← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

كان يتولَّى خِزَانَة السُّلْطان مَلِكْشاه، وكان وَجِيْهًا عنده، وقَدِمَ معَهُ حَلَب حينَ قَدِمَها، وهو الّذي تَوَلَّى عِمارَة المَسْجِدِ المَعْرُوف بمَقام إبْراهيم ﵇ خارج باب العِرَاق وشَاهَدْتُ اسْمه مَكْتُوبًا على الرِّوَاق الّذي بين يَدِي المَسْجِدِ مَنْقُورًا في الحَجَر مع اسْم ابنهِ مُحَمَّد بن مَلِكْشاه. وقد ذَكَرْناهُ في حَرْف الخاَءِ (a) فيما تَقَدَّم من الكتاب. قَرَأتُ في تاريخ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ بخَطِّه في حَوَادِث سَنَة خَمْسٍ وثَمانين وأرْبَعِمائةْ قُتِلَ نِظَام المُلْك، وأنَّهُ اتُّهِم بذلك مُتَولِّي الخِزَانَةِ تَاج المُلْك. قال: وكان تَاجُ المُلْكِ لا يُفَارِق السُّلْطانَ إلى أنْ يَدْخُل فراشَهُ، ويَدْخُل إليه وهو وخَاتُون في الفِرَاشِ لا تَخْتبئ (b) منه. قال: وكان شَيْخًا مَلِيْح الشَيْبَةِ، أبْيَضَ الحَوَاجِب، يقُول لي أبي: واللَّه كأنَّهُ جَدُّك ﵏. فلمَّا مَاتَ السُّلْطانُ -يعني مَلِكْشاه- اجْتَمَع مَمَالِيْك خُوَاجَا بُزُرْك، وكانوا في سَبْعَةِ آلاف مَمْلُوك مُزَوَّجين إلى سَبْعَة آلاف مَمْلُوكةٍ له، وقالوا: ما قُتِلَ مَوْلَانا نِظَام الدَّين (c) إلّا بأمْر تَاج المُلْك، فإنَّهُ بَاطِنيٌّ، وأمرَ به البَاطِنِيَّة فقَتَلُوه، فوثبَوا على تَاج المُلْك فقَتَلُوه، وتوازَعُوا جُثَّتَهُ، فصَار إلى كُلِّ واحدٍ منهم عَظْمٌ أو قِطْعَة لَحْمٍ، لَفَّها وجَعَلها في خَرِيْطَتهِ، حَدّثَني بذلك جَمَاعَةٌ من الثِّقَاتِ.

стр. 5812

أبو الغَوْث بن مُحَجِّز المَنْبِجِيُّ شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، قيل: إنَّهُ انْتَقل من مَنْبج إِلي حَلَب، وسَكَنَها، وأنَّ دَرْب أبي مُحَجِّز بالقطِيْعَة يُنْسَبُ إليهِ، وله مَسْجِدٌ حَسَنٌ فيه، كان يُقرئ فيهِ القُرْآن، وعندي في ذلك شَكٌّ، فإنَّ الدَّرْبَ يُنْسَب إلى أبي مُحَجِّز لا إلى ابن مُحَجِّز. وذَكَرَهُ أبو مَنْصور الثَّعالِبِيّ في كتاب تَتَّمِة اليَتِيْمَة (١)، وذَكَرَ له من الشِّعْر قَوْله في غُلَام الْتَحَى: [من مجزوء الرمل] في سَبِيْل اللَّهِ خَدًّا … كانَ في المَلْمَسِ خَزَّا خَانَهُ الشَّعْرُ (a) فأضْحَى … يُوْسِعُ اللَّاثِمَ وَخْزَا قال: وله (٢): [من مجزوء الرمل] أيُّها الظَّبْيُ الّذي أعْـ … ـرَضَ عنِّي وجَفَاني فَهْوَ مِن أعْظَمِ هَمِّي … حِينَ أَخْلُو بالأمَانِي ابْتَلَاكَ اللَّهُ منِّي … بالَّذي مِنْكَ ابْتَلَاني سَاعةً حتَّى تَرَى كَيْـ … ـفَ الهَوَى ثُمَّ كَفَاني قال (٣): وكان يَحْفَظُ شِعْر البُحْتُرِيّ. قال (٤): وكان أحْضَرَ النَّاس جَوَابًا، وكان في عَيْنَيهِ سُوءٌ، فقال له صَاحِبُ مَنْبج وقد رَمِدَتْ عَيْنُهُ مرَّةً: يا أبا الغَوْث، قد أشْرَفْتَ على العَمَى فماذا تَعْملُ إذا عَمِيْتَ؟ فقال: أقْرأُ على قَبْرِكَ أيُّها الأَمِيرُ!.

стр. 5813

حَرْفُ الفَاءِ في الكُنَى أبو فَاخِتَةَ (١) شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، ورَوَى عنهُ، حَدَّثَ عنهُ ابنُه، وعَمْرو بن دِيْنارٍ. أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن مَحْمُود بن مُحَمَّد الصَّابُونِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الخَشَّاب النَّحْوِيّ في كتابه، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِرٍ البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بنُ نِيْخَاب، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بنُ الحُسَين، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى الجُعْفِيّ، قال: حَدَّثَني سُفْيانُ بن عُيَيْنَة، عن عَمْرو بن دِيْنارٍ، عن أبي فَاخِتَةَ، قال: أتَيْتُ عليًّا يَوْم صِفِّيْن بأَسِيْر، فقال له الأَسِيْرُ: لا تَقْتُلْنِي، فقال له عليٌّ: لا أقْتُلكَ صَبْرًا إنِّي أخَاف اللَّه رَبَّ العالَمِين، ثمّ قال له عليٌّ: أفيك خَبْرٌ، أتُبَايعُ؟ فقال الرَّجُلُ: نعم، فقال عليّ للذي جَاءَ به: خُذْ سِلَاحَهُ، وخَلّ سَبِيلَهُ. ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو الفَتْحِ أبو الفَتْح بن أحْمَد بن أبي الرُّؤُوس السَّرُوي القَاضِي دَخَلَ مَعَرَّة النُّعْمَان، وقَرأ بها على أبي العَلَاءَ أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن سُلَيمان، ووَوَى عنهُ شَيئًا من شِعْره، رَوَى عنهُ أخوهُ القَاضِي أبو المُهَذَّب عَبْد المُنْعِم بن أحْمَد بن أبي الرُّؤُوس.

стр. 5814

أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد اللَّه بن الحُسَين الأنْصَاريّ قِراءَةً عليهِ بمَنْزِلي بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الزَّاكِي حَامِدَ بن بَخْتِيار بن جَرْوَان النُّمَيْرِيّ الخَطِيبَ بالشَّمْسَانِيَّةَ؛ مَدِينَة بالخَابُور، يَقُول: سَمِعْتُ القَاضِي أبا المُهَذَّبِ عَبْد المُنْعِم بن أحْمَد بن أبي الرُّؤُوس السَّرُوجِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أخي القَاضِي أبا الفَتْح يَقُول: دَخَلْتُ على الشَّيْخ أبي العَلَاءَ التَّنُوخِيّ بالمَعَرَّة، ذات يَوْم، في وَقْتِ خلْوَة بغير عِلْم منه، وكُنْتُ أتردَّدُ إليه وأقرأ عليه، فسَمِعْتُه وهو يُنْشِد من قِيْلِهِ (١): [من مخلع البسيط] كم غُوْدرت (a) غَادَةٌ كَعَابٌ … وعُمِّرَت أُمُّها العَجُوزُ أحْرَزَها الوَالدَان خَوْفًا … والقَبْر حرْزٌ لها حَرِيْزُ يَجُوز أنْ تُبْطِئَ المَنَايا … والخُلْدُ في الدَّهْرِ لا يَجُوزُ أبو الفَتْح بن الأَبَارِبْقِيّ الحَلَبِيُّ الأدِيْبُ شَاعِرٌ من أهْلِ حَلَب، رَوَى عنهُ شَيئًا منِ شِعْره القَاضِي أبو البَرَكَاتِ مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ، قاضي سُيُوط وخرَّجَ عنهُ إنْشَادًا في مَشْيَخَته. وسَمِعَ منه بحَلَب. أخْبَرَنا مُرْتَضى بن حَاتِم المَقْدِسِيِّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَات مُحَمَّد بن عليّ القاضِي، قال: أنْشَدَني الشَّيْخُ الأدِب العَفِيفُ أبو الفَتْح بن الأَبَارِبْقِيُّ الحَلَبِيُّ لنَفْسِه: [من مجزوء الكامل] شَاوِر أخَا اللُّبّ الفَصِيْـ … ـحِ فإنَّ هَدْيَكَ في يَديْهِ فمَنِ اسْتَبَدَّ برَأيهِ … عَمِيَت مَرَاشِدُهُ عليهِ

стр. 5815

أبو الفَتْح بن بَيَان بن عليّ الحَلَبِيُّ المُلَقَّبُ بالتَّاج (١) ابن أُخْتِ الأُسْتَاذ ثَابِت بن شَقْويق الأَمَّان، واسْمُه أحمد، وهو مَعْرُوفٌ بالكُنْيَة. رَجُلٌ كَيِّسٌ، حَسَن المُحاضَرَة، طَيِّب المُذَاكَرَة، يَنْظُم الشِّعْر، وهو مُتَستِّر مُتَدَيِّن، وكان مُتَشَيِّعًا. رَوَى لنا عن الأُسْتَاذِ حَمَّاد البُزَاعِيّ، وأبي جَعْفَر بن المُؤيَّد بن الحَوَارِيّ المَعَرِّيّ، والمُؤيَّد مُحَمَّد بن يُوسُف بن الدّخْوَار، ورَوَى عن الشَّريف النَّسَّابَة مُحَمَّد بن أَسْعَد الجَوَّانِيّ. سَألتُهُ عن مَوْلدِه في الحَادِي والعِشْرين من شَعْبان سَنَة أرْبَعٍ وعشرين وستِّمائة، فقال: لي خَمْسة وستُّون سنَةً، فيكُون مَوْلدُهُ تَقْدِيرًا في سَنَة ثَمانٍ أو سَنَة تِسْعٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة. أنْشَدَني أبو الفَتْح بنُ بَيَان بن عليّ الحَلَبِيُّ بيَاقِد، قال: أنْشَدَني حَمَّاد البُزَاعيِّ لنَفْسِه: [من السريع] يا بَدْرُ مُتِّعْتُ بإشْرَاقِكْ … يا غُصْنُ مُلِّئْتَ بأوْرَاقِكْ يا حَسَنَ الوَجْهِ عَسَى خَلْقُك الـ … ـبَدِيْعُ يُعْدي سُوْءَ أخْلَاقِكْ يا نَائمَ اللَّيْلِ هَنِيئًا وإنْ … حَرَّمْت فيهِ نَوْمَ عُشَّاقِكْ فِدَاءُ عَيْنَيكَ وحَاشَاهمُا … ممَّا تُلَاقي عَيْنُ مُشْتَاقِكْ فاحْذَرْ علي بُعْدِكَ مِن دَارِهِ … إذا بَكَى سُرْعَةُ إغْرَاقِكْ

стр. 5816

أنْشَدَني أبو الفَتْح بنُ بيان الحَلَبِيُّ، قال: أنْشَدَني أبو جَعفَر بن المُؤيَّد بن حَوَاري المَعَرِّيّ لنَفْسِه (١): [من الكامل] لاحَظْتُهُ فَجَرى النَّجِيْعُ بخَدِّهِ … فَاقْتَصَّ لا مُتَعدِّيًا من نَاظِري فكلاهمُا حتَّى المَعَاد مُضَمَّخٌ (a) … بدِمَائِهِ من جَائرٍ أو ثَائِرِ تُوفِّي أبو الفَتْح بن بَيَان بحَلَب [. . .] (b) وخَمْسِين وسِتِّمائة. أبو الفَتْح بن عبد الرَّحْمن بن عَلَوِي بن (c) المُعَلَّى السِّنْجَارِيُّ الحَنَفِيُّ (٢) كان أَدِيْبًا، له شِعْرٌ حَسَنٌ، ونَثْرٌ، وخُطَبٌ. ورَوَى عن الحَيْص بَيْص شَيئًا من شِعْره. وقَدِمَ حلَبَ مُتَوَجِّهًا إلى دِمَشْقَ، فأقام بدِمَشْقَ إلى أنْ تُوفِّي بها سَنَة تِسْعٍ وعشرين وستِّمائة. أبو الفَتْحِ بن عَبْد المُحْسِن بن سَعيد بن عَمْرو التَّنُوخِيُّ المَعَرِّيُّ شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، من بني عَمْرو المَعَرِّيِّيْن. ويقُول عُلَماءُ المَعَرَّة: الشِّعْرُ عَمْرِيٌّ، لأنَّ بني عَمْرو كان فيهم كَثْرة، وهم مُجِيْدونَ.

стр. 5817

نَقَلْتُ من خَطِّ عَبْد المُنْعِم بن الحَسَن بن الحُسَين بن اللُّعَيْبَةِ الحَلَبِيّ، في مَجْمُوعٍ له عَلَّقَ فيه فَوَائِد، قال: حَكَى لي القَائِدُ أبو اليُمْن بن أبي خُرَيْبَة (a) من أهْلِ مَعَرَّة النُّعْمَان، ونحنُ نتصرَّفُ في جَبَل السُّمَّاقِ في شَوَّال سَنَة تِسْعَة عَشر وخَمْسِمائَة، قال: كان عندنا بالمَعَرَّة من بني عَمْرو أخَوَان الواحدُ يُكْنَى بأبي الفَتْحِ، والآخر أبي البَرَكَات، وكانا أطرُوشَيْن يُعَاشِران من أهْلها عَبْد المُنْعِم بن الأصْفَر، وكان أيضًا أطرُوشًا، ويتنادَمُونَ على الشَّرَاب، فكَتَب أبو الفَتْحِ بن عَمْرو إلى النَّاظِر الشَّاعِر، وكان أعْمَشَ: [من الوافر] أنا وَأخي أبو البَرَكَاتِ عنْدِي … وعَبْدُ المُنْعِمِ الخِلُّ المُصَافِي فسِرْ لتُجِيْبَ عنَّا سَائلِيْنا … ونُبْصِرُ نحنُ دُوْنكَ مَنْ يُوَافِي أبو الفَتْحِ بن مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّهِ بن الرَّعْبَانِيّ الحَلَبِيِّ من بَيْتٍ كبير بحَلَب، يُقال لهم بنو أمِيْن الدَّولَةِ (b). أبو الفَتْحِ بن النِّنِّ القَطَّانُ (c) شَاعِرٌ من أهْل مَعَرَّة النُّعْمَان، قرأتُ له أبْيَاتًا بخَطِّ أبي المَجْد مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن سُلَيمان المَعَرِّيّ، وهي: [من الخفيف] أنا وَافٍ ولَسْتِ لي بالوَافِي … فأَقِلّي أَسْرَفْتِ في الإسْرَافِ قُرحَتْ مُقْلَتي عَلَيكِ فَما أَفْـ … ـرِقُ ما بينَ دَمْعَتي ورُعَافِي وتَلافَيْتِني فقُلْتُ كَما قِيْـ … ـلَ مُحَالٌ بَعْدَ التِّلَافِ التَّلَافِي

стр. 5818

وله أيضًا ونَفَلْتُهما من خَطِّ أبي المجد المَذْكُور: [من الخفيف] يا نُصَيرُ بنَ بنتِ شُهْدَ ألْحَا … ظُكَ عندِي أمْضَى من الأقْدَارِ (a) ذَابَ جِسْمي به فَلَوْ هَبَّتِ الرِّيْـ … ـحُ مَضَى تَحتَ قَوْسِهِ في الغُبَارِ أبو الفَتْح بن مُحَمَّد بن عُمَر الأَبِيْوَرْدِيّ الصُّوْفيُّ الحَلَبِيُّ (١) واسْمُه عُمَر؛ لكنَّه لا يُعْرف إلَّا بالكُنْيَة. وُلد بحَلَب، وكان أبُوه صُوْفيًّا من أهْل أَبْيِوَرْد، ونَشَأ أبو الفَتْح بحَلَب، وكان جَارنا بحَلَب، وسَمِعَ أبا الفَرَج الثَّقَفِيّ، وحَدَّثَ عنهُ بحَلَب، وكان يخيطُ في حال شَبَابهِ ويَرْتَزق من ذلك، وكان صُوْفيًّا حَسَنًا من أهْلِ الخَيْر والصِّيَانَة، ولم يَتَّفق لي سَمَاع شيءٍ منه. وتُوفِّيَ بحَلَب في يَوْم الاثْنَين الثَّاني والعِشْرين من ذي القَعْدَة من سَنَةِ تِسْعٍ وأرْبَعين وسِتِّمائة، ودُفِنَ بالتُّرْبَةِ الّتي جَدَّدتُها إلى جانب المَدْرَسَة الّتي أنْشَأَتُها ظَاهِر حَلَب، خَارِج باب العِرَاق، ﵀. أبو الفَتْحِ بنُ النَّحَّاس الأنْصَاريُّ الدِّمَشقيُّ من بَيْتٍ مَشهُور بدِمَشْق. شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، قَدِمَ حلَبَ، ومَدَحَ بها السُّلْطان المَلِكَ النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن أَيُّوبَ سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة.

стр. 5819

رَوَى عنهُ العِمَاد أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابن أخي العَزِيز الكَاتِب، وذَكَرهُ في ذَيْل الخَرِيْدَة (١) ممَّا نَقَلْتُهُ من خَطِّه، قال: ومنهم أبو الفَتْح بن النَّحَّاس الأنْصَاريّ من أهْلِ دِمَشْق، رَأيتُه في مَجْلِس المَلِك النَّاصِر يُنْشدُه قَصِيدَةً منها (a): [من الوافر] تَجَلَّتْ في الدُّجَى شَمْسُ النَّهَارِ … وزارَتْ بعد هَجْرٍ وازْوِرَارِ أَلَمَّتْ بعدَ ما حَيَّتْ فأَحْيَتْ … قَتيْلًا نضْوَ شَوْقٍ وادِّكَارِ فَتًى أَوْدَى بهِ فَتَّانُ طَرفٍ … تأَلَّفَ من فتُوِرٍ وانْكِسَارِ أتَتْ واللَّيْلُ قد وَافَى بَهِيْمًا … كلَيْلِ الشَّعْرِ مَرْبَدَّ الشِّعَارِ وقد بثَّت كَوَاكِبُهُ جُيُوشًا … لها في الجوِّ كالنَّقْعِ المُثَارِ ونامَتْ أعْيُن السُّمَّارِ لمَّا … خَبَا النِّبْرَاسُ من بعدِ اسْتِعَارِ وقالتْ بعدَما ألقَتْ رِدَاها … وحَلَّتْ خُلْسَةً عَقدَ الخِمَارِ وعَادَ اللَّيْلُ من ذاكَ المُحَيَّا … مُنِيرًا ضَاحكًا مثْلَ النَّهَارِ إلى كَمْ ذا الكَرَى بل أنْتَ ميْتٌ … تَنَبَّهْ واصْحُ من هذا الخُمَارِ وقُم يا صَاحَ فالوَاشُونَ عنَّا … هجُودٌ تحْتَ أسْمَالِ الدِّثَارِ وعُودُ العَوْدِ قد وَافَاكَ لدْنًا … نَضِيْرًا ذا اهْتِزَازٍ واخْضِرَارِ فقُمْتُ مُقَبِّلًا منها جَبِيْنًا … سَرَتْ منه البُدُورُ إلى السِّرَارِ وخَدًّا مثْل قَاني الوَرْدِ غَضًّا … حَوى الضِّدَّيْن من ماءٍ ونَارِ وثَغْرًا فيه دُرٌّ في عَقِيْقٍ … وشهْدٌ في رُضَابٍ كالعُقَارِ ونَحْرًا لَم أكُنْ لولا اعْتِذَارِي … بهِ في الحُبِّ مَخْلُوعَ العِذَارِ وبتُّ مُعَانقًا منها قَضِيْبًا … رَشِيْقَ القَدِّ حُلْوَ المُسْتَدَارِ

стр. 5820

أبو الفَتْحِ النَّقَّاش الحَلَبِيُّ نقَاشُ السِّكَّة، واسْمُه مَسْعُود بن أبي الفَضْل، ويُلقَبُ بالتَّاج، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ (١). أبو الفَتح، نَدِيْمُ سَيفِ الدَّولَةِ عليّ بن حَمْدَان شَاعِرٌ، أوْرَدَ له أبو مَنْصُور الثَّعالِبِيُّ في كتَاب اللُّطْفِ واللَّطَائِف (٢): [من البسيط] قُمْ فاسْقِني قبل خَفْقِ النَّاي والعُوْد … ولا تَبِعْ طيْبَ مَوْجُودٍ بمَفْقُودِ نحنُ الشُّهُود وخَفْقُ النَّاي خَاطِبُنا … نُزَوِّجُ ابنَ سحَابٍ بنْتَ عُنْقُودِ أبو الفَتْحِ البَالِسِيُّ (٣) قَرأتُ بخَطِّ صَدِيْقنا تَقِيّ الدِّين إسْمَاعِيْل بن عَبْد اللَّه بن عَبْد المُحْسِن الأنْمَاطِيّ على ظَهْر كتاب ما صُوْرته: جَمال الدِّين أبو الفَتْح البَالِسِيُّ (a): [من مجزوء الرجز] لمَّا حَدَا الحَادِي بِهِمْ … بانُوا وبَانَ الجَلَدُ وظَلْتُ مِن يَوْمِ النَّوَى … قَلْبي المُعَنَّى أَنْشُدُ

стр. 5821

وخَلَّفُوا بينَ الحَشَا … نَارَ الهَوَى تَتَّقِدُ ونَاظِري مِن بَعْدِهِمْ … أَقْسَمَ أنْ لا يرْقُدُ وإنْ أرادُوا شَاهِدًا … فدَمْعُ عَيْني يَشْهَدُ وزادَ ما بي مِن جَفَا … حتَّى جَفَانِي العُوَّدُ ولَسْتُ أُخْفِي حُبَّهُمْ … ولا غَرَامي أجْحَدُ سَارُوا وشُتَّ شَمْلُنا … فَمُتهِمٌ ومُنْجِدُ وكانَ صَبْري مُنْجِدًا … فِيهِمْ فخانَ المُنْجِدُ آهٍ على دَهْرٍ مَضَى … فعَوْدُهُ مُسْتَبْعَدُ وقد شَقِيْتُ بالهَوَى … تُرَى بقُرْبٍ أَسْعَدُ وَقَفْتُ أبْكي رَبعَهُمْ … حِيْنًا وما لي مُسْعِدُ إلَّا حَمَامَاتُ اللِّوَى … تَبْكي وطَوْرًا تُنْشِدُ وهذا أبو الفَتْح هو نَصْرُ بن الحَسَن بن إبْراهيم، المُلَقَّب جَمال الدِّين، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ في حرف النُّون من الأسْماء (١). أبو الفَتْح البَصْرِيُّ سَمِعَ بطَرَسُوس أبا الحَسَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن المُسْتَفاضِ الفِيْريَابِيَّ. رَوَى عنهُ. قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ: رَوَى أبو الحَسَن هذا -يعني الفِريَابِيّ- عن أحْمَد بن مَنْصُور الرَّمَادِيّ، وعبَّاس بن مُحَمَّد الدُّوْرِيّ، وإسْحَاق بن الحَسَن الحَرْبِيّ وأقْرَانهم، رَوَى عنهُ أبو الفَتْحِ البَصْرِيّ وغيره، وكان البَصْرِي قد سَمِعَ عليه بطَرَسُوس.

стр. 5822

أبو الفَتح الطَّرَسُوسِيُّ رَوَى عن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن دَاوُد الكَرْجِيّ الطَّرَسُوسِيّ. رَوَى عنهُ رَشَاءُ بن نَظِيف. أبو الفَتْح الرَّحبِيُّ الرَّوْحَاويُّ قَدِمَ من الرّحْبَة إلى دِمَشْق، واجْتازَ في طَرِيْقهِ بطَرف جَبَل البِشْر من عَمَل حَلَب، وكان رَجُلًا صَالِحًا. قَرَأتُ في كتاب الاسْتِسْعَاد بمَن لَقِيَهُ ابن الحَنْبَلِيّ من صَالِحي العُبَّاد في البِلاد: قَرأتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن نَجْم بن الحَنْبَليّ، قال: الشَّيْخ أبو الفَتْح الرّحبِيّ (a)، وهو من قَرْيَةٍ يُقال لها الرَّوْحَا، من قُرَى الرَّحْبَة (b)، قَدِمَ دِمَشْق مَرَّتَين من الرَّحْبَة (c) في حَوَائِج له إلى نور الدِّين مَحْمُود، وكان نُور الدِّين يُحْسن فيه الظَّنّ. وكان شَيْخًا حَسَنًا، دَيِّنًا، مُتَعَبِّدًا، شَافِعيًّا سَلفيًّا، صَائم الدَّهْر، وكان إذا قَدِمَ نَزل عندنا في مَجْلِس المَدْرَسَة الّتي لنا، وكان حَسَن المَلْقى، طَيِّب الخُلْق، يُفْشي السَّلام ويَهْديه إلى الغائب عنه، وكان يأتيه الخُبْز من الرَّحْبَة من طَعَامٍ يَعْرفه، فيَأكُل منه، وسَمِعْتُه يقول للشَّيْخ أبي الفَرَج: عندنا زَاوِيَة تُعْرف به، يَعْني جَدَّ أبي، ﵀ (d).

стр. 5823

أبو الفِتْيَان في حَيُّوس الشَّاعِرُ نَزِيلُ حَلَب، واسْمُه مُحَمَّد بن سُلْطان، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ في المُحَمَّدين (١). ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو فِرَاسٍ أبو فِرَاس بن حَمْدَان واسْمُه الحَارِث بن سَعيد بن حَمْدَان الأَمِيرُ، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ في حَرْف الحَاءِ (٢).

стр. 5824

أبو فِرَاس بن أبي الفَرَج البُزَاعِيُّ الأُسْتَاذ (١) وقيل فيه: أبو الفَوَارِس وهو الصَّحيحُ، لكن غَلَبَ على ألْسنَة النَّاس أبو فِرَاس. وهو ابنُ أُخْتِ الأُسْتَاذ حَمَّاد البُزَاعِيّ، وَسَنَذْكُره مع مَنْ كُنْيَتَهُ أبو الفَوَارِسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى (٢). أبو فِرَاس العَامِرِيُّ المَعْرُوف بمَجْدِ العَرَب (٣) شَاعِرٌ فَاضِلٌ أدِيبٌ، قَدِمَ الشَّامَ، وجَالَسَ أُدَبَاءَها، وخالَطَ كُبَرَاءها، وأقام مُدَّةً بشَيَزَر عند بني مُنْقِذ. رَوَى عنهُ العِمَادُ أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابن أخي العَزِيز الكَاتِبُ (a). ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو الفَرَج أبو الفَرَج بن أبي بَكْر العَلَّافُ الشَّاعِرُ واسْمُه عليّ بن الحَسَن بن عليّ، قَدِمَ حلَبَ ورَوَى بها قَصِيدَة أبيهِ في مَرْثِيَّة الهِرّ، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ (٤).

стр. 5825

أبو الفَرَج بن أبي حَصِيْن عليّ بن عَبْد المَلِك (a) الحَلَبِيِّ القَاضِي (١) وكان أبُوه أبو حَصِيْن الرَّقِّيّ قاضي حَلَب. شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، ذَكَرَهُ أبو مَنصُور الثّعالبِيُّ في ذَيْل اليَتِيْمَة (٢)، وقال: أبو الفَرَج بن أبي حَصِيْن القَاضِي الحَلَبيّ، من أظرَف النَّاس وِأحْلَاهم أدَبًا، وأبُوه الّذي كاتَبَهُ أبو فِرَاس وسَاجَلَهُ، ومَدَحَهُ السَّرِيُّ وأخَذ جائزَتَهُ، ولَم أسْمعَ لأبي الفَرَج أصْلَح من قَوْله فيمَن أبَى أنْ يُضِيْفَهُ (٣): [من الخفيف] وأخٍ مَسَّهُ نُزُولي بقَرْح … مثْلَ ما مَسَّني من الجُوع قَرْحُ بتُّ ضَيْفًا له كما حَكَمَ الدَّهْر … وفي حُكْمه علي الحُرِّ قُبْحُ وابْتَداني يقُولُ وَهْوَ من السَّـ … ـكْرَة بالهَمِّ طَافِحٌ ليس يَصْحُو لَمَ تغرَّبْتَ؟ قُلتُ: قال رَسُـ … ـولُ اللَّهِ والقَوْل منهُ نُصْحٌ (b) ونُجْحُ سَافِرُوا تَغْنَمُوا فقال: وقد … قال ﵇: صُوْمُوا تَصِحوا قال (٤): ولَم أسْمعَ في عُمُوم الخِيَانَة وورَاثَة (c) النَّاس أبَاهُم آدَم غير قَوْله: [من الخفيف] كيفَ تَرْجُو (d) الوَفَاءَ مِن نَسْل مَنْ لَمْ … يَفِ للَّهِ في الجنَانِ بِحَبَّهْ وعَزِيْزٌ في العَالَمينَ أميْنٌ … خَانَ عَهْدًا أبُوهُ في الخُلْدِ ربَّهْ

стр. 5826

وقَوْله في عثَاب الدَّهْر على قصْده (a) الكِرَام (١): [من الكامل] يا دَهْرُ ما لَكَ طُولَ عَهْدِكَ تَرْتَعي … رَوْضَ الأمَانِي بارضًا وحَمِيْما يا دَهْرُ ما لَكَ والكِرَام ذَوِي العُلَى … ماذا يَضُرُّكَ تَرَكْتَ كَرِيْما أبو الفَرَج بن عُبَيْد اللَّه بن الحُسَين الهِلَالِيِّ النَّحْوِي الحَلَبِيُّ، المَعْرُوف بالوَأْوَاء واسْمُه عَبْد القَاهِر. شَاعِرٌ، أدِيبٌ فَاضِلٌ، نَحْويٌّ، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ (٢). أبو الفَرَج النَّحوِي المَعْرُوف بالمَسْتُور (٣) واسْمُه الحُسَين بن مُحَمَّد. رَوَى عن أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي، وأبي القَاسِم عبد الرَّحْمن بن إسْحَاق الزَّجَّاجِيّ، وأُرَاهُ لقيَهُما بحَلَب.

стр. 5827

وتُوفِّيَ سَنَة تِسْعٍ وثَمانين وثَلاثِمائة أو بعْدَها، فإنَّهُ حَدَّثَ عنهُما في هذه السَّنَة، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (١). أبو الفَرَج بن نَصْر المَخْزُوميُّ المَعْرُوف بالبَبَّغَاء واسْمُه عَبْدُ الوَاحِد، وقد قَدّفنا ذِكْرَهُ (٢). أبو الفَرَج ابن الشُّامّ يَدَهُ الطُّرابُلُسِيُّ حَكَى عن أبي الفِتْيَانِ بن حَيُّوس، والبَليغْ المَعَرِّيّ حِكَايَةً شَهِدَها بحَلَب مع نَصْر بن مَحْمُود بن نَصْر بن صالح بن مِرْدَاس، روَاها عنه أَبو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بنُ نَصْر بن صَغِير القَيْسَرَانِيّ. أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، عن أبي عَبْد اللَّه القَيْسَرَانِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الفَرَج ابن الشَّامّ الطَّرابُلُسِيّ يُحَدِّثُ شَيْخي أبا مُحَمَّد تَوْفِيْق بن مُحَمَّد، قال: كُنْتُ عند نَصْر بن مَحْمُود بحَلَب، وقد خَرَجَ للشُّرْب في ظَاهِرها، فأُجْرِيَتْ له

стр. 5828

سَاقيَةٌ من قُوَيْق ونُضِّدَ حَوْلَها الفَاكِهَةُ والعَقِيْقُ والجَزْعُ وغير ذلك، فكان يَمْلأُ العَيْن بَهْجَةً، وكان أبو الفِتْيَانِ إذ ذاك بحَلَب، فقال نَصْرُ بن مَحْمُود: جِيئُوا بأبي الفِتْيَانِ ليَعْمَل في مَوضِعنا هذا شِعْرًا، فأتَى أبو الفِتْيَان وأعادَ عليه الأَمِيرُ ما وقَعَ في نَفْسِه، فقال: أيُّها الأَمِيرُ، أنا أَسْأَلُ أن أُعْفَى من هذا؛ فإنِّي رَجُلٌ شَيْخٌ وإلى يَوْمي هذا ما عُرِفَ لي سَقْطةٌ، ولا وقَفَ لي أحَدٌ على زَلَّةٍ في الشِّعْر، والبَدِيْهَةُ مُزِلَّةٌ للشَّاعِر، وإنْ أذنَ لي روَّيتُ في هذا وأنْشَدْتُه فيما بعدُ، فأعْفَاهُ، وكان النَّابِغ (a) يَوْمئذٍ بحَلَب قد عَمِي، فذَكَرُوه لنَصْر بن مَحْمُود، فأحْضَرَهُ، وعَمل في ذلك الماءِ مَقَاطِيع عدَّةً على ما وُصِفَ له من الحالِ. هكذا وقع في الأصْلِ المَنْقُول منه: النَّابِغ وهو -واللَّهُ أعْلَمُ- تَصْحِيفٌ، وإنَّما هو: البَليغْ المَعَرِّيّ. أبو الفَرَج، مَوْلَى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز (١) حَكَى عن عُمَر حِكَايَاتٍ كَثِيْرةً، وكان معه بخُنَاصِرَة. أنْبَأْنَا أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن، عن عَمِّه أبي القَاسِم الحافِظ (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين الأَبَرْقُوهِيّ، وأبو عَبْدِ اللَّه الخَلَّالُ إذْنًا، قالا: أخْبَرَنا ابن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا حَمْدٌ إِجَازَةً، ح. قال: وأخْبَرَنا أبو طَاهِر، قال: أخْبَرَنا عليّ، قالا (b): أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (٣)، قال: أبو الفَرَج مَوْلَى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، رَوَى عن عُمَر بن عَبْد العَزِيْز حِكَايَاتٍ كَثِيْرة.

стр. 5829

وقال أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (١): سَمِعْتُ أبا زُرعَةَ يقُول: قَدِمَ علينا الرَّيَّ شَيْخٌ يُقال له: أبو الفَرَج، مَوْلى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، فكان يُحَدِّثُ عن عُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز حِكَايَات كَثِيْرةً، وكان يَكْذبُ. أبو الفَرَج الطَّرَسُوسِي الصُّوْفيُّ شَيْخُ الصُّوْفيَّة ببَيْت المَقْدِس، وكان من كِبَار الشُّيُوخ وأعْيَانهم. نَقَلْتُ من خَطِّ الحافِظ أبي الفَضْل مُحَمَّد بن طَاهِر المَقْدِسيّ، ما أخْبَرَنا به أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل الدِّمَشقيّ بحَلَب، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفَر مُحَمَّد بن إسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الطَّرَسُوسِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن يُوسُف الهَكَّارِيّ شَيْخ الصُّوفيَّة، يَقُول: تَدْرِي لَمَ سَمَّت الصُّوْفيَّة القسْمَةَ طَرَسُوس؟ قُلتُ: لا، قال: لأنَّ القِسْمَةَ لَم تكُن بين الجَمْع إلى زَمَانِ الشَّيْخ أَبي الفَرَج الطَّرَسُوسِيّ شَيْخِ بَيْتِ المقدسِ، فأحْدَث القِسْمَةَ على الجَمْع ليَزُولَ شُغْلُ قَلْب المُتَأهِّلِ، ويَتَصرَّف في نَصِيبَهِ كما يُريدُ، فاخْتَصَروا هذا الكَلَام وقالوا: طَرَسُوس. أبو الفَرَج الحَلَبِيُّ رَوَى عن أبي طَاهِرٍ الرُّسْتُميّ، رَوَى عنهُ أبو القَاسِم الفَضْلُ بن عُبَيْد اللَّه. قُرئ على فَخْر الدِّين أبي العبَّاسِ أحْمَد بن عَبْدِ اللَّه بن مُحَمَّد العَقْرِيّ الحُمَيدِيّ بالمَوْصِل، قال: أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر عبدُ الصَّمَد بن الحُسَين بن عَبد الغَفَّار الزَّنْجَانيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ الحاكِم أبو نَصْرٍ الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن إبْراهيم اليُوْنَارِيّ الأصْبَهَانيّ، قال: أخْبَرَنا سُليْمان بنُ إبْراهيمِ بن مُحَمَّد الحافِظ في كتابهِ أنَّ الإمَام أبا الحَسَن مُحَمَّد في عَبد الوَاحِد بن عُبَيْدِ اللَّه حَدَّثهُ، قال: سَمِعْتُ أبا القَاسِم الفَضلَ بنَ عُبَيْدِ اللَّه يَقُول:

стр. 5830

أخْبرَني أبو الفَرَج الحَلَبِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا طَاهِر الرُّسْتُمِيّ ببَغْدَاد، قال: قال لي ابن شُرَيْح الفَقِيهُ: رَأيْتُ في المَنَام كأنَّ القِيامَة قد قامَت وحُشِر الخَلْقُ، نَادَى مُنَادٍ: ماذا أجَبْتُم المُرْسَليْنَ؟ فالتفَتُّ فلَم أرَ أحَدًا، ولَم أسْمَعَ جَوَابًا حتَّى كَرَّرها، فأجَبْتُ وقُلتُ: يا رَبّ، بالتَّصْدِيقِ والإيْمانِ، ثُمَّ قُلتُ: يا ربّ، لم أَزْنِ قَطُّ، ولَم أسْرِق، ولم أقْتُل نَفْسًا، فسَمِعْتُ النِّدَاءَ: إنِّي أغْفر لكم ما دونَ الكَبَائر. أبو الفَرَج العِجْليُّ الكَاتِبُ أنْبَأنَا أبو حَفْص المُؤدِّبُ، عن أبي القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، قال: أنْبَأنَا أبو يَعْقُوب الأدِيْبُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور الثَّعالِبيّ، قال: [. . .] (a).

стр. 5831

أبو الفَرَج بنُ الطيّب الأنْطَاكِيُّ الطَّبِيْب النَّصْرانَيُّ القَسُّ (١) كان طَبِيْبًا حَاذقًا من أهْل أنْطَاكِيَة، وله مُصَنَّفاتٌ حسَانٌ، منها: ثِمَار كُتُب جَالِينُوس؛ اخْتَصَر فيها السِّتَّة عَشر في مُجَلَّدٍ واحدٍ، وشَرْح فُصُول بُقْرَاط، وشَرْح العِلَل والأعْراض، وشَرْح قَاطيغُورْيَاس، وبَارا أرْمِينيَاس، وغير ذلك. وكان ابن سِيْنَا يَغُضُّ منه ويتَنقَّصهُ، ويُلَقِّبهُ عَجُوز النَّصارَى إذا تكلَّم في الحكميَّات. قَرأ عليه المُخْتَار بن بُطْلَان الطِّبَّ ولازَمَهُ سِنِين عِدَّةً. أبو فَضَالَة الأنْصَاريُّ (٢) صَاحِبُ رسُول اللَّهِ ﷺ ، بَدْرِيٌّ، شَهِدَ صَفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وقُتِلَ بها، رَوَى عَنْهُ ابنُهُ فَضَالَةُ (a). أنْبَأنَا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْدِ اللَّه، قال: أخْبَرَنا مَسْعُودُ بن أبي مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحدَادُ، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحَافِظُ (٣)، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي أبو أحْمَد مُحَمَّد بن أحْمَد بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن حَفْص (b)، قال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن رَاشِد المَكْحُوليُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بنُ مُحَمَّد بن عَقِيل، عن فَضَالَة بن أبي فَضَالَة الأنْصَاريّ، قال: خَرَجْتُ مع أبي عائدًا لعليّ بن أَبي طَالِب (c)، وعليّ

стр. 5832

يَوْمئذٍ بأرْض يُقال لها يَنْبُع (a) وهو مَرِيْضٌ، فقال له (b): ما يُقِيْمُكَ بهذا المَنْزل؟ لو أصَابَكَ فيه أجَلُكَ وَلِيَكَ أعْرَابُ جُهَيْنةَ، فادْخُلِ المَدينَة فإنْ أصابَكَ أجَلُكَ وَليكَ أصْحَابُكَ وصَلَّوا عليك. وكان أبو فَضَالَة من أهْلِ بَدْرٍ، فقال له عليٌّ: إنِّي لسْتُ بميِّتٍ من (c) مَرَضي هذا، إنَّ النَّبِيّ ﷺ عَهِدَ إليَّ أنْ لا أَمُوت حتَّى أُدْمَى، ثُمّ تخْضَبُ هذه -يعني لِحْيَتَهُ- من دَم هذه -يعني هَامَتَهُ- قال: فقُتِلَ أبو فَضَالَة مع عليٍّ بصِفِّيْن. ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو الفَضائِل أبو الفَضائِل الأنْطَاكِيُّ (١) وقيل: كُنْيَته أبو إسْحَاق، واسْمُه إبْراهيم بن أحْمَد، وأبو الفَضائِل لَقَبٌ له (d) غَلَبَ عليه. شَاعِرٌ مُحْسِنٌ من أهْلِ أنْطَاكِيَة. قَرأتُ بخَطِّ أبي حَلِيمِ ظَافِر بن جَابِر الطَّبِيْب الحَرَّانيّ، نَزِيلُ حَلَب: لأبي الفَضائِل الأنْطَاكِيّ في مُصْحفٍ أهْدَاهُ: [من الطويل] ولمَّا تَوَلَّى رَدَّ كُلِّ هَدِيَّةٍ … عَفَافُكَ والدُّنْيا تَضُوعُ برَيَّاهَا بَعَثْتُ الّذي يأبَى لكَ الدِّيْنُ رَدَّهُ … وإنْ خِفْتَ حيْفًا مِنكَ أذكَرَكَ اللَّهَ

стр. 5833

أبو الفَضائِل بن سَعيد بن مَكِّيّ الحَلَبِيُّ شَاعِرٌ قَدِيم العَصْر، ظَفِرْتُ له بأبْيَاتٍ يَصفُ فيها الدَّبَادبَ، وهي: [من البسيط] وللدَّبَادب في أرْجَائهِ زَجَلٌ … تكادُ منه قُلُوبُ النّاسِ تَنْصَدِعُ كهَدَّة الطَّوْد تَهْوى بين أوْدِيَةٍ … أو صَوْتِ سَيْل ترَدَّى ماؤُهُ دُفَعُ أوِ الصَّوَاعقُ في طَخْياء (a) مُظْلمةٍ … أو كالزَّئير إذا ما هُيّجَ السَّبُعُ فالأرْضُ تَرْجُفُ والأبْطَالُ تَزْحَفُ والأ … سْيَاف تَهْبط والأرْوَاح تَرْتَفِعُ أبو الفَضائِل سَعيد الدَّولَة ابن حَمْدَان (١) صَاحِبُ حَلَب، واسْمُه سَعيد ابن سَعْد الدَّوْلَة شَرِيْف ابن سَيْف الدَّوْلَة عليّ بن عَبْد اللَّه بن حَمْدَان، تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٢). ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو الفَضْل أبو الفَضْلِ الدِّهْخُذَانِيّ الشَّقَّانِيُّ (٣) واسْمُه العبَّاسُ بن أبي العبَّاس أحْمَد بن مُحَمَّد، قَدِمَ حلَبَ، وكان من أهْلِ الأدَب.

стр. 5834

رَوَى عن أبي بَكْرٍ أحْمَدَ بن مَنْصُور بن خَلَف، وأبي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّد بن إبْراهيم الزَّكِيّ. رَوَى عنهُ أبو المَعَالِي بنُ شَاهْفُور الإسْفَرَاينِيّ، وأبو مَنْصُور المُظَفَّر بن أَرْدَشِيْر العبَادِيّ الوَاعِظُ. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا تاج الإسْلَام أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: سَمِعْتُ الإمَام أبا شُجاع البِسْطَامِيَّ يقُول بهَرَاةَ: سَمِعْتُ الإمَامَ أبا المَعَالِي بن شَاهْفُور الإسْفَرَاينِيّ ببَلْخ يَقُول: حُكِيَ عن الدِّهْخُذَانيّ أبي الفَضْل الشَّقَّانِيّ أنَّهُ قال: قَدِمْتُ حَلَب، فوَجَدْتُ شُعَرَاءَها يُقَبِّحُونَ شِعْر العَجَم وأهْلِ خُرَاسَان، ويقُولونَ: آثارُ التَّكَلُّفِ بَادِيَةٌ في أشْعَارهم، فقُلتُ: ما كُلُّهُم كما تَصِفُونَ، وأنْشَدْتُهم بَيْتَيْن لأبي الحَسَن بن طَلْحَة (a): [من الطويل] ألَا هَاتِها وَرْدِيَّةً عِنَبِيَّةً … فقَدْ شَوَّشَتْ رِيْحُ الصَّبَا طُرَّةَ الوَرْد وَلاحَ هِلَالُ العِيْدِ نَضْوًا كأَنَّهُ … بُدُوُّ غِرَار السَّيْفِ من أسْفَل الغمْد فقالوا: [. . .] (b). قال لنا (c) شَيْخُنا أبو هاشِم: قال أبو سَعْد السَّمْعَانيّ: ولهُما ثالثٌ أنشَدناهُ أبو الفَضْلِ أحْمَدُ بن تَمِيْم التَّمِيْمِيُّ، إمْلاءً من حِفْظِه بأسْفَرَاين، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن الحُسَين بن طَلْحَة الإسْفَرَاينِيّ لنَفْسِه: [من الطويل] ألَا هَاتِها وَرْدِيَّةً عِنَبِيَّةً … فقَدْ شَوَّشَتْ رِيْحُ الصَّبَا طُرَّةَ الوَرْدِ ولَاح هِلَالُ الفِطْر نَضْوًا كأَنَّهُ … بُدُوُّ غِرَار السَّيْفِ من أسْفَلِ الغمْدِ ولا تَخْشَ أطْوَارَ اللَّيالِي فإنَّها … تلَوَّنُ ولا تُبْقي على النَّحْسِ والسَّعْدِ

стр. 5835

أبو الفَضْلِ بنُ حُجْر الأنْطَاكِيُّ شَاعِرٌ ظَفِرْتُ له ببَيْتٍ مُفْرَدٍ. نَقَلْتُ من خَطِّ رَوْحِ بن مُحَمَّد بن أحمد السُّنِّيّ من مَجْمُوعٍ من فَوَائِده عن شُيُوخِهِ: أنْشَدَني أبو مَنْصُور بنُ المَرْزُبَان لأبي الفَضل بن حُجْر الأنْطَاكِيّ: وقالوا تَطَامَنْ تَجُزْك الحَادِثَاتُ وقَدْ … تطامَنْتُ حتَّى بلَغْتُ الحُوْتَ وَهْيَ مَعي أبو الفَضْلِ بنُ الدِّيْعَاص الوَزِيرُ الحَلَبِيُّ كان وَزِيرًا بحَلَب لبعض مُلُوكها، وكان أَدِيْبًا شَاعِرًا، ذا ثَرْوة، وكان له عَقِبٌ بحَلَب، أدْرَكتُ منهم رَجُلًا شَيْخًا مُمَوَّلًا بحَلَب، وتُوفِّيَ ولَم يُخَلِّفْ غير بنْتٍ، وانْقَطَعَ نَسْلُهم، ووَقَعَ إليَّ من شِعْره بَيْتٌ مُفْردٌ. وَجَدْتُ بخَطِّ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن أحْمَد بن أحْمَد بن أحْمَد بن الخَشَّاب في أثْناء مَجْمُوع من تَعْلِيقه، في دَار وَقْفِ القُرْآن بسِنْجَار ما صُوْرَته: أنْشَدَني الأَثِيْرُ -يعني الفَضْل بن سَهْل الحَلَبِيّ- لابن دِيْعَاص الحَلَبِيّ يَهْجُو وَزِير رِضْوَان صَاحِب حَلَب، والمُشَرَّف ابن الخَلَّال (١): [من السريع] قد زَنْجَرَ الدَّهْرُ على النَّاسِ … ما بينَ خُلَّالٍ ونَحَّاسِ قُلتُ: يُريدُ أبا نَصْر بن النَّحَّاسِ، ولَم يكُن وَزِير رِضْوَان، ولا أدْرَك وِلَايَتَهُ. أخْبَرَنا سَعيدُ (a) بن أبي طَاهِر الأسَدِيُّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر السِّلَفِيُّ في كتابهِ، قال: حَدَّثَني أبو الحَسَن يَحْيَى بن عليّ بن عَبْدِ اللّطِيْف التَّنُوخِيّ

стр. 5836

المَعَرِّيّ بدِمَشْقَ، من حِفْظِه وإمْلَائهِ، قال: دَخَلَ أبو نَصْر المُهَنَّا بن عليّ بن المُهَنَّا التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ، المُلَقَّب بالنَّاظِر، على أبي الفَضْل بن الدِّيْعَاص الحَلَبِيّ الوَزِير يَوْمًا عند وُصُولهِ من مِصْر مُسَلِّمًا عليه، وعندَهُ قِرْدٌ قد أَتَى به في صُحْبَتهِ من هُناك، وكانت بينهما مُمَازَحةٌ، فأوْمَأ إلى القِرْد فصَفَعَهُ، فأطْرَق رأسَهُ ساعةً، ثُمَّ أنْشَدَهُ بَيْتَيْن، فنَدِمَ أبو الفَضْل على فعْلهِ، وسَألَهُ إخْفائهما، فقال: هَبْ أنِّي أخْفَيْتُهما فالحاضرُونَ تُرَى ما حَفِظُوا؟! وهُما: [من المنسرح] قُلْ لأبي الفَضْلِ هكَذا أبَدًا … مِثْلُكَ مَن في السُّمُوِّ قَدْ زَادَا أحْسَنْتَ يا سُخْنَةَ العُيُونِ كَما … سِرْتَ وَزِيرًا وعُدْتَ قَرَّادَا أبو الفَضْل بن سَالِم العُطَارِدِيُّ المَنْبِجِيُّ شَاعِرٌ، كان في أيَّام الأَمِير سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد اللَّهِ بن حَمْدَان، وقيل: إنَّهُ يَكْتُب له على الرَّسَائِل، وذَكَرَ له بعضُ النَّاسِ في مَصْلُوب هذين البَيْتَيْن، وقال: وتُرْوَى لغيره (١): [من الكامل] انْظُر إليهِ كأنَّهُ في جذْعِهِ … لمَّا تَوَشَّحَ بالحِبَالِ ودُرِّعَا رَامٍ رَمَى عن قَوْسِهِ بمُفَوَّقٍ … وأرادَ صِحَّةَ رَمْيِهِ فَتَسَمَّعا قال: وله أيضًا: [من البسيط] وعُصْبَةٍ أصْبَحُوا رَكْبًا على خُشُبٍ … مَنْصُوبَةٍ قد رَمَى في الأرْضِ رَاسِيها مُجَرَّدِينَ سِوَى ما كانَ مِن أُزُرٍ … ما تَرْتجي خَلَفًا يوْمًا لَيَالِيْها

стр. 5837

أبو الفَضْل بنُ صالِح المَعَرِّيُّ رَوَى عن أبي العَلَاء أحْمَد بن عَبْدِ اللَّه بن سُلَيمان المَعَرِّيّ، رَوَى عنهُ أبو المَجْدِ عبدُ الرّحْمن بن مُحَمَّد بن أبي السَّرَايَا الحَلَبِيُّ. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بنُ الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: أنْشَدَنا أبو المَجْد عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن أبي السَّرَايَا الحَلَبِيّ، إمْلاءً من حِفْظِه بالرَّقَّة، ح. وأخْبَرَنا بهِ إجَازَةً عَاليًا أبو اليُمْن الكِنْدِيُّ ولَامِعَةُ بنْتُ المُبارَك بن كَامِل، عن أبي المَجْد عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن أبي السَّرَايَا الحَلَبِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الفَضْل بن صالح المَعَرِّيّ بحَلَب، قال: أنْشَدَني أبو العَلَاءِ أحْمَدُ بن عَبْد اللَّه المَعَرِّيّ لنَفْسِه في الثَّلْج (١): [من الوافر] أتَانَا في الولَادَةِ وَهْوَ شَيْخٌ … فأزْرَى بالشَّبَابِ وبالشُّيُوخِ وقالَ أرِيْدُ عندَكُمُ تَنُوخًا … فقُلْتُ أصَبْتَ إنَّا من تَنُوخِ أبو الفَضْل بنُ أبي مَنْصُور القُمِّيُّ (٢) شَاعِرٌ كان بحَلَب فِي سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة مع عَسْكَر السُّلْطان العَادِل ألْب أَرَسْلَان، ومَدَح نِظَام المُلْك في مَنْزلة العَسْكَر خارج باب قِنَّسْرِيْن. ذَكَرَهُ أبو الطّيِّب البَاخَرْزِيّ في كتاب دُمْيَة القَصْر (٣)، فقال: أبو الفَضْل بن أبي مَنْصُور القُمِّيّ، رَيْحَانَةُ الظِّرَافِ، ولَهْزَة الشِّرَافِ (a)، فيه أثَرُ النَّسِيم في القُضْب

стр. 5838

اللِّطَاف، وله شِعْرٌ حَسَنٌ كوَجْههِ، وفَضْلٌ يضْعُف الوَصْف عن بلُوغ كُنْهِه، وليسَ يَحْضُرني من شِعْره إلَّا ما مَدَح به الصَّاحِبَ نِظَامَ المُلْكِ على بابِ قِنَّسْرِيْن في رَجَب سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة (a): [من الكامل] ماذا على طَيْفِ الكَرَى لو عَادَا … دَنِفًا تَنَاهَى (b) سُقْمُهُ وتَمَادَى فنِهايَةُ المأمُوْل منْهُ لِمَامُهُ لو … كان في إلْمَامِهِ مُنْقَادَا أبدًا أضمُّ جفُونَ عَيْني علَّهُ … يَأوِي إلى إنْسَانِها (c) مُعْتَادَا فيَقَر قَلْبٌ ليْسَ يهْدَأ سَاعةً … ويَنامُ طَرْفٌ لا يَذُوق رُقَادَا هَيْهاتَ ليسَ يَزُور طَيْفٌ مُقْلَةً … ألِفَتْ سكُوبَ مَدَامِع وسُهَادَا يا رَاحَةَ الأرْوَاح أَنْصِفْ مرَّةً … فلقد بَلَغْتَ بظُلمكَ الآمَادَا أوَمَا تَرَى فَصْل الرَّبِيْع وقد غَدَا … أشْهَى الأوَانِ إلى القُلُوب مُرَادَا والأرْض من خِلَعِ الغَمَامِ تَدَرَّعَتْ … حُلَلًا تَعُمُّ تَهَائمًا ونِجَادَا وتلَفَّعَتْ صُلْعُ الأباطِح والرُّبَى … من مُوْنقِ العُشْب الأَثيثِ بجَادا فتَظنّ أنْفَاسَ الشّمَالِ مَرِيْضةً … والطّيْر حَوْل وسَادها عُوَّادَا وشَبَاة مَمْشُوق القَوَام مُهَفْهَفٍ … فَلَّتْ مُذْربه الشِّفارِ حِدَادَا إنْ سَلَّهُ من غمْدِ مَقْلَمةٍ غَدَا … صِلًّا يمجُّ من اللَّهَاةِ مِدَادَا أرَى لمَنْ أبْدَى خُلوصَ وَلائهِ … ونَقِيع سُمٍّ للمُريْدِ عنَادَا وإذا مَشَى بين الثَّلاث لكتْبةٍ … أبصَرْتَ (d) منه فَضَائِلًا آحَادَا خَطٌّ يَرُوق رُوَاؤُهُ فكأنَّما … نَشَرتْ أنَاملُهُ بها أبْرَادَا

стр. 5839

ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو الفَوَارِس أبو الفَوَارِس بن أبي الفَرَج البُزَاعِيُّ (١) ابنُ أُخْت الأُسْتَاذ حَمّاد البُزَاعِيّ الأُسْتَاذُ من أهْلِ بُزَاعَا. وكان مُؤَدِّبًا بحَلَب، وله مَكْتَبٌ يُعَلِّم فيه أوْلَاد الأعْيَان من الحلَبَيِّيْن، وانْتَفَعَ به جَمَاعَةٌ، وكان فيه صَلَاح وتُقًى، وعندهُ فَضْلٌ وأدَبٌ، ويَنْظِم شِعْرًا جَيِّدًا. رَوَى عنهُ شَيئًا من شِعْره أبو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد العمَاد الكَاتِبُ، وعليّ بن سِنَان الحَلَبِيُّ السَّرَّاج، ورَوَى لنا عنْهُ شَيئًا من شِعْره الزكِيَّ عبدُ الرَّحْمن بن أبي غَانِم بن إبْراهيم بن سِنْدي الحَلَبِيّ، والقَاضيِ أبو مُحَمَّد صَقْر بن يحْيَى بن صَقْر الفَقِيهُ. واسْمُه مُحَمَّد بن أبي الفَرَج، واشْتَهر بالكُنْيَة، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ في المُحَمَّدين (٢) أيضًا. أنْشَدَنا الزَّكِيُّ عبدُ الرَّحْمن بن أبي غَانِم بن سِنْدي، قال: أنْشَدَنا الأُسْتَاذُ أبو الفَوَارِس بن أبي الفَرَج البُزَاعيِّ لنَفْسِه، وذَكَرَ لي أَنَّهُ عَمِلَها بَدِيْهًا، وفد اجْتازَ بدَيْر عُمَان (a)، وهو دَيْرٌ بجَبَل سِمْعَان من غَرْبيّ حَلَب وإلى جَانبهِ دَيْر سَابَان (٣): [من الخفيف] قد مَرَرْنا بالدَّيْرِ دَيْرِ عُمَانَا … وَوَجَدْناهُ دَائِرًا فشَجَانا

стр. 5840

ورَأيْنا مَنَازِلًا وَطُلُولًا … دَارِسَات ولَم نَرَ السُّكَّانا وأرَتْنا الآثارُ مَنْ كانَ فِيها … قَبْلَ تُفْنِيْهِمُ الخُطُوبُ عيَانا وبَكَيْنا فِيهِ فكَانَ علَينا … لا عَلَيهِ لمَّا بَكَينا بُكَانا لسْتُ أنْسَي يا دَيْرُ وَقْفَتَنا فِيـ … ـــكَ وإنْ أوْرَثْتنِيَ النِّسْيَانا مِن أُنَاسٍ حَلُّوك دَهْرًا فَخَلَّوْ … كَ وأمْسَوا قَدْ عَطَّلُوكَ الآنا فرَّقتهُمْ (a) يَدُ الخُطُوبِ فأصْبَحْـ … ـــتَ خَرَابًا (b) مِن بَعْدِهِمْ أُسْيَانا وكَذَا شْمَيِةُ اللَّيالِي تُمِيْتُ الحَـ … ـــيَّ مِنَّا وتَهْدِمُ البُنْيَانَا (c) حَرَبًا ما الّذي لَقِيْنَا منِ الدُّنْـ … ـــيا (d) ومَاذا من خَطْبِها قد دَهَانَا (e) نحنُ في غَفْلَةٍ بِها وَغُرُورٍ … وَوَرَانا مِن الرّدَى ما وَرَانَا (f) أنْشَدَنا القَاضِي ضِيَاء الدِّين صَقْرُ بن يحْيَى بن صَقْر، قال: أنْشَدَني أبو الفَوَارِس الأُسْتَاذُ لنَفْسِه وقد عزِلَ عَامِل بُزَاعَا عنها ووُلِّي غيره: [من مجزوء الخفيف] مُدْبِرًا يَعْزِلُونَهُ … وَيُوَلُّونَ مُدْبِرَا شِبْه مَنْ يَغْسِلُ الثِّيَا … بَ مِنَ البَوْلِ بالخَرَا قَرأتُ للأُسْتَاذ أبي الفَوَارِس البُزَاعيِّ على ظَهْر كتابٍ: [من الكامل الأحذ] يا مَنْ كَحَلْتُ بِحُسْنِ صُوْرَتِهِ … عَيْني وكانَتْ تَشْتَكِي الرَّمَدَا فجَلَا القَذَا مِنها وآمَنَها … مِن أنْ تَرَاهُ بَعْدَها أبَدَا أَوْلَيْتَ عَيْني بالشِّفَاء يَدًا … فانْعِمْ وأَوْلِ القَلْبَ مِنْكَ يَدَا فكِلاهمُا في حُبِّكَ اشْتَركا … وعَلَى هَوَاكَ مَعي قَدِ اعْتَضَدَا أنْتَ الشِّفَاءُ لمُدْنَفٍ وصِبٍ … لو رَامَ ذاكَ سِوَاكَ ما وَجَدَا

стр. 5841

سَألتُ غير واحدٍ من أهْلِ بُزَاعَا عن وَفَاةِ أبي الفَوَارِس الأُسْتَاذِ، فقال: قُرْب السِّتّمائة. وسألتُ صَدِيْقنا زَيْن الدِّين ابن النَّصِيْبِيّ، وكان مُعَلِّمهُ، عن وَفاته، فقال: تُوفِّي في غَالِب ظَنِّي في سَنَة تسْعٍ وثَمانين وخَمْسِمائَة.

стр. 5842

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ ثِقَتِي أبو الفَوَارِس بن الطَّلَّائيّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ الوَاعِظُ، المُلَقَّب بالشَّمْس واعظٌ حَسَنٌ، له قَبُول. قَدِمَ علينا حَلَب، ووعَظ بها، وحَضَرْتُ مَجْلِسَهُ وأنا صَبيٌّ، ولا أتَحقَّقُ ما سَمِعْتُه منْهُ، وله شِعْرٌ حَسَنٌ، رَوَى لنا عنْهُ شَيئًا منه الزَّبْنُ يُونُس بن أبي الغَنائِم المُقْرِئ بالألْحَان. أنْشَدَني زَينْ الدِّين أبو [بَكْر] (a) يُونُس المُقْرِئ، قال: أنْشَدَني أبو الفَوَارِس الإسْكَنْدَرَانِيّ الوَاعِظ بالقَاهِرَة لنَفْسِه: [من الكامل] رَقَصَتْ لَطِيْفَةُ جَوْهَرِ الأرْوَاحِ … في جِرْم قالَبِ هَيْكلِ الأشْبَاحِ وتَمَايَلَت مِثلَ الغُصُون كأنَّها … شَرِبَتْ وما شَرِبَتْ سُلَافَ الرَّاحِ وهي الّتي ما لَم تَزَل سَكْرانةٌ (b) … مِن خَمْرَة تُسْقَي بِلا أقْدَاحِ وإذا صَحَتْ مِن سَكْرَةٍ فَلِسَكْرَة … لكنَّها سَكْرَى بِغيرِ جُنَاحِ عَرَبيَّةٌ عَجَميَّةٌ صُوْفيَّةٌ … شَاميَّةٌ مَدَنيَّةٌ يا صَاحِ تَرْتاحُ عِندَ سَمَاعِ ذِكْرِ حَبِيْبِها … شَوْقًا لَهُ والعَيْشُ للمُرْتَاحِ وتَئِنُّ أنَّة عَاشِقٍ جَذَبَ الهَوَى … بزِمَامِهِ عن لَذَّةِ الأفْرَاحِ عَلِمَتْ مبَاديها وعَوْدَتُها لَهُ … وَحْيٌ أتَى من فَالِقِ الإصْبَاحِ

стр. 5843

حَرفُ القَافِ في الكُنَى ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو القَاسِم أبو القَاسِم بن إبْراهيم بن هِبَة اللَّه بن إسْمَاعيْل بن نَبْهَان بن مُحَمَّد الشَّافِعيُّ القَاضِي الفَقِيه الحَمَوِيُّ، الملُقَّب بالعِمَاد (١) ويُعْرف أبُوه بابن المُقَنْشِع. فَقِيْهٌ فَاضِلٌ مُتَورِّعٌ، وَلي قضاءَ حَمَاةَ سَنَة اثْنَتي عَشْرة وسِتّمائة، وبقي قَاضِيًا بها إلى أنْ عُزِلَ عن القَضَاءٍ، وتَوَجَّه إلى حَلَب، فأقام بها مُدَّة، وتأهَّل بها، وقَطَن، ثُمَّ رَحَلَ منها إلى حِمْصَ، واتَّصَل بخِدْمَة المَلِك المُجَاهِدِ شِيرْكُوه بن مُحَمَّد بن شِيرْكُوه، وحَظِي عندَهُ ثُمَّ من بَعْده عندَ وَلدهِ المَلِك المَنْصُور إبْراهيم، وسُيِّر إلى بَغْدَاد منها رَسُولًا مِرَارًا مُتَعدِّدةً، وإلى حَلَب وغيرها من البِلَادِ. ثُمَّ انتقلَتْ حِمْصُ إلي المَلِك الأشْرَف مُوسَى بن إبْراهيِم، فسَّيَرهُ رَسُولًا إلى مِصْر؛ إلي صَاحِبها المَلِك الصَّالِح أَيُّوب، وكان قد صَاهَر وزِير المَلِك الأشْرَف المخُلِّص بن قُرْنَاص على ابْنَته، فتجدَّد من الحَوَادِث أنْ قَبَضَ المَلِكُ الأشْرَف على وَزِيره المَذْكُور، حَمِيهِ ابن فُرْنَاص، فلم يَعُد إليه من مِصْر، وأقام بالدِّيَار المِصْرِيَّةِ إلى أنْ وَلَّاهُ المَلِكُ الصَّالح أيُّوب القَضَاءَ بمَدِينَة مِصْر، فبقي قَاضِيًا يَحكْمُ بين النَّاسِ إلى أنْ عُزِلَ عن القَضَاء في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وسِتّمائة.

стр. 5844

وكان مُوَفَّقًا في أحْكَامِهِ، عَادِلًا في أقْضِيَتهِ، حَافِظًا لنَامُوس القَضَاء، فَقِيهًا مُعْتبَرًا، عَارِفًا بالمَذْهَب والخِلَاف، له هَيْبَةٌ وتَصَوُّنٌ، وكان قد وَلي التَّدْرِيس بالمَدْرَسَة الأسَدِيَّة بحَلَب، ووَلِيَ التَّدْرِيس بالنُّورِيَّة بحَمَاة. ولمَّا عُزِلَ عن قَضاءِ مِصْر، توجَّه منها إلى دِمَشْق، فأقام بها مُدَّةً، ثمَّ اسْتُدِعي إلى حَمَاة ليتَوَلَّى قَضَاءَها، وطُلِبَ من المَلِك النَّاصِر يُوسُف لذلك، فسَيَّر إِليه في ذلك، وقرَّر أمْرَهُ، وعَيَّن له ما يَكْفيه، واشْتَرط في ولايته شرُوطًا فيما يَرْجع إلى صيَانة مَجْلِسِ الحُكْم، وأنْ لا يُعَارَض في أحْكَامه ولا يُتَجَوَّهُ عليه بجاهٍ من ذي سُلْطان ولا غيره، فأُجِيْب إلى ذلك جَمِيْعه، وخَرَجَ من مَدِينَة دِمَشْق مُبرزًا للتَّوجُّه إلى حَمَاة، فَمرض بذَات الجَنْب ثلاثَة أيَّام، وتُوفِّي يَوْم الخَمِيْس ثالث عَشر المُحَرَّم من سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين وسِتّمائة بمَدْرَسَة ابن الزَّنْجَارِيّ (a) بالعُقَيْبَة، ودُفِنَ بجَبَل الصّالِحين، ﵀ (b). أبو القَاسم بن بُرَيْه الرَّقِّيُّ القَاضِي دَرَّس العِلْم بحَلَب، وقَرأ عليه بها أبو القَاسِم الخَضِرُ بن عَبْدِ اللَّهِ البَالِسِيُّ، وحَكَى عنه. أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَنُ بن أحْمَد بن يُوسُف الأَوَقِيّ بالبَيْت المُقَدَّس، قال: أخْبَرَنا الحافظُ أبو طَاهر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَني الشَّيْخ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن مَرْزُوق الزَّعْفَرَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الغَرَّاء (c) المُقْرِئ البَصْرِيّ الدِّمَشقيّ بالقُدْس، قال: سَمِعْتُ أبا القَاسِم الخَضِر بن

стр. 5845

عَبْد اللَّه البَالِسِيّ يَقُول: قال لنا القَاضِي أبو القَاسِم بن بُرَيْه الرَّقِّيّ بحَلَب، ونحنُ نَدْرسُ عليه الفَرَائِضَ والحِسَابَ، وغير ذلك: العِلْمُ أشَدُّ المَعْشُوقينَ دَلَالًا، لا يُعْطِيكَ (a) بعضَهُ حتَّى تُعْطِيَهُ كُلَّكَ، وأنتَ إذا أعْطَيتَهُ كُلَّكَ على غَرَرٍ من إعْطَائهِ لك البعضَ. أبو القَاسِم بنُ جَلَبَات (b) المَعَرِّيُّ (١) شَاعِرٌ مَذْكُورٌ، ويُلقَّب بالكَامِل، واسْمُه عليّ، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ (٢). أبو القَاسِم بن حَسَن بن أبي القَاسِم المِقْدَادِيُّ قاضي رَحْبَة مَالِك بن طَوق، فَقِيْهٌ شَافعِيّ المَذْهَب، من وَلد المِقْدَاد بن الأَسْوَد. رأيتُه بالرَّحْبَةِ، وذكَرَ لي أنَّهُ قَدِمَ حلَبَ، ثمّ عُدْتُ إلى الرَّحْبَة مرَّةً ثانيَة، فقيل لي: إنَّهُ تَوَجَّه إلى حَلَب في شُغْلٍ يتَعلَّقُ بصَاحِب الرَّحْبَة. سَمِعَ منّي شَيئًا من الحَدِيْثِ بالرَّحْبَةِ، وسَمِعْتُ منه بها الأحَادِيْث الخَمْسة الّتي خرَّجَها الشَّيْخ عَسْكَر النَّصِيْبِيّ من جُزْء الأنْصَاريّ، من حَدِيث أنَسِ بن مَالِك وهي الثُّمانيَّات، سَمِعْتها منه بسَمَاعِه من عَسْكَر النَّصِيْبِيّ، عن ابن مَنِيْنا، عن أَبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي قاضي المَارَسْتَان، وهي سَمَاِعي في جُزءِ الأنْصَاريّ من أبي اليُمْن الكِنْدِيّ وأبي حَفْصِ ابن طَبرْزَد عن قاضي المَارَسْتَان، وإنَّما كَتَبْناها عنه لأجْل البَلْدَة، وهو شَيْخٌ حسَنٌ فَقِيْهٌ.

стр. 5846

أبو القَاسِم بن الحُسَين بن السَّمَيْدَع الأنْطَاكِيُّ (١) رَوَى عنهُ القاضِي أبو عليّ السَّرْخَسِيّ حِكايَةً مُضْحكة حَكَاها عن عَامِل كان بأنْطَاكِيَة وكَاتِبهُ. أنْبَأْنَا أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف في يُوسُف، قال أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن البَطِّيّ في كتابهِ، عن أبي عَبْد اللَّه الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَني غَرْس النِّعْمَة أبو الحَسَن بن الصَّابِئ (٢) إجَازَةً، قال: وحَدَّثَني القَاضِي أبو عليّ السَّرْخَسِيّ، قال: حَدَّثَني أبو القَاسِم بن أبي عليّ الحُسَين بن السَّمَيْدَع الأنْطَاكِيُّ، قال: كان عندنا بأنْطَاكِيَة عَامِلٌ من قِبَل أمير حَلَب (٣)، وكان له كاتبٌ أحْمَق، فغَرق في البَحْر شُلَنْديّان من مَرَاكِب المُسْلمِيْن الّتي يَقْصدُونَ فيها الرُّوم، فكَتَب الكَاتِبُ عن صَاحِبهِ إلى الأَمِير بحَلَب: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمن الرَّحِيْم؛ أُعلمَ الأَمِير -أعَزَّهُ اللَّهُ- أنّ شُلَنديَّيْن، أعْنِي: مَرْكَبين، صَفّقَا (a)، أي: غَرِقا، من خبِّ البَحْر، أي: من شِدّةِ مَوْجه، فهَلك مَنْ فيها، أي: تَلَفُوا.

стр. 5847

فأجابَهُ أميرُ حَلَبَ (a): وَرَدَ كتابك؛ أي: وَصَلَ، وفَهِمْناهُ؛ أي: قَرأناهُ، فأدِّب كاتِبكَ؛ أي: اصْفَعْهُ، واسْتَبْدل به؛ أي: اصْرفه، فإنَّهُ مَائِقٌ؛ أي: أحْمَقُ، والسَّلام؛ أي: قد انْقَضَى الكتابُ. أبو القَاسِم بن أبي عَبْد اللَّه الحُسَيْن بن أبي النَّدَى المَعَرِّيُّ التَّنُوخِيُّ (١) أخُو أبي العَلَاء بن أبي النَّدَى لأبيهِ، كان مُقِيْمًا بحَلَب، ورَوَى عن أخيه أبي العَلَاءِ شَيئًا من شِعْره. وأدْرَكتُه ولَم أسْمع منه، وأنْشَدَنا عنه ابنُ أُخْته أبو بَكْر بن أبي (b) عليّ بن أبي سَالِم الحَلَبِيّ (c). أخْبرَني أبو بَكْر بن أبي عليّ السِّمْسَار الحَلَبيُّ، أنَّ خَالَهُ أبا القَاسِم هذا تُوفِّي منذ خَمْسَة عَشر سَنَة، وكان قَوْلَهُ ذلك لي في سَنَةِ خَمْسٍ وعشْرين وستِّمائة، فتكُون وَفاتهُ في حُدُود العَشْر والسِّتِّمائة. أبو القَاسِم الشَّيْظَمِيُّ (٢) واسْمَه نَصْر بن خَالِد.

стр. 5848

وكان شَاعِرًا مُجِيْدًا، وهو أحَدُ مُعَلِّمِي سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن بن حَمْدَان. رَوَى عنهُ أبو الفَرَج البَبَّغَاء. وقد ذَكَرْنا في حَرْف النُّون (١) بعض أخْبَاره وشِعْره، ولَم نُخْلِ الكُنَى من ذلك، لشُهْرته بالكُنْيَة. قَرَأتُ في كتابِ أبي القَاسِم عُبَيْد اللَّهِ بن عبد الرَّحيم الّذي وضعَهُ في أخْبَارِ الشُّعَراء (٢)، قال: حَدَّثَني أبو نصْر بن نُبَاتَة، قال: كان الشَّيْظَمِيُّ الشَّاعِرُ أحَدُ مُعَلِّمي سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وكان يتبَسَّطُ عليه بدَالَّة التَّرْبيةِ والصُّحْبَة، ولَم يكُن يجلِسُ بحَضْرته غيرُه من أبناءِ جِنْسهِ، وكان شَيْخًا مُبَدَّنًا لا يَسْتَطِيع الوقُوف، وكان سَيْفُ الدَّوْلَة كَثِيْرًا ما يُمَازحُهُ، فأَنْشَدَه يَوْمًا (a): [من الكامل] والشَّيْظَمِيُّ إذا تَنَحْنَح للقِرَى … حَكَّ اسْتَهُ وتَمَثَّل الأمْثَالا فضربَ بيَده على فَخَذِه وقال: ليسَ كَذَا علَّمك المُعَلّم يا عَزِيز أبُوهُ! بهذا اللَّفظ غير مُعْرِب له. وكان سَيْفُ الدَّوْلَةِ، على ما حُكِي، يُكَايدُهُ كَثيرًا بما يفعَلُه مع المُتَنَبِّي، ويقْصِدُ مُغَايظتَهُ، ويُنْفِذ إليه في اللَّيْلِ منْ يَدُقّ عليه بابَهُ، ويُزْعجهُ بأنْ يقُول له: إنِّي رَسُول الأَمِير إليك، فإذا تكلَّف الخُرُوجَ إليه واسْتِعلامَ ما حَضَر فيه، قال له: ألَسْتَ المُتَنَبِّي؟ فيقُول: لا، ثُمَّ يعُود عليه بالشَّتْمِ، وعلى مَنْ أنْفَذَهُ، وعلى المُتَنَبِّي الذي ذَكَرَهُ.

стр. 5849

قُلتُ: أرادَ أبو القَاسِم الشَّيْظَمِيّ بقَوْله: ليس كَذَا عَلَّمك المُعَلِّم، أنّ البَيْتَ (١): [من الكامل] والتَّغْلِبِيُّ إذا تَنحْنَحَ للقِرَى يُعَرِّض بالرَّدِّ على سَيْفِ الدَّوْلَة. قال ابنُ نُبَاتَة: وحَمَل إليه يَوْمًا مع بعضَ أصْحَابهِ ثيَابًا كَثِيْرةً، وطِيْبًا، ودَنَانِيْر لها قَدْر، ووَصَّى رَسُوله بأنْ يُسِلّم إليه الجميعَ، فإذا حَصَل في قبضَتِهِ قال له: أليسَ الشَّيْخ هو المُتَنَبِّي؟ والْتَمس خَطّة بالوُصُول، ففَعَل الرَّسُولُ ما أمرَهُ به، فعَظُم هذا على الشَّيْظَمِيّ وسَبَّهُ، وألْقَى ما سلَّمَهُ إليه في وَجْهِهِ، فارْتَجَعَهُ الرَّسُول وانْكَفأ به، فلمَّا كان في اللَّيْل اسْتَدْعاهُ وَدَاعبَهُ وأعادَ إليه الصِّلَة جَمِيْعَها. وكان دَائمًا يَسْتَعمل معه هذا الجِنْسَ وأمْثَالَهُ من العَبَثِ. قَرأتُ في كتاب المُفَاوَضَة، تأليفُ أبي الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْرٍ الكَاتِب بخَطِّه، وأخْبَرَنا بذلك أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، عن أبي غَالِب بن بِشْرَان، قال: قرأ علينا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر الكَاتِب، قال: حَدَّثَني أبو الفَرَج عَبْد الوَاحِد بن نَصْر، قال: كان الشَّيْظَمِيّ مُنْقَطِعًا إلى سَيْفِ الدّوْلَة قبل ورُودِ المُتَنَبِّي إليه، يقُول شِعْرًا مُخْتلَّ النَّسْجِ، مُضْطَربَ النَّظْم، حتَّى إذا قامَتْ للمُتَنَبِّي سُوق عند سَيفِ الدَّوْلَةِ، دَخَلَهُ شَبِيْهُ شَيْطَانٍ، فقال شِعْرًا جَيِّدًا. وكان سَيْفُ الدَّوْلَةِ شَجَر بينَهُ وبين أخيهِ ناصِر الدَّوْلَة مُنَافَرةٌ بسَبَب الرَّحْبَةِ، لأنَّها كانت لأُخْتِهِ وماتَتْ، ورَامَ ناصِرُ الدَّوْلَةِ اسْتِضْمَامَها إلى أعْمَالهِ، وهى جَارِبَةٌ

стр. 5850

في أعْمَال سَيْف الدَّوْلَة، فقال لنا: قد عَرفْتُم ما كان منِ ناصِر الدَّوْلَةِ، فَمن حَضَرهُ في ذلك شيءٌ فليَقُلْ، فغَدَا الشُّعَراءُ عليه، فأنْشَدُوه، فسمعَ من كُلٍّ منهم، وقال: اسْمَعُوا إلى مَنْ اخْتَصَر واقْتَصَر، وأنْشَدَنا لنَفْسِه (١): [من الطويل] تركتُ لك الكُبْرَى لتُدْركَ سَبْقَها … وقُلْتُ لهم بيني وبين أخي فَرْقُ وما عاقَني عنها نكُولٌ وإنَّما … تَغاضَيْتُ عن حَقِّي فتمَّ لك الحَقُّ ولَسْتُ أُبالي أنْ أجئَ مُصَلِّيًا … إذا كُنْت أهْوَى أنْ يكون لك السَّبْقُ فاستحْسَنَّا ذلكَ ودَعَونا له. وأنْشَدَني لنَفْسِه -يعني البَبَّغَاء أَنْشَد ابن نَصْر- في ذلك من قِطْعَة مِيْمِيَّة أوَّلُها (٢): [من الكامل] في الحِلْم ما يَنْهَى ذَوِي الأحْلَام … عمَّا يُخَالفُ عَادِلَ الأحْكَام قال فيها: يا نَاظِري ويَعُزُّ أنْ أَقْذَى ويا … قَلْبي وكيفَ أَرُوْعُهُ بمَلَامِ لأُعَاتبنَّكَ مُبْقِيًا مُسْتَصْلِحًا … قَبْلَ الظُّبَا بعِبَارَة الأقْلَامِ أَسْخَطْتَ عَمْدًا في عقُوقي دَوْلةً … ثَبَّتُّها نَصْرًا بحُسْنِ قيَامِي إنْ كُنْتَ ناصِرَها فإنِّي سَيْفُها … والقَتْلُ لا يرضَى بغير حُسَامِ وبكفِّكَ الصَّمْصَامُ منِّي فارْعَهُ … حِفْظًا ولا تُخْدَعْ عن الصَّمْصَامِ لك في الأباعدِ من عُدَاتك شَاغِلٌ … عمَّا تعُقُّ به ذَوي الأرْحَامِ
следующие страницы →