===
مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي كَرِيْمَ تَحيَّتي … قَوْمِي بجَرْعاءِ العُذَيْبِ وجِيْرَتِي
الذَّاهِبِيْنَ ولا اعْتِراضَ علَيْهِمُ … بحُشَاشَتِي والمُذْهِبِيْنَ بَقِيَّتِي
قَوْمٌ طَوَالَ الدَّهْرِ أشْهَدُهُمْ مَعِي … وهُمُ بأعْلَى حَاجِرٍ واحَيْرَتِي
أصْبُو لعزِّ جَمَالِهِمْ وإلى لَذِيْـ … ـذِ وِصَالِهِمْ يا بُعْدَ مَرْمَى صَبْوَتِي
وأصُدُّ عَنْهُمْ حَيْثُ كانَ مُرادُهُمْ … بُعْدِي وكُلِّي نَظْرَةُ المُتَلَفِّتِ
قَالُوا دَلَالًا حِيْنَ قُلتُ مِنَ الجَفَا: … قَدْ مُتُّ: مُتْ فَحيَيْتُ إذْ قَالُوا: مُتِ
مَن لي بِهِمْ والدَّارُ غَيْرُ بَعِيْدَةٍ … مِنْ دَارِهِمْ وَالشَّمْلُ غَيْرُ مُشَتَّتِ
أمُطَالِبِي بالصَّبْرِ والسُّلْوانِ ما … تَ لك البَقَا صَبْرِي الجَمِيْلُ وسَلْوَتِي
إنِّي مَلِيٌّ بالغَرَامِ ولَيْسَ لِي … بالصَّبْرِ عن أحْبَابنِا مِن ذِمَّةِ
إعْلَمْ بأنِّي في مَحَبَّتِهِم فَتىً … ما حالَ عن عَهْدِ الغَرَامِ وما فَتِي
وبأنَّ وَجْدِي ذلك الوَجْدُ الَّذي … تَدرُوْنَهُ وصَبَابَتِي تلكَ الَّتي
ما خَانَهُمْ كَلَفي القَدِيْمُ ولا وفَى … صَبْرِي ولم تَتَعَدَّهُمْ أُمْنِيَّتِي
إنْ شِئْتَ تَعْرِفُ صَنْعَةَ الحُبِّ الّتِي … صَحَّتْ بهِ حَالِي وحَالَتْ صِحَّتِي
فانْظُرْ لأحْمَرِ أدْمُعِي ولأصْفَرِ … من وَجْنَتِي ولأبيَضٍ في لِمَّتِي
واعْلَمْ عُلُوْمَ الوَجْدِ من حَالِي وَخُذْ … خَبَرَ الغَرَامِ وأهْلِهِ من سِيْرَتِي
فَيَقِلُّ إنْ نَسَبُوا إليَّ كُثَيِّرًا … وتَذِلُّ عَزَّةُ أنْ تُقَاسَ بِعِزَّتِي" (١).
مُحَمَّد بن عَبْدِ الوَاحِد بن عَبْد المُنْعِم بن يُوسُف بن حَرْب، أبو عبد اللهِ الحلَبيُّ الخَطِيْب البَغْدَاديُّ
" كان يَتَولَّى الخَطابَة بقَلْعةِ حَلَب المَحْرُوسَة بعد وَفاة وَالده. وكان رَجُلًا خَيِّرًا فَاضِلًا، عارِفًا بعِلْم العَرَبيَّة، حَسَن الشِّعْرِ.
стр. 6232
===
حدَّثَ بحَلَب عن أبي الفَرَج الثَّقَفيّ وغيره، وسَمِعَ أبا الرَّجاء بن حَرْب، وابن أبي الحَواريّ. وكان يَقْرأُ عِلْم العَرَبيَّة بحَلَب.
ذَكَرَ ذلك كُلّه لي القاضِي الإمام أبو القَاسِم عُمَر بن أبي الحَسَن الحَنَفيّ، أدَامَ اللهُ سَعادَته، وقال: وكَتَبَ لي من شِعْرِهِ جُزءًا بخطِّهِ، وقَرأتُهُ عليه.
وحَدَّثني القاضِي الإمام أبو القَاسِم عُمَر بن أبي الحَسَن بحَلَب، أسْعَدهُ اللهُ تعالَى، بمَنْزلةِ المَعْمُورِ في شَهْر رَبِيْع الآخر سَنةَ أرْبَعٍ وثلاثينَ وستِّمائة، قال: كُنْتُ يَوْمًا عندَ شَيْخنا أبي هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، ﵀، لسَماعِ الحَدِيث، وقد جاءَهُ الشَّريْف أبو هاشِم أحْمَد بن مُحَمَّد الصَّالِحيّ الحَلَبيّ ومعه رُقْعة فيها بَيْتان من شِعْرِهِ؛ وأنْشَدهما شَيْخنا أبا هاشِم المَذْكُور، وأنا أسْمَعُ، والبَيْتان: [من الكامل]
مَنْ وَدَّ أن عَدُوَّهُ أعْمَى فَلي … وُدّ بأنَّ لهُ عُيُونًا أرْبَعا
لِيرَى كَمَالي باثْنَتَيْنِ ونَقْصَهُ … بالأُخْرَيَيْنِ فلا يَزَالُ مُرَوَّعا
فسَألتُ شَيْخَنا أبا هاشِم عنهما؛ فقال: هُما للشَّريْف أبي هاشِم، وأنا اقْتَرَحتُ عليه هذا المَعْنى، فإنَّهُ مَعْنى أحْفَظه في شِعْر الفارسيَّة.
ثُمَّ اجْتَمَعْتُ بعد ذلك بالخَطِيْبِ أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عبد الوَاحِد الحَلَبيّ؛ فأخْبَرني أنَّ شَيْخَنا أبا هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل اقْتَرحَ عليه هذا المعْنَى، فنَظَمه وأنْشَدنيه لنَفْسهِ: [من المنسرح]
يا مَنْ تمنَّى العَمَى لحاسِدِه … ليتَ حَسُودي بأعْيُنِ أرْبَعْ
تَنْظُرُ ثِنْتاهُما إِلى نِعَمِ الـ … ـرَّحْمنِ عندي ومَجْدِيَ الأرَفَعْ
وتَنْظُرُ الأُخْرَيانِ خِسَّتَهُ … والنَّوْكَ منْهُ وحالَهُ الأشْنَعُ
стр. 6233
===
فمَا أرى لذَّةَ الحياةِ سِوى … كَبْتِ عَدُوٍّ وحاسِدٍ يُقْمَعْ
وقال أيضًا: [من السريع]
عَنَّفَني في حُبِّه مَعْشَرِي … ولامَني فيه أودَائي
وكيفَ أسْلُوهُ وهَلْ غيرُهُ … يَذْهَبُ بالهَمِّ وبالدَّاءِ
وأنْشَدَنِي أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الحَنَفيّ: أنْشَدني الخَطِيْب لنَفْسهِ أبْيَاتًا كَتَبَها، وهو بالبِيْرة يَتَشوَّق حَلَب وأهْله: [من الطويل]
يَقَرُّ لعَيْنِي أنْ أرُوحَ بجَوْشَنٍ … وماءُ قُوَيْقٍ تحتَهُ مُتَسَرِّبا
لقد طُفْتُ في الآفاقِ شَرْقًا ومَغْرِبًا … وقلَّبْتُ طَرْفِي بينَها مُتَقَلِّبا
فلم أرَ كالشّهباءِ في الأرضِ مَنْزِلًا … ولا كَقُوَيْقٍ في المَشَارِب مَشْرَبا
جعلْتُ شِعارَ الوَجْدِ بي بعدَ بُعْدُكْم … شعارًا ومَجْرَى مُذْهَبِ الدَّمْعِ مَذْهَبا
لعلَّ زمانًا قد قَضَى بفِراقِنا … يُرِيْني قريبًا شَمْلَنا مُتَقَرَّبا
وقال أيضًا: [من الطويل]
متى يَظْفَرُ المُشْتاقُ منكُمْ بنَظْرَةٍ … تَقَرُّ بها عَيْنٌ ويحْيا بها قَلْبُ؟
أطَلْتُمْ عَذابِي بالقَطِيعَةِ والقِلَى … وإنَّ عَذابي في مَحَبَّتكُمْ عَذْبُ
إذا كانَ حظِّي هَجْرُكْم في بِعادُكْم … وفي قُرْبِكُمْ فالبُعْدُ سِيَّانَ والقُرْبُ
وقال أيضًا: [من السريع]
اذْكرْتَني عَهْدَكَ بعدَ النَّوى … والبَيْنُ قدْ أرْخَى عِنانَ الهَوى
يا حاجِرًا يَبْكي على حاجِرٍ … ولاويًا يَنْدُبُ سِقَطَ اللِّوى
لو كنتَ في دَعْوى الهوَى صادِقًا … قَطَعْتَ بالسَّيرِ وَريدَ النَّوى
стр. 6234
===
وكنتُ كالشَّاهين في جَوِّهِ … إذا رَأى رَبَّ هَواهُ هَوَى
الحبُّ ما قَنَّتَ صُمَّ الحَشَا … والشَّوقُ ما أوهى جَليْدَ القوى
ما كُلُّ مَحبُوبٍ رَحيمًا ولا … كُلُّ طَبِيبٍ جائِدًا بالدَّوَا
وقال أيضًا: [من البسيط]
ما رُمْتُ أمرًا ولا حاوَلْتُ مُطَّلَبًا … إلَّا جَعَلْتُكَ فيه الأصْلَ والسَّبَبا
أنتَ الَّذي كُلَّ يَوْم ذَرَّ شارِقُهُ … أبني به المجدَ أو أرْقَى بهِ الرُّتَبَا
ولا تَزَالُ مسَاعِيكَ الطَّوَائِلُ بي … مَعنِيَّةٌ أو أجُوزَ السَّبْعَةَ الشُّهُبَا
وقال أيضًا: [من السريع]
إغْتَنِمُوا فُرْصَةَ الزَّمانِ إذا … جاءَتْ بخيرٍ باقٍ على الأبَدِ
وبَادِروا فِعْلَها ليَوْمِكُمُ … ولا تَرُوموا تَأخِيرَها لغَدِ
فليسَ تَدْرُون ما يكونُ غدًا … وليسَ تبقى الدُّنْيا على أَحَدِ
وقال أيضًا: [من الخفيف]
أخذَ الوَجْدُ ما اشْتَهى من فُؤادِي … مُذْ غَدا القَلْبُ في يَدَيْكَ أخِيْذا
وسألتُ الهِلالَ لِمْ لُحْتَ للنَّا … سِ فأوْما إلَيكَ: إنَّ أخي ذا
وقال أيضًا: [من الرجز]
كَتَبْتَ دُرًّا وسَفَرْتَ بَدْرًا … وطِبْتَ فِرْعًا وكَرُمْتَ نَجْرا
فبُعُلَاكَ حَلَبٌ قدْ فَضُلَتْ … بَغْدَادَ في عَلَائِها ومِصْرا
أنتَ العَدِيمُ النِّظْرِ أو ابنُه … وابنُ ابنهِ جلَالَةً وقَدْرا
стр. 6235
===
وأنْشَدَنِي في القاضِي أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة، أسْعَدهُ اللهُ تعالَى، قال: أنْشَدني الخَطِيْبُ أبو عَبْد الله لنَفْسهِ: [من الرّمل]
يا نَسِيمَ الرّيحِ هلْ أنتَ مُطِيق … حَمْلَ ما أرْسَلَهُ القَلْبُ المَشُوقْ
كُلَّ يومٍ أنا في آثارِهِم … ماء دَمعي ودَمّ الصَّبرِ مريقْ
آه كمْ أحمْلُ في حبِّهِمُ … منْ خُطُوبِ الوَجْدِ ما ليسَ أطِيقْ
كُلَّ يومٍ لسِنَان الوَجْد في … لَبَّتِي لَمْعٌ وفي قَلبي بَرِيقْ
فالْطُفُوا عَدْلًا وفضلًا أنا مِثلـ … ـكُمُ بالعَدْلِ والفَضْلِ خَلِيْقْ
وَارفُقُوا رِفقَ كَرِيمٍ راحِمٍ … فالتَّعَدِّي بكُمُ ليسَ يَليقْ
بيَ سُكْرٌ منْ غَرامٍ وهوَى … فمتى مِنْ ذا ومِنْ هذا أُفِيقْ
قَسَمًا ما رَاقَ شيءٌ بعْدَكُمْ … لي وظَنِّي أنَّهُ ليسَ يَرُوقْ
فسَلامٌ مِثْلُ أنْفاسِ الصَّبَا … يَتَمَرَّاها غُروبٌ وشُروقْ" (١).
مُحَمَّد بن عَبْدُوس العَبْدوسِيُّ الوَاسِطيُّ
" أطْلَعتْهُ واسِطةً من عقْدِ شُعَرائها، فتَرَقَّى إلى مُخالَطةِ كُبَرائها وأُمَرائها، ثُمّ جالَ حتَّى انْتَهَى إلى الدِّيَار المِصْريَّة، ومَدَح بها العَادِل وأرْباب دَوْلَته، ومَدَحَ الظَّاهِر صاحِب حَلَب بما اجْتَمع منه سِفْر. ذَكَر ذلك صاحبُ تاريخها، ولم يُعْجبني من جَميع ما أوْردَ من شِعْرِهِ غيرُ قَوْله في المَلِك المَذْكُور: [من البسيط]
أشْتَاقُه شَوْقَ مَصْدُودٍ وكم حَملتْ … أُمُّ الأماني برُؤياه فلم تَلِدِ" (٢)
стр. 6236
===
مُحَمَّد بن عُبَيْد الله المُسَبِّحِيُّ، أبو عُبَيْد الله
" نَقَلْتُ من خَطِّ الصَّاحِب الكَبِير كَمال الدِّين بن أبي جَرَادَة ممَّا اخْتَارَهُ من تاريخ المُسَبِّحِيّ: وفي ضَحْوَة نَهار الاثْنَين التَّاسِع من شَعْبان سَنَة أرْبَعمائةٍ، تُوفِّي والدِي، ﵁ وأرْضاه، وجَعَل الجَنَّةَ مأواه، وهو أبو القَاسِم عُبَيْد الله بن أحْمَد بن إسْماعِيْل بن عبد العَزِيْز الحَرَّانيّ المَعْرُوف بالمُسَبِّحِيّ. وكان مَرَضُه من قَطَائِف أكَلَ منها شَيئًا فأسْهَلَه، وكان قد بَلَغَ من السِّنِّ ثلاثًا وتِسْعين سَنَةً، وأقام في مَنْزله مَصُونًا عن المَصائِب والنَّوائِب أرْبَع سِنين مَخْدُومًا على البَرَاذع والوَسائِد، ولَم يَرَ مُصِيبَةً في عُمْرِه. وكان صَحِيحَ السَّمْع والبَصَر والعَقْل.
قال: ولمَّا كانت اللَّيْلةُ الَّتي تُوفِّي فيها، ﵁، ذَهَبْتُ إلى المَسْجِد الجامِع العَتِيق ومعي من فَواضِل نِعَم الله ما تَصَدَّقْتُ به عنه، وسألْتُ جَماعَةً من أهْل السَّتْر والقُرْآن الدُّعاءَ له، ورَغِبْتُ إلى الله سُبْحانه في إمْتاعِي ببَقائِه.
وعُدْتُ بعد العَتْمَة، وهو ﵁ جالِسٌ على فَرْشِه، فقال لي: يا بُنَيَّ، شَغَلْت والله قَلْبي بتأخُّرِك إلى هذا الوَقْت، فأين كُنْتَ يا سَيِّدَ أبيه؟ قُلْتُ: كُنْتُ في الجامِع العَتِيْق لحاجَةٍ لي هُناك، قال: بحَياتي ما هي؟ قُلْتُ: الرَّغْبَة إلى اللهِ جَلَّ اسْمُه في طُولِ عُمْرِكَ، قال: تَقَدَّمْ إليَّ، فتَقَدَّمْتُ إليه، فقَبَّلَ بين عَيْني وقال: يا بُنَيَّ، مَن يُخَلِّفكَ ما مات، قُلْتُ: يا مَوْلاي، فهل تَجِد ألَمًا أو وَجَعًا، قال: لا واللهِ، ولا شَيئًا ممَّا يُشْتَكى بالجُمْلة غير أنَّ رُوحِي صَغِيرة. فأمَرْتُ مَنْ في دَارِنا بإصْلاح ماءِ الفَرَارِيْج وماءِ اللَّحْم وتَطْييبه وإعْدَادِه، فقال لي: يا بُنَيَّ، دَارُكَ وعِيالُك ووَالدِتُك وأُخْتُك وعَمَّتُك؛ ما أحْتاجُ إلى ذِكْرِ أحَدٍ منهم لك إنْ مُتّ، إذْ كنتَ عليهم أشْفَقُ وأرْفَقُ من أنْ تَحْتاج منِّي إلى وَصِيَّة في أمْرِهم، وما أوصِيك إلَّا بأمْر نَفْسِي: ابْتَع لي كَفَنًا بكَذا، وتابُوتًا بكذا، وحُنُوطًا بكذا، وأخْرِجْ عَنِّي حَجَّة
стр. 6237
===
الإسْلَام؛ فقد عاهَدْتُ أبا إسْحَاق الخَرَّاز أنْ يَحُجَّ عَنِّي - وكان هذا رَجُلًا من الأبْدال يَحُجّ في كُلِّ سَنَة، وكان أبي، ﵀، صَارُوْرة (١) لم يَحُجَ - وأقِمْ على قَبْري قَارِئَيْن يَقْرآن في كُلِّ يَوْمٍ نِصْف خَتْمَة، ويَسْتَكْملان خَمْس عَشْرَة خَتْمَة في الشَّهْر، وتَصَدَّقْ عَنِّي بدِيْنارٍ في كُلِّ خَتْمَة، وادْفِنِّي في الدَّارِ الصَّغِيْرة؛ كُلُّ ذلك والبُكَاءُ يَغْلِبُني والنَّحِيبُ، فقال: يا بُنَيّ، دَعْ هذا عنْك واسْتَوعِب ما أُوصِيكَ بهِ، وافْهَمْ عَنِّي، فقُلْتُ: لا واللهِ إلَّا في مَجْلِسك هذا! فقال: لا تَفْعَل هذا بوَجْهٍ ولا بسَبَب، فأنِّي أخافُ أنْ أُثْقِلَ عليكم، واعْمَل معي ما وَصَّيْتُك به لسَنَةٍ كَامِلَة، فإذا تَمَّت فاصْنعَ ما بَدَا لك، فقُلْتُ: واللهِ يا مَوْلاي، لئن قَضَى اللهُ علَيَّ بهذه المُصِيْبَة لأفْعَلَنَّ أضْعافَ ما وَصَّيْت به، فتَشُكّ يا مَوْلاي فيَّ؟ فقال: لا واللهِ يا بُنَيّ؛ ولكنْ أشْغالُ الدُّنْيا تَشْغَلُكَ.
ثُمّ أخَذَ في الذِّكْر، فلعَهْدِي به، ﵁، وأنا جالِسٌ خَلْفَ ظَهْرِه، وفَمُهُ لا يَفْتُر من الدُّعاءِ لي، وهو يقُول: يا بُنَيَّ؛ حَرَسَكَ الله، يا بُنَي؛ صَانَكَ الله، وما أشْبَه ذلك.
فلم يَزَلْ هذا شأنُهُ إلى أنْ ثَقُلَ لِسانُه. وكان آخِرَ ما سَمِعْتُه منه قَوْلُه: يا أمان الخائِفين. ثُمّ لم أسْمَعْ منه كَلِمةً بعد ذلك.
ثُمّ أُغْمِيَ عليه في آخِر اللَّيْل، وكان يَرْفَع يَدَيْه للصَّلاة ويُومئ برَأسِه إلى السُّجُودِ، كُلّ ذلك وعَيْنُه مُطْبِقَة، فلم يَزَلْ كذلك بَقِيَّة لَيْلَته يَسْجُدُ بوَجْهِه، ويَرْفَعُ يَدَيْه للتَّكْبير، ويُشِيرُ بالسَّلام يَمْنَةً ويَسْرَةً.
стр. 6238
===
ثُمّ حَضَرَ عندَهُ القُرَّاءُ، فاقْتَسَمُوا بينَهُم خَتْمَةً، فعندَ فَرَاغِهم من آخِرِها وقَوْل آخِرِهم: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (١) قُبِضَ ﵁. ولم أُشاهِدْ قَبْضَهُ لأنِّي اشْتَغَلْتُ بالحُزْنِ عليه. وصَلَّى عليه قاضِي القُضَاة مَالِك بن سَعِيْد. وكان كَثِيرَ الصَّدِيق فلم يَتَخَلَّف عنه كَبِيرُ أحَدٍ.
قال: وكانت له، ﵀، سَلَّةٌ مُقْفَلَةً خَلْفَ ظَهْرِه في مكانِ جُلُوسِه؛ لم نَدْر ما فيها، لا يَفْتَحُها غيرُه، ولا يُقْفِلُها سِواه. فلمَّا تُوفِّي ﵀، فتَحْناها وإذا فيها رِقَاعٌ بما كان يَخْتِمه في كُلِّ يَوْمٍ من القُرْآن وما يَدْعُو به، وأعْداد ما يَسْتَغْفِرُ الله بهِ، ليسَ فيها شيءٌ غير هذا.
وأتْبَعَ هذا بما يشُابِهُهُ من التَّطْويل فيما لَيْس فيه فائدة.
وأنْشَدَ مَرْثِيَّةً في أبيهِ منها: [من الكامل]
خَطْبٌ ألَمَّ من الزَّمانِ عَظِيمُ … فالدَّمْعُ سَحٌّ للمُصَابِ سَجُومُ
خَطْبٌ يَقِلُّ له البُكاءُ ويَنْطَوِي … عنه العَزَاءُ ويَظْهَرُ المَكْتُومُ
خَطْبٌ يُمِيتُ من الصُّدُورِ قُلُوبِها … أَسَفًا ويُقْعِدُ تارةً ويُقِيمُ
يا مَنْ يَلُومُ إِذا رآني جَازِعًا … من طَارِق الحَدَثان، فيمَ تَلُومُ؟
بأبي فُجِعْتُ فأيُّ ثُكْلٍ مِثْلُه … ثُكْلُ الأُبُوَّةِ في الشَّبابِ ألِيْمُ" (٢)
"وممَّا يُضْحك ممَّا ضَمَّنَهُ تاريخه قَوْله: وفي سَنَة أرْبَع عَشرة وأرْبَعمائة في الخَامِس والعِشْرين من شَوَّال طَرَقَتُ جَاريَتي، وأُمّ وَلدِي العَزِيْزة عندِي، وألِيْفَتي وقَريْنَتي، ونحنُ مُقِيْمُونَ في دار البَحْر الَّتي أمْلِكُها في الحَمْراء على شَطِّ النِّيْل،
стр. 6239
===
وأقامَت لَيْلتها تلك إلى غَدِ ذلك اليَوْم، وهو يَوْم الجُمُعَة لأرْبَع بَقين منه عند طُلُوع الخَطِيْب المِنْبَر، فبَقِيت ﵂، وكانت تَسْتَغِيث من أحْشَائها وفُؤادها، وكان مَوْتها فجأةً، ونَالَني عليها من الوَجْدِ ما لا أجِدُ له كاشِفًا إلَّا الله سُبْحانه، وكان في نِصْف هذا الشَّهْر كُسُوف قَمَريّ، ولقد جَزِعَت ﵂ عند مُشَاهَدتها لكُسُوفِ القَمَر، واجْتَهدتُ في تَسْكِين بُكَائها ونَحِيْبها عندَ رُؤيته بكُلِّ سَبِيل، ونِيَاحتها وبُكاؤها تزيد بُرْهَة من اللَّيْل، ثُمّ ضَربَ على ابْني أبي الحَسَن عليّ منها ضِرْسهُ قَبْلَ وَفاتها بيَوْمٍ واحدٍ، وأحْضَرتُ المُزَيِّن لقَلْعِهِ عند شِدَّة ما نَاله منه من الوَجَع، فلَطَمَتْ وَجْهَها، ودَقَّت صَدْرها، وأحلت بنَفْسها نفسها العظام من البُكَاءِ والنَّحِيْب إلى أنْ قُلِعَ ضِرْس الصَّبِيّ، وقُلْتُ أرْثِيها وأُنْشِدُ شِعْرًا، منه: [من البسيط]
سَطَتْ بكَ عَيْنٌ طَرْفُها الدَّهْرَ يَدْمَعُ … وقالتْ بأيْدِي الحادثات تُرَوَّعُ
وعارَضَ هَمٌ لو بَدَا لَمْعُ نارِهِ … لأحْرَقَ ما يَدْنو له حين يَلْمَعُ
وتَسْليمُ قَلْبٍ للنَّوائِب قُطِّعَتْ … عَلائِقُه والهمُّ لا يَتَقطَّعُ
وقد حَكَمَتْ أيْدِي المَنايا بجَوْرِها … وقد سَلَبَتْ من كان في القَلْب يُودَعُ
أصاحبةَ اللَّحْدِ العَزِيْز محَلُّهُ … لقد كانت الدُّنْيا لعِزِّك تَخْضَعُ
وأنْشَدَ شِعْرًا آخر في رِثائها، منه: [من الطويل]
ألَا في سَبِيلِ الله قَلْبٌ تَقَطَّعا … وفَادِحةٌ لم تُبْقِ للعَيْنِ مَدْمَعَا
فيا ليْتَني للمَوْت قد مُتُّ قَبْلها … وإِلَّا فلَيْت المَوْتَ أذْهَبَنا مَعا
وذَكَرَ ما صنَّفه من الكُتُب، وهي: كتاب مُخْتار الأغَانِي، وكتاب التَّلويْح والتَّصْريح في مَعانِي الشِّعْر؛ ألْف وَرَقة، وكتاب الغَرَق والشَّرَق فيمَن ماتَ غَرقًا أو شَرقًا؛ مائتا وَرَقة، وكتاب الرَّاح والارْتِياح في وَصْف الشَّراب وآلاتِهِ والنّدَام
стр. 6240
===
عليه واخْتِيار أوْقَاتهِ، وذِكْر الزَّهْر والرِّياض والثِّمار والأشْجار والمَظانِّ المُخْتارَة لشُرْب العقار؛ ألف وخَمْسِمائة وَرَقة، وكتاب الطَّعَام والإدَام في وَصْفِ ألْوَان الطَّعَام وما يُقَدَّم على الخِوَان؛ ألْف وَرَقة وخَمْسِمائة ورَقَة، وكتاب دَرْك البُغْيَة في وَصْفِ الأدْيان والعِبَادات وذِكْرِ المِلَلِ والأنْبِياءِ والمُتَنبِّئين وذِكْرِ الفَرَائِض والآدَاب؛ ثلاثة آلاف وخَمْسِمائة ورَقَة، وكتاب التَّاريخ، وكتاب المُفاتَحة والمُناكَحَة، وكتاب البَخلَة والأكَلَة، وكتاب الحَمَّام، وكتاب الجوْعَان والعُرْيَان، وكتاب القوام والتَّمام، وكتاب مَن صَبَر فنَال الظَّفَر، وكتاب الأمْثِلة للدُّوَل المُقْبلة، وكتاب القَضَايا الصَّائبِة في مَعاني أحْكام النُّجُوم، وكتاب جَوْنَة الماشِطَة، وكتاب الشَّجَن والسَّكَن، وكتاب السُّؤَال والجَوَاب، وكتاب المِصْبَاح وأصْنَاف الفِقْه والفَرَائض، وكتاب العِبَارة عن أمْرِ الوِزَارَة، وكتاب الجَان والغِيْلَان، وكتاب جَامِع الدُّعاء، وكتاب العَزَائم، وكتاب تَفْضِيل الخَدَم على سَائر الحُرَم، وكتاب نُبَذ الغَرَائز ولُمَع النَّحَائِز، وكتاب أخْبَار مِصْر؛ ثلاثة عَشر ألف وَرَقَة، وكتاب الجامِع في عِبَارة الرُّؤْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ عدَدَ الأوْرَاق الَّتي تَشْمَل عليها هذه التَّصَانِيف تِسْع وثَلاثونَ ألف وَرقة ومائة وَرَقَة، وكان المُسَبِّحِيّ مَوْجُودًا في سَنَة أرْبَع عَشرة وأرْبَعمائة، ومَنْزله بالفُسْطَاط" (١).
مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد، أبو عبدِ اللهِ التَّمِيْميُّ الشَّقَّانِيُّ
" أخْبَرني الصَّاحِبُ الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن هِبَة الله الفَقِيه الحَنَفيّ المُدَرِّس بحَلَب، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: القاضِي أبو عَبْد الله الشَّاقَّانِيّ كان فاضِلًا عارِفًا بالفِقْه واللُّغةِ والنَّحْو، وغير ذلك من العُلُوم، وسَمِعَ الحَدِيث.
стр. 6241
===
وكانت وِلَادته بحَلَب سَنَة ثَمانٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائة، وتُوفِّي بسيْوَاش في صَفَر سَنَة إحْدَى وعِشْرين وستِّمائة. وكان وَجِيهًا عندَ السُّلْطان مَلِك الرُّوم، ووَلِيَ قَضَاء آقْشَهر، ثُمّ قَضَاء سِيْوَاش.
ثُمّ أنْشَدني، قال: أنْبأني أبو عَمْرو عُثْمان بن الشَّاقَّانِيّ، قال: أنْشَدني خالِي أبو عَبْد الله الشَّاقَّانيّ لنَفْسهِ: [من الخفيف]
لا تَلِنْ للخُطُوبِ واصْلُب فمَنْ لا … نَ تَوَالَى عليْهِ قَرْعُ الخُطُوبِ
إنَّ ضَرْبَ الحَدِيْدِ ما كان إلَّا … حيثُ أبدَى لِيْنًا بِحَرِّ اللَّهِيْبِ" (١).
مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن العَرَبيّ الحَاتِميّ الطَّائيّ المَعْرُوف بابن العَرَبيّ الأنْدَلُسِيّ، مُحْيي الدِّين أبو عَبْد الله
" ومن لَطَائِف ما حَكَى عنه الشَّيْخ كَمال الدِّين بن العَدِيْم، ﵀، قال: أخْبَرني أبو عَبْد الله بن العَرَبيّ، وذَكَرَ نَسَبه، قال: كُنْتُ أطُوف باللَّيْل، فطافَ قَلْبي وهو في حال كُنْت أعْرفه، فخَرَجتُ من البَلاط لأجْلِ النَّاس، وطُفْتُ على الرَّمْل وذلك في اللَّيْل، فحَضَرتني أبْيَات، فأنْشَدتُها، أسْمِع بها نَفْسِي ومَن يَلِيني لو كان هُناك أحَد: [مجزوء الرمل]
لَيْتَ شِعْري هل دَرَوْا … أيَّ قَلْب مَلَكُوا
وفُؤادي لو دَرَى … أيّ شِعْبٍ سَلَكُوا
أتُرَاهُم سَلِمُوا … أم تُرَاهُم هَلَكوا
حارَ أرْبابُ الهَوَى … في الهَوَى وارْتَبَكوا
стр. 6242
===
فلم أشْعُر إلَّا وضَرْبة بين كَتِفي بكَفٍّ ألْيَن من الحَرِير، فالْتَفَتُ، فإذا أنا بجَارِيةٍ من بَناتِ الرُّوم لَم أرَ وَجْهًا أحْسَن منها، ولا أعْذَب مَنْطِقًا، ولا أرَقَّ حَاشِيةً، ولا ألْطَف مَعْنىً، ولا أرَقَّ إشارَة، ولا ألْطَف مُحاوَرة منها، قد فاقَت أهْل زَمانها ظرْفًا وأدَبًا وجَمالًا ومَعْرِفة، فقالت: يا سَيِّدي، كيفَ قُلْتَ؟ فقُلْتُ:
لَيْتَ شِعْري هل دَرَوْا … أيَّ قَلْب مَلَكُوا
فقالت: عَجبًا منْكَ وأنت عارِف زَمانك تَقُول مثل هذا! أليس كُلّ مَمْلُوك مَعْرُوف، وهل يُصْبِح المَلِك إلَّا بعد المَعْرِفة، وتَمَنِّي السُّعُود يُؤْذِن بصَدْمها، والطَّريْق لِسَان صِدْق، فكيفَ تَتَجاوَز مثْلك، قُلْ يا سَيِّدي ماذا بعده، فقُلْتُ:
وفُؤادِي لو دَرَى … أيّ شِعْبٍ سَلَكُوا
فقالت: يا سَيِّدي، الشِّعْبُ الَّذي بين الشِّغَاف والفُؤاد وهو المانِع له من المَعْرِفة، فكيفَ يَتَمنَّى مثْلكَ ما لَم يَتَمكَّن أو يُمكن الوصول إليه، والطَّريْق لسَان صِدْق. قُلْ ما بَعْدهُ يا سَيِّدي، فقُلْتُ:
أتُرَاهُم سَلِمُوا … أم تُرَاهُم هَلَكُوا
قالت: أمَّا هم فسَلِمُوا، ولكن عنك؛ يَنْبغي أنْ تَسَل نَفْسكَ، هل سَلِمْتَ أو هَلَكتَ؟ فما قُلْتَ بعده؟ فقُلْتُ:
حارَ أرْباب الهَوَى … في الهَوَى وارْتَبَكُوا
فصَاحَت، وقالت: واعَجبًا، كيفَ يَبْقَى للمَعْشُوق فضْلةٌ يحار بها، واللَّهْو شَأنه التَّنْغِيم، يُخَدِّر الحَوَاسّ، ويُذْهِب العُقُول، ويُدْهِش الخَواطِر، ويَذْهَب بصَاحِبه في الذَّاهِبين، فأينَ الحَيْرَة هُنا والطَّريْق لِسَان صِدْق، والتَّجَوُّز من مثْلك
стр. 6243
===
غير لائق، قُلْتُ: يا ابْنَة الخَالَة، ما اسْمك؟ قالت: قُرَّةُ العَيْن، فقُلْتُ: سَلِمْت لي، ثُمّ سَلَّمَت وانْصَرَفَت.
قال: ثُمّ إنِّي عَرَفتُها بعد ذلك وعاشَرْتُها، فرَأيْتُ لها من لَطائِف المَعارِف ما لا يَصِفه وَاصِفٌ" (١).
مُحَمَّد بن عليّ، أبو عبدِ اللهِ النَّحْويّ المَزْدَغِيُّ الفَاسِيُّ
" له شِعْرٌ حَسَنٌ، ومنهُ ما أنْشَدني الصَّاحِبُ الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة الفَقِيه الحَنَفيّ، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: أنْشَدني عُبَيْدُ الله بن يُوسُف المَرَّاكُشِيّ بسِيْواش، قال: أنْشَدني أبو عَبْد الله بن عليّ المَزْدَغيّ لنَفْسهِ، في أخَوَين؛ أحدهما جَمِيل الصُّورة، والآخر أحْدَب طَويل السَّاقَيْن، كانا يَحْضُران معنا الحَلْقَة عنده: [من الكامل]
في ابنَيْ عليّ إِن نَظَرْتَ عَجَائِبٌ … أخَوَانِ ظَبْيٌّ أحْوَرٌ وحَوَارُ
فَمِنَ الجَمَالِ بوَجْهِ ذَاكَ مَحَاسِنٌ … ومنَ الجِمَالِ بِظَهْرِ ذَا آثَارُ" (٢).
مُحَمَّد بن عُمَر بن حَافِظ بن خَلِيْفَة بن حِفَاظ، أبو عَبْد الله بن أبي الخَطَّاب السَّعْدِيّ الحَمَوِيّ الحَنَفِيّ المَعْرُوف بابن العقادَة
" قال الصَّاحِبُ كَمال الدِّين بن العَدِيْم: كَتَبَ إِلَيّ يَعْتَذر من انْقِطَاعِه عَنِّي من أبْيَات: [من الطويل]
стр. 6244
===
عِنْدِي مَرِيضٌ قد تَمَادى ضَعْفُه … مُتَضاعفًا وتَورَّمتْ أقْدَامُهُ
طَال القِيَام بِهِ فيا عَجَبًا لمَن … وَرِمَتْ قَوائمه وطَالَ قِيَامُهُ
غُصنٌ ذَوى غضّ الشَّبَاب كأنَّما … مَرّ النَّسِيم بِهِ فمَال قوامُهُ
فلأجْلِ ذلك ما انْقَطَعتُ وقد بدا … عُذْري وأمْري في يَديك زِمامُهُ" (١)
مُحَمَّد بنُ عُمَر بن شَاهنْشَاه بن أيُّوب بن شَاذِي بن مَرْوَان بن يَعْقُوب، المَلِكُ المَنْصُور أبو المَعالِي ابن الملِكَ المُظَفَّر أبي المَنَاقِب، صَاحِب حَمَاة
" حَدَّثني القاضِي أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرني مَن رَآه أنَّهُ كانَ قَلِيل العِلْمِ، وأنَّ التَّصْنِيف بَعِيدٌ منه، وكذلك قَوْل الشِّعْر، وكان يَدَّعيه.
وقيلَ إنَّهُ اسْتَخدمَ جَماعَةً يُصَنِّفُونَ لهُ التَّصانيِف، وكان يأخُذُ نَفْسهُ بعُلُومِ الأوَائِل والحِكْمَة، وكان كُردبازُوْه مَوْلَى أبيه قد اسْتَولَى على مَنْبِج، وحَجَرَ على ذُرِّيَّةِ وَالده الصِّغار، فافْتَتَحها المَلِكُ المَنْصُور في جُمَادَى الآخرة سَنَة تِسْع وثَمانين وخَمْسِمائة، واسْتَنْقذها منه، وأخْرَجه عنها" (٢).
مُحَمَّد بن المُفَضَّل بن الحَسَن بن مَرْهُوب، أبو عَبْد الله الحَمَويُّ، المَعْرُوف بابنِ الإمَام
" حَدَّثني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد الحَنَفيّ العُقَيْليّ، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: مُحَمَّد بن المُفَضَّل الحَمَويّ، رَجُلٌ فَاضِلٌ، فَقِيْهٌ بارِعٌ، حَسَن النَّظْم والنّثْر، قادِرٌ على ذلك.
стр. 6245
===
أقامَ عندَنا بحَلَب سِنين، ثُمَّ خَرَجَ إلى بَلَدِه حَمَاة، وانْتَقلَ إلى حِمْص، فأقامَ بها، في خِدْمةِ المَلِك المُجاهِد زَعِيْمها، يُسيّرهُ رَسُولًا عنهُ إلى جِهَاتٍ مثل حَلَب ودِمَشْق وغيرها؛ وكان حَسَن الأخْلَاق، ظَريفًا، طَيِّب المُفاكَهَة.
أنْشَدني لنَفْسهِ: [من البسيط]
يا أيُّها المُتَنَائِي عن أحِبَّتِهِ … بعدَ اقْتِرَاب مَتَى يَدْنُو بكَ الوَطَنُ
أهَلْ تَعَشَّقْتَ دَارًا غَيْرَ دَارِهِمُ … وجِيْرةً وهُمُ دُونَ الوَرَى السَّكَنُ
بمَنْ تَعَوَّضْتَ عنهُمْ حيْنَ لا بدَلٌ … وهُمْ على الحالَتَيْنِ الرُّوْحُ والبَدَنُ
خَفْ وِقْفَةَ العَتْبِ منهُمْ حيْثُ يُخْرَسُ عن … رَدِّ الجَوَاب الفَصيْحُ المِدْرَةُ اللَّسِنُ
يا جِيْرَةً كان في الأحْشَاءِ مَنْزِلُهُمْ … والقَلْبُ مَسْكَنُهُمْ والعَيْنُ والأُذُنُ
يا رَاحَةَ القَلْبِ أنْتُم مُنْتَهَى أمَلي … فإنْ عَطَفْتُمْ فلا حُزْنٌ ولا حَزَنُ
أنْتُمْ مُرَادِي منَ الدُّنْيا ولَذَّتِها … وأنْتُمُ لجُفُوْنِي في الكَرَى الوَسَنُ
لا أوْحَشَ اللهُ مِنكُمْ حَيْثُما اتَّجَهَتْ … رِكَابُكُمْ إنْ أقامَ الرَّكْبُ أو ظَعَنُوا
وأنْشَدَنِي أيضًا؛ قال أنْشَدني أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن المُفَضَّل الحَمَويُّ لنَفْسهِ: [من البسيط]
ولِي إلَيْكَ اشْتِيَاقٌ زَادَ لَاعجُهُ … وَجْدًا ونَارًا على الأحْشَاءِ يَضْطَرِمُ
وارْتَجِي القُرْبَ مِنْ رُؤْياكَ يا أمَلِي … عَسَى يَعُوْدُ زَمانٌ كُلُّهُ نعَمُ
وكُلَّما مَرَّ وَقْتُ قُلْتُ مُجْتَهِدًا … لا أوْحَشَ اللهُ مِنْكُمْ مَنْ يُحِبُّكُمُ" (١).
стр. 6246
===
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَيُّوب بن شَادِي بن مَرْوَان، السُّلْطَان المَلِك الكامِل نَاصِر الدِّين أَبو المَعالِي وأبو المُظَفَّر
" نَقَلْتُ من خَطِّ ابن سَعِيْد المَغْربيّ، قال: أوْرَدَ الصَّاحِب كَمال الدِّين بن العَدِيْم للمَلِكِ الكَامِل: [من البَسِيط]
إِذا تَحَقَّقتُم ما عِنْد عَبْدكُم … من الغَرَام فَذَاك القَدْر يَكْفِيهِ
أَنْتُم سَكَنتُم فُؤَادِي وهوَ مَنْزلكم … وصَاحِبُ البَيْت أَدْرِي بالَّذي فيهِ
وقد مَدَحهُ ابن سَناء المُلْك بقَصِيْدةٍ أوَّلها: [الطَّوِيل]
على خَاطِري يا شُغْلَه مِنْك أشْغَالُ … وفي ناظِري يا نورَهُ منْك تِمْثَالُ
وفي كَبِدِي من نَار خَدِّك شُعْلَة … ومَوْضِع ما أخْلَيتَ منها هو الخَالُ
منها في المَدْح: [الطَّوِيل]
جَنَى عَسَل الفَتْح المُبِيْن برُمْحِهِ … ولا غروَ أن اسْم الرُّدَيْنيّ عَسَّال
لَهُ صَوْلة الرِّئْبَال فِي مايسِ القَنَا … ولا رَيْب أن ابن الغَضَنْفَر رِئْبال
إِذا صَال في يَوْم النِّزَال تَفَصَّلت … لأعْدائه بالرُّعْبِ والذُّعْر أوْصَال" (١)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد، العَلَّامَة المُلَقَّب رَضِيّ الدّين وبُرْهان الإسْلَام، السَّرْخَسِيّ
" قال ابنُ العَدِيم: قَدِمَ حَلَب ودرَّس بالنُّورِيَّة، والحَلَاوِيَّةِ، بعد مَحْمُوِد الغَزْنَوِيّ، فتَعَصَّبَ عليه جَماعَةٌ، ونَسَبُوه إلى التَّقْصِير، وإلى أنَّهُ ادَّعى تصْنيفَ
стр. 6247
===
المُحِيْط، وحالُه في الفِقْه يَقْصُر عن ذلك، وذَكَرُوا أنَّ هذا الكتاب تَصْنيفُ شَيْخِه وأنَّهُ وَقَعَ به وادَّعاه لنَفْسهِ، وكان أكْثَر النَّاسِ في ذلك تَعَصُّبًا عليه شَيْخُنا افْتخارُ الدِّين الهاشِميّ.
قال ابنُ العَدِيم: أخْبَرني خَلِيفةُ بن سُلَيمان بن خَلِيْفَة، قال: قَدِمَ الرَّضِيُّ السَّرخَسِيُّ، صَاحِب المُحِيط حَلَبَ، وذَكَرَ الدَّرْسَ، وكان في لسَانهِ لُكْنَة، فتَعَصَّب عليه الفُقَهاءُ، وكَتَبُوا فيه رِقاعًا إلى نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، يَذْكُرُون أنَّهم أخَذُوا عليه تَصْحِيفًا كثيرًا؛ من ذلك أنَّهُ قال في الجَبَائِر الخَبَائر. فعُزِل عن التَّدْرِيس، فسارَ إلى دِمَشْق، وكان الكَاسَانِيُّ صَاحِبُ البَدَائعِ قد وَرَدَ في ذلك الزَّمان، رَسُولًا، فكَتَبَ له نُور الدِّين خَطَّه بالمَدْرسَة الحَلَاويَّة، فمَضَى في الرِّسَالة، ثُمَّ عاد وتَوَلَّى التَّدْرِيسَ بها، وتَولَّى الرَّضِيُّ بدِمَشْق تَدْرِيس الخَاتُونيَّة، فلمَّا مَرِض فَتَقَ كِعَاب المُحِيْط، وأخْرَجَ منه ستمائة دِيْنار، وَأوْصَى أنْ تُفَرَّق على الفُقَهاءِ بالمَدْرسَة المَذْكُورة" (١).
مُحَمَّد بن المُنْذر بن عَبْد الرَّحْمن بن أبي عَقِيْل، أبو عَبْدِ اللهِ اليَابُريُّ
" حَدَّثني القاضِي أبو القَاسِم، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: كان أبو عَبْد الله يَمْتنعُ عن إسْماعِ شيءٍ من الحَدِيث النَّبَويّ؛ فإنَّني فاوَضْتُه في ذلك مِرَارًا، فقال: أنا لا أسْتَجِيزُ رِواية الحَدِيث، لقَوْل النَّبيّ ﷺ : نَضَّرَ اللهُ امْرءًا سَمِعَ مَقَالتي فوَعاها … الحَدِيث، وأرَى المُحَدِّثين يأخُذُون عن منْ لا يَفْهم شَيئًا، وتقَعُ منهم أوْهام إلى أشياء من هذا القَبِيل؛ وباحَثْتُه في ذلك مِرَارًا، وهو مُصِرٌّ على ما سوَّلَت له نَفْسهُ.
стр. 6248
===
وسَألتُهُ عن مَوْلده، فقال لي: تَقْديرًا إلى هذا التَّاريخ ثَمانون سَنَة؛ فإنَّني أدْرَكتُ سَنَة ثلاثٍ وخَمْسين وخَمْسِمائة؛ وكان سُؤالي له في سَنَة إحْدَى وعِشْرين وستِّمائة، قال: ووُلِدتُ ببَغْدَاد. وتُوفِّي بحَلَب في تاسِع عَشر جُمَادَى الآخِرَة سَنَة ثَمانٍ وعِشْرين وستِّمائة، ودُفِنَ خارِج باب النَّصْر، في مَقْبرةِ مَشْهَد الدُّعاء.
وأنْشَدَنِي القاضِي أبو القَاسِم، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: أنْشَدني أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن المُنْذِر، إمْلَاءً من لَفْظِه، لنَفْسهِ، في المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن أيُّوب ﵁: [من الطويل]
بَدَتْ فَرَأيْتُ البَدْرَ في حُلَّةِ الصَّبَا … ومