أنْبَأنَا أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن يُوسُفَ البِرْزَاليّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: وسَمِعتُه -يعني: أبا الحَجَّاج يُوسُف بن مُحَمَّد بن حَيْدَرة الأنْصَاريَّ الحَلَبِيَّ- يَقُول: قَدِمَ المَوْصِلَ من عندنا ابن بَاقِي الوَاعِظُ، وكان له قَبُولُ، في الوَعْظ، فجَعَل يَعظ عندَهُم في الجَامِع وفي غيره، فإذا كان اللَّيْل يَخْرُج وينام على الشَّطِّ، فقيل له في ذلك: لِمَ لا تَدْخُل عندنا البَلَد؟ فقال: يا أهل المَوْصِل، أنا نَازِل على الشَّطِّ، مُجَاورٌ لهذا البَطِّ، مَوْصِلكُم لا أدْخُلها قَطّ.
ابن بشِر بن البَرَاء بن مَعْرُور بن صَخر بن خَنْسَاء بن سِنَان بن عُبَيْد بن عديّ بن غِنْم بن كَعْب بن سَلَمَة بن سَعْد بن عليّ بن أسَد بن شَارِدَة بن يزِيد (a) بن جُشَم بن الخَزْرَج الأنْصَاريّ (١)
كان من أصحَاب مُعاوِيَة، ووجَّهَهُ رَسُولًا إلى القُسْطَنْطِينِية، واجْتازَ في طَرِيْقهِ بحَلَب، أو ببَعْضِ عَمَلها، واجْتَمَع فيها بجَبَلَة بن الأيْهَمِ الغَسَّانِيّ، وحَكَى عنه (٢).
ابنُ بَطَّة
شَاعِرُ كان بحَلَب في أيَّام سَيْفِ الدَّوْلَة عليّ بن حَمْدَان، وهَجَا أبا الطّيِّب المُتَنَبي (b) بَأبياتٍ وَجَدْتُها في بَعْضِ أمَالي أبي عَبْدِ اللَّهِ بن خَالَوَيه.
стр. 5952
ذَكَرَ أبو عَبْد اللَّهِ بن خَالَوَيْه في أمَالي أمْلَاها أنَّهُ جَرَى بينَهُ وبين المُتَنَبِّي كَلامٌ آلَ به إلى أن قال له في مَجْلِسِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ: وهذا ابن بَطّة يقُول فيك لأنَّ أباكَ عِيْدَان (a) السَّقَّاءُ: [من المتقارب]
بحَقِّ المَزَادةِ والرّاوِيَهْ … وفَضْل الفُرَاتِ على السَّاقِيَهْ
وبالدَّلوِ تُزْهَى بأوْذَامِها (b) … ودَانِي مِياهِكَ والقَاصِيَهْ
ودَعْوَى النُّبُوَّةِ بينَ الوَرَى … بشِعْرٍ دَلَائلُهُ وَاهِيَهْ
وصَبْرِكَ لِلصَّفْع يُدْمِي القَفَا … بِجَيْرُونَ طَوْرًا وبالجابِيهْ
وبالشَّيْخِ عِيْدَانِ شَيْخِ الخَنَا … وبالطِّيْزِ من أُمِّكَ الزَّانِيَهْ
عَلَامَ جَحَدْتَ أبًا سَاقِطًا … وقُلْتَ أبي سَيِّدُ البَادِيَهْ
وقَد بانَ هَذا فلا تُخْفِهِ … فلَيْسَتْ أُمُوركَ بالخَافِيَهْ
ابنُ البَلِيغْ المَعَرِّيّ
واسْمُ البِليغْ إبراهيم بن الحَسَن، وابنُه هذا شَاعِرُ ظَفِرْتُ له بأبياتٍ في جُزءٍ يَتَضَمَّن ما رُثي به أبو العَلَاء أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن سُلَيمان، قال جَامِعهُ: وَلَدُ البَلِيغْ المَعرِّيّ: [من البسيط]
قالُوا اقْتَصر في البُكَاء جَهْلًا … والعِلْمُ يَدْعُو إلى البُكَاءِ
وأيّ عَيْن تَكُفُّ دَمْعًا … بعد سَنَاها أبي العَلَاءِ
وَجدِيْ على فَقْدِهِ مُقِيمٌ … ما نجَمَتْ أنْجُمُ السَّمَاءِ
فما أُعزّي بني أخيْهِ … إذْ أنا خِلْوٌ منَ العَزَاءِ
ولو تَمَكَّنْتُ من فِدَاءٍ … ما سَبَقُونِي إلى الفِدَاءِ
فَظُفِّرُوا بالمُنَى جَمِيعًا … وبُلِّغُوا غَايَةَ البَقَاءِ
стр. 5953
ابنُ بِلَال بن سَعْد بن تَمِيْم السَّكُونِيّ
غَزَا القُسْطَنْطِينِيَّة، واجْتازَ بِدَابِق في طَرِيْقهِ، لهُ ذِكرٌ.
ابنُ بِيْض (١)
بكَسْر البَاءَ، ويُقالُ بالفَتْح أيضًا (a).
شَاعِرٌ قَدِمَ حلَبَ، وامْتَدَح بها يَزِيد بن المُهَلَّب وهو في سِجْن عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بحَلَب، واسمُه حَمْزَةُ بن بِيض، وقد قَدّمْنا ذِكرهُ (٢).
التَّاءُ
ابنُ تُرَيْك الرَّفَنِيُّ (٣)
شَاعِرٌ كان في صُحْبَة أبي المَعَالِي المُحَسِّن بن أحْمَد بن المِلْحِيّ، من أهْلِ رَفَنِيَّة؛ بَلْدَة من العَوَاصِم دَثرَتْ، وكان مُتَوسِّط الشِّعْر، يَكْتُب خَطًّا حَسَنًا، ويَتَرسَّل.
أنْبَأنَا أبو البَرَكاَت الحَسَن بن مُحَمَّد، عن عَمِّه الحافِظ أبي القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٤)، قال: حَدَّثني أبو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن المحسِّن بن أحْمَد السُّلَمِيّ، من لفظه وكَتَبَهُ لي بخَطِّه، قال: ابنُ تُرَيْك (b)، وَصَلَ مع أبي من رَفَنِيَّة سَنَة سَبْعٍ وثَمانين، فأقام عندَهُ (c) أشْهُرًا، رَأيْتُ فيه من النَّخْوَةِ والأرْيَحيَّةِ وصِدْق اللَّهْجَة ما لا
стр. 5954
يُمَاثلُه فيه بَشَرٌ، وكان يَكتُب خَطًّا مَلِيْحًا، ويتَرسَّلُ بَدِيعًا سَرِيًا، ويَحْفَظُ من الأشْعَارِ لأهْلِ تلكَ النَّاحيَة كَثِيْرًا، وهو القَائلُ بَدِيْهًا، وقد اجْتَمَعْنا بمُقْرَى في بُسْتَان أبي الحُسَين بن النَّحَّاتِ (a): [من المجتث]
يا ليتَ أنِّي (b) بمُقْرَى … قَضَيْت كُلَّ زَمَانِي (c)
وكان ذلكَ عِنْدِي … يَفُوقُ كُلَّ الأمَانِي
مَعْ كُلِّ خلٍّ (d) ظَرِيفٍ … نَدْبٍ مِنَ الإخْوَانِ
يَسْعَى إليّ بكَأْسٍ … مِن قَبْلِ صَوْتِ الأذَانِ
صَفْرَاءَ كالشَّمْسِ أو لا … حَمْرَاءَ كالأُرْجُوَانِ
فما يكادُ يَرَاني … وَقْتًا سِوَى سَكْرانِ
هذا هُوَ العَيْشُ لا شُرْ … بُها مَعَ الفَرْغَاني (e)
إذا تَفَسَّحْتُ في مَجـ …
стр. 5955
الثَّاء
فَارِغٌ
الجِيْم
ابنُ جَعْوَنَة بن الحَارِث العَامِرِيُّ
كان عُمَر بن عَبْد العَزِيْز اسْتَعْمَل أباهُ جَعْوَنَة بن الحَارِث على مَلَطْيَة (a)، وكان ابنُه معه فغَزَا وأصَابَ وغَنِم، وسَيَّر ابنَهُ إلى عُمَر (b) بالغَنِيْمَة، فلمَّا دَخَلَ ابنُه وأخبَر عُمَر الخَبَر قال له عُمَر (c): هل أُصِيْبَ من المُسْلمِيْنَ أحَدٌ؟ فقال: لا إلَّا رُوَيْجل! فغَضِبَ عُمَر، وقال: رُوَيْجل رُوَيْجل؛ مَرَّتَين، تَجِيئُون بالشَّاةِ والبَقَرة، ويُصَاب رَجُلٌ من المُسْلِمِيْنَ! لا تَلي لي أنْتَ ولا أبُوكَ عَمَلًا ما دُمْتُ حيًّا.
وقد ذَكَرْنا هذا الخَبَر مُسْنَدًا في تَرجَمَةِ أبي بَكْر بن نَوْفَل بن الفُرَات في الكُنَى (١).
وأظُنُّ صَاحِب التَّرْجَمَة مَنْصُور بن جَعْوَنَة، واللَّهُ أعْلَم.
ابنُ جنَاح
كان من صِحَابَةِ عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد الأَمِين ونُدَمائهِ
стр. 5956
وكان شَاعِرًا، رَوَى عن عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد. رَوَى عنهُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن المُطهّر الشِّمْشَاطِيِّ أبْيَاتًا قالها في دَيْر قُزمَان بالقُرْبِ من عَزَاز.
