← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

=== قال: وأَخْبرنِي ابنُ أخِيه دَاوُد بن عليّ بن شَبِيْب الفَقِيه بحَلَب، أنَّ عَمَّهُ ثابِت ابن شَبِيْب توفَّيَ فى شَهْر رَبيْع الآخِر، سَنَة ثَلَاث وثلَاثينَ وسِّتمائَة، ببُصْرَى" (١). جَعْفَر بن الفَضْل بن جَعْفَر بن الفُرَات، أبو الفَضْل "وَجَدْتُ له مَنْسُوبًا بخَطِّ الصَّاحِب الكَبِير كَمال الدِّين بن أبي جَرَادَة: [من البسيط] مَنْ أَخْمَلَ النَّفْس أحْيَاها ورَوَّحها … ولم يَبِتْ طَاوِيًا منها على ضَجَرِ إنَّ الرِّيَاحَ إذا اشْتَدَّتْ عَواصِفُها … فلَيْسَ تَرْمِيِ سِوى العالي من الشَّجَر" (٢) الحاَرِث بن حَمْدَان، أبو فِرَاس "جَمعتُ من تاريخ المَذْكُور (أي ابن العَدِيم)، ومن خَطِّه البَدِيع نَقَلْتُ كتابًا لَطِيْفًا سَمَّيتُه: حَضْرةُ النَّدِيم من تاريخ ابن العَدِيْم، منه: لأبي فِرَاس الحَارِث ابن حَمْدَان: [من الطويل] فليتُكَ تَحْلُو والحيَاةُ مَرِيرةُ … وليتكَ تَرْضَى والأنامُ غِضَابُ وليتَ الَّذي بَيْني وبَيْنكَ عامِرُ … وبيني وبين العالَمينَ خَرَابُ" (٣) الحَسَن بن هِبَة الله بن دُهْن الحَصَى المَوْصِليُّ "وَقَفْتُ على تَرْجَمَتهِ فيِ تاريخ حَلَب، وفي تاج المَعاجِم، وفي اخْتِيارَات الشَّرَف، فلَخَّصْتُ منها ما أوْردتُه في هذا المَكان.

стр. 6127

=== كان بالمَوْصِل يُقرئ العَرَبيَّة ويَمْدَح صاحِبها، فرُفِعَ إليه أَنه لمَّا وصَلَ صَلاحُ الدِّين بن أيُّوب إلى جِهَةِ المَوْصِل، ورامَ التَّغَلُّب عليها، أنْفَذ إليه قَصِيْدةً يَمْدَحه فيها، ويحُضّهُ على ما تَقْتَضيه الهِمّة العالية في المُلْك. فتغيّر له، وخافَ ابنُ دُهْن الحَصَى، فرَحَلَ إلى حَلَب وانْقَطَع إلى صَلاح الدِّين فأحْسَن إليه، ورتَّبه للإقْراءِ في جامع المَدِيْنة. فلم يَزَل على تلك الحال والرَّاتِبُ جارٍ عليه إلى أنْ مات. وأحْسَنُ ما أنْشَد له الصَّاحِبُ ابنُ العَدِيم، وهو ممَّا رَواه عنهُ: [من الطويل] وما أنا في الشَّكْوى من البَيْن عاجِزٌ … ولا ضاقَ في حَمْل الرَّزايا بكمُ صَدْرِي ولا خَانَني حُسْن اصْطِباري وإنَّما … رُمِيتُ من البَلْوَى بأكثرَ مِن صَبرِي وقَوْلُه: [من المديد] مَنْ لصَبٍّ فوق فَرشِ ضَنيً … أبدًا فبُرْؤه يَنْتكس جَفْنُه بالدَّمْع مُنْطَلِقُ … وكَرَاه عَنْهُ مُحْتَبِس جَهِل العُذَّالُ مَوْضِعَه … فَهَداهُم نَحوه النَّفَس" (١) الحُسَين بن أحْمَد ابن خَالَوَيْه، أبو عَبْد الله "رَأيْتُ في تاريخ حَلَب للكَمال ابن العَدِيْم بخَطِّه في تَرْجَمةِ ابن خَالَوَيْه، قال: رَأيْتُ في جُزءٍ من أمالِي ابن خَالَوَيْه: سَأل سَيْفُ الدَّوْلَة جَماعَة من العُلمَاء بحَضْرتهِ ذات ليْلة: هل تَعْرفُون اسمًا مَمْدُودًا وجَمْعه مَقْصُور؛ فقالوا: لا، فقال: يا ابنَ خَالَوَيْه؛ ما تقول أنت؟ قُلْتُ: أنا أعْرف اسْمَين. قال: ما همُا؛ قُلْتُ: لا أقُول لك إلَّا بألف دِرْهَم؛ لئلَّا تُؤْخذ بلا

стр. 6128

=== شُكْر، فأمَرَ لي بألف دِرْهَم، قُلْتُ: هما صَحْراء وصَحارى، وعَذْراء وعذارَى. فلمَّا كان بعد شَهرين أصَبْتُ حَرْفَين آخرَين، ذَكَرهُما الجَرْميّ في كتاب التَّنْبيه، وهُما: صَلْفَاء وصَلافَى؛ وهي الأرْضُ الغَلِيظَة، وخَبْراء وخَبَارى؛ وهي أرْض فيها نُدُوَّةٌ. ثُمَّ بعد عِشْرين سَنَة وَجَدْتُ حَرْفًا خامِسًا، ذَكَرَهُ ابنُ دُرَيد في الجَمْهرة، وهو سَبْتاء وسَبَاتَى، وهي الأرْض الخَشِنة. انْتَهَى" (١). الحُسَين بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الدُّوَيْدَة (٢) "وَقَفْتُ على المُجَلَّد الثَّالث من تاريخ حَلَب للصَّاحِب كمال الدِّين عُمَر بن العَدِيْم ﵀، فوَجَدْتُه قد قال: وجَدْتُ في كتابِ نُزْهَة النَّاظِر ورَوْضَة الخَاطِر لقاضي مَعَرَّة مَصْرِيْن الكَمال عَبْد القَاهِر بن عَلَوِي المَعَرِّيّ: قيل: امْتَدَح أبو الفَتْح ابن [أبي] (٣) حَصِيْنَة المَعَرِّيّ، نَصْر بن صالِح بحَلَب، فقال له: تَمَنَّ، فقال: أتَمَنَّى أنْ أكُونَ أمِيْرًا، فجَعَلهُ أمِيْرًا يَجْلِسُ مع الأُمَرَاء، ويُخَاطَب بالأمِيْر، وقَرَّبَهُ، وصَارَ يَحْضرُ في مَجْلِسِه وفي زُمْرَة الأُمَرَاء، ثُمّ وَهَبَهُ أرْضًا بحَلَب قِبْليّ حَمَّام الوَاسَانِيّ،

стр. 6129

=== فعَمَّرها دَارًا وزَخرَفَها وقَرْنَصَها، وتَمَّمَ بنُيْانَها، وكَمَّل زَخَارفها، ثُمّ نَقَشَ على دَائر الدَّرَابْزِين: [من السريع] دَارٌ بَنَيْنَاها وعِشْنَا بها … في دَعَةٍ من آل مِرْدَاسِ قَوْمٌ مَحَوْا بُؤْسِي ولم يَتْركُوا … علَيَّ في الأيَّام من بَاسِ قُلْ لبَني الدُّنْيا أَلَا هَكَذا … فليَفْعَلِ النَّاسُ مع النَّاسِ فلمَّا أنْهَى العَمَل بالدَّار، عَمل دَعْوَةً، وأحْضَر نَصْر بن صالح بن مِرْدَاسٍ، فلمَّا أكَلَ الطَّعَام، رَأى الدَّار وحُسْنَها وحُسْنَ بُنْيانها ونُقُوشها، ورَأى الأبْيَات فقَرأها، فقال: يا أمِيْر، كَم خَسِرْتَ على بناءِ الدَّار؟ فقال: واللهِ يا مَوْلَانا ما للَمَمْلُوك عِلْم بل هذا الرَّجُل تَولِّى عِمَارتَها، فأحْضَر مِعْمَارَها وقال له: كم قد لحَقَكُم غرامَةٌ على بناءِ هذه الدَّار؟ فقال: أَلْفا دِيْنارٍ مِصْريَّة، فأحْضَرَ من سَاعته ألفي ديْنارٍ مِصْريَّة، وثَوْبَ أَطْلَس، وعِمَامَةً مُذْهَبَة، وحِصَانًا بطَوْق ذَهَب، وسَرج ذَهَب، وسَرفْسَار ذَهَب، ودَفَع ذلك جَميعَهُ إلى الأمِيْر أبي الفَتْح، وقال له: [من السرج] قُلْ لبَني الدُّنْيا ألَا هَكَذا … فليَفْعَلِ النَّاسُ مع النَّاسِ قال: وبعد أيَّام حَضَر رَجُلٌ من أهل المَعَرَّة يُلَقَّب بالزَّقُّوم، وكان من أرَاذلها، وفيه رُجْلَة (١)، فطَلَب خُبْزَ جُنْدىّ فأعْطوه وجَعَلوه من أجْنادِ حِصْن المَعَرَّة، فلمَّا وصَلَ، عَمِلَ الشَّيْخُ أبي الحُسَين أحْمَد بن مُحَمَّد بن الدُّوَيْدة: [من الكامل] أهْل المَعَرَّة تحت أقْبَح خطّة … وبهم أنَاخ الخَطْب وهو جَسِيْم لَم يَكْفهم أن أمر ابن حَصِيْنَة … حتَّى تجنَّد بعدَهُ الزَّقوم

стр. 6130

=== يا قَوْم قد سئمت لذَاك نفُوسنا … يا قَوْم أين التُّرْك أين الرُّوم واشْتَهرت الأبْيَات بالمَعَرَّة وحَلَب، فسَمِعها الأمِيْر أبو الفَتْح ابن [أبي] حَصِيْنَة فعَبَر على باب ابن الدُّوَيْدَة، فسَلَّم عليه أبو الحُسَين، فقال له الأمِيْر: وَيْلك يا ابن الدُّوَيْدَة، هَجَوتني، واللهِ ما بي من الهَجْو مثل ما بي من كَونك تُقربَني إلى الزَّقُّوم وتَذْكرني معه، فضَحك ابنُ الدُّويْدَة وقال: واللهِ الآن كان عندي الزَّقُّوم! وقال: واللهِ ما بي من الهَجْو ما بي تَذكرني مع ابن [أبي] حَصِيْنَة وتقربني إليه! فقال له ابن [أبي] حَصِيْنَة: قاتَلكَ اللهُ؛ وهذا هَجو ثان" (١). حَيَّان بن قَيْس بن عَبْدِ الله، النَّابِغَة الجَعْديّ "تَرْجَمهُ ابن العَدِيْم في تاريخ حَلَبَ، فقال بَعْدَ أنْ ساقَ نَسَبَه، وذَكَرَ الاخْتِلافَ فيه: إنّ أُمَّه فاخِرَةُ ابنَةُ عَمْرو بن جابِرٍ الأسَدِىّ، قيلَ: إنَّهُ شَهِدَ صِفِّينَ مع عليٍّ ﵁، وإنَّمَا لُقِّبَ بهِ لأنَهُ أقامَ ثلاثِين سنَةً لا يَتَكَلَّمُ بشِعْرٍ، ثمَّ نَبَغَ" (٢). دَاوُد بن يَحْيَى بن كَامِل بن يَحْيَى بن جُبَارَة بن عبْد المَلِك "قال ابنُ العَدِيم: كان إِمَامًا، مُحَقِقًا، صالِحًا. وَلِيَ تَدْريسَ العِزِّيَّة الجُوَّانِيَّة" (٣).

стр. 6131

=== سُلَيمان بن بُلَيْمان بن أبي الجَيْش بن عَبْد الجَبَّار بن بُلَيْمان الهَمَذَانيُّ الإرْبِلِيُّ "ذكَرهُ الصّاحِبُ كمال الدِّين عُمَر بن العَدِيْم، ﵀، في تاريخ حَلَب، فقال: سُليَمان بن بُلَيْمان بن أبي الجَيْش بن عَبْد الجَبَّار بن بُلَيْمان الهَمَذَانيّ الأصْل الإرْبِلِيّ المَوْلد، أنْشَدني من لَفْظِه لنَفْسهِ: [من السريع] يا شَرَف الدِّين الَّذي لَم يَزَل … بمَجْدِه المنْصُوب في رفع والكَامِل الخَير الَّذي لم يَزَل … يصْدق فيه خبر المَسْمع ربّ الصِّناعات الحسانات … الَّتي تَجمَّعت في أحْسَن الصّنع طال نَدى التِّذكار في مدّة … لخاَطِري في النَّظْم أو طبع مُرهفة كالقَضِيب هِنْديَّة … تحيل بين الأصْل والفَرْع تَسْطُو على أرْقَش ماضِي السَّنا … مُؤهَّل الضّرّ والنَّفْع إذا جَرَى في طرسِه مُسْرعًا … فات وَمِيْض البَرْق في اللّمع عُذرك في تارِيْخِها واضِح … وذاكَ مَحمُول على الوَضْع لو وصت كُنْت مُعْجبًا … لأنَّها من آلةِ القَطْع فحلها واسْتَحل عَيْنيه … تفرَّق عن السَّفْح والجَزع وقال أيضًا رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى: [من الطويل] وما زالت الرُّكبان تُخْبر عنْكم … أحادِيْث كالمِسْك الذَّكي بلا مين إلى أنْ تَلاقَينا فكان الَّذي وعت … من القَوْلِ أذني دُون ما أبْصَرت عَيْني" (١)

стр. 6132

=== سُلَيمان بن جَنْدر، عَلَم الدِّين "رَأيْتُ في خَطِّ ابن عَشائِر، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلهُ من بُغْيَة الطَّلَب، من كَلام الصَّاحِب ما لَفْظه: سُلَيمان بن جَنْدر، وهو الَّذي وقَف المَدْرسَة بالحاضِر اتِّجاه المَسْجِد الجامِع على أصْحاب أبي حَنِيْفَة. قال الزَّكِيّ أبو العبَّاس أحْمَد بن مَسْعُود بن شَدَّاد المَوْصِليّ: وكُنْتُ مع عَلَم الدِّين سُلَيمان بنِ جَنْدر بحَارِم وأنا وإيَّاه تحت شَجَرة، وكُنْتُ إذ ذاكَ أؤم به في سَنَةِ سَبْعٍ وسَبْعين وخَمْسمائة، فقال لي: كُنْتُ ومَجْد الدِّين أبو بَكْر بن الدَّايَة وصَلاح الدِّين يُوِسُف بن أيُّوب تحت هذه الشَّجَرة، وأشارَ إلى شَجَرةٍ هُناك، ونُور الدِّين مَحْمُود بن زنْكِي إذ ذاك يُحاصِر حَارِم وهي في يَدِ الفِرِنْج. فقال مَجْدُ الدِّين ابن الدَّايَة: كُنْتُ أشْتَهي من الله أنْ يأخُذ نُور الدِّين حارِم ويعْطِيني إيَّاها، وقال صَلاحُ الدِّين: كُنْتُ أشْتَهِي مِصْر، ثُمّ قالا لي: تَمَنَّ أنتَ شَيئًا، فقُلْتُ: إذا كان مَجْد الدِّين صاحِب حَارِم، وصَلاح الدِّين صاحِب مِصْر؛ ما أصْنَعُ بينكما؟ فقالا: لابُدَّ أنْ تَتَمنَّى! فقُلْتُ: إذا كان ولابُدَّ فأُريد عَمّ. فقَدَّر اللهُ أنَّ نُور الدِّين كَسَرَ الفِرِنْجَ، وفَتَحَ حارِم، وأعْطاها مَجْد الدِّين، وأعْطَاني عَمّ. فقال صَلاحُ الدِّين: أخَذْتُ أنا مِصْر، فإنَّنا كُنَّا ثلاثة، وقد بقت أُمْنِيَتي. فقدَّر اللهُ تعالَى أنْ فَتَحَ أسَد الدِّين مِصْر. ثُمّ آلَ الأْمرُ إلى أنْ مَلَكها صَلاح الدِّين! وهذا من غَرائِب الاتِّفاقات. انْتَهَى" (١).

стр. 6133

=== سُلَيمان بن عَبْد المَلِك "لمَّا فَتَحَ أبو عُبَيْدَة حَلَب كما تقدَّم صُلْحًا أو عَنْوَةً، ودَخَلَ من بابِ أنْطَاكِيَة، فحَفَّ المُسْلِمُون بالأتْرَاسِ حتَّى بُنِيَت الشُّعَيْبِيَّة، وكانت تُسَمَّى قَدِيمًا بمَسْجِد الأتْراس ثُمّ بالغَضَائِريّ، صالَحُوا أهْلها على القَوْل بأنَّها فُتِحَت صُلْحًا على موضع المَسْجِد الجامع، فاخْتَطَّهُ الصَّحَابَة ﵃، وكان بُسْتانًا للكَنِيْسَة الَّتي هي الحَلَاوِيَّة الآن. والجُبّ الَّذي فيه كان دُولابًا للبُسْتان، ثُمّ جدَّدَهُ سُلَيمان بن عبد المَلِك. ولَم يَذْكر ابن العَدِيْم في تَرْجَمةِ سُلَيمان أنَّ سُلَيمان بَناه. وقال في مكانٍ آخر: وبَلَغَني أنَّ سُلَيمان هو الَّذي بَناهُ، كما رَأيْتُه بخَطِّ ابن عَشائِر، ولَم يَبْقَ فيه من بناءِ سُلَيمان سِوَى السُّور" (١). سُليَمان بنُ الفَضْل بن سُليَمان بن الحُسَين بن إبْرَاهيم، أبو المحَاسِن الدِّمَشقيُّ المَعْرُوف بابن البَانْياسِيّ أخو القاضِي نَبَأ قاضي حَلَب. "حَدَّثني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِمِ عُمَر بن أبي الحَسَن الحَنَفيّ، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: قَدِمَ علينا أبو المحَاسِن حَلَب، رَسُولًا من المَلِك العَادِل أبي بَكْر مُحَمَّد بن

стр. 6134

=== أيُّوب، رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى، إلى المَلِك الظَّاهِر غيَاث الدِّين غَازِي بن يُوسُف، ﵀، واجْتَمَعْتُ فيها بهِ، بدَار وَالدِي، رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى، ولَم يتَّفق لي سَماع شيءٍ منه، واجْتَمَعتُ به مِرَارًا بدِمَشْق بعدَ ذلك. وكانت وِلادته سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِمائة، تُوفِّي بدِمَشْق في السَّنَة الَّتي مات فيها المَلِك العَادِل ﵀؛ وكانت وفاته سَنَة أرْبَع عَشرة وستِّمائة" (١). سَهْلُ بنُ مُحَمَّد بنِ رَافِع بن المُحَيَّى الهِلَاليُّ، أبو المَحامِد الشَّاعِر "حَدَّثَني القاضِي أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد الحَنَفيّ، أيَّدَهُ اللهُ، من لَفْظِه، قال: قَدِمَ أبو المَحامِد حَلَب مِرَارًا كَثيرة، مُسَتْرفِدًا من مُلُوكِها وأُمَرائِها، واجْتَمَعْتُ به، وكان حُلوِ المَنْطِق، فَصِيحُ العِبَارة، حَسَن الشِّعْر، وكَتَبتُ عنه شَيئًا من شِعْرِهِ، وتُوفِّيَ في رَجَب أو شَعْبان سَنَة ثلاث وعِشْرين وستِّمائة ببَعْلَبَكّ: وممّا أنْشَدني لنَفْسهِ من قَصِيْدةٍ يَمْدحُ بها المَلِك الظَّاهِر غياث الدِّين غَازي ابن يُوسُف بن أيُّوب، ويَتَشوَّق فيها أهْله ووَطَنه: [من البسيط] لي نَحْوَ رَامةَ قَلْبٌ شأنُه الطَّرَبُ … وعَبْرةٌ بعْدَ يوم البَيْنِ تَنْسَكبُ وأنَّه كلَّما ناحَتْ مُطَوَّقَةٌ … تَكادُ من حرِّها الأَحشاءُ تَلتهِبُ كم رُمْتُ كتْمانَ ما أُبدِيه من كَمَد … وباعَثُ الشَّوقِ يَعصِيْني فأنْتَحِبُ يا حاديَ العِيسِ بالجرعَاءِ هل نَظَرتْ … عَيْنَاكَ مِثْلي مُعنّى شفَّهُ الوصَبُ؟ أحْشَاؤُهُ منْ جَوى التَّذْكارِ في حُرقٍ … وقَلبُه لفِرَاق الحيِّ مُكْتَئبُ لا كان يَوْمُ ودَاعٍ كُنْتُ أحْذَرُهُ … والبَدْرُ يُسْفِرُ أحيانًا ويَنْتَقبُ

стр. 6135

=== وطَلْعةُ الشَّمسِ تَبْدو غيرَ آفِلَةٍ … مِنَ المَعاجرِ طَورًا ثُمَّ تَحْتَجِبُ ودَّعتُ لَذَّة عيشي يَوْمَ فُرْقَتِها … ودَمْعُ عينيَ من هَوْلِ النَّوى سَربُ فاستَعْبرَتْ ومطايا الحيِّ مُزْمِعَةٌ … سَيرًا يُسايرُهُ التَّقرِيبُ والخَبَبُ فَخِلتُ حُمْرةَ خَدَّيها وأدمُعَها … راحًا تجُولُ على ناجودِها الحَبَبُ لَمياءُ يُخبر عن شَهْد مُقبَّلُها … ويُخْجلُ الدُّرَّ منها ثَغْرُهَا الشَّنبُ تُريك وجهًا يُريك الشَّمسَ طالعةً … سَبْطَ المَحاسِنِ لا خَالٌ ولا نُدَبُ خَوْدٌ هِلَاليَّةُ الآباءِ لا أمَمٌ … يَقضي المَودَّة لي منها ولا صَقَبُ من دُون رَشْفَ حُميا شَهْدِ ريقتها … بِيْضُ الصَّوارِم والعسَّالَةُ السّلبُ قالتْ وقد أزْمعَتْ بي عن مَواِطِنها … مَيْساءُ مُضْمَرةٌ مُهْريَّةٌ نَجُبُ ماذا الرَّحِيْلُ وقد غادْرتُ مَنْزِلَنا … صِفْرَ الجَوانِب لا وَرْقٌ ولا ذَهَبُ فقُلْتُ خلِّي سَبِيْل الهَمِّ مُنْصرِفًا … غَازي بن يُوسفَ ذُخْرِي والمَدَى حَلَبُ وأنْشَدَنِي أيضًا، قال: أنْشَدني سَهْل لنَفْسهِ من قَصِيْدةٍ يَمْدَح بها سُنْقُر الحَلَبيّ: [من الكامل] مَلِكٌ يَسُرُّ المعتَفينَ لقاؤهُ … وتَخافُ شِدَّةَ بأسِه أُسْدُ الثَّرى مُتَألِّقُ الأَضْوَاء يُحْمدُ وَفْدهُ … عندَ الصّباحِ بوَجْهِه غبَّ السُّرى قَهَرَ الفَوارسَ قَبْلَ شَدِّ نِطاقِهِ … وأتَى المكَارِمُ يافِعًا وحَزَوَّرا وحَوتْ مَناقبهُ مآثِرَ مَعْشَرَ … ما كان ذكرُهُم حَدِيثًا يُفْتَرى ماضي ظُبَا العَزَمات لا يَعْتادُه … زَمَعٌ إذا صُبْحُ الأَسنَّة أسْفرا يَلْقى الكتيبةَ غَيْرَ مُكْتَرثٍ بها … ويكُرُّ والأرْوَاحُ واهِيَةُ العُرَى مُتَقلِّدٌ عَضْبًا كأنَّ مَضاءَه … قَدَرٌ لكُلِّ مُلِمَّةٍ قد قُدِّرا ما شِيْمَ بَرْقٌ من مَضارِب حَدِّه … إلَّا كَسَا الآفاقَ مِرْطًا أحمَرا

стр. 6136

=== يَغْشى غِمار الموتِ عَضْبًا فاتِكًا … ويَلُوحُ في رَهجَ العَجَاجِ غَضَنْفَرا أخْبَرني القاضِي أبو القَاسِم، أيَّدَهُ اللهُ، قال: قال أبو البَقاء يَعِيْش بن عليّ النَّحْويّ، قال: رَأيْتُ الهِلَاليّ يُنْشِدُ السُّلْطان غِيَاث الدِّين قَصِيْدة من حِفْظِه لنَفْسهِ، يَمْدَحه بها، فجَعَل يَتوقَّف فيها، ويُعِيدُ أبْياتَها، فلمَّا فرغَ منها، قال للسُّلْطان المَلِك الظَّاهِر مُعْتَذرًا من تغلُّطِه فيها: يا مَوْلانا، الجَوادُ يَكْبُو من قِلة العَلِف، فقال السُّلْطان في الحال مُجاوبًا له: وقد يكُون من حَمِير! " (١). سِنَانُ بنُ سَلْمان بن مُحَمَّد البَصرِيُّ البَاطِنِيُّ، أبو الحَسَن، صاحِبُ الدَّعوَةِ النِّزَارِيَّةِ "قال ابنُ العَدِيْمِ في تاريْخِهِ: أخْبَرني شَيْخٌ أدْرك سِنَانًا أنَّه كان بَصْريًّا يُعلِّمُ الصِّبْيانَ، وأَنَّهُ مرَّ وهو طالعٌ إلى الحُصُونِ على حِمَارٍ، فأرادَ أهلُ إقمِينَاسَ أخذَ حِمَارِهِ، فبعدَ جُهْدٍ تَرَكوهُ، ثُمَّ آلَ أَمرُهُ إلى أنْ تَملَّكَ عِدَّةَ قِلاعٍ. أوْصَى يَوْمًا أتْبَاعَهُ، فقال: عليْكُم بالصَّفَاءِ بَعْضُكُمُ لبَعْضٍ، لا يَمنعَنَّ أحَدُكُم أخَاهُ شَيئًا لهُ، فأخذَ هذا بِنْتَ هذا، وأخَذَ هذا أُخْتَ هذا سِفَاحًا، وسَمَّوا نُفُوْسَهُم الصُّفَاةُ، فاسْتدَعَاهُم سنَانٌ مرَّةً، وقَتَلَ خَلْقًا منْهُم. قال ابنُ العَدِيْمِ: تَمَكَّنَ في الحُصُونِ، وانْقَادُوا له. وأخْبَرني عليُّ بنُ الهَوَّارِيِّ أنَّ صَلاحَ الدِّيْنِ سَيَّرَ رَسُولًا إلى سِنَانٍ يَتهدَّدُهُ، فقال للرَّسُولِ: سَأُرِيكَ الرِّجالَ الَّذينَ ألقَاهُ بِهِم، فأشارَ إلى جماعَةٍ أَنْ يَرمُوا أَنْفُسَهُم مِنْ أهْلِ الحِصْنِ من أعْلاهُ، فألقَوا نُفُوْسَهُم، فهَلكوا.

стр. 6137

=== قال: وبلَغَنِي أَنَّهُ أحَلَّ لَهُم وَطءَ أُمَّهَاتِهِم وأخوَاتِهِم وبناتِهِم، وأسْقَطَ عنْهُم صَوْمَ رَمَضان. قال: وقَرأْتُ بخَطِّ أبي غالِبٍ بن الحُصَيْنِ أنَّ في مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وثَمانِيْنَ هَلَكَ سنَانٌ صاحِبُ الدَّعوَةِ بحِصْنِ الكَهْفِ، وكانَ رَجُلًا عَظِيْمًا خَفِيَّ الكَيْدِ، بعيدَ الهِمَّةِ، عَظِيْمَ المخَارِيقِ، ذا قُدرَةٍ على الإغوَاءِ، وخَدِيعَةِ القُلُوبِ، وكتمَانِ السِّرِّ، واسْتَخدَامِ الطَّغَامِ والغَفَلَةِ في أغْرَاضِهِ الفاسِدَةِ. وأَصلُهُ مِنْ قُرَى البَصْرَةِ، خَدَمَ رُؤسَاءَ الإسْمَاعِيْلِيَّة بِأَلَمُوت، ورَاضَ نَفْسَهُ بُعُلوْمِ الفَلاسِفَةِ، وقرَأَ كَثِيْرًا مِن كُتُبِ الجَدَلِ والمغَالطَةِ ورَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَاءِ، والفَلْسَفَةِ الإِقنَاعِيَّةِ المُشَوَّقَةِ لا المُبَرْهَنَةِ، وبنَى بالشَّامِ حُصُوْنًا، وتَوثَّبَ على حُصُوْنٍ، ووَعَّرَ مسَالِكَها، وسَالَمَتْهُ الأنامُ، وخافَتْهُ المُلُوْكُ من أجْلِ هُجومِ أتْباعِهِ بالسِّكِّينِ. دَام له الأمْرُ نَيِّفًا وثلاثِيْنَ سَنَةً، وقدْ سَيَّر إليه دَاعِي الدُّعَاةِ مِن قَلْعَةِ أَلَمُوْتَ جَماعَةً غير مَرَّةٍ ليَقْتلُوْهُ لاسْتبدَادِهِ بالرِّئَاسَةِ، فَكانَ سِنَانٌ يَقتلُهُم، وبَعْضُهُم يَخدعُهُ، فيَصِيْرُ من أتْباعِهِ. قال: وقَرأْتُ على حُسَين الرَّازِيِّ في تارِيْخِهِ، قال: حَدَّثَنِي مُعِيْنُ الدِّينِ مَوْدُود الحَاجِبُ أَنَّهُ حضَرَ عندَ الإسْمَاعِيْلِيَّةِ في سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وخَمْسِينَ، فَخلا بسِنَانٍ، وسأَلَهُ فقال: نَشأتُ بالبَصْرَةِ، وكان أبي من مُقدَّمِيها، فوَقَعَ هذا الأمْرُ في قَلْبِي، فجرَى لي معَ إخْوَتِي أمْرٌ، فخَرَجتُ بغَيْرِ زادٍ ولا رَكُوْبٍ، فتَوصَّلْتُ إلى الأَلَمُوت، وبها إلْكِيَا مُحمَّدُ بنُ صَبَّاحٍ، وله ابْنانِ: حَسَنٌ وحُسَينٌ، فأَقْعَدنِي مَعهُما في المَكْتَبِ، وكان يَبُرُّنِي بِرَّهُمَا، ويُسَاوينِي بهما، ثُمَّ ماتَ، ووَلِيَ حَسَنُ بنُ مُحمَّدٍ، فنَفَّذَنِي إلى الشَّامِ، فخَرَجْتُ مِثْلَ خُرُوْجي منَ البَصْرَةِ، وكان قد أمْرَنِي بأوَامرَ، وحمَّلَنِي رسَائِلَ، فدَخَلتُ مَسْجِدَ التَّمَّارِيْنَ بالمَوْصِل، ثُمَّ سِرْتُ إلى الرّقَّةِ، فأدَّيْتُ رسالَتَهُ إلى

стр. 6138

=== رَجُلٍ، فزوَّدنِي، واكْتَرَى لي بَهيْمَةً إلى حَلَبَ، ولقِيْتُ آخرَ برسَالتِهِ، فزوَّدنِي إلى الكَهفِ، وكانَ الأمْرُ أنْ أُقيمَ هُنا، فأقَمْتُ حتَّى ماتَ الشَّيْخُ أبو مُحمَّدٍ صَاحِبُ الأمْرِ، فولِيَ بعدَهُ خوَاجَا عليّ بغَيْرِ نَصٍّ، بلْ باتِّفَاقِ جَماعَةٍ، ثُمّ اتَّفَقَ الرَّئِيْسُ أبو مَنْصُورٍ ابنُ الشَّيخِ أبي مُحمَّدٍ والرَّئِيسُ فَهْدٌ، فبعثَوا مَنْ قتلَ خوَاجَا، وبقيَ الأمْرُ شُوْرَى، فجاءَ الأمْرُ منَ الأَلموت بقَتْلِ قَاتِلِهِ وإطْلَاقِ فَهْدٍ، وقُرِئت الوَصِيَّةُ على الجَماعَةِ، وهي: هذا عَهْدٌ عَهِدنَاهُ إلى الرَّئِيسِ ناصِرِ الدِّيْنِ سِنَان، وأمَرْنَاهُ بقراءتِهِ على الرِّفَاقِ والإخْوَانِ، أعَاذَكُمُ اللهُ مِنَ الاخْتِلَافِ واتِّبَاعِ الأهْوَاءِ، إذْ ذاكَ فِتْنَةُ الأوَّلِينَ، وبلَاءُ الآخرِيْنَ، وعِبرَةٌ لِلمعتبرِيْنَ، مَنْ تَبرَّأَ مِن أعْدَاءِ اللهِ وأعْدَاءِ وَليِّهِ ودِيْنِهِ، عليْه مُوَالَاةُ أوْلِيَاءِ اللهِ، والاتِّحَادُ بالوَحْدَةِ سُنَّةُ جَوَامِعِ الكَلِم، كلمَةِ اللهِ والتَّوحيدِ والإخْلَاصِ، لا إلَهَ إلَّا الله عُرْوَةُ اللهِ الوُثقَى، وحَبْلُهُ المَتِين، ألَا فتَمسَّكُوا بِهِ، واعْتَصمُوا بِهِ، فبِهِ صَلاحُ الأوَّلِينَ، وفَلاح الآخرين، أجْمِعُوا آرَاءكُم لتعَلِيْمِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بنصٍّ مِنَ اللهِ ووَليِّهِ، فتَلقُّوا ما يُلْقِيهِ إلَيْكُم مِن أوَامِرِهِ ونوَاهيهِ بقَبُولٍ، فلا وَرَبّكَ لَا تُؤمنُوْنَ حَتَّى تُحَكِّمُوْهُ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَكُم ثُمَّ لا تَجِدُوا فِي أنْفُسِكُم حَرَجًا ممَّا قضَى وتَسلِّمُوا تَسْليمًا، فذلكَ الاتِّحَادُ بالوَحْدَةِ الَّتي هي آيَةُ الحَقِّ المُنْجِيَةُ منَ المهَالكِ، المُؤدِّيَةُ إلى السَّعَادَةِ، إذِ الكَثْرَةُ علَامَةُ الباطِلِ المُؤدِّيَةُ إلى الشَّقَاوَةِ المُخزِيَةِ، فنَعُوذُ باللهِ مِن زوَالِهِ، وبالوَاحِدِ من آلهَةٍ شَتَّى، وبالوَحدَةِ مِنَ الكَثْرَةِ، وبالنَّصِّ والتَّعَلِيْمِ مِنَ الأدوَاءِ والأهْوَاءِ، وبالحَقِّ منَ الباطِلِ، وبالآخِرَةِ الباقيَةِ مِنَ الدُّنْيا المَلْعُوْنَةِ، إلَّا ما أُرِيْدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ، فتَزوَّدُوا منها للأُخْرَى، وخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى، أطِيعُوا أميْرَكُم ولَوْ كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا" (١).

стр. 6139

=== " قال ابنُ العَدِيْمِ: كَتَبَ سِنَانٌ إلى صَاحِبِ شَيْزَرَ يُعَزِّيهِ بِأَخِيْهِ: [من الكامل] إنَّ المنَايَا لا تَطَا بمنْسمٍ … إِلَّا على أكْتَافِ أهْلِ السُّؤْدُدِ فلَئِنْ صَبْرتَ فأنْتَ سَيِّدُ معشرٍ … صَبْرُوا وإنْ تَجْزَعْ فغَيْرُ مُفَنَّدِ هذا التَّناصُرُ باللِّسَانِ ولَوْ أتَى … غَيْرُ الحِمَامِ أتَاكَ نَصْرِي باليَدِ وهي لأبِي تَمَّامٍ" (١). "وكَتَبَ سِنَان إلى صَلاح الدِّين: [من البسيط] يا للرِّجال لأمْرٍ هَالَ مقطعُهُ … ما مَرَّ قَطُّ على سَمْعي توقُّعُهُ (٢) فإذا الَّذي بقِرَاعِ السَّيفِ هَدَّدَنا … لا قامَ مَصْرَعُ جَنْبِي حين تَصْرَعُهُ قام الحَمامُ إلى البَازِي يُهدِّدُدُ … واسْتَيقَظَتْ لأُسُودِ البَرِّ أضْبعُهُ وَقَفْتُ على تَفصِيلِ كِتَابِكُم وجُمَلِهِ، وعَلِمْنا ما هَدَّدنَا بهِ من قَوْلهِ وعَملِهِ، فيا للهِ العَجَبُ من ذُبابَةٍ تَطنُّ فِي أُذنِ فيْلٍ، وبعُوضَةٍ تُعَدُّ في التَّمَاثيلِ، ولقد قالَها من قَبْلِكَ قَوْمٌ فدَمَّرْنا عليْهِم، وما كان لَهُم منْ ناصِرِيْن، أَلِلْحقِّ تَدْحضُونَ، وللباطِلِ تَنصرُوْنَ؟! وسَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلْبُونَ. ولئِنْ صَدَرَ قَوْلُكَ في قَطْعِ رَأْسِي، وقَلْعِكَ لقِلاعِيِ منَ الجِبالِ الرَّواسِي، فتلكَ أمَانِيُّ كاذِبَةٌ، وخيَالَاتٌ غيرُ صائِبَةٍ، فإنَّ الجَواهِرَ لا تَزُولُ بالأعْراضِ، كما أنَّ الأرْواحَ لا تَضْمحِلُّ بالأمْرَاضِ.

стр. 6140

=== وإنْ عُدْنا إِلى الظَّاهِرِ، وعَدَلْنا عنِ الباطِنِ (١)، فلنَا (٢) في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ: "ما أُوذِي نَبِيٌّ ما أُوذِيْت"، وقدْ عَلِمْتَ ما جَرَى على عِتْرَتِهِ وشِيْعَتِهِ (٣)، فالحالُ ما حَالَ، والأَمْرُ ما زالَ (٤)، وقدْ عَلِمْتُم ظاهِرَ حَالِنا، وكَيْفِيَّةَ رِجَالنا، وما يَتَمَنَّونَهُ منَ الفَوْتِ، ويَتَقرَّبُونَ بهِ من (٥) حِياضِ الموْتِ (٦)، وفِي المَثَل (٧): أَو لِلبطِّ تُهدِّدُ بِالشَّطِّ؟ فَهيِّئ للبَلايا أسْبَابًا، وتَدرَّعْ للرَّزايا جِلْبابًا، فَلأظْهِرَنَّ عليكَ مِنْكَ (٨)، وتكُونُ كَالبَاحِث عن حَتْفِهِ بظلفِهِ، وما ذلكَ على اللهِ بعزِيز، فكُنْ لأمْرنا بالمرْصَادِ (٩)، واقْرَأْ أوَّلَ النَّحْلِ وآخرَ صاد" (١٠). "قال النَّجْمُ ابنُ إسْرائيلَ: أخْبَرَنِي المنتَجَبُ بنُ دَفْتَرخوَان، قال: أرْسَلنِي صَلاحُ الدِّين إلى سِنَانٍ حينَ قَفَزُوا (١١) على صَلاحَ الدِّين المَرَّة الثَّالثَةِ، ومعي القُطْب النَّيْسَابوْريُّ، يُهَدِّدُهُ، فكَتَبَ على طُرَّةِ كِتَابهِ (١٢): جاءَ الغُرابُ إلى البَازِي يُهدِّدُهُ

стр. 6141

=== وذَكَرَ الأبياتَ، وقال: هذا جَوابُهُ، إنَّ صاحِبَكَ يَحكمُ على ظاهِرِ جُندِهِ، وأنا أَحْكمُ على باطِنِ (١) جُنْدِيّ، وسَتَرَى دَليلَهُ (٢)، فدَعا عَشْرَة من صِبْيانِ القاعَةِ (٣)، فألقَى سِكِّينًا في الخندَقِ (٤)، وقال: مَنْ أرادَ هذهِ فليقَعْ خَلْفَها (٥)، فتَبَادَرُوا جَمِيْعًا خَلْفَها وَثْبًا، فتَقطَّعُوا، فَعُدْنا (٦)، فصالَحَهُ صَلاحُ الدِّين" (٧). "قال كَمَال الدِّين ابن العَدِيْم: أَنْشَدني بَهاء الدِّينِ الحَسَن بن إِبْرَاهِيم بن الخَشَّاب، قال: أَنْشَدني شَيْخ من الإسْمَاعِيْليَّة، قال: أَنْشَدني سِنَان لنَفْسهِ: [من السَّرِيع] مَا أكْثَر النَّاسَ وما أقَلَّهم … وَمَا أقلّ فِي القَلِيل النُجَبا ليَتَهمُ إِذْ لَم يَكُونُوا خُلِقوا … مُهذَّبِين صَحبوا مُهَذَّبا" (٨). شُرَيْك بن مَالِك "وشُرَيْكٌ: جَدٌّ لمُسَدَّدَ بن مُسَرهَدِ بن مُسَربَل بن أرَنْدَلِ بن سرَنْدَلِ بن عَرَنْدَلِ بن المُسْتورِدِ، وهَكَذا نَسَبَهُ ابنُ دُرَيْدٍ والمُسْتَغْفِرِيّ والسِّلَفِي فِي سَفِينَتِه نَقْلًا عن ابن الجَوَّانِيّ النَّسَّابَةِ وابن العَدِيمِ في تاريخ حَلَبَ" (٩).

стр. 6142

=== شَيبان بن تَغْلب بن حَيْدَرَة بن سَيْف بن طرَّاد بن عَقِيْل بن وَثَّاب بن شَيْبان، أبو عَبْد الله الشَّيْبانيّ "أَنْشَدني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الفَقِيه الحَنَفِيّ، أدَامَ اللهُ سَعادَته، بحَلَب المَحْرُوسَة، قال: أَنْشَدني شَيْبان بن تَغْلِب لنَفْسهِ بدِمَشْق سَنَة ثلاثٍ وسُتّمِائة: [من البسيط] مَن ذا يُخلِّصني من شَادنٍ غَنِجٍ … يمُيتُ قَلْبِي أحْيانًا ويُحييه؟ حُلوُ الشَّمائِلِ لا أبغِي بهِ بَدلًا … ولا أطيعُ عذولًا لامني فيه من كان مُقتبسًا نارًا فَوَجْنَتُهُ … أو كان مُلْتَمِسًا درًّا فمن فيه دعا فُؤِادي فلبَّاه لشقْوَتهِ … لأنَّه ما رأى شَيئًا يُضاهيه فَحُسْنُ صَبْريَ فانٍ من تَذْكُّره … وحُسْنُه دائمٌ لا شَيء يُفنيه أموتُ ممَّا تُلاقي مُهْجَتي كَمَدًا … لا أسْتَطيعُ من الوَاشِين أُبديه" (١). طَاهِر بن نَصْر الله بن جَهْبَل بن نُصَيْر "وقد رَأيْتُ بخَطِّ أبي المَعالِي بن عَشائِر (٢) ما مُلَخَّصهُ: طَاهِر بن نَصْر الله بن جَهْبَل بن نُصَيْر بن خَبَّاب بن نُصَيْر بن عَمْرو بن عِصْمَة ابن هُرَيْرَة بن قُرَيْط بن عَبْد الله بن أبي بَكْر عُبَيْد بن كِلَاب بن رَبِيْعة بن عَامِر بن صَعْصَعَة بن مُعاوِيَة بن بَكْر بن هَوازِن أبو مُحَمَّد الحَلَبيِّ المَعْرُوف بالمَجْد؛ كان من

стр. 6143

=== كِبار الفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة بحَلَب، كان عندَهُ دِيانة، وَلِيَ التَّدْرِيسَ بالزَّجَّاجِيَّة، واتَّصَلَ إلى قُطب الدِّين النَّيسَابُورِيّ. وفُوِّض إليهِ تَدْرِبس النُّورِيَّة المَعْرُوفة بالنَّفَّرِيّ (١)، فدَرَّس بها إلى أن جَرَت لَهُ حالة مع النَّائِبِ في القَضَاء بحَلَب أبي البَرَكات مُحَمَّد ابن مَنْصُور الشَّهْرَزُوريّ أوْجَبَت ضِيْق صَدْره، فسَار من حَلَب، وأقام بالقُدْسِ ووَلِيَ التَّدْرِيسَ بها بالمَدْرسَة النَّاصِريَّة. وكان سَمِعَ الحَدِيث بحَلَب من كَمَال الدِّين عُمَر بن حَمُّوَيْه وأبي بَكْر الحَنْبَليّ. وكان سَبَب رَحِيله من حَلَب أنَّ الضِّيَاء ابن الشَّهْرَزُوريّ رُجِمَت دَاره أيَّامًا فاتَّهَمَ بذلك صَدْر الدِّين أبا الفَتْح ابن مَجْد الدِّين طَاهِر، وشَكَا إلى السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر تَكَرُّرَ ذلك منه، فاسْتَدعاهُ السُّلْطانُ لَيْلةً من اللَّيَالي إلى القَلْعَة، فصَعِدَ فالْتَقاهُ حُسَام الدِّين مَحْمُود شحْنَة حَلَب، فأجْلَسه في دِهْليز القَلْعَة إلى أنْ مَضَى الرُّبْع من اللَّيْل، فصَعِدَت رُقْعة من الضِّيَاء ابن الشَّهْرَزُوريّ يَشْكُو فيها صَدْر الدِّين، ويقُول بأنَّنا في هذه السَّاعَة رُجِمْنا، فاسْتَدعى السُّلْطان حُسَام الدِّين الشّحْنَة، وطَلَب منه إحْضَار الصور (٢)، فقال: يا مَوْلايّ، واللهِ إِنَّهُ قاعِدٌ عندي من أوَّل اللَّيْلِ، فأمَرَ بإنْزَاله إلى منْزل أبيه. فقال له أبوه: يا بُنَيّ، ما بَقي يُمْكننا القُعُود بحَلَب، فأصْبحا وسافَرَا. ثُمّ بَدَا له في الطَّريْق فرَدَّ ابْنه ليأتيه بأهْله وما يَحْتاج إليهِ. وكان قد آذاه عُمَر ابن العَجَمِيّ، وطَلَب مُشارَكَته في الزَّجَّاجِيَّة، فجاءَ إليَّ، وقال: نَخْرُج إلِى الشَّيْخِ عليّ الفَاسِيِّ، فخرَجْتُ معه، فذَكَر عامَله عُمَر ابنِ العَجَمِيّ، وقال: إنَّه قد رشَا جَماعة، وأنَّه اسْتَعان عليَّ بذلك، وأنا أسْتَعِين عليه برَفْع الأيْدي في الأَسْحَارِ.

стр. 6144

=== وكَتَبَ الدَّوْلَعِيُّ إلى النَّاصِر صَلاح الدِّين بسَبَب الكمال عُمَر ابن العَجَمِيّ شَفاعةً يَذْكُر فيها حال الزَّجَّاجِيّة، وأنَّ المَجْد ابن جَهْبَل هو ابن بنْت جَدِّ الكَمال ابن العَجَمِيّ، وعنهُ تَلقَّى تَدْرِيس المَدْرسَة، وأنّ من جُمْلة ما دَرَّس بها: الحافِظ المُرَادِيّ؛ شَيْخ الدَّوْلَعِيِّ، وأقامَ بها إلى أنْ مات. قال: وكان قَبْل المُرَادِيّ بها شَيْخ مُتَصَوِّف يُدْعَى: الظَّهِير، وكان قبْلَ الظَّهيْر الإمام عَبْد الله القَصْريّ؛ وكان ممَّن صَحِبَ الغَزالِيَّ وإلْكِيا وأسْعَد. قال الدَّوْلَعِيُّ: وبعد مَوْت شَيْخنا المُرَادِيّ، اسْتَدعى السُّلْطان نُور الدِّين لشَيْخنا شَرَف الدِّين مَكَانَه -يَعْني ابن أبي عُصْرُون- وابْتَنَى له المَدْرسَة الَّتي هي الآن تحت يَد وَلده، ووَصَلَ إلى حَلَب وما كَملت، فاسْتعاد له مَدْرسَة جَدّ هذا الكَمال ابن العَجَمِيّ، وكان جَدُّه إذ ذاك مُجَاوِرًا بَيْت الله الحَرَام، فقَدِمَ، ومَنَعَ شَرَف الدِّين عن مَدْرسَته، ومَنَعهُ دُخولها، والأخْذ من وَقْفها بعدما سَئل أنْ يَصْبِر عليه حتَّى تَنْجز مَدْرسَته فما فَعَل. وما اعْتَرَض نُور الدِّين ولا مَجْد الدِّين بل مَكَّنَاهُ من أمْر مَدْرسَته، واسْتَناب لها فَقِيْهًا يُقال له: البُرهَان. فلمَّا دَرَجَ بالوَفاةِ، اسْتنابُوا هذا المَجْد بن جَهْبَل وَلدهم. ولمَّا تُوفِّي جَدُّ الكمال ابن العَجَمِيّ، عَهد قَبْلَ وَفاته إلى وَلده أبي صالِح شِهَاب الدِّين بالعَهْدِ الشَّرْعيّ والإسْناد الشَّرْعِيّ، وكان جَارِيًا في المَدْرسَة ومالها والمُدَرِّس على قاعِدة وَالده من غير مُعارِض إلى أنْ حَضرَته الوَفاةُ، فعُهِدَ إلى ابن عَمِّه القُطْب، فجرَى فيها على سَنّنِ ابن عَمِّه. ومن العَجَب أنْ يَذْكر الغَيْر أنَّ الوَقْف عليها من وَقْفِ أتَابك وجَدّ هذا الكَمال على أكْمَل سَعادة عمَّر هذه المَدْرسَة قَبْل أنْ يَلِي أتابك حَلَب بدَهْرٍ،

стр. 6145

=== وجَرَت بسَبَب ذلك شَدَائد، وأُخِذَ منه مُصادَرة من أجْلِها مَرَّتينِ بسَعي الوُشَاة خَمْسة وعِشْرين ألف دِيْنار على ما حَكَاهُ للخادِم مَن هو عنده صَدُوق، وكان وَحِيدًا في حَلَب، مِع شِدَّة شَوْكتهم في ذلك الوَقْت وتَمكّنهم من الدُّوِل، وأحْرَقُوا عِمارة المَدْرسَة مرَّتين إلى أنْ مَلَك أتابك حَلَب، فاسْتَعانَ عليهم بأنْ تَوصَّلَ إلى أن أَذِنَ له أنْ ينقل قَسِيم الدَّوْلَة آقسُنقُر إلى مَدْرسَته كفًّا لأَيْدي الحَلَبِيِّين، واسْتِظهارًا عليهمِ، فأذِنَ لهُ في ذلك؛ لأنَّ أتابَك نَقَل أباهُ إليها، وبَناها، ووَقَفَ عليها. وفَحْوى الشَّفاعة: طَلَب النَّظَر في هذه المَدْرسَة للكَمال عُمَر ابن العَجَمِيّ، وليسَ فيها تَصريح ولا تلْويح بطَلَبِ التّدْرِيس له. انْتَهَى. وهذه المُكاتَبَة الَّتي كَتَبَها الدَّوْلَعِيِّ، قال ابنُ عَشائِر: أخْرَجها إليَّ بعضُ أحْفَادِ كَمال الدِّين عُمَر المَذْكُور فنَقَلْتُ منها هذا، واللهُ تعالَى أعْلَمُ. انْتَهَى ما رَأيتُه بخَطِّ أبي المَعالِي عُمَر بن عَشائِر في بَعْضِ مَجامِيْعه ومُخْتارَاته من تاريخ الصَّاحِب كَمال الدِّين ابن العَدِيْم" (١). عَالِي بن إبْرَاهيم بن إسْماعِيْل الغَزْنَويُّ البَلَقِيُّ "وأوَّل مَن دَرَّس بها (أي: المَدْرسَة الحدَّاديَّة) الفَقيه الإمام الحُسَين بن مُحَمَّد بن أسعَد بن حَلِيم المنعُوت المنُجِّم وكان فَقِيْهًا عالِمًا مُتأدَّبًا، ولَم يَزَل بها إلى أنْ اسْتَدْعاهُ نُورٍ الدِّين إلى دمَشْق، ووَلِيَ مَكانه عَالِي بن إبْرَاهيم بن إسْماعِيْل الغَزْنَويّ البَلَقِيّ، ولم يَزَل بها إلى أَنْ تُوفِّي إمَّا في سَنَة إحْدَى أو اثْنَتَين وثَمانين وخَمْسِمائة. وقال مُقَرّب الدِّين أبو حَفْص عُمَر بن قُشَام: تُوفِّي عالِي سَنَة خَمْسٍ وثَمانين وخَمْسِمائة.

стр. 6146

=== وهذان القَوْلان حَكَاهُما كَمال الدِّين بن العَدِيْم في تارِيْخِهِ" (١). عَبْد البَاقي بنُ مُحَمَّد بن عليّ بن إسْماعِيْل بن عَبْد البَاقي بن مُحَمَّد بن أبي يَعْلَى بن عبدِ اللهِ بن الخلَيْل بن إبْرَاهيم الوَزير، أبو المُظَفَّر بن أبي جَعْفَر، البَغْدَاديُّ أصْلًا، المَوْصِليُّ المَوْلد والمَنْشأ " حَدَّثَني القاضِي الإمام أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيّ، أبْقَاهُ اللّهُ تعالَى، قال: وصَلَ أبو المُظَفَّر عَبْد البَاقي بن مُحَمَّد بن أبي يَعْلَى من المَوْصِل إلى حَلَب في سَنَة إحْدَى وسِتِّمائة، وخَدَمَ المَلِك الظَّاهِر غازِي بن يُوسُف بن أيُّوب، رَحِمَهُ اللّهُ تَعالَى، مُسْتَوفيًا في الدّيوان، وكانَ ابن أبي يَعْلَى يَتوصّل إلى المَلِك الظَّاهِر؛ يَجْمع الأمْوَال، ويَظْلم له النَّاس، ويَفْتح له أبْوابًا يَحْمله على التَّعَدِّي على الرَّعِيَّة، ارْتَفعَ مَكانهُ عندَهُ، وعَظُمَ مَحلّه، إلى أنْ تَفَرَّد بأمْرِ الدِّيْوان، وكانَ الوَزِيْرِ نظام الدّين مُحَمَّد بن الحُسَين صاحِب سِرِّ المَلِك الظَّاهِر والمُتَمكِّن عنده، وكان يُحَسِّن للمَلِك خِلاف ذلك من الإحْسَان إلى الرَّعِيَّة، وكَفِّ أَيْدِي الظَّلَمَة، واحْتِرام الأكابِر، فاتَّفق مَوته، فقَوِي أمْرُ ابن أبي يَعْلَى بعده، ونفى شَرَف الدِّين ابن الحُصَيْن مُتَولِّي ديْوان الإنْشْاء، وصَارَ بين ابن أبي يَعْلَى وبينَهُ عَدَاوَةٌ بن الباطِن إلى أنْ ماتَ ابن الحُصَين، فاسْتَفحلَ أمْرُ ابن أبي يَعْلَى، وعَظُمَ شَأنه، واسْتَقلَّ بالأمُور كُلّها، ونَظَرَ في جَمِيع أعْمال الدَّوْلَة، وأضافَ المَلِك الظَّاهِر إليهِ دِيْوان الإنْشاء، ولَم يَزَلْ كَذلك إلى أنْ مَرِضَ المَلِك الظَّاهِر، مَرَضَ مَوْته، وأوْصَى بالمَلِك بعده لوَلدهِ المَلِك العَزِيْز مُحَمَّد ثُمّ بَعدُه للِمَلِك الصَّالح، وأنْ يكُون الوَزِيْر ابن أبي يَعْلَى على ما هو عليه، في خِدْمةِ وَلده المَلِك العَزِيزِ، واسْتَوثَق ابن أبي يَعْلَى من الأُمَرَاء بالأيْمان على ذلك، وحَدَّثته نَفْسهُ بأَشْياء انْعَكَست عليه بعد ذلك.

стр. 6147

=== كان المَلِك الظَّاهِر لمَّا مات جَعَلَ ابن أبي يَعْلَى يُظْهر التِّيه العَظِيم الزّائد والجَبَرُوت، ويأخُذ نَفْسه بأُمور المُلْك، ويُكَلِّم الأُمَرَاء بكَلَمٍ خَشِنٍ؛ إنَّ أتابكَ طُغْرِل، سَرَّ إليهِ في أمْرٍ؛ فقال: وهو أيْش هو خازن وليس له كلام في أمْر الدَّوْلة؟ وقال للأمِيْر سَيْف الدِّين بن أبي قِلِيْج في كَلامٍ جَرَى بينهما في تَدْبِير أمْر المُلْك: أيش هذه الصِّبيانيَّة؟ حتَّى هَمّ به الأُمَرَاء. وكان يَمْضِي ويَجْلِس في دار العَدْل، مَكَان السُّلْطان، ويقُول: اطْلبُوا الحَاكِم؛ يَعْني: القاضِي بَهاء الدِّين يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم قاضِي القُضَاة، وَيَكْتُب لهُ في التَّواقِيع، وكَتَبَ بالإشارة المَوْلويَّة الصَّاحِبيَّة الوَزِيْرِيَّة، وبرسَالة الأمِيْر شِهَاب الدِّين طُغْرِل إلى غير ذلك، فاخْتَلَّ أمْره عند ذلك، وأجْمعَ رأي القاضِي الصَّاحِب قاضي القُضَاة وجَماعَة الأُمَرَاء على تَوْليَة الأتابك شِهَاب الدِّين أتابكيَّة المَلِك العَزِيْز، فولِيَ له جَميع أُمُور الدَّوْلَة والحُكْم فيها، وفي القَلْعَة والخَزائِن والمَدِيْنة. وأحْضَرَ إليهِ نُوَّاب الإنْشاء والجَيْش والحُجَّاب، وأمَرَ ونَهَىَ، فأجْمَعَ رأيهُ مع الصَّاحِب قاضي القُضَاة والأُمَرَاء على عَزلِ ابن أبي يَعْلَى، فعُزِل بعد مَوت السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر بعِشْرين يَوْمًا، ولَزِمَ بَيْتِه ثُمّ مَرِضَ، وأقامَ لشَهْرًا في مَرِض الدَّاسنْطَاريا، وعُوفي من المَرَض، فتقدّم إليهِ بالخرُوج من حَلَب؛ فباعَ كُتبهِ، وهيّأ أسْبابه، وسارَ عن حَلَب في يَوْم السَّبْت حَادِي عَشر شَوَّال من سَنَة ثلاث عَشرة وستِمِائة. وسارَ منها حتَّى مرَّ منها على حَرَّان، وأرادَ المقام بها، والتَّعرُّض بخِدْمةِ المَلِك الأشْرَف، فلم يَلْتَفت إليهِ، ومَنَعهُ من الدُّخول عليه. وحَكَى لي المَلِكُ الأشْرَف أنَّه سَيَّرَ إليهِ يَطْلب خِدْمته؛ قال: فتَقدَّمتُ بأنْ ليسَ له في بلادِي شُغْل، ولا له عندي مَقام، وتقدَّمْتُ بإخْراجِه، وكُنْتُ قد

стр. 6148

=== اجْتَمَعْتُ به على الطّور في خِدْمةِ المَلِك العَادِل والدِي، وقد سَيَّرهُ السُّلطانُ المَلِك الظَّاهِر، فرَأَيْتُ منه حَماقةً عَظِيمةً فأبْغَضتُهُ، وانضمَّ إلى ذلك ما بَلَغَني عنه من تَعَسُّفهِ وما اعْتَمدهُ بعد مَوْتِ السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر، فمَنَعتُه من المقام في بلادي. ثمّ إنَّ ابن أبي يَعْلَى سارَ [إلى] إربِل، فألْزَمه صَاحِبُها المَلِك المُعَظَّم مُظَفَّر الدِّين كوكبُوري بن عليّ بن بكتكِيْن، رَحِمَهُ اللّهُ تَعالَى، وأنْزَله عنده، ولكنَّه لَم يَسْتَخدمه، وبَقِي في إرْبِل مدَة أشْهُر. ثمّ كاتب مَلِكَ الشَّمَال كَيْكَاوُس، ورَغِبَ في الوصولِ إليهِ، فسارَ من إرْبِل، وتوجَّه إلى بَلَد الشَّمَال، واجْتَمعَ بعزِّ الدّين كَيْكَاوُس، ثُمّ إنَّه مَرِضَ، وحَكى لي بعضُ أصابه: أنَّ كَيْكاوُس نزلَ إليهِ وعادَهُ في مَرضَه، ثُمّ إنّه فارق كَيْكَاوُس وانْفَصَل عنه، فتُوفِّي في قَرْيَة من قُرَى بلاد الرُّوم. وكان ابن أبي يَعْلَى سَيّئ المُؤاخَذة لِكُلِّ أحَدٍ، قليلَ الصَّفْح عمَّن جَنَى، يُقابِلُ أقلّ النَّاس على فِعْله. وكانَ بِحَلَب إنْسَانٌ ظَريفٌ من ظُرَفاء المِصْريِّين، يُقال له أبو عَبْد اللّه المِصْريّ الصوفِيّ، وكان له اجْتَماعٌ بالشَّرَف ابن الحُصَيْن ويُعرِّض بمَثالبِه، فبَلَغه ذلك عنه، فأسرَّهُ في نَفْسه إلى أنْ مات ابن الحُصَيْن، فقَطَع مَعْلومه [من] الخَانقاه، وبَقِي هذا المِصْريّ كَذلك، إلى أنْ جَرَى لابن أبي يَعْلَى ما جَرَى من خُرُوجهِ منِ حَلَب، فخَرَجَ أبو عَبْد اللّه المِصْريّ، إلى ظَاهِر باب العِرَاق، ووقَف له حتَّى خَرجَ سائرًا من حَلَب، فتَقدَّمَ إليهِ وخَدمه وقال له: في أمَان اللّه، فجَرَى على ابن أبي يَعْلَى من ذلك شيء عَظِيم" (١).

стр. 6149

=== عَبْد الحَكَم بن أبي إسْحَاق بن العِرَاقيّ " وَجَدْتُ ذِكْرهُ في تَقْييدٍ بخَطِّ الصَّاحِب كَمَال الدِّينِ بن أبي جَرَادَة: وهو رَجُلٌ فَاضِلٌ، شَاعِرٌ حَسَن الشِّعْر، قَدِمَ حَلَب في أيَّام المَلِك الظَّاهِر، وأنْشَد له بَيْتَين عَملهما في قَلْعَةِ حَلَب، وقد شاهَد شَخْصًا رَمَى بقَوْس سَهْمًا فوَقَع في كبْد رَجُل، فقَتَله: [من البسيط] أَخْرَجْتَ من كَبد القَوْسِ ابِنَها فغَدَتْ … تَئِنُّ والأمُّ قد تَحْنو على الوَلدِ وما دَرت أَنَّهُ لما رمَيتَ بهِ … ما سَار من كَبِدٍ إلَّا إلى كَبدِ وأنْشَد له: [من الكامل] قامَتْ تُطَالبني بلُؤْلُؤ نَحْرِها … لما رأتْ عَيْني تَجُود بدُرِّها وتَبسَّمتْ عجبًا فقُلْتُ لصَاحِبِي … هذا الَّذي ابْتسمتْ به في ثَغْرها وكَتَبَ إلى الصَّاحِب عَبْد اللّه بن عليّ بن شُكْر وكان قد صُرفَ عن الخَطابَة: [من الخفيف] مِتُّ جُوعًا وأنْتَ حَيٌّ كَرِيمُ … وبَلاءٌ كَما عَلِمتَ عَظِيمُ ودُيونٌ جلَّتْ عليَّ مع الفَقْر … وهذا هو العَذَاب الألِيْم وكَتَبَ تَحتها: وقد عَزَّ الأمْرُ وضَاق الخِنَاق، وجاءَت من الفَقْر أمُور لا تُطَاق: [من الكامل] فلأيِّ بابٍ غير بَابك أرْجعُ … وبأيِّ جُودٍ غير جُودك أَطْمَعُ سُدَّتْ علَيَّ مَسَالِكي ومَذَاهِبي … إِلَّا إليْكَ فدُلَّنِي ما أصْنَعُ

стр. 6150

=== فكأنَّما الأبْوَاب بابك وَحْده … وكأنَّما أنْتَ الخلَيْقَة أجْمَعُ وبَقِي بعد هذه الرُّقْعَة أرْبَعة أشْهُر ومات" (١). عَبْد الخالِق بن أنْجَب بن المُعَمَّر بن الحَسَن بن عَبْد الله بن عَبْد العَزِيْز بن مُحَمَّد بن القَاسِم بن روحنا الماردِينِيّ النَّشْتبريّ، ضِياء الدِّين " ذَكَرَهُ أبو القَاسِم ابن العَدِيْم في تاريخ حَلَب، فقال في حَقِّهِ: الفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ المَعرُوف بالحَافِظ، فقيهٌ فَاضِلٌ، له مَعْرِفة بالفِقْه والحَدِيث واللُّغَة. وقد اجْتَمَعْتُ به في رَبْضِها، وسَمِعْتُ منه شَيئًا من الحَدِيث، وذَكَرَ لي أنَّهُ قَدِمَ إلى حَلَب في رِسَالة، ووَجَدتُه مُتَطلِّبًا إلى المقام بها. وأوْقَفَني على إِجازَةٍ ادَّعَى أنَّ اسْمُه فيها، وفيها خَطّ وَجِيه بن طَاهِر وأبي مَنصُور الجَوالِيْقِيّ وغيرهما من أهْل عَصْرهما، فوَجَدْتُها مُزَوَّرة، وقد قَطَع الوِجْهَة الأوْلَى وغيرها، وكَتَبَ اسْمُه فيها، وأرادَ أنْ يَحْكِى خَطَّ الاسْتْدعاء، وقد بَقِى منه أسْطُر في الوِجْهَة المُقابِلَة للأوْلَى، فما حَاكاهُ، فأعادَ على خَطِّه وعلى الخَطِّ الَّذي يَلِيه فيما بَقي من الاسْتِدعاء ليُشْبِه الخَطَّ الأوَّل الثَّاني، فلَم يَشْتَبه علَيَّ، وظَهَرَ لي التَّباين من الخَطَّين، وكان سَماعه صَحِيحًا لكنَّه أفْسَدَ نَفْسه بشَرَهِه هذا. قال لي إبْرَاهيم بن أبي عِيْسَى: العَجَبُ من الحافِظ ابن أنْجَب في كَوْنهِ يَزْعم أنَّ عُمره مائة وعَشر سِنين، وهو من أقْرَاني، وكُنَّا نَتَعَاشَر ونحنُ لَم نبْلغُ الحُلْم، وأنا ما بَلَغتُ الثَّمَانين إلى الآن! فمن أين جاءَهُ زِيادة ثلاثين سَنَة؟ " (٢).

стр. 6151

=== عَبْدُ خَيْرٍ الحِمْيَرِيُّ " قَرأت فِي تَارِيخ حَلَب لابن العَدِيْم مَا نَصُّه: وهو من بَنِي طَيِّئ، ومن وَلَده عامِرُ بن هاشِم بن مَسعود بن عَبد اللّه بن عَبْدِ خَيْر، حَدَّث عن مُحَمَّد بن عُثمان بن ذِي ظَلِيم، عن أيه، عن جَدِّه قِصَّةَ إسْلام جَدِّه عَبْدِ خَيْر، فراجِعْه" (١). عَبْدُ الرَّحمن بن الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن بن عليّ بن الحُسَين بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عِيْسَى بن مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه بن دِيْنار بن شَيْلَةَ بن شَيْلَمَةَ بن فَذْهُرْمُزَ بن آه بن آوَه بن أشُكَ بن شُكْرُكَ بن زاذَانَ فَرُّوخ بن بَيْغانَ بن زَاذانَ فَرُّوخَ الأَكبر، وَزِيْر الحَجَّاج بن يُوسُف، المَعْرُوف بابن بُصْلا البَنْدَنِيجيّ " قال القاضِي أبو القَاسِم الحَنَفِيّ: شَيْخٌ حَسَنٌ صالِح، وَقُورٌ فَاضِل، من شُيُوخِ الصُّوفِيَّة، قَدِمَ علينا حَلَب في صُحبَةِ شَيخنا عُمَر بن مُحَمَّد السُّهْرَورْديّ، وسَيَّرهُ رَسُولًا إلى مَلِك الرُّوم، ثُمّ قَدِمَ مَرَّةً أُخْرَى في سَنَة ثَمانِي عَشرة وسِتِّمائة، وسَمِعنا منه الجُزء الثَّانِي والرَّابع من أمَالِي المَحَامِليّ بسَماعِهِ من أبي بَكْر أحْمَد بن المُقْرِئ أبي الحُسَين بن الحَسَن الكَرْخِيّ، وأبي القَاسِم يَحْيَى بن ثابِت بن بُنْدَار البَقَّال" (٢).

стр. 6152

=== عَبْد الرَّحيْم بنُ النَّفِيس بن هِبَة اللّه بن وَهْبان بن رُومِيّ بن سَلْمَان بن مُحَمَّد بن سَلْمَان بن صَالِح بن مُحَمَّد بن وَهْبان، أبو نَصْر بن أبي جَعْفَر البُزُوريُّ السُّلَمِيُّ الحَدِيثيُّ " حَدَّثَني القاضِي الإمام أبو القَاسِم عُمَر بن أبي الحَسَن (١) العُقَيْليُّ، قال: خَرَجْتُ يَوْمًا من سَماع الحَدِيث على شَيْخِنا أبي هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِمِيّ الحَلَبِيّ، ومعي أبو نَصر عَبْد الرحيْم بن وَهْبان، فناوَلَني في الطَّريْق رُقْعة بخَطِّهِ من شِعْرِهِ في فَضْل أصْحاب الحَدِيث، فتَأمَّلتُها فإذا فيها، وكَتَبتُها من خَطِّهِ: [من الكامل] عِلْمُ الحَدِيث أجَلُّ عِلْم يُذْكُر … ولَهُ خَصائصُ فَضْلُها لا يُنكَرُ رُكِنٌ منَ أرْكانِ الشَّرِيعةِ مُوثَقٌ … وبنصِّه آيُ الكتاب يُفَسَّرُ وهُوَ الطَّريقُ إِلى الهُدَى وضِياؤهُ … لِظَلام إشْكَال الأُمورِ مُنَوِّرُ وهُوَ الذَّرِيعَةُ في مَعالِمِ دِيْننا … وبهِ الفَقيهُ اللَّوْذَعِيّ يُعَبِّرُ لولاهُ لم يُعْرَفْ لِقَومٍ سيرَةٌ … فَلسَانُه عن كُلِّ قَرْنٍ يُخبِرُ ورِجَالُه أهْلُ الزَّهادَةِ والتُّقَى … وهُمُ بِتَحْقِيق المَناقِبِ أجْدَرُ وقَفُوا نُفُوسَهُمُ عليه فَجدُّهُمْ … لا يَنْثَنِي ودَؤوبُهُم لا يَفْتُرُ يَنْفُونَ عنهُ إفْكَ كُلّ مُعانِدٍ … بدَلائل مُتَلألئَات تُزْهِرُ ويَقونَه شُبَهَ الشُّكُوك بجَهْدِهِم … فيَظَلُّ بَعْدَ الشَّكِّ وهوَ مُشَهَّرُ ويُمَيِّزونَ صَحيحَهُ وسَقيمَهُ … بمَقالة تبْيَانَها لا يَقْصُرُ للّهِ دَرُّهُم رِجالًا ما لَهُمْ … في هذه الدُّنْيا مغان تُعْمَرُ في اللّهِ مَحْيَاهمْ وفيهِ مَماتُهُمْ … وهُمُ على كَلَفِ المشَّقَّة صُبَّرُ

стр. 6153

=== قَنَعُوِا بمُجْرَى قُوتِهِمْ من دارِهِمْ … وَرَضُوا بأطْمار رِثاث تَسْتُرُ مَا ضرَّهم ما فاتَ مِن دُنْيَاهُمُ … فَلَذِيذُ عَيْشِهِمُ الهَنِيُّ مؤخَّرُ" (١). عَبْد الرَّحيْمِ بن عليّ بن إسْحَاق بن شِيْث بن مُحَمَّد بن إبْرَاهيم بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن مُحمَّد الحَمَّار، أبو القَاسِم بن أبي الحَسَن الكَاتِب الصَّعِيديّ المِصْرِيّ القُرَشِيّ " حَدَّثَني القاضِي أبو القَاسِم، أدَامَ اللّهُ سَعادَته، قال: كان يَكْتب بين يَدي القاضِي الفَاضِل، وقَدِمَ علينا مَدِيْنَةَ حَلَب في صَفَر من سَنَة ثلاث عَشرة وستِّمائة في دَوْلَةِ المَلِك الظَّاهِر، فأنْزَلَه، وأكْرَمه، وعَرَضَ عليه الإقامة بحَلَب ليَسْتخدمه، ورشَّحه لوِزَارتهِ، فأقامَ مدَّةً، ولم يَتَهَيَّأْ له ما أراد، فتَجهَّز للرَّحِيل عن حَلَب، فصَدَّهُ المَلِكُ الظَّاهِر، ووعَدَهُ بوعودٍ كَثيرة، وطالَت إقامته بحَلَب، وكان مُتَشوِّقًا إلى التَّوجُّهِ إلى المَلِك الأشْرَف مُوسَى ابن المَلِك العَادِل، وقد كان بينَهُ وبينه معْرِفةٌ أكِيْدة، وخِدْمةُ سَالفة، حين كان المَلِك الأشْرَف بالبَيْت المُقَدَّس، فتَوجَّه إليهِ، فلم يَحْظَ عندَهُ بما يُرِيد، فأقامَ مُدَّةً، ثُمّ عاد، واجْتازَ بحَلَب بعد مَوْتِ المَلِك الظَّاهِر، وتَوجَّه إلى حَمَاة، فأقامَ بها مُدَّةً في ضِيافَةِ المَلِك المَنْصُور مُحَمَّد بن عُمَر، ثُمّ سارَ عن حَمَاة إلى دِمَشْق، وعادَ إلى خِدْمةِ المَلِك المُعَظَّم عِيْسَى ابن المَلِك العَادِل أبي بَكْر بها. وكُنْتُ اجْتَمَعْتُ به بالبَيْتِ المُقَدَّسِ في سَنَةِ تِسْعٍ وستِّمائة، وهو إذ ذاكَ يَتَولى الدِّيوان بها، فأنْشَدنِي شَيئًا من نَظْمهِ، ووهَبَنِي كتَابًا من تَأْلِيفه، قَرأته عليه، وأنْشَدنِي بِحَلَب أقطاعًا كثِيْرة من شِعْرِهِ، وكان حَسَنَ النَّظْم والنَّثْر، بَلِيغًا في

стр. 6154

=== الكتابة، وسَألتُهُ عن مَوْلِدهِ، فقال: في مُحَرَّم سَنَة ثلاثٍ وسِتِّين وخَمْسِمائة، وكان قد تَرَشَّح قَبْلَ مَوتهِ بأيَّام لوِزَارَة المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين دَاوُد ابن المَلِك المُعَظَّم ابن أبي بَكْر بن أيُّوب" (١). عَبْد الرَّحيْم بن عليّ بن الحَسَن بن الحَسَن بن أحْمَد بن المُفَرِّج بن أحْمَد، القاضِي الفَاضِل مُحْيى الدِّين أبو عليّ ابن القاضِي الأشْرَف أبي الحَسَن اللَّخْمِيّ البَيْسَانِيّ الأصْل، العَسْقَلَانِيّ المَوْلد، المِصْريّ الدَّار " قال الصَّاحِبُ كَمَال الدِّين بن العَدِيْم: وقال لي القاضِي بَهاء الدِّين بن شَدّاد، قَاضِي حَلَب: دَخَلتُ على القَاضِي الفَاضِل أوَّل دُخُولي عليهِ دَاره ومعي العِمَاد الكاتب، فلمَّا خَرَجنا قال لي العِمَاد: كيفَ رَأيْت القاضِي الفَاضِل؟ قُلْتُ: رَأيْتُ رَجُلًا قد أَتَاهُ اللّه أَرْبَعَة أَسبَاب: السَّعَادَة؛ وهي تَدْعُو النّاس إلى المَيْل إليهِ، والاشْتِمَال عليه، وأتاهُ اللّه العِلْمِ؛ فإنَّهُ كان عالِمًا مُطلِعًا على سَائِر الْعُلُوم، آخِذًا من كُلِّ نَوْع منها بأوْفَر سَهْم، لا يَجْتَمع بهِ صَاحب عِلْم إلَّا وَيَخُوض مَعَه في عِلْمِهِ، وذلك من أَسبَاب السَّعَادَة لأَنَّ النَّاس يَميلونَ إلى إرشادِ عِلْمِهِ. الثَّانِي: وهو كذلك، فإنَّهُ كان من أَكثر النَّاس وَرَعًا، وكان وَقْتُه لا يُخليه من تِلَاوَة قُرْآن أو التَّسْبِيح، وإنْ اتَّفق مَن يُكَلِّمهُ في حَاجَةٍ، كلَّمه ثُمَّ عَاد إلى ما كان عليه، وهذا أيضًا يَدْعو النَّاس إِليه، فإنَّهُم يمَيلونَ إلى ذِي الدِّيْن.

стр. 6155

=== والثَّالث: الجاه؛ وكان من أوْفَر النَّاس جَاهًا عند السُّلْطَان المَلِك النَّاصر، وأقْرَبهم مَنزلَةً، وكان أعْظَم النَّاس مَيْلًا إِليه. والرّابِع: المَال؛ وكان المَال جدًّا حتَّى أنَّ وَكيله ابن سَناء المُلْك قال: كان دَخْلُه في كُلِّ يَوْم خَمْسِين دِيْنَارًا. وقال الصَّاحِبُ كَمال الدِّين بن العَدِيْم: إِنَّه سَمِعَ عَبْد الرَّحيْم بن شِيْث بِالبيْتِ المُقَدَّس، وكان يَكْتب بين يَدي الفَاضِل، قال: كان النَّاس يَشكونَ من الفَاضِل قِلّة اهْتمامه بهم، وأنَّهُ لَا يُوفيهم رَدَّ السَّلَام إِذا لَقوه في طَرِيق. قال: ولم يكُن ذلك كِبْرًا مِنْهُ وإنَّما مَن يَرَى أنَّهُ لا يُضِيع وَقْتًا من أوْقاتهِ؛ إمَّا في مَصْلحَة أو في عبَادَة، فإذا رَكِب الدَّابَّة تَنَفَّلَ عليها، فيَمْضِي ويَمُرّ بِهِ الإنْسَان فَيُسَلِّم عليه فلا يَقْطَع صَلَاته، فهذا كان سَبَب إهْماله الاحْتِفال بالنَّاسِ في رَدِّ السَّلَام. قُلْتُ: لا تَفِي لَهُ صَلَاة النَّافِلَة بما يَحْصُل لَهُ من كَسْر قُلُوب مَن هو دُونه، أو أنَّه يُؤْثَم من هُو مثْله أو قَريب مِنْهُ، لأنَّهُ يَغْتابه أو أنَّهُ يَسُبَّه أو غير ذلك" (١). عَبْد الرَّحيْم بن نَصْرِ بن يُوسُف، الإمامُ الزَّاهِد المحدِّث، صَدْر الدِّين أبو مُحَمَّد البَعْلَبَكِيّ الشَّافِعِيّ، قاضي بَعْلَبَكّ " قال الصَّاحِبُ أبو القَاسِم بن العَدِيْم في تارِيْخِهِ: عَبْد الرَّحيْم بن نَصْر بن يُوسُف بن مُبارَك أبو مُحَمَّد الخَالِديّ البَعْلَبَكِيّ قاضي بَعْلَبَكّ، رَجُلٌ وَرِعٌ، فَقِيْهٌ. صَحِبَ الشَّيْخَ عَبْد اللّه اليُونِيْنِيّ، وتَخَرَّجَ بِهِ، وتَفَقّه. وسَمِعَ من شَيْخنا ابن رَوَاحَة، ومن غيره.

стр. 6156

=== وحَدَّثنا بحَدِيثٍ واحدٍ بمَنْزله ببَعْلَبَكّ، قال: أَخْبَرَنَا ابن رَوَاحة، قال: أَخْبَرَنَا السِّلَفيّ، فذَكَرَ ابنُ العديم حَدِيثًا. وقال الفَقِيه عَبْد المَلِك المَعَرِّيّ: ما رَأيْتُ قاضِيًا مُكَاشَفًا إلَّا القاضِي صَدْر الدِّين، وذَكَرَ حِكَايَة. وقال خَطِيْب زَمْلَكَا: تُوفِّي صَدْر الدِّين وهو فِي السَّجْدة الثَّانيَة مِن الرَّكعة الثَّالثة مِن الظُّهر، سَجَدها وكان يُصَلِّي بالمَدْرسَةِ إمامًا، فانْتَظَرهُ مَنْ خَلْفه أنْ يَرْفعَ رأسَهُ، ثُمَّ رَفَعوا رُؤوسهم وحَرَّكُوه فوجَدُوه قد مات؛ هكَذا ذَكَرَهُ ابنُ العَدِيْم" (١). عَبْد الصَّمَد بن زُهَيْر بن هَارُون بن مُوسَى بن عِيْسَى بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة " قال ابنُ العَدِيم: كان حَسَنَ النَّقْل والضَّبْطِ، جَيِّدَ الفَهْم والخَطِّ، قَيِّمًا بمَذْهبِ أبي حَنِيْفَة. ومَات سَنة اثْنَتَيْنِ وأرْبعمائَة بحَلَب" (٢). عَبْد العَزِيز بن مُحَمَّد بن عَبْد المُحْسِن بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن خَلَف، قاضي القُضَاة، وشَيْخ شُيُوخ حَمَاة، شَرَف الدِّين أبو مُحَمَّد الأنْصَارِيّ الأوْسِيّ، الدِّمَشْقيّ الشَّافِعِيّ المَعْرُوف بابن الرَّفَّاء " ذَكَرهُ الصَّاحِبُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن هِبَة اللّه (٣) بن أبي جَرَادَة في تارِيْخِهِ، قال: أصْلُهُ من كَفر طَاب، ووُلِدَ بدِمَشْق، وخَدمَ عند صَاحِب بَعْلَبَكّ،

стр. 6157

=== ثُمَّ وَلِيَ وِزَارَة المَلِك المُظَفَّر صاحِب حَمَاة إلى أنْ مات، ووَلِي الوِزَارَة لابْنِه وفوَّض إليهِ التَّدْبِير، وكان قبل وِزَارته بحَمَاة شَيْخ الشُّيُوخ بها، وهو من الفُضَلاء النُّبَلاء الرُّؤسَاء الفُقَهَاء، رَوَى الحَدِيث عن ابن كُلَيْب، وشَيْخنا ابن طَبَرْزَد. وله شِعْرٌ حَسَنٌ، أَنْشَدني منه عدَّة مَقَاطِيع، وأخْبَرني أنَّ أصْله من كَفر طَاب، وأنَّ أهْل كَفَرْ طَاب كانوا من تَنُوخ وبَهْز، وسَكَن عندَهم جَماعَةٌ من الأوْس، وكانوا يُكْرِمونهم إلى أنْ اتَّفَق هَجْمَة الرُّوم لكَفر طَاب. انْتَهَى كَلام ابن العَدِيْم باخْتِصار" (١). عبدَ العَزِيْز بنُ مُحَمَّد بن أبي الفَضَائِل بن أبي البَرَكات، أبو مُحَمَّد بنُ أبي المَعالِي البَغْدَاديُّ الوَاعِظُ، المَعْرُوف بابن الدِّيْناريّ " أنْشَدني القاضِي الإمام كَمال الدِّين عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الفَقِيه الحَنَفِيّ المُدَرِّس، أدَامَ اللّهُ تأيْيده، بحَلَب في سَنَة أرْبَعين وستِّمائة، قال: أَنْشَدني أبو مُحَمَّد عَبْد العَزِيْزِ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضَائِل بن أبي البَرَكات الفَقِيه الشَّافِعِيّ البَغْدَادِيّ الوَاعِظ المَعْرُوف بابن الدِّيْنارِيّ لنَفْسهِ بحَلَب سَنَة اثْنَتَين وعِشْرين وستِّمائة: [من الطّويل] غَزالٌ سَبانِي فاتِرُ الطَّرْف أحْوَرُ … يقدُّ الرّدينيَّات بالقَدّ أسْمَرُ إذا ما رَنا أصْمَى الرَّميَّةَ لَحْظُه … وفي طَرْفِه سَيْفٌ من اللَّحْظِ أبتَرُ وكم قَتلَتْ ألْحاظُه من مُتيَّمٍ … يُسَلُّ طَرْفِهِ سَيْفٌ باللَّواحِظِ خنْجَرُ وقد أمْرَضَتْ جِسْمِي مِرَاضُ جُفونِه … ومُذْ فَتَرَت سُقمي بها ليسَ يَفْتُرُ بِخَدٍّ نَقِيٍّ كاللُّجَيْن بياضةٌ … ومِنْ فَوْقهِ وَرْدٌ مِنَ الحُسْنِ أحْمَرُ وثَغرٌ هو الإِغْريضُ لا بل لآلئٌ … مُنضَدَةٌ عند التَّبَسُّمِ تَبْهرُ

стр. 6158

=== تَرَى الدّرَّ مَنْظومًا إذا كان باسِمًا … ولكنَّه للدُّرِّ بالنُّطقِ يَنْثُرُ ونكْهَتُهُ المِسْكُ الذَّكِيُّ تَخالُها … بُعَيْدَ الكَرى بل مازَجَ المِسْكَ عنبَرُ وريقَتُه يَشْفي المُتَيَّمَ رَشْفُها … ورائِقُها عندَ الترشُّف يُكسرُ بأجْفانهِ إمَّا دَنا سِحْرُ بابِل … ومنْ لَفْظِهِ أو لَحْظِهِ الصَّبُّ يُسْحَرُ إذا صَدَّ صَدَّ الصَّبْرُ عَنِّي بصَدِّهِ … ويَهْجُرني طَيْفُ الكَرَى حينَ يهجُرُ وأنْشَدَنِي أيضًا، قال: أنْشَدني لنَفْسهِ: [من المتقارب] حَفِظتُ العُهودَ وضَيَّعتُمُ … فأينَ الحِفاظُ وأينَ العُهُودُ؟ فَفِي القَلْبِ منكُم جوَىً نارُهُ … لها في الحشَا مُذْ حَلَلْتُم وَقُودُ أأَكتُم ما بيَ من حُبِّكُم … وقد خُدِّدَتْ بالدُّمُوعَ الخُدُودُ وإنْ أنا أنبأتُ سِرَّ الهَوَى … فَها زَفْرَتِي وَدُمُوعِي شُهُودُ وقَد كُنْتُ قبلَ الهَوى صَابرًا … جَليْدًا وَفي الحُبِّ يَفْنَى الجَلِيدُ سَقَى اللّهُ نَجْدًا وأرْضَ الحِمَى … مُلْثًّا بتلكَ المَغاني يَجُودُ أحبُّ زَرودًا وتلكَ الرُّبوعَ … فكم جَمَعَتْنا قَديمًا زَرودُ وكم قد سَحَبتُ بُرودَ الشَّبَاب … بها فازَدَهَتني تلكَ البُرودُ وكانَ الشَّبابُ شَفِيْعِي وَليَ … غَدائِرِ تَسْبي المُحَبِّينَ سُودُ فَشِبتُ وما شَابَ وَجدِي بكُم … وإنْ كُنْتُ شِبتُ فَحُبِّي وَلِيدُ وأنْشَدَنِي أيضًا، قال: أنْشَدَنِي لنَفْسهِ أبْيَاتًا في طَريق مَكَّة، وقد حَجَّ من العِرَاق في سَنَة ثلاثٍ وستِّمائة، وحجَّ في تلك السَّنَة صَدْر جَهَان، وكانت الوَقْفَة الجُمُعَة، وهَلَكَ من الحاجِّ خَلْقٌ كَثيرٌ من العَطَش، ولا سيِّما في مَنْزلةٍ به تُسَمَّى العُسَيْلَة: [من مجزوء الكامل]

стр. 6159

=== يا سَائِلِي عَمَّا جَرَى … إنِّي اخْتَصَرتُ لَكَ العِبارَه إنَّ العُسَيْلَةَ أَصْبَحَتْ … فيْنا حَلاوَتُها مَرارَه وكذا النُّقَيْرَةُ قَبْلَها … عُدِمَ الفَتَى فيها قَراره كم من شَباب شَاحِبٍ … بعدَ المَلاحَةِ والنَّضَارَه أضْحَى بقَفْرٍ عادِمًا … فيه أقارَبِه وجَارَه مُسْتَوطنًا بمَفَازَةٍ … وفِراشُه فيها الحِجَارَه لا لَيْلَه نَدرِي بهِ … عنْدَ الظَّلام ولا نَهارَه ولكم رَأى مَنْ يَسْتَجِيـ … ـــرُ به ولكنْ ما أجَارَه تَرَكَ النِّسَاءَ أرَاملًا … وجَفا لِسَفْرَته دِيارَه كم من وَقُورٍ عادِمِ … بالمَوْتِ بينَهُم وَقَارَه مُتَوسِّد يُمناهُ فو … قَ جَبِينه ألْقَى يَسارَه كم مُرْضع وَرَضِيعها … تُومي إلَيْنَا بالإِشارَه مَن ذا يُبَرِّد غُلَّتِي … بالمَاءِ يَربحُ بالتِّجَارَه؟ كم مُترَفٍ ومُنَعَّمٍ … والرَّمْلُ قد أضْحَى دِثارَه كم ماتَ مِنْهُم جالِسٌ … بينَ الحِجَارَةِ والمَحَارَه كم من وجُوهٍ سوّدَت … منْ قبلُ كانَت مُسْتَشارَه كم من قِطارٍ ماتَ والـ … ــجمَّالُ مُتَّبعٌ قطارَه وجَمِيعُهم صَرْعَى كأنَّ … السُّكرَ ألْبسَهم خُمارَه وأتاهُمُ البَيْتُ الحَرا … مُ إلى العُسَيْلَة للزِّيارَه إنَّ المَلائكةَ الكِرا … مَ أَتت إليهِم بالبشَارَه إنَّ الإلهَ رَضِيْ لهم … في جَنَّة المأوى جِوارَه قد كان يَنْتَفعُ الفَتى … بالذِّكْر لو أبْدَى ادِّكارَه

стр. 6160

=== أو كان يفتكِرُ اللَّبيـ … ـــبُ ويُكْثِرُ الدَّهرُ افْتِكَارَه لرأى بعَينِ العَقْل أنَّ … مَحاسِنَ الدُّنْيَا مُعارَه فاترُك تِجَارَتَها فإنَّ … تِجارَةَ الدُّنْيَا خَسارِه فالمُلْكُ فيها لا يَدُو … مُ فكيفَ يفرَحُ بالإِمارَه واعْدِلْ إِذا وُلِّيت أمْـ … ـــرًا فالإِمارَة بالعِمارَه وقَوْله: وأتاهُمُ البَيْتُ الحَرا … مُ إلى العُسَيلَةِ للزِّياره قيل: رأى بعضُ الحاجّ في مَنامِهِ كأنَّ البَيْت الحَرَام مَشَى، فقيل: إِلى أين؟ فقال: إلى زيارة المَوْتَى بالعُسَيْلَةِ" (١). عَبْد الغَفُور بن لُقْمَان بن مُحَمَّد الكَرْدَريّ " قال أبو القَاسِم عُمَر بن العَدِيْم في تاريخ حَلَب: قَدِمَ الكَرْدَريُّ حَلَب، فوَلَّاه المَلِكُ العَادِل نُور الدِّين مَحْمُود القَضَاء، ووَلِيَ التَّدْرِيسَ بالمَدْرسَةِ الَّتي وقَفَها حُسَام الدِّين لاجِيْن، بحَلَب، وسَمِعْتُ شَيْخنا أبا هاشِم عَبْد المُطَّلِب يَصِفه بالدِّين، ويُثْنِي عليه بالعِلْم والفِقْهِ، ويُفَضِّله على العَلاءِ بنِ الغَزْنَويّ، وعلى الكَاسَانِيّ، وكان يَتَورَّع أنْ يَجْلس للْحُكْم على حُصُرِ المَدْرسَة، ويأمُر برَفْعِها إِذَا جَلَس للقَضَاء، ويَقُول: هذه الحُصُر للدَّرسِ، فلا يَجُوز اسْتِعمالها لغَيره. وكان له برَسْمِ القَضَاء حَصِيرٌ صَغِير يَجْلس عليها للحُكْم. قال أبو هاشِم: لمَّا وَلَّى المَلِكُ العادلُ نُور الدِّين أبا الفَضْل الشَّهْرَزُوريّ قَضَاءَ القُضَاة بالبلاد الشَّاميَّة، واسْتَناب ابْنه أبا حَامِد، قال السُّلْطان نُور الدِّين: نُريد

стр. 6161

=== حَاكِمًا يَحْكُم على مَذْهَبِ أبي حَنِيْفَة بحَلَب، فذُكِرَ له الكَرْدَريّ، فسَيَّرَ إليه وعَرَض عليه القَضَاء، فامْتَنعَ! وقال: بنو الشْهرَزُوريّ لا أقْدر على النِّيابةِ عنهم. فسَيَّر إِليه نُور الدِّين، وقال له: أنتَ نائبُ نُور الدِّين لا غير، وليس للقاضِي علمِكَ أمْرٌ ولا ولايهَ، فأجابَ وتَوَلى القَضَاء. فَجَعَلَ أبو حَامِد بن القاضِي يَقُول: امضُوا إلى النَّائِب، وقُولوا للنَّائب! فغَضِبَ القاضِي الكَرْدَريُّ من ذلك، وتبيَّنَ الغَيْظ في وَجْهِهِ. فقيل له: لستَ إلَّا نائب نُور الدِّين! فَجَعَل بعد ذلك يُمْضِي القَضايا على ما يَخْتار اسْتقلالًا، فكان عنده غُلَامٌ جَعَله لمجلِس الحُكْم يُدْعَى سُويْدًا، يُحْضِر الخصُوم إلى مَجْلِسِ الحُكْم، فَحضَر بعضُ التُّجَّار وادَّعى أنَّ له على نُور الدِّين دَعْوَى، فقال الكَرْدَريُّ لسُوَيْدٍ: امْضِ في طَلَبِ نُور الدِّين، وادْعُهُ إلى مَجْلِس الحُكْم، وعرَّفه أنَّهُ حَضَرَ شَخْصٌ يَطْلب حضُوره، فَمضَى سُوِيدًا في طَلَبِ نُور الدِّين، فقيل لنُور الدِّين: إِنَّ تاجِ الدِّين الكَرْدَريّ قد أرْسَلَ سُويدًا يَطْلُب المولَى إلى مَجْلِس الحُكْم! وذَكَرَ أنَّهُ حَضرَ تاجِرٌ، وذَكَرَ أنَّهُ له دَعَوى شَرْعِيَّة على المَوْلَى، فقال نُور الدِّين: يُحْضَر الفَرَس حتَّى نَرْكب إِليه، السَّمْعُ والطَّاعة. قال اللهُ تعالَى: ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (١). ثُمَّ نَهضَ ورَكِبَ حتَّى دَخَلَ باب المَدِيْنهَ، فاسْتَدعى سُوَيْدًا، وقال له: امْضِ إلى القاضِى تاج الدِّين، وسَلّم عليه، وقُل له: إِنَّني جئْتُ إِلى هُنا امْتِثالًا لأمْرِ الشَّرْع، وهذا وَكِيلي يَسْمَع الدَّعْوى، وإِنْ تَوجَّهتْ علَيَّ يَمينٌ أحْضُرُ إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. قال: فَحضَرَ الوَكِيل الدَّعْوَى، وسَمعَ الدَّعْوى، وتَوَجَّهَت اليَمين، فقال الكَرْدَريُّ: تَوَجَّهَت اليَمين، فليَحْضُر، فلا بلَغَ نُور الدِّين ذلك اسْتَدْعَى التَّاجِرَ وأصْلَحَ الأمْرَ فيما بينَهُ وبينه وأرْضَاهُ.

стр. 6162

=== تُوفِّي بحَلَب في رَجَب سَنَة اثنتَينِ وخَمْسِين وخَمْسِمائة" (١). عبد الغنِي بن مُحَمَّد بن أبي القاسِم بن مُحَمَّد بن تَيْمِيَّة، أبو مُحَمَّد الخَطِيْب ابن الخَطِيْب أبي عَبْد الله الحَرَّانيُّ " أنْشَدني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الحَنَفيّ، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، من لفظه، سَنَة أرْبَعين وستِّمائة؛ قال: أنْشَدني القاضِي الخَطِيْبُ أبو مُحَمَّد عَبْد الغَنِيّ بن مُحَمَّد بن تَيْميَّة لنَفْسهِ في الملِك النَّاصِر، صلاح الدِّين بن أبي المُظَفَّر يُوسُف بن مُحَمَّد بن غازِي بن يُوسُف سُلْطان حَلَب، خَلَّدَ اللهُ مُلْكه، وقد فَتَحَ حَدِيثةَ حَرَّان من أيْدِي الخُوَارزمِيّة، خَذَلَهُم اللهُ تَعالَى، سَنَة ثَمانٍ وثلاثين وستِّمائة، ووَفَد كَبِيرُ الحَرَّانيِّين عليه، مُهنِّئينَ له، وهو فيهم، فَخَلَعَ عليهم، وأحْسَن إليهم، وأوْرَدَ بين يَديهِ فِي القَلْعةِ فَصْلًا في الهناء: [من الخفيف] قَدْ شَفَى اللهُ غُلَّةَ الأَكْبَادِ … ببُلُوغِ المُنَى ونيل المُرَادِ وتَبَدَّى الزّمانُ غَضًّا جَدِيْدًا … حَيْثُ وفَّى سَوَالِفَ الميِعَادِ وبَلَغْنَا المُنَى وغَايَةَ ما كُـ … ـنَّا نُرَجِّيْهِ مِنْ ضُرُوبِ الأيَادِي أخْصَبَت أرْضُنَا بكُلِّ مَرامٍ … وأضَاءَتْ لنا بُرُوْقُ الغَوادِي وحَبانا بجُوْدِهِ كُل نوءٍ … وأتانا بَسَيْلِهِ كُلُّ وادِي وقَضَى الدَّهْرُ حاجِةً طَالَما طَـ … ـوَّل بالمَطْلِ وَعْدَها في الفُؤَادِ هذه ذِرْوَةُ الكمالِ وقَدْ نيلَـ … ـتْ على رغْمِ أنْفُسِ الحُسَّادِ نَالَها ذُوْ السّعاةِ المَلِكُ النَّـ … صِر كَافِي الإصْدَارِ والإيْرادِ

стр. 6163

=== قال فيها: فَتَهَنَّ السُّرُورَ فالوَقْتُ مَصْقُـ … ـولُ الحَوَاشِي مُحبَّرُ الأبرَادِ إنْ تَعِشْ [ … ] فَعِش ألْفَ عَامٍ … كُل يَوْمٍ عِيْدٌ مِنَ الأَعْيَادِ أنْتَ شِبْلُ السُّلْطَانِ حَقًّا وما الأَشْـ … ـبالُ إلَّا طَبَائُع الآسَادِ فتَوَلَّ البِلادَ وانْهَضْ بعَزْم الـ … ـجدِّ فَالسَّعْدُ في نَمًا وازْديادِ وابْسُطِ العَدْلَ واعْتَمِدْ هِمَمَ الأَخْـ … ـيَارِ والصَّالِحيْنَ والزُّهَّادِ واغْتَنم منْهُمُ الدُّعَـ … ـاءَ فمَّا نَصْرُكَ إلَّا بهِمَّةِ العُبَّادِ وتَحقَّقْ إنّ الرَّعِيَّةَ في حَرَّان … قَدْ أقْلَصُوْكَ مَحْضَ الوِدَادِ فتَوَخَّ الإِحْسانَ جُهْدَكَ فيهِمَ … والْغِ قَوْلَ الحُسَّادِ والأضْدَادِ يا لها مِنْ سَعَادَةٍ تَمَّ بُشْـ … ـرَاهَا ويا بَرْدَهَا على الأكْبادِ وأنْشَدَنِي أيضًا، قال: أنْشَدني لنفسهِ، وقد خَلَع عليه السُّلْطان المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين، أدَامَ اللهُ دَوْلته: [من الطويل] بأيِّ لِسَانٍ يشكُر العَبْدُ مَولَاهُ … وتقصِيْرُهُ في كُلِّ حَالٍ قُصَارَاهُ وكَيْفَ يُطِيقُ الجَرْزُ أنْ يَشْكُرَ الحَيَا … إذَا جادَهُ الجود النَّمِيرُ فأحْيَاهُ وأنِّي لمَنْ أضْحَتْ عليهِ سَوَابغٌ … منَ المَنِّ ممَّنْ عَرَّفَتْني عَطَاياهُ عَقِيدَ النَّدَى لا زالَ جُوْدُكَ جَائِدًا … وكَفُّكَ وكَّافًا على الخَلْقِ جَدْوَاهُ بسَطْتَ يَدِي حتَّى ظَننتُكَ قَابضًا … يَدَ الدَّهْرِ عَنِّي مع تَفَاقُمِ بلوَاهُ وعلَيتَني حمَّما ظَننتُ بأنَّني … سَاعْبُرُ عنْ بُرْجِ السِّمَاكِ ومأوَاهُ وشَرَّفْتَنِي طُوْلَ الزَّمَانِ بِخِلْعَةٍ … بَلَغْتُ بها مِنْ شَامِخِ العِزِّ أقْصَاهُ لَئِنْ كان جِلْبَابُ التَّطَوُّلِ ضَافِيًا … على باديكَ الكَريمِ مُحَيَّاهُ كأنَّ جَلَابِيْبَ المحبَّةِ قدْ حَوَتْ … فُؤَادِى فأَنْتَ اليَوْمَ سِرِّى ومَعْنَاهُ

стр. 6164

=== وإنْ كان رَسْمُ الثَّوبِ باللُّبْسِ دَارسًا … فَرَسْمُ هَوَاكَ الدَّهْرَ لا أتناسَاهُ فَلَا قلب لي إلَّا وأنْتَ نَزَيْلُهُ … ولا سِرَّ لي إلَّا وذِكْرُكَ مَأوَاهُ بَقِيْتَ على مَرِّ اللَّيالِي وكَرِّهَا … بعَيْشٍ هَنِيٍّ يَحْمَدُ المَرْءُ عُقْبَاهُ" (١). عَبْد الله بن أحْمَد بن بُهلُول " ذَكَرَهُ أبو القَاسِم عُمَر بن العَدِيْم، في تَارِيِخ حَلَب، وقالَ: حَدَّثَ بالوِجَادَةِ، عَن كتابِ جَدِّه إسْاعِيل بن حَمَّاد بن أبي حَنِيفة. ورَوَى عنه عُمَر بن الحَسَن بن عُمَر القاضِي الأُشْنَانِيّ" (٢). عَبْد الله بن أحْمَد بن حَمْزَة، المنصُور إمام الزَّيْدِيّة " قال ابنُ العَديْم: وَرِثَ الملكَ بصَعْدَة عن أبيهِ، وامْتَدَّتْ يَدُه مع النَّاصِر العبَّاسِيّ، وكان يُناظِرُه ويَبْعث دُعاتَه إلى الدَّيلم وجِيْلانَ حتَّى خُطِبَ له هُناك وصَار له فيها وُلاةٌ، وأنْفَقَ النَّاصِرُ عليه أمْوَالًا في العَرَب باليُمْن ولم يَظْفَر به" (٣). عَبْد الله بن شَافِع بن مَرْوَان بن القَاسِم المقرئ التِّنّبيُّ العابِد، أبو مُحَمَّد " تِنَّبُ؛ بالكَسْر ثُمّ الفَتْح والتَّشْدِيد، وباء مُوَحَّدة: قَرْيَة كَبِيرة من قُرَى حَلَب، منها أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن شَافِع بن مَرْوَان بن القَاسِم المُقْرئ التَّنَّبيِّ العَابِد،

стр. 6165

=== سَمِعَ بحَلَب مُشْرق (١) بن عَبْد الله الزَّاهِد، وأبا طَاهِر عَبْد الرَّزَّاق بن إبْرَاهيم بن قاسِم الرَّقِّيّ، وأبا أحمد حَامِد بن يُوسُف بن الحُسَين التَّفْليْسِيِّ، رَوى عنه أبو الحسَن عليّ بن عَبْد الله بن جَرَادَة الحَلَبيُّ. أفادَنيه هَكَذا القاضِي أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة" (٢). عبدُ الله بنُ عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان بن عَبْد الله بن عُلْوَان بن رَافِع، أبو مُحَمَّدَ بنُ أَبِي مُحَمَّد الأَسَديُّ " حَدَّثَني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أبي جَرَادَة الفَقِيِه الحنفيّ المُدَرِّس، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: اجْتَمَعْتُ بالقاضِي أبي مُحَمَّد بِحِمْص، وقد وَافاها رَسُولًا، وأنا مُجْتازٌ إلى دِمَشْق، وأقَمْتُ معه أيَّامًا، ثُمّ ودَّعتُه، وسِرْتُ إلى دِمشق، ورجع بعدِي إلى حَلَب، فكَتَبَ إليَّ بهذه الأبيات إلى دِمَشْق: [من الطويل] إلى الله أشْكُو ما وَجَدتُ منَ الأسَى … بِحْمْص وَقَدْ أمسَى الحَبيبُ مُودِّعا وأوْدعَ في العَينِ السُّهادَ وفي الحشَا … اللَّهيبَ وفي القَلْب الجَوى والتَّصدُّعا وللهِ أيّامٌ تَقَضَّت بقُرْبه … فَيا طِيْبَها لو دُمت فيها مَمتَّعا ولكنَّها عمَّا قليل تَصَرَّمتْ … فأصْبَحتُ مُنْبَتَّ السُّرورِ مُفَجَّعا وقد كان ظَنِّي أنَّ عِنْدَ قفولِنا … إلى حَلَبٍ ألقى منَ الهَمِّ مَفزَعا فلمَّا رَأت الدَّارَ هَيَّجَ مَنْظَري … إليها حَنينًا كامِنًا وتَوجُّعا فأنْشَدْتُ بيتَيْ شَاعِرٍ ذَاقَ طَعْمَ ما … شَرِبْتُ بِكاسَاتِ الفِراقِ تَجَرُّعا
следующие страницы →