← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

=== حَاكِمًا يَحْكُم على مَذْهَبِ أبي حَنِيْفَة بحَلَب، فذُكِرَ له الكَرْدَريّ، فسَيَّرَ إليه وعَرَض عليه القَضَاء، فامْتَنعَ! وقال: بنو الشْهرَزُوريّ لا أقْدر على النِّيابةِ عنهم. فسَيَّر إِليه نُور الدِّين، وقال له: أنتَ نائبُ نُور الدِّين لا غير، وليس للقاضِي علمِكَ أمْرٌ ولا ولايهَ، فأجابَ وتَوَلى القَضَاء. فَجَعَلَ أبو حَامِد بن القاضِي يَقُول: امضُوا إلى النَّائِب، وقُولوا للنَّائب! فغَضِبَ القاضِي الكَرْدَريُّ من ذلك، وتبيَّنَ الغَيْظ في وَجْهِهِ. فقيل له: لستَ إلَّا نائب نُور الدِّين! فَجَعَل بعد ذلك يُمْضِي القَضايا على ما يَخْتار اسْتقلالًا، فكان عنده غُلَامٌ جَعَله لمجلِس الحُكْم يُدْعَى سُويْدًا، يُحْضِر الخصُوم إلى مَجْلِسِ الحُكْم، فَحضَر بعضُ التُّجَّار وادَّعى أنَّ له على نُور الدِّين دَعْوَى، فقال الكَرْدَريُّ لسُوَيْدٍ: امْضِ في طَلَبِ نُور الدِّين، وادْعُهُ إلى مَجْلِس الحُكْم، وعرَّفه أنَّهُ حَضَرَ شَخْصٌ يَطْلب حضُوره، فَمضَى سُوِيدًا في طَلَبِ نُور الدِّين، فقيل لنُور الدِّين: إِنَّ تاجِ الدِّين الكَرْدَريّ قد أرْسَلَ سُويدًا يَطْلُب المولَى إلى مَجْلِس الحُكْم! وذَكَرَ أنَّهُ حَضرَ تاجِرٌ، وذَكَرَ أنَّهُ له دَعَوى شَرْعِيَّة على المَوْلَى، فقال نُور الدِّين: يُحْضَر الفَرَس حتَّى نَرْكب إِليه، السَّمْعُ والطَّاعة. قال اللهُ تعالَى: ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (١). ثُمَّ نَهضَ ورَكِبَ حتَّى دَخَلَ باب المَدِيْنهَ، فاسْتَدعى سُوَيْدًا، وقال له: امْضِ إلى القاضِى تاج الدِّين، وسَلّم عليه، وقُل له: إِنَّني جئْتُ إِلى هُنا امْتِثالًا لأمْرِ الشَّرْع، وهذا وَكِيلي يَسْمَع الدَّعْوى، وإِنْ تَوجَّهتْ علَيَّ يَمينٌ أحْضُرُ إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. قال: فَحضَرَ الوَكِيل الدَّعْوَى، وسَمعَ الدَّعْوى، وتَوَجَّهَت اليَمين، فقال الكَرْدَريُّ: تَوَجَّهَت اليَمين، فليَحْضُر، فلا بلَغَ نُور الدِّين ذلك اسْتَدْعَى التَّاجِرَ وأصْلَحَ الأمْرَ فيما بينَهُ وبينه وأرْضَاهُ.

стр. 6162

=== تُوفِّي بحَلَب في رَجَب سَنَة اثنتَينِ وخَمْسِين وخَمْسِمائة" (١). عبد الغنِي بن مُحَمَّد بن أبي القاسِم بن مُحَمَّد بن تَيْمِيَّة، أبو مُحَمَّد الخَطِيْب ابن الخَطِيْب أبي عَبْد الله الحَرَّانيُّ " أنْشَدني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الحَنَفيّ، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، من لفظه، سَنَة أرْبَعين وستِّمائة؛ قال: أنْشَدني القاضِي الخَطِيْبُ أبو مُحَمَّد عَبْد الغَنِيّ بن مُحَمَّد بن تَيْميَّة لنَفْسهِ في الملِك النَّاصِر، صلاح الدِّين بن أبي المُظَفَّر يُوسُف بن مُحَمَّد بن غازِي بن يُوسُف سُلْطان حَلَب، خَلَّدَ اللهُ مُلْكه، وقد فَتَحَ حَدِيثةَ حَرَّان من أيْدِي الخُوَارزمِيّة، خَذَلَهُم اللهُ تَعالَى، سَنَة ثَمانٍ وثلاثين وستِّمائة، ووَفَد كَبِيرُ الحَرَّانيِّين عليه، مُهنِّئينَ له، وهو فيهم، فَخَلَعَ عليهم، وأحْسَن إليهم، وأوْرَدَ بين يَديهِ فِي القَلْعةِ فَصْلًا في الهناء: [من الخفيف] قَدْ شَفَى اللهُ غُلَّةَ الأَكْبَادِ … ببُلُوغِ المُنَى ونيل المُرَادِ وتَبَدَّى الزّمانُ غَضًّا جَدِيْدًا … حَيْثُ وفَّى سَوَالِفَ الميِعَادِ وبَلَغْنَا المُنَى وغَايَةَ ما كُـ … ـنَّا نُرَجِّيْهِ مِنْ ضُرُوبِ الأيَادِي أخْصَبَت أرْضُنَا بكُلِّ مَرامٍ … وأضَاءَتْ لنا بُرُوْقُ الغَوادِي وحَبانا بجُوْدِهِ كُل نوءٍ … وأتانا بَسَيْلِهِ كُلُّ وادِي وقَضَى الدَّهْرُ حاجِةً طَالَما طَـ … ـوَّل بالمَطْلِ وَعْدَها في الفُؤَادِ هذه ذِرْوَةُ الكمالِ وقَدْ نيلَـ … ـتْ على رغْمِ أنْفُسِ الحُسَّادِ نَالَها ذُوْ السّعاةِ المَلِكُ النَّـ … صِر كَافِي الإصْدَارِ والإيْرادِ

стр. 6163

=== قال فيها: فَتَهَنَّ السُّرُورَ فالوَقْتُ مَصْقُـ … ـولُ الحَوَاشِي مُحبَّرُ الأبرَادِ إنْ تَعِشْ [ … ] فَعِش ألْفَ عَامٍ … كُل يَوْمٍ عِيْدٌ مِنَ الأَعْيَادِ أنْتَ شِبْلُ السُّلْطَانِ حَقًّا وما الأَشْـ … ـبالُ إلَّا طَبَائُع الآسَادِ فتَوَلَّ البِلادَ وانْهَضْ بعَزْم الـ … ـجدِّ فَالسَّعْدُ في نَمًا وازْديادِ وابْسُطِ العَدْلَ واعْتَمِدْ هِمَمَ الأَخْـ … ـيَارِ والصَّالِحيْنَ والزُّهَّادِ واغْتَنم منْهُمُ الدُّعَـ … ـاءَ فمَّا نَصْرُكَ إلَّا بهِمَّةِ العُبَّادِ وتَحقَّقْ إنّ الرَّعِيَّةَ في حَرَّان … قَدْ أقْلَصُوْكَ مَحْضَ الوِدَادِ فتَوَخَّ الإِحْسانَ جُهْدَكَ فيهِمَ … والْغِ قَوْلَ الحُسَّادِ والأضْدَادِ يا لها مِنْ سَعَادَةٍ تَمَّ بُشْـ … ـرَاهَا ويا بَرْدَهَا على الأكْبادِ وأنْشَدَنِي أيضًا، قال: أنْشَدني لنفسهِ، وقد خَلَع عليه السُّلْطان المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين، أدَامَ اللهُ دَوْلته: [من الطويل] بأيِّ لِسَانٍ يشكُر العَبْدُ مَولَاهُ … وتقصِيْرُهُ في كُلِّ حَالٍ قُصَارَاهُ وكَيْفَ يُطِيقُ الجَرْزُ أنْ يَشْكُرَ الحَيَا … إذَا جادَهُ الجود النَّمِيرُ فأحْيَاهُ وأنِّي لمَنْ أضْحَتْ عليهِ سَوَابغٌ … منَ المَنِّ ممَّنْ عَرَّفَتْني عَطَاياهُ عَقِيدَ النَّدَى لا زالَ جُوْدُكَ جَائِدًا … وكَفُّكَ وكَّافًا على الخَلْقِ جَدْوَاهُ بسَطْتَ يَدِي حتَّى ظَننتُكَ قَابضًا … يَدَ الدَّهْرِ عَنِّي مع تَفَاقُمِ بلوَاهُ وعلَيتَني حمَّما ظَننتُ بأنَّني … سَاعْبُرُ عنْ بُرْجِ السِّمَاكِ ومأوَاهُ وشَرَّفْتَنِي طُوْلَ الزَّمَانِ بِخِلْعَةٍ … بَلَغْتُ بها مِنْ شَامِخِ العِزِّ أقْصَاهُ لَئِنْ كان جِلْبَابُ التَّطَوُّلِ ضَافِيًا … على باديكَ الكَريمِ مُحَيَّاهُ كأنَّ جَلَابِيْبَ المحبَّةِ قدْ حَوَتْ … فُؤَادِى فأَنْتَ اليَوْمَ سِرِّى ومَعْنَاهُ

стр. 6164

=== وإنْ كان رَسْمُ الثَّوبِ باللُّبْسِ دَارسًا … فَرَسْمُ هَوَاكَ الدَّهْرَ لا أتناسَاهُ فَلَا قلب لي إلَّا وأنْتَ نَزَيْلُهُ … ولا سِرَّ لي إلَّا وذِكْرُكَ مَأوَاهُ بَقِيْتَ على مَرِّ اللَّيالِي وكَرِّهَا … بعَيْشٍ هَنِيٍّ يَحْمَدُ المَرْءُ عُقْبَاهُ" (١). عَبْد الله بن أحْمَد بن بُهلُول " ذَكَرَهُ أبو القَاسِم عُمَر بن العَدِيْم، في تَارِيِخ حَلَب، وقالَ: حَدَّثَ بالوِجَادَةِ، عَن كتابِ جَدِّه إسْاعِيل بن حَمَّاد بن أبي حَنِيفة. ورَوَى عنه عُمَر بن الحَسَن بن عُمَر القاضِي الأُشْنَانِيّ" (٢). عَبْد الله بن أحْمَد بن حَمْزَة، المنصُور إمام الزَّيْدِيّة " قال ابنُ العَديْم: وَرِثَ الملكَ بصَعْدَة عن أبيهِ، وامْتَدَّتْ يَدُه مع النَّاصِر العبَّاسِيّ، وكان يُناظِرُه ويَبْعث دُعاتَه إلى الدَّيلم وجِيْلانَ حتَّى خُطِبَ له هُناك وصَار له فيها وُلاةٌ، وأنْفَقَ النَّاصِرُ عليه أمْوَالًا في العَرَب باليُمْن ولم يَظْفَر به" (٣). عَبْد الله بن شَافِع بن مَرْوَان بن القَاسِم المقرئ التِّنّبيُّ العابِد، أبو مُحَمَّد " تِنَّبُ؛ بالكَسْر ثُمّ الفَتْح والتَّشْدِيد، وباء مُوَحَّدة: قَرْيَة كَبِيرة من قُرَى حَلَب، منها أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن شَافِع بن مَرْوَان بن القَاسِم المُقْرئ التَّنَّبيِّ العَابِد،

стр. 6165

=== سَمِعَ بحَلَب مُشْرق (١) بن عَبْد الله الزَّاهِد، وأبا طَاهِر عَبْد الرَّزَّاق بن إبْرَاهيم بن قاسِم الرَّقِّيّ، وأبا أحمد حَامِد بن يُوسُف بن الحُسَين التَّفْليْسِيِّ، رَوى عنه أبو الحسَن عليّ بن عَبْد الله بن جَرَادَة الحَلَبيُّ. أفادَنيه هَكَذا القاضِي أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة" (٢). عبدُ الله بنُ عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان بن عَبْد الله بن عُلْوَان بن رَافِع، أبو مُحَمَّدَ بنُ أَبِي مُحَمَّد الأَسَديُّ " حَدَّثَني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أبي جَرَادَة الفَقِيِه الحنفيّ المُدَرِّس، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: اجْتَمَعْتُ بالقاضِي أبي مُحَمَّد بِحِمْص، وقد وَافاها رَسُولًا، وأنا مُجْتازٌ إلى دِمَشْق، وأقَمْتُ معه أيَّامًا، ثُمّ ودَّعتُه، وسِرْتُ إلى دِمشق، ورجع بعدِي إلى حَلَب، فكَتَبَ إليَّ بهذه الأبيات إلى دِمَشْق: [من الطويل] إلى الله أشْكُو ما وَجَدتُ منَ الأسَى … بِحْمْص وَقَدْ أمسَى الحَبيبُ مُودِّعا وأوْدعَ في العَينِ السُّهادَ وفي الحشَا … اللَّهيبَ وفي القَلْب الجَوى والتَّصدُّعا وللهِ أيّامٌ تَقَضَّت بقُرْبه … فَيا طِيْبَها لو دُمت فيها مَمتَّعا ولكنَّها عمَّا قليل تَصَرَّمتْ … فأصْبَحتُ مُنْبَتَّ السُّرورِ مُفَجَّعا وقد كان ظَنِّي أنَّ عِنْدَ قفولِنا … إلى حَلَبٍ ألقى منَ الهَمِّ مَفزَعا فلمَّا رَأت الدَّارَ هَيَّجَ مَنْظَري … إليها حَنينًا كامِنًا وتَوجُّعا فأنْشَدْتُ بيتَيْ شَاعِرٍ ذَاقَ طَعْمَ ما … شَرِبْتُ بِكاسَاتِ الفِراقِ تَجَرُّعا