قَرَأتُ في كتاب الدِّيَرَة، تأليفُ أبي الحَسَن الشِّمْشَاطِيّ، قال: حَدَّثَني ابنُ جنَاح، قال: مَضَيْتُ إلى دَير قُزْمَان، ومعي مَن آنسُ به من أخْوَاني، فرَأيتُه دَيْرًا حَسَنًا طَيِّبًا نَزِهًا، فأقَمتُ أيَّامًا، ورَأيتُ فيه شَمَّاسًا أمرَد كالبَدْر بقَدٍّ يقُدُّ القُلُوبَ، فأنْفَذْتُ إليه ليَحْضُر عندنا، فامْتَنعَ، فآنَستُهُ وجَعَلْتُ لا أُفارِقه، وتناولْتُ معه القُرْبان، ودَخَلتُ معه كُلّ مَدْخَلٍ إلى أنْ أنِسَ بي وعَاشَرني، وانْصَرفتُ وقَلبي معه، وقلتُ: [من البسيط]
يا دَيْرَ قُزْمَان كم لي فيكَ من وَطَرٍ … قضَّيتُهُ فسَقَاكَ اللَّهُ تَهْتَانا
أَقَمْتُ فيه أُسَقَّى من مُشَعْشَعَةٍ … تَنْفِي بسَوْرتها هَمًّا وأحْزَانا
تَجْلُو الدُّجَى بسَنَاهَا وهي نَيِّرةٌ … تخالها في كُؤوسِ الشَّرْب نِيْرَانا
حيَالَ رَوْضٍ أرْيَضٍ زَهْرُهُ عَطِرٌ … بَدِيعُ نُوْرٍ يُؤدِّي الحُسْنَ ألْوَانا
له بَدَائعُ أشْجَارٍ تَجاوَبُ في … أفْنَانها الطَّيْرُ مَثْنَى ثُمَّ وُحْدَانا
مُنادِمًا قَيْنَةً دَهْرًا ورُبَّتَما … نادَمْتُ قَسًّا وشمّاسًا ورُهْبَانا
وفيهمُ قَمَرٌ في لَيلِ مدرَعَةٍ … على قَضِيْبٍ حَوَى حُسْنًا وإحْسَانا
فلم أزَلْ أتَأنَّي في تَبَسُّطِهِ … وقد أخَذْتُ لقُرْبي منه قُرْبانَا
حتَّى اسْتَكَانَ إلى وَصْلِي ونَادَمَنِي … وكان من بَعْدِ ذا منه الّذي كَانَا
يا دَيْرَ قُزْمَان لا عُرِّيتَ من سَكَنٍ … ومن سَكُوبِ حيًا يا دَيْر قُزْمَان
يا جنَّةً خُصَّ من فيها بها فغَدَا … يَنَالُ سَاكنُها رَوْحًا ورَيْحَانا
стр. 5957
الحَاءُ
ابنُ حُوَيّ السَّكْسَكِيِّ (١)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ، وحَكَى عن عَمَّار بن يَاسِرٍ، وقيل: إنَّهُ هو الّذي قَتَلَهُ.
أنْبَأنَا أبو العَلَاء بنُ شَاكِرٍ، قال: كَتَبَ إلينا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّهِ بن أحْمَدَ بن أحْمَد بن أحْمَد النَّحْوِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرَّاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بنُ نِيْخَاب، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن دِيْزِيْل (a)، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَني نَصْرُ بن مُزَاحِم (٢)، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن شَمِر، عن جَابِر الجُعْفِيّ، قال: سَمِعْتُ الشَّعْبِيّ رجَع إلى حَدِيثه عن الأحْنَف بن قَيْسٍ، قال: ثُمَّ حَمَلَ عَمَّار بنُ يَاسِرٍ عليهم، فحَمَل عليه ابن حُوَيّ (b) السَّكْسَكِيّ، وأبو الغَادِيَةِ (c) الفَزَارِيّ، قال: فأمَّا أبو الغَادِيَةِ فطَعَنَهُ، وأمَّا ابنُ حُوَيّ فاحْتَزَّ رَأسَهُ، وقد كان ذو الكَلَاع سَمِعَ قَبلُ (d) عَمْرو بن العَاصِ يَقُول: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لعَمَّار بن يَاسرٍ: تَقْتُلك الفِئَةُ البَاغِيَةُ، وآخر شَرْبَةٍ تَشْربُها ضَيَاح (e) لَبَن، فكان ذو الكَلَاع يقُول لعَمْرو: وَيْحَك ما هذا يا عَمْرو، فيقُول له عَمْرو: أنَّهُ سَيَرجعُ إلينا، فأُصِيْب عَمَّارٌ بعد ذي
стр. 5958
الكَلَاع مع عليّ ﵇، وأُصِيْبَ ذو الكَلَاع مع مُعاوِيَةَ قبل ذلك، فقال عَمْرو بن العَاص لمُعاوِيَةَ: واللَّهِ يا مُعاوِيَة ما أدْرِي بقَتْل أَيّهما أنا أشَدُّ فَرَحًا؛ بقَتْل عَمَّارٍ أو ذي الكَلَاع؟ واللَّهِ لو بَقي ذو الكَلَاعِ حتَّى يقتَل عَمَّارٌ لمَالَ بعَامَّةِ أهْل الشَّام، ولأفْسَدَ علينا جُنْدَنا، وكان لا ينال رَجُلُ يجيءُ إلى مُعاويَة وعَمْرو بن العَاص فيقُول: أنا قتَلْتُ عَمَّارًا، فيقُول له عَمرو: فما سَمِعتَهُ يقُول عند ذلك؟ فيخلطُونَ (a) حتَّى قال ابنُ حُوَيّ: أنا قَتَلتُه، فقال له عَمْرو: فما كان آخر مَنْطِقِه؟ قال ابنُ حُوَيّ: سَمِعتُه يقُول: [من الرجز]
اليَوْمَ ألْقَى الأحبَّهْ … مُحَمَّدًا وحِزْبَهْ
قال له عَمْرو صَدَقْتَ؛ أنْتَ صَاحِبُه، ثمّ قال له: رُوَيْدًا أمَا واللَّهِ ما ظَفِرَتْ يَداكَ، ولقد أسْخَطْتَ ربَّكَ .
ابنُ حَوْقَل النَّصِيْبِيُّ (١)
رَجُلٌ فَاضِلٌ من أهْل نَصِيبِيْنَ، كان ببَغْدَاد وخَرَجَ منها يَوْم الخَمِيْس لسَبْع خَلَوْنَ من شَهْر رَمَضَان سَنَة إحْدَى وثَلاثين وثَلاثِمائة، وكان شَابَّا حينئذٍ، وشَرَع في جَمْع كتابِ جَغْرَافيَا (٢)؛ فجَمَعَهُ جَمْعًا حَسَنًا، وذَكَرَ فيه شُؤون البِلَادِ وأحْوَالها ذِكْرًا اسْتَقْصَى فيه، وذَكَرَ فيه أنَّهُ شَاهد طَرَسُوسَ (٣). ودَخَلَ حَلَبَ، وغيرها من البِلَادِ، وبَقِي حَيًّا إلى قَرِيب السَّبْعين والثَّلاثمائة.
стр. 5959
الخَاءُ
ابن خِدَام الكَلْبيُّ (١)
وقيل: ابن خِذَام بالدَّال والذَّال جَمِيعًا.
شَاعِرٌ من شُعَرَاءِ الجَاهِلِيَّة، كان مع امْرِئ القَيْسِ لمَّا دَخَلَ الرُّوم، واجْتازَ معه بناحيةِ حَلَب على المواضِع الّتي ذَكَرَها في قَصِيْدَتهِ الرَّائِيَّة مثل: حَمَاة، وشَيْزَر، وتَلّ مَاسِح، وتَاذِف، وباطَرْطَل، وقَذَارَان (a).
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه بن خَالَوَيْه: قال أبو بَكْر؛ يعني ابن دُرَيْد: ابنُ خِدَام رَجُلٌ من كَلْبٍ، كان مع امْرِئ القَيْس في بلَادِ الرُّوم، وكَلْبٌ تَرْوي له شِعْرًا كَثِيْرًا.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا [. . .] (b)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن دُرَيْد في كتاب الجَمْهَرة (٢)، قال: ابنُ خِدَامٍ هو شَاعِرٌ قَدِيم لا يُحْفَظُ له شِعْر إلَّا ما ذُكِرَ في هذا البَيْت؛ يعني بَيْتَ امْرِئ القَيْس (٣): [من الكامل]
عُوْجًا على الطَّلَلِ المُحِيْل (c) لأنَّنا … نَبْكي الدِّيَارَ كما بَكَى ابنُ خِدَامِ
стр. 5960
أخْبَرَنا أبو العبَّاسِ أحْمَد بنُ عَبْد اللَّه بن عُلْوَان الأسَدِيُّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الدَّائم بن عُمَر (a) بن حُسَيْن الكِنَانِيُّ العَسْقَلانِيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي (b) أبو البَرَكَات مُحَمَّد بن حَمْزَة بن الحَسَن العِرْقِيّ، ح.
قال شَيْخُنا أبو العبَّاس: وأجَازَهُ لنا ابنُ العِرْقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن جَعْفَر المَعْرُوفُ بابنِ القَطَّاعَ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن البِرِّ اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد النَّيْسَابُوريّ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر إسْمَاعِيْل بنُ حَمَّادٍ الجَوهَرِيُّ الفَارَابِيُّ (١)، قال: وابنُ خِذَامٍ رَجُلٌ من الشُّعَراءِ في قَوْل امْرِئ القَيْس (٢): [من الكامل]
عُوْجَا على الطَّلَ المُحِيْل لعَلَّنا … نَبْكِي الدِّيَار كما بَكَى ابنُ خِذَامِ
ذَكَرَهُ في خَذَم.
ابنُ الخَرَزِيّ (٣)
رَجُلٌ من الشُّجْعَان المُجَاهِدين، من أهْلِ الثَّغْر الشَّامِيِّ.
ذَكَرَ مُحَمَّد بن يَزيد المُبرَّدُ أبو العبَّاسِ أنَّ الرَّشِيْد لمَّا حَاصَرَ أهْلَ هِرَقْلَة خَرَجَ منها رَجُل والرَّشِيْدُ نائم (c) فدَعَا إلى البِرَاز، فلم يَخْرُج إليه أحدُ، فقال: ليَخْرُج إليَّ
стр. 5961
منكم اثْنانِ، فلمَّا أحْجَم عنه القَوْمُ، قال: ليَخْرُج إليَّ ثلاثة، ثُمَّ لَم يَزل يَزِيدُ حتَّى قال: ليخرُج إليَّ منكم عشرُون! فلمَّا يئسَ انْصَرفَ والرَّشِيد نائم.
فلمَّا انتَبَه الرَّشِيْد خُبِّر بخَبَره فأسفَ واغْتَمَّ لِمَا كان من حُجَّابه (a) إذ لَم يُنبهُوه، فأحْضَر الرَّشِيْدُ قُوَّادَهُ ليَخْتَار منهم مَنْ يبُارزُه فضَجَّ الثَّغْرِيُّون وسَألوا أنْ يَسْمَع منهم، ودَعَا بهم، فقالُوا: إنَّك إنْ وجَّهْتَ رُؤَسَاء أصْحَابكَ مثل يَزِيد بن مَزْيَد، ونُظَرَائهِ فقَتَلَ هذا العِلْج قَتَلَ مَن لا يُعْرف، وإنْ قُتِلَ كان ذلك وَصْمَةً على الإسْلَامِ، وأعْلَمُوه أنَّ فيهم شَيْخًا يُعْرفُ بابن الخَرَزِيّ (b) يَثِقُون بشَجَاعَته، وأنْ يُخْرَج لمُبَارزَتهِ، فإنْ ظَفِرَ فالحَمدُ للَّهِ، وإنْ اسْتُشهدَ فرَجُل من العامَّةِ لا يُؤبَهُ له، فاسْتَصْوب قَوْلَهم.
ودَعَا الشَّيْخَ، وأمَرَ له بفَرِسٍ وسَيْفٍ ودَرَقَةٍ، فقال: أنا بسَيْفي هذا أوثَقُ وعن فَرَسي رَاضٍ، وأخَذَ الدَّرقَة وخرَجَ إلى العِلْج ومعَهُ عشرونَ يُشَيِّعُونه، ويَدْعُون له، فلمَّا بَصُر بهم العِلْج، قال: إنَّما كانت الشَّريطَةُ أنْ يَبْرُزَ إليَّ عِشْرون منكم، وقد زدْتُم على العَدَدِ واحدًا! فقالوا له: ما يَخْرُج إليك منَّا إلَّا رَجُل واحدٌ، فلمَّا التقَيا (c) تَطَاعَنا بالرِّمَاح حتَّى تكسَّرَتْ، وبالسُّيُوف حتَّى انْثَنَتْ، فبينما هما كذلك إذ انْهَزَم ابن الخَرَزِيّ، واتَّبَعَهُ العِلْجُ، وارْتَفع صِيَاح الرُّوم بالجذل والاسْتِبْشَار، ودَخَلَ المُسْلمِيْنَ بذلك جُبْنٌ شدِيْدٌ، وإنَّما كان ذلك حِيْلةً من ابن الخَرَزِيّ، فرَمَاهُ بوَهَقٍ معه، فإذا هو في حَلْقِهِ، وحَطَّهُ عن سَرْجهِ، وأتَى به يَسْحَبُه، فكَبَّر المُسْلمُون تَكْبيرةً تَضَعْضَع بها الرُّومُ، وقال الرَّشِيْدُ: لا قَوَام لهم بعد قَتْل العِلْج، فاحْملُوا عليهم، فحَمَلُوا على الجَيْشِ، فكان هذا السَّبَب في فَتْحِ هِرَقْلَة.
стр. 5962
ابنُ الخَشَّاب (a)
أدِيبٌ كان يُقْرِئ الأدَبَ بحَلَب في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة.
نَقَلْتُ من خَطِّ صَدِيْقِنا عَبْد المحسِن بن الأنْمَاطِيّ، قال: ذَكَرَ لنا شَيْخُنا الإمَامُ أبو الثَّنَاء حَمَّاد بنُ هِبَةِ اللَّه بن حَمَّاد الحَرَّانيّ، وَفَّقَهُ اللَّهُ، أنَّ المُتَنَبِّي وَقَفَ على مَجْلِسِ ابن الخَشَّاب بحَلَب، وهو في حلْيَةِ العَرَب، والشَّيْخُ المَذْكُورُ يَقْرأُ عليه، فرُبَّما وَهِمَ الشَّيْخُ فغلَّطَهُ الطَّالبُ، فردَّ عليه المُتَنَبِّي دفْعَةً بعد أُخرى، وكان الشَّيْخ لا عِلْم له بالمُتَنَبِّي، فلمَّا أكْثَر من الرَّدِّ التفَتَ إليه الشَّيْخ وقال له: ادْخُل، فلمَّا دَخَلَ نَاولَهُ الشَّيْخُ رُقْعَةً كانت في الدَّوَاةِ فيها بَيْتُ شِعْرٍ يَمْتَحن بهِ هو: [من الخفيف]
كُلَّما قُلْتُ قَد دَنَا الوَصْلُ مِنْها … صَدَّهَا العَاذِلَاتُ مِن كُلِّ وَجْهِ
فكَتَبَ المُتَنَبِيّ (b): [من الخفيف]
وإذا ما نَأى العَوَاذِلُ عَنْها … وتَرَاءَتْ له تَعُجْ وتَعُجْ هي
فقال له: أنتَ المُتَنَبِّي؟ فقال: نَعَم؛ أنا هو.
قال الشَّيْخُ حَمَّاد: فبَقِي البَيْتان إلى زَمَانِ أبي العَلَاء بن سُلَيمان، فزَاد فيهما، فقال (١): [من الخفيف]
وَلَها مَنْزِلٌ مِنَ الوُدِّ عَافٍ … وطَرِيقٌ إلى القَطِيْعَةِ مَجْهِي (c)
أتَلَقَّى رَسُولَها بِنَجَاحٍ … كَتِلِقَّائها رَسُولي بِنَجْهِ
стр. 5963
وقَرأتُ بخَطِّ أبي اليُمْن السَّابِق بن أبي مَهْزُول المَعَرِّيّ: سَألتُ أبا العَلَاء -يعني المَعَرِّيّ- إجَازَة هذا البَيْت، فقال: لا أعْرِفُ فيه غير حَرْفَيْن من اللُّغَة، ونَظَمها بَدِيْهًا لوَقْته: [من الخفيف]
كُلَّما قُلْتُ قَد دَنَا الوَصْلُ مِنْها … صَدَّها العَاذِلَاتُ مِن كُلِّ وَجْهِ
الإجَازَةُ:
أتَلَقَّى رَسُولَها بخُضُوعٍ … كُلَّما قَابَلَتْ رَسُولي بِنَجْهِ
الرَّدُّ القَبِيْح (١).
ولَها مَنْزِلٌ مِنَ الوُدِّ عَافٍ (a) … وطَرِيقٌ إلى التَّجَنُّبِ (b) مَجْهِي
تَخْفِيف مَجْهِيٌّ (c)؛ وهو: الوَاضِح.
ولَم يَذْكُر السَّابِقُ بيتَ المُتَنَبِّي، والقافيةُ فيه مُرَكَّبةٌ من كَلمتَيْن.
قُلتُ: والعَجَبُ أنَّهم تكلَّفُوا لذلك هذا التَّكَلُّف، وأغْفَلُوا ذِكْر الوَجْه، الّذي هو وَجْهُ الإنْسان، لأنَّ الوَجْه المَذْكُور في البَيْتِ المُجَاز هو الجهَة لا الوَجْه المُواجَهُ بهِ، فقُلْتُ بَيْتًا آخر: [من الخفيف]
وإذا رُمْتُ سَلْوةً صَدَفَتْنِي … بقَوَامٍ ونَاظِرٍ وَبِوَجْهِ
ابنُ الخَشَّاب القَاضِي الهاشِميّ (٢)
هكذا وَقَعَ إليَّ فيما ذَكَرَهُ الشَّريفُ أبو الغَنائِم عَبْدُ اللَّه بن الحَسَن بن مُحَمَّد
стр. 5964
الزَّيْدِيّ في كتاب عُيُون المُشْتاقِيْن (١)، في ذِكْر أبيهِ القَاضِي المُطَهَّر الحَسَن بن مُحَمَّد، وذِكَرَ أنَّ أباهُ قَدِمَ حَلَبَ في أيَّام أبي المَعَالِي شَرِيْف ابن سَيْف الدَّوْلَة، وكان قَاضيها رَجُلٌ يُقال له ابن الخَشَّاب الهاشمِيّ، فعَزَلَهُ شَرِيْفٌ عن القَضَاءِ ووَلَّى القَاضِي أبا مُحَمَّد الحَسَن بن مُحَمَّد.
قال: وتَزَوَّج الحَسَنُ بن مُحَمَّد بحَلَب بنْتَ القَاضِي الهاشِميّ المَعْزُول. ووَلده [. . .] (a) منها، وقد ذَكَرْناهُ.
ابنُ الخفَّانِيّ (٢)
صَحِبَ أبا الفِتْيَانِ مُحَمَّد بن سُلْطان بن حَيُّوس بحَلَب، ورَوَى عنه شَيئًا من شِعْره، رَوَى عنهُ أبو عَبْدِ اللَّهِ بن المِلْحِيّ، وذَكْرَ أنَّهُ مات بحَلَبَ.
أنْبَأنَا أبو البَرَكاَت الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال. أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم علِيّ بن الحَسَن الشَّافِعيّ (٣)، إذْنًا إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بنُ المُحَسِّن لَفْظًا، وكَتَبه لي بخَطِّه، قال: ابنُ الخفَّانِيّ (b) رَجُلٌ شَيْخٌ طاعنٌ في السِّنِّ، كان كَثِيْر الاجْتِمَاع والاخْتِلَاط بأبي الفِتْيَانِ بن حَيُّوس، يَحْفَظُ عُيُونَ شِعْره، ويُنْشدُ طَبْعًا بلا تَلْحين أحْسَن إنْشَادٍ، وأطْيَب نَغْمة، وكان سَافَر صُحْبَة أبي الفِتْيَان، وأقام نَائيًا (c) عن دِمَشْقَ مُدَّة سِنين كَثِيْرةً، وبحَلَب ماتَ.
стр. 5965
أنْشَدَني بَيْتًا سَمِعَهُ من أبي الفِتْيَان، وقال: هذا ما سَمعَهُ أحدٌ غيري من أبي الفِتْيَان، كُنَّا خَرَجْنا نتَصيَّدُ ببُزَاةٍ لنا ومعنا فُلَانٌ؛ أميرٌ ذَكَرهُ، فأرْسَل بَازهُ فحرم، ثمّ أرْسَل ثانيةً، فكان كذلك، وفي كُلِّ مرَّة يَقُولُ: لا حَوْل ولا قُوَّة إلَّا باللَّهِ، فقال أبو الفِتْيَان (١): [من الخفيف]
مُكْثِرٌ (a) عندَ صَيْدِه قَوْلَ لا حَوْ … لَ إذا قالَ غَيرُهُ اللَّهُ أكْبَرُ
стр. 5966
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
ابن خَلَف الجُمَحِيّ (١)
شَابٌّ من قُرَيْشٍ؛ من أصْحَاب مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان، شَهِدَ معه صِفِّيْن.
أخْبَرَنا القَاضِي أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن الشِّيْرَازيّ، فيما أذِنَ لنَا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القاسِم عليّ بن الحَسَن (٢) إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بنُ عليّ المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدِ اللَّهِ بن الخَضِر، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن أبي طَالب، قال: حَدَّثَني أبي، عليُّ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَى أبو عَمْرو السَّعِيْدِيّ، قال: حَدَّثني جَعْفَر بن أحْمَد بن مَعْدَان، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن جَهْوَر، قال: حَدَّثَنَا القَاسِمِ بن عُرْوَة (a) مَوْلَى أبي أيُّوبَ المَكِّيّ، عن ابن دَأْب، قال: بَلَغَني أنَّ شابًّا من قُريْشٍ من بني جُمَح ابْنًا لخَلَف الجُمَحِيّ وكان مع مُعاوِيَةَ بصِفِّيْن، وكان فَارِسَ أهْلها، والّذي رَدَّ الأشْتَر عن مُعاوِيَة بعدَما غَشِيَهُ، دَخَلَ على مُعاوِيَة وقال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، إنَّا تَرَكنا الحَقّ عيانًا، وعليّ بن أبي طَالِب يَدْعُونا (b) إليه في المُهاجِرين والأنْصَار، وبايَعْناكَ على ما قد عَلِمْتَ، ثُمَّ طاعَنْتُ عنك أسَد (c) أهْل العِرَاق بعدَما غَشِيَك، حتّى إذا نِلتَ ما رَجَوْتَ، وأمنْتَ ما خِفْتَ، جَعَلْتَ الدَّهْر أرْبَعة أيّام: يَوْمًا لسَعِيد بن العَاصِ، ويَوْمًا لمَرْوَانَ بن الحَكَم، ويَوْمًا لعَمْرو بن العَاص، ويَوْمًا للمغِيرَة بن شُعْبَة، وصِرْنا
стр. 5967
لا في عِيْرٍ ولا في نَفِيرٍ، ثُمَّ خَرَجَ من عنده وهو يَقُول (a): [من الطويل]
أظُنُّ قُرَيشًا باعِثي الحَرْبِ مرَّةً … عَلَيكَ ابنَ هِنْدٍ أو تَجُرَّ الدَّوَاهِيَا
أَيَوْمٌ لمَرْوَانٍ ويَوْمٌ لِصْهرِه … سَعِيدٍ ويَوْمٌ للمُغِيْرَ مُعَاوِيَا
ويومٌ لعَمْرٍو والحَوَادثُ جَمَّةٌ … وقد بَلَغَتْ منَّا النُّفُوسُ التَّرَاقِيَا
أَتَنْسَى بَلَائي يَوْمَ صَفَّينَ والقَنَا … رِوَاءٌ وكانَتْ قَبْلَ ذاكَ صَوَادِيَا
إذِ (b) الأشْتَرُ النَّخْعِيُّ في مُرْجَحِنَّةٍ … يَمَانيِةٍ يَدْعُو رَئيسًا يَمَانيَا
فطَاعَنْتُ عَنْكَ الخَيْلَ حتَّى تَبَدَّدَتْ … بَدَادَ بَنَاتِ الماءِ أبْصَرْنَ بَازِيَا
تَرَكْنَا عليًّا في صِحَابِ مُحَمَّدٍ … وكانَ إلى خَيْرِ الطَّريقَةِ دَاعِيَا
فلَّما اسْتَقَامَ الأمْرُ مِن بَعْدِ فَتْلِهِ (c) … وزُحْرخَ ما تَخْشَى ونِلْتَ الأمَانيِا
دَعَوْتَ الأُلَى كانُوا لمُلْكِكِ آفةً … وخِلْتَ مقَامي حَيَّةً أو أفَاعِيَا
فلمَّا بَلَغَ مُعاويَة قَوْلُهُ، بَعَثَ إليه وعندَهُ وُجُوهُ قُرَيْشٍ، فقال: يا ابن أخي، إنِّي مثَّلْتُ بين تَرْكي إيَّاكَ وبين مَعَاشِكَ، فوَجَدْتُ مَعَاشَكَ (d) أبْقَى لك، وأيْمُ اللَّهِ ما أخَافُ عليك نَفْسِي، ولكنِّي أخَافُ عليك من بَعْدِي؛ فإنِّي رَأيْتُكَ رَحْبَ الذِّرَاعَيْن بمَسَاءَةِ عَملٍ شَدِيد التَّقَحُّم عليه، فليَضق به (e) ذرْعُكَ، وليَقِلّ علَيَّ تَقحُّمُكَ، فإنَّك لسْتَ كُلّ ما شِئْتَ تَجدُ مَنْ يَحْملُ سَفَهَكَ، فَخَرَجَ الفَتَى من عندِه واسْتَحى وارْتَدَع، وأنْشَأ مُعاوِيَةُ يقُولُ: [من الطويل]
أيَا مَن عذيري مِن لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ … فيُخسِئَ (f) كَلْبًا كاَشِرَ النَّابِ عَاوِيَا
فما ليَ ذَنْبٌ في لُؤَيِّ بْنِ غَالبٍ … سِوَى أنَّني دَافَعْتُ عنها الدَّوَاهِيَا
وإنِّي لَبِسْتُ الجُوْدَ والحِلْمَ فيهِمُ … وأنْ مَنْ رمَاهُمْ بالأذَى قَد رَمَانيِا
فأصبَحْتُ ما ينْفَكُّ صَاحِبُ شِرَّةٍ (g) … يقُومُ لها بينَ السِّمَاطَيْنِ لَاهِيَا
стр. 5968
فإنْ أنا جازَيْتُ السَّفيْهَ بذَنْبِهِ … فمِنْها يَمِيْني أُفْرِدَتْ مِن شِمَاليَا
وإِنْ أنا لَم أَجْزِ السَّفِيْهَ بذَنبِهِ … لوَى رَأسَهُ وازدَادَ غيًّا تَمَادِيَا
فَوليتُهُمْ أُذْني وكانَتْ سَجِيَّتي … لَياليَ لَم أَمْلِك وإذْ (a) كُنْتُ وَاليَا
فكَمْ قائلٍ أمّا هلكْت لقَوْمهِ … وقَائلةٍ لا تَبْعَدَنَّ مُعَاوِيَا
وإنِّي لكُمْ عَوْدٌ ذلُولٌ مُوَقَّرٌ … فقُلْ للأُلَى يَنْهاهُمُ ما نَهَانِيَا
قال: وحَدَّثنَا السَّعِيْدِيُّ (b)، قال: حَدَّثَني مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ الأنْصَاريُّ، عن أبي مِحْنَفٍ، قال: حَدَّثَني الصَّقْعَبُ، عن مُحَمَّد بن سُلَيم بمثْلِهِ، وزَادَ في آخر الخَبَر بعدَ الشِّعْر ثُمَّ دَعَا بالفَتَى فعَقَدَ له على بَعْضِ كُوَر الشَّام. وزَادَ في شِعْر مُعاوِيَة بعد البَيْتِ الثَّالث: [من الطويل]
ألَم أعْفُ عن أهْلِ الذُّنُوبِ وأُعْطِهم … عَطِيَّةَ مَنْ لا يَحْسبُ المالَ فَانِيَا
الدَّال والذَّال والرَّاء والزَّاي: فَارِغاتٌ
السِّيْن
ابن سَابِط الجُمَحِيّ (١)
واسْمُهُ عبدُ الرّحْمن، مَرَّ بقِنّسْرِيْن غَازِيًا، رَوَى عنهُ عُمَر بن سَعيد بن أبي
стр. 5969
حُسَيْن، وأبو السَّودَاء، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ (١).
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن إذنًا، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخان: أبو القَاسِم إسْمَاعِيل بن أحْمَد بن عُمَر السَّمَرْقنديّ، وأبو الحَسَن عليّ بن هِبَةِ اللَّهِ بن عَبْدِ السَّلام -قال أبو الحَسَن عليّ: أخْبَرَنا أبو طَاهِر عَبْد الكَريم بن الحَسَن بن رِزْمَة، وأبو عَبْدِ اللَّه بن سُكَيْنَة- قالا: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عَاصِمُ بن الحَسَن بن مُحَمّد بن عليّ بن عَاصِم العَاصِميّ، وقال أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ: أخْبَرَنا أبو [. . .] (a)، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عَاصِمِ، قال: أخْبَرنا أبو الحُسَيْن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن بِشْرَان السُّكَّرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحُسَين بن صَفْوَان البَرْدَعِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بنِ أبي الدُّنْيا (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن جَمِيل المَرْوَزيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه بن المُبارَك، قال: أخْبَرَنا عُمَرُ بن سَعيد (b) بن أبي حُسَيْن، عن ابن سَابِط الجُمَحِيّ أنَّهُ خَرَجَ من قِنَّسْرِيْن وهو قَافِلٌ، قال: فأشَار لي إنْسَان إلى قبر عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، فوقفتُ أنْظُر، فَمرّ عبَادِيٌّ فقال: لِمَ وَقفْتَ هَا هُنا؟ فقُلتُ: أنظُرُ إلى قَبْر هذا الرَّجُل الّذي قَدِمَ علينا مَكَّة في سُلْطانٍ وأمْرٍ، ثُمَّ عَجبْتُ إلى ما رُدَّ إليه! فقال: ألَا أُخْبرك ضَبَره لعَلَّك تَذْهَبُ (c)، قُلتُ: وما خَبَرَهُ؟ قال: هذا ملكُ الأرْضِ بَعَثَ إليه مَلَكُ السَّماء (d) والأرض، فأخَذَ رُوحَهُ، فجاءَ بهِ أهْلُهُ فجعَلُوه هَا هُنا، حتَّى يأتي اللَّه يَوْم القِيامَة مع مَسَاكِيْن أهْلِ دِمَشْقَ.
ابن سِنَان الخَفَاجِيّ
إمامُ مَسْجِد الغَضَائِريّ دَاخِل باب أنْطَاكِيَة بحَلَب، كان في أيَّام سَيْف الدَّوْلَةِ أبي الحَسَن بن حَمْدَان.
стр. 5970
قَرأتُ بخَطِّ القَاضِي أبي المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك (a) بن أِبي جَرَادَة الحَلَبِيّ: حَدَّثني الشَّيْخُ الإمَامُ الأَمِينُ أبو الحَسَن عليُّ بن عَبْدِ اللَّهِ بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة ﵁، أنَّ بعضَ بني سِنَان الحَلَبيِّيْنَ كانت له (b) حُجْرٌ مُقرِبٌ من الخَيْلِ العِتَاق في زَمَانِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ أبي الحَسَن عليّ بن حَمْدَان بحَلَب، وكان يَسْكُنُ بها بدَرْب العُدُوْل، وِجَمَاعَة أهْل حَلَب يَوْمئذٍ يَرْتَبِطُونَ الخَيْل العَرَبيَّةَ ويُعِدُّونَ العُدَدَ للقاءَ الرُّوم، ومُجَاورَة الثُّغُور، وشَنِّ الغَارات عليهم في أكْثَر الأوقَاتِ، وكان سَحرَ كُلّ يَوْم يَنْزل من بَيْته إلى المَسْجِد المَعْرُوف بالغَضَائِريّ دَاخِل باب أنْطَاكِيَة، يُصَلِّي بالنَّاسِ فيه.
ويُقال إنَّهُ أوَّل مَسْجِدٍ بُني بها، لأنَّ أبا عُبَيْدَة بن الجَرَّاح لمَّا فَتَحَها دَخَلَ من البابِ، واخْتَطَّ ذلك المكانَ، وأمرَ أنْ يُبْنَى مَسْجِدًا فبُنِي، وهو الآن أعْمَر ممَّا تقدَّم.
فصَلَّى بهم الفَجْرَ في بَعْضِ الأيَّام، فلمَّا سَلَّم ودَعَا، أقْبَلَ على الجَمَاعَة، وهو جَالِسٌ في المِحْرَابِ، فقال لهم: قد رَأيْتُ في هذه اللَّيْلةِ مَنامًا سَرَّني، وأسْأل اللَّه أن يُحقِّقَهُ لي يَوْم القِيامَة، ثُمَّ قصَّهُ عليهم، فقال: رَأيْتُ كأنَّ القِيامَة قد قامَت، وقد جُمعَ الخَلْقُ للحِسَاب، ونُصِبَ المِيْزَانُ ومُنَادٍ يُنَادِي: يا فُلَان ابن فُلَان (c)، فيُحْضَر ويُحَاسَب، وِتُوضَع أعَمالهُ في كفَّتَيه، والكَاتِب يُحْصيْهَا، فَمن ثَقُلَتْ حَسَناتُهُ أُمِر به إلى الجَنَّةِ، ومنْ ثَقُلَتْ سيِّئَاتُه أُمِرَ بهِ إلى النَّارِ، وقد رَأيْتُ في ذلك المُجْمَع هَوْل المُطَّلعَ، ثمّ نَادَى المُنَادِي باسْمِي، فأُحْضِرتُ ونُشِرَتْ صَحِيْفَتي، وَوُزنَتْ حَسَناتي وسَيِّئاتي، فرجَحَت سَيِّئاتي، فأُمِرَ بي إلى النَّارِ، فسُحِبْتُ وبي من الهَلَع ما لَم يُسْتَطَعْ، وإذا المُنَادِي يَصِيح: ردُّوه، فرُدِدْتُ، وقيل للوَزَّان: ضَعْ هذا في
стр. 5971
كَفَّة المِيْزَان، فَحَطَّ فيها مُهْرَةً غَرَّاءَ غَشوَاءَ، لم تَرَ العَيْنُ أحْسَنَ من شِيَاتها، فرَجَحت حَسَناتي، فأمرَ بي إلى الجَنَّةِ، فنَالني من الفَرَح والاسْتِبْشَارِ ما أيْقَظَني، فقُمْتُ وتَوضَّأتُ، وأتَيْتُ إلى الصَّلاةِ.
فعَجبَ الحاضرُونَ منِ هذا المَنَام، ولَم يَلْبَث أنْ جاءَ الغُلَامُ فقال له: يا سَيّدي، إنَّ الفَرَس قد ولَدَت في هذه السَّاعَة مُهْرَةً، ووَصَفَ صفَةَ المُهْرَة الّتي رآها سَيِّدُهُ في مَنامِهِ، ولَم تَبْق إلَّا يَسِيْرًا وماتَتْ، فكَثُر العَجَبُ من تَحْقِيق الرُّؤيا (a)، وقام صَاحِبُ الفَرَسِ ومعه جَمَاعَةٌ مع الغُلَام إلى أنْ عَاينُوا المُهْرَةَ في الحالِ بالصِّفَةِ الّتي ذَكَرها في المَنَام، فكَثُر حَمْدُ صَاحِبها للَّه (b) إذ كانت تلك المُهْرَة فكَاكَهُ من النَّارِ.
فنَسْأل اللَّه (c) خَاتمة الخَيْر والنَّجَاة منها، إنَّهُ عفُوٌّ غَفُور.
ابنُ سَيف المَعَرِّيُّ
كَتَبَ عنهُ أبو المَحَاسِن عَبْد اللَّطيْف ابن سَعْد الدَّوْلَة أبي المَكارِم ابن الأَثِيْر بَيْتَيْن لابن الفُقّاعِيّ الشَّاعر المَعَرِّيّ، قد ذَكَرْهُما في تَرْجَمَةِ ابن الفُقَاعِيّ بعد هذا (١).
الشِّيْنُ
ابنُ شِكَاب الأنْطَاكِيُّ
رَوَى عن مَرَّار بن حَمُّوْيَه، رَوَى عنهُ أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن مَسْرُوق.
стр. 5972
أخْبرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ اللَّهِ بنُ الحُسَين بن رَوَاحَة الحَمَوِيُّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الخَطَّاب نَصْر بن أحْمَد بن عَبْد اللَّهِ بن البَطِر، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن رِزقُوَيْه، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نُصَيْر الخَوَّاص، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاسِ أحْمَد بن مُحَمَّد بن مَسْرُوق، قال: حَدَّثَنَا ابن شِكَاب الأنْطَاكِيّ، قال: حَدَّثَنَا مَرَّار بن حَمُّوْيَه، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بنُ شُعَيْب، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بن الوَلِيد بن صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بن بَهْدَلَةَ، عن زِرّ بن حُبَيْشٍ (a)، قال: سَمِعْتُ عَبْد اللَّهِ بن مَسْعُود يَقُول: الصَّبْر عُدَّةُ العَاقِلِ ومَلْجأ المَغْلُوب.
الصَّادُ
ابنُ صَدَقَة المَوْصِلِيُّ النَّحْوِيُّ
كان من النُّحَاةِ المُتَصَدِّرين بحَلَب في أيَّام سَيْفِ الدَّوْلَةِ ابن حَمْدَان، واجْتَمَع بهِ ابن خَالَوَيْه بين يَدي أبي المُرَجَّي بن حَمْدَان، وجَرَى بينهما كَلامٌ.
رَوَى عن أبي بَكْر بن دُرَيْد، رَوَى عنهُ بعضُ عُلَماءِ حَلَب، وأظُنُّه سَلامَة المِمْرَثُ الحَلَبِيُّ.
ابن صَدَقَة الهاشِميُّ
شَاعرٌ، له أبْيَاتٌ في أبي عَبْدِ اللَّه بن خَالَوَيْه يَمْدَحُه فيها، وأظُنُّه يُعَرِّض بابن صَدَقَة المَوْصِلِيّ فيها.
стр. 5973
نَقَلْتُ من خَطّ عليّ بن ثَرْوَان الكِنْدِيّ في أمالي أبي عَبْدِ اللَّهِ الحُسَين بن أحْمَد بن خَالَوَيْه، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَها من خَطِّ ابن خَالَوَيْه، لابن صَدَقَة الهاشِميّ فيه (a): [من الوافر]
إذا ما المَرْءُ أشْبَه وَالِدَيْهِ … فأيَّةُ حُجَّةٍ بَقِيَتْ علَيهِ
وما زَال الحُسَينُ لَهُ سَجَايَا … تُذِكِّرُنا مَخَايلَ خَالَوَيْهِ
شَأى كُبَرَاءَ أهْلِ العِلْم طُرًّا … بفِطْنَتهِ وحِدَّةِ أصْغَرَيْهِ
وفَلَّ المَوْصِلِيَّ له لسَانٌ … به أَنْحَى عَلَى ابْنِ دَرَسْتَوَيْهِ
كنَصْلِ السَّيْفِ يَضْحَكُ والمَنَايا … تُعَبِّسُ تارةً في مَضْرَبَيْهِ
فأَجْلَبَ حين لَم يغْلِبْ خِدَاعًا … فكادَ الصَّفْعُ يأخُذُ أخْدَعَيْهِ
حَرْفُ الضَّاد: فَارغٌ
الطَّاءُ
ابنُ طُلَيْب الكَوْكَبِيُّ
شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، كان في أيَّام المَأْمُون، كان من أهْل قَرْيَةٍ يُقال لها كَوْكَبا من قُرَى أنْطَاكِيَةَ، حَضَر عند المَأمُون حين اجْتازَ إلى أنْطَاكِيَة، حَكَى عنه رَجُل من أهْلِ أنْطَاكِيَة لَم يُسَمّ.
قَرَأتُ في كتاب الزّهْرَة (١) للوَشَّاءِ أبي الطّيِّب، قال: أخْبرَني أبو مُحَمَّد القَاسِمُ بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ، قال: أخْبَرَني عليّ بن سُلَيمان القَيْسِيّ، قال: أخْبَرَني
стр. 5974
رَجُلٌ من أهْلِ أنْطَاكِيَة بأنْطَاكِيَةَ (a)، قال: لمَّا مَرَّ بنا المَأْمُونُ غَازِيًا بلاد الرُّوم نَزَل بكَوْكَبا، وهي قَرْيَةٌ من قُرَى أنْطَاكِيَة، فنَظَر إلى زَيْتُون حَامِلٍ وإلى كُرُوم كذلك، قال: لمَن هَذا؟ فقالوا: لرَجُلٍ من أهْل كَوْكَبا يُقال له: ابن طُلَيْب، فقال: لعَلَّهُ صَاحِب الشِّعْر الّذي يقول: [من المنسرح]
غُشَّ بَني آدَمٍ فكُلُّهُمُ … للَّهِ عَاصٍ وكُنْ لهُمْ دَغِلَا
قالوا: نَعَم يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قال: وما فَعَل؟ قالوا: شَيْخٌ كَبِيرٌ في مَنْزِله (b)، قال: آتُوني به، فجاؤوا به، فلمَّا مَثل بينَ يَدَيْهِ، قال: أنْشَدَني شِعْرك، فأنْشَدَه، قال: [من المنسرح]
غُشَّ بنى آدَمٍ فكُلُّهُمُ … للَّهِ عَاصٍ وكُنْ لهُمْ دَغِلَا
وكُلْ بضِرْسٍ وطَا الأنامَ بظِلْـ …
стр. 5975
قال: فلمَّا بَلَغَ هذا البَيْت الأخير، قال له المَأْمُون: أوْلَى لك، لقد استَحْققْت القَتْل لأمْركَ بغير ما أمرَ اللَّهُ به، ولكنَّكَ نَجَوتَ بهذا البَيْت، امْضِ لسَبِيْلكَ، فقال: يا أَمير المُؤْمنِيْن، إلى أينَ؟ إلى عَجَائز الحَيّ وصبْيَةٍ صغَار يُعَيِّرُونني بأنِّي وقَفْتُ بين يَدي أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، ثمّ رجَعتُ صِفرًا! قال: أوَمَا تَرْضَى أنْ تُفْلتَ بحُشَاشَتكَ؟ قال: يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، وأنَّى بكَ أنْ تُضِيْفَ الفَضْل إلى الفَضْلِ، وتَقْرِن الإحْسان بالإحْسانِ؟ فضَحِكَ المَأْمُون وقال: ادْفَعُوا إليه عَشرةَ آلافِ دِرْهَمٍ.
حَرْفُ الظَّاء: فَارِغٌ
العَيْن
ابنُ العَارِف (١)
هذا رَجُل مُتَزيّ بنيّ الأجْنَادِ، خَدَم السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُفَ بن أَيُّوب، وكان يَشعرُ جَيِّدًا، ووَقَفْتُ لهُ على قَصِيدَةٍ حَسَنة مزْدوجَةٍ في التَّاريخ، وأدْرَكتُه، ولَم أسْمَعْ منه شيئًا، وأدْرَكْتُ أباهُ العَارِفَ وكان شَيْخًا صُوْفيًّا من صُلَحَاء الصُّوْفيَّة بحَلَب، وكان له اخْتِلَاط بعَمِّي ووَالدِي وجَمَاعَة الزُّهَّادِ بحَلَب.
قَرأتُ بخَطِّ الخَطِيب تَاج الدِّين مُحَمَّد بنِ هاشِم بن أحْمَد بن هاشِم، خَطِيْب حَلَب، فى مَجْمُوع له: لبَدْر الدِّين ابن العَارِف ﵀: [من الرجز]
يا حَادِيَ الأظْعَانِ قِفْ بِهِنَّهْ … عَسَايَ أحْيَا بوَدَاعِهِنَّهْ
واسْتَوْقِفِ الرَّكْبَ ولو هُنَيْئَةً … أو كَوَميْضِ البَرْقِ في الأجِنَّهْ
لعلَّني أحْظَى ولو بنَظْرَةٍ … تَكونُ لي مِنَ السَّقَامِ جُنَّهْ (a)
стр. 5976
جُنِنْتُ لمَّا جَنَّ لَيْلَي بَيْنَنا … وليسَ بي لولا الفِرَاقُ جِنَّهْ
أصْبَحْتُ مِن هجرَانهنَّ في لَظَى … وكانَ ليْ مِن وَصْلِهنَّ الجَنَّهْ
ودَّعنَ فاسْتَودعْنَ قَلْبي زَفْرةً … يَحْتَرِقُ الإنْسُ بها والجِنَّهْ
إنْ عادَتِ العِيْسُ بِهِنَّ عَودَةً … كانَ لها عليَّ أيُّ منَّهْ
سِرْتُ وقَلْبي في الحُمُول مُغْرَمٌ … يَهِيْمُ ما بَيْنَ قِبَابِهِنَّهْ
ناشَدْتُكَ اللَّهَ تَحَمَّلْ حَاجَةً … في النَّفْسِ يا حَادِي رِكَابِهِنَّهْ
إذا حدَوْتَ الظَّعْنَ في جُنْح الدُّجَى … عَرِّضْ بذِكْري بيْنَ عِيْسِهِنَّهْ
وقُلْ رَأيْتُ في الدِّيَار نَاحِلًا … يَقْرَعُ مِن بعدِ الفِرَاقِ سِنَّهْ
لَم يُبْقِ فيهِ السُّقمُ غَيْرَ أنَّةٍ … فلَم يَكَدْ يَطهَرُ لولا الأنَّهْ
تُوفِّي ابن العَارِف هذا بحَلَب بعد وَفَاة المَلِك الظَّاهِر بمُدَّةٍ.
ابنُ عَبْد الرَّحْمن الهاشِميّ (١)
شَاعرٌ من أهْلِ حَلَب، له شِعْر قالَهُ في دَيْر إسْحَاق بقُرْب النَّاعُورَة، ويُقال فيه دَيْر الزَّبِيْب أيضًا، ذَكَرَها أبو الحَسَن الشِّمْشَاطِيّ، وذَكَرَ أنَّهُ كَتَبَ بها إلى آخر، وهي (٢): [من البسيط]
أمَا طَربْتَ لهذا العَارِض الطَّرِبِ … أمَا رَأب الصَّبَا والجَوَّ في لَعبِ
تَعَانَقا فكأنَّ القَطْرَ بينهما … مِن فِضَّةٍ، وكأنَّ الزَّهْرَ من ذَهَبِ
стр. 5977
ونحنُ في دَيْر إسْحَاقٍ ومَجْلِسُنا … يَشْكُو مُغَنِّيكَ (a) فاحْضرْهُ ولا تَغِبِ
لنَجْعَلَ اليَوْمَ عِيْدًا في ملَاحَتِهِ … وتَنْخُبَ الهَمَّ بالأدْوَارِ والنُّخَبِ
قال أبو الحَسَن الشِّمْشَاطِيّ: وأنْشَدَني النّامِيِّ لابن عبدِ الرَّحْمن الهاشِميّ في دَير إسْحَاق (١): [من الكامل]
وَافِق أخاكَ تَجدْهُ خَيْرَ رَفِيقِ … إنْ كُنْتَ لَسْتَ عن الصِّبَا بمُفِيْقِ
وإذا مَرَرْتَ بدَيْر إسْحَاقٍ فقُلْ … جَادَتْكَ غُرُّ سَحَائبٍ وبُرُوقِ
دَيْرٌ يُشَبَّهُ مَاؤُه بهَوَائهِ … وهَوَاؤُه بمُلَاءَةِ (b) المَعْشُوقِ
وكأنَّ عَيْشي كان في أفْنَائهِ … دَرَكُ المُنَى في كَاشِحي ورَفِيْقي
ابنُ العَصْب المَنْبِجِيُّ المُؤدِّبُ النَّحْوِيُّ (٢)
واسْمُه مُحَمَّد بنِ عُثْمان، وكان أَدِيْبًا فَاضِلًا عَارِفًا بالعَرَبِيِّةِ، صَحِبَ الشَّغْوَانِيّ الشَّاعر المَنْبِجِيّ، وروَى عنهُ.
ابنُ عَفِيف الحِمْصِيُّ (٣)
شَهِدَ صَفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ، وكان على الحِمْيَرِيِّيْن والحَضْرَميِّيْنَ يَوْمئذٍ، ولهُ ذِكْرٌ.
стр. 5978
ابنُ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز (١)
حُكِيّ عنهُ أنَّهُ أمَرَهُم بمُشْتَرى مَوضع قَبْره بدَيْر سِمْعَان، وهو دَيْر النَّقِيْرَة من بَلَد مَعَرَّة النُّعْمَان، رَوَى عنهُ عَبْد العَزِيْز بن الرَّبِيعْ بن سَبْرَة.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف البَغْدَاديّ، فيما أَذِنَ لي في رِوَايتهِ عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح مُحَمَّدُ بن عَبْد البَاقي بن سَلْمَان المَعْرُوفُ بابنِ البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ بنُ أحْمَد الحَدَّادُ، قال: أخْبَرَنا أَبو نُعَيْم أحْمَدُ بن عَبْد اللَّه الحافِظ (٢)، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن الحُسَين الحَذَّاءُ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا سَهْل بنُ مَحْمُود، قال: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بن عَبْد العَزِيْز، قال: حَدَّثَني أبي، عن ابنٍ لعُمَرَ بن عَبْد العَزِيْز، قال: أمَرَنا أنْ نَشْتَرِي مَوضِع قَبْرهِ، فاشْتَريناهُ من الرَّاهِب، قال: فقال الشَّاعرُ (٣): [من البسيط]
أقُول لمَّا نَعَى النَّاعُونَ لي عُمَرًا … لا يبْعَدَنَّ قَضَاء (a) العَدْلِ والدِّين
قد غَادَر القَوْم في القَبْر (b) الّذي لحدُوا … بدَيْر سِمْعَانَ جُرْبان (c) المَوَازِين
ابنُ عَوْن
غَزَا مع مُعاوِيَةَ بن هِشَام، وحَكَى عنه وعن مُحَمَّد، رَوَى عنهُ يَزِيد بن هارُون.
стр. 5979
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك من كتاب نَتَائج الأفْكَارِ (١)، قال: وحَدَّثَنَا يَحْيَى -يُريْدُ يَحْيَى بن جَعْفَر بن الزِّبْرَقَان- قال: أخْبَرَنَا يَزِيدُ بن هَارُون، قال: أخْبَرَنَا ابن عَوْن، قال: ذُكِرَ عند مُحَمَّد: يَصْلُحِ الكَذِبُ في الحَرْب؟ فأنْكَر ذلك، وقال: ما أعْلَم الكَذِب إلَّا حَرَامًا، قال ابنُ عوْن: فغَزَوْتُ، فخَطَبنا مُعاوِيَةُ بن هِشَامٍ، فقال: اللَّهُمَّ انْصُرنا على عَمُّورِيَّة، وهو يُريدُ غيرها، فلمَّا قَدِمْتُ [ذَكَرتُ] (a) ذلك لمُحَمَّد، فقال: أمَّا هذا فلا بَأْسَ بهِ.
أظن هذا مُحَمَّد بن شِهَاب الزُّهْرِيّ، واللَّهُ أعْلَمُ، فإنَّهُ كان عند هِشَام بن عَبْد المَلِك بالرُّصَافَة، والّذي ذَكَرَهُ عن مُعاوِيَة بن هِشَام ليسَ من الكَذِب في شيءٍ بل هو من المَعَارِيْض.
الغَيْن: فَارِغٌ
الفَاءُ
ابن الفُقَّاعِيّ المَعَرِّيّ (b)
كان أبُوه فُقَّاعِيًّا بمَعَرَّة النُّعْمَان، وقالَ ابنُه الشِّعْرَ.
أَنْشَدَنِي أبو طَالِب عبد الرَّحْمن بن مُرْشِد بن عبد الرَّحْمن ابن الأَثِيْر، قال: أنْشَدَني خالي أبو المَحَاسِن عَبْد اللَّطِيْف ابن سَعْد الدَّوْلَة أبي المَكَارِم ابن الأَثِيْر، قال: أنْشَدَني ابن سَيْف المَعَرِّيّ لابن الفُقَّاعِيّ الشَّاعر المَعَرِّيّ، وكان أبُوه يَبِيْع
стр. 5980
الفُقَّاع بمَعَرَّة النُّعْمَان (١): [من المتقارب]
تَملَّكت يا مُهْجَتي مُهْجَتي … وأسْهَرت يا نَاظِري نَاظِري
وفيك تعلَّمْتُ نَظْم القَرِيْض … فلَقَّبَني النَّاسُ بالشَّاعِرِ
قال: ورُوي أنّ الفُقّاعِيّ دَخَلَ على أبي العَلَاء بن سُلَيمان، وابنُه هذا الشَّاعر معه، فقال له: لي وَلَد صَغِير يقُول الشِّعْر، وما أدْري ما هو، فقال: أحْضرهُ، فلمَّا أحْضَرهُ أنْشَده هذين البَيْتَيْن، فقال له: قُمْ لَعَنَ اللَّهُ هذه المَدَرة.
وقد رُوِيَت بزيادة في الأبْيَات: [من المتقارب]
مَكَانك يا نَاظِري نَاظِري … مَكان السَّوَاد من النَّاظِرِ
وشَخْصُك إنْ لم يَكُن حَاضِرًا … فتمثالُ شَخْصك في خَاطِري
ملكت فرقِّ لمُسْتَضْعف … ويا نَاصِر الشَّوْق كُن نَاصِري
ولا كان ذا أمَلي يا ملُولُ … ولا خَطَرَ الهَجْر في الخَاطِر
وفيك تعلَّمْتُ نَظْم القَرِيْض … فلقَّبَني النَّاسُ بالشَّاعِر
القَاف: فَارِغٌ
الكَافُ
ابن كَعْب (٢)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ، وهو الّذي نَشَر المَصَاحِفَ يَوْمئذٍ ورَفَع المُصْحَف على الرُّمْح ودَعَا إليهِ.
стр. 5981
أنْبَأنَا أبو البَرَكَاتِ الأَمِينُ، عن أبي مُحَمَّد بن الخَشَّابِ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين بن الفَرَّاء، قال: أخْبَرَنَا أبو طَاهِر البَاقِلّانِيُّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بنُ نِيْخَاب، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن الحُسَين، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان، قال: وحَدَّثَني عَبْد اللَّه بن وَهْب، قال: أخْبَرَني يُونُس، عن ابن شِهَاب الزُّهْرِيّ، قال: لمَّا كَرِه أهْلُ الشَّام القِتَال، ومَلُّوه من طُول مُنَازلَتهم بالسُّيُوف، قال عَمْرو بن العَاص لمُعاوِيَةَ، وهو يَوْمئذٍ على القِتَال: هل أنْتَ مُطِيعي فتأمُر رجالًا يَنْشرُونَ المَصَاحِفَ، ثُمَّ يقُولُون: يا أهْلَ العِرَاق، نَدْعُوكم إلى القُرْآن ما بين فَاتِحَته إلى خَاتمَته، فإنَّك متى ما تَفْعلِ ذلك يَخْتلفُ أهْل العِرَاق ولا يَزِيد أمرُ الشَّام إلَّا اجْتِمَاعًا، فأطاعَهُ مُعاوِيَةُ، فأمَرَ عَمْرو بن العَاص رَجُلًا من أهْل الشَّام، يُقال له: ابن كَعْب، فنَشَر المَصَاحِفَ، ثمّ نَادَى ورَفَع المُصْحَف على الرُّمْح، فقال: يا أهل العِرَاق، نَدْعُوكُم إلى القُرْآن من فاتِحَته إلى خَاتمَته، تأخُذوا بما فيه وتُعْطُونا ما فيه.
فاخْتَلَفَ أهْلُ العِرَاق، فقالت طَائِفَةٌ منهم كَرِهُوا القِتَال: أجَبْنَا إلى كتاب اللَّه، وقالت طَائِفَةٌ منهم: أوَلَسْنَا على كتابِ اللَّهِ وسُنَّته؟! فاخْتَصَمُوا بينَهم، فلمَّا رأى عليٌّ ﵇ اخْتِلَافهُم ووَهْنَهم قاربَ مُعاوِيَة فيما يَدْعُوهُ إليهِ من ذلك.
ابنُ الكَوَّاء (١)
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليّ، واسْمُه عَبْد اللَّه بن أوْفَى، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ في العَبَادِلةِ (٢).
стр. 5982
ابنُ الكِلَابيّ
رَاوِيةُ أبي فِرَاس الحَارِث بن سَعيد بن حَمْدَان، رَوَى عن أبي فِرَاسٍ، رَوَى عنهُ بعضُ النَّاسِ.
قَرأتُ بخَطِّ بعضِ الأُدَبَاءِ، ويَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّهُ خَطّ مُحَمَّد بن الخَضِر المَعْرُوف بالسَّابِق بن أبي مَهْزُول المَعَرِّيّ، قال: حَدَّثَني ابنُ الكِلَابيّ رَاوِيةُ أبي فِرَاسٍ، قال: كُنْتُ عند أبي فِرَاس يَوْمًا فإذا بغُلَام خَشِن (a) الوَجْهِ قد أقْبَل في ثَوْب أخْضَر ومِطْرف أخْضَر مُسَلِّمًا عليه، فلمَّا رَآهُ قال (١): [من الكامل]
وغَدَوْتَ في خُضْرِ الثِّيَابِ مُسَلِّمًا … فَكَأنَّ وَجْهَكَ ضِفْدَعٌ في طُحْلُبِ
حَرْفُ اللَّام: فَارِغٌ
المِيْم
ابنُ مَاسُوَيْه الطَّبِيْب (٢)
كان طَبِيْبًا حاذقًا قَدِمَ مع المَأْمُون حَلَب حين قَدِمَ غَازِيًا، وكان معه حين مَرضَ بالبَذَنْدُون (b) وعَالجَه فلم يَنْجَعْ عِلَاجه، وقد ذَكَرْناهُ (٣).
стр. 5983
ابْنا مَالِك الأسْلَميَّان (١)
شَهِدَا صِفِّيْن مع عليٍّ ﵁، وقُتِلَا بها مع هاشِمٍ المِرْقَال، وقيل: إنَّ عليًّا ﵁ مرَّ عليهم فقال: [من الطويل]
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا عُصْبَةً أسْلَميَّةً … حِسَان الوُجُوه صُرعُوا حَوْل هاشِم
يَزِيْد وِعَبْدُ اللَّهِ منهم ومُنْقذٌ … وعَزْرَة وابْنا مالكٍ في الأكَارِم
ويُرْوَى:
وابْنَا هاشِم ذِي المَكَارِم
وَسَنَذْكُر ذلك إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى (٢).
ابنُ مُقْبِل (٣)
شَاعِرٌ شَهِدَ صِفِّيْنَ مع مُعاوِيَةَ، واسْمُه تَمِيْم بن أُبَيّ بن مُقْبِل، وقد ذَكَرْناهُ في حَرْف التَّاء (٤)، واسْتَقْصَيْنا نَسَبَهُ، وهو من بَني العَجْلَان بن عَبْد اللَّه بن كَعْب.
стр. 5984
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنَا أبو غَالِب أحْمَد بن الحَسَن بن البَنَّاء إجَازَةً، قال: أخْبَرَنَا أبو غَالِب (a) بن بِشْرَان بن كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن المَرَاعِيشِيّ وأبو العَلَاءِ الوَاسِطِيّ، قالا: أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إبْراهيم بن عَرَفَة نِفْطَوَيْه فيما يَرْويهِ، قال: وكان ابنُ مُقْبِلِ بن عَسْكَر مُعاوِيَة، وكان يَمْدَحُ أهْل الشَّام، ويَحُثّ على الطَّلَب بدَم عُثْمان ﵀، ويُعَرِّض بعليّ ﵀، وكان النَّحَاشِيُّ بن عَسْكَر عليٍّ، فن شِعْر ابن مُقْبِل للنَّجَاشِيّ (١): [من الطويل]
ولو شَهِدَتْ أُمُّ النَّجَاشِيّ ضَرْبَنا … بصِفِّيْن فدَّتْنَا بكُلِّ مَكَانِ (b)
ولو كُنْتَ وَجْهَ الخُنْفُسَاء شهِدْتَنا … حَمَلْتَ (c) قَنَاةً غير ذَاتِ سِنَانِ
فأجَابَهُ النَّجَاشِيُّ فقال (٢): [من الطويل]
ما دُفِنَتْ قَتْلَى سُلَيْم (d) وعَامِرٍ … بصِفّيْن حتَّى حُكِّمَ الحَكَمَانِ
ونَجَّى ابن حَرْبٍ سَابِحٌ ذو عُلَالةٍ … أجَشُّ هَزِيم الرَّكْض (e) والذَّأَلانِ
إذا قُلْتُ أطْرَافَ الرِّمَاح يَنَلْنَهُ … مَرَتْهُ بهِ السَّاقان والقَدَمَانِ
قَرَأتُ في دِيْوان شِعْر ابن مُقْبِل من رِوَايَة أبي عَمْرو وابن الأعْرَابِيّ، قال أبو عَمْرو: وخَرَجَ ابنُ مُقْبِل في بعضِ أَسْفَاره، فَمَرَّ بمَنْزِل عَصَرٍ العُقَيْلِيّ، وقد جَهَدُه العَطَشُ، فاسْتَسْقَى فخرجَتْ إلِيه ابْنَتَاهُ بعُسٍّ، وكان أعْوَرَ كَبِيرًا، فأبْدَتَا بعضَ الجَفْوة، فقالت أحدَيْهُما: لا خَيْر في العَيْشِ بعدَ الكِبَر والشَّيْب، وقالت الأُخْرى:
стр. 5985
إنَّ هذا لقي بليَّةٍ من عَوَره وخُبْثِ مَرْآتهِ، فنَفَذَ ولَم يَشْرب شَيئًا، فبَلَغَ ذلك أباهمُا، فتَبِعَهُ ليرُدَّهُ فأبَى عليه، فقال له: ارجعْ ولك أعْجَبُهما إليك، فرجَع -ولَم يَعْرف هذا الحَدِيْثَ ابن الأعْرَابِيّ- فقال (١): [من البسيط]
يا حُرَّ أَمْسَيتُ شَيْخًا قد وَهَى بَصَري … والْتَاثَ ما دُوْن يَوْم البَعْث (a) من عُمُرِي
يا حُرَّ مَن يَعْتَذِرْ من أنْ يُلِمَّ بهِ … ربّ الزَّمانِ فَإنِّي غيرُ مُعْتَذِرِ
يا حُرَّ أمْسَى سَوَادُ الرَّأسِ خالَطَهُ … شَيْبُ القَذَالِ اخْتِلَاط الصَّفْو بالكَدَرِ
يا حُرَّ أمْسَتْ لُبَانَاتُ (b) الصِّبَا ذَهَبَتْ … فلَسْتُ منها على عَيْن ولا أثَرِ
قد كُنْتُ أهْدِي ولا أُهْدِى فعَلِّمْنِي … حُسْنُ المَقَادةِ أَنِّي فَاتَني بَصَري
كان الشَّبَابُ لجاجَاتٍ وكُنَّ له … فقد فَرَغْتُ إلى حَاجَاتي الأُخَرِ
رَاميْتُ (c) شَيْبي كلانًا قائم حِجَجًا … ستِّين ثُمَّ ارتَمَتْنا (d) أقْرَبَ الفُقَرِ
رَامَيتُهُ منذُ راعَ الشَّيْبُ فالِيَتي … ومثْلهُ قبْلَهُ بن سَالفِ العُمُرِ
أرْمِي النّحُورَ فأُشْوِيْها وتَثْلِمُني … ثَلْمَ الإناءِ فأغْدُو غير مُنْتَصِرِ
في الظَّهْرِ والرَّأسِ حتَّى يَسْتَمِرَّ به … قصْرُ الهِجَارِ وفي السَّاقَيْن كالقُتَرِ (e)
قالت سُلَيْمَى ببَطْنِ القَاعِ من سُرُحٍ … لا خَيْرَ في العَيْش بعد الشَّيْب والكِبَرِ
واسْتَهْزَأتْ تِرْبُها منِّي فقُلْتُ لها … ماذا تَعِيْبان منِّي يا ابنتَي عَصَرِ
لولا الحَيَاءُ ولولا الدِّيْنُ عِبْتُكُما … ببعضِ ما فيكما إذ عِبْتُما عَوَري
قد قلتُما لي قَوْلًا لا أبَا لكُما … فيه حَدِيث على ما كان من قِصَري
ما أنْتُمَا والّذي تَهْدِي حُلُومُكُما … إِلَّا كحيرَانَ إذ يَسْري بلا قَمَرِ
إنْ ينقُضِ الدَّهْرُ منِّي مرَّةً لبِلًى … فالدَّهْرُ أزْوَرُ (f) بالأقْوَام ذُو غِيَرِ
стр. 5986
لقد قَضَيْتُ فلا تَسْتَهْزِئا سَفَهًا … ممَّا تقَمّأتُهُ من لذَّةٍ وَطَرِي
يا جَارَتيَّ (a) على ثَأْجٍ سَبِيْلكُما (b) … سَيْرًا حَثِيْثًا ألَمَّا تَعْلَمَا خَبَرِي
إنِّي أقَيِّدُ بالمَأْثور رَاحِلَتِي … ولا أُبَالي ولو كُنَّا على سَفَرِ
لا تأمَنُ السَّيْفَ إذ رَوّحْتُها إبِلي … حتَّى تَرَى نِيْبَهَا يَضْمِزْنَ بالجِرَرِ
ما يُصِبِ السَّيْفُ سَاقَيهِ (c) فحُقّ له … وما تدَعْ ضَرْبَتي لا يُنْجِهِ حذَرِي
ولا أقُومُ على حَوْضي فأمْنَعُه … بَذْلَ اليَمِيْن بسَوْطِي بَادِيًا حُسَري (d)
وما تهَيَّبُني المَوْمَاةُ أرْكَبُها … إذا تَجَاوَبَتِ الأصْدَاءُ بالسَّحَرِ
ولا أقُومُ إلى المَوْلى فأَشْتِمَهُ … ولا يُخَرِّقهُ (e) نابي ولا ظُفُرِي
أبْقَى الخُطُوب وحَاجَاتٌ تُضَيِّفُني … وما جَنَى الدَّهْرُ من صَفْوٍ ومن كدَرِ
مِثْلَ الحُسَام كَرِيْمًا عند خلَّتِهِ … لكُلِّ أُزْرَة هذا الدَّهْر ذا إزَرِ
وقال: تزوَّج امْرأةً من بني نِهْمٍ، وهو عَمْرو بن عَبْد اللَّه بن رَبيعَة بن عامر، يُقال لها كُبيشَةُ عوْرَاء، فنَهَاهُ عنها أخوَتُه وتَشاءَمُوا بها، فأبَى إلَّا أنْ يتزوَّجَها، وقال له رَجُلٌ من قَوْمِهِ: ألَا تزَوّج فُلَانة فإنَّهُ بالحَرَاء أنْ تكُون وَلُوْدًا، وتُنْجب لك، فقال: واللَّهِ لو تَزَوَّجْتُ كلْبةً لولَدَت منِّي وأنْجَبَت، فولَدَتْ له عَشرة أنْفُس ليسَ منهم جَارِيَة، فنَزَلُوا ناحيةَ ضِلع، والضِّلع: المَمْدُود من الأرْضِ، أرادَ ناحية ضِلْع بَني شَيْصَبَان، وهُم من الجِنِّ، ناحية الكَانفِ، فطَرَقتهُم حَيَّةٌ، فقَتَلَتْ سَبْعَةً من وَلدِه، وقَتَلَتْ أيضًا كُبَيْشَة، فقال ابنُ مُقْبِل (f): [من الطويل]
ألَا نَادِيا رَبْي كُبَيْشَةَ باللّوَى … بحاجةِ مَحْزُون وإنْ لَم يُنَادِيَا (g)
وذَكَرَ الأبْيَات بطُولها.
стр. 5987
ابن المُلَثَّم
وَلَدُ الوَزِير عِزّ الدِّين ابن المُلَثَّم، كان وَالدُه قد وَزر للِك الأفْضَل عليّ بن يُوسُف بن أيُّوب، وكان ابنُه هذا شَابًّا حَسَنًا فَاضِلًا، قَدِمَ حلَبَ، واشْتَغَل بها على شَيْخنا أبي البَقَاء يَعِيْش بن عليّ بن يَعِيْش، ونَظَم شِعْرًا جَيِّدًا.
أنْشَدَني أبو الرّبيْع سُليْمان بن بُلَيْمان (a) الإرْبِلِيّ لابن المُلَثَّم (١): [من الطويل]
وذِي هَيْئَة يُزْهي بخَالٍ مُهَنْدَسٍ … أمُوْتُ به في كُلّ يَوْم وأُبْعَثُ
مُحِيْط بأشْكَال المَلَاحَةِ وَجْهُه … كأنَّ به أُقْلِيْدِسًا يتحدَّثُ
فعَارضُهُ خَطُّ اسْتِوَاء وخَالُهُ … نقطَة والشَّكْلُ شَكْلٌ مُثلَّثُ
وأنْشَدَني أيضًا لابن المُلَثَّم أيضًا: [من الكامل]
وعلى الفَتى أنْ لا يُقَصِّرَ سَعْيَهُ … يَوْمَ الرِّهَانِ ولا يُرَدُّ عِنَانُهُ
فإذا جَفَاهُ الفَضْلُ عِيْبَتْ نَفْسُهُ … وإذا جَفَاهُ الحظُ عِيْبَ زَمَانُهُ
ابنُ المَوْصُول الأسَدِيّ (٢)
من تُنَّاءِ حَلَب، ومن بَيْتٍ كَبير فيهم الوِزَارَة، كان حَسَن التَّعْبير للرُّؤيا.
أنْبَأنَا الخَطِيبُ عَبْد المحسِن بن عَبْد اللَّه بن الطُّوسيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْدِ اللَّه بن خَمِيْس، قال (٣): وحُكِي أنَّهُ كان بحَلَب رَجُل يُعْرفُ بابن المَوْصُول من تُنَّاءِ
стр. 5988
البَلَد وأعْيَانها، وكان شَيْخًا جَيِّد التَّعبير، فجاءه رَجُلٌ من أهْلِ المَوْصِل ويُعْرَفُ بابن حَطامٍ، فقال: رأب بن المَنَام كأنِّي حَملتُ لَحْمَ بَقَر! فقال له: يَمُوتُ رَجُل عَامِل وتَرِثه، فقال له: ما أعْرفُ لي بحَلَب قَرَابَة أَرِثهُ، فلمَّا كان بعد أيَّامٍ قَدِمَ حلَبَ ابنُ عَمٍّ له، فتقلَّد بعضَ أعْمَال حَلَب، وماتَ فوَرِثه ذلك الرَّجُل، فقال له: من أين أخَذْت ذلك التَّعْبِير فقد صَحَّ؟ فقال: لأنَّ البَقَر عَوَامِل، واللَّحْم مَالٌ.
شَاعِرٌ من بني المُنَخَّل المَعَرِّيِّيْن؛ تَنُوخِيٌّ (a)
أنْشَدَني العَفِيف عبد الرَّحْمن بن عَوَض المَعَرِّيّ لشَاعِر من بني المُنَخَّل المَعَرِّييْن: [من الكامل]
عَايَنْتُ في المِحْرَابِ دُمْيَتَهُ الّتي … نطَقَتْ ونُطْقُ مِثالِها لَم يُعْرفِ
وسَمِعْتُ سُوْرَةَ يُوسُفٍ مِن قَارِئٍ … قابلتُهُ فرَأيْتُ صُورَةَ يُوْسُفِ
النُّون: فَارِغٌ، وكذلك الوَاو
الهَاءُ
ابْنَا هاشِم الأسْلَميَّان (١)
قيل: كانا من القُرَّاءِ الّذين شَهِدُوا مع عليٍّ ﵁ صِفِّيْن، وقُتِلَا بها مع هاشِم المِرْقَال.
стр. 5989
أَنْبَأْنَا أبو البَرَكَات الأَمِينُ، عن أبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن أحْمَد بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَرّاء، قال: أخْبَرَنَا أبو طَاهِر البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا ابنُ نِيْخَابٍ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن دِيْزيْل، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَني نَصْر بن مُزَاحِم (١)، عن عَمرو بن شَمر (a)، عن رَجُلٍ، عن أبي سَلَمَة، قال: ولمَّا أُصِيْبَ (b) هاشِمِ أُصِيْبَ معه عصَابَة من القُرَّاءِ (c)، فمَرَّ عليهم عليّ بن أبي طَالِب ﵇، فتَرَحَّم عليهم، ثُمَّ أَنْشَأ يَقُولُ: [من الطويل]
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا عُصْبَةً أسْلَميَّةً … صِبَاحَ وُجُوه صُرِّعُوا حَول هاشِمِ
يَزِيدٌ وعَبْدُ اللَّه منْهُم (d) ومَعْبَدٌ … وسَلْمَانُ (e) وابْنا هَاشِمٍ ذي المَكَارِم
وعَزْرَة (f) لا يَبْعَدْ ثَناه وذِكْره … إذا اخْتَرَط البِيْضَ الخِفَافَ (g) الصَّوَارِم
ابنُ هُبَيْرَة (٢)
غَزَا مع حَبِيْب بن مَسْلَمَة الفِهْريّ بلادَ الرُّومِ، وحَدَّثَ عنهُ. رَوَى عنهُ عَبْدُ اللَّهِ بن لَهِيْعَة، وِقد ذَكَرْنا حكايتَهُ عن حَبِيْب في تَرْجَمَةِ حَبِيْب بن مَسْلَمَة فيما تَقَدَّم (٣)، فقد اجْتازَ معه بنَاحِيَة حَلَب.
стр. 5990
ابنُ هَرْمَة الشَّاعرُ
اسْمُه إبْراهيمُ بن عليّ بن هَرْمَة، قَدّمْنا ذِكْرهُ (١).
اليَاءُ
ابنُ يَعْلَى (٢)
غَزَا الصّائِفَة مع عبد الرّحْمن بن خَالِد بن الوَلِيد، وحَكَى عن أبي أَيُّوبَ الأنْصَاريّ (a)، رَوَى عنهُ بُكَيْر بن الأَشَجّ.
واسْمُه عُبَيْد بن يَعْلَى، وقد قدَّمْنا ذِكْرهُ في الأسْماءِ (٣).
أخْبَرَنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد المُؤدِّبُ إذْنًا، قال: أخْبَرَنَا أبو الفَتْحِ مُفْلِح بن أحْمَد بن مُحَمَّد الدُّومِيِّ (b) الوَرَّاق، قال: أخْبَرَنَا الخَطِيبُ أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن