً واحدةً، فيَسْقُط ما بين البُرْجَيْن. فيقُول الرُّومُ: إنَّما كُنَّا نُقاتِل العَرَبَ فالآن نُقَاتِل رَبَّنا وقد هَدَم لهم مَدِينَتَنَا وخَرَّبَها لهم [. . . .] (a) فيُمَكَّنُون (b) بأيْديهم، ويكيْلُونَ الذَّهَبَ بالأتْرِسَة، ويقسمُونَ الذَّرَارِيّ حتَّى يبلُغَ سَهْمُ الرَّجُل منهم ثلاثمائة عَذْرَاء، ويتَمَتَّعُونَ بما في أيْدِيهم ما شَاءَ اللهُ، ثمّ يخرج الدَّجَّالُ حَقًّا، ويفتَحُ اللهُ القُسْطَنْطِينِيَّةَ على يدي أقْوامٍ هُم أولياءُ الله، ويرفَعُ اللهُ عنهم المَوْتَ والمَرَضَ والسَّقَمَ حتَّى ينزلَ عليهم عِيسَى ابن مَرْيَم، فيُقاتِلُونَ مَعَهُ الدَّجَّال.
стр. 627
وقال أبو بَكْر عَبْد الله بن مُحمَّد بن أبي مَرْيَم (١): وأخْبرَنِي عَمْرو بن قَيْس، عن أبي بَحْرِيَّة، قال: لتسيرَنَّ الرُّوم حتَّى ينزلُوا دَيْرَ بَهْرَاء حتَّى يضَع مَلِكُهُم صَلِيْبَهُ وبنُودَهُ على هذا التَّلِّ؛ تَلِّ قَحْمَايَا (a)، فيكُون أوَّل هَلَاكِهم على يَدِ رَجُل من أَنْطاكِيَةَ يَدْعُوا النَّاسَ فيَنْتَدبُ معه رِجالٌ من المُسْلِمِين، فهو أوَّلُ من يَحْملُ عليهم، فيُهلكهُم الله.
كَتَبَ إلينا أبو مُحمَّد أحمدُ بن الأزْهَر بن عَبْد الوهَّاب بن السَّبَّاك من بَغْدَاد، أنَّ القَاضِي أبا بَكْر مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي بن مُحمَّد، المَعْرُوف بقاضي المَارَسْتَان، أنبأَهُم أنَّ أبا مُحمَّد الحَسَن بن عليّ بن مُحمَّد الجَوْهَرِيّ أخْبَرَهم، فيما أذِنَ لهم فيهِ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر مُحمَّدُ بن العبَّاس بن زَكَرِيَّاء بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرنا أبو الحُسَيْن أحمد بن جَعْفَر بن مُحمَّد المُنَادِي (٢)، قال: أخْبَرَني أبو سُلَيمان عَبْدُ الله بن جَرِير الجَوَالِيْقِيّ (b)، قال: أخْبرَني رَجُل من أهل الكتابِ مَوْصُوفٌ بجَمْعِ المَلَاحِم أنَّ هذا الكتاب -يعني: كتابَ دَانِيَال ﵇ عندَهم مَسْمُوع من كُبرائهم لا يكَادُون يَدْفعُونَهُ إلَّا إلى مَنْ يثقُونَ بكَتْمه، ليُعَرِّفَهُم (c) بما يَتَضَمَّنُهُ من عَجائب المَلَاحِم: فأخَذْتُ من أبي سُلَيمان ما يكون من المَلَاحِم الآتية، وتَرَكت كُتُب المَاضِيَة، فابْتَدأتُ من ذلك بآخر عَهْد المُعْتَمِد، ثمّ آخر الكتاب، فذَكَر دَانِيَال ﵇ في كتابهِ هذا. وذَكَرَ ابنُ المُنَادِي أشياء من المَلَاحِم، اخْتَصَرتُها أنا، وذكَرتُ ما يتَعلَّق بحَلَب وأعْمالها، فمنها أنَّه قال (٣): ويَطْوِي اللهُ الأرْضَ للظَّاهر (d) الخارج من مَكَّة، واسْمُه مُحمَّد بن عليّ من ولد السِّبْط الأكْبَر الحَسَن بن عليّ، فيَتَسَمَّى بالإمام الحَسَنيّ، فيبلغ البَيْدَاء من يَوْمِه.
стр. 628
وذَكَرَ حديث السُّفْيَانِيّ وهَلاكه وهَلاك جَيْشه إلى أنْ قال (١): ثمّ أنَّ الحَسَنيّ يَسْتَخلفُ على العِرَاقَيْن وما والاهما ويَخْرج إلى الرُّوم، فيَكتب مَلِكُ الرُّوم إلى مَلِك الصَّقَالِبَة: إنَّ هذا العَدُوّ الّذي قَدِم لقتَالِي إذا هَزَمني أقْبَلَ إليكَ، فأمدَّني أكفِكَ أمْرَهُ. فيَمُدّه ويَكْتُب إلى صَاحب أَرْمِينِيَة بمثل ذلك، فأمَّا صَاحبُ أَرْمِينِيَة فقد شَغَلَهُ صَاحبُ الحَسَنيّ فلا يُجِيبُه بلا ولا نَعَم، ويُحارب الحَسَنيّ الرُّوم فيَفْتح منها مُدُنًا وحُصُونًا كَثِيْرةً، ويقيمُ بطَرَسُوس، ويَبُثُّ أصْحَابَهُ وجُيُوشَهُ في جميع الثُّغُور فكُلّهم يَنْصُرهم الله، فيَفْتَتِح الوَجْهَ الّذي هَوَ فيهِ ويَغْنَم.
وذَكَرَ بعد ذلك فَتْحَ الحَسَنيّ قُسْطَنْطِينِيَّة (a)، وهَرَبِ مَلِكها، وقد قسم السَّبْي وغَنم ما يَعجز عن قسمَته حتَّى يكيْل الذَّهَبَ والفِضَّة بالتُّرْس.
وذَكَرَ خَوَارِجَ يَخْرجُون على أصْحَابِ الحَسَنيّ في البِلادِ، ثُمَّ قال (٢): ويَخْرج أصْحَابُ الحَسَنيّ في كُلِّ الوُجُوه، فيَنْصُرهُم الله في الوُجُوه كُلِّها، ويَفْتَحُونَ البُلْدانَ، ويَصْفُو الأمْرُ للحَسَنيّ. وقد كان مَلِكُ الرُّوم لمَّا بَلَغَهُ أنَّ الخَوَارِج قد خَرَجُوا على الحَسَنيّ حَلَفَ وهو بالرُّومِيَةِ خَلْفَ قُسْطَنْطِينِيَّة (b) أنْ يَخْرج إلى أرْض الإسْلام، فيَغْلِب على ما قَدر عليها من مُدُنها، ويَدْخُلها كما دَخَل الحَسَنيُّ قُسْطَنْطِينِيَّة، ويَرْجع إلى قُسْطَنْطِينِيَّة، ثمّ تَجْتَمع بطارقته عنده (c) ويَسير إلى طَرَسُوس، ثمّ يَخْرج منها حتَّى يأتي الفُرَات، ويُمْهله الحَسَنيُّ حتَّى يأتي حَرَّان. ثمّ يأْخُذُ عليه الحَسَنيُّ من ورائه ومن قُدَّامِه، فيَقْتُل أصْحَابَهُ، ويأْخُذ صُلْبانهم، وينزعُ مَلِكُ الرُّوم ثيابَهُ، ويَلْبَسُ ثيابَ أهْل طَرَسُوس، ويَتَزَيَّا بزيّ أهل الثَّغْرِ، ويتقَلَّد
стр. 629
سَيْفًا، ويَرْكَب بَغْلًا، ويَلْطَخُ فَمَهُ بدَمٍ، فكُلَّما تلَقَّاه رَجُلٌ من المُسْلِمِينَ، أوْمَأ إليهِ بيَدِه كأنَّهُ يُسَلِّم عليه ويَدْعُو له، فيَظُنّ أنّهُ رَجُلٌ من أهْلِ الثَّغْر قد أصَابَهُ ذلك في جِهادِه الرُّوم، فلا يَزال كذلك حتَّى يأتي طَرَسُوس، ثمّ يَضْربُ إلى الرُّوم ويُنادِي ويَسْأَلُ: هل رأيتُم الطَّاغِيَةَ؟ فَيَقُولُونَ: هربَ، ولو كان في القَتْلَى وَجَدْنَاهُ (a)، فيُوَلِّي الوُلاةَ، ويُوجِّهُهم في وُجُوه بُلْدان الإسْلام كُلّها وقد اسْتَقامَ أمْرُ الإسْلام كُلّهِ. ثمّ يخرج في أصْحَابهِ فيُجاهِدُ الرُّوم، ويُرسل إليهِ مَلِكُ الرُّوم ويُخْبره بحِيْلَته الّتي نَجَا بها، ويَسْألُه الصُّلْحَ والرُّجُوعَ (b)، ويُخَوِّفهُ فَسَاد بلادهِ إنْ هو اشْتَغَل بقتالِ الرُّوم، فيقُول له: لَسْنَا نقاتلُكَ على الأمْوَالِ والغَنائِم، إنَّما نُقَاتلُكَ على أنْ يكون الدِّينُ دِيْنَ الإسْلام.
قال: فيَقْرأ مَلِكُ الرُّوم كتابَهُ على بطَارقَتِهِ، ويقُول لهم: لا يكون هذا أحْرصَ على الجِهادِ منكم، فَيَقُولُونَ له: صَدَقَتْ، فاخْرُج بنا إليه. فيَجْتَمعُونَ ويخرجُونَ إلى الحَسَنيّ في ألفِ صَلِيْبٍ، تحتَ كُلِّ صَلِيب جَمْعٌ كبيرٌ، ويَلْقاهُم الحَسَنيّ، فيَقْتُل منهم كُلَّ يَوْم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً لا تُحْصَى، ويَنْهزمُونَ ويتَّبعُهم حتَّى يبلُغَ بهم القُسْطَنْطِينِيَّة، ثُمّ يُحاصرهم أيضًا، ويُضَيِّق عليهم (c)، ويسأَلونَهُ الصُّلْح، فيأبَى ذلك عليهم، فينهزمُونَ عنها إلى رُومِيَةَ ويُخلونَها له، فيَدْخُلها في أصْحَابهِ، فيهدمُونَ بِيْعَتَها العُظْمَى بعد أخْذِهم بيتَ مَذْبَحها وصُلْبانه، ويَحْرثُونَ (d) قُسْطَنْطِينِيَّة، ويَهْدمُونَ سُورَهَا، ويقيمُونَ فيها وفيما حَوْلَها، ويريدونَ المَسِيْر إلى رُومِيَة، فيُرسِل الحَسَنيُّ جَيْشًا إلى مَلِك الصَّقَالِبَةِ فيهزمُونَهُ أيضًا، ويأْخُذونَ بعضَ بلادهِ.
ويَخْرجُ بإصْطَخْر من فَارِس رَجُل أعْوَر يَدَّعِي أنَّه الدَّجَّالُ، ويُسَمِّي نفسَهُ فيقُول: أنا الإلَهُ.
стр. 630
واقْتَصَّ قِصَّة خُرُوج الدَّجَّال (١)، ونُزُول عِيسَى بن مَرْيَم (٢)، وقال (٣): ثمّ يقول المَسِيْح للحَسَنيّ وأصْحَابِه: دُونكم أصْحَاب الدَّجَّال، فكُلّ مَنْ لا يقُول: لا إله إلَّا الله وَحده لا شَرِيك لهُ، فاقْتلوه. فيَضَعُونَ فيهم السِّلاح فيقتُلونَهُم عن آخرهم. ثمّ يقُول المَسِيْحُ عِيسَى للحَسَنيّ: قد قَضَيْت ما عليكَ، وَوَجَب أجْرُك، وهذا آخر يَومِك من الدُّنْيا، ويأتيه مَلَكُ المَوْت، فيَقْبِض رُوحَه بأهْوَن ما قَبض أحدًا من النَّاسِ، طيبَةً بذلك نَفْسُه. ثمّ ذَكَرَ بعد ذلك قِصَّةَ المَهْديّ وبَيْعَتَهُ (٤).
كَتَبَتْ إلينا زَيْنَبُ بنْتُ عَبْد الرَّحْمن الشَّعْرِيّ من نَيْسابُور أنَّ أبا المُظَفَّر القُشَيْرِيّ أنْبَأها، قال: أخْبَرَنا الإمامُ أبو بَكْر البَيْهَقِيّ، قال: أخْبَرنا الحاكِم أبو عَبْد الله الحَافِظُ (٥)، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بن صالح بن هَانئ، قال: حَدَّثَنا الفَضْل بن مُحمَّد الشَّعْرَانيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله (a) بن صالح، قال: حَدَّثَنا اللَّيْثُ بن سَعْدٍ، عن أبي قَبِيْلٍ، عن عَبْد الله بن عَمْرو بن العَاص، قال: للدَّجَّالِ آياتٌ مَعْلُوماتٌ؛ إذا غَارَت العُيُون، ونَشفت (b) الأنْهارُ، واصْفَرَّ الرَّيْحَانُ، وانْتَقَلَتْ مَذْحِج وهَمْدَانُ من العِرَاق فنَزَلَتْ قِنَّسْرِيْنَ، فانْتَظرُوا الدَّجَّال غَاديًا أو رَائحًا.
قال الحاكِم (٦) هذا حديثٌ صَحْيحُ الإسْنَادِ، ولم يُخَرِّجَاهُ.
стр. 631
أخْبَرنا الشَّريفُ افْتِخارُ الدِّين أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بنُ الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح أحمدُ بن الحُسَيْن بن عَبْد الرَّحْمن الشَّاشِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي مُحمَّد بن مُحمَّد بن زَيْد الحُسَيْنيُّ، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن أحمد الفَارِسيّ، قال: أخْبَرَنَا دَعْلَج بن أحمد العَدْلُ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن عليّ، قال: حَدَّثنا سَعيدُ بن مَنْصُور، قال: حَدَّثَنا يُونُس بن أبي يَعْقُوبَ، قال: حَدَّثَني أبي أبو يَعْقُوبَ، عن مُسْلمٍ أبي سَعيدٍ، قال: كُنْتُ مع ابن مَسْعُود ﵁ فوضَعَ يدَهُ عليَّ يتوَكَّأُ حتَّى دَخَل -يعني: دَارًا قريبةً من باب السُّوق- فَرَأى فيها غَضَارةً من عَيْشٍ؛ من رَقيق وحَشَمٍ وخَيْلٍ وهَدَايا ودَوَاجن من الغَنَم، فقال: يا أبا سَعيد، يُعْجبُكَ ما تَرَى ها هُنا؟ قُلتُ: أي واللهِ يا أبا عَبدِ الرَّحْمن، فقال: والّذي نَفْسُ عَبْدِ اللهِ بيَدِه لئن بَقيْتَ قليلًا لتَخْتَارُ أنَّ لكَ بالدُّنْيا وما فيها بَعِيرًا تَقْتَنِيْهِ! ثمّ أشارَ بيَدِه نحو المَغْرب، ثمّ قال: طَريق المُسْلِمِين هَاربينَ من الدَّجَّالِ ملْطَاطُ الفُرَات إلى الشَّام، فذَكَر الحَدِيْث.
أخْبَرنا أبو جَعْفَر يَحْيَى بن جَعْفَر بن عبدِ اللهِ بن الدَّامَغَانِيّ البَغْدادِيّ الصُّوفِيّ، قِراءَةً عليهِ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: أخْبَرَنَا أبو العِزّ مُحمَّد بن المُخْتَار ابن مُحمَّد، قال: أخْبَرنا أبو عَليّ الحَسَنُ بن عليّ بن المُذْهِب، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحمد بنُ جَعْفَر بن حَمْدَان القَطِيْعِيُّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أحمد بن مُحمَّد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثنا أبي، قال: حَدَّثَنا وَكِيع، قال: حَدَّثنا المَسْعُودِيُّ، عن حَمْزَة العَبْدِيّ -أو: العَيْدِيّ- قال: حدَّثَنا أشْياخُنا، قال: خَرَج ابنُ مَسْعُود فنادَى نداءً، ولم يُناجِ نجاءً، فقال: الملْطَاطُ شَاطِئُ الفُرَات طَريق بَقِيَّة المُؤمنين، هُرَّابٌ من الدَّجَّال، فبئس المُنْتظَر أم السَّاعَة؛ فالسَّاعَةُ أدْهَى وأمَرّ، ثمّ أخَذَ حَصَاةً فقال بها على ظُفْرهِ، هكذا: ما خُرُوجُه بأنْفَض لإيمان مُؤمن ما نَفَضْتُ هذه الحَصَاةَ من ظُفُري.
стр. 632
وقَرَأتُ في كتاب المَلَاحِم والفِتَن لنُعَيْمِ بن حَمَّاد (١)، رِوَاية أبي بَكْر بن أبي مَرْيَم عنه من نُسْخَة قُرئت على أبي بَكْر، قال: حَدَّثَنَا نُعَيْم.
وأنْبَأنَا عَبْد العَزِيْز بن هِلالَة، قال: أخْبَرَتْنا به عَفِيفَةُ بنْتُ أحمد، قالت أخْبَرَتنا فاطِمَةُ، قالت: أخْبَرَنا ابن رِيْذَة، قال: أخْبَرَنَا الطَّبَرَانِيّ، قال: أخْبَرنا عَبْد الرَّحْمن، قال: حَدَّثنا نُعَيْم، قال: حَدَّثَنَا الحَكَم بن نَافِعٍ، عن جَرَّاح، عن أَرْطَأة قال: تُفْتَح القُسْطَنْطِينِيَّة (a)، ثمّ يأتيهم الخَبَرُ بخُرُوج الدَّجَّالِ، قال: فيكُونُ باطلًا، ثمّ يُقِيمُونَ ثُلثَ سُبْع سَابُوع، فتُمْسك السَّماء في ثُلُث السَّنَة ثُلُثَ مَطَرِها (b)، وفي السَّنَةِ الثَّانيَةِ ثُلُثَيها، وفي الثَّالثة تُمْسكُ قطرهَا أجْمَع، فلا يَبْقَى ذو ظُفر ولا نابٍ إلَّا هَلَكَ، ويَقَعُ الجُوع فيَمُوتُونَ حتَّى لا يَبْقَى من كُلّ سَبْعِين عَشَرَةٌ، ويَهْربُ النَّاسُ إلى جِبَالِ الجَوْف إلى أَنْطاكِيَةَ.
ومن عَلامَة خُرُوج الدَّجَّال ريحٌ شَرْقيَّةٌ ليسَتْ بحارَّة ولا باردة، تَهْدِم صَنَم إسْكَنْدَرِيَّة، وتقلعُ زَيْتُونَ المَغْرب والشَّام من أُصُولها، وتَيْبسُ الفُرَاتُ والعُيُونُ والأنْهارُ، وتُنْسَئ لها مَوَاقيتُ الأيَّام والشُّهُور ومَواقيتُ الأهلَّةِ.
وقال أبو بَكْرٍ عَبْد الله بن أبي مَرْيَم، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بن يُوسُف الفِرْيَابِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان، عن سَلَمَة بن كُهَيْل، عن أبي الزَّعْرَاءِ، قال: ذُكِرَ عندَ ابن مَسْعُود الدَّجَّال فقال: تَفْتَرقُونَ -أيُّها النَّاسُ- لخُرُوجِه على ثلاثةِ فِرَقٍ: فِرقَةٌ تَتْبَعُه، وفِرقَةٌ تَلْحَقُ بأرض آبائها بمَنابتِ الشِّيْحِ، وفِرقَةٌ تأخُذُ شَاطئَ الفُرَاتِ يُقَاتِلُهم ويُقاتِلونَهُ حتَّى يَجْتَمِع المُؤمنونَ بقُرَى الشَّام، فيَبْعَثُونَ إليه طليعَةً فيهم فَارِسٌ على فَرَسٍ أشْقَرَ أو أبْلَقَ، فيُقْتَلُونَ لا يَرْجعُ منهم بَشَرٌ.
стр. 633
أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن الحَرَسْتانيّ، عن أبي مُحمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي الحَدِيْد، قال: أخْبَرَنا جَدِّي أبو بَكْر، قال: حَدَّثَنا أحمد بن مُحمَّد بن سَعيد بن خَالِد الخُشَنِيّ، قال: حدَّثَنا أبو عَليّ الحَسَنُ بن عَوَانَة الكِلابِيّ، من كَفْر بَطْنا، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن نَصْر النَّيْسَابُوريّ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن بَدْرٍ المَلَطيّ، قال: حدَّثَنا كَثِيْر بن الرَّبِيْع بن مَرَازِم السُّلَمِيّ، قال: حَدَّثنا سُفْيانُ بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْرِيّ، عن أنَس بن مالِك، قال: قال رسُول الله ﷺ (a): يا أنس، لا تُؤْذِن عليَّ اليَوْم أحَدًا، فجاءَ أبو بَكْر فاسْتأذَن فلَم يُؤْذَن له، ثمّ جاءَ عُمَر فاستأذَن فلَمْ يُؤْذَن له، ثمّ جاءَ عليّ فاسْتأذَن فلم يُؤذَن لَهُ، فرجع عليّ إلى رسُول اللهِ ﷺ مُغْضَبًا، فدخَلَ عليه الحُجْرَة، والنَّبيّ ﷺ يُصَلِّي، فجلَسَ عليٌّ مُحْمَرّ قفَاه، فلمَّا انْصَرفَ النَّبِيّ ﷺ أخَذ برَقَبته، فقال له: يا عليّ، لعلَّكَ أمْكَنْتَ الشَّيْطانَ من رَقبتك، قال: وكيفَ لا أَغضَبُ وهذا أبو بَكْر صاحبُكَ ووَزِيرك اسْتأذنَ عليك فلم يُؤْذن له، وهذا عُمَرُ بن الخَطَّاب صاحبُكَ ووَزِيرُك اسْتأذنَ عليكَ فلم يُؤذَن له، وأنا ابنُ عمَّكَ وصهْرُكَ اسْتأذَنْتُ عليك فلم يُؤْذَن لي، وجاءَك رَجُلٌ من بني سُلَيم فأذنْتَ له!
فقال له: اسْكُتْ يا عليّ، يأبَى اللهُ لسُلَيم إلَّا حُبًّا. يا عليّ، إنَّ جِبْرِيل أمَرَني أنْ أدفَع الرَّايةَ إلى بَني سُلَيم. يا عليّ، إنَّ لله ملائكةً سيَّاحين، مُشَبَّهين برجالٍ من بَني سُلَيم، يتصَفَّحُون وُجُوهَ بني سُلَيم فإذا لقِيْتُم الشَّيْخَ الكَبير منهم، فسَلوهُ أنْ يَدْعُو الله لكُم؛ فإنَّه تسْتَجابُ دعْوتهُم. يا عليّ، إنَّ بني سُلَيم رضَى الإسْلام. يا عليّ، إنَّ بني سُلَيم رِدْءُ الإسْلام. يا عليّ، إنَّ اللهَ ادَّخرَ بني سُلَيم إلى آخر الزَّمان. يا عليّ، إنَّه إذا كان في آخر الزَّمان يَخْرُج من النَّواحِي معهم أحْياء من العَرَب من عكٍّ وسُلَيم وبَهْرَاء وجُذَام وطَيّء، فيَنْتهُونَ إلى مَدِينَةٍ يُقالُ لها نَصِيبِيْن،
стр. 634
فيكون من فَسَادهم أمْرٌ عظيم، فيَنْتهون إلى مَدِينَةٍ يُقالُ لها آمِد، فيغلبونَ عليها، فيَفْزَع النَّاس منهم ويَدْخلُون في حُصُونهم، ثمّ يَنْتهونَ إلى مَدِينَةٍ يُقالُ لها الرَّقَّة؛ مَدِينَةٌ يَجْري على بابها نَهْرٌ من الجَنَّة، فيغلِبُونَ على مَدِينَةٍ إلى جانبها يُقالُ لها الرَّقَّة السَّوداء، فيَسْتَبيحونَ ذَرَاري المُسْلِمِيْن وأمْوالهم، فتَنتهي طائفةٌ منهم إلى نَواحي من نَواحِيها، فَتَسْبي نساءَ عَيْلَان فيَغْضَب لذلك رَجُلٌ من بني سُلَيم، خَميْصُ البَطْن، أخْوَصُ العَيْن، يُقالُ لهُ فُلَانٌ، ويَخْرج حَيٌّ من بني عُقَيْل، فيلحقُون فيدْرکونَهُم، فيَسْتَنقذُونَ ذَراري المُسْلِمِيْنَ وأموَالهم.
يا عليّ، رَحم اللهُ بَني سُلَيم، يُقْتَل منهم الثُّلُثُ، ويبْقَى الثُّلُثان، ثمّ يَنْتهونَ من فَوْرهم ذلك إلى مَدِينَةٍ يُقالُ لها مَلَطْيَة؛ قد غَلَب عليها العَدُوّ.
يا عليّ، رَحم الله بني سُلَيم يُقْتَل منهم الثُّلثَان، ويبْقَى الثُّلُث. يا عليّ، رَحم اللهُ بني عُقَيْل؛ يُقْتَل منهم الثُّلُث ويبْقَى الثُّلثان.
يا عليّ، إنَّ في بَني سُلَيم خَمْس خصَال، لو أنَّ خَصْلَةً منها في جميع العَرَب لافْتَخرت بها، إنَّ فيهم من خَصَبَ القِرَى، وفيهم ثالث ثَلاثةٍ، وفيهم مَنْ نزلَتْ بَراءَتُه من السَّماء، وفيهم مَن نصَر اللهَ ورَسُولَهُ، وفيهم من الثَّلاثة الّذين خُلّفُوا. يا عليّ، لو أنَّ خَصْلَةً منها في جَميع العَرَب لافْتَخَرت بها. يا عليّ، لو مالَت العَرَبُ فرقَتَيْن، فكانت فِرْقةٌ منها بني سُلَيم لمِلْتُ مع بني سُلَيم. يا عليّ، إنَّ العَرَب كُلَّها تَخْتَلفُ في حُكْمِهم، وإنَّ بني سُلَيم على الحَقّ. يا عليّ، حِبَّ بني سُلَيم، فإنَّ حُبَّهُم أمان وبُغْضَهُم نفاقٌ، يا عليّ لا تُخْبرهم بما أخْبرتُكَ بهِ.
стр. 635
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوْفِيقِي
أخْبَرنا الشَّيْخُ العَلَّامَةُ أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِيّ، فيما أَذِنَ لَنا في روَايته عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم هِبَة الله بن أحمد بن عُمَر الحَرِيرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن البُسْرِيّ، قال: أخْبَرنا مُحمَّد بن جَعْفَر التَّمِيْمِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيدٍ الأحْمَسِيّ، قال: حَدَّثَنا الحُسَيْن بن حُمَيْد، قال: حدَّثنا المَسْعُودِيّ، عن القَاسِم بن عَبْد الرَّحْمن، قال (١): مَدَّ الفُرَاتُ، فكَرِهَ النَّاسُ ذلك، فقال عَبْدُ الله: أيُّها النَّاس لا تَكْرَهُوا مَدَّهُ؛ فإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يُلْتَمس فيه مِلءُ طَسْتِ ماءٍ فلا يُوجَد، وذلك حين يَرْجع كُلّ ماءٍ إلى عنْصُره، وتكون بَقِيَّة الماءِ والمؤمنُونَ بالشَّام.
هكَذا جاءَ في رِوَايَةِ عَبْد الرَّحْمن المَسْعُودِيّ مُنْقَطِعًا ليسَ بين القَاسِم وابن مَسْعُود أحدٌ، ورَواه الأَعْمَشُ عن القَاسِم عن أبيهِ عن ابن مَسْعُود مُتَّصِلًا.
أنْبَأنَا بها عُمَر بن مُحمَّد المُؤَدِّبُ، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحمَّد بن هِبَةِ الله بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن بنُ الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عَبْد الله بنُ جَعْفَرٍ، قال: حدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن سُفْيان (٢)، قال: حَدَّثَنا قَبِيْصَة، قال: حَدَّثَنا سُفْيان، عن الأَعْمَش، عن القَاسِم بن عَبْد الرَّحْمن، عن أبيهِ، عن عَبْد اللهِ قال: شَكَونا (a) إليهِ الفُرَاتَ وقلَّة الماءِ، فقال: يأتي عليكم زمانٌ لا تجدونَ فيهِ ملْء طَسْتٍ (b) من ماءٍ، ويَرْجع كُلّ ماءٍ إلى عنصُره وبَقِى الماء والمُؤمنونَ بالشَّام.