стр. 6166

=== فَلا مَرحِبًا بالرَّسْمِ لسْتُم حَلُولَهُ … ولَو كانَ مخضَرَّ الجَوانِب مُمْرعا ولا خَير في الدُّنْيا ولا في نَعِيْمها … إذا لم يكُن شَمْلِي وشَمْلكُمُ مَعَا وأنْشَدَنِي القاضِي أبو القَاسِم، قال: أنشدني القاضِي أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن عَبْد الرَّحْمن من شِعْرِهِ: [من الطويل] أُنَزِّهُ نفسِي عن أُمورٍ شَهيَّةٍ … وأكْبَحُها عن أنْ تَنالَ المَطامِعا مَخَافَةَ أنْ تَعْتادَ نيل مُرادِها … فأُصْبحَ من كأس المذلَّةِ كارِعا وأنَّ مَبِيتَ الحُرِّ جَيْعان قَانعًا … أعَزُّ لَهُ ممّا إذا باتَ خِانِعا" (١). عَبْد الله بن عُثْمان بن جَعْفَر بن مُحَمَّد اليُوْنِيْنيُّ الزَّاهِدُ، أسَدُ الشَّام " قال ابنُ العَدِيْم في تاريخ حَلَب: أخْبَرني الفَقِيهُ مُحَمَّد اليُوْنِيْنيّ أنَّ الشَّيْخَ عَبْد كان يُصَلي بعد العِشَاء الآخرة وِرْدًا إلى قَرِيب ثُلُث اللَّيْل، فَكان ليْلةً يُعاتِبْ رَبّه ، وَيَقُولُ: يا ربّ، النَّاسُ ما يأتُوني إِلَّا لأجْلِكَ، وأنا قد سألتكَ في المَرْأة الفُلَانيَّة والرَّجُل الفُلَانيّ أنْ تقضي صاجَته، وما قَضَيْتها، فهكَذا يكُون؟ وكان يتمثَّل بهده الأبيات كثيرًا ويَبِكِي: [من الطويل] شَفِيْعي إليكُمُ طُولُ شَوْقي إليكُم … وكُلُّ كَريمٍ للشَّفِيع قبُولُ وعُذْري إليكم أننَّي في هَوَاكُم … أسِيرٌ ومأْسُورُ الغَرَام ذَليلُ فإنْ تقبلُوا عُذْري فأهْلًا ومَرْحبًا … وإنْ لم تُجيبوا فالمُحِبُّ حَمُولُ سأصْبرُ لَا عنكُم ولكن عَليكُمُ … عَسَى لي إلى ذاكَ الجنَابِ وُصُولُ" (٢)

стр. 6167

=== " قال الصَّاحِبُ أَبُو القَاسِم: وقد صَحبتُهُ ووَهَب لي قَمِيْصًا له أزْرَق، وَقال لي يَوْمًا ببَيْتِ المقدِس: يا أَبَا القَاسِم، اعْشَقْ تَفْلح! فاسْتَحْيَيتُ، وَذَلِكَ في سَنَة ثلاثٍ وستِّمِائة، وعُدْتُ مع والدِي. ثُمَّ بعد مُدَّة سارَّني بجامع دِمَشْق، وَقال: عَشِقتَ بَعْدُ؟ فَقُلْتُ: لَا، قال: شُهْ عليكَ! واتَّفق أنِّي تزوَّجتُ بعد ذاك بسَنَة، ومِلْتُ إلى الزَّوْجَة مَيْلًا عَظِيمًا، فما كُنْتُ أصْبِرُ عنها" (١). "قال ابنُ العزِّ عُمَر: قَرأتُ في تاريخ ابن العَدِيْم، بغير خَطِّهِ، قال سيِّدنا العَلَّامَة أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أبي الحُسَين اليُوْنِيْنيّ: كُنْتُ عند الشّيْخ يَوْمًا، فجاءَهُ رَجُلان من العَرَب، فقالا: نَطْلع إليك؟ قال: لَا، فذَهَب أحدُهما وجَلَس الآخرُ، فَقال الشَّيْخ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، ثُمّ قال لَهُ: اطْلع. وطَلع، فأقامَ عندنا أيَّامًا، فقال لَهُ الشَّيْخُ: تُحبّ أنْ أُربك قبركَ؟ قال: نَعَم، فأتَى بِهِ المقبرة، فَقال: هَذَا قبركَ! فأقام بعد ذَلِكَ اثْنى عَشر يَوْمًا، أو أرْبَعة عشر يَوْمًا، ثُمَّ مات، فدُفِنَ في ذَلِكَ المكان! وَكان لَهُ زَوْجَة ولها بنْت، فطَلبتُ أنْ يُزَوِّجَني بها، فتَوَقَّفت أُمُّها، وقالت: هَذَا فَقِيرٌ ما لَهُ شيء. فَقال: واللهِ إنّي أرَى دَارًا قد بُنِيَتْ لَهُ، وفيها ماءٌ جارٍ، وابْنَتك عنده في الإيْوان، ولهُ كِفَايةٌ عَلَى الدَّوام، فَقالتْ: تَرَى هَذَا؟ قال لها: نعم. فزَوَّجَتْنيها، ورَأت ذلكَ، وأقامَت معي سِنين، وذلك سَنَة مُحاصَرَة المَلِك العَادِل سِنْجَار. وكانت امْرَأة بعد مَوْتها تَطْلب زَواجِي، وتشَفَّعَت بزَوْجةِ الشَّيْخ، فلمَّا أكْثرت علَيَّ، شَكَوْتُها إلى الشَّيْخ، فقال: طَوِّلْ رُوحك يَوْمين، ثلاثة، ما تَعُود

стр. 6168

=== ترَاها. قال: فقَدِمَ ابنُ عمِّها من مِصْر؛ أمِيرٌ كَبِيرٌ، بعد أيَّام، فتَزَوَّجَ بها، وما عُدْتُ رَأيتْهُا. وكَرامَاتُه في هذا كَثِير" (١). "كَتَبَ الفَقِيهُ تحت هَذَا الكلام: صَحِيحٌ ذلك، كَتَبَهُ مُحَمَّد بن أبي الحُسَين اليُونيْنيّ" (٢). "وقال أبو القَاسِم بن العَدِيْم: تُوفِّي في عَشْر ذي الحِجِّة، وهو صَائمٌ، وقد جاوزَ الثَّمانين. فقال لي الفَقِيهُ مُحَمَّد: كُنْتُ عندَ الشّيْخ، فالْتَفَتَ إلى دَاوُد المُؤذِّن، فَقال: وَصِيَّتك بي غَدًا، فظَنَّ المُؤذِّنُ أنَّهُ يُريد يَوْم القِيامَة، وَكان ذلك يَوْم الجُمُعَة، وهو صائِمٌ، فلما جاءَ وَقْت الإفْطار قال لجارِيتهِ: يا دَرَّاجِ، أجِدُ عَطَشًا، فسَقَتهُ ماءَ لينُوفَر، فباتَ تلكَ اللَّيْلة، وأصْبَحَ وجَلَسَ على حَجَرٍ، موضع قُبِرَ، مُسْتَقبلٌ القِبْلَة، فماتَ وهو جالِسٌ، ولم يُعْلَم بمَوْته، حَتَّى حرَّكُوه، فوَجَدُوه مَيِّتًا، فجاءَ ذلكَ المُؤذِّن وغَسَّلَهُ، ﵀" (٣). "قال: وأخْبَرني القاضِي شَمْسُ الدِّين عَبْد الله الحَنَفيّ النَّائِب بدِمَشْق، قال: حَكَى رجُلٌ من الفُقَرَاء كان قد صَحبَ الشَّيْخ عَبْد الله اليُونيْنيّ، وكان في صِبَاه حَمَّاميًّا، قال: دَعَتني نَفْسِي إلى مُعاشَرة النِّسَاء، فبينا أنا عندَ امْرَأة، وإذا زَوْجها قد جاءَ، فدَقَّ الباب، فحِرْتُ، وكان بيَتْها صَغِيرًا، فصَعدتُ السَّطْحَ، فدَخَلَ زَوْجها، فرَآها مُتَغيِّرة، فقال: ما لك؟ قالت: لا شيء. فارْتابَ، وصَعِدَ السَّطْح، قال: ونَظَرتُ واللهِ إلى عِمَامَتهِ وهو في السُّلَّم صَاعد، فقُلْتُ: يا سَيِّدي الشَّيْخ

стр. 6169

=== عَبْد الله، أنا في حَسْبِكَ. فطلع! فلَم يَرَني، ونَزَل، وبَقِي في بَيْتهِ سَاعة، وخَرَجَ، فنَزَلتُ، ومَضَيْتُ إلى الشَّيْخ، فقال: وَيْلك يا مُدْبِر! تَتَستّرُ بنا، وتَسْتَعين بنا على المعاصِي؟! وكان رَحِمَهُ [اللهُ] شَيْخًا طُوَالًا، مُهَابًا، كأنَّهُ نارٌ، وكان يَقُوم نِصْف اللَّيْل إلى الفُقَرَاء، فمن رآه نائمًا ضَرَبهُ، وكان له عَصاة اسْمها: العافِيَة. وكان شُجاعًا في اللهِ، وباللهِ، كَثيرَ الأذْكار والحضُور، يَغارُ ممَّن يَذْكُر اسْم الجبَّار بغير اسْتِحضار، وله هَيْبَةٌ على المشايخ والفُقَرَاء، لا يَسْطِيع الإنْسَان أنْ يُطِيل النَّظَر إليه، وكان لا تأخُذه في اللهِ لوْمة لائم" (١). عَبْدُ الله بنُ عَلَّان بن زاهِر بن عُمَر بن أحْمَد بن عَلَّان بن رَزِيْن، أبو الفَضْل بن أبي الحَسَن الواسِطِيُّ الخُزَاعيُّ (٢) " حَدَّثني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد العُقَيْليُّ، أسْعَدهُ اللهُ تعالَى، من لَفْظِه، قال: قَدِمَ عَبْدُ الله بن عَلَّان حَلَب مِرَارًا، وكان أقامَ بحَمَاة مُدَّةً في خِدْمةِ المَلِك المَنْصُور مُحَمَّد، وذَكَرَ لي أنَّ مَوْلده سَنَة خَمْسٍ وثلاثين وخَمْسِمائة إنْ صَدَق! وكان كَذَّابًا، يَدّعي أنَّهُ سَمِعَ أبا الوَقْت وغيره، وقَفْتُ على طَبَقات وأثْبات زَوَّرَها بخَطِّهِ، وآفَةُ كَذبه جَهْله، فإنَّه خلَّطَ في أسانيدها، والشُّيُوخ الَّذين ادَّعَى

стр. 6170

=== أنَّهُ سَمِعَهُم، وغرَّ جَماعَة من طَلَبةِ الحَدِيث، فسَمِعوا منه بالمَوْصِل وغيرها، ثُمّ قال: أنْشَدني لنَفْسهِ: [من مجزوء الكامل] يا مُشْبِهَ القَمَرِ المُنيرِ … هل مِنْ صُدودكَ من مُجيرِ؟ قَسَمًا بما في فيكَ مِنْ … شَنَبٍ ودُرِّ مُسْتنيرِ وبوَرْدِ خَدَّيْكَ اللَّذيْـ … ـــنِ يُضاهِيان الوَردَ جُوِري وبماءِ آسٍ في عِذا … رِكَ أخْضَرٍ غضَّ مَطِيرِ وبنَفْسجٍ في مُقْلَتَيْـ … ـــكَ وَنَرْجِسٍ رَغْدٍ نَضيرِ صِلْ عاشِقًا صبًّا فَذِكْـ … ـــرُكَ يا مُنى قَلْبِي سَمِيري" (١) عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب بن الحُسَين بن أحْمَد بن الحُسَين بن مُحَمَّد بن الحُسَين بن عبد الرَّحْمَن بن عبد المَلِك بن صَالِح بن عليّ بن عَبْد الله بن عبَّاس الحَلَبيّ، الإِمَام افْتِخَار الدّين " قال ابنُ العَدِيم: ذَكَرَ أنَّ مَوْلِدَه ببَلْخَ، في سادِس جُمادَى الآخِرَة، سَنَة ستٍّ وثلَاثِينَ وخَمْسِمائة. سَمِعَ وحدَّثَ، سَمِعْتُ عليه الكثيرَ. وصنَّفَ شَرْح الجَامِع الكَبِير، ودرَّس، وناظَر، وكان رَئِيسًا، صَحِيحَ السَّماع، عالِيَ الإِسْنَاد. ماتَ في جُمادَى الآخِرَة، سَنَة سِتّ عَشرَة وستِمائَة، ووَلِيَ ابْنهُ الفَضْل التّدْريسَ مكانَه بالحَلاويَّة، والمُقَدَّمِيَّة" (٢).

стр. 6171

=== عَبْدُ المُنْعِم بن عُمَر بن عَبْد الله بن أحْمَد بن خَضِر بن مَالِك بن حَسَّان، أبو الفَضْل الغَسَّانيُّ السِّنْديُّ الجِلْيانيُّ الحَكِيمُ الأَدِيْبُ " وَقَفْتُ على تَرْجَمَتهِ في كتاب الخَريدة للعِماد الأصْفَهانيّ، وتاريخ حَلَب، وفي تاج المَعاجِم، وفي تاريخ بَغْدَاد لابن الدَّبَيْثيّ، وفي تاريخ بَغْدَاد أيضًا لابن النَّجار، فلَخَّصْتُ من جَميع ذلك (١): أنَّهُ وُلِدَ بجِلْيَانة من جِهاتِ غَرْنَاطَة سَنَة إحْدَى وثلاثين وخَمْسِمائة، واشْتَغلَ بالطِّبِّ والأدَب، ورَحَل إلى المَغْرب، واشْتَهَر هُنالك ذِكْرُه، وأقامَ مُدَّةً ببَغْدَاد؛ يَمْدَح ويُخالِط الأعْيَان والفُضَلاء، ويُطالِع كَتب الخَزائِن إلى أنْ تَفَنَّن. واسْتَقرَّ بالشَّام، وصارَ طَبِيبَ المَارِسْتان السُّلطانيّ في السَّفر والحَضَر، أيَّامَ صَلاح الدِّين بن أيُّوب وبعده، إلى أنْ ماتَ بدِمَشْق سَنَة ثلاثٍ وستِّمائة. ومَدح في أوَّل أمْره صَلَاحَ الدِّين بمَدائحَ مُخْتَصَرات، فأَعْطاه عليها ثلاثمائة دِيْنار مِصْريَّة، فحَسَدَهُ أحَدُ الحاضِرين وأظْهَر اسْتِكثارَ ذلك في حَقِّهِ، فزادَ السُّلْطانُ ثلاثمائة دِيْنار أُخْرَى" (٢). "حَدَّثني القاضِي أبو القَاسِمِ عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الحَنَفيّ، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: أخْبَرني السَّدِيدُ بن عُمَر القَفْصِيّ؛ قال كان عَبْد المُنْعِم الجِلْيانيّ قليلًا ما يَمْتَدحُ النَّاس، وكانَ يَمْدحُ المَلِك النَّاصِر جالِسًا، وعَمِلَ له كتابًا في مَدائحه مُشَجَّرًا، وكان السَّبَب الَّذي دَعاهُ إلى عَملهِ، أنَّه لَزمهُ دَيْنٌ مِقْداره ثلاثمائة دِيْنار،

стр. 6172

=== وعَمِلَ في هذا الكتاب مُشَجَّرات في مَدْحه، وحَمَلهُ إليهِ، فلمَّا وقَفَ عليهِ لم يَهْتدِ إلى قِراءتهِ، فطَلَبَ عَبْد المُنْعِم ليحلَّ المُشَجَّرِات، وكان بحَضْرتِه إنْسَانٌ يَقْصده، فلم يَسَعه عندَ طلبهِ إلَّا إحْضاره، فلمَّا حَضَرَ حَلَّ له المُشَجَّرات، فاسْتَحْسَنها، وسألهُ عن حاجَتِه؛ فقال: علَيَّ دَيْنٌ أطْلب قَضَاءه، فتَقَدَّم إلى الدِّيوان أنْ [ ..... ] (١) بدَيْنهِ، فلمَّا خَرَجَ؛ قال له ذلك الرَّجُل الَّذي يَقْصده: هذا عليه ثلاثمائة دِيْنار! فأمَر الدَّيِوان أنْ [ … ] ثلاثمائة دِيْنار، ويُطْلق لهُ ثلاثمائة دِيْنار أُخْرَى، فأرادَ ذلك الرَّجُل أنْ يَضرّه فنَفَعه. وقال القاضِي: وسألتُ السَّدِيد عُمَر عن حَالهِ فوَصَفه بالفَضْل والعِلْم؛ قال لي: وكانَ يَمِيلُ إلى الحِكْمةِ. وحَدَّثني القاضِي أبو القَاسِم، قال: حُدِّثْتُ عن عَبْد المُنْعِم أنَّه كان في مَجْلس المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين؛ فقال له القاضِي الفَاضِل ليَغُضّ من قَدْرِه نِسْبَته إيّاه إلى قَرْيَةٍ: كم بين جِلْيانة والمَرِيَّة؛ فقال مُجِيبًا له في الحال: مثْل ما بين بَيْسان وبَيْت المَقْدِس" (٢). عَبْدُ الوَهَّاب بن يُوسُف بن عليّ بن الحُسَين بن النَّحَّاس الدِّمَشْقيّ الحَاكِمُ، أبُو مُحَمَّد المَعْرُوف بالبَدْر المجِنّ " قال ابنُ العَدِيم: تَفَقَّه على مَذْهَب أبي حَنِيْفَة، وبرَعَ في الفِقْه، وَأفْتى. وكان وَحِيدًا في مُناظَرَتِه، فَرِيدًا في مُحاوَرَتِه، ناظَرَ الفُحُول الوارِدين من وَرَاء النَّهْر وخُرَاسَان في التَّدْريس بمُدُن الشَّام، ثُمّ سَافَرَ إلى القَاهِرَة، ودرَّسَ بالمَدْرسَةِ

стр. 6173

=== المَعْرُوفَة بدار المَأْمُون (١). ومات بالقَاهرةِ سَنَة تسعٍ وتِسْعين وخَمْسِمائة" (٢). "وله وَلدٌ يُقال له: مُحَمَّد" (٣). عُبَيْد الله بن ضِرَار بن عَمْرو " قال ابنُ العَدِيْم في تاريخ حَلَب: عُبَيْد الله بن ضِرَار بن عَمْرو عن أبيه وعنه دَهْثَم بن جَنَاح؛ ثَلاثتهم ضُعَفاء" (٤). عُبَيْد الله بن عَلَّان بن رَزِيْن بن عُمَر بن رَزِيْن الخُزاعِيُّ، أبو الفَضْل الوَاسِطيّ " ذَكَرَهُ أبو القَاسِم ابن العَدِيْم في تاريخ حَلَب، وقال: مات سَنَة ثلاثٍ [أو] اثْنَتَين (٥) وستّ مائة. قال: وكان كَذَّابًا كَثير الكَذِب والتَّزوير، وكان يَدَّعِي أنَّهُ وسَمِعَ من أبي الوَقْت وطَبَقته، فسَألتُه أنْ يُريني شَيئًا من سَماعهِ، فأحْضَرَ إليَّ طِباقًا مُزَوَّرة بخَطِّهِ. قال ابنُ العَدِيْم: وأنْشَدَنِي من شِعْرِهِ؛ وهو شِعْرٌ مُقَارِب (٦)، وكان يُلَقَّب شقاشل، وله عِنايةٌ بجَمْع التَّوَاريخ، وله كتابٌ سَمَّاه: جَواهِر الحِكَم في مُلُوك العَرَب والعَجَم.

стр. 6174

=== قال: وكان يُزَوِّر الطَّبَقَة ويُزَوِّر خَطّ الشَّيْخ بخَطِّ نَفْسِه، وكان كَثير التَّخْلِيط، قَليل الدِّيانة. نَقَلْتُ ذلك من خَطِّ مُحَمَّد بن الزَّكِيّ. قال: وله ولدٌ اسْمه مُحَمَّد؛ حَسَن الشِّعْر. قُلْتُ (١): ونَقَلهُ ابن عَشائِر (٢) من خَطِّ ابن العَدِيم وزَاد: وآفَةُ كَذبه جَهْله؛ فإنَّهُ أخْطأ في أسَانيدها وفي شُيُوخ الَّذين ادَّعَى أنَّهُ سَمِعَ منهم، واغْتَرَّ جَماعَة من طَلَبةِ الحَدِيث فسَمِعُوا منهُ بالمَوْصِل وغيرها. وذَكَرَ لي أنَّهُ وُلد سَنَة خَمْسٍ وثلاثين وخَمْسِمائة. وذَكَرَ أنَّه رآهُ في مَوْضِع آخر من تاريخ ابن العَدِيم: عبد الله؛ مُكَبَّرًا" (٣). عُلْوَان بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيُّ الحَلَبِيُّ، أبو عَبْد الله " وكان ذلك (أي إبْطَال المَكْس المأخُوذ من الحُجَّاجِ في البَحْر إلى مَكَّة على طَرِيق عَيْذَاب) على يَدِ الشَّيْخ أبي عَبْد الله عُلْوَان ابن الأُسْتَاذ عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ الحَلَبِيّ، كما ذَكَرَ ذلك الصَّاحِبُ كَمال الدِّين (٤) عُمَر بن العَدِيْم في تارِيْخِهِ لحَلَب، في تَرْجَمةِ المَذْكُور، ونصّ ما ذَكَر: أنَّه هو الَّذي أبْطَلَ المَكْس عن أهْلِ مِصْر والمَغارِبة؛ فإنَّ العادَة كانت جَارية عندهم أنَّهم يَخْرجُون إلى جُدَّة ويأخُذُون على كُلِّ إنْسَانٍ سَبْعة دَنانير، ويُهِيْنُونهُم، سواء كانوا فُقَرَاء أو أغْنياء، فلمَّا بَلَغَهُ ذلك، قال لمَلِكِ النَّاصِر سَيِرْني في مَرْكبٍ ومُرْ صاحِب المَرْكِب أنِّي كما قُلْتُ له: ارْجع، يَفْعل ذلك. فسَيَّره في مَرْكبٍ صغِير، فلمَّا وَصَلُوا إلى المَرْسَى، جاءَهُم إنْسَانٌ أسْود من مَكَّة ومعه مِيْزَان، وطالَبَهم بذلك المَعْهُود من المَكْس، فقال: أدُّوا الحقَّ، فقال

стр. 6175

=== له عُلْوَان: وَيْلك، وما الحَقُّ؟ فقال: الحَقٌ على كُلِّ رأسٍ سَبْعة دَنانِير، فلَطَمَهُ، وقال: تُسَمُّون المَظالِم حَقًّا؟! وقال لصَاحِب المَرْكِب: ارْجع، فعادَ، فاسْتَغاثُوا إليه: على رِسْلِك حتَّى نُعلمَ أمِير مَكَّة، فوَقَفوا إلى أنْ طالَعُوا صاحِب مَكَّة بأمْرِه، فقال: أطْلقُوه وجَميع مَن معهُ في المَرْكِب، ففَعَلوا ذلك، فلَّا وَصَلَ مَكَّة اجْتَمَع به صاحِب مَكَّة واعْتَذَر له، وقال: نحنُ قَوْمُ ضُعفاء، وما لنا إلَّا هذه الجِهَة، والمُلُوك قد استَولُوا على البلَاد، ولا يُؤدُّون لنا شَيئًا، فعندَ ذلك كَتَبَ الشَّيْخُ إلى المَلِك النَّاصِر - يَعْني صَلاح الدِّين بن أيُّوب - فشَفَعَ فيهم، وطَلَبَ لهم منه شَيئًا، فأقْطَعهُم الأقْطاع المَعْرُوف لهم بِمصْر، وبَطَلَ ذلك المَكْس الَّذي كان يُؤخَذ من الحاجِّ، وللّهِ الحَمد. انْتَهَى" (١). عليّ بن أحْمَد بن مَكّيِّ الرَّازِي، الإمَام حُسَام الدِّين " قال ابنُ العَدِيم: تفقَّه عليه بحَلَب عَمِّي أبو غَانِم وجَمَاعَةٌ، وسَمعَ منهُ عُمَرُ بن بَدْر المَوْصِليّ. فَقِيهٌ فَاضِلٌ، له تَصانيفُ؛ منها: الخُلاصَة، ومنها: سَلْوَةُ الهُمُوم، جَمَعَه وقد مات له وَلد. وكان قد وَرَدَ إلى حَلَب في أيَّامِ نُور الدِّين مَحْمُود، وأقامَ بالمَدْرسَةِ النُّورِيَّةِ في أيَّامِ العلَاءِ الغَزْنَويّ، فلمَّا تُوفِّي الغَزْنوِيّ ووَلِىَ المَدْرسَةَ بعدَه ابنه مَحْمُود، كان أبُو الحسَن الرَّازِيُّ هذا يُدبِّرُ حالَه. وتُوفِّي في سَنَة ثَمَانٍ وتِسْعين وخَمْسِمائة، وَدُفِنَ خَارج باب الفَرادِيْس" (٢).

стр. 6176

=== عليُّ بنُ إدْرِيْس بن مُقَلَّد بن شِبْل بن حَرِيْز، أبو الحَسَن الحْمِصيُّ، الكاتِبُ بحَمَاة " أنْشَدني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد الحَلَبِيّ؛ قال: أنْشَدني أبو الحَسَن عليّ بن إدْرِيس بن مُقَلَّد بن شِبْل بن حَرِيْز الحِمْصيّ، لنَفْسهِ من أبْيَاتٍ: [من الخفيف] أيُّ طَيْفٍ تُطيفُه الأحْلَامُ … بكَئِيْبٍ جُفُونُهُ لا تَنَامُ أوْ تَرَى عَدْلَ حَاكِم البَيْنِ فـ … ـي شَرْعِ الكآباتِ والغَرَامُ الغَرامُ يا لَقُوْمِي تَجنَّبُوا الخِيْفَ إذْ ما … فيْهِ أمْن لمُسْتَهَام يُسَامُ وتَعدَّوا رِمالَ رامَةَ إذْ فِيْـ … ـه تَصِيْدُ الضَّرَاغِم الآرَامُ بِجُفُونٍ [ … ] الذّم لِلْعَضْبِ فَمَـ … ـا عِنْدَها لقَلْبٍ ذِمامُ وأنْشَدَنِي؛ قال لي: واقْتَرحَ علَيَّ المَلِكُ المنصُور صاحِب حَمَاهَ أنْ يُجِيز بيتًا هو: [من الكامل] يَغْدُوا علَيَّ برِيْقِهِ وبكَأسِهِ … فيُعلُّنِي بالكأسِ بعْدَ الكاس والرَّوْضُ قَدْ أهْدَى إلى نُوَّارِهِ … رُوْحَ النَّسِيْمِ بأعْطَرِ الأنْفاسِ ومُهفْهَفٍ مِنْ خَدِّه وعِذَارِهِ … يَجْلُو جَنِيَّ الوَردِ تَحْتَ الآسِ يَغْدُو علَيَّ بريْقِهِ وبكَأسِهِ … فيُعلُّنِيْ بالكَأسِ بَعْدَ الكَاسِ فيَرُوحُ ليْ سُكْرَان مِنْهُ ولَمْ يكُنْ … للْرَّاحِ إلَّا سَكْرَهُ للحَاسِيْ رَشَأٌ يُعِيْرُ البَدْرَ ضَوْءَ جَبِيْنِهِ … والغُصْنَ لِيْنَ قَوَامهِ المَيَّاسِ وإِذا أرادَ مَسِيرَةٌ نادَيْتُهُ … ما في وقُوفِكَ سَاعةً مِنْ بَاس وأنْشَدَنِي؛ قال: أنْشَدني لنفسهِ، وقد اقْترحَ عليه: [من الكامل]

стр. 6177

=== ولَرُبَّ قَائِلَة: سُيُوْلُ الجُودِ لمْ … رَكَدَتْ وكانَتْ جَمَّةَ التَّيَّارِ فأجَبْتُهَا لا تُنْكِرِي هذا فَقَدْ … جَمُدَ النَّدَى لبُرُوْدَةِ الأشْعارِ نِصْف البيت الأخِير لابن حِكِّينا البَغْدَادِيّ. وأنْشَدَنِي؛ قال أنْشَدني لنَفسهِ: [من الوافر] يَرِقُّ لِيَ العَوَاذِلُ وهيَ تَجْفُو … وأُنْكرُ حُبَّهَا والسُّقْمُ عُرْفُ بَدَتْ كهِلَالِ دَجْنٍ والثُّرَيَّا … مُنَظَمَةُ لها قُرْط وشَنْفُ فلا وأبِيْكَ لَمْ يَكُ غَيْرُ لَمْحٍ … واسآرُ الدُّجَى كالصَّدِّ وُجْفُ وقَالُوا في الضَّغَائِنِ أمُّ خِشْفٍ … سَرَتْ ولخِدْرِهَا الخِرصَانُ سِجْفُ وفَوْقَ عُقُوْدِهَا قَمَرٌ مُنِيرٌ … وتَحْتَ ثيِابِها خُوطٌ وحَقْفُ فقُلْتُ لصَاحِبي ظَعَنَتْ سُلَيْمَى … فَدَمْعِي بَعْدَ مَسْرَاها مُسِفُّ وأنْشَدَنِي؛ قال: أنْشَدني وقد أهدي إلى المَلِك الأفْضَل سِرْوَة من شَمْع في كأسِ رُخَام: [من البسيط] ودَوْحَة ما سَقاهَا شأنُ غَادِيَة … تَمِيْسُ في كأسِها كالشَّادِنِ الثَّمِلِ كأنَّ أصْفَرَها لَوْني واحْمَرَها … دَمْعِي وأبيَضَها وَجْهُ المَلِيْكِ عَليْ وأنْشَدَنِي؛ قال: أنْشَدني لنفسهِ في قُوَيْق، وقد مُلء، وهو وابن نَظِيف وَاقِفان عليه: [من الكامل] ولقَدْ وَقَفْتُ على قُوَيْقٍ عنْدَما … وَافَاهُ سَيْلٌ ليْسَ بالمَمْنُوعِ لو لَمْ يُكَدِّرْهُ لقُلْتُ مَواهِبُ … ابنِ نظيْفَ للعافِي بغَيْرِ شَفِيعِ وكَذاكَ لولا بَرْدُهُ لحَسِبْتُهُ … لمَّا تَوَلَّىَ الظَّعْنُ فيضَ دُمُوعِيْ

стр. 6178

=== وقال في صَدِيقٍ وَدَّعه: [من الكامل] يا أيُها الغادِي إليكَ نَصِيْحَةً … مِنْ قبل تَوْدِيعٍ وحَثِّ مَسِيْرِ أخْشَى يُفَرِّقُ عِيْسَكُمْ يَوْمَ النَّوَى … دَمْعِي ويُلْهِبُهُ شَرارُ زَفِيْرِيْ فَخُذُوا أمَانًا مِنْ جُفُوْن دَمْعُها … هُتُنٌ وقَلْبٍ عَنْكَ غَيْرِ صَبُوْرِ وأنْشَدَنِي؛ قال: أنْشَدنِي لنَفْسهِ أيْضًا، في الفَلَك بن المَسِيْرِيّ يَمْدَحه: [من الخفيف] فلكَ الدِّيْن ما إلى غَيْر مَعْرُو … فِكَ سَيْرِي بالنَّاجِياتِ البُدْن أنْتَ عَبْدُ الرَّحْمنِ لفْظًا وِمَعْنى … لسُمُو تُسْمَى الفَخارَ وتُكني لَمْ يُجِزْنِي سِواكَ مالًا وَجَاهًا … ويُعنِّي ومنْ زَمَانِي يُجِزْنِيْ إنْ لَوَتْ ليْتَ مَكْرُمَاتِكَ عَنِّي … غَفْلَةٌ فَهُوَ آخرُ العَهْد مِنِّي حَاشَا للّهِ أنْ يُخيِّبَ فيمَنْ … هو رُوْحُ الوُجُودِ للقَصْدِ ظَنِّيْ أوْ يَراني الحَسُوْدُ ممَّا أرَجِّيْـ … ـهِ لقَرْعِ الفَاقاتِ أقْرَعُ سِنِّي ومَسِيْرِي إلى نَدَى ابنِ المَسِيْـ … ـرِيِّ بقَلْبٍ لأنْعُمٍ مُطْمَئن بلْ مَعادِي يكُونُ عَنْهُ بما … عاد نِظَامُ الثَّناءِ عن جُوْدِ مَعْنِ دامَ في نِعْمَةٍ لِعَلْيَاهُ يُغْنِي الحَمْـ … ـدُ إذ للعُفَاةِ بالمَالِ يُغْنِي" (١). عليُّ بنُ أبي بَكْر بن عليّ، أبو الحَسَن الهَرَوي المَوْصِليُّ " أنْشَدَنِي القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم بن أبي الحَسَن الحَنَفيّ، أيَّدَهُ اللّهُ تعالَى، قال أنْشَدَني عليّ بن أبي بَكْر الهَرَويّ لنَفْسهِ، وهو ما ضَمّنهُ كتاب الإشَارات الَّذي تقدَّم آنفًا: [من الكامل]

стр. 6179

=== طُفتُ البلَادَ مَشَارِقًا ومَغارِبًا … ولكَمْ صَحبْتُ لسَائحٍ وحَبِيْسِ ورَأيْتُ كُلَّ غَرِيْبَةٍ وعَجِيبَةٍ … ولَقيْتُ هَوْلًا في رَخَايَ وبوسِي أصْبَحتُ من تَحْتِ الثَّرَى في وَحْدَةٍ … أرْجُو إِلَهي أن يكُونَ أنِيسي وأنْشَدَنِي القاضِى الإمامُ أبو القَاسِمِ، أيَّدَهُ اللّهُ تَعالَى، بمَنْزلهِ المحرُوس بحَلَب، في سَنَة أرْبَعٍ وثلاثينَ وستمائة، قال: أنْشَدَني الشَّيْخُ أبو الحَسَن عليّ بن أبي بَكْر بن عليّ الهَرَويّ لنَفْسهِ، يَرْثي الشَّيْخ أبا البَرَكات بن قُرنَاص: [من الخفيف] دع مَلَاميْ فإنَّهُ لَا يُفيْدُ … لا تَلُمْنِي فإنَّ قَلْبي عَمِيدُ كُفَّ عَنِّي فالصَّبْرُ منِّي ضَعِيْفٌ … ومُصَابِي صَعْبٌ وخَطْبِي شَديْدُ هذهٍ نَكْبَةٌ لها أضْحَتْ الأرْضُ … بما فَوقَ مَنكَبَيْها تَمِيْدُ مات شَيْخُ الإسْلَام شَرْقًا وغَرْبًا … وإمامُ الهُدى الوَليُّ الفَرِيْدُ سَيِّدُ الأوْلياءِ والزَّاهِدُ العَابـ … ـدُ وَالفاضِلُ الإمامُ الوَحِيْدُ هِبَةَ اللّهِ مُذْ فَقَدْناكَ ماتَ الخَـ … ـيْرُ والزُّهْدُ والنَّدَى والجودُ هبَةَ اللّهِ لا صَفا ليَ عَيْشٌ … كيفَ يَصْفُو وقد عَلاكَ الصَّعيدُ فالقُبُورُ الَّتي حَلتَ بها بِيـ … ـضٌ وهذي القُصُورُ بَعْدَكَ سُوْدُ أتَلَذُّ الحيَاةَ نفسِي وشَيْخِي … هِبَةُ اللّهِ في الثَّرَى مَلْحُوْدُ صاحِبُ الزُّهْدِ والتِّلَاوَةِ والوِ … رْدِ الَّذي للوَرَى عليه وُرُوْدُ نَدبَتْكَ الآياتُ يا هِبَةَ اللـ … ـه وتبَكيكَ المُرْسَلَاتُ وهُودُ نَدبَتْك الدِّيار والمَسْجِدُ المَعـ … ـمُورُ يَبْكِيْكَ والكِتَابُ المجيْدُ فعَليكَ السَّلَامُ مِنَّا إِلى يَوْم … التَّنَادِي إِنَّ المَزارَ بَعِيْدُ وأنْشَدَنِي، قال: قال أبو الحَسَن قَبْل مَوْته بأيَّام هذه الأبْيَات، وكَتَبَها على حائِط تُرْبته: [من مجزوء الرّمل]

стр. 6180

=== قُلْ لمَنْ يَغْترُّ بالدُّنيَـ … ـا وقَدْ طالَ عَناهُ هذهِ تُرْبَةُ مـ … ـنْ شَيَّدَ هذا وبَناهُ طالَما أَتْعَبَهُ الحِرْصُ … وقَدْ هَدَّ قُوَاهُ طَلَبَ الرَّاحَةَ في الدُنْـ … ـيَا فما نالَ مُنَاهُ وأنْشَدَنِي، قال: نَقَلْتُ من خَطِّهِ، وأجازَ لي الرِّوَاية عنه: طَلَبَ بعضُ أُمَراء الشَّام قَميصًا يتبرَّك به من ثِيَابِه، فأنْفذَ لهُ قَمِيصًا ومعَهُ هذهِ الأبْيَات: [من السّريع] قَمِيصُ عَبْد مُذْنبٍ غَافِل … زَمانُهُ في صَفْقَةٍ خَاسِرِهْ فابْكِ على مَنْ ضَلَّ في غَفْلَةٍ … قد خَسِرَ الدُّنْيا معَ الآخِرهْ وأنْشَدَنِي، قال: نَقَلْتُ من خَطِّه لنَفْسهِ هذهِ الأبْيَات، قالَها واشْتَدَّ بهِ ألَمُ ظَهْرِه، وعَجِزَ عن القيامِ بغير عَصا، وأظُنُّني سَمِعْتُها منه، واللّهُ أعْلَمُ: [من الخفيف] لو تَرانِي كَسَعْفَة يَوْمَ رِيْحٍ … عَاصِفٍ إذْ مَشَيْتُ بالعُكَّازِ خائِفًا زَاحِفًا أسِيْرُ على الأرْ … ضِ هُوَيْنَى في رِعْدَةٍ واهْتِزَازِ شِبْهَ قَوْسِ النَّدَافِ يُزْعِجُهَا الضَّـ … ـرْبُ فَيَهْوِي بها كَرِيْشِ البَاز" (١). عليّ بن الحَسَن بن عَنْتَر، شُمَيْم الحِلِّيّ " من تاريخ ابن العَدِيْم: أنَّ شُمَيْمًا بلغَ في الْخَلْوة إِلى أنْ كان يَصل الصَّومَ، ثُمَّ يأكُل الطِّينَ فينزل برَجيعٍ ما فيه رَائحة، ويُشِمّه مَن يَدْخل عليه ليعلم مِقْدَار مَبْلغه من الرِّياضَة، فلذلك لُقِّب بشُمَيْم" (٢).

стр. 6181

=== " وحَكَى ابنُ العَدِيْم بسَندِه أنَّه كان لا يأكل إلَّا التُّراب، فكان رَجِيعه يَجيء يابِسًا لا رِيْح له، فيَجْعله في جَنْبِه، فَمن دَخَل عليه أشَمَّهُ إيَّاه، ويَقُول: قد تَجَوْهَرَت" (١). عليُّ بن الحَسَن بن مُحَمَّد البَلْخيّ، أبو الحَسَن الزَّاهِد، الفَقِيه، الحَنَفيّ، الجَعْفَريّ، عُرِفَ بالبُرْهان البَلْخيّ " قال الصَّاحِبُ أبو القَاسِم بن العَدِيْم: أخْبَرني وَالدِي، قال: لمَّا فَتَحَ نُور الدِّين مَحْمُود المَدْرسَةَ الكَبِيرة المَعْرُوفة بالحَلاويَّة بحَلَب، لأصْحابِ أبي حنِيْفَة، اسْتَدْعَى البَلْخيّ إليها، فجاءَ ومعه جَماعَة من الفُقَهَاءِ، ودَخَلَها، وألْقَى بها الدُّرُوس، وكان الأذان بحَلَب في المَنارة على قاعدَة الشِّيْعَةِ، يُزَاد فيه: حَيَّ على خَيْرِ العَمَل، مُحمَّدٌ وعليٌّ خَيْر البَشَر. فلمَّا سَمعَ البلخيُّ ذلك، أمَرَ الفُقَهَاء، فصَعدُوا المَنارة وَقْت الأذان، وقال لهم: مُرُوا المُؤذِّنين ليُؤذِّنوا الأذان المَشرُوع، ومَن امْتَنَعَ منهم كبُّوه على رَأسِه، فصَعدَ الفُقَهَاءُ، وفَعَلُوا ما أمَرَهُم بهِ، فأذَّن المُؤذِّنون الأذان المشْرُوع. واسْتَمرَّ الأمْرُ على ذلك إلى أنْ مَرِضَ نُور الدِّين بقَلْعَة حَلَب، ودَخَل نَصِيْر الدِّين أخُوه إلى حَلَب، فأعادَ الشِّيْعَةُ الأذانَ أيّامًا ثُمّ تُرك. قال ابنُ العَدِيْم: كان سَبَب خُرُوج البَلْخيّ بعدَ ذلك من حَلَب أنَّ بعض الأُمَراء المُختَصِّين بمَجْد الدِّين أبي بَكْر بن الدَّايَة كان سَاكِنًا إلى جانب المَدْرسَة، فبَلَغَ البَلْخيّ عنه أنَّهُ يَشْرب الخَمْرَ، فأمَرَ الفُقَهَاءَ أنْ يُنْكِروا عليه، فَمشَوْا إليه، فقام إليهم وضَربهُم، فجَمَعَ البَلْخيُّ الفُقَهَاءَ، وأمَرَهُم (٢) بالدُّخُول إليه، فدَخَلُوا إليه وأراقُوا الخَمْرَ، وضَرَبُوه، فشَقَّ ذلك على ابن الدَّايَة، وأخْرَجَه من حَلَب.

стр. 6182

=== قال ابنُ العَدِيْم: "أخْبَرني ابنُ قاضِي العَسْكَر، قال: حُدِّثتُ عن حاجِب شَمْس المُلُوك، صاحب دِمَشْق: أنَّهُ كان لشَمْس المُلُوك في مُقابَلةِ المَسْجِد - الَّذي عَمَّرته وَالدته الخاتُون للبَلْخيّ مَدْرسَةً - قَصْرٌ له يَشْرب فيه، وعندَهُ المُغَنُّون له بالمَلَاهي، وكان الشَّيْخُ إذا عَلمَ بهم أمَرَ الفُقَهَاء بأسْرِهم فيَصْعدُونَ إلى السَّطْح، ويُكَرِّرُونَ ليُشَوِّشُوا عليه ما هو فيه، فكان يَتَكَّدر عليه لذَّته، ويتشوَّش عليه. قال الحاجِبُ: فأخَذَني في بعضِ اللَّيالي، وليسَ مَعنا ثالثٌ، وقال لي: لا بُدَّ من قَتْلِ هذا الشَّيْخ الكَلْب العَجَمِيّ! واسْتَصْحَب معه سَيْفًا، وجاءَ إلى المَسْجِدِ، وإذا بالشَّيْخ قاعِدٌ فيه، فأعْمَى اللهُ بَصَرَهُ عنه، وأنا أُبْصِرُهُ، فقال لي: ما أراهُ هنا! وأين هو هذا الفاعِل الصَّانِع؟ فلمَّا رَأيْتُه كذلك لَم أُعْلِمهُ أنِّي أراهُ، فجَعَلَ يدور عليه ولا يَراه، ثُمّ جاءَ إلى حائطٍ هُناك، فقال: اقْعد إلى الأرْض، حتى أصْعَد على كَتِفَيكَ، قال: ففَعَلْتُ ذلك، وصَعِدَ على كَتِفي، فلمَّا وضَعَ يَده على رأس الحائط، انْقَلَب إلى خَلْف، ووَقَع مُغْمَىً عليه. قال: فاتْبَدرتُ إليه ووَضَعْت رأسه على رُكْبتي، وجَعَلتُ أُسكِّنه وأسْأله، فلمَّا أفاقَ قال لي: لا تَسْأل ما تَمَّ عليَّ، وإنْ حَدَّثتَ به أحدًا ضَرَبتُ عُنُقكَ، اعْلَم أنِّي لمّا هَمَمْتُ بالطُّلوع، فما هو إلَّا أنْ وَضَعتُ يَدي على رأسِ الحائط، وصَعدتُ، وإذا بأسَدٍ عَظِيم قد لَطَمني فألْقاني، وأنا اسْتَغفرُ الله ممَّا جَرَى، ولا بُدَّ لي في غَدٍ من زيارة هذا الشَّيْخ. فلمَّا كان الغَد، أتَى شَمْسُ المُلُوك إلى الشَّيْخ وزَارَهُ، واسْتَغفر، وتاب، ثُمَّ كان من بَرَكةِ الشَّيْخ أنْ ذلك القَصْر وُقِفُ خَانقاه على الصوفِيّةِ إلى الآن بطَريق النَّيْرب. قال ابنُ العَديْم: حَدَّثني ابنُ قاضِي العَسْكَر، قال: حَدَّثني جَماعَةٌ من الفُقَهاءِ من أصْحاب البَلْخيّ، منهم وَالدِي، قال: عمَّر آبق صاحِب دِمَشْق دارًا، فاحْتاجَ

стр. 6183

=== فيها إلى رُخامٍ، فذُكِرَت له أُسْكُفَّة عَظِيمة من الرُّخام على باب مَسْجِد دِمَشْق، فأمَرَ بقَلْعِها، وعمَل أُسْكُفَّة عِوَضها من غيرها، فجاؤوا واقْتَلعُوها وحَمَلُوها، ومعهم المَلَاهي لَحْملِها، فبَلغَ الخبرُ الشَّيْخَ، فخَرَج من مَنْزلهِ وتَبَعَهُ جَماعَةٌ من الفُقَهاء، وجَعَل لا يَمُرّ بمَحَلَّةٍ إلّا اجْتَمَعَ معه خَلْقٌ منها، حتَّى كَثرُوا جدًّا، ولا يَعْلَمُونَ إلى أينَ يَذْهب. فلَقِيَهم في الطَّريْق ومعهم الأُسْكُفَّة، فقال لهم: ارْجعُوا، فلم يَسَعْهُمْ إلَّا امْتِثال أمرِه، فعادُوا، ووضعُوها في مَكانِها، ثُمّ أتوا إلى آبق صاحِب دِمشق، فأخْبَرُوه، فأنْكَرَ عليهم امْتِثال أمْرِه (١)، فقالوا: لو لَم نَفْعَل ذلك هَلَكْنا من كَثْرةِ الخَلْق علينا. فأنْفَذَ إِليه، فقال له السُّلْطانُ: دِمَشْق لك هَبْهَا لي! فقّام، وخَرَجَ ماشِيًا، حيَّ أتى بُصْرَى، والوَالي بها رَبيع الإسْلام أمِيْن الدَّوْلَة، فأكْرَمهُ، وأحْسَنَ إِليه، وأنْزلَهُ في مَدْرسَةٍ كانت له هُناك. فوَقَعَ بين صَاحِب دِمَشْقَ ووَالي بُصْرَى خلافٌ، فأتَى صاحِبُ دِمَشْق إِلى بُصْرَى، مُحاصِرًا لها، فأرْسَلَ إلى وَاليها: أنْفِذْ إِليَّ البلخيّ ليُصْلح بيننا، فقال رَبيْعُ الإسْلام للشَّيْخ: إنَّ هذا الجبَّار قد سَألَ أنْ تَخْرجَ إليه. فأجابَهُ الشّيْخُ إِلى ذلك، فخرَجَ إِليه، فالْتَقاهُ صاحبُ دمَشْق، وأكَبَّ على قَدَميهِ يُقَبِّلها، والشَّيْخ لا يَرْفعه عنهما، ثُمّ قال له: ما جِئتُ إلَّا لأجْلِكَ، فإنِّي لَم ألْقَ خَيْرًا مُنذ خَرَجْتَ! ولا لَقِيَت دمَشْق (٢) خَيْرًا مُنذ خَرَجْتَ، ولا بدَّ من الرُّجُوعَ إِليها مَعي، وأخَذَهُ وعادَ، فتَلقَّاهُ أَهْلُ دِمَشْق أحْسَنَ لقاء. قال ابنُ العَدِم في تارِيْخِهِ: أخْبَرنا دَاوُد بن عُمَر خَطِيْب بَيْت الآبَار، [قال]: حَدَّثني عَبْد الرَّحْمن ابن عَساكِر، قال: أَحْكي لك حِكَايتَيْن عن الشَّيْخ البَلْخيّ:

стр. 6184

=== أمَّا إِحْداهمُا: فإنَّهُ اسْتُفتي في قَضِيَّةٍ فأفْتَى بها، فحَمَل صاحِبُ الفُتْيَا الفَتْوَى إلى دِيْوان نُور الدِّين، فلم يَعْملوا بها، فجاءَ إِلى الشَّيْخ، فحَكَى له ذلك، فشَقَّ عليه وقال: بَلَدٌ لا يُعْمَل فيها بما يُفْتي به الفُقَهاء لا أسْكنه! وقامَ ولَبِسَ ثيِابَهُ، وخَرَجَ ليَرْحلَ من دِمَشْق، فبَلَغَ ذلك نُور الدِّين، فخَرَج في أثره، فلَحِقَهُ في المِزَّة، فجاءَ، ونَزَلَ وتلقَّاهُ، وقال: ما الَّذي دَعاكَ إِلى هذا؟ فقال: أُفْتِى بشيءٍ لا يُعْمَل بهِ؟ لا حاجَةَ لي إلى سُكْنى بَلْدة تكُون بهذه الصِّفَة. فاعْتَذَرَ إِليه، وقال: لا، بل يُعْمَل بقَولِكَ، وبما تُفْتِي بهِ. وسَألَهُ في العَوْدِ، فأَجابَ إِلى ذلك. فرَجعَ نُور الدِّين معه ماشِيًا على قَدَمهِ من المِزَّة حتَّى دَخَلَ المَدْرسَة الصَّادِريَّة بباب الجامع. وِأمَّا الثَّانيةُ: فإِنَّهُ كان بالصَّادِرِيَّة بَوَّابٌ يتَصَفَّح حالَ الفُقَهاءِ، فجاءَ إلى الشَّيْخ يوْمًا وقال: إنّ فُلانًا وفُلَانًا من الفُقَهاءِ يَجْتَمِعان بالبَيْتِ الفُلَانيّ، ويَشْرَبان الخَمْر. فقال: لا تَتَكلَّم بشيءٍ، وإذا رأيْتَهُم على هذه الحالةِ، فأعْلِمني بذلك. وعَمَدَ الشَّيْخُ إلى السُّوق، فاشْتَرَى منه ما يَصْلُح للنُّقُل على الشّرْب، وتَرَكهُ في مِئْزرٍ مَشْدُودٍ عنده. فجاءَ البَوَّابُ في بعض اللَّيَالي، فقال: همُا يَشْربان السَّاعَة! فأخَذَ الشَّيْخَ ذلك النَّقْل بيَدِه، وأتَى إلى الباب الَّذي فيه الفَقِيهان، ووَقَفَ على البابِ، وقال: اللَّهُمَّ تب عليهما. ونَقَرَ الباب، فلم يَسَعْهُما إلَّا فَتْحه، فنَاولَهُما ذلك النَّقْل، وقال: خُذا هذا واسْتَعمِلاهُ، فأخَذاه. فلمَّا أصْبَحا، جاءَا إلى الشَّيْخ وتابا على يَدِه، وحَسُنَت تَوْبَتهما، ثُمّ صارا إمامَيْن في الفِقْه، ودرّس كلٌّ منهما بمَدْرسَةِ دِمَشْق. وسُئلَ يَوْمًا عن مَسْألةٍ في الزُّهْدِ، فنَزل عن المنْبَر، وقال: مَكانكم حتَّى أرْجعُ إليكم، وراحَ إلى بَيْتهِ بالمَدْرسَة، وكان عندَهُ دِيْناران، فأخَذَهمُا وتصَدَّقَ

стр. 6185

=== بهما، ثُمّ عاد إلى مَجْلِس وَعْظِه، وقال: سَألني هذا عن الزُّهْدِ، وكان عندِي دِينْاران، فاسْتَحيَيْتُ من اللهِ أنْ أتَكلَّمَ في الزُّهْدِ، وعندي شيء من الدُّنْيا! وقبل مَوْتِه بقَليل، جَرَى بين الصّوفِيّةِ بخَانقاه السُّمَيْسَاطِيّ (١) نِقَارٌ، فجاءَهُم الشَّيْخُ ودَقَّ البابَ، فقالوا: مَن؟ فقال: عليٌّ البَلْخيُّ، فعَرفُوه وفَتَحُوا له، فدَخَلَ وأصْلَحَ بينهم، وخَلَعَ ثيِابَهُ لتَعْمل الصَّوفِيَّة بها اسْتِغفارًا كما جَرَت العادة لهم، فلم يَبْقَ عليه إلَّا ثَوْبٌ واحدٌ، وخَرَج وصَلَّى، فأصَابَهُ بَرْدٌ، فتَأثَّر بَدَنهُ لذلك، فأصْبَح وذَكَر الدَّرْس، ثُمّ بعدَ أيَّام خرجَ وصَلَّى بهم الصُّبْحَ، وكان يَؤمُّ بهم ويُطِيل الصَّلَاة، يَبْدأُ بغَلَسٍ، ويَخْتمُ بإِسْفار، فقَرأ في الصَّلَاة ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ (٢). فأجْهَشَ النَّاسُ بالبُكَاءِ عندَما قَرأ ذلك، فرَكع وأتَمّ الصَّلَاة، ودَخَلَ مَنْزله، فلم يَخْرج منه بعد ذلك حتَّى مات يَوْم الخَمِيْس في شَعْبان سَنَة ثَمانٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائة. ودُفِنَ بمَقْبرةِ باب الصَّغِيْر. قال ابنُ قاضِي العَسْكَر دَعَوتُ عند قَبْرِه في أُمورٍ أهَمَّتنِي، ثلاث دَعَواتٍ، فاسْتُجِيبَ لي. وهو أوَّل مَن درَّس بالمَدْرسَة الحَلاوِيَّة بحَلَب، وبالطُّرْخانيَّة بدِمَشْق، وبمَسْجِد خَاتُون، ظَاهِر دِمَشْق، وبالمَدْرسَة البَلْخيَّة المجاوِرَة للصَّادِريَّة، جِوار الجامع الأَمَويّ، وإليه نُسِبَت" (٣).

стр. 6186

=== عليّ بن أبي الحسَن بن مَنْصُور الحَرِيْريُّ " ذَكَرَ بَهاءُ الدِّين يُوسُف بن أحْمَد بن العَجَمِيّ أنَّ الصَّاحِبَ مَجْد الدِّين بن العَدِيْم حَدثهُ، عن أَبيِه، قال: كُنْتُ أكْرَهُ الحَرِيْريّ وطَرِيقَهُ، فاتَّفقَ أَنِّي حَجَجْتُ وحَجَّ في الرَّكْب، ومعهُ جمَاعَة ومُرْدَان، فأحْرَمُوا وبَقيُوا يبدُو منهُم في الإحْرَام أمُور مُنْكَرَة، فَحضَرت يَوْمًا عِنْد أمِيْر الحاجّ، فجاءَ الحَرِيرْيُّ، فاتَّفَقَ حُضُور إِنْسَان بَعْلَبَكّي، وأحْضَرَ مَلاعِق، ففَرَّقَ علينا كُلّ وَاحِدٍ ملْعَقَتَيْن وأعْطَى الشَّيْخ عليّ الحَرِيْريّ وَاحِدَة، فأعْطَاهُ الجَاعَة مَلَاعقَهُم تَكْرِمةً لَهُ، وأمَّا أنا فلم أُعْطِه ملْعَقتي، فقال لي: يا كَمال الدِّين، ما لكَ لا تُوَافِق الجَاعَة؟ فقلْتُ: ما أُعْطِيكَ شَيئًا! فقال: السَّاعَة نَكْسِركَ أو نَحْو هذا، قال: والملْعَقَتان على رُكْبتي، فنَظَرتُ إليهما وإِذا بهما قد انْكَسَرتا شَقْفَتَين! فقُلْتُ: ومع هذا، فما أرْجعُ عن أمْرِي فيك، وهذا من الشَّيْطَان، أَو قال: هذا حَال شَيْطاني" (١). عليّ بن عَبْد الحَمِيْد الغَضَائِريُّ، أبو الحَسَن " وهو أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الحِميْد بن عَبْد الله بن سُلَيمان، سَمعَ عَبْد الله [ابن مُعَاويَة] (٢)، وبشر بن الوَلِيْد، وعَبْد الله بن [ … ] (٣)، وعُبَيْد الله القَوَارْيريّ وطائفة. وعنه عَبْد الله بن عَدِيّ وجَماعَة. وَثَقهُ الخَطِيْبُ.

стр. 6187

=== وهو أحَدُ الأوْلِيَاء من أصْحاب السَّرِيّ السَّقَطِيّ. حَجَّ من حَلَب أرْبَعين حَجَّة، قالَهُ ابنُ العَدِيْم" (١). عليّ بن مُحَمَّد بن خَرُوف القُرْطبيُّ، أبو الحَسَن " وَقَفْتُ على تَرْجَمَتهِ في تاريخ حَلَب وتاج المَعاجِم وفي زَادِ المُسَافِر لأبي البَحْر. وقال الصَّاحِبُ كَمال الدِّين بن العَدِيْم: كان يَتَردَّدُ بين حَلَب والمَوْصِلِ، يَمْدَح الظَّاهِر ابن صَلاح الدِّين، ومَدَحَ نور الدِّين أَرْسلَان شَاه، إلى أنْ حَضَرَ مَرَّةً بدَار العَدْل في حَلَب عند المَلِك الظَّاهِر في إحْدَى ليالي شَهْر رَمَضان من سَنَة أرْبَعٍ وستّمائة، وتاج العُلَا الشَّريْف يَعِظه، فأطالَ على عادَتِهِ، وكان ابنُ خَرُوف قد أتَى بقَصِيْدةٍ في مَدْحَ الظَّاهِر أوَّلُها: [من البسيط] شَمْسُ الهِدَاية في أبْناءَ أيُّوب … أُختُ النُّبوَّة في أبْناءِ يَعْقُوبِ هُمُ المَلائكُ في زِيّ المُلُوك وهُم … أُسْد الحُرُوب وأقْطَابُ المحَارِيب ثُمَّ خَرَجَ لُيريْق الماءَ في الظُّلْمَةِ، فوَقَعَ في جُبّ طَامٍ كان هُنالك، وهو جارٍ، فمات فيه، وأطْلعَ منه، والقَصِيْدةُ قد ضَمّ عليها يَده. فأمَرَ الظَّاهِرُ أنْ تُجْعَلَ صِلةُ القَصِيْدة في تَجْهيزه إلى قَبْرِه، والصَّدقة عنه. ثُمَّ إنَّ ابن السُّنَيْنيرة الشَّاعِر جاءَ بعد ذلك بقَصِيْدةٍ، ووَجَدَ تاج العُلا في الدِّهْليز يُريد أنْ يَدُخل للوَعْظ، فبَادَر وكَتَبَ للظَّاهِر: [من الكامل] العَبْدُ قد وَافَى ليُنْشِد مِدْحَةً … بُنِيتْ قَوَاعِدُها على التَّخْفيفِ وأَخافُ من تاج العُلا تَطْويلَه … ليلًا فأَلْحق مَلْحَق ابن خَرُوف

стр. 6188

=== فضَحِكَ، وأمَرَ بإِدْخَاله قَبْل وَعْظ تاج العُلا، فَحضَر وأنْشَد" (١). عليّ بن مُحَمَّد بن رُسْتُم، البَهاء ابن السَّاعاتيّ الدِّمَشْقيّ، أبو الحَسَن " وَقَفْتُ على تَرْجَمَتهِ في تاريخ حَلَب، وتاج المَعاجِم. وتَلْخِيصُ أمْرِ (٢): أنَّهُ خُرَاسَانيّ الأصْل، وُلِدَ بدِمَشْق، وكان أبو أُمِّه يَشْتَغل بالسَّاعاتِ الَّتي على باب الجامع، فعُرِفَ به. قالوا: ولم يَنْشأ بدِمَشْقَ في زَمانه أبدَعَ منه صُورةً. وبَرعَ فِي صِبَاه خَطًّا وشِعْرًا، ولَعِبًا بالشَّطْرَنج والنَّرْد، وفي الفُرُوسيَّة، فخالَطَهُ الكُبَرَاءُ، وهامَ فيه الجِلَّةُ، ونادَمَهُ المُلُوكُ، وجالسَهُ السَّلاطِين إلى أن قُدِّم على الجَميع، وأُبيحَ له ضَرْب طُبولهم، على عادة أهْل المَشْرِق. وجُلُّ مَدِيحه في السُّلْطان صلاح الدِّين بن أيُّوب، وبَنيه: العَزيْز صاحِب مِصْر، والأفْضَل صَاحِب دِمَشْق، والظَّاهِر صاحِب حَلَب. وله مِدَحٌ كثيرةٌ في نَجْم الدِّين بن مُجَاور وَزِيْر العَزِيْز. ومن المَشْهُور أنَّهُ قَرأ في أوَّل أمْرِه على البَدِيع الأَسْطُرْلابيّ بآمِد، وكان له ألْف دِيْنار، فجَعَلَها في حُبٍّ ببَيْت البَدِيع ولم يُعْلِمه، فاتَّفَق أنْ دَخَلَ سَقَّاةٌ وحَمَلَ الحُبَّ فوَقَعَ على الذَّهَب فأخَذَهُ، وتَفَقَّدَهُ ابنُ السَّاعاتيّ فلم يَجِده، فَخَرَجَ وشَكا ذلك للبَدِيع، فقال البَدِيعُ ما اشْتَهر، لِمَا تَضَمَّنهُ من الإحْسَان وطَرِيف المَقْصد: [من البسيط]

стр. 6189

=== يا مَن إذا غَابَ عنِّي لستُ أَنْسَاهُ … ومن أُصَافيه وُدِّي حينَ أَلْقاهُ إِن كان مالكُ ماءُ الحُبِّ ألّفه … كما علمتَ فماء الحُبِّ أَفْناه ثُمَّ سَعَى في شَأنِه حتَّى خَلَّصَهُ من السَّقَّاء. وكانت وَفاة ابن السَّاعَاتيِّ بالقَاهِرة سَنَة أرْبَعٍ وستمائة" (١). عليُّ بن مُحَمَّد بن مَحْمُود، أبو الحسن الكُوْفيُّ المَخْزُومِيُّ " حَدَّثني القاضِي أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة بحَلَب، أيَّدَهُ اللهُ، قال: أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن مَحْمُود البَغْدَادِيّ الشَّاعِر، نَزِيل رَأس عَيْن، شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، فَاضِلٌ، حَسَنُ المُذَاكَرة. أخْبَرنِي أنَّهُ قدِمَ حَلَب مِرَارًا، واجْتَمَعْتُ به بِسنْجار في سَنةِ أرْبَعٍ وِعِشْرين وستِّمائة، وكان في أَوَّل مرَّة قَريبًا من المَلِكِ الأشْرَف، وكان يُنْفذهُ في رسائِل، ولمَّا اجْتَمَعْتُ به كانت أحْوالُهُ قد تناقَضَت عنده، فممَّا أنْشَدني لنَفْسهِ، وذكَرَ أنّهُ اقْتَرحَ عليه أن يَعْملَ في وَصْفِ الحَمَاحِم بالمَوْصِل، فسَألَهم في أي وَزْنٍ يُريدُونَ؛ وكان في وَلِيْمة؛ فقالوا: في الوَزْنِ الَّذي يُغنِّي به المُغَنِّي، فقال: فغَنَّى المُغَنِّي أبياتًا منه: باكِر صبُوحَكَ يا نَديْمي … [ … ... … ] ومُهَفْهَفٍ في وَجَهِهِ … جَيْشَانِ مِنْ زَنْجٍ ورُوْم فقال: [من مجزوء الكامل] بَاكِرْ صبُوحَكَ يَا نَدِيْميْ … وَرُم الحياةَ بِكَفِّ رِيْمِ

стр. 6190

=== في مَجْلِس خَضلِ النَّبَا … ت يَرِقُّ مِنْ ماءِ النَّعِيْمِ حَلَبُ الكُرُوْم غِذَاءُ ذاكَ … النَّبْتِ لا حَلَبُ الغُيُوم وحَمَاحِم كَأسنَّةٍ … في كُلٍّ مُعْتَدِلٍ قَوِيمِ طَعَنَتْ قُلوبَ وُشَاتِنا … فَتَخَضَّبتْ بِدَمِ الهُمُوْم أوْ أنْجُمٌ بَزَغَتْ لتُحْرِقَ … كُلَّ شَيْطانٍ رَجِيمْ أوْ مِثْلُ أعْرَافِ الدُّيوكِ … لَدَى مُبَارَزَةِ الخُصُوْم أو كالشَّقِيْقِ تَحَرَّشَتْ … بِفُرُوْعِهِ أيْدِي النَّسِيْمِ أو ثَاكِلٌ صبَغَتْ بَنَانًا … مِنْ دَم الخَدِّ اللَّطِيْم وسُقَاتُنَا كَأهلَّةٍ … حَمَلَتْ شُمُوْسًا في نُجُوم مِنْ كُلِّ ذِي دَلٍّ رَخِيْمٍ … غَيْرِ ذي قَلْبٍ رَحِيمِ طَفْلٌ يَجُوْرُ علَى النَّدَامَى … جَوْرَ مُحْتَنِكِ عَلِم فَرآهُمُ صَرْعى الكُؤُوْسِ … بِكَفِّ لُقْمَانَ الحَكِيم فيهِ نَضِلُّ ونَهْتَدِيْ … بالفَرع والوَجْهِ الوَسِيمِ واللهُ يَهْدِيْ منْ يَشَاءُ … إلى صِرَاطٍ مُسْتقِيمِ قال: وأنْشَدَنِي لنَفْسهِ في المِرْوَحةِ: [من الطويل] وذاتِ جَناحٍ خافِقٍ وَهْيَ تنتَمِيْ … إلى حَسَبٍ زَاكِيْ الفُرُوْعَ أصِيْل تَطِيْرُ فَلا تَنْأى وتَطْلبُ قُرْبهَا … لبَرْدِ غَلِيْلٍ أو لبُرْءِ عَلِيْل لها يَقْظَةٌ عندَ المَقِيْلِ وهَبَّةٌ … ورَقْدَتُها في بُكْرَةٍ وأصَيْلِ قال: وأنْشَدَنِي لنَفْسهِ في القَلَم: [من البسيط] وذَابِل العِطْفِ مَهْزُوْل يُرَى أبدًا … مَيْتًا ولكنَّهُ يَحْيَى إذا ذُبِحَا

стр. 6191

=== شُرْباهُ ماءُ قَرَاحُ سَلسَلٍ ودَمُ … طَوْرًا وينتَجُ في الوَقْتِ الّذي نُكِحَا قال: وأنْشَدَنِي لنفسهِ يَصِفُ قَلَمًا من قَصِيْدةٍ: [من الطويل] وفي الكَفِّ ظَامٍ شُرْبَهُ مِنْ سِجَالِها … ومِن عَجَبٍ ظامٍ غَزَير المَشَارِبِ نَحِيفٌ ولكِنْ طالَما دَقَّ في الوَغَى … صُدورَ العَوَالِي فِي صُدُوْرِ الكَتَائِبَ عَلَتْهُ القَنَا في غَابِها وتَعصَّبَت … وطَالَتْ وتاهَت وازدَهَتْ بالعَصَائِب فجَامَلَها حتَّى رَمَاها بِحَاطِمٍ … فَقَصَّدَهَا حتَّى رَمَاها بحاطِبِ فآوِنَةً يَسْقِي العُفَاةَ بعارِضٍ … وآوِنَةً يَرْمِي الطُّغَاةِ بحاصِبِ" (١). عليُّ بن يُوسُف بن أيُّوب بن شَاذي بن مَرْوَان بن يعقُوب، المَلِكُ الأفْضَلُ نُور الدِّين، أبو الحَسَن " أنْشَدني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أبي الحَسَن بن أبي جَرَادَة الحَلَيّ الحَنَفيّ، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: أنْشَدني الخَطِيرُ أبو نَصر فُتُوح بن نُوْح بن عِيْسَى، قال: أنْشَدني الإمامُ عِمَاد الدِّين أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد الكاتِب الأصْفَهانيّ، قال: أنْشَدني المَلِكُ الأفْضَل عليّ بن يُوسُف بن أيُّوب لنَفْسهِ، في العشْرين من شَوَّال سَنَة تِسْعين وخسِمائة، وكَتَبها إلى أخيهِ المَلِك العَزِيْز عِمَاد الدِّين عُثْمان يستَعطفهُ بعدَ أنْ وَدَّعَهُ واجْتَمعَ معهُ ساعةً واحدة: [من الوافر] نَظَرْتُكَ نَظْرَةً مِنْ بعدِ تِسْعٍ … تَقَضَّتْ بالتَّفَرُّقِ مِنْ سِنيْنِ وغَضَّ الدّهْرُ عنها طَرْفَ غَدْرٍ … مَسافَةَ قُرْبِ طَرْفٍ مِنْ جَبِيْنِ وعَادَ إلى سَجِيَّتِهِ فأجْرَى … بفُرْقتَنَا العُيُونَ مِنَ العُيُونِ فَريْحُ الدَّهْرِ لم يَسْمَحْ بوَصلٍ … يَعُوْدُ بهِ الهُجُوعُ إلى الجُفُونِ

стр. 6192

=== فَواقًا ثُمَّ يعقِبُهُ ببَيْنٍ … يُعِيْدُ إلى الحَشَا عَدَمَ السُّكُونِ ولا يُبْدِي جُيُوْشَ القُرْبِ حتَّى … يُرَتِّبَ جَيْشَ بُعْدِ في الكَمِيْنِ ولا يُدْني مَحَلِّي مِنْكَ إِلَّا … إذا دارَتْ رحَى الحَرْب الزَّبُوْنِ فَلَيْت الدَّهْرَ يَسْمَحُ لِيْ بأُخْرى … ولَوْ أمْضَى بها حكْمَ المَنُوْنِ" (١). "لمَّا اتَفَقَ على الأفْضَل العَادِل أبو بَكْر وأخُوه العَزِيْز عُثْمان كَتَبَ إلى الخلَيْفَة: [من البسيط] مَوْلاي إنَّ أبا بَكْرَ وصَاحِبه … عُثْمان قد غَصَبَا بالسَّيْفِ حَقّ علي وهو الَّذي كان قد ولَّاهُ وَالده … عليهما واسْتَقامَ الأمْرُ حينَ وَلِي فخَالفَاهُ وحل عَقْد بَيْعَته … والأمْرُ بينهما والنَّصُّ فيه جَلي فانْظَر إلى حَظِّ هذا الاسْم كَيفَ … لَقِي من الأوَاخِر ما لاقَى من الأوَّل فأجابَهُ: [من الكامل] وَافَى كِتابُكَ يا ابنَ يُوسُفَ مُعْلِنًا … بالوُدِّ يُخْبِر أنْ أصْلكَ طَاهِر غَصَبُوا عليًّا حَقِّه إذْ لم يكُن … بعد النَّبيّ له بيَثْرِب نَاصِر فابْشِرْ فإنَّ غَدًا عليه حِسَابهم … فاصْبِرْ فنَاصِرُكَ الإمام النَّاصِر ورَأيْتُ بخَطّ ابن العَدِيْم، بعد ذِكْر بَيْتَينِ من أبْيَاتِه وهُما الأوَّل والآخر، ما لفظه: بعضُ النَّاسِ يَقُول إنَّهما من نَظْمِ أبي فِرَاس بنِ أبي الفَرَج البُزَاعِيّ، ثُمّ إنَّ أبا طالِب بن زِيَادة أجابَهُ عن البَيْتَين المَذْكُورَيْن بالأبْيَات الثَّلاثة المَذْكُورة" (٢).

стр. 6193

=== " قال كَمالُ الدِّين بن العَدِيْم: لَم يَكُن مُتَشيِّعًا؛ وإنَّما قال هذا الشِّعْر لمُوافَقةِ الحال، وتَقَرُّبًا إلى الإمام النَّاصِر، إذْ كان مَنْسُوبًا إلى التَّشَيُّعِ. انْتَهَى" (١). عُمَرُ بن بَدْر بن سَعِيْد بن مُحَمَّد بن بَنْكِير، أبو حَفْص الكُرْدِيُّ الحنَفَيُّ المَوْصِليُّ " قال القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم: قدِمَ علينا حَلَب، وسافَرَ إلى البَيْتِ المُقَدَّس، فوَلَّاهُ المَلِكُ المُعَظَّم عِيْسَى ابن المَلِك العَادِل رِوَاية الحَدِيث بمَدْرسَتِه الَّتي أنْشَأها بالبيِتِ المُقَدَّس، وولّاه مَمْلُوكه عزّ الدِّين أبْيَك مَدْرسَته الَّتي أنْشأها لأصْحابِ أبي حَنِيْفَة، وبقي مُدَرِّسًا بها؛ واجْتَمَعْتُ به فيها بالبَيْتِ المُقَدَّس في سَنَة إحْدَى وعِشْرين وستمِائة. ثمّ رَحَلَ إلى البَيْتِ المُقَدَّس، حين خَرَجَ الفِرِنْج إلى دِمْياط، قَبْلَ أنْ يُخَرَّبَ بمُدَّةٍ، وسَارَ إلى المَوْصِل وأقامَ إلى سَنَةِ إحْدَى وعِشْرين وستِّمائة. ثُمّ قَدِمَ علينا حَلَب في هذه السَّنَة؛ وسَمِعنَا عليه أجْزاء من أمَالِي ابن مَلَّة الحَافِظ. سَألتُهُ عن مَوْلِدِهِ، فقال: في جُمادَى الآخِرة سَنَة سَبع وخَمسِين وخَمْسِمائة بالمَوْصل. سَمعَ ببَغْدَاد أبا الفَرَج بن كُلَيْب، وابن الصَّابُونيّ، وابن الجوزيّ.

стр. 6194

=== ثُمّ سَكَنَ دِمَشْق، وتُوفِّي بها في سَنَةِ اثْنَتَين وعِشْرين وستِّمائة، ليْلَة السَّبْت في التَّاسِع والعِشْرين من رَمَضان. أخْبَرني بذلك أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النّجَّار البَغْدَادِيّ" (١). هذا كَلام أبي القَاسِم. عُمرُ بن الحَسَن بن عليّ بن مُحَمَّد بن فَرْحِ بن خَلَف بن قُومَس بن مَزْلَال بن مَلَّال بن أحْمَد بن بدْر بن دِحْيَة بنِ خَلِيْفَة بن فَرْوَة الكَلْبِيّ " حَدَّثني القاضِي أبو القَاسِم، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: ابنُ دِحْيَة كان يُسَمِّي نفسه: بذي النَّسَبَيْن بين دِحْيَة والحُسَين. ذكَرَ أنَّهُ مِنْ بني دِحْيَة الكَلْبيّ من أهْلِ المَغْرِب من مَدِيْنة سَبْتَة، وذكَرَ أنَّهُ وَلِيَ قَضَاءها، وهو شَيْخٌ فاضِلٌ، له معْرِفةٌ باللّغَةِ والنَّحْو، حَافِظٌ للحَدِيث ومَعانيهِ ورِجَالهِ، فَقِيْهٌ مُتْقن. كان يقول: أحْفَظُ صَحيحَ مُسْلِم جَمِيعه، وقَرأتُه من حِفْظِي بالمَغْرب على بعض الشُّيُوخ. خَرَجَ من المَغْرِب، وحَجَّ ودَخَلَ إِلى بلادِ العَجَم، وسَمعَ بها صَحِيح مُسْلِم من أصْحاب الفَرَاوِيّ. ثُمّ عادَ إلى بَغْدَاد، ورحَلَ إلى الشَّام، وقَدِمَ علينا حَلَب، وسَمِعنا عليه مُوطَّأ مَالِك بن أنَس، رِوَاية يَحْيَى بن يَحْيَى، وغيره. ثُمَّ تَرَدَّدَ بعد ذلك مِرَارًا إلى حَلَب؛ آخرها بعدَ أنْ تقَدَّمَ بالدِّيار المِصْريَّة وسُيِّرَ رَسُولًا، مرَّ بها مُجتازًا، وحَصَلَ لهُ حُظْوة عَظِيمة، وتقَدَّمَ بمِصر عند المَلِك الكامِل. قال: وأخْبَرني أبو الرَّوْح الحِمْيريّ الأنْدَلُسيّ، قال: هذا ابن دِحْيَة ليسَ بصَحِيح النَّسَب، وأصْلُهُ يَهُوديّ. وكان يُلَقَّب بالكُوَّة، وكان في صغَرِهِ يُرْمَى

стр. 6195

=== بما لا يَجُوز، وأبوهُ حَسَن كان يُلَقَّب بالزّعبطُور، والزّعبطُور هو المُشَوَّه الخَلْق، العَظِيم الخِلْقَة بلُغَةِ الأنْدَلُس المقطع [السَّرموزا؛ وتكون ثيابه مُقَطَّعة وَسَخة] (١) ابن عليّ ويُلقَّب بالقنُوط لفَراغِهِ وقلَّة عَقْلِه، يُريد القَصَبَة الفارِغَة، ابن يُوسُف ولقَبُه الجُمَيْل؛ تَصْغِير الجَمَل بلُغَةِ العامَّةِ" (٢). عُمَر بن عليّ بن مُحَمَّد بن قُشَام، أبو حَفْص الحَلَبِيُّ الدَّارقُطْنِيُّ " من دار القُطْن؛ مَحَلّة بحَلَب، عاش ثَمانين سَنَة، وحدَّث عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن ياسِر الجيَّانيّ، وحدَّث، ودَرَّسَ، وأفادَ ببَلَده. وكان من كِبار الحَنَفيّة. ورَوَى أيضًا عن عَبْد الله بن مُحَمَّد الأشيريّ. رَوَى عنه كَمال الدِّين بن العَدِيْم، وابْنُه مَجْد الدِّيِن، وغِيرُهما، ومات في جُمادَى الآخرة. تفقَّه على الكَاسَانيّ، وأبي الفَتْح عَبْد الرَّحْمن بن مَحْمُود الغَزْنَويِّ. وسَمعَ من أبي مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد الأَشِيريّ، وأجاز لَهُ من أصْبَهان مَسْعُود الثَّقَفيّ، ومَحْمُود فُورَجه، وطائفة. وَلِيَ تَدْرِيس الْجُوردَكِيَّة. وصَنَّفَ في الفِقْه تَصانيِف لم تكُن بالمُفِيدة، قالَهُ ابنُ العَدِيْم" (٣).

стр. 6196

=== عُمرُ بن مُحمَّد بن عُمَر بن مُحَمَّد بن أبي نَصْر، أبو حَفْص الفَرْغانيُّ " أنْشَدني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أبي الحَسَن الحَلَبيّ، أيَّدَهُ اللّهُ تعالَى، قال: أنْشَدني أبو حَفْص الفَرْغانِيّ لنَفْسهِ يتَشَوَّق بعض الإخْوَان: [من الكامل] اللّهُ يَعْلَم أنَّني مُشْتاقُ … شَوْقًا تَضِيْقُ لَهُ بِيَ الآفَاقُ لَوْ رُمْتُ أشْرَحُ بَعْضَهُ بِصَحَائِفِي … لاستَنْفَدَ الأقْلَامُ والأوْراقُ أرْجُو وأحْيَا بالرَّجَاء تَلَافِيًا … ما تَنْطَفِي إلَّا بهِ الأشْوَاقُ لا زلْتُمُ للمَكْرُمَاتِ شُمُوسَها … حتَّى يَدُومُ بكُمْ لها الإشْرَاقُ وعَليكُمُ منِّي تَحَايا عَاشِقٍ … ما يَقْتَدِي إِلَّا بِهِ العُشَّاقُ" (١). عُمَرُ بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر بن أحْمَد بن يَحْيَى بن حَسَّان البَغْدَادِيُّ الدَّارَقَزِّيُّ المُؤَدِّبُ، أَبُو حَفْص ويُعْرفُ بابن طَبَرْزَد " سَمِعْتُ القاضِي أبا القَاسِم بن العَدِيْم يقول: سَمِعْتُ عَبْدَ العَزِيْز بنِ هِلالَةَ يَقولُ، وغَالبُ ظَنِّي أنَّنِي سَمِعتُهُ من ابنِ هِلَالَةَ بخُرَاسانَ، قال: رَأيْتُ عُمَرَ بن طَبَرْزَد في النَّوْم بَعْدَ مَوتِهِ وعليهِ ثَوْبٌ أزْرقُ، فقُلْتُ لهُ: سَألتُكَ باللّهِ ما لَقِيْتَ بعدَ مَوْتِكَ؟ فقال: أنا في بَيْتٍ مِنْ نارٍ، دَاخِلَ بَيْتٍ مِنْ نَارٍ. فقُلْتُ: ولِمَ؟ قال: لأخْذِ الذَّهَب على حَدِيْثِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ (٢). وقال الذَّهَبيُّ في تَرْجَمةِ المُؤَيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ بن حَسَن بن مُحَمَّد بن أبي صالحٍ الطُّوْسِيّ النَّيْسَابُوْرِيّ: "حَكَى الأشْرَف أحْمَد ابن القَاضِي الفَاضِل: حَدَّثَني المُحِبُّ عَبد العَزِيْز بن هِلَالَة، قال: رَأيْتُ كأنَّ المُؤَيَّد الطُّوْسِيّ قد ماتَ ودَفَنَّاهُ،

стр. 6197

=== فلمَّا انْصَرَف النَّاسُ وشق القَبْر، وخَرَجَ منهُ النَّار وهو يُنَادِي: يا مُحِبّ، ما تُبْصِر ما أنا فيْهِ؟ قُلْتُ: ولِمَ يُفْعَل بك هذا؟ قال: لأخْذِ الذَّهَب على حَدِيْثِ رَسُولِ اللّه ﷺ . ثُمّ حدَّث المُحِبُّ بمَنام رآه لابن طَبَرْزَد هو في تاريخ ابن العَدِيْم" (١). عُمرُ بن يُوسُف بن أبي بَكْر، أبو حَفْص القَفْصِيُّ، المَعْرُوف بابنِ التِّبَسِّيِّ " حَدَّثَني القاضِي أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة بحَلَب، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: كان شَيْخًا حَسَنًا، دَمِثَ الأخْلَاق، طيِّب المُحاضَرة، أقامَ عندَنا بحَلَب سِنين عدَّة. وكانَ يَخْتلف إليها بعد ذلك. ورَوَى لنا شَيئًا من شِعْرِ عَبْد المُنْعِم الجِلْيانيّ عنه، وأنْشَدنا مُقَطَّعات من الشِّعْرِ له ولغيرِه. وكان له مَعْرفةً بالحِكْمةِ والهَنْدَسة. وأخْبَرني أنَّهُ وُلِدَ في العَشرِ الأوّل من ذي الحِجَّة سَنَة تسعٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائة، قال: وَجَدتهُ كذلك بخَطِّ والدِيّ، قال: وتوجَّه إلى بِلادِ الرُّوم بعدَ العِشْرينَ والسِّتِّمائة، فبَلَغَني بعدَ ذلكَ أنّه تُوفِّي بها. وأنْشَدَنِي لنَفْسهِ: [من الطويل] وقَائلَة ما ليْ أراكَ مُغَيَّرا … أمِن فَرْطِ وَجْدٍ صَارَ لَوْنُكَ أصْفَرا فَقُلْتُ كليْنِي يا هُنَيْدَةُ واعْلَمِي … فلَوْ أنَّ مَا بي بالجَلَامِدِ أثَّرَا فقالَتْ: رَعاكَ اللّهُ هَلْ أنْتَ مُخْبِرٌ … بما هُوَ أو ما كانَ قدْمًا وما جَرَى

стр. 6198

=== لَعَلَّ برَأي يُحْدِثُ اللّهُ رَاحَةً … فإنَّ الّذي أبلَى يُفَرِّجُ ما تَرَى فقُلْتُ لها: صَرْفُ الزَّمَانِ وَجَوْرُهُ … أحَالَ على الأحْوَالِ حالي فَغَيَّرَا وشَتَّتَ أحْبَابِي وأذْهَبَ ثَرْوَتِي … فَصِرْتُ فَقِيْرًا بعْدَما كُنْتُ مُوْسِرَا تَنَاءَتْ دِيَاري واضْمَحَلَّتْ أحبَّتِي … فهذا الّذي أهْدَى لجِسْمِي التَّغَيُّرَا فَدَمْعِي سَفُوْحٌ والجَوَى حَلَّ في الحَشَا … وقَلْبِي قَتِيْلُ الحَالَتَيْنِ مُعَفَّرَا ولا حَاكِمٌ يَقْضِي فيَحْكُمُ بَيْننا … ولا مُسْعدُ تُلْفي لنَصْرِي مُيَسَّرَا فمَنْ مَانِعِي من ظُلْمِ دَهْرِي وَجَوْرِهِ … ولَم أَلْقَ إِلَّا مَنْ إِذا قال: قَصَّرَا وقد حَار وَهْمِي من عَظِيْمِ بَليَّتِي … فما حِيْلَتِي فيما سَمِعتُ وما تَرَى" (١). عِيْسَى بن الشَّيْخ بن السَّلِيل الشَّيْبانيُّ " ذِكْر عِصْيان عِيْسَى بن الشَّيْخ بدِيَار بَكْر: سَبَبُ ذلك أنَّه كان عامِلًا على دِمَشْق من قِبَل الخَلِيْفَة المُهْتَديّ، وعلى حَلَب أيضًا - هذا كلام ابن العَدِيْم - وقال غيره: بل على دِمَشْق، والأُرْدُنّ، وفِلَسْطِين، واجْتَمَع عنده مال عَظِيم، فُتِحَتْ نَفْسه عليه ولم يَحْمِلهُ إلى الخَلِيْفَة على ما جَرَت به العادَة. وبَلَغَ ذلك الخَلِيْفَة، فأنْفَذَ إليهِ تَوْقيعًا بأَرْمِينيَّة؛ وكان قَصْده أنْ يَصِير إليهِ فيَقْبضَ عليه، فاسْتَشْعَرَ عِيْسَي بنُ الشَّيْخ ذلك، فعَصِي بديار بَكْر، واسْتَبدَّ بها دُون أمْر الخَلِيْفَة. ورتَّب وَلدَيه مُحَمَّد بن عِيْسَى بآمِدَ، وأحْمَد بن عِيْسَى بمَيَّافارِقِيْن" (٢).

стр. 6199

=== عِيْسَى بن عبد العَزِيْز بن يَلَلْبَخْت البردكيُّ، خَطِيْب الجامعِ بمَرَّاكُشَ، أبو مُوسَى الجَزُوليَّ " أنْشَدني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن هِبَة اللّه الفَقِيه المُدَرِّس الحَنَفيّ بمَحْرُوسَة حَلَب، بمَنْزلهِ المَعْمُورِ، في سَنَة أرْبَع وثلاثين وستِّمائة، قال: أنْشَدني أبو الحَسَن يَحْيَى بن مُعْطِي بن عَبْد النُّور المَغْربيِّ النَّحْويّ، قال: أنْشَدني أبو مُوسَى لنَفْسهِ، يَذْكُر فَضْل شَيْخٍ من العُلمَاء، وكان رَجُلًا صالحًا يُعرفُ بأبي العبَّاس الفَقِيه: [من السّريع] أقُوْلُ قَوْلًا ما لَهُ مُنْكِرُ … إِلَّا امْرُؤُ أحْمَقُ مُسْتَكْبِرُ إِنَّ أبا العَبَّاسِ مِمَّنْ بِهِ … يُسْتَنْزَلُ الرِّزْقُ ويُسْتَمْطَرُ بَقِيَّةٌ من سَلَفٍ صَالحٍ … كان كما كانُوا فما يَكْدُرُ كُنْتُ لَعَمْرِي إِنْ جَرَى ذِكْرُهُ … أظُنَّهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ يُذْكَرُ فاليَوْمَ لا أرْتَابُ في فَضْلِهِ … صَدَّق عِنْدِي الخَبَرَ المُخْبِرُ جَالَسْتُ منهُ الشَّمْسَ في قُدْرَة … وأبحُرًا في العِلْم لا تُعْبَرُ هَمْ بَنُو الدُّنْيا بما نالَهُ … في العِلْمِ والتَّقْوَى فَلَم يَقْدِرُوْا أبصَرَ ما لَمْ يُبْصِرُوا بَعْدَما … شَارَكَهُمْ في كُلِّ ما أبصَرُوا" (١). عِيْسَى بنُ مُحَمَّد القَمراوِيُّ " أنْشَدني القاضِي أبو القَاسِم الحَنَفيّ، قال: أنْشَدني عِيْسَى بن مُحَمَّد لنَفْسهِ: [من الطّويل]

стр. 6200

=== إِذا كانَ في وَسْطِ الحَشَا مُسْتَقَرُّكمْ … والعَيْنُ منْكُمْ حَظُّها ونَصِيْبُها فما ثَمَّ هِجْرَانٌ ولا ثَمَّ جَفْوَةٌ … فَدَامَتْ لنا هذي اللَّيَالي وطِيْبُها" (١). غَازِي بنُ يُوسُف بن أيُّوب بن شاذِي بن مَرْوَان بن يَعْقُوب، السُّلْطانُ المَلِكُ الظَّاهِر، أبو الحَارِث ابن السُّلْطان المَلكِ النَّاصِر أبي أبي المُظَفَّر، صَاحِب حَلَب " حَدَّثَني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِمِ عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الحَنَفيّ الحَلَبيّ العُقَيْليّ، أيَّدَهُ اللّهُ تعالَى، بدارِهِ في رَبِيْع الآخر سَنَة أرْبَع وثلاثين وستِّمائة، قال: قَرأتُ بخَطِّ المَلِك الظَّاهِر غازي بن يُوسُف بن أيُّوب في رُقْعة بَيْتَين كَتَبهما للنَّقِيب أبي غانِم الحَلَبيِّ: [من البسيط] هذا النَّقِيْبُ الّذِي أضْحَتْ مَنَاقِبُهُ … بينَ البَرِيَّةِ مِثْلَ الأنْجُمِ الزُّهُرِ لا زالَ يَرفلُ في أيَّام دَوْلَتِنا … في حُلَّةِ الجُوْدِ مَحْرُوسًا مِنَ الغِيَرِ وتحتهما بخَطِّ الوَزِيْر مُوَفَّق الدِّين خَالِد بن القَيْسَرانيّ: هذا خَطّ مَوْلانا السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر ولفظه في مَمْلُوك دَوْلته النَّقِيب أبي غانِم" (٢). "ذَكَرَ ابنُ العَدِيْم في تارِيْخِهِ: أنَّهُ دَخَلَ مَع وَالدِه عَلَى المَلِك الظَّاهِر غازي، وأنَّهُ هُوَ الَّذي حَسَّنَ لَهُ جَمعْ تاريخٍ لحَلَب" (٣).
следующие страницы →