ثُمّ إنَّهُ وَصَلَ إلى حَلَب في سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، سَيَّرَهُ أبو المَكَارِم لجَمْع أمْوَال حَلَب، وعَدَل عمَّا كان يَعْمله في أوَّل الأمْر من العَدْلِ والإحْسَان، وصَادَر جَمَاعَةً وضاعَف الخَرَاج، وكان أبو المَكَارِم بالقَادِسيَّة، فبَلغَ أبا العِزّ الوَزِير أنَّ مَمْلُوكَيْن أرادَا قَتْل شَرَف الدَّوْلَة أبي المَكَارِمِ، فعادَ من حَلَب إلى القَادِسيَّةِ، فقبضَ عليه شَرَف الدَّوْلَة وحَبَسَهُ وصادرَهُ في سنَة سَبْعٍ وسَبْعِين.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد الكَاتِب الأصْبَهَانِيّ (١) في حَوَادِث سَنَة ثَمانٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة: في صَفَر كان مَقْتَلُ شَرَف الدَّوْلَةِ مُسْلِم بن قُرَيْشٍ، وكان أبو العِزَّ بن صَدَقَة في اعْتِقَال شَرَف الدَّوْلَةِ، فوَرَدَ إلى بَغْداد فارًّا من حَبْسه، وكان قد اعْتَقَلَهُ بعد أنْ وَزَر السِّنِيْن الطَّويلة، ومَهَّد أمْره، ثمّ تغيَّر عليه وقبَضَهُ، فعاتبَهُ بعضُ أصْحَابهِ، فقال: ما آمنُه لأنَّهُ عَازِم على قِتَالِ (a) ابن جَهِيْر، ومُتَوَجِّهٌ إلى حَرْبه (b) ولولا ذلك لأطلَقْتُه، فإنَّني أخَافُ أنْ يَخْرُج منه عليَّ ما لا أتلَافاهُ (c).
وحَبَسَهُ بالرَّحْبَةِ، وسَاعدَهُ ابن الجَسَّار، وعَمل سَفيْنَةً خَفِيْفةً، وأظْهَر أنَّهُ يُريد أنْ يَخْدُم بها شَرَف الدَّوْلَةِ، فلمَّا تَمَّ (d) خَرَج في زيَّ امْرأةٍ من بَيْت عَجُوز إلى جَنْب الحَبْس نقَبَ إليه وخَرج، فلمَّا وَصَلَ إلى الباب قال بعضُ النَّاسِ: هذه الامْرأةُ ما أطْوَلها! فقال ابنُ الجَسَّار: امْسك! قَطَعَ اللَّه لسَانك، لا تَذْكُر حُرَم النَّاس، وكان الفُرَات ناقصًا فلمَّا جَلَسَ في السَّفِيْنَة زَادَ ذِرَاعًا، فانْحَدَر إلى الأرْحَاء ببَغْدَاد، وقَصَدَ باب المَرَاتِب.
стр. 5777
وحُكِي عنه أنَّهُ كان يُخاطب أصْدِقَاءَهُ بعد أنْ وَلِيَ الأعْمَالَ العَظِيمَةَ والولَايات بما كان يُخاطبهم به، ويقُول: لم ينْقُصُوا بل زدْتُ أنا، وزِيَادتي لا تَمْنَعُ من تَوْفيتي ما عودَّتهم.
وتُوفِّيَ ابنُ صَدَقَة بعد وُصُولِه بأرْبَعة أشْهُر في جُمَادَى الأُوْلَى من هذه السَّنَةِ.
أبو العِزّ بن عليّ بن المُهَنَّا المَعَرِّيُّ
أخُو النَّاظِر المَعَرِّيّ.
شَاعِرٌ مجُيْدٌ، ومن شِعْره ما نَقَلْتُهُ من خَطِّ يَحْيَى بن أبي طَيّ النَّجَّار في مَجْمُوعٍ له (١): [من السريع]
ونَائم عن سَهَري قال لي … وقد طَوَاني حُبُّه طيَّا
أأنت حَيٌّ بعدُ قُلتُ: انْتَبِه … فالمَيْتُ في النَّوْم يُرَى حيَّا
وله أيضًا: [من الرمل]
أيُّها البَدْرُ الّذي حَازَ المُلَحْ … وحَوَى تِيْهًا ودَلًّا ومَرَحْ
بالَّذي أعْطَاك في الحُسْنِ المُنَى … ارْحَمِ الصَّبَّ الّذي فيك افْتَضَحْ
لتَعَطَّفْتَ على ذي لَوْعَةٍ … أفْسَدَ الهِجْرَانُ ما مِنهُ صَلَحْ
أبو عَسَّاف العُقَيْلِيُّ (a)
شَاعِرٌ كان بباب سَيْفِ الدَّوْلةَ ابن حَمْدَان من أهْلِ البَادِيَة، رَوَى عنهُ أبو عليّ الهَائِم شَيئًا من شِعْره.
стр. 5778
أنْبَأنَا أبو حَفص عُمَر بن مُحَمَّد المُؤدِّب، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، عن أبي القَاسِم عليّ، عن أَبِيهِ المُحَسِّن بن عليّ التَّنُوخِيّ، قال: أنْشَدَني أبو عليّ الهَائِم، قال: أنْشَدَني أبو عَسَّاف الحَاجِيَّ العُقَيْلِيّ، شَيْخٌ طَويْلٌ كان ببَاب سَيْفِ الدَّوْلَة حينًا، ورجعَ إلى بادِيَتهِ (a): [من الكامل]
ولقد عَهدْتُ بها نَعائمَ تَرْتَعي … وكأنَّها نُوْقٌ بَدَتْ في أحْلُسِ
قَصَبُ (a) الحَشَائِش سُوْقَها فكأنَّها … قَصَب الزُّمُرّد أو عُيُون النَّرْجِسِ
أبو عَطَاءٍ
دَخَلَ على هِشَام بن عَبْد المَلِك بالرُّصَافَةِ فسَألَهُ عن فُقَهَاءٍ الأمْصَارِ، رَوَى ذلك عنه ابنُهُ عُثْمان بن أبي عَطَاء.
ذَكَرَ أبو المُؤيَّد (c) المُوَفَّق بن أحمد المَكِّيِّ الخُوارَزْمِيّ في مَنَاقب أبي حَنِيْفَة ﵁، قال: أخْبرَنا الإِمَامُ أبو الحَسَن عليِّ بن مُحَمَّد بن عليَّ الرُّشْكيّ، قال: قَرَأتُ على الإمَام الحاكمِ أبي سَعْد المُحَسِّن بن مُحَمَّد المُلقَّب بابن كَرَامَةَ الجُشُميّ، ﵀، قال: أخْبَرَنا أبو حَامِد أحْمَد بن مُحَمَّد النَّجَّار، قال: أمْلَى علينا أبو نَصْر الحَسَنُ بن أبي مَرْوَان، قال: حَدَّثَنَا أبو تُرَاب أحْمَدُ بن سَهْلٍ الطُّوْسيّ، قال: حَدَّثَنَا أَبَان بن عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا قُثَم بن أبي قَتَادَة، عن عُثْمان بن أبي عَطَاء، عن أَبِيهِ، قال: دَخَلْتُ على هِشَام بن عَبْدِ المَلِك بالرُّصَافَة، فقال: يا أبا عَطَاء، هل لك عِلْمِ بعُلمَاءَ الأمْصَار؟ قُلتُ: بلَى يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْنَ، قال: فَمن فَقِيْهُ أهْلِ المَدِينة؟ قُلتُ: نَافِع مَوْلَى ابن عُمَر، قال: فَمن فَقِيْهُ أهْلِ مَكَّة؟ قُلتُ: عَطَاء بن أبي رَبَاح، قال (d): أمَوْلَى أم عَرَبيٌّ؟ قُلتُ: لا (e)؛ بل مَوْلَى، قال: فَمن فَقِيْهُ أهْل اليَمَن؟ قُلتُ:
стр. 5779
طَاوُس بن كَيْسَان، قال: مَوْلًى أم عَرَبيّ؟ قُلتُ: لا؛ بل مَوْلى، قال: فَمن فَقِيْهُ أهْل اليَمَامَة؟ قُلتُ: يَحْيَى بن كَثِيْر، قال: مَوْلًى أم عَرَبيّ؟ قُلتُ: لا؛ بل مَوْلى، قال: فَمن فَقِيْهُ أهْلِ الشَّام؟ قُلتُ: مَكْحُول، قال: مَوْلًى أم عَرَبيّ؟ قُلتُ: لا؛ بل مَوْلَى، قال: فَمن فَقِيهُ أهْل الجَزِيْرَة؟ قُلتُ: مَيْمُون بن مِهْرَان، قال: مَوْلًى أم عَرَبيّ؟ قُلتُ: لا؛ بل مَوْلى، قال: فَمن فَقِيْهُ أهْلِ خُرَاسَان؟ قُلتُ: الضَّحَّاك بن مُزَاحِم، قال: مَوْلَى أم عَرَبيّ؟ قُلتُ: لا؛ بل مَوْلَى، قال: فَمن فَقِيْهُ أهْل البَصْرَة؟ قُلتُ: الحَسَن وابن سِيْرِيْن، قال: مَوْلَيان أم عَرَبيَّان؟ قُلتُ: لا بل مَوْليان، قال: فَمن فَقِيْهُ أهْلِ الكُوفَة؟ قُلتُ: إبْراهيم النَّخَعِيّ، قال: مَوْلَى أم عَرَبيّ؟ قُلتُ: لا؛ بل عَرَبيّ، قال: كادَتْ تَخْرُج نَفْسِي ولا تقُول وَاحدٌ عَرَبيّ.
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو عليّ
أبو عليّ بن الضَّرَّاب الحَلَبِيُّ الشِّطْرَنْجيُّ الشَّاعرُ
شَاعِرٌ مُجَوِّدٌ، كان بحَلَب، وكان يُجَالِس سَدِيْد الدَّوْلَةِ أبا الحَسَن بن مُنْقِذ، رَوَى عنهُ أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن الفَضْل الكَرْمَانيّ السِّيْرَجَانِيّ، وسَمِعَ منه بحَلَب، وقد ذَكَرْنا رِوَايتَهُ عنه في تَرْجَمَتِهِ (١).
قَرأتُ بخَطِّ القَاضِي أبي المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن أبي جَرَادَة: قال الشَّيْخُ أبو عليّ بن الضّرَّاب الحَلَبِيُّ يَمْدَحُ العَمِيْدَ الرَّشِيْد شَرَف المُلْك أمينَ الحَضْرَتين أبا سَعْد مُحَمَّد بن مَنْصُور الأصْبَهَانِيَّ: [من الطويل]
خَلِيليَّ إنْ لَم تسعدَاني على وَجْدِي … فلا تعذُلَاني ما شتت الهَوَى وَحْدي
تَسُومَان منِّي سَلْوةً بعدَما بَدَا … لعَيْنَيَّ لَمْعُ البَرْق بالأبْلَق الفَرْدِ
стр. 5780
ولو كُنتُما خِدْني سُهادٍ ولَوْعَةٍ … وعندَكما من لَاعِج الشَّوْق ما عِنْدِي
لَمَا لُمْتُماني في الهَوَى ورثَيْتُما … لمَنْ باتَ منه في جِهَادٍ وفي جَهْدِ
فهل نَفْحَةٌ من جَوِّ هِنْدٍ أَسُوْفُها … وقد عَبقَتْ أعْطَافُها من رُبَى نَجْدِ
عَلِيْلَة أنْفَاسٍ إذا ما تَنَفَّسَتْ … أتَتْكَ بأنْباءٍ عن البَان والرَّنْدِ
لعَلِّي أنْ أُطْفِئ بها نار لَوْعَتي … إذا خَطَرَتْ أو أنْ أكفَّ بها وَجْدِي
وكيف تكفُّ النَّار نَاسِمَةُ الصَّبَا … وما بَرحَتْ بالرّيح سَاطِعَة الوَقْد (a)
أيا طَلَلَى هِنْدٍ سَلَامٌ عليكما … وإنْ هجتُما لي الوَجْدَ يا طَلَلَى هِنْدِ
فكم أرَبٍ قضَّيْتُه في رُبَاكما … وعَيْشٍ تقضَّى في ظِلَالِكُما رَغْدِ
وخَاليَةٍ بالحُسْنِ حَاليَةٍ به تَرُوحُ … على وَصْلٍ وتَغْدُو على صَدِّ
من البيضِ يَمْتَارُ الضُّحَى من جَبِيْنها … وجنْح الدُّجَى من فَرْعِها الفَاحم الجَعْدِ
إذا جَالَ لَحْظُ العَيْن في حُسْن وَجْهها … أبَى الحُسْنُ فيهِ أنْ يَقِر على حدِ
وإنْ سحبَتْ ريْطَ الدَّيَاجِي لزوْره … وأبْدَتْ من الأشْوَاق مثْل الّذي أبْدِي
فمن رِيْقها خَمْري ومن حُسْن لَفْظها … سَمَاعِي ومِنْ تَوْرِيدِ وَجْنَتها وَرْدِي
وَفَتْ لي ولَوْنُ الرَّأسِ أسْوَد حَالِكٌ … يَرُوْق فلمَّا حال حَالتْ عن العَهْدِ
لإنْ بيَّضَتْ رَأسي السُّنُون بمَرِّها … لَمَا هَصَرتْ فَرْعِي ولا ثلَمَت حَدِّي
وما زلْتُ ورَّادًا على كُلِّ خُطَّةٍ … إذا ما أنارَتْ حُلّةٌ للرَّدَى تُرْدِي
وأعْرضُ عن شُرْب النَّمير وبي ظَمأً … شَدِيْدٌ وذَوْدُ الهُون يُسْرع في وِرْدِي
وإنِّي إذا ما اسْتَفْحَل (b) الخَطْبُ وانْبَرَت … زحُوفُ الرَّزَايا في طراد وفي طرْدِ
لأرْكَبُ أطْرَافَ العَوَالي إلى العُلَى … وقد صَحَّ عندِي أنَّهُ مَرْكب مُرْدِ
وأرْكَب حَتْفي والحَيَاةُ شهيَّةٌ … لها بين أنْيَاب الأسَاودِ والأُسْدِ
ولو كان يُجْدِي الاحْتِرَازُ لعِفْتُه … فكيفَ وما يُغْنِي فَتِيلًا ولا يُجْدِي
стр. 5781
سَأفْرِي الفَيَافِي الغُبر كُلّ نَجِيْبةٍ … تَفِرُّ إلي الإرْقَالِ من عَنَتِ الوَخْدِ
بَرَاها السُّرَى حتَّى تخيَّلْتُ أنَّها … حُبَابٌ تلَوَّى أو صَليْفٌ من القِدِ
تجَزَّى بخفَّاقِ النَّسِيم عن الكلَا … وتغْنَى برقْرَاق السَّرَاب عن العدِّ
وكيفَ ترودُ الرَّوْضَ والرَّوْضُ من يدي … وتَسْتَام وِرْدَ الماء والماءُ في غمْدِي
أبو عليّ بن كَوْجَك الحَلَبِيّ
كان من أهْلِ حَلَب، وله شِعْرٌ، وقيل: إنَّهُ ينْتَحل الشِّعْر، واسْمُه مُحَمَّد بن عليّ.
قَرَأتُ في تاريخ مُخْتَار المُلْك المُسَبِّحيّ (١) في سَنَة ثَمانٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة، قال: وفي هذه السَّنَة وَصَلَ أبو عليّ بن كَوْجَك إلى مِصْر، ومَعَهُ جاريتُه حُسْن، وكانت صَبِيَّةً من أهْلِ حَلَب تُعْرفُ بحُسْن بنت خَاقَان، من أهْلِ بَيْتٍ فيهم تصَوُّنٌ وسِتْرٌ، واشْتَهَت مُعَاشَرَة النَّاس.
قال: ولها شِعْرٌ صالِحٌ يُسْتَطرفُ من مثْلها، وكانت تَهْوَى غُلامًا من أوْلادِ الكُتَّاب المُحَارَفين (a)، وكان أَدِيْبًا يَعْملُ لأبي عليّ الشِّعْرَ بعدَ الشِّعْر، يَمْتَاح (b) بهِ النَّاس، وكانت تُكْثِرُ زِيَارَتَهُ، فوَلَدَتْ على فِراشِ أبي عليّ بن كَوْجَك وَلدًا سَمَّته المُحَسِّن، وكَنَّتْهُ أبا عَبْد اللَّه، فخَرَجَ ثَقِيْلَ الطَّلْعَة، بَارِدَ الشَّاهِد، غَثَّ الأدَب، وتَرَسَّمَ بتَعْليم الصِّبْيَان، فكانت تلك مَعِيْشَتُهُ.
стр. 5782
قال: فكان من أحْسَن غِنَائها شِعْرٌ يُزْعَمُ أنَّهُ لأبي عليّ بن كَوْجَك، وهو: [من المتقارب]
بَكَيْتُ فأضْحَكَني قَوْلُهُ … أتَبْكي وليْ نَاظِرٌ يَطْرِفُ
وكيفَ أُحَاذِرُ حورَ الهَوَى … وَليْ سَيِّدٌ في الهَوَى مُنْصفُ
قَرَأتُ في كتاب الطُّنْبُورِيِّيْن والطُّنْبُورِيّات (١) لعليّ بن الحُسَين بن عليّ بن كَوْجَك العَبْسِيّ الحَلَبِيّ، قال: حُسْن جَارِيَة أبي عليّ بن كَوْجَك وليس المصنِّفَ، وذَكَر من حالها شيئًا أضْرَبْتُ عن ذِكْره لقُبْحهِ.
وذَكَرَ المُسَبِّحيّ أيضًا شَيئًا من ذلك، وذَكَرَا جَمِيعًا أنّ سَيِّدَها سافَرَ بها إلى مِصْر؛ يعني: من حَلَب.
أبو عليّ الصِّقِلِّيُّ
أدِيبٌ فَاضِلٌ، حَضَر بحَلَب مَجْلِسَ أبي عَبْد اللَّه الحُسَين بن أحْمَد بن خَالَوَيْه، وحَكَى عنه وعن أبي الطَّيِّب اللُّغَويّ. حَكَى عنهُ أبو الحَسَن عليّ بن مَنْصُور المَعْرُوف بدَوْخَلَة الحَلَبِيّ.
قَرَأتُ في رِسَالة أبي الحَسَن عليّ بن مَنْصُور الّتي كَتَبَها إلى أبي العَلَاء أحمد بن عَبْد اللَّه بن سُلَيمان، وأجابَهُ أبو العَلَاء عنها برسَالةِ الغُفْرَان، قال عليّ بن مَنْصُور (٢): حَدَّثَني أبو عليّ الصِّقِلِّيّ بدِمَشْق، قال: كُنْتُ في مَجْلِسِ ابن خَالَوَيْه إذْ وَرَدَت عليه من سَيْفِ الدَّوْلَة، ﵀، مَسَائِل تتعلَّق باللُّغَةِ، فاضْطَرَب لها،
стр. 5783
ودَخَلَ خِزَانتَهُ وأخْرَج كُتُبَ اللُّغَة، وفرَّقها على أصْحَابِه يُفَتِّشُونها (a) ليُجِيْبَ عنها، وتَرَكْتُه وذَهَبْتُ إلى أبي الطَّيِّب اللُّغَويّ، وهو جالسٌ، وقد وَرَدَت عليه تلك المَسَائِل بعَيْنها، وبيَده قَلَم الحُمْرة، فأجابَ به ولَم يُغَيِّرْهُ، قُدْرَةً على الجَوَابِ.
قُلْتُ: كان هذا بحَلَب؛ لأنَّ أبا الطّيِّب وَرَدَ حَلَب إلى سَيْف الدَّوْلَة، وجَمَعَ بينَهُ وبين ابن خَالَوَيْه، وأقام بها إل أنْ ماتَ، وقد ذَكَرْنا ذلك في تَرْجَمَتِهِ (١).
أبو عليّ بن أبي حَامِد (٢)
كان بحَلَب في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة، والمُتَنَبِّي إذ ذاكَ بها، وحَكَى شَيئًا من أحْوَالهِ.
رَوَى عن أَبِيهِ أبي حَامِد صَاحِب بَيْت المَال، رَوَى عنهُ المُحْسِّن بنُ عليّ التَّنُوخِيّ، وقد ذَكَرْنا في تَرْجَمَةِ المُتَنَبِّي عنه ما حَكَاهُ عنهُ (٣).
أبو عليّ بن عَمَّار القَاضِيّ، فَخْر المُلْك (٤)
صَاحِبُ أطْرَابُلُس الشَّام.
стр. 5784
كان بها مُسْتَوليًا على أمْرها إلى أنْ قصَدَهُ الفِرِنْج، فسَار من أطْرَابُلُس إلى بَغْدَاد، واجْتازَ في طَرِيْقهِ بحَلَب أو عَملها، ووَرَدَ بَغْدَاد مُسْتَنفرًا على الفِرِنْج (١)، فأنْفَذَ السُّلْطان مُحَمَّد شَبَّارةً لِيَرْكب فيها، وأمرَ جميع الأُمَرَاء وأرْبَاب دَوْلته بتَلقِّيهِ وإكْرَامِهِ، وكذلك أرْبَاب دَوْلةِ الإمَام المُسْتَظْهِر باللَّهِ، فلمَّا نَزَل الشَّبَّارَة قَعَدَ بين يَدي الدَّسْت احْتِرَامًا لمكان السُّلْطان، فلمَّا حَضَرَ عندَهُ أكْرَمه واعْتَمَد معه ما لَم يَعْتَمد مع المُلُوك الّذين معه مثْلَهُ، ثمّ ذَكَر له ما وَرَدَ لأجْلِهِ، ووصَف له قُوَّة عدُوّه، وطلَبَ أنْ يُنْجدَهُ عليهم، ثمّ حَضَرَ إلى دار الخَلِيفَة فذَكَرَ مثْل ذلك ثمّ حَمَل الهَدَايا إلى المُسْتَظْهِر وإلى السُّلْطان، وكان فيها أشْيَاء نَفِيْسَة، فوعَدَهُ السُّلْطان بالنَّجْدَة، وسَيَّر معه عَسَاكِرَ، وخَلَعَ عَليه.
ثُمَّ إنَّ الفِرِنْج اسْتَولوا على أطْرَابُلُس في ذِي الحِجَّة من سَنَة ثلاث (a) وخَمْسِمائَة ونَهَبُوها وسَبَوا النِّسَاءَ والأطْفَال، وغَنِمُوا الأمْوَال، ثمّ سَاروا إلى جُبَيْل وبها فَخْر المُلْك أبو عليّ بن عَمَّار، فَلكُوها، وخَرَجَ منها هَارِبًا فسَلِم وقَصَدَ طُغْدُكِيْن صَاحِبَ دِمَشْقَ (٢)، فأكْرَمَهُ، وأقْطَعَهُ بلادًا كَثِيْرةً.
أبو عليّ الحَلَبِيُّ
خَطِيْبُ المَسْجِد الأقْصَى، كان وَرِعًا مُتَدَيِّنًا، ولهُ كَلَامٌ حَسَنٌ مُبين (b).
стр. 5785
أخَذَ عنه أبو بَكْر ابن العَرَبيّ الإمَامُ، صَاحِب كتاب الأحْكَام، وذَكَرَهُ في أوَّل كتابهِ المُسَمَّى سِرَاج المُرِيْدينَ (١)، فقال: وإنِّي وإنْ لَم أكُن مُتَخلِّقًا بما أُوْردُه، ولا ضَابِطًا على ما أعْقدُه، فإنَّ لي قُدْوَةً في شَيْخنا (a) أبي عليّ الحَلَبِيّ خَطِيْب المَسْجِد الأقْصَى، طَهَّرَهُ اللَّه (b)، حَضَرتُ جُمُعَةً فيه، وقد عَلَا على أعوَاد مِنْبَره فخطَبَ:
الحَمْدُ للَّهِ الَّذي تفرَّد دون خَلْقِة بمُلْك الدُّنْيا والآخرة، وغَمَر برزقهِ كُلّ نَفْسٍ برّةٍ وفَاجِرَة، ثُمَّ ردَّهُم بعد ذلك إلى الحَافِرَة ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (٢).
أحْمَدُه على نِعَمه الوَافِرة، وأشْكُره على آلائهِ المُتَظاهِرة، وأشْهَدُ أنَّ لا إِلَه إلَّا اللَّه، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، شَهَادةً باطِنَةً وظَاهِرة (c)، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوله، ردَّدَهُ بينِ الأرْحَامِ المُحْصَنَة والأصْلَاب الفَاخِرة، حتَّى أبرزَهُ اللَّه آيةً (d) بَاهِرة، وابْتَعَثَه حُجَّةً قَاهِرة، فقام بأمْرِ اللَّهِ وشَقَاشِقِ الكُفْر هَادِرَة، وبِحَاره زَاخِرة، ودُعُاتهُ ثَائِرة، فلَم يَزَلْ يُجادِل في اللَّهِ بالأدِلَّةِ المُتَنَاصِرة، ويُنَاضِل عن دِيْنهِ بالقَوَاضِب البَاتِرَة، حتَّى أطْفَأ النَّائِرة، وأعادَ العِيْشَةَ النَّاضِرَة، وأصْلَحِ أمر الدُّنْيا والآخرة، صَلَّى اللَّه عليه وعلى آلهِ وصَحْبه ما هَطَلتِ السُّحُبُ المَاطِرَة، وجرَتْ في البِحَار السُّفُن المَاخِرَة.
عِبَادَ اللَّه، عَلَوْتُ على مِنْبَرَكم، ولَسْتُ بخَيْركم، واللَّه (e) لو كانَتِ الذُّنُوبُ
стр. 5786
مَنْظرًا لكُنْتُ أقْبَحكم، أو مَلْبسًا لكُنْتُ أَخْشَنَكُم، أو صَارَتْ خَبَرًا لكُنْتُ أفْظَعَكُم، أو فغَمَتْ رَائِحةٌ لكُنْتُ أتْفَلكُم، فإنْ تكلَّمْتُ فنَفْسِي أُخاطِبُ، ولئن وَعَظْتُ فإنِّي للتَّوْبةِ طَالِب، وفي الإثَابةِ (a) رَاغِبٌ، يَدْعُو إليها النُّهَى، ويُصْرف عنها الهَوَى.
قال (١): فأنْزَلْتُها من قَلْبي ثالثَة الأيْمان، وأضْمَرتها في نَفْسِي حاجةً لَمْ أقْضِهَا إلى الآن، ولِكُلِّ شيءٍ أوَان، مع اعْتِقَادِي أَنَّها بِكْر كلامهِ، وفَضِيْضة ختَامِهِ، حتَّى رويت عن الحَسَن أن أبا بَكْر خَطَب فقال: إنَّ رسُوِل اللَّه ﷺ كان يُعْصَم بالوَحْي، وكان معه مَلَكٌ، وإنَّ لي شَيْطَانًا يعْتَرينِيّ، فإذا غَضبْتُ فاجْتَنِبُونيّ، لا أُؤثر في أشْعَاركم وأبْشَاركم إلَّا فَرَاعُونِي، فإنْ اسْتَقَمْتُ فأعِيْنُونيّ، وإنْ اعْوَجَجْتُ فقَومُّوني، ووليتكمُ ولستُ بخَيْركم. قال الحَسَنُ: بلى واللَّهِ إنَّهُ لخَيْرُهم؛ ولكن المُؤْمِن يَهْضِم نَفْسَهُ.
أبو عليّ الأنْطَاكِيُّ (٢)
شَاعِرٌ، قَرأتُ له بَيْتَيْن في الحَمَاسَةِ العِرَاقِيَّة (٣): [من الخفيف]
لا وحُلْوِ الهَوَى ومُرِّ التَّجَنِيّ … ومَخَطِّ العِذَارِ في صَحْنِ خَدِّهْ
لأُذِيْبَنَّ وَجْنَتَيْهِ بلَحْظى … مثْلَ ما قد أذَابَ قَلْبي بصَدِّهْ
أبو عليّ الفَقِيهُ الخُرَاسَانيُّ الوَزِيْرُ
كان فَقِيْهًا نَبِيْلًا، وَزر لبعض القُوَّادِ القَادِميْن إلى حَلَب في نَفِير خُرَاسَان،
стр. 5787
فإنَّ بعضَ القُوَّادِ من الاسْبَاسْلَّارِيَّة قَدِمَ حلَبَ، وكان هذا الفَقِيهُ وَزِيرًا له، واجْتَمَع بأبي القَاسِم الأفْطَسِيّ بحَلَب، وحَكَى له مَنامًا رَآهُ: رَأى النَّبِيّ ﷺ يأمرُه بالنَّفِيْر، وحَكَى عنه الحِكايَةَ أبو القَاسِم الأفْطَسِيّ، قال في ذِكْر فاطِمَة بنت مُحَمَّد بن أحْمَد بن الشَّبيْه، ما ذَكرهُ أبو الغَنائِم الزَّيْدِيّ في كتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِيْن (١)، ورَوَاهُ عن أبي إسْمَاعِيْل يَحْيَى بن أبي يَعْلَى حَمْزَة بن أحْمَد الشَّاعر الأنْطَاكِيّ، قال: حَدَّثَنِي وَالدِي أبو يَعْلَى حَمْزَة، عن والدته فاطِمَة بنت مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد الشَّبيْه، فذَكَرَ حَدِيث فَتْح الرُّوم حَلَبَ في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وثَلاثِمائة، وأسْرها وخَلَاصها من الأسْر على ما نَذْكره في تَرْجَمَتِها مع النِّسَاء إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى (٢).
قال: ثُمَّ جاء نَفِيرٌ من خُرَاسَان إلى حَلَب مع اسْبَاسلَّار من القُوَّادِ جَلِيْل في خَمْسَة آلاف فارس، فأنْزَلهم سَيْفُ الدَّوْلةِ، وحَمَل إليهم ما أعَدَّهُ لهم من الهَدَايا والعُلُوْفات الكَثِيْرة، وكان وَزِير هذا الاسْبَاسْلَّار شَيْخًا كبيرًا نَبِيْلًا يُعْرَفُ بأبي عليّ الفَقِيه، فسَأل عن امْرَأة شَرِيفةٍ أُسِرَتْ، فعرَّفُوهُ خَبَرَها، فجاءَ إلى أبي القَاسِم الأفْطَسِيّ الشَّاعر، يَعْني زَوْج فاطِمَة المَذْكُورَة، وقال له: إنَّا لَم نَعْلَم بفَتْح حَلَب، إلَّا أنِّي رَأيْتُ النَّبِيّ ﷺ في النَّوْم، فقال لي: يا أهْل خُرَاسَان، ما تَنْفِرُونَ؟ فقُلتُ: إلى أين يا رسُول اللَّهِ؟ فقال: إلى حَلَب، فإنّ العَدُوّ قد فَتَحها وأَسَرَ لي مِنها بِنْتًا، فقُلتُ: يا رسُول اللَّهِ، فتَدَع بِنْتَكَ مع الرُّوم؟ فقال: لا؛ ما تَرَكْتُها. فتَنَبَّهتُ، وقد جِئْتُ وأنا أسْأل عن الخَبَر، وذَكَرَ تَمَام الحِكَايَة، ذَكَرْناها في تَرْجَمَةِ فاطِمَة (٣).
стр. 5788
أبو عليّ الضَّرِيْرُ المُقْرِئُ البِجَائيُّ (١)
من بجَايَة (a)؛ بَلَد بالمَغْرب.
رَجُلٌ مُقْرئ، عَارِفٌ بالقِرَاءَات، تَصَدَّرَ بجَامِعِ حَلَب لإقْراءِ النَّاس وإفَادتهم، وأدْرَكْتُه وكان يَقْرأ على شَيْخنا أبي الحَسَن عليّ بن قاسم بن الزَّقَّاق الإشْبِيلِيّ حين ورَدَ حَلَب.
وكان أبو عليّ هذا رَجُلًا صَالِحًا، حَسَن الأدَاءِ، وانْتَفَعَ به جَمَاعَةٌ من الطَّلَبَةِ، وقَرأ بحَلَب في لَيْلَةٍ من اللَّيالِي ثلاث خَتْمات وسُوْرة البَقَرة من الخَتْمَة الرَّابِعةِ في رَكْعَةٍ واحدةٍ وهو قائمٌ، وأكْمَل من سُوْرة آل عِمْرانَ إلى آخر الرُّبْعِ الأوَّل وهو جالِسٌ، وصَلَّى الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ، وحَضَر ذلك جَمَاعَةٌ من القُرَّاء، وكَتَبُوا خُطُوطَهُم بذلك، وعَرْفْتُ ذلك (b) في وَقْتهِ بحَلَب.
وكان سَبَبُ ذلك أنَّ بعضَ القُرَّاءَ الشِّيْعَة اسْتَصْغر فعْل عُثْمان ﵁ أنَّهُ خَتَم القُرْآن في رَكْعَتين إلى الصَّبَاح، وقال: أنا أفْعَل أكْثَر من فعْله، وخَتَم القُرْآن في رَكْعَة واحدةٍ قَبْل الصُّبْح، أو أنَّهُ زادَ على الخَتْمَة بما لا أتَحَقَّقُه الآن، فحَمَلُه ذلك على أنْ فَعَل ذلك إظْهارًا لزيادةِ قُدْرَته على الإسْرَاع في القراءة، وأنَّ الفَضيْلَة في فِعْل عُثْمان تَرْتِيلهُ القُرْآن وتَدَبُّره.
وبَلَغَنِي عن أبي عليّ المُقْرِئ هذا أنَّهُ قَرَأ على مُحْيِي الدِّين مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن العَرَبيِّ (c) الحَاتِميّ، في ليلَةٍ من ليالِي الصَّيْف بحَلَب خَتْمَة جَمَعَ فيها للقُرَّاء الثَّمَانِية؛ أعْني: السَّبْعَة ويَعْقُوبَ.
وتُوفِّي أبو عليّ المُقْرِئ هذا بحَلَب، بعد العَشْر والسِّتّمائة بسنين.
стр. 5789
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو عُمَر
أبو عُمَرَ بن عَامِر المِصِّيْصِيُّ
رَوَى عن الفَرَج بن سَعيد الطَّرَسُوسِيّ (a)، رَوَى عنهُ عُمَر بن أحْمَد بن السُّنِّيّ.
أخْبَرَنَا السَّلّار بَهْرَامِ بن مَحْمُود (b) بن بَخْتِيار الأتَابِكيّ، فيما أذِنَ لي فيهِ، وقد سَمِعْتُ منه غيرَهُ بِظَاهِر دمَشْق، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ عَبْد الخَالِق بن أسَد بن ثَابِت، قال: أخْبَرَنَا أبو سَعْد أحَمَدُ بن مُحَمَّد بن أبي سَعْد البَغْدَاديّ الحافِظُ بأصْبَهَان من لَفْظه إمْلاءً، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْدِ الجَبَّار بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد بن حَسْنُوَيه، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن جَعْفَر بن مَعْبَد، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن أحْمَد بن السُّنِّيّ، قال: حَدَّثَني أبو عُمَر بن عَامِر المِصِّيْصيّ، قال: حَدَّثَني فَرَج بن سَعيد، قال: حَدَّثَني مُبَشِّرُ بن إسْمَاعِيْل، قال: قُلْتُ للأوْزَاعِيّ: الرَّجُلُ نَرَاهُ يُجالسُ أَصْحَابَ البِدَع، فَنَلْقَاه فَنُعَاتبُه، فيقُول: أنا ليسَ بيني وبين النَّاسِ إلَّا خَيْر؟ فقال الأوْزَاعِيُّ: هذا رَجُلٌ يُريدُ أنْ يَجْمَعَ بين الحقِّ والبَاطِل، وهما لا يَجْتَمعان.
أبو عُمَر المَنْبِجِيُّ
رَوَى عن خَالِد بن سَعِيد (c)، رَوَى عنهُ مُحَمَّدُ بن بَكْر البَالِسِيّ (d).
أبو عُمَر الرِّيْحَانِيُّ الوَاعِظُ (e)
سَمعَ بمَعَرَّة النُّعْمَان أبا العَلَاء أحْمَد بن عَبْدِ اللَّه بن سُلَيمان، رَوَى عنهُ أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد بن الخَشَّاب.
стр. 5790
أنْبَأْنَا أبو عَبْدِ اللَّه بنُ الدُّبَيْثِيّ (١)، قال: أنْشَدَني أبو عَبْدِ اللَّهِ أحْمَدُ بن عليّ الخَطِيبُ من حِفظِه بباب مَنْزِلِه بدَار القَزِّ، قال: أنْشَدَني أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد بن الخشَّاب النَّحويّ (a)، قال: أنْشَدَني أبو عُمَر الرّيْحَانِيُّ الوَاعِظُ، قال: أنْشَدَني أبو العَلَاء أحْمَد بن عَبْدِ اللَّهِ التَّنُوخِيّ لنَفْسِه (٢): [من الطويل]
أأمكُثُ (b) في الدُّنْيا كما هُوَ عَالمٌ … ويُسْكنُني (c) نارًا كقَيْصَرَ أو كِسْرَى
غَبَرْتُ (d) أسِيْرًا في يَديْهِ ومَنْ يَكُنْ … له كَرَمٌ تَكْرُمْ بسَاحَتِهِ الأسْرَى
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو عَمْرو
أبو عَمْرو مَوْلَى بني هَاشِم
سَمِعَ بحَلَب مُحَمَّد بن أَيُّوبَ الأنْمَاطِيّ، رَوَى عنهُ أبو عَبْد اللَّه بن مَنْدَة الحافِظُ.
أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليُّ بن الحَسَن، ح.
وأخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُفُ بنُ خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج يحيَى بن مَحْمُود الثَّقَفِيّ، وأبو الفَضائِل مَحْمُود بن أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد، قالُوا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْمَاعيْلُ بن مُحَمَّد بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عَبد الوَهَّاب بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا وَالدِي، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو (e) مَوْلَى بني هاشمٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَيُّوبَ الأنْمَاطِيِّ بحلب، فذكَرَ حَدِيثًا سُقْناهُ في تَرْجَمَةِ مُحَمَّد بن أَيُّوب (٣) بهذا الإسْنَادِ.
стр. 5791
أبو عَمْرو العُثْمانيُّ (١)
سَمِعَ بحَلَب مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الهَمَذَانيّ، واسْمُهُ عُثْمان بن مُحَمَّد، وقد ذَكَرْناهُ فيما تَقَدّم (٢)، وسُقْنا عنه حِكَايَةً في تَرْجَمَةِ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن (٣).
أبو عَمْرو الأوْزَاعِيُّ
اسْمَهُ عبد الرَّحْمن بن عَمْرو بن يَحْمَد (a)، تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٤).
стр. 5792
أبو عَمْرو الكَرْجِيُّ الطَّرَسُوسِيُّ
قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، واسْمُهُ عُثْمانُ بن عَبْدِ اللَّه الطَّرَسُوسِيِّ قد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (١).
أبو عَمْرو الضِّبَابِيُّ
كان من العُبَّادِ الغُزَاةِ، وصَحِبَ الصُّوْفيَّة، وتَأدَّبَ بأخْلَاقِهم، وصَحِبَ مُحَمَّد بن الخَضِر التَّيْمِيّ، وغَزَا معه، وماتَ في غَزَاتهِ تلك، حَكَى عنه مُحَمَّد بن الخَضِرِ التَّيْمِيّ.
أخْبَرَنا أبو نَصْر عَبْد العَزِيْز بن يَحْيَى بن المُبارَك الزَّبِيْدِيُّ ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَتْنا شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج الإِبَرِيُّ، قالت: أخْبَرَنا جَعْفَرُ بن أحْمَد بن الحُسَين السَّرَّاجُ (٢)، قال: أخْبرنا أبو إسْحَاق إبْراهيم بن سَعيد (a) بمِصْر، قال: أخْبَرَنا أبو صالح السَّمَرْقنديّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّهِ الحُسَينُ بنُ القَاسِم بن اليَسَعِ بالقَرَافَة، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد جَعْفر بن عَبْدِ اللَّهِ الصُّوْفيّ، قال: قال أبوِ حَمْزَة مُحَمَّد بن إبْراهيم الصُّوْفيّ: حَدَّثَني الصَّلْتُ بن بَهْرَام المُجَاشِيُّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن الخَضر التَّيْمِيّ، قال: كان أبو عَمْرو الضِّبَابِيُّ من أحْسَنِ مَنْ رَأيَته وَجْهًا ممَّن صَحِبَ الصَّوْفيَّة، وكان لا يُرَافقُ أحدًا ولا يُجَالسُه ولا يُؤانسُه (b) إلَّا في طَرِيق، فأتَاني ذات يَوْم، ونحن ببلَادِ الرُّوم، فقال: هل لك في مُرَافَقتِي فإنِّي قد (c) مَلَلْتُ الوَحْدَةَ، وطالَتْ عليَّ الوَحْشَةُ؟ فقُلتُ: على خَلَالٍ
стр. 5793
ثلاث، قال: وما هي؟ قُلتُ: على أنْ لا أرَاك ضَاحِكًا إلى أحدٍ من خَلْقِ اللَّهِ، ولا مُشْتَغلًا بغرِ طَاعَة اللَّهِ ، ولا تَعْمل عَمَلًا حتَّى أقُولَ لك. قال: قد فَعَلْتُ، وكان معي لا يُفَارقني في حَجٍّ ولا غَزْوٍ، فكُنْتُ أرَى منه أُمُورًا أعْلَم أنَّ اللَّه سيَرْفَعُه بها في الدُّنْيا والآخرة؛ من حسْنِ صَلَاتهِ، وكَثْرة صِيَامِهِ، وطُوْل صَمْتهِ، وقلَّةِ كَلامهِ.
فقُلْتُ له ذات يَوْم لأتَبَيَّنَ مَعْرفَة عَملِهِ: ألَا أشْتَري لك جَارِيَةً، فقال: وما أصْنَعُ بها؟ قُلتُ: ما يَصْنعُ الرَّجُل بمِلْكِ يَمِيْنهِ، فقال: لو أردْتُ هذا لَم أتْرُك أهْلي وأشْخَصُ عن وَطَني، وأخْرُج عن دُنْياي، ولكان لي منهم مقْنَعٌ، وفي المقَام معهم مُتَّسَعٌ.
فقُلتُ: أَلْقِ هذا الصُّوفَ عنكَ، فإنَّهُ قد أَثَّرَ ببَدَنكَ، وأنْهَكَ جِسْمَكَ، فقال: أتأمُرُني أنْ أُلْقي عنِّي ثَوْبًا أتقَرَّبُ إلى اللَّهِ بخُشُونَتِه وبفَسَاعَة (a) رِيْحه، وأنا أرْجُو منه حُسْنَ الثَّوَاب عليه عند مُنْقَلبي إليه!.
قُلتُ: فهل لك أنْ تُفْطِر؛ فإنَّ الصِّيَامَ قد أنْحَلَكَ، والظَّمَأَ قد غيَّرك؟ فقال: سُبْحَان اللَّه، ما أعْجَبَ ما تأمُرني به! هل الدُّنْيا إلَّا يَوْمانِ؛ فيَوْمٌ قد مَضَى لي أو عليَّ، ويَوْمٌ أنا فيه لا أدْرِي بما يُخْتَمِ لي من رَحْمَةٍ أو عَذَابٍ، فإنْ عذَّبَني وأنا على حَالةٍ أتَقرَّبُ إليه بها فهو أجْدَرُ أنْ يعذِّبني إذا فَعَلْتُ أمْرًا أنا فيه مُقَصِّرٌ. قُلتُ: فصُمْ يَوْمًا وأَفْطِر يَومًا، فقال: ذلك صَوْمُ الأبْرَار ومَنْ أمنَ النَّار، الّذين عَلِمُوا أنَّ اللَّه مُتَجاوزٌ عنهم، وقَابِل منهم، فأمَّا أنا فأنْتَ تَعْلَمُ أنِّي غير عَامِلٍ بما سِيْقَ في الكتاب من شَقاءٍ وسَعَادَةٍ، واللَّه لئن عَذَّبني اللَّه على طَاعَتِه أحَب إليَّ من أنْ يَغْفِر لي وأنا على مَعْصِيَته، على أنَّهُ غيرُ جَائر على مَنْ خَلَقَهُ، ولا مُعَذِّبًا له إلَّا بذَنْبٍ.
стр. 5794
قُلتُ: أفلا أشْتَري لك وَطَاءً تنام عليه؟ فقال: وأيُّ وَطَاءٍ أوْطَأُ من ظَهْر الأرْضِ؟ وقد سمَّاهُ اللَّه مِهادًا، واللَّهِ لا أَفْرُشُ فِرَاشًا ولا أتَوسَّدُ وِسَادًا حتَّى ألْحَقَ باللَّهِ .
فقُلتُ: فهل لك أنْ تُريح نفسَكَ في هذه الغَزَاةِ وتَرجعَ، فقال: واعَجَباه من قَوْلك! تأمُرني أنْ أرْجعَ عن الجَنَّةِ وقد فُتحِ لي بَابُها، واللَّه لا أزال أعرضُ نفسِي على اللَّهِ تعالى لعَلَّهُ يَقْبَلُني، فإنْ رَزَقنى وخَصَّني بالشَّهَادَة فهو الّذي كُنْتُ أُحَاولُ وفيه أُطَالِبُ، وإنْ حَرَمني ذلك فبالذُّنُوب الّتي سَلَفَتْ، وأنا أسْأل اللَّه أنْ يتفَضَّل عليَّ بما سَألتُه، ويُجيْبَني فيما دَعَوْته.
فغَزَا معنا ونحنُ في خَلْقٍ كَثِيْر مع مُحَمَّد بن مُصْعَب، فلَقِيْنا العَدُوَّ، فكان أوَّلَ مَن جُرِحَ، فقُلتُ: أبْشِر بثَواب اللَّهِ ؛ فقد أعْطَاكَ الرِّضَا، وفَوْق المَزِيد، فقال بصَوْتٍ ضَعِيْفٍ: الحَمْدُ للَّهِ على كُلِّ حالٍ، لقد نَظَرْتُ إلى كُلِّ ما تمنَّيْتُ فَوْقَ ما اشْتَهيْتُ، وبلَغْتُ ما أحْبَبْتُ، وأدْرَكتُ ما طَلْبتُ من حُورٍ وولْدَانٍ، وسَلْسَبيل ورَيْحَانٍ، وإيَّاك والتَّقْصِير لعلَّ اللَّه أنْ يُبَلِّغكَ ما بَلَّغني، ويَرْزُقكَ ما رَزقَني.
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو عِمْران
أبو عِمْران الطَّرَسُوسِيّ (١)
رَوَى عن أبي عَبْدِ اللَّه أحْمَد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل، وأبي يُوسُفَ الغَسُولِيّ، رَوَى عنهُ أحْمَدُ بن عليّ بن الجَارُود، وأحمد بن الحَسَن بن عَبْد المَلِكِ، ويُوسُفُ بن مُحَمَّد المُؤذِّن.
стр. 5795
أنْبَأنَا أبو الحَجَّاج بن خَلِيل الدِّمَشقيُّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن أبي زَيْد، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر الرَّاشْتِيَانِيُّ، ح.
قال أبو الحَجَّاج: وأخْبَرَنا أبو المَحَاسِن بن الأصْفَهْبُذ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل الثَّقَفِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي بَكْر الذَّكْوَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد بن حَيَّان، قال: سَمِعْتُ يُوسف بن مُحَمَّد المُؤذِّنَ يَقُول: سَمِعْتُ أبا عِمْرَان الطَّرَسُوسِيَّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد اللَّه أحْمَدَ بن حَنْبَلٍ يَقُول: ما تَحْتَ أَدِيْم السَّماءِ أحْفَظُ لأحَادِيْث رسُولِ اللَّهِ ﷺ من أبي مَسْعُودٍ.
أخْبَرَنا يُوسُف الأَدَميِّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا مَسْعُودُ بن أبي مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَدَّادُ، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم أحْمَدُ بن عَبْد اللَّهِ الحافِظُ (١)، قال: أبو عِمْران الطَّرَسُوسيّ قَدِمَ أصْبَهَان. حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد بنُ حَيَّان، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عليّ بن الجَارُوْد، قال: سَمِعْتُ أبا عِمْرَان الطَّرِسُوسيِّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا يُوسُفَ الغَسُولِيّ يَقُول: دَخَلْتُ على سُفْيان بن عُيَيْنَةَ وبين يَدَيْهِ قُرْصَان (a) من شَعِير، فقال: يا أبا يُوسُف، أمَا إنَّها طَعَامي منذُ أرْبَعيْن سَنَةً.
أبو عِمْران المَلَطِيُّ
من أهْل مَلَطْيَة، وكان أحَدَ العُبَّادِ والفُرْسَان المُجَاهِدين
أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر عبد الرَّحيم بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ في كِتَابِهِ إلِيْنَا من مَرْو، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد (b) الحُرْضِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ المُزكيِّ إجَازةً،
стр. 5796
قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الرَّحمن السُّلَمِيّ في كتاب تاريخ الصُّوْفيَّة (١)، قال: أبو عِمْران الثَّغْرِيّ من أهْل مَلَطْيَة، أحَدُ الفُرْسَان، سُئِلَ عن التَّصَوُّف، فقال: حالٌ حَيَّرَ فبَلْبَلَ فلَم يُبْقِ للمُتَحيِّر ما يُعْرَف به.
ذِكرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو عَمْرَة
أبو عَمْرَة الأنْصَاريُّ (٢)
صَاحِبُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وقُتِلَ بها.
واخْتُلِفَ في اسْمه؛ فقيل: أُسَيْر، وقيل: يُسَيْر بن عَمْرو، وقيل: بَشِير، وقيل: اسْمَه عَمْرو بن مِحْصَن، وقيل: ثَعْلَبَة بن عَمْرو، وقيل: ثَعْلَبَة بن مِحْصَن، وقيل: أُسَيْد بن مَالِك (a)، وقيل: عبد الرَّحْمن، وقد تقدَّم ذِكْرهُ فيمَا سَبَقَ (٣).
رَوَى عنهُ المُطَّلِب بن عَبْد اللَّه بن حَنْطَب.
أنْبَأْنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل، عن أبي القَاسِم بن بَشْكُوَال، قال (b): أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن عَتّاب، وأبو عِمْران بن أبي تَلِيْدٍ (c) إجَازةً، قالا: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن عَبْد البَرّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم خَلَف بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ
стр. 5797
سَعيد بن عُثْمان بن السَّكَن، قال في ذِكْر مَن كُني منِ الصَّحَابَة على حَرْف العَيْن، من كتاب الحُرُوف: ومنهم أبو عَمْرَة الأنْصَاريّ، زَعم بعضُهمِ أنَّ اسْمه ثَعْلَبَة بن عَمْرو، ويُقال: بشِير بن عَمْرو، وقُتِلَ مع عليّ بصِفِّيْن وابنه (a). رَوَى عن عُثْمان بن عَفَّان (b).
وقال ابنُ السَّكَن: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن زَبَّان الحَضْرَميّ، قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بن حَمَّاد، قال: أخْبَرَنا اللَّيْث، عن مُحَمَّد بن عَجْلان، عن عَاصِم بن عُبَيْد اللَّهِ (c)، عن المُطَّلِب بن عَبْد اللَّه بن حَنْطَب، عن أبي عَمْرَة الأنْصَاريّ (١): أنَّ رسُول اللَّه ﷺ كان في غَزْوةٍ، فأصَابتهم شِدَّة حتَّى هَمُّوا بنَجْر ظَهْرهم، ثُمَّ إنَّ عُمَر بن الخَطَّاب، قال: يا رسُول اللَّه، لو أنَّكَ أمَرت النَّاس فجَمَعُوا أزْوَادهم، فدَعَوت فيها بالبَرَكَة، رَجَوت أنْ يُبَلِّغهم اللَّه بها، فأمَرَهم رسُول اللَّه ﷺ ، فَجَمَعُوا أزْوَادهم على نِطْع، فدَعَا فيه بالبَرَكَة، ثُمَّ أمرَهم أنْ يأتوه رِسْلًا لا يُبَادِرُ بعضُهم بعضًا، فاحْتَملوا الزَّاد حتَّى لَم يَبْقَ منهم أحدٌ، وبقي منه بعد فَرَاغ الجَيْش، فقال لهم رسُول اللَّه ﷺ : هو الآن أكْثَر أو حين جُمِع؟ قالوا: والّذي أكْرَمَك بما أعْطَاك ما نَدْري أهو الآن أكْثَر أو حين أُتِي به (d)! فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : أشْهَدُ أنَّ لا إلَه إلَّا اللَّه، وأشهد أنِّي رسُول اللَّه، وأشهد أنْ لا يَشْهَد بها أحدٌ مُخْلصًا إلَّا وَجَبَتْ له الجَنَّةُ.
ورَوَى هذا الحَديْث إبْراهيم بن عَبْد اللَّه بن زَيْد، عن أَبِيهِ، عن الأوْزَاعيّ، وإبْراهيم جَمِيعًا عن المُطَّلِب بن عَبْد اللَّه، عن عبد الرَّحْمن بن أبي عَمْرَة، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيّ ﷺ ، ولَم يَرْوه بهذا الإسْنَادِ غير إبْراهيم، واللَّهُ أعْلَمُ.
стр. 5798
أبو عَمْرَة المَازِنِيُّ (١)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وقُتِلَ بها.
قال الوَاقِدِيّ: وفيها -يعني سَنَة سَبع وثَلاثين- قُتِلَ بصِفِّيْن: عَمَّار، وخُزَيْمَة بن ثَابِت، وأبو عَمْرَة المَازِنِيّ، وكانوا مع عليّ (a).
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو العَلَاءِ
أبو العَلَاءِ بن بُوَيْن المَعَرِّيُّ
وهو من أقارب أبي الحَسَن عليّ بن جَعْفَر بن بُوَيْن المَعَرِّيّ الشَّاعِر المَشْهُور.
شَاعِرٌ وَقَعَ إليَّ بَيْتان من شِعْره؛ رَوَاهُما عنه أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي البَيَان مُحَمَّد بن عليّ التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ.
قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، وأخْبَرَنا به إجَازَةً عنه أبَوَا القَاسِم ابن رَوَاحَة، وابن الطُّفَيْل، وغيرُهما، قال: أنْشَدَني أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عليّ بن الحَوَارِيّ التَّنُوخِيّ، وسَمِعْتُه يَقُول: أنْشَدَ أبو العَلَاء بن بُوَيْن المَعَرِّيُّ، قَرِيْبُ ابن بُوَيْن الكبير، بَيْتَيْن من نَظْمه لوَالدِي، وسَأله إجازتَهُما، وكُنْتُ حَاضِرًا بمِصْر، وهُما: [من الكامل]
بخَلِ الزَّمانُ على الكِرَامِ بصَفْوِهِ … وكَذاكَ فِعْلُ مُبَايِنِ الأخْلَاقِ
وذَهَبْتُ أسْعَى في البِلَادِ مُؤَازِرًا … عزمًا يقُومُ بصَالِحِ الأعْرَاقِ
стр. 5799
فقال أبي: [من الكامل]
وسَلَكْتُ فيهِ نَهْجَ كُلِّ مُمجَّدٍ … لو سَاعَدَتْهُ مَعُونَةُ الخَلَّاقِ
ولَقِيْتُ في أبْنائهِ وصُرُوفِهِ … وخُطُوبِهِ ما ذو البَصِيْرةِ لَاقِ
وتَبَاعَدَتْ عنِّي الحُظُوظُ وإنَّما … بيَدِ الإلَهِ مَفَاتِحُ الأرْزَاقِ
стр. 5800
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أبو العَلَاء بن سُلَيمان المَعَرِّيُّ
اسْمُه أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن سُلَيمان، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ (١).
أبو العَلَاءَ بن العَيْن زَرْبِيّ (٢)
أصْلُهُ من عَيْن زُرْبَة من الثُّغُور الشَّامِيَّة، وكان يَسْكُن دِمَشْق.
وكان شَاعِرًا مُجِيْدًا، رَوَى عنهُ أبو الحَسَن عليّ بن مُسْهِر المَوْصِلِيُّ.
أنْبَأنَا عَبْدُ المحسِن بن عَبْدِ اللَّه الطُّوْسيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه الحُسَين بن مُحَمَّد بن خَميْس المَوْصِليّ، قال: حَكَى لي بَعْضُ الفُضَلَاء من الأُدَبَاء، وهو الرَّئِيسُ الأدِيْبُ أبَو الحَسَن عليِّ بن مُسْهِر المَوْصِليّ، ﵀، أنَّهُ جاءه بدمَشْقَ في سَنَة نيف وسَبْعِين وأرْبَعِمائة أبو العَلَاء بن العَيْن زرْبيّ بَاكِيًا حَزِينًا، فسَألَهُ عن حَالهِ، فقال: إنَّني عَملتُ (a) في المَنَامِ أشْعَارًا كَثِيْرةً، لِمَا أَهْذِي به في اليَقَظَة، فما حَفِظتُ منها شيئًا، وقد رَأيْتُ مَلَك المَوْت ﵇ في هذه اللَّيْلةِ المَاضِيةِ وهو يَقُول لي: أنا ضَيْفُكَ، فعَمِلتُ في المَنَام هذين البَيْتَيْن وحَفِظتُهما، وهُما: [من الطويل]
قَضَى اللَّهُ أنْ أقْضِيْ وتُقْضَى مَنيَّتي … ولَم أقْضِ في الدُّنْيا مُنَايَ ومُنْيَتي
стр. 5801
فَلِلَّه ضَيْفٌ زَارَني فقَرَيْتُهُ … حَيَاتي فوَلَّى ظَاعِنًا حِينَ وَلَّتِ
قال: ثمّ إنَّهُ خَرَج عنِّي، فوَصَلَني خَبَرُه بعد يَوْمَيْن أو ثلاثة أنَّهُ ماتَ إلى رَحْمَة اللَّه تعالى.
أبو العَلَاءَ بن أبي النَّدَى المَعَرِّيُّ (١)
واسْمُه المُحَسِّن، تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٢).
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو عِيسَى
أبو عِيسَى بن مُوسَى بن أبي القَاسِم بن مُحَمَّد القَزْوِينيُّ (٣)
شَيْخٌ حَسَنٌ، حَدَّثَ بحَلَب عن أبي الفَرَج يَحْيَى بن مَحْمُود الثَّقَفِيّ، وتُوفِّيَ بحَلَب في مُنْتَصَف شَعْبان سَنَة ثَمانٍ وثَلاثين وستِّمائة، ﵀.
أبو عِيسَى بن الطَّبِيْب
العَامِل على خَرَاج الثُّغُور.
حدَّثَ بطَرَسُوس عن أبي الطَّيِّب بن جَهْوَر القَاضِي. رَوَى عنهُ القَاضِي أبو عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللَّه الطَّرَسُوسِيّ.
стр. 5802
حَرْفُ الغَيْن في الكُنَى
أبو الغَادِيَة المُرِّيُّ، وقيل: الفَزَارِيّ (١)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ بن أبي سُفْيان، وقيل: إنَّهُ هو الّذي قَتَلَ عَمّار بن يَاسِرٍ، وقد سَبَق في باب العَيْن المُهْملَة ذِكْرُ أبي عَادِيَة الجُهَنِيِّ (٢)، وأنَّهُ طَعَنَ عَمَّارًا، وقَتَلَهُ غيرُه، وذكر شَبِيهًا بهذه القِصَّة.
أخْبَرَنا أبو القاسِم الحُسَينُ بن هِبَةِ اللَّه بن مَحْفُوظ بن صَصْرَى التَّغْلِبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى حَمْزَةُ بن أحْمَد بن فَارِس بن المُنَجَّا بن كَرَوَّس السُّلَمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَتْح نَصْرُ بن إبْراهيم بن نَصْر المَقْدِسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو المُعَمَّر مُسَدَّد بن عليّ بن عَبْد اللَّهِ الأمْلُوكِيُّ الحِمْصِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن علِيّ بن الحَسَن بن إبَراهيم العَتَكِيّ الأنْطَاكيّ، قال: حَدَّثَنَا عليِّ -يعني أبا الحَسَن بن مُحَمَّد بن السَّكَن اللُّؤْلُؤيّ- قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بنُ عَرَفَة، قال: حَدَّثَنَا خَلَفُ بن خَلِيفَةَ، عن أَبَان المُكْتِب، عن أبي هاشِمِ الرُّمَّانِيّ أنَّ مُعاوِيَةَ بن أبي سُفْيان ﵁ كان جالِسًا على سَرِير إذ جِيء برَأسِ عَمَّار بن يَاسِر، وأُلْقي بينَ يَدَيْهِ، وعندَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن عَمْرو بن العَاص، فجاء رَجُلٌ، فقال: أنا (a) واللَّهِ قَتَلتُه، فقال عَبْدُ اللَّه بن عَمْرو: ما سَمِعْتَهُ يقُول؟ قال: سَمِعْتُه يقُولُ: إنَّا للَّهِ وإنَّا إليهِ رَاجعُونَ، قال: اذهَبْ ما أنتَ قَتلتَهُ، أو قال: ما أنتَ قاتِلُه، إذ جاءَ قاتلُهُ أبو الغَادِيَةِ المُرِّيّ، فقال: أنا واللَّهِ قَتَلْتُه، فقال له عَبْدُ اللَّه بن عَمْرو: ما سَمِعْتَهُ يقُول؟ قال: سَمِعْتُه يقُول: يا جِبْريل يا
стр. 5803
مِيْكائِيل، قال عَبْدُ اللَّه: أوَّه أنْتَ واللَّهِ قاتِلُه، أو أنْتَ واللَّهِ قَتلتَهُ، أنا سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول (١): قَاتِلُ عَمَّار وسَالبُهُ في النَّار. فقال له مُعاوِيَةُ: ما تُريد منِّي يا عَبْد اللَّه، تُرِيد تُضِلّ النّاسَ عنِّي! فقال عَبْدُ اللَّه بن عَمْرو: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهَ ﷺ يقُول شَيْئًا فقُلْتُ مثْلَهُ.
وقد قيل: إنَّ أبا الغَادِيَة طَعَنَهُ وابن حُوَيّ احْتَزَّ رَأسَهُ، وأنَّ عَمْرو بن العَاصِ قال لابن حُوَيّ: وقد قال: أنا قَتَلْتُه، فقال له عَمْرو: فما كان مَنْطِقُه؟ قال ابنُ حُوَيٍّ: سَمِعْتُه يقُول: [من الرجز]
اليَوْم أَلْقى الأحِبَّه … مُحَمَّدًا وحِزْبَه
فقال له عَمْرو: صَدَقْتَ أنتَ صَاحبُهُ.
وقد ذَكَرْنا ذلك في تَرْجَمَةِ ابن حُوَيّ، فيما يأتي إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى من هذا الكتاب (٢)، وقد ذَكَرْنا في تَرْجَمَةِ أبي عَادِيَة الجُهَنِيّ أنّهُ هو الّذي طَعَنَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو غَالِب
أبو غَالِب الأنْطَاكِيُّ
حَدَّثَ عن يَحْيَى بن السَّكَن. رَوَى عنهُ عليّ بن حَمْزَة بن صَابِح الأنْطَاكِيُّ عَلُّوْن، وأحمدُ بن مُحَمَّد بن مَسْعُود الأنْطَاكِيِّ.
стр. 5804
أبو غَالِب المَلَطِيُّ (١)
رَوَى بطَرَسُوس عن أبي زُرَارَة الحَرَّانيّ. رَوَى عنهُ أبو عَمْرو عُثْمان بن عَبْدِ اللَّه الطَّرَسُوسِيّ القَاضِي.
أبو غَالِب بنُ عَبْد الحَقّ
وَزِيرُ آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ.
قَدِمَ حلَبَ سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة، صُحْبَة البُرْسُقِيّ، حين قَدِمَ حلَبَ والفِرِنْج مُحَاصِرُوها فرحَّلَهُم عنها، ومَلَكَها، ولمَّا قُتِلَ البُرْسُقِيِّ وَزَرَ لابْنهِ مَسْعُود بعدَهُ.
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو غَانِم
أبو غانِم بن سَعيد بن عَبْد المُنْعِم بن المُنْذِر الحَلَبِيُّ المُلَقَّب بالشَّرَف ابن الصَّفِيّ أبي الفَضْل (٢)
شَابٌّ حَسَنٌ فَاضِلٌ، اشْتَغَل بالأدَب، وقال الشِّعْر الحَسَن، ووَلَّاهُ المَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي (a) بن يُوسُف القَرْيَة الّتي كانت له بالغَوْر إقْطَاعًا من عَمّه، وتُعْرفُ بالزَّرَّاعَة، فأقام مُدَّةً بدِمَشْق.
وكان بيني وبينه اجْتِمَاعٌ ومُؤَانَسَةٌ، جَمَعَ بيننا اشْتِغَاننَا بالنَّحو في الحَلْقَة، واجْتِمَاعُنا في حلَق الكُتُب لابْتِياعِها.
стр. 5805
كَتَبَ إليَّ أبْيَاتًا من شِعْره، وكُنْتُ قد وَعَدْتُهُ بإعَارة دِيْوانِ شِعْر ابن عَمَّار الكُوْفيّ، فأرْسَلها إليَّ يَقْتَضِيني إنْجازَ الوَعْد بإعَارتهِ (a): [من السريع]
قُل لفُلَانِ الدِّينِ يا سَيِّدًا … أضْحَى بِهِ زَنْدُ الوَرَى وَارِ
وَعْدُكَ بالأمْسِ غَدَا باعِثًا … شَوْقي إلى شِعْرِ ابنِ عَمَّارِ
فاعْمُرْ بِهِ رَبْعَ سُرُورِي فَقَدْ … نادَتْهُ في نَادِيْكَ أشْعَارِي
أبو غَانِم بنُ المُفَضَّلِ بن عَبد الرَّزَّاق بن أبي حَصِيْن المَعَرِّيُّ، المُلَقَّبُ بالصَّفِيّ (١)
رَوَى عن جَدِّه القَاضِي أبي غَانِم عَبد الرَّزَّاق، وعَمِّه القَاضِي أبي البَيَان مُحَمَّد بن عبد الرَّزَّاق. رَوَى عنه العِماد أبو حامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابن أخي العَزِيز الكَاتِبُ.
أنْبَأنَا أبو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن عَبْدِ الجَبَّار المَقْدِسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو حَامِد مُحَمَّدُ بن مُحَمَّد الكَاتِبُ (٢)، قال: أنْشَدَني القَاضِي الصَّفِيُّ أبو غَانِم بن أبي حَصِيْن، قال: أنْشَدَني أبو البَيَان مُحَمَّد، قال: أنْشَدَني عَمِّي أبو يَعْلَى في الزِّلِّيّ (٣) والمنْشَفَة الرُّوميّ عندَ دخول الحَمَّام: [من الوافر]
ورُوْميٍّ خَلَعْتُ علَيهِ يَوْمًا … ثِيَابي كُلَّهَا مَعَ طَيْلَسَاني
стр. 5806
فلا بالمَنْطِقِ الرُّومِيّ أثْنَى … عَلَيّ وقالَ هذا قَد كَسَانِي
ولا قالَ اشْكُرُوا عني فُلَانًا … فإنّي لا يُطَاوِعُني لِسَانِي
فعُدْتُ لأخْذِها فَتَشَبَّثَتْ بي … لَهُ أُخْتُ مِنَ البِيْضِ الحِسَانِ
وقال العِمَادُ أبو حَامِد الكَاتب (١): أنْشَدَني القَاضِي أبو غَانِم بالشَّام سَنَة سَبْعِين وخَمْسِمائَة، قال: أنْشَدَني جَدَّي أبو غَانِم لنَفْسِه يَصِفُ الفُقَّاع: [من الوافر]
ومَحْبُوس بلا جُرْمٍ جَنَاهُ … له حَبْسٌ ببابٍ من رَصَاصٍ
وقد ذَكَرْنا الأبْيَات الثَّلاثة في تَرْجَمَةِ جدِّه عَبد الرَّزَّاق (٢).
أبو غَانِم بن أبي الفَتْح بن المَوْصُول الحَلَبِيُّ الأسَدِيُّ
له شِعْرٌ، أنْشَدَني عنه بعْضَهُ ابنُ عَمِّي أبو يعلَى عَبْد الكَريم بن عبد الصَّمَد.
أنْشَدَني ابنُ عَمِّي أبو يَعْلَى عَبْدُ الكَريم بن عبد الصَّمَد بن هِبَةِ اللَّه بن أبي جَرَادَة، قال: أنْشَدَني أبو غَانِم بن أبي الفَتْحِ بن المَوْصُول الحَلَبِيِّ لنَفْسِه بها: [من الخفيف]
صَاحَ دَعْني وما تَقُولُ الأعَادِي … وَارْتَقي بي إلى مَكَانِ الرَّشَادِ
وَذَرِ اللَّهْوَ وَاسْقِني بِنْتَ كَرْمٍ … عُتِّقَتْ في الدَّنَانِ مِن عَهْدِ عَادِ
نُزِلَتْ في الكُؤوسِ كالنَّار يَحْكي … نُورُها نُورَ كَوْكَبٍ وَقَّادِ
واسْتَدَارَ الحبابُ فاللُّؤْلُؤُ الرَّطْـ … ـبُ عَلَيها كَحَلِّ عَقْدِ اعْتِقَادي
إنْ تعَسَّفْتَني بظُلْمٍ فإنِّي … مُسْتَجيْرٌ بِسَادَةٍ أنْجَادِ
стр. 5807
أبو غَانِم ابن الحَلَاوِيّ الشَّاعِرُ الحَلَبِيُّ (١)
واسْمُه [يَحْيَى بن مُحمَّد بن المُسَلَّم] (a)، تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٢).
أبو غَانِم ابن العَدِيْم الزَّاهِدُ
عَمِّي، اسْمُه مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه، قد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٣).
أبو غَانِم النَّجَّار الحَلَبِيُّ الحَاجِيُّ
رَوَى عن ابنِ مُنِير الشَّاعِر شِعْرًا له. رَوَى لنا عنْهُ الشَّريفُ أبو الحُسَين عليّ بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن النَّاصِر الحَلَبِيّ.
أنْشَدَني الشَّريفُ أبو الحُسَين بن النَّاصِر الحُسَيْنيّ الحَلَبِيّ بها، قال: أنْشَدَني الحَاجِيّ أبو غَانِم النَّجَّار الحَلَبِيّ ببَلَّيْرَمُون (٤)، قال: أنْشَدَني أبو الحُسَين أحْمَد بن مُنِير
стр. 5808
لنَفْسِه في مَلِك النُّحَاةِ، وقد خَمَشَهُ قطٌّ في يَدِه (١): [من المتقارب]
عَتَبْتُ على قطِّ مَلِكِ النُّحَاةِ … وقُلْتُ أتيْتَ بغَيْر الصَّوَابِ
خَمَشْتَ يَدًا خُلِقَت للنَّدَى … وفَكِّ العُنَاةِ وضَرْب الرِّقَابِ
فقال لي القطُّ وَيْكَ اتَّئِدْ … ألَيْسَ القِطَاطُ عُدَاةُ الكِلَابِ
وقد قيل: إنَّ هذه الأبْيَات لوُحَيْش الشَّاعِر، وقيل: إنَّها لفِتيَان الشَّاغُورِيّ (٢).
أبو الغَرِيْب الأصْبَهَانِيُّ
ووَجَدْتُه في مَوضِع آخر: أبو العُرَيْب بالضَّمِّ، فلا أدْرِي الفّمّ بالغَيْن أو بالعَيْن.
وكان أحَدَ الفُقَرَاءِ المُجَرَّدين، أقام بطَرَسُوس مُدَّةً، حَكَى عنه الحُسَين بن جَعْفَر، وأبو القَاسِم فَارِس بن أبي الفَوَارِس.
قَرَأتُ في كتاب الإخْبَار بفَوَائِد الأخْبَار، من كلام أبي بَكْر مُحَمَّد بن إبْراهيم بن يَعقُوبَ الطَّرَسُوسِيّ (٣)، قال: سَمِعْتُ أبا القَاسِم فَارِس بن أبي الفَوَارِس يَقُول: كُنَّا بمِصْر جَمَاعَةٌ من الفُقَرَاءِ ومعنا أبو العُرَيْب (a)، وكان يأتِيْنا بالجَامِع حَدَثٌ من أَبْناءِ المَيَاسِيْر، فوقَع في قَلْب أبي العُرَيْب، فكان إذا رآهُ تغَيَّر وأدْخَل
стр. 5809
رأسَهُ فِي مُرَقَّعَتهِ لا يَنْظُر إليه، فقُلْنا له يَوْمًا: باسِطْهُ لعَلَّهُ يَخِفُّ عنْكَ، فمَدَّ كَفَّه إليه كالسَّائِل، وهو عنه مُعْرضٌ، فدَفع الفَتَى إليه خَاتَمهُ، فلَبسَهُ أبو العُرَيْبِ، وذَهَب الفَتَى، وأُخْبِرَ أبُوه بذلك، فأرْسَل إلى أبي العُرَيب يَسْتَردّ خَاتم ابْنه، فأدْخَل أبو العُرب إصْبَعَه في فيه يُخْرِج الخَاتم فامْتَنعَ عليه، فلم يَمْلك إصْبَعه (a) أنْ قطع إصْبَعه بأسْنَانهِ، ووضَعَها مع الخاتم في كَفِّ الرَّسُول، وقَامَ فخَرَجَ.
قال أبو القَاسِم: فخَرَجْنا في الفِدَاءِ بعد سِنين، فإذا أنا به في بعض بلاد الرُّومِ، فقُلتُ لَهُ: كيف تَجدُكَ؟ فقال: كما كُنْتُ، قُلتُ: وَيْحَكَ، قد عاش الفَتَى وماتَ أبوه، فلو قَدِمْتَ معنا، فقال: واللَّهِ لا دَخَلْتُ ديار الإسْلَامِ وسرِّي يَعْبُد سِوَاهُ.
ونَقَلْتُ من كتَاب سِيَر السَّلَف، تأليفُ الحافِظ أبي القَاسِم إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن الفَضْلِ (١): ذِكْرُ أبي الغَرِيْب الأصْبَهَانيّ، ﵀ (b)، لَقِي المُتَقدِّمين من المَشَايخ، أقام بطَرَسُوس بُرْهَةً، ثمّ رجَع إلى مَكَّةَ، ثمّ رَجع إلى شِيْرَاز، فَاعْتَلَّ فيها علَّةً شَدِيدةً وظَننَّا أنَّهُ يَمُوت. فقال: إنْ متُّ بشِيْرَازَ فادْفنُوني في مَقَابِر اليَهُود! فَتَعَجَّبْنا من قَوْلهِ، وسَألْنَاهُ عنِ ذلك، فقال: إنِّي سَألتُ اللَّه أنْ يكُون مَوْتي بطَرَسُوس ولا أشكُّ أنْ موْتي هُنالك (c)، فبَرأ من العِلَّةِ وخَرج، وآخِرَهُ ماتَ بطَرَسُوس.
وقال (٢): قال الحُسَينُ بن جَعْفَر: دَخَلْنا على أبي الغَرِيْب بطَرَسُوس وقد ورمَت فخذَاهُ، وشُقّ من وَركِهِ إلى رُكْبَتهِ، وسَالَ منه القَيْح الكَثِيْر وهو بحالةٍ (٣) عَجِيْبَةٍ، فقال له بعضُ أصْحَابنا: كيف أنتَ؟ فقال: كما تَرَى، وبَعْدُ ما قُلْت: مَسَّني الضّرُّ. مات بطَرَسُوسَ.
стр. 5810
أبو الغزير (١)
صَاحِبُ أبي عُبَيْد البُسْرِيّ الزَّاهِد.
حَكَى عن أبي عُبَيْدٍ حِكَايَةً جَرَتْ لهُ معه وهو في الغَزَاة ببلادِ الرُّوم، رَوَاها عنه عُبَيْد بن فَائِد، فقد دَخَل في غَزَاته حَلَبَ أو بَعض عَملها.
أنْبَأنَا أبو مَنْصُور عبدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (٢)، إجَازَة إن لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحُسَينُ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن أبي حَريْصَة الهَمْدَانيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن عَبْدِ اللَّه بن عُمَر بن الجَبَّان، قال: وحَدَّثَني أبو القَاسِم الفَضْل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد المُؤذِّنُ، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْقُوبَ الأذْرَعِيّ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بن فَائِد، قال: قال لي أبو الغزي: كُنْتُ أنا وهو -يعني أبا عُبَيْد- في بلاد الرُّوم، وكُنَّا قد صَافَّنَا العَدُوُّ فوقَع فَرَسُ (a) أبي عُبَيْد للمَوْت، فَجَعَلْتُ أنا أتَقلَّى من عَدُوٍّ مُوَاجهنا وفَرَس يَمُوت، وهو قَائِمٌ يُصَلِّي، فلمَّا التَفَتَ من صَلَاته، قُلتُ: في هذا المَوضِع تُصَلِّي؟ فقال: ما أَجد في قَلْبي شيئًا! ثُمّ نَهَضَ الفَرَسُ، ورَكِبَ أبو عُبَيْدٍ، فقُلتُ: لا أسْأله بعدَها عن شيءٍ.
أبو الغَنائِم تَاج المُلْك (٣)
واسمُه [المَرْزُبان بن خُسْرُو فَيْرُوز بن دَارسْت] (b).
стр. 5811
كان يتولَّى خِزَانَة السُّلْطان مَلِكْشاه، وكان وَجِيْهًا عنده، وقَدِمَ معَهُ حَلَب حينَ قَدِمَها، وهو الّذي تَوَلَّى عِمارَة المَسْجِدِ المَعْرُوف بمَقام إبْراهيم ﵇ خارج باب العِرَاق وشَاهَدْتُ اسْمه مَكْتُوبًا على الرِّوَاق الّذي بين يَدِي المَسْجِدِ مَنْقُورًا في الحَجَر مع اسْم ابنهِ مُحَمَّد بن مَلِكْشاه. وقد ذَكَرْناهُ في حَرْف الخاَءِ (a) فيما تَقَدَّم من الكتاب.
قَرَأتُ في تاريخ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ بخَطِّه في حَوَادِث سَنَة خَمْسٍ وثَمانين وأرْبَعِمائةْ قُتِلَ نِظَام المُلْك، وأنَّهُ اتُّهِم بذلك مُتَولِّي الخِزَانَةِ تَاج المُلْك.
قال: وكان تَاجُ المُلْكِ لا يُفَارِق السُّلْطانَ إلى أنْ يَدْخُل فراشَهُ، ويَدْخُل إليه وهو وخَاتُون في الفِرَاشِ لا تَخْتبئ (b) منه.
قال: وكان شَيْخًا مَلِيْح الشَيْبَةِ، أبْيَضَ الحَوَاجِب، يقُول لي أبي: واللَّه كأنَّهُ جَدُّك ﵏.
فلمَّا مَاتَ السُّلْطانُ -يعني مَلِكْشاه- اجْتَمَع مَمَالِيْك خُوَاجَا بُزُرْك، وكانوا في سَبْعَةِ آلاف مَمْلُوك مُزَوَّجين إلى سَبْعَة آلاف مَمْلُوكةٍ له، وقالوا: ما قُتِلَ مَوْلَانا نِظَام الدَّين (c) إلّا بأمْر تَاج المُلْك، فإنَّهُ بَاطِنيٌّ، وأمرَ به البَاطِنِيَّة فقَتَلُوه، فوثبَوا على تَاج المُلْك فقَتَلُوه، وتوازَعُوا جُثَّتَهُ، فصَار إلى كُلِّ واحدٍ منهم عَظْمٌ أو قِطْعَة لَحْمٍ، لَفَّها وجَعَلها في خَرِيْطَتهِ، حَدّثَني بذلك جَمَاعَةٌ من الثِّقَاتِ.
стр. 5812
أبو الغَوْث بن مُحَجِّز المَنْبِجِيُّ
شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، قيل: إنَّهُ انْتَقل من مَنْبج إِلي حَلَب، وسَكَنَها، وأنَّ دَرْب أبي مُحَجِّز بالقطِيْعَة يُنْسَبُ إليهِ، وله مَسْجِدٌ حَسَنٌ فيه، كان يُقرئ فيهِ القُرْآن، وعندي في ذلك شَكٌّ، فإنَّ الدَّرْبَ يُنْسَب إلى أبي مُحَجِّز لا إلى ابن مُحَجِّز.
وذَكَرَهُ أبو مَنْصور الثَّعالِبِيّ في كتاب تَتَّمِة اليَتِيْمَة (١)، وذَكَرَ له من الشِّعْر قَوْله في غُلَام الْتَحَى: [من مجزوء الرمل]
في سَبِيْل اللَّهِ خَدًّا … كانَ في المَلْمَسِ خَزَّا
خَانَهُ الشَّعْرُ (a) فأضْحَى … يُوْسِعُ اللَّاثِمَ وَخْزَا
قال: وله (٢): [من مجزوء الرمل]
أيُّها الظَّبْيُ الّذي أعْـ … ـرَضَ عنِّي وجَفَاني
فَهْوَ مِن أعْظَمِ هَمِّي … حِينَ أَخْلُو بالأمَانِي
ابْتَلَاكَ اللَّهُ منِّي … بالَّذي مِنْكَ ابْتَلَاني
سَاعةً حتَّى تَرَى كَيْـ … ـفَ الهَوَى ثُمَّ كَفَاني
قال (٣): وكان يَحْفَظُ شِعْر البُحْتُرِيّ.
قال (٤): وكان أحْضَرَ النَّاس جَوَابًا، وكان في عَيْنَيهِ سُوءٌ، فقال له صَاحِبُ مَنْبج وقد رَمِدَتْ عَيْنُهُ مرَّةً: يا أبا الغَوْث، قد أشْرَفْتَ على العَمَى فماذا تَعْملُ إذا عَمِيْتَ؟ فقال: أقْرأُ على قَبْرِكَ أيُّها الأَمِيرُ!.
стр. 5813
حَرْفُ الفَاءِ في الكُنَى
أبو فَاخِتَةَ (١)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، ورَوَى عنهُ، حَدَّثَ عنهُ ابنُه، وعَمْرو بن دِيْنارٍ.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن مَحْمُود بن مُحَمَّد الصَّابُونِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الخَشَّاب النَّحْوِيّ في كتابه، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِرٍ البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بنُ نِيْخَاب، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بنُ الحُسَين، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى الجُعْفِيّ، قال: حَدَّثَني سُفْيانُ بن عُيَيْنَة، عن عَمْرو بن دِيْنارٍ، عن أبي فَاخِتَةَ، قال: أتَيْتُ عليًّا يَوْم صِفِّيْن بأَسِيْر، فقال له الأَسِيْرُ: لا تَقْتُلْنِي، فقال له عليٌّ: لا أقْتُلكَ صَبْرًا إنِّي أخَاف اللَّه رَبَّ العالَمِين، ثمّ قال له عليٌّ: أفيك خَبْرٌ، أتُبَايعُ؟ فقال الرَّجُلُ: نعم، فقال عليّ للذي جَاءَ به: خُذْ سِلَاحَهُ، وخَلّ سَبِيلَهُ.
ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو الفَتْحِ
أبو الفَتْح بن أحْمَد بن أبي الرُّؤُوس السَّرُوي القَاضِي
دَخَلَ مَعَرَّة النُّعْمَان، وقَرأ بها على أبي العَلَاءَ أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن سُلَيمان، ووَوَى عنهُ شَيئًا من شِعْره، رَوَى عنهُ أخوهُ القَاضِي أبو المُهَذَّب عَبْد المُنْعِم بن أحْمَد بن أبي الرُّؤُوس.
стр. 5814
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد اللَّه بن الحُسَين الأنْصَاريّ قِراءَةً عليهِ بمَنْزِلي بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الزَّاكِي حَامِدَ بن بَخْتِيار بن جَرْوَان النُّمَيْرِيّ الخَطِيبَ بالشَّمْسَانِيَّةَ؛ مَدِينَة بالخَابُور، يَقُول: سَمِعْتُ القَاضِي أبا المُهَذَّبِ عَبْد المُنْعِم بن أحْمَد بن أبي الرُّؤُوس السَّرُوجِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أخي القَاضِي أبا الفَتْح يَقُول: دَخَلْتُ على الشَّيْخ أبي العَلَاءَ التَّنُوخِيّ بالمَعَرَّة، ذات يَوْم، في وَقْتِ خلْوَة بغير عِلْم منه، وكُنْتُ أتردَّدُ إليه وأقرأ عليه، فسَمِعْتُه وهو يُنْشِد من قِيْلِهِ (١): [من مخلع البسيط]
كم غُوْدرت (a) غَادَةٌ كَعَابٌ … وعُمِّرَت أُمُّها العَجُوزُ
أحْرَزَها الوَالدَان خَوْفًا … والقَبْر حرْزٌ لها حَرِيْزُ
يَجُوز أنْ تُبْطِئَ المَنَايا … والخُلْدُ في الدَّهْرِ لا يَجُوزُ
أبو الفَتْح بن الأَبَارِبْقِيّ الحَلَبِيُّ الأدِيْبُ
شَاعِرٌ من أهْلِ حَلَب، رَوَى عنهُ شَيئًا منِ شِعْره القَاضِي أبو البَرَكَاتِ مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ، قاضي سُيُوط وخرَّجَ عنهُ إنْشَادًا في مَشْيَخَته. وسَمِعَ منه بحَلَب.
أخْبَرَنا مُرْتَضى بن حَاتِم المَقْدِسِيِّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَات مُحَمَّد بن عليّ القاضِي، قال: أنْشَدَني الشَّيْخُ الأدِب العَفِيفُ أبو الفَتْح بن الأَبَارِبْقِيُّ الحَلَبِيُّ لنَفْسِه: [من مجزوء الكامل]
شَاوِر أخَا اللُّبّ الفَصِيْـ … ـحِ فإنَّ هَدْيَكَ في يَديْهِ
فمَنِ اسْتَبَدَّ برَأيهِ … عَمِيَت مَرَاشِدُهُ عليهِ
стр. 5815
أبو الفَتْح بن بَيَان بن عليّ الحَلَبِيُّ المُلَقَّبُ بالتَّاج (١)
ابن أُخْتِ الأُسْتَاذ ثَابِت بن شَقْويق الأَمَّان، واسْمُه أحمد، وهو مَعْرُوفٌ بالكُنْيَة.
رَجُلٌ كَيِّسٌ، حَسَن المُحاضَرَة، طَيِّب المُذَاكَرَة، يَنْظُم الشِّعْر، وهو مُتَستِّر مُتَدَيِّن، وكان مُتَشَيِّعًا.
رَوَى لنا عن الأُسْتَاذِ حَمَّاد البُزَاعِيّ، وأبي جَعْفَر بن المُؤيَّد بن الحَوَارِيّ المَعَرِّيّ، والمُؤيَّد مُحَمَّد بن يُوسُف بن الدّخْوَار، ورَوَى عن الشَّريف النَّسَّابَة مُحَمَّد بن أَسْعَد الجَوَّانِيّ.
سَألتُهُ عن مَوْلدِه في الحَادِي والعِشْرين من شَعْبان سَنَة أرْبَعٍ وعشرين وستِّمائة، فقال: لي خَمْسة وستُّون سنَةً، فيكُون مَوْلدُهُ تَقْدِيرًا في سَنَة ثَمانٍ أو سَنَة تِسْعٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة.
أنْشَدَني أبو الفَتْح بنُ بَيَان بن عليّ الحَلَبِيُّ بيَاقِد، قال: أنْشَدَني حَمَّاد البُزَاعيِّ لنَفْسِه: [من السريع]
يا بَدْرُ مُتِّعْتُ بإشْرَاقِكْ … يا غُصْنُ مُلِّئْتَ بأوْرَاقِكْ
يا حَسَنَ الوَجْهِ عَسَى خَلْقُك الـ … ـبَدِيْعُ يُعْدي سُوْءَ أخْلَاقِكْ
يا نَائمَ اللَّيْلِ هَنِيئًا وإنْ … حَرَّمْت فيهِ نَوْمَ عُشَّاقِكْ
فِدَاءُ عَيْنَيكَ وحَاشَاهمُا … ممَّا تُلَاقي عَيْنُ مُشْتَاقِكْ
فاحْذَرْ علي بُعْدِكَ مِن دَارِهِ … إذا بَكَى سُرْعَةُ إغْرَاقِكْ