← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

أبو القَاسِم بن الحُسَين بن السَّمَيْدَع الأنْطَاكِيُّ (١) رَوَى عنهُ القاضِي أبو عليّ السَّرْخَسِيّ حِكايَةً مُضْحكة حَكَاها عن عَامِل كان بأنْطَاكِيَة وكَاتِبهُ. أنْبَأْنَا أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف في يُوسُف، قال أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن البَطِّيّ في كتابهِ، عن أبي عَبْد اللَّه الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَني غَرْس النِّعْمَة أبو الحَسَن بن الصَّابِئ (٢) إجَازَةً، قال: وحَدَّثَني القَاضِي أبو عليّ السَّرْخَسِيّ، قال: حَدَّثَني أبو القَاسِم بن أبي عليّ الحُسَين بن السَّمَيْدَع الأنْطَاكِيُّ، قال: كان عندنا بأنْطَاكِيَة عَامِلٌ من قِبَل أمير حَلَب (٣)، وكان له كاتبٌ أحْمَق، فغَرق في البَحْر شُلَنْديّان من مَرَاكِب المُسْلمِيْن الّتي يَقْصدُونَ فيها الرُّوم، فكَتَب الكَاتِبُ عن صَاحِبهِ إلى الأَمِير بحَلَب: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمن الرَّحِيْم؛ أُعلمَ الأَمِير -أعَزَّهُ اللَّهُ- أنّ شُلَنديَّيْن، أعْنِي: مَرْكَبين، صَفّقَا (a)، أي: غَرِقا، من خبِّ البَحْر، أي: من شِدّةِ مَوْجه، فهَلك مَنْ فيها، أي: تَلَفُوا.

стр. 5847

فأجابَهُ أميرُ حَلَبَ (a): وَرَدَ كتابك؛ أي: وَصَلَ، وفَهِمْناهُ؛ أي: قَرأناهُ، فأدِّب كاتِبكَ؛ أي: اصْفَعْهُ، واسْتَبْدل به؛ أي: اصْرفه، فإنَّهُ مَائِقٌ؛ أي: أحْمَقُ، والسَّلام؛ أي: قد انْقَضَى الكتابُ. أبو القَاسِم بن أبي عَبْد اللَّه الحُسَيْن بن أبي النَّدَى المَعَرِّيُّ التَّنُوخِيُّ (١) أخُو أبي العَلَاء بن أبي النَّدَى لأبيهِ، كان مُقِيْمًا بحَلَب، ورَوَى عن أخيه أبي العَلَاءِ شَيئًا من شِعْره. وأدْرَكتُه ولَم أسْمع منه، وأنْشَدَنا عنه ابنُ أُخْته أبو بَكْر بن أبي (b) عليّ بن أبي سَالِم الحَلَبِيّ (c). أخْبرَني أبو بَكْر بن أبي عليّ السِّمْسَار الحَلَبيُّ، أنَّ خَالَهُ أبا القَاسِم هذا تُوفِّي منذ خَمْسَة عَشر سَنَة، وكان قَوْلَهُ ذلك لي في سَنَةِ خَمْسٍ وعشْرين وستِّمائة، فتكُون وَفاتهُ في حُدُود العَشْر والسِّتِّمائة. أبو القَاسِم الشَّيْظَمِيُّ (٢) واسْمَه نَصْر بن خَالِد.

стр. 5848

وكان شَاعِرًا مُجِيْدًا، وهو أحَدُ مُعَلِّمِي سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن بن حَمْدَان. رَوَى عنهُ أبو الفَرَج البَبَّغَاء. وقد ذَكَرْنا في حَرْف النُّون (١) بعض أخْبَاره وشِعْره، ولَم نُخْلِ الكُنَى من ذلك، لشُهْرته بالكُنْيَة. قَرَأتُ في كتابِ أبي القَاسِم عُبَيْد اللَّهِ بن عبد الرَّحيم الّذي وضعَهُ في أخْبَارِ الشُّعَراء (٢)، قال: حَدَّثَني أبو نصْر بن نُبَاتَة، قال: كان الشَّيْظَمِيُّ الشَّاعِرُ أحَدُ مُعَلِّمي سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وكان يتبَسَّطُ عليه بدَالَّة التَّرْبيةِ والصُّحْبَة، ولَم يكُن يجلِسُ بحَضْرته غيرُه من أبناءِ جِنْسهِ، وكان شَيْخًا مُبَدَّنًا لا يَسْتَطِيع الوقُوف، وكان سَيْفُ الدَّوْلَة كَثِيْرًا ما يُمَازحُهُ، فأَنْشَدَه يَوْمًا (a): [من الكامل] والشَّيْظَمِيُّ إذا تَنَحْنَح للقِرَى … حَكَّ اسْتَهُ وتَمَثَّل الأمْثَالا فضربَ بيَده على فَخَذِه وقال: ليسَ كَذَا علَّمك المُعَلّم يا عَزِيز أبُوهُ! بهذا اللَّفظ غير مُعْرِب له. وكان سَيْفُ الدَّوْلَةِ، على ما حُكِي، يُكَايدُهُ كَثيرًا بما يفعَلُه مع المُتَنَبِّي، ويقْصِدُ مُغَايظتَهُ، ويُنْفِذ إليه في اللَّيْلِ منْ يَدُقّ عليه بابَهُ، ويُزْعجهُ بأنْ يقُول له: إنِّي رَسُول الأَمِير إليك، فإذا تكلَّف الخُرُوجَ إليه واسْتِعلامَ ما حَضَر فيه، قال له: ألَسْتَ المُتَنَبِّي؟ فيقُول: لا، ثُمَّ يعُود عليه بالشَّتْمِ، وعلى مَنْ أنْفَذَهُ، وعلى المُتَنَبِّي الذي ذَكَرَهُ.

стр. 5849

قُلتُ: أرادَ أبو القَاسِم الشَّيْظَمِيّ بقَوْله: ليس كَذَا عَلَّمك المُعَلِّم، أنّ البَيْتَ (١): [من الكامل] والتَّغْلِبِيُّ إذا تَنحْنَحَ للقِرَى يُعَرِّض بالرَّدِّ على سَيْفِ الدَّوْلَة. قال ابنُ نُبَاتَة: وحَمَل إليه يَوْمًا مع بعضَ أصْحَابهِ ثيَابًا كَثِيْرةً، وطِيْبًا، ودَنَانِيْر لها قَدْر، ووَصَّى رَسُوله بأنْ يُسِلّم إليه الجميعَ، فإذا حَصَل في قبضَتِهِ قال له: أليسَ الشَّيْخ هو المُتَنَبِّي؟ والْتَمس خَطّة بالوُصُول، ففَعَل الرَّسُولُ ما أمرَهُ به، فعَظُم هذا على الشَّيْظَمِيّ وسَبَّهُ، وألْقَى ما سلَّمَهُ إليه في وَجْهِهِ، فارْتَجَعَهُ الرَّسُول وانْكَفأ به، فلمَّا كان في اللَّيْل اسْتَدْعاهُ وَدَاعبَهُ وأعادَ إليه الصِّلَة جَمِيْعَها. وكان دَائمًا يَسْتَعمل معه هذا الجِنْسَ وأمْثَالَهُ من العَبَثِ. قَرأتُ في كتاب المُفَاوَضَة، تأليفُ أبي الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْرٍ الكَاتِب بخَطِّه، وأخْبَرَنا بذلك أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، عن أبي غَالِب بن بِشْرَان، قال: قرأ علينا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر الكَاتِب، قال: حَدَّثَني أبو الفَرَج عَبْد الوَاحِد بن نَصْر، قال: كان الشَّيْظَمِيّ مُنْقَطِعًا إلى سَيْفِ الدّوْلَة قبل ورُودِ المُتَنَبِّي إليه، يقُول شِعْرًا مُخْتلَّ النَّسْجِ، مُضْطَربَ النَّظْم، حتَّى إذا قامَتْ للمُتَنَبِّي سُوق عند سَيفِ الدَّوْلَةِ، دَخَلَهُ شَبِيْهُ شَيْطَانٍ، فقال شِعْرًا جَيِّدًا. وكان سَيْفُ الدَّوْلَةِ شَجَر بينَهُ وبين أخيهِ ناصِر الدَّوْلَة مُنَافَرةٌ بسَبَب الرَّحْبَةِ، لأنَّها كانت لأُخْتِهِ وماتَتْ، ورَامَ ناصِرُ الدَّوْلَةِ اسْتِضْمَامَها إلى أعْمَالهِ، وهى جَارِبَةٌ

стр. 5850

في أعْمَال سَيْف الدَّوْلَة، فقال لنا: قد عَرفْتُم ما كان منِ ناصِر الدَّوْلَةِ، فَمن حَضَرهُ في ذلك شيءٌ فليَقُلْ، فغَدَا الشُّعَراءُ عليه، فأنْشَدُوه، فسمعَ من كُلٍّ منهم، وقال: اسْمَعُوا إلى مَنْ اخْتَصَر واقْتَصَر، وأنْشَدَنا لنَفْسِه (١): [من الطويل] تركتُ لك الكُبْرَى لتُدْركَ سَبْقَها … وقُلْتُ لهم بيني وبين أخي فَرْقُ وما عاقَني عنها نكُولٌ وإنَّما … تَغاضَيْتُ عن حَقِّي فتمَّ لك الحَقُّ ولَسْتُ أُبالي أنْ أجئَ مُصَلِّيًا … إذا كُنْت أهْوَى أنْ يكون لك السَّبْقُ فاستحْسَنَّا ذلكَ ودَعَونا له. وأنْشَدَني لنَفْسِه -يعني البَبَّغَاء أَنْشَد ابن نَصْر- في ذلك من قِطْعَة مِيْمِيَّة أوَّلُها (٢): [من الكامل] في الحِلْم ما يَنْهَى ذَوِي الأحْلَام … عمَّا يُخَالفُ عَادِلَ الأحْكَام قال فيها: يا نَاظِري ويَعُزُّ أنْ أَقْذَى ويا … قَلْبي وكيفَ أَرُوْعُهُ بمَلَامِ لأُعَاتبنَّكَ مُبْقِيًا مُسْتَصْلِحًا … قَبْلَ الظُّبَا بعِبَارَة الأقْلَامِ أَسْخَطْتَ عَمْدًا في عقُوقي دَوْلةً … ثَبَّتُّها نَصْرًا بحُسْنِ قيَامِي إنْ كُنْتَ ناصِرَها فإنِّي سَيْفُها … والقَتْلُ لا يرضَى بغير حُسَامِ وبكفِّكَ الصَّمْصَامُ منِّي فارْعَهُ … حِفْظًا ولا تُخْدَعْ عن الصَّمْصَامِ لك في الأباعدِ من عُدَاتك شَاغِلٌ … عمَّا تعُقُّ به ذَوي الأرْحَامِ

стр. 5851

وحَضَر الشَّيْظَمِيُّ، وكان قد تأخَّر، فأنْشَدَهُ (١): [من الكامل] سُوقَ المَكَارِم آذِني بكسَادِ … شُغِلَ الأكارِمُ (a) عنكِ بالأحْقَادِ أأخي وما أحْلَى دُعَاءَكَ يا أخِي … هذا وقد جَرَحتْ مُدَاكَ فُؤادِي أتضِيْمُني وأبي أبُوكَ وإنَّما الـ … ـتَفْضِيلُ بالآباءِ والأجْدَادِ وبلادُكَ الدُّنْيا ولم تُجْدِبْ ولا اسْـ … ـتَوبَلْتَهَا فلمَ انتجَعْتَ بِلَادِي يا طَارِقَ الغَايَاتِ غيرَ مُحَاذرٍ … إيَّاكَ فهي مَكَامِنُ الآسَادِ الآن أعذِرُ حَاسِدِيَّ وحُجَّتِي … في ذَاكَ أنَّكَ صِرْتَ من حُسَّادِي قُلتُ: قد نَسَبَ بعضُ النَّاسِ البيتَ الثَّاني والثَّالث والرَّابِعَ إلى الأَمِير سَيْف الدَّوْلَة، وزَعم أنَّهُ كَتَبَ بها إلى أخيه؛ وليسَ ذلك بصَحيح، والصَّحيحُ أنَّها للبَبَّغَاء. قال البَبَّغَاء في تَمَام ما رَوَاهُ عنه ابن نَصْر في المُفَاوَضَة: وكان سَيْفُ الدَّوْلَةِ يُمازحُهُ كَثِيْرًا، ويوْلَعُ به دَائمًا، ويتَبَسَّط الشَّيْظَمِيُّ عليه فَضْل تَبَسُّطٍ ويَحْتَملُه، فقال لنا أبو الفَرَج: كُنَّا بحَضْرَة سَيْف الدَّوْلَةِ ليلَةً من اللَّيالِي، فدَخَل الشَّيْظَمِيُّ، فقال سَيْفُ الدَّوْلَةِ: انظرُوا كيفَ أُجَنِّنُهُ (b) ويَرجعُ، فقال له حين أقْبَل: أي وَقْتٍ هذا يقصَد فيه السَّلَاطين؟ وما الّذي عَرَضَ حتَّى جئتَ فيهِ؟ ولَم يَزَل يُوَبِّخه ويُظْهرُ الغَيْظ منهُ، فلمَّا سَمِعَ الشَّيْظَمِيُّ ذلك رجَعَ، فقال له سَيْفُ الدَّوْلَةِ: إلى أين؟ قال: انْصَرف، فإنِّي قد بلَغْتُ غَرَضي وقضَيْتُ حَاجَتي، قال: وما هي؟ قال: حَضَرْتُ لأُغيْظُكَ، وقد اغْتَظْتَ، ولَم يَبْقَ لي شُغْل! قال: فضَحِكَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ حتَّى اسْتَلْقَى. ثُمَّ قال: بحَيَاتي؛

стр. 5852

أمَعَكَ شِعْرٌ؟ قال: نَعَم، فأنْشَدَهُ قَصِيدَةً أوَّلها: [من الرجز] مَنْ جَانَبَ الغيَّ تَوَخَّى رَشَدَهْ … ومَنْ بغَى الشُّكْرَ بجُودٍ وَجَدَهْ وفعلُكَ الخير مُفِيدٌ خِيْرَه … أفْلَحَ مَنْ أطْلَقَ بالخَيْرِ يَدَهْ ومَضَى فيها، فاسْتَحْسَنَها سَيْفُ الدَّوْلَةِ، وأحْسَن جَائزته عنها. قَرأتُ بخَطِّ المُفَضَّل بن أسَدٍ الفَارزِيّ (a) الحَلَبِيّ للشَّيْظَمِيّ من قَصِيدَة: [من الوافر] فإنْ ضَاقَتْ عَلَيَّ دِيَارُ بَكْرٍ … فما ضَاقَ العِرَاقُ ولا الشَّآمُ إذا سِتْرُ الرَّجَاءِ ثَناهُ رَاجٍ … يكَلَّمَ حَيْثُ يتَّسِعُ الكَلَامُ أبو القَاسِم بن السَّحْلُولِ الزَّاهِدُ (١) رَجُلٌ من العُبَّادِ الأتْقياءِ، له كَرَامَاتٌ، كان بشَيْزَر. قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقذ في تَارِيْخهِ: سَنَة أرْبعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة في شَوَّال، وفي حَادِي عَشْرِه، ماتَ أَبو القَاسِم بن السَّحْلُولِ الزَّاهِد، ﵀، وكان لا يَأكُل خُبْزًا لأحدٍ قَط إلَّا ما يَعْمل (b). ولقد حَدَّثَني جَمَاعَةٌ، وهو حَاضِرٌ تحدَّثُ حينئذٍ، أنَّهُ حَجَّ وجاءت طَرِيقُه إلى خَيْبَر هو وجَمَاعَةٌ من الحَجَّاج فأخَذُوهم العَرَبُ، قال: ومَشَينا حتَّى نال الحَرُّ والعَطَشُ منَّا، فقال له أصْحَابُه: ما تَشَتَهي يا أبا القَاسِم؟ قال: اشْتَهَيْتُ رَحْمَةَ اللَّهِ وشرْبةً من ماءٍ، قالوا: أين ذاكَ؟ قال: أمَّا أنا فأتَّكل على اللَّهِ وأَمُوتُ ولا أتْعَبُ، ورجَعَ إلى مَوضِع يلْتَجئ إليه، فوَجَدَ ماءً مَعِيْنًا فغَرَفَ منه بيَدِه، فنَادَى أصْحَابَهُ،

стр. 5853

فجاءُوا وشَرِبُوا واسْتَراحُوا، فإذا نافةٌ قد أقْبَلَتْ من الّتي كانت لهم، وقد أخَذَها العَرَبُ، فجاءَت إلى أنْ حَقَّقُوها، فرَأوها ناقةَ أبي القَاسِم، فما وقعَتْ إلَّا في يَدِه، فقال: يا قَوْم، لي فيها وَدِيعَةٌ سَبْعَة دَنَانِيْر، قفُوا نتَبَلَّغَ بها إنْ كانت ناقَته (a)، فَدَّ يدَهُ إلى قَتَبها، فوَجَدَ ذَهَبَهُ في المكانِ الّذي عَمَلَهُ، فسَلِم وسَلمِنا ببَرَكتِه. أبو القَاسِم بن مُحَمَّد بن بَدِيْع بن عَبْد اللَّه بن عَبْدِ الغَفَّار (١) أخُو أبي النَّجْم بن بَدِيْع، واسْمُه عليّ. وَزَر أبو القَاسِم هذا لتَاج الدَّوْلَةِ تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان بدِمَشْق، وقَدِمَ معَهُ حَلَبَ حين افْتَتَحَها، وكان قد جعلَهُ تُتُش بحَلَب حينَ تَوَجَّه إلى بلَادِ العَجَم، فلمَّا مَاتَ تُتُش وَصَلَ ابنُه رِضْوَان فسَلَّم إليه أبو القَاسِم حَلَب. وكان لهُ شِعْرٌ، رَوَى عنهُ أخُوهُ أبو النَّجْم؛ وَزِير رِضْوَان. أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود السَّاوِيّ الصُّوْفيّ بالقَاهِرَة، عن الإمَام أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفيّ، قال: أنْشَدَنا أبو النَّجْم هِبَةُ اللَّهِ بن بَدِيْع الأصْبَهَانِيّ ببَغْدَاد، قال: أنْشَدَنا أخي أبو القَاسِم لنَفْسِه (٢): [من البسيط] بأصْبَهَان سَقَاهَا اللَّهُ لي سَكَنٌ … لولا الضَّرُورَةُ ما فارقْتُه نَفَسَا وَيْلي فقَلْبي عِرَاقيٌّ يرقُّ لهُ … وقَلْبُه جَبَلِيٌّ قد عَسَى (b) وقَسَا لا خلَّصَ اللَّهُ قَلْبي من موَدَّته (c) … إنْ كان سلَوانُه في خَاطِري هَجَسَا

стр. 5854

أبو القَاسِم بن عَبْدَان الشَّاعرُ المَنْبِجِيُّ شَاعِرٌ من أهْلِ مَنْبج. رَوَى عنهُ أبو الحَسَن الشِّمْشَاطِيّ في كتاب الدِّيَرَة، فقال: دَيْرُ قُزْمَان شماليّ حَلَب ما بين جِبْرِين وتَلّ خَالِد، دَيْرٌ حَسَنٌ، أنْشَدَني أبو القَاسِم بن عَبْدَان الشَّاعِر من أهْلِ مَنْبجَ (a): [من الطويل] فشَبَّهْتُ ما ينثَجُّ من فَتَقاتهِ … على دَيْرِ قُزْمَانٍ أكُفَّ بني عَوْفِ سراةِ بني مَعْنٍ ومفْزَع مَالِكٍ … وذروَةِ ذُوْدَانٍ ومعتَمَدِ الضَّيْفِ رَأيتهم والنَّجْمُ قد باحِ نُوْرُه … وثُقلَت الأيْدِي على الدِّرْهَم الزَّيْفِ فما قَرعَتْ ألْفَاظُهُمْ بابَ علَّةٍ … ولا اسْتَعْمَلُوا القَوْلَ المقيمَ على كَيْفِ ولكنَّهُم قد حَنَّطُوا لا وكَفَّنُوا … عَسَى أنْ سَيَأتينا وصَلَّوْا على سَوْفِ أبو القَاسِم بن مُبَارَك، الأُسْتَاذ وَجِيْه الدَّوْلَةِ الحَلَبِيُّ (١) فَاضِلٌ أدِيبٌ شَاعِرٌ، وكان قد جَمَع إلى فَضْلهِ رُكُوبَ الخَيْل، وحُضُور الحرب، وكان مُنْقَطِعًا إلى مُعِزّ الدَّولَةِ ثِمَال بن صالح، وكان يُنادمُهُ، وله فيه من قَصِيدَةٍ أوَّلُها: [من الطويل] أشَاقَكَ أظْعَانُ الخلَيْطِ المُفَارِقِ … وهَاجكَ لَمْعُ البرقِ مِن أرْضِ بَارِقِ يقُول فيها: بكُم يا بني مِرْدَاسَ يُسْتَنْزَلُ الحيَا … ويَسْتَدفعُ المَضْرُورُ شَرَّ البَوَائِقِ

стр. 5855

وقيل: إنَّهُ عاشَ إلى أيّام أبي المَكَارم مُسْلِم بن قُرَيْشٍ، وقُتِلَ في الحَرْب الّتي قُتِلَ فيها مُسْلِم على نَهْر عِفْرِين، وهو شَيْخٌ كبير. ذَكَرَ هذا أو نحوهُ عنه رَجُلٌ من أهْلِ حَلَب يُقال له: ابنُ النَّحويّ في مُصَنّفٍ له سَمَّاهُ مُنَاجَاة الأرْوَاح (١). أبو القَاسِم بن أبي المَكَارِم بن المُهَذَّب المَعَرِّيُّ التَّنُوخِيُّ شَاعِرٌ من أهْل المَعَرّة من أكَابِر بُيُوتها. قَرأتُ في كتاب نُزْهَةِ النَّاظِر ورَوْضَةِ الخَاطِر، تأليفُ عَبْد القَاهِر بن عَلَوِيّ قاضي مَعرة مَصْرِيْن: لأبي القَاسِم بن أبي المَكَارِم بن المُهَذَّب إلى سَدِيدِ المُلْك بن مُنْقِذ بشَيْزَر: [من البسيط] لا درَّ درُّ زَمَانٍ صرْتُ أمْدَحُكم … فيه لأطْلُبَ من جَدْوَاكم عَدَسَا مَدَحْتُكم غِرَّةً (a) منِّي فكُنْتُ كَمنْ … يُبَخِّرُ (b) الثَّوبَ بالهِنْديِّ ثمَّ فَسَا أبو القَاسِم بن الحَمَّامِيِّ خَطِيْبُ طَرَسُوس. كان خَطِيْبًا فَصِيحًا، حَسَن المَقَاصِد، ذَكَرهُ القَاضِي أبو عَمْرو عُثْمان بن عَبْدِ اللَّه الطَّرَسُوسِيّ في كتَاب سِيَر الثُّغُور، ونَقَلْتُه من خَطِّهِ، وعَدَّ أئمَّة جَامِع طَرَسُوس وخُطَبائهِ، فقال: ومن الخُطَبَاءِ أبو القَاسِم بن الحَمَّامِيّ، وقد كان أُوْتي حَظًّا من الحِكْمَة والبَيَان، ونَصِيْبًا وَافِرًا من الخُطَب لكُلِّ شَأن، ورُزِقَ من حُسْنِ النَّثْر في

стр. 5856

كَلامِهِ أمْرًا بَدِيْعًا، ومن تَأتِيه لِمَا يَحْدُثُ من أحْوَالِ (a) النَّاس سَبَبًا صَعْبًا مَنِيعًا. قال القَاضِي أبو عَمْرو حَدَّثَني أبو الفَرَج أبَان بن أحْمَد بن أبَان، أحدُ أُمَرَاءِ الثَّغْر وحُمَاته وفُرْسَانهِ، وقد ذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضْلَ أبي القَاسِم بن الحَمَّامِيّ الخَطِيب، وحُسْن فَصَاحَته، فقال: كان بعضُ الأُمَرَاءِ نَادَى بغَزاةٍ عَقَدها، فلمَّا حَضَر المَسْجِدَ الجَامعَ للخُرُوج منه على الرَّسْم، اتَّصَل الشِّتَاءُ، ودَامَت الأمْطَار والأنْدَاء، فتَثَبَّط فَرِيقٌ منِ النَّاسِ عن السَّفَر، وعاينَ أبو القَاسِم وهو على المِنْبَر دُون ما يَعْهَدُ من عَدد مَنْ حَضَر، فَخَطَبَ على رَسْمه، ثُمَّ تَلَا، وأوْمَأ إلى الرَّعِيَّة؛ يَقُول: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (١)، وأوْمَأ إلى السُّلْطان الحَاضِر، لعَقْد تلك الغَزَاةِ، والخُرُوج فيها، ثُمَّ قال: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٢)، يُوْمئ إليهِ مرَّةً وإليهم أُخْرى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، فتجدَّدَتْ نيَّاتُ جَماعَتهِ بمَوْعظَتهِ (b) في خُطْبَته، وتجهَّزتْ طَائِفَةٌ كَثِيْرةٌ منهم للغَزْو مُسْرِعةً من وَقْته الّذي ذَكَرَ فيه وسَاعته، وتخلّى لمَّا بَزُوا إلى ظَاهِر البَلَدِ ما كان اتَّصَل من المَطَر وشدَّته، ورُزِقُوا في غَزْوهم الظَّفَرَ والقَهْرَ والغَلَبَةَ والنَّصْر، وأتَوا بالأعْلَاج مُصَفَّديْن، وبالسَّبَايَا والغَنائِم مُثَقَّلِيْنَ، فاعْتَرفَ مَنْ تجدَّدَت نِيَّتُه لأبي القَاسِم بفَضْلهِ، وَأنَّ غَزَاتَهُ بحُسْنِ اخْتراعِهِ في خُطْبَتِه، وإنْ كان اللَّهُ تَمَّمَ ذلك بعَوْنه وقُدْرَته.

стр. 5857

أبو القَاسِم القَحْطَبِيُّ الصُّوْفِيُّ كان أحَدَ الصُّلَحَاءِ الصُّوْفيَّة بطَرَسُوس، وذَكَرَهُ أبو عَمْرو الطَّرَسُوسِيِّ (١). أبو القَاسِم الأبَّارُ (a) وكان أيضًا من الزُّهَّادِ بطَرَسُوس، ذَكرَهُ أيضًا (٢). نَقَلْتُ من خَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْدِ اللَّهِ الطَّرَسُوسِيِّ في كتَاب سِيَر الثُّغُور، قال: وفي هذا الشَّارِع يعني شَارع النَّهْر بطَرَسُوس - من الدُّور المَذْكُورَة، دَار ابن القَحْطَبيِّ (b)، على ضَفَّةِ نَهْر بَرَدَان، قال: وفيها كان يَسْكُن أبو القَاسِم بنُ القَحْطَبيّ، أحَدُ صُلَحَاء الصُّوْفيَّةِ، وأبو القَاسِم الأبَّار، أحَدُ الزُّهَّادِ الأخْيَار. أبو القَاسِم الزَّيْدِيُّ الحَرَّانيُّ الشَّريفُ (٣) قَدِمَ حلَبَ ومَنْبجِ، وحَكَى أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الشهرَزُورِيّ أنَّهُ كان يقدمُ مَنْبج مُسْتَميحًا، ونَزَلَ على أبي عليّ بن الأشْعَث، وقد ذَكَرْنا ذلك في تَرْجَمَةِ الحَسَن بن الأشْعَثِ المَنْبِجِيّ (٤)، واسْمُ أبي القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ (c) الزَّيْدِيّ، وقد ذَكَرْناهُ في الأسْماء (٥).

стр. 5858

أبو القَاسِم المَلَطِيُّ الصُّوْفيُّ صَحِبَ أبا القَاسِم الجُنَيْد. أنْبَأنَا أبو المُظَفَّر عبد الرَّحيم بن عَبْدِ الكَريم بن مُحَمَّد المَرْوِزيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْدٍ الحُرْضِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى المُزَكِيّ إجَازةً، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الرَّحمن السُّلَمِيّ، قال: أبو القَاسِم المَلَطِيُّ من أصْحَاب الجُنَيْد. سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بن مُحَمَّد بن عَبدِ الوَهَّاب يَقُول: بَلَغَني أنَّ أبا القَاسِم المَلَطِيّ مرَّ مع الجُنَيْد ببَغْدَاد بسُوْق النَّخَّاسِيْن، فوَقَعَتْ منه الْتِفَاتَةٌ إلى جَارِيَةٍ، فرَأى الجُنَيْد ذلك، فلمَّا رجع أبو القَاسِم إلى البَيْتِ ذَهَب الجُنَيْد واشْتَرى (a) تلك الجَارِيَة، وجاء بها إلى أبي القَاسِم، وقال: خُذْ ما التفَتَّ إليه. أبو القَاسِم القَاضِي حَدَّثَ بحَلَب عن أبي كَامِل مَخْلَد بن كَامِل. رَوَى عنهُ أبو عَبْدِ اللَّه الحُسَين بن خَالَوَيْه. أخْبَرَنا الشَّيْخُ الأَثِيْرُ أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِيْن بن خَلَف الشَّافِعيّ بالقَصْر الغَرْبيّ بالقَاهرَة، قال: أخْبرَنا الفَقيهُ أبو القَاسِم عَبْد الرَّحمن بن مُحَمَّد بن حُسَيْن السِّبْييّ (b) إِجازة، قال: أخْبَرنا أبو الفَتْح مُحمّد بن عَبْد اللَّه بن الحَسَن ابن طَلْحَة التِّنِّيْسِيِّ إجَازةً، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عَبْدِ اللَّه السُّلَمِيِّ الحَدَّادُ المَعْرُوف بالمَحَاسِيِّ (c)، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن عُمَر الفَقِيهُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ خَالَوَيْه، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم القَاضِي بحَلَب، قال:

стр. 5859

حَدَّثَنَا أبو كَامِل مُحَمَّد بن كَامِل، قال: حَدَّثَنَا أبو زَيْد، عن عَمْرو (a) بن جُمَيْع، عن جُوَيْبر (b)، عن الضَّحّاك، عن النَّزَّال بن سَبْرَة، عن عليّ ﵇، قال: مَسْألَة الرَّجُلِ السُّلْطانَ، مَسْألَة الوَلدِ وَالدَهُ، ولا عارَ فيه ولا مَنْقَصَة. أبو القَاسِم الأفْطَسِيُّ العَلَويُّ (١) شَرِيْفٌ، فَاضِلٌ، شَاعِرٌ، أدِيبٌ، كان بحَلَب في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة، واسْمُه أحْمَد بنُ الحُسَين بن عليّ بن مُحَمَّد، وقد ذَكَرْناهُ في الأسْماءِ (٢)، ونَذكُر هَا هُنا شَيئًا من خَبَره لشُهْرته بالكُنْيَةِ. قَرَأتُ في كتاب التَّاريِخ المُجَدَّد (٣)، تأليفُ أبي الحُسَيْن (c) مُحَمَّد بن العبَّاس بن مُحَمَّد بن الحَسَن الكَتَّانِيّ الدِّمَشقيّ، قال: كان أبو القَاسِم الأفْطَسِيُّ من فِتْيَانِ آل أبي طَالِب على تَكَهلِه، وظِرَافهم على قِلَّةِ حَالهِ، له لسَانٌ وهِمَّة وعَارضَة، ومَحبَّةٌ للأدَب وأهْلِهِ. وقَصَدَ كَافُورًا فأحْسَنَ إليه بعد وَفَاةِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وأقامَ بمِصْر إلى الوَقْتِ الّذي خَرَجَ فيه مع تبر (٤). وكانت المَوَدَّة بيني وبينَهُ انْتَسَجَتْ، والحالُ وشجَتْ في آخر أيَّام سَيْفِ الدَّوْلَةِ في نَوَاحِيهِ، وكُنْتُ أتفَقَّدُه وهو مُعْتَقلٌ بحَلَب، ولا يَجْسُر أحدٌ على ذلك، فرَاعَى ذلك وشَكَرَهُ، وقوَّى ما بَيْننا وأكَّدَهُ، وكان كَثِيْر الجنَايَاتِ

стр. 5860

على سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وحتى أنَّهُ من أقْوَى الأسْبَابِ كان في أمْر ابن الأهْوَازِيّ ورَشِيْق النَّسِيمِيّ، ودِزْبَر الدَّيْلَمِيّ، الخَوَارِج عليه (١)، فأسْخَطَهُ ذلك، وكان سَبَبُ اعْتِقَالهِ بعدَ ظَفَره بهم. ومن جُرْأتِهِ عليه وطَرَائفهِ معه ما حَدَّثَني به أبو القَاسِم، قال: اجْتَمَعتُ يَوْمًا مع القُنَّائِيّ الكَاتِب بأنْطَاكِيَةَ، فذَكَرَ فَضَائِلَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وأطْرَاهُ، ووَصَفَ شَجَاعتَهُ وفرُوسِيَّته، وسَخَاءَهُ وفَهْمَهُ وعِلْمَهُ، فقُلتُ: أنا أفْضُلُهُ في هذه الخَلَّالِ كُلِّها، وأزيدُ عليه بالشَّرَف، فأنا خَيْرٌ منه من كُلِّ وَجْهٍ! فَمَضَى القُنَّائيّ، فَحَكَى ذلك له. وجِئْتُه بعد يَوْمٍ، فلَّمَا رآني قال للحَاجِب، وهو يَنْظُر إليَّ: أحْضر القُنَّائيّ، فقُلتُ: ولِمَ أَيُّهَا الأمِير؟ قال: ليُعِيْدَ بحَضْرتك كَلَامًا أعادَهُ عليَّ عنكَ، فقُلتُ: ما تَحْتاجُ إليهِ، أنا أذْكُرَه لك! فقال: هَاتِهِ، فأعَدْتُ عليه القَوْلَ من غير زِيَادَةٍ ولا نَقْصٍ، فقال: وما حَمَلَك على هذا؟ فقُلْتُ: غلَطٌ لَم يَضْرُرْكَ اللَّهُ بهِ ولَم يَنْفَعْنِي. فضَحِكَ، وقال: اللَّه حَسِيْبُكَ. وحَدَّثَنِي أيضًا قال: اضْطُرِرتُ في خَرَاج كان عليَّ بحَارِم، وسُبِّبَ به لقَوْمٍ آذَوْني إلى أنْ بعْتُ حُلِيَّ بعض بَنَاتي وأدَّيْتُ الخَرَاج، ورَكبتُ بعد يَوْم أو يَوْمَيْن فاجْتَمعْتُ مع جَمَاعَةٍ من الأشْرَافِ والكُتَّابِ في طَرِيق المَيْدَان بحَلَب، فاجْتازَ بنا بَدَوِيٌّ قد خَلَعَ عليه سَيْفُ الدَّوْلَةِ وطَوَّقهُ بطَوْق ذَهَبٍ، فقُلْتُ لمَنْ كان معي: أُريكم حُلِيَّ ابْنَتِي؟ ها هو ذا؛ طَوْقٌ في عُنُق هذا البَدَوِيّ، قد أخَذَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ من غير حَقِّهِ، وصَرَفَهُ في غير وَجْهِهِ، فنَقلَ بعْضُهُم هذا القَوْل إليه، فرَدَّ عليَّ الخَرَاج الّذي كُنْتُ أدَّيْتُه.

стр. 5861

وكان سَيْفُ الدَّوْلَةِ قبْل مَوْتهِ بأيَّامٍ أطْلَقَهُ، وفَكَّ قَيْدَهُ، وخَلَعَ عليه، وأطْلَقَ له أُلُوْفَ دَرَاهِم، واسْتَحَلَّهُ فأحَلَّهُ، واتَّفَقَ أنَّهُ حَضَر وَفاتَهُ، فتَوَلَّى هو الصَّلاةُ عليهِ. أبو القَاسِم المُقْرِئ بالألْحَانِ شَاعِرٌ من مَعَرَّة النُّعْمَان، كان حَضَر في مَجْلِسِ أبي العَلَاء بن سُلَيمان، وَلَم أظْفَر بشيءٍ من شِعره، ولمَّا حَضَرَ قال له أبو العَلَاء: إن رَأيْتَ أنْ تُحْيى القُلُوبَ بقراءةِ نَوْبةٍ، فقَرأ: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١)، فلمَّا أنْهَى النَّوْبَة، أقْبَل عليه أبو العَلَاءِ، وقال: أحْسَنْتَ، لو رآكَ مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّه ﷺ لقرَّتْ عَيْنهُ بك، ثُمَّ أنْشَد (٢): [من السريع] هذا أبو القَاسِم أعْجُوبَةٌ … لِكُلِّ مَنْ يَدْري ولا يَدْري لا يُحْسنُ الشِّعْر ولا يَحْفَظُ الـ … ـــقُرْآن وهو الشَّاعِرُ المُقْرِي وقد ذَكَرْنا الحِكَايَةَ مُسْنَدةً في تَرْجَمَةِ مُحَمَّد بن الحُسَين بن صَعْصَعَة (٣) لأَنَّهُ رَوَاها. وقيل: إنَّ هذين البَيْتَيْن لأَخِيهِ أبي مُسْلِم وَادِع، وهي به ألْيَقُ. أبو القَاسِم النَّاصِبيُّ شَاعِرٌ كان بحَلَب، ظَفِرْتُ له ببَيْت مُفْردٍ من الشِّعْر، وهو قَوْلهُ في مَجْلِسِ المُتَنَبِّي إجَازَةً لِبَيْت (a) أوَّله شِيْنٌ وآخره شِيْنٌ: [من البسيط] شُغْل المُحِبِّ عنِ اللَّذَّاتِ إنْ عَرَضَتْ … والصَّبُّ بالوَصْلِ منها كان يَنْتَعِشُ

стр. 5862

وقد ذَكَرنا الحِكَايَة بتَمَامها، وسَبَب ارْتِجاله هذا البَيْت في تَرْجَمَةِ أبي عَبْدِ اللَّه الشِّبْليّ وأبي عَبْد اللَّه الدَّنِف (١). أبو القَاسِم المِصِّيْصيُّ المُؤدِّبُ (٢) رَوَى عنهُ (a) القَاضِي أبو عليّ المُحَسِّن بنُ عليّ التَّنُوخِيّ شَيئًا من شِعْره. أنْبَأنَا أبو حَفْص المُؤدِّب، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، عن القَاضِي أبي عليّ المحسِّن بن عليّ التَّنُوخِيّ (٣)، قال: أنْشَدَنِي أبو القَاسِم عُبَيْدُ اللَّهِ بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الكَاتِبُ الصّرَويّ (b) لنَفْسِه بالأهْوَاز، ونَقَلْتُه في ظَهْر تَقْويم لي كُنْتُ علَّقْتُه فيه: [من الطويل] إذا حَمِدَ النَّاسُ الزَّمانَ ذَمَمْتُهُ … ومَنْ كان فَوْقَ الدَّهْرِ لا يَحْمَدُ الدَّهْرا قال: وزَعمَ أنَّهُ حَاوَلَ أنْ يُضِيْفَ إليهِ شيئًا يَليقُ به، فتَعَذَّر عليه مُدَّةً طَوِيلَةً، فضَجِرَ منه وتَرَكَهُ مُفْردًا، وكان عندي في الحال أبو القَاسِم المِصِّيْصيُّ المُؤدِّبُ، فسَمِعَ القَوْل، فعَمِلَ في الحالِ إجَازَةً له، وأنْشَدناها لنَفْسِه: [من الطويل] وإنْ أوْسَعَتْنِي النَّائِبَاتُ مَكَارهًا … ثَبَتُّ ولَم أَجْزَعْ وأوْسَعْتُها صَبْرا إذا لَيْلُ خَطْب سَدَّ طُرْقَ مَذَاهِبِي … لَجَأْتُ إلى عَزْمِي فَأطْلَعَ لي فَجْرَا أبو القَاسِم ابن المُقْرِئ (٤) كَتَبَ عنهُ بعضُ الأُدَبَاءِ بحَلَب، وأظُنُّه أبا غَانِم بن الأَغَرّ، وكان قَبْل الخَمْسمائة أو في حُدُودها.

стр. 5863

سَيَّرَ إليَّ الرَّئِيسُ أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إبْراهيم بن الخَشَّاب الحَلَبِيِّ بخَطِّ بعض الأُدَبَاء من الحَلَبِيِّيْن، كَتَبَ فيه عن أبي الفَتْح عَبْد اللَّه بن إسْمَاعِيل بن الجِلِّيِّ وغيره من الحَلَبِيِّيْن، قال فيه: أَنْشَدَنِي أبو القَاسِم بن المُقْرِئ: [من المتقارب] إذا ما سَخِرْتَ بمَنْ لا تَشُكُّ … بأنَّكَ حَقًّا بِهِ تَسْخَرُ فَقَدْ صِرْتَ أنْتَ لَهُ ضُحْكَةً … فيَسْخَرُ منكَ ولا تَشْعُرُ أبو القَاسِم الحَمَوِيُّ (١) شَاعِرٌ من أهْل حَمَاة، حَسَن الشِّعْر من طَبَقَة أبي الفِتْيَان بن حَيُّوس. قَرأتُ له أبياتًا بخَطِّ وَزِير رِضْوَان مُشَيِّد المُلْك أبي النَّجْم بن بَدِيْع في كُرَّاسَةٍ وَقَعَتْ إليَّ بخَطِّه، من كتابه الَّذي جَمَعَهُ في الشُّعَراءِ، قال: أبو القَاسِم الحَمَوِيُّ من حَمَاة، وهي بَلَدٌ من العَوَاصِم (٢): [من مجزوء الرمل] لا تَقُل بَيْتَ هِجَاءٍ … لا ولا بَيْتَ مَدِيْحِ سَبَقَ النَّاسُ إلى كُلِّ … قَبِيْحٍ ومَلِيْحِ ونَقَلْتُ مِن خَطِّه له: [من الكامل] لمَّا فَزِعْتُ إلى الخِضَابِ اسْتَهْزَأَتْ … سُعْدَى وقَالَتْ والمُحبُّ لِمَا بهِ ما كانَ ينفَعُهُ لدَيَّ شَبَابُهُ … فعَلَامَ يُتْعِبُ نَفْسَهُ بخِضَابِهِ وله، ونَقَلْتُهما من خَطِّه: [من مجزوء الكامل] يا مَنْ حَديْثي حَيْثُ كُنْـ … ــتُ فَكُلُّهُ عنْهُ يَكُونُ حتَّى يُقَالَ فكَمْ إذًا … ما ذا هَوًى هذا جُنُونُ

стр. 5864

أبو قَتَادَة بن رِبْعِيِّ الأنْصَاريّ صَاحِبُ رسُول اللَّهِ ﷺ ، شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليّ ﵁، واسْمُه [الحَارِث بن رِبْعِيِّ بن بَلْدَمة] (a)، وقد ذَكَرناهُ في الأسْماءِ (١). نَقَلْتُ من خَطِّ بَنُوْسَةَ وَرّاق بني مُقْلَة، عن أبي الحَسَن المَدَائِنِيّ: تَسْمِيَةُ مَن شَهِدَ صِفِّيْنَ من أصْحَاب رسُول اللَّه ﷺ : عَمَّار بن يَاسِر، وأبو أَيُّوب خَالِد بن زَيْد بن ثَابِت الأنْصَاريّ، وأبو اليَسَرِ (b) كَعْب بن عَمْرو، ومالكُ بن التَّيَّهان (c)، وخُزَيْمَة بن ثَابِت الخَطْمِيّ، وأبو قَتَادَةَ بن رِبْعِيّ، ورِفَاعَة بن رَافِع بن مَالِك، والنُّعْمان بن عَجْلان. أبو قُدَامَة العَابِدُ الفِلَسْطِيْنِيُّ الرَّمْليُّ البَكَّاءُ كان غَازِيًا بعَيْن زُرْبَة، حَكَى عن سُليْمان الخَوَّاص، رَوَى عنهُ أحْمَدُ بن سَهْل الأُرْدُنِّيّ، وأبو قُدَامَة العَابِد (d).

стр. 5865

أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّمِ الإرْبِلِيّ، قال: أخْبَرَتْنَا شهدَةُ بنتُ ابن الإِبَرِيّ قالت: أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللَّه في طَلْحة النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو سَهْل مَحْمُود بن عُمَر، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بنُ الفَرَج العُكْبَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بن أبي الدُّنْيا (١)، قال: وحُدِّثْتُ عن مُحَمَّد في الحُسَين، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ في سَهْل الأُرْدُنِّيّ، قال: حَدَّثَني أَبو قُدَامَة الرَّمْليّ، قال: قرأ رَجُل هذه الآيةِ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ (٢)، فأقْبَل عليَّ سُليْمانُ الخَوَّاصُ، فقال: يا أبا قُدَامَةَ، ما يَنْبَغِي لعَبْدٍ بعدَ هذه الآيةِ أنْ يَلْجأ إلى أحدٍ غير اللَّهِ في أمْره، ثُمَّ قال: واللَّهِ يا أبا قُدَامَة، لو عَامَلَ عَبْدٌ اللَّهَ بحُسْن التَّوَكُّلِ عليه، وصِدْقَ النِّيَّةِ بطَاعَتِه، لاحْتاجَتْ إليهِ الأُمَرَاءُ فَمن دُوْنَهُم، فكيف يكُون هذا يَحْتاج (a) ومَوْئلُهُ ومَلْجَؤُهُ إلى العَزِيزِ (b) الحَمِيد. نَقَلْتُ من خَطِّ القَاضِي أبي عَمْرو الكَرْجِيّ (c)، قَاضِي مَعَرَّة النُّعْمَان: حَدَّثَنِي أبو أحْمَد عَبْدُ اللَّه بن دَاوُد الحَنَّاط الكَرْجِيّ (d) بطَرَسُوس، قال: حَدَّثَنِي أبي دَاوُد بن مُحَمَّد أبو صَالِح، قال: قرأ علينا السَّاوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عليّ المُقْرِئ خُطْبَةَ أبي السَّرِيّ مَنْصُور بن عَمَّار الوَاعِظ ﵀ في الجِهادِ، وكَتَبْنَاها عنه إمْلاءً. قال مَنْصُور بن عَمَّار: وذَكَرَ الخُطْبَة، وقال في آخرها: الدَّلِيْلُ على ما أقولُ حَدِيْثُ أبِي قُدَامَةَ العَابِد الفِلَسْطِيْنيّ البَكَّاءُ، قال أبو قُدَامَةَ: بينا أنا خارجٌ من عَيْن زُرْبَةَ في سَرِيَّةٍ، وكُنْتُ علِى سَاقَة النَّاسِ، إذا أنا بهَاتف يَهْتفُ من ورَائي: أبا قُدَامَةَ، فلَم ألْتَفتْ إليهِ ومَضَيْتُ غير مَلْوٍ عليه، فهَتَفَ بي الثَّانيَة، فإذا أنا بامْرأةٍ كأجْمَل ما يكُون من النِّسَاء، فتَرَكْتُها ومَضَيْتُ، وخفتُ أنْ تكُون مَكِيْدَةً من

стр. 5866

إبْلِيْس يَقْطَعُنِي عن غَزَوَتِي ويَشْغَلني عن سَبِيل رَبِّيّ، قال: فصَوَّتَتْ بي الثَّالثَة بصَوْتٍ حَزين أوْجَعَتْ قَلْبِي وأدْمَعَت عَيْني، وهي تَقُول: أبا قُدَامَةَ، تَواضَعْ رَحِمكَ اللَّهُ، ليسَ هكذا كان مَنْ مَضَى قَبْلَكَ، قفْ علَيَّ، فوَقَفْتُ عليها، فلَمَّا بلَغَتْ إليَّ قالت: تَنَحَّ عن الطَّريق، فعَدَلْنا، فقالت: أبا قُدَامَةَ، إنِّي أُرِيْدُ أنْ أسْتَودعَكَ وَدِيْعَةً فاكْتُمها عَلَيَّ، قال: قُلتُ: وما هي؟ قال: فضَرَبت بيَدها إلي ردَائها والدُّمُوع تَنْحَدر على نقَابها، فقالت: أبا قُدَامَةَ، إنِّي أُرِيْدُ أنْ أسْتَودِعَكَ ودِيْعَةً أنِّي عَمَدتُ إلى ناصيَتِي ومَوَاضِع السُّجُود من قُصَّتِي فأخذْتُه وجَعَلْته قَيْدًا لفَرَس الغَازِي في سَبِيْل اللَّهِ، لعلَّ اللَّه تعالى يَنْظُر إلي شَعري في الثَّرَى قد وَطئتْهُ الخَيْل بسَنَابِكها فيَرْحَمْنِي، فواللَّهِ لولا أنَّكَ غَرِيْبٌ في زَمَنِي هذا ما أطلعتُكَ على سرِّيّ، ولا أخْبرتُكَ بداخِلَة أمْري، قال: قُلْتُ: إنِّي أخَاف أنْ آثم، قالىَ: لا يُؤْثمُكَ اللَّه، فودَدْتُ أنِّي قَدرتُ أنْ أقُدّ من جِلْدِي سَيْرًا (a) يكُون عِذَارًا لفَرَس الغَازِي في سَبِيْل اللَّهِ ليَنْظُرَ إليَّ الرَّحيمُ بخَلْقه، الرَّؤوفُ المَنَّان بعِبَادِه، ويَنْظُرِ إلى جَوَلان فَرَسِ الغَازِي في سَبِيْل اللَّهِ، ويَنْظُرِ إلى سُيُّور من جلدَة حُرَّة من حَرَائِر المُسْلِمِيْنَ، ويَرْحَمني. قال: فبينا أنا أسيرُ إذا هاتفٌ يُنَادِي: يا عَمّ، قال: فالتفَتُ فإذا أنا بغُلَامٍ قد أقْبَل، فقال: يا أبا قُدَامَة، خُذْ هذه السِّكِّيْن في سَبِيْل اللَّهِ، فلم يَزَل يَطْلُب إليَّ حتَّى أخَذْتُها منه. فبينا نحنُ نَسِيْرُ إذ نُودِيَ بالنَّفِيْر، قال: فتقدَّم الغُلَامُ أمام الخَيْل، وكَثُر العَدُوّ، فَخَشِيْتُ عليه أنْ يُقْتَلَ، قال: فرجعْتُ في طلَبهِ، فقُلتُ لَهُ: حَبِيْبِي، ليسَ هذا مَوضِعُ مثْلكَ، أنْتَ رَاجِلٌ بغير دَابَّةٍ، ولستُ آمَنُ عليكَ جَوَلَانَ الخَيْل وثَوَرانَ الحَرْب، فقال: أبا قُدَامَة، أتَأمرُني بالرُّجُوع وقد سَمِعْتُ اللَّه تعالَى يَقُول

стр. 5867

في مُحْكم كتابهِ (a): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، أفتأمرُني (b) بالرُّجُوع بعد عِلْمي بوِعِيْدِ رَبِّي !؟ قال: فلمَّا أنْ أبَى عَلَيَّ حَملتُه على هَجِيْن كان معي فتقدَّم فلَم يَزَل يَضْرِبُ يُمْنةً ويُسْرة، ثُمَّ رجعَ فسَلّمِ علَّي سَلَامَ مُوَدِّع كأنَّهُ أحسَّ بالمَوْت، ثمَّ انْطَلَقَ لَيْرمي السَّهْم (c) الثَّالثَ، فلمَّا وضَعَهُ في كَبدِ قَوْسِهِ أتاه مِزْرَاقٌ فضَرَبَهُ بين عَيْنيه، فنكسَ الغُلَامُ رَأسَهُ على عُنُقِ فَرَسِهِ، وهو يَقُول: نَجَوْتُ ورَبِّ الكَعْبَة، ثمّ نَادَى أخْفَضَ من الأوَّلِ: نَجَوتُ ورَبِّ الكَعْبَة. قال: فَخشِيْتُ أنْ يَمُوتَ، فدَنَوْتُ منه، فقُلتُ: حَبِيْبي، لا تنسَ حَاجَتي الشَّفَاعَة، قال: لا يا أبا قُدَامَة، ولكن لي إليك حاجَةٌ، قُلتُ: وما هي؟ قال: أنا ابنُ صَاحِبةِ الوَديْعَة، فإذا أنْتَ أتيْتَ المَدِينَة فأتِ دُكَّان يَحْيَى العَلّاف؛ فإنَّ لي عندَهُ خُرْجًا، فخُذْه وانْطَلِق به إلى وَالدَتي، وصَبِّرْها؛ فإنَّها عام أوَّل أُصِيْبَت بوَالدِي، والعام يَزِيد عليها ثُكْلِي، قال: ثُمَّ سَكَتَ فماتَ. فلمَّا سَكَنَت الحرب، ودَفنَّا القَتْلَى، حَفَرْنا له مَطْمُورةً، فألقْيْناهُ فيها بأطْمَاره، ودفناهُ، فواللَّهِ ما تمالَكْنا النُّهُوضَ حتَى نبذَتْهُ الأرْضُ علِى ظَهْرها، وأقْبَلَ عَلَيَّ أصْحَابي، فقالوا: يا أبا قُدَامَة، ألَم نَقُلْ لك إنَّهُ غُلَامٌ، ولعَلَّهُ خرَج عن غير إذْنِ أبَوَيهِ، فقُلتُ: مَهْلًا إِنَّ الأَرْضَ لتَقْبَلُ مَنْ هو شَرٌّ منه، إنَّها لتَقْبل اليَهُودَ وغيرَهُم، ثمّ تنحيَّتُ فصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْن، ودَعَوْتُ رَبِّي، وقُلتُ: اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُكَ، ابنُ عَبْدِكَ، ابنُ أمَتِكَ، فإنْ كُنْتَ تَعْلَم منه شيئًا فاسْتُرهُ عليه، قال: فواللَّهِ ما اسْتَتْمَمتُ الدُّعَاءَ حتَّى سَمِعْتُ وقْع خَلَاخِيل

стр. 5868

الحُور العِيْن، وهم (a) يقُولُونَ: تَنَحَّ يا أبا قُدَامَة وخَلِّ بيننا وبينَ وَليّ اللَّهِ، فتنحَّيْتُ، وأقْبَلَت السِّبَاعُ والطَّيْرُ من كُلِّ ناحيةٍ فتقاسَمَتْ لَحْمَهُ في أسْرَعَ من طَرْفَةِ عَيْن. فلمَّا رَجَعْتُ إلى المَدِينَة، أخَذْتُ خُرْجَهُ ومَضَيْتُ به إلى مَنْزِله، فلمَّا قَرَعتُ بابَهُ، خَرجَتْ إليَّ أُخْتِّ له صَغِيرَة (b)، فلمَّا نظَرَتْ إليَّ قالت: يا أمَّه، هذا أبو قُدَامَة قد قَدِمَ، وما أرَى أخي معه! قال: فَخَرَجَتْ وَالدتُه فسَلَّمتْ علَيَّ، وقالت: أبا قُدَامَةَ، أَمُهَنِّئٌ أم مُعَزِّي؟ قُلتُ: وما مُهَنِّئٌ، وما مُعَزِّي (c)؟ قالت: أبا قُدَامَة، إنْ كان وَلدِيِ قد مات فعَزِّ، وإنْ كان اسْتُشهِدَ فهَنِّ، قال: قُلتُ (d): بل مُهَنٍّ رَحِمكَ اللَّهُ؛ إنَّ ولَدَكِ اسْتُشْهِدَ رَحْمَةُ اللَّهِ عليه، فقالت: الحَمْدُ للَّهِ، يا أبا قُدَامَة، إنَّ لي في وَلدِي عَلامةً هل رَأيتَها فيه؟ قُلتُ (e): نَعَم، قال (f): إنَّ الأرْض لَم تَقْبَلْهُ (g)، قالت: الحَمْدُ للَّهِ، ما فَعَل خُرْجُهُ يا أبا قُدَامَةَ؟ فنَاولْتُها ففَتَحَتْهُ وأخرجَتْ منه مِدْرَعَةَ شَعرٍ وغُلَّا من حَدِيدٍ، ثمّ قالت: أبا قُدَامَة (h)، كان وَلَدِي إذا جَنَّهُ اللَّيْلُ، وغارَت النُّجُومُ، ولَم يَبْقَ إلَّا الحَيّ القَيُّومِ، تدَرَّعَ بهذه المِدْرعَة، وغَلَّ بهذا الغُلِّ يَدَهُ إلى عُنُقهِ، ثُمَّ ناجَى مَنْ لا تأخذُه سِنَةٌ ولا نَوْمٌ، وكان يقُول في مُنَاجَاتهِ: أَيْ رَبّ، لا تَحْشُرني إلَّا من بُطُون السِّبَاعَ وحَوَاصل الطَّيْر، فالحَمْدُ للَّهِ الّذي مَنَّ عليه بذلك. أبو القَعْقَاع الجَرْميُّ (١) شَهِدَ صِفّيْنَ مع عليّ ﵁، وحَكَى عن الوَقْعَةِ، رَوَى عنهُ أبو جَنَابٍ (i) الكَلْبيُّ.

стр. 5869

أبو القَوَاريْر وَلِيَ طَرَسُوس بعد يَزِيد بن مَخْلَد الفَزَارِيّ، كما قَرَأتُه في كتاب البُلْدان، تأليف أحْمَد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ (١)، قال: قالوا: وكان عَبْدُ المَلِك بن صالح قد اسْتَعْمَل يَزِيدَ بن مَخْلَد الفَزَارِيَّ على طَرَسُوسَ، فطَرَدَهُ (a) مَنْ بها من أهْل خُرَاسَان، فاسْتَوْحَشُوا منه للهُبَيْرِيَّةِ، فاسْتَخْلَفَ أبا القَوَارِيْر (b)، فأقَرَّه عَبْد المَلِك بن صالح، وذلك في سَنَة ثَلاثٍ وتِسْعِين (c) ومَائة. حَرْف الكَاف في الكُنَى ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو كَامِل أبو كَامِل الأحْمَسِيُّ (٢) شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ (٤) ﵁، لهُ ذِكْرٌ.

стр. 5870

أبو كَامِل، مَوْلَى الغَاز بن رَبِيْعَة الجُرَشِيّ (١) غَزَا بلاد الرُّوِمِ، واجْتازَ بِدَابِق في دُخُوله، وكان مع مَكْحُول وسَابِق البَرْبَرِيّ في الغَزَاة، ورَوَى عنهُما، رَوَى عنهُ أبو مُسْهِر الغَسَّانِيّ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبدُ الرَّحيم بن يُوسُفَ بن الطُّفَيْل بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الحافِظُ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبارَكُ بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّهِ الحُسَين بن جَعْفَر السَّلَمَاسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَدَ الدَّقَّاق، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن سَعيد بن عبدِ الرَّحْمن الحَرَّانيّ الحافِظُ (٢)، قال: حَدَّثَنَا عليّ بنُ عُثْمان النُّفَيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنا أبو مُسْهِرٍ، قال: حَدَّثَنا أبو كَامِلٍ مَوْلَى الغَاز بن رَبِيْعَة، قال: سَمِعْتُ سَابِقًا البَرْبَرِيَّ يُنْشد مَكْحُولًا، وهو في الغَزْو (٣): [من الرجز] يا نَفْسُ كُلُّ قَابرٍ مَقْبورُ فيَهْلِكُ الزَّائرُ والمَزُوْرُ ويَقْبِضُ العَارِيَةَ المُعِيْرُ ليسَ على صَرْف الرَّدَى عُمُورُ كَمْ مِن غَنِيٍّ مُكْثِرٍ فَقِيْرُ حتَّى انْتَهى إلى قَوْله: والصِّدْقُ بِّر والتُّقَى نَظِيْرُ (a) والبِرَّ مَعْرُوفٌ بهِ المَبْرُورُ وذو الهَوَى يَسُوقُهُ المَقْدُورُ

стр. 5871

فقال مَكْحُول: لا. كان مَكْحُول يقُول أوَّلًا بالقَدَر، ثمّ رَجع عن ذلك. أبو كَرْب العِرَاقِيُّ (١) شَهِدَ قِتَال بُرْجَان غَازِيًا عام حَاصَر مَسْلَمَةُ بن عَبد المَلِك القُسطَنْطِينِيَّة (٢)، واجْتازَ مع الجَيْش بِدَابِق في غَزَاتهِ، وقُتِلَ فيها شَهِيْدًا. أنْبَأنَا أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَني عَمِّي الحافِظ أبو القَاسِم (٣)، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ بقِرَاءَتي عليه، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي العَقَب، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن إبْراهيم بن بُسْر، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ عَائِذ، قال: قال الوَلِيدُ: وقد كُنْتُ سَمِعْتُ عبد الرَّحْمن بن يَزِيد بن جَابِر يَذكر أنَّ نَفَرًا من أهْلِ دِمَشْقَ، كان يُسَمِّيهم بأسْمَائهم، فيهم رجُل كان يُكْنَى بأبي كَرِب، وقد كان أصَابَ دَمًا بالعِرَاق، فاسْتَفْتَى جَمَاعَة من الفُقَهَاءِ، فاجْتَمَع قولهم: إنَّهم لا يَعْرفُونَ وَجْهًا إذا لَم يُعْرَف وَليُّ الدَّم إلَّا أنْ يُجَاهِد في سَبِيْل اللَّه حتَّى يُقْتَل في سَبِيْل اللَّه، فلم تَزَل تلك حَاله يَغْزُو المغَازِي، ويَطْلُب القَتْلَ في اللَّهِ، حتَّى كان ذلك اليَوْم جُرِحَ (a) هؤلاءِ النَّفَر، وسَارُوا حتَّى إذا كان في بَعْضِ طَرِيقهم خَرَجَ خارجٌ منهم ليأتيهم بعِنَب، فإذا بقُبَّةِ ذَهَبٍ عليها جلالُ حَرير أخْضر، وإذا فيها حَوْراء، كان يُخْبرُ عمَّا رَأى من حُسْنها، فقالت: إليَّ، فأنا زَوْجتُكَ، وأنتَ قادمٌ علينا

стр. 5872

يَوْم كَذَا ومعك فُلَانٌ وفُلَان، سَمَّت (a) أُولئك النَّفَر، فانْصَرَفَ الرَّجُلُ، ولَم يأتِ بعِنَب وأخْبَرَهُم بما رَأى، فكَتَب وصيَّتَهُ، وكَتَبُوا. وكان مع شَرَاحِيْل بن عُبَيْدة وأصْحَابهِ، فكان من مُصِيْبَتهم ما كان. ثُمَّ أُمِرَ بانْصِرَاف النَّاس إلى ذلك المَرْج الّذي رجعَت إليهم فيه بُرْجَان (b)، فاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيْدًا، فقُتِلَ هؤلاءَ النَّفَر جَمِيعًا، فيهم أبو كَرْب، وأرْسَلت بُرْجَان النَّارَ على ذلك المَرْج، وعلى قَتْلَى المُسْلِميْن فخَرَّقَتْ ما حرَّقَتْ، حتَّى انْتَهت إلى أبي كَرِب وأصْحَابهِ، فأطافَتْ بهم ولَم تَأكُل النَّارُ منهم أحدًا. يعني: عام حَاصَر مَسْلَمَةُ بن عَبْدِ المَلِك القُسْطَنْطِينِيَّة (c). أبو كُرَيْب الغَسَّانِيُّ (١) وقيل فيه: أبو كَرْب الغَسَّانِيّ. غَزَا الصَّائِفَة، واجْتازَ بِدَابِق، وقُتِلَ في وَقْعَة بُرْجَان شَهِيْدًا، وهو عندِي الأوَّل، واشْتَبه أَبو كَرْب بأبي كُرَيْب، أو صُغِّرت كُنْيَتُه، فإنَّ القِصَّة واحدةٌ، حَكَى عنه حِكايَة قَتْله عَطَاء بن قُرَّة السَّلُولِيّ. أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبرَنا أبو القَاسِم بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرنا أبو طَالب بن غَيْلَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ الشَّافِعيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن إسْحَاق الحَرْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بن العبَّاسِ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن المُبارَك، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن يَزِيد بن جَابِر،

стр. 5873

قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي زَكَرِيَّاءَ، ومعنا مَكْحُول: أنَّ رَجُلًا مرَّ بكَرْمٍ بأرْض الرُّوم، فقال لغُلَامِهِ: أعْطِنِي مِخْلَاتي حتَّى آتيكم من هذا العِنَب، فأخذَها، ثُمَّ دَفَع فَرَسَهُ، فبينما هو في الكَرْم إِذا هو بامْرأة على مثل لَم يُر مثلها، فلمَّا رآها صدَّ عنها، فقالت: لا تَصُدَّ عنِّي؛ فإنِّي زَوْجُكَ فامْضِ (a) أمامَكَ فسَتَرى ما هو أفْضَل منِّي، فَمَضى (b) فإذا هو بأُخْرى، فقالت له مثل ذلك، وأظُنُّه أبا مَخْرَمَة. قال عبدُ الرَّحْمن بن يَزيْد (١): فأخْبَرَني عَطَاء بن قُرَّة (c) السَّلُولِيّ، قال: كُنَّا مع أبي مَخْرَمَة، فما عَدا أنْ جاءنا من ذلك العِنَب، فوَضِعَهُ ودَعا بقِرْطاسٍ ودَوَاة، فكَتَبَ وَصِيَّتَهُ، فلمَّا رآهُ أبو كُرَيْب الغَسَّانِيّ كَتَبَ وصيَّتَهُ، ثمّ قام مُقَاتِل اللَّيْثِيّ فكَتَبَ وصِيَّتَهُ، ثمّ قام عَمَّار بن أبي أَيُّوبَ فكَتَبَ وَصِيَّتَهُ، ثمّ قامَ عَوْفٌ اللَّخْمِيُّ فكَتَبَ وَصِيَّتَهُ، ثُمَّ لقيْنا بُرْجَان، فما بقي من هؤلاء الخَمْسَة إلَّا قُتِلَ، قال: ولَم نَكْتُب نحنُ وَصَايَانا فلم نُقْتَل. أبو الكَرَم بن الوَزَّان الشَّريفُ الحَلَبِيُّ (٢) كَتَبَ عنهُ عَبْد المُنْعِم بن الحَسَن بن الحُسَين بن اللُّعَيْبَة الحَلَبِيّ. قَرأتُ بخَطِّ ابن اللُّعَيْبَة: أنْشَدَني الشَّريفُ أبو الكَرَم بن الوَزَّان الحَلَبِّي ببَغْدَاد في المُحَرَّم سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة (٣): [من الطويل] شَكَوتُ فقالَت: كُلُّ هذا تبرُّمًا … بحُبِّي أرَاحَ اللَّهُ قَلْبَكَ من حُبِّي

стр. 5874

فلمَّا كَتَمتُ الحُبَّ قالَتْ: لشَدَّ ما (a) … صَبرتَ وما هذا بِفِعْل (b) شَجي القَلْبِ وأَدْنُو فَتُقْصِيْني فأبعُدُ طَالِبًا … رضَاها فتعتَدُّ التَّبَاعُدَ مِن ذَنْبي فشَكْوَايَ تُؤْذيها وصَبْري يَسُرُّها … وتَجْزَعُ مِن بُعْدي وتَنْفِرُ مِن قُرْبي فيا قَوْم هَل مِن حِيْلَةٍ تَعْرِفُونَها … أشِيْروا بها وَاسْتَوجِبُوا الأجْرَ مِن رَبِّي أبو كَعْب الخَثْعَمِيُّ (١) شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ (c) ﵁، وقُتِلَ بها، وكان رَأس الخَثْعَمِيِّيْن من الكُوفَة. أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن الصَّابُونِيّ إذْنًا، عن أبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن أحْمَد بن الخَشَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليِّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا ابنُ نِيْخَاب، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن الحُسَين، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى الجُعْفِيّ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بن مُزَاحِم (٢)، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن سَعْد، قال: حَدَّثَني أبو عَلْقَمَة الخَثْعَمِيّ، قال: ثمّ اقْتَتلُوا قِتَالًا شَدِيْدًا؛ يعنى خَثْعَم الشَّام وخَثْعَم العِرَاق، قال: وحَمَل شَمِرُ بن عَبْد اللَّه الخَثْعَمِيّ، من أَهْلِ الشَّام على أبي كَعْب رَأسِ خَثْعَم الكُوفَة فطَعَنَهُ، فقَتَلَهُ، ثمّ انْصَرفَ يَبْكي ويقُول: رحمكَ اللَّهُ يا أبا كَعْب، لقد قَتلْتُكَ في طَاعةِ قَوْم أنْتَ أمَسُّ بي رَحِمًا منهم، وأحبُّ إلَيَّ نَفْسًا منهم، ولكن واللَّهِ ما أدْرِي ما أقُول، ولا أُرَى الشَّيطان إلَّا قد فَتَننا، ولا أُرَى قُرَيْشًا إلَّا قد لعبَتْ بنا. ووثَب كَعْب بن أبي كَعْب إلى رَايةِ أبيهِ فأخَذَها، ففُقِئت عَيْنُه، وصُرِعَ (d). وذَكَرَ تَمَام القِصَّة، قد ذَكَرْناها في تَرْجَمَةِ شُرَيْح بن مَالِك (٣).

стр. 5875

أبو الكَنُود (١) شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ (a) ﵁، ورَوَى خَبَرها، رَوَى عنهُ الحَارِث بن كَعْب الوَالِبِيّ، وسُليْمان بن أبي رَاشِد، والحَارِث بن حَصِيرَة. أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن مَحْمُود، عن أبي مُحَمَّد بن الخَشَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاء، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن نِيخاب، قال: صَدًّ شنا إبْراهيمُ بن دِيْزِيْل، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا نَصْر بن مُزَاحِم (٢)، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن سَعْد، عن سُليْمان بن أبي رَاشِد، عن أبي الكَنُود أنَّ مُعاوِيَة بَعَثَ حَبِيْبَ بن مَسْلَمَة، وشُرَحْبِيل بن السِّمْط، ومَعْن بن قُرّة (b) بن الأخْنَس السُّلَمِيّ، فدَخَلُوا على عليّ وأنا عنده. وذكَرَ شَيئًا من حَدِيث صِفِّيْن، قال: ثمّ مَكُث النَّاسُ على ذلك حتّى دَنَا انْسِلَاخ المُحَرَّم. حَرْفُ اللَّام في الكُنَى ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ (c) أبو اللَّيْث أبو اللَّيْث النَّحْوِيُّ ابنُ أخي سَعيدٍ النَّحويّ.

стр. 5876

وأظُنُّ اسْمَهُ عبد الرّحْمن بن مُحَمَّد، وقد قَدَّمْنا ذِكْر عبد الرَّحْمن في بابهِ (١). رَوَى عن عليِّ بن سُلَيمان الأخْفَش، رَوَى عنهُ أبو الحُسَين عليّ بن الحُسَين المَغْرِبيّ، وأبو عليّ مُحَمَّد بن عُمَر البَلْخِيّ، وسَمِعَ منه بحَلَب. أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ عبدُ الرَّحْمن بن عَبْد المَجِيْد بن حَفْص الصَّفْرَاويُّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن النَّقُّور ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّيِّب طَاهِر بن عَبْد اللَّه الطَّبَريُّ، قال: أنْشَدَنا مُحَمَّد بن عُمَر أبو عليّ البَلْخِيُّ، قال: أنْشَدَنا أبو اللَّيْثِ النَّحَويّ بحَلَب لبعضِ المُحَدِّثِيْن: [من الخفيف] لسْتُ ممَّن يَقُولُ كانَ وكُنَّا … غَيْرَ أنَّ الحَبِيْبَ خَانَ فَخُنَّا زَارَ أعْدَاءَنا فَزُرْنا سِوَاهُ … فاسْتَوَينا وكانَ أظْلَمَ مِنَّا قَرَأتُ في أوَّل مَجْمُوع بخَطِّ بعض الأُدَبَاءِ المُتَقدِّمي العَصْر ما صُوْرته: أمْلَى علَيَّ أبو عليّ مُحَمَّدُ بن عُمَر البَلْخِيّ، من حِفْظه، قال: أخْبَرَنا أبو اللَّيْث ابن أخي سَعيد النَّحويّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا عليّ بن سُلَيمان الأخْفَشُ أنَّ رجُلًا أنْشَد ضَادِيَّةَ أبي الشَّيْص في مَجْلِس المُبَرَّد، فقال المُبَرَّدُ: كم من ضَاديَّةٍ لا تُعْرَفُ، وهى أحْسَنُ منها وأطْرَف (a)، ثُمَّ أنْشَدَنا لبَشَّار بن بُرْد العُقَيْلِيّ (٢): [من الكامل] غَمَضَ الجديْد (b) بصَاحِبيْكَ فغَمَضا … وبقِيْتَ بعْدَهمُا تُحاوِلَ (c) منْهَضَا وكأنَّ قلبَكَ (d) عند كُلِّ مُصِيْبَةٍ … عظمٌ تكرَّر كَسْرُه (e) فتهيَّضَا وأخٍ فُجعْتُ بهِ (f) فأذْكَرَهُ أخٌ … يَمْضِي (g) فتُذْكِرُكَ الحَوَادِثُ ما مَضَى

стр. 5877

فاشرَبْ على بُعْدِ الأحِبَّةِ آنِفًا (a) … حُزْنَ (b) المَنِيَّةِ ظَاعِنين وخُفَّضَا ولقد جريتُ مع الصِّبَا طَلْقَ الصّبا … ثُمَّ ارعَويْتُ فلم أجدْ لي مَرْكَضَا وعَلِمتُ ما عَلِمَ امْرُؤٌ من (c) دَهْره … فأطَعْتُ عَاذلتي (d) وأعْطَيْتُ الرِّضَا وصَحَوتُ من سُكْرِي وبتُّ مُوَكَّلًا … أرْعَى الحَمَامَةَ والغَزَال (e) الأبْيَضا ولرُبَّ سَارِيَةٍ (f) تجُودُ بمَائها … وكذاك لو صَدَق الرَّبيْعُ لروَّضَا (g) ومَنِيعَة المَرْقَى بَذَلتُ (h) لها الهَوَى … إمَّا مُكَفأةً وإمَّا مُقْرَضَا أيَّام يَسْحَرني الكتابُ إذا أتَى … وأظلّ منها بالحَدِيْثِ مُمَرّضَا باعَدْتُها لتزِيدَني من وُدِّها … فأبَتْ فكُنْتُ من الإباءِ مُحَرَّضَا (i) وتخَوَّفتْ هَجْري وليسَ بكَائن … فشَكَت إلى الجِيْرَان شَكْوى مرمضَا حتَّى إذا شربَتْ مياهَ مَوَدَّتي … وشَرِبْتُ برد شَرَابها متبرضَا قالت لأختَيْها (j) اذْهَبا فتَجَسَّسا (k) … ما باله ترك السَّلام وأعْرَضَا قد ذقْتُ أُلْفتَهُ وذُقْتُ فِرَاقَهُ … فوجَدْتُ ذا عَسَلًا وذا جَمْرُ الغَضَا وَيْلي عليهِ ووَيْلَتي (l) من بَيْنِه … كان الّذي قد كانَ حُلْمًا (m) فانْقَضَى سُبْحَانَ مَنْ خَلَق (n) الشَّقَاءَ لذي الهَوَى … ما كان إلَّا كالخِضَاب قد انْقَضَى أبو اللَّيْث الخُرَاسَانيُّ كان من العُبَّادِ بطَرَسُوس، لقيَهُ إبراهيم بن مَخلَد الوَاسِطِيّ بطَرَسُوس، وحَكَى عنه.

стр. 5878

أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُرَجَّا بن أبي الحَسَن بن هِبَةِ اللَّهِ الوَاسِطِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد الكَتَّانِيّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبرنا أبو الفَضْل مُحمّد بن أحْمد العَجَميّ قراءةً عليه، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَخْلَد (a) البَزَّاز قرَاءةً عليه، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحَسَن الصِّلْحِيُّ (b)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بنُ عُثْمان بن سَمْعَان الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن أسْلَم بن سَهْل بن أسْلَم المَعْرُوف ببَحْشَل (١)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عُثْمان، قال: حَدَّثَنَا عَمِّي -يعني إبْراهيم بن مَخْلَد بن عُثْمان الوَاسِطِيّ- قال: رأيْتُ أبا اللَّيْث الخُرَاسَانيّ بطَرَسُوسَ يُعَزَّى، قُلتُ: ما شَأنُهُ؟ قال: فاتَتْهُ الصَّلاةُ في جَمَاعَةٍ. أبو لَيْلَى الأنْصَاريُّ (٢) صَاحِبُ النَّبِيّ ﷺ . قيل: ليسَ له اسْمٌ، وقيل: اسْمُه يَسَار، وقيل: دَاوُد بن بِلَال بن بُلَيْل بن أُحَيْحَة بن الجُلَاح بن الحَرِيْش بن حَجْجَبَا بن كُلْفَة بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف الأنْصَاريّ، وقيل: اسْمُه بِلَال، وقيل: اسْمه بُلَيْل بن أُحَيْحَة. رَوَى عن النَّبِيّ ﷺ ، رَوَى عَنْهُ ابنُهُ عبد الرَّحمن بن أبي لَيْلَى. وشَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ (c) ﵁، وشَهِدَ الجَمَل، ويُقال: كانت رَايَةُ عليّ ﵁ معه.

стр. 5879

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ تَوفِيقِي حَرْفُ المِيْم في الكُنَى أبو المُتَوَكِّل القِنَّسْرِيْنِيُّ حَدَّثَ عن حُمَيْد بن العَلَاء، رَوَى عنهُ بَقِيَّةُ بن الوَلِيدِ الحِمْصِيّ. أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَنُ بن أحْمَد بن يُوسُف الأَوَقِيّ بالبيت المُقَدَّس، وأبو مُحَمَّد عَبد الوَهَّاب بن ظَافِر رَوَاج (a) بمِصْرَ، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر الفَضْل بنُ عليّ بن أحْمَد الحَنَفِيّ المُقْرِئ بأصْبَهَان، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد مُحمّد بن عليّ بن عَمْرو بن مَهْدِي الحافِظ النَّقَّاش، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم سُليْمانُ بن أحْمَد بن أيُّوبَ الطَّبَرَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُسْلم الكَشِّيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عُمَر المُعَيْطِيّ، قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بن الوَلِيدِ، عن أبي المتُوَكِّلِ القِنَّسْرِيْنِيّ، عن حُمَيْد بن العَلَاءَ، عن أنَسٍ (١)، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَضَى لأَخِيهِ المُسْلم حَاجَةً كان كمَنْ خَدَمَ اللَّه عُمْرَهُ.

стр. 5880

ذِكْرُ مَن كُنْيَتُهُ أبو المَجْد أبو المجد بن فَضْلَان الضَّرِيْر الدُّقِّيُّ البَغْدَاديُّ الشِّطْرَنْجيُّ (a) شَاعِرٌ من أهْلِ بَغْدَاد، قَدِمَ حلَبَ، وامْتَدَح السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر غَازِي، كَتَبَ عنهُ شَيئًا من شِعْره عليّ بن سِنَان السَّرَّاج المَعْرُوف باللَّطِيْف، وكان شِيْعِيًّا غَاليًا. قَرأتُ بخَطِّ المُنْتَجَب يَحْيَى بن أبي طَيّ النَّجَّار، في مَجْمُوعِهِ، قال: أبو المَجْدِ بن فَضْلَان الضَّرِيْر الدُّقِّيّ البَغْدَاديّ الشِّطْرَنْجيّ، وَرَدَ إلى حَلَب، وامْتَدَح السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر، وذلك في سَنَة خَمْسَة وثَمانين وخَمْسِمائَة، وكان طبقَة لا يُلْحَقُ في لَعِب الشِّطْرَنْج، ولا شِعْرٌ لَطِيْفٌ، منه ما أنْشَدَنيه اللَّطِيْفُ السَّرَّاج، قال: أنْشَدَني ابن فَضْلَان لنَفْسِه يَمْدَح أهل البَيْت ﵈: [من الرجز] يا لَائمي في حُبِّ آلِ أحْمَد … ما يُبْغِضُ الخَمْسَةَ غَيْرُ مُشْرِك أقْصِرْ فما لي في سِوَاهُمْ حاجَةٌ … إنْ أنا أخلَصْتُ لَهُمْ تَنَسُّكي هُمْ جُنَّتي في هذِهِ وَجَنَّتي … في تِيْكَ واللَّهُ ضَمِيْنُ الدَّرَكِ لو كانَ في الأرْضِ لهُمْ مِن سَادِسٍ … ما سُدِّسُوا تَحتَ العَبا بالمَلَكِ أبو المَجْد بن مَنْصُور بن أبي القَاسِم الزَّجَّاج الآمِدِيُّ (١) سَمِعَ عَبْدَ القَاهِر بن يَحْيَى بن سَلامَة بن الثَّقَفِيّ الحَمَوِيّ بحَمَاةَ، وحَدَّثَ عنهُ بشَيْزَر، وبمَشْهَد بَرْصَايَا من بَلَد عَزَاز فى سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين وخَمْسِمائَة، وفيها دَخَلَ حَلَب، وحَدَّثَ أيْضًا في سَنَة اثْنَتي عَشْرة وسِتّمائة، فقد تُوفِّي بعد ذلك.

стр. 5881

أبو المَجْدِ ابن أُخْتِ أحْمَد بن خَلَف المُمْتِع المَعَرِّيّ شَاعِرٌ من أهْلِ مَعَرَّة النُّعْمَان. قَرأتُ في جُزءٍ وَقَعَ إليَّ بخَطِّ بعض المَعَرِّيِّيْن يَتَضَمَّن المَرَاثِي الّتي رُثي بها أبو العَلَاء بن سُلَيمان حينَ مات، وفيه: لأبي المَجْد ابن أُخْتِ المُمْتِع: [من الطويل] صرُوفُ اللَّيالِي لا يُحيْطُ بها خُبْرُ … تُصَرِّفها فيْنا ويَحْتَكمُ الدَّهْرُ فسِيَّانِ إذ قَصْرُ النُّفُوسَ مآلها … إلى المَوْتِ قَسْرًا طال أم قَصُرَ العُمْرُ سَبِيْلُ الرَّدَى في سَائرِ الخلقِ واضحٌ … ومَسْلَكُهُ إلَّا بفِعْل التُّقَى وَعْرُ ولَم أرَ إلَّا عَالمًا مثلَ جَاهِلٍ … يَضِلُّ على عِلْمٍ وبالدَّهْر يَغْتَرُ فلولا التَّسَاوي ماتَ قَوْمٌ بدَائِهم … ولكن تسَاوَى في الرَّدَى العَبْدُ والحُرُّ وما العُمْرُ إلَّا مثْلُ حَوْلٍ قَطَعْتَهُ … وكان سَواءً فيه يَوْمُكَ والشَّهْرُ حَكَتْ سُفُنًا في لُجُّ بَحْرٍ جسُومُنا … تسيرُ بأرْوَاحٍ وغايَتُها الكَسْرُ وكُلُّ طَليقٍ في الحَيَاة تظنُّهُ … أَسِير حمامٍ لا يُفَكُّ له أَسْرُ يُسَرُّ بتَشْييدِ المَسَاكِن سَاكِنٌ … ومَسْكنه المِسْكِينُ لو عَلم القَبْرُ وليسَ غنَاهُ بالحميْدِ مآلُهُ … وأحْمَدُ منْهُ في عَوَاقِبهِ الفَقْرُ وشَرْخُ شَبَابِ المَرْءِ في العُذْر مُطْمِعٌ … فأمَّا إذا شَابَ العِذَارُ فلا عُذْرُ بنَفْسِي مَفْقُود جَزَعْنا لفَقْده … فأصْبَح إلَّا فيْهِ يَسْتَحْسَنُ الصَّبْرُ يَعِزُّ علينا أنْ نُعَزِّي بهِ العُلَا … ويُصْبحُ مَفْجُوعًا به المَجْدُ والفَخْرُ ونَفْقدُ من أخْلَاقِهِ وعُلُومِهِ … رياضَ رَبِيْعٍ لَم يُصَوِّحْ بها الزَّهْرُ لئن عَدِمَ الأولادَ من ظَهْره لقد … حوَى بأبي المَجدِ الّذي عَدم الظَّهرُ قُلتُ: يُريدُ بأبي المَجْد أخاهُ، لأنَّ أوْلَاد أخيهِ كانوا يتولّون خِدْمَة عَمِّهم أبي العَلَاء. نُجُومُ سَماءٍ لا يَغُضُّ ضِيَاؤُهَا … تَزَايدُ أنوارِ الشُّمُوسِ ولا البَدْرُ

стр. 5882

لهم حِكَمٌ لم يُعْطَ لقمَانُ بَعْضها … وأحْكَام دَاوُدَ الّذي عندَهُ الزَّبْرُ وفضْلُ سَمَاحٍ تَنْقُصُ السُّحْبُ عندَهُ … فليسَ بمَحْسُوبٍ إذا قَطَر القَطْرُ وحَسْبُهُمُ فَخْرًا بعمِّهمُ الّذي … يُفَضِّلُهُ بَدْوُ البَسِيْطَة والحَضْرُ علا عُلَماءَ الدَّهْرِ فهي جَدَاولٌ … وأبْرَزَ (a) ما يُبْدِيهِ من عِلْمهِ بَحْرُ فَتًى عَلِمَتْ بَغْدَادُ غايةَ عِلْمِهِ … وما جَهِلَتْ من ذاكَ ما عَلِمَتْ مِصْرُ أقامَ بها حَوْلَين يَجْني عُلُومَهُ … كما جُنِيَتْ من خَيْر أَغْرَسها الثُّمْرُ وآبَ مع الأعْرَاب يزهى بلَفْظهِ … ويَعْظُم منها في فَصَاحَتهِ الفِكْرُ أُقِرُّ بنُعْماهُ مُقِيْمًا وظَاعِنًا … وكُفْرُ أيِاديهِ الّتى سَلَفَتْ كُفْرُ وأنظِمُ ما عُمِّرْتُ فى وَصْفِ فَضْلهِ … مَرَاثِيَ يرْويها ويَحْدُو بها السَّفَرُ فأيْسَرُ ما فمِهِ من الفَضْل غايةً … يُقَصِّرُ عن إدْرَاكها النَّظْم والنَّثْرُ أبو المحاسِن بن إسْمَاعِيْل الشَّوَّاءُ المَعْرُوف بابنِ الكُوْفيّ، ويُلَقَّب بالشِّهَاب الحَلَبِيّ (١) شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، كان بحَلَب من شُعَرَاءِ المَلِكِ الظَّاهِر، ثُمَّ من شُعَرَاءِ وَلده المَلِك العَزِيز بعدَهُ.

стр. 5883

وكان له بحَلَب (a) حَانُوْتٌ يَشْوي فيه الشَّوَّاءَ، سَمِعْتُه مِرَارًا يُنْشدُ المَلِك الظَّاهِر، والمَلِك العَزِيز بحَلَب. أبو مِحْجَن بن عبدِ اللَّه بن المُنْذِر بن قَيْس بن سُمَيْر (b) بن نَمْرَان بن جُنْدُب بن هِلال بن صَعْب بن عَمْرو بن دميْمَة (c) بن حَدَس (d) بن أُرَيش بن إرَاش بن حَرْمَلَة بن لَخْم -واسْم لَخْم: مَالِك- ابن عَدِيّ بن الحارِث بن مُّرة بن أُدَد بن زَيْد بن يَشْجُبَ بن عَرِيْب اللَّخْمِيُّ الإرَاشِيُّ (١) من شُجْعَان أهْلِ الشَّام وفُرْسَانِهم، والمَشْهُورين منهم المَذْكُورين، غَزا مع مَسْلَمَةَ بن عَبْدِ المَلِك القُسْطَنْطِينِيَّة، وقُتِلَ بها، وكان بِدَابِق مع الجَيْش. ذكر مَن كُنْيَتُهُ أبو مُحَمَّد أبو مُحَمَّد بن جَعْفَر المُتَوكِّل ابن مُحَمَّد المُعْتَصِم ابن هَارُونَ الرَّشِيْد ابن مُحَمَّد المهدِي ابن عَبْدِ اللَّهِ المَنْصُور ابن مُحَمَّد بن عليّ بن عَبْدِ اللَّه بن العبَّاسِ الهاشِميُّ، ويُعْرَفُ بابن لُجَيْن (٢) كان في صُحْبَةِ أبيهِ المُتَوَكِّل سَنَة ثَلاثٍ وأرْبَعينَ ومَائتَيْن، حين خَرَجَ من بَغْدَاد للغَزَاة، وقَدِمَ معَهُ حَلَب في أوَائِل سَنَة أرْبَعٍ وأرْبَعين ومَائتَيْن.

стр. 5884

ذَكَرَ أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد الخَطَّابيّ قدُوْمَه إلى دِمَشْق صُحْبة أبيهِ فيما صَحْبهُ الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن أنَّهُ قرأه بخَطِّه، قال الحافِظُ (١): وذَكَرَ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن القَوَّاس الوَرَّاق، قال: ماتَ أبو مُحَمَّد ابن المُتَوَكِّل المَعْرُوفُ بابنِ لُجَيْن، في شَعْبان سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين ومَائتَيْن. أبو مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بن يَزِيد بن مُعاوِبَة بن أبي سُفْيان صَخْر بن حَرْب بن أُمَيَّة بن عَبْد شْمس الأُمَوِيُّ (٢) غَلَبَ على قِنَّسْرِيْنَ بعد اسْتِيْلَاء عَبْد اللَّه بن عليّ بن عَبْد اللَّه بن العبَّاس عليها، وعَبْد اللَّهِ بدِمَشْقَ، وكان مُقَدَّم الجَيْش، وكان المُدَبِّر للجَيْش أبا الوَرْد مَجْزَأَةُ بن الكَوْثَر بن زُفَر بن الحَارِث وكان ذلك في سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثين ومائة، فسَيَّرَ عَبْدُ اللَّه بن عليّ أخاهُ عبدَ الصَّمَد بن عليّ فلَقِيَهُم، فهَزَم السُّفْيَانِيّ عبدَ الصَّمَد ومَنْ معه، فلمَّا قَدِمَ على أخيهِ عَبْد اللَّهِ، أقْبَل عَبْدُ اللَّه بن عليّ بعَسَاكِره لقِتَالِ أبي مُحَمَّد وأبي الوَرْد ومعه حُمَيْد بن قَحْطَبَة، فالتقَوا بمَرْج الأَخْرَم (a)، وثبَتَ لهم عَبْدُ اللَّهِ وحُمَيْد، فهزمُوهُم، وقُتِلَ أبو الوَرْد، وهَرَب أبو مُحَمَّد ومَنْ معه من الكَلْبيَّةِ إلى تَدْمُر، ثُمَّ خَرَجَ إلى (b) الحِجَاز، فظُفِرَ به هُناك، وقُتِلَ. هكذا وَقَع في التَّاريخ: بمَرْج الأخْرَم، والصَّوَابُ فيه: الأجَمّ، وهو بناحية قِنَّسْرِيْن بالمَطْخ.

стр. 5885

أبو مُحَمَّد بن مَضَاء بن عَبْد البَاقِي الأزْدِيُّ الأَذَنِيُّ (١) من أهْلِ أَذَنَة. حَدَّثَ عن مُحَمَّد بن سُلَيمان لُوَيْنٍ المِصِّيْصيّ، رَوَى عنهُ أبو بَكْر بن المُقْرِئ. أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد اللَّه الدِّمَشقيّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم المُؤيَّد بن عبد الرَّحيم بن أحْمَد ابن الإخْوَة وصَاحِبتهُ عَيْنُ الشَّمْس، قالا: أخْبَرَنا أبو الفَرَج سَعيد (a) بن أبي الرَّجَاء الصَّيْرَفِيّ. قالت: إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا [. . .] (b). أبو مُحَمَّد بن مَعْمَعَة الكِنْدِيُّ المَنْبِجِيُّ خَطِيب حِمْص، وقيل: إنَّهُ خَطَبَ بحَلَب. واسْمُه عَبْدُ اللَّه، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ في العَبَادِلة (٢)، وهو الّذي كَتَبَ إليه أبو فِرَاس بن حَمْدَان (٣): [من مجزوء الرمل] قُمْ فما للسُّقْمِ والحُـ …
следующие страницы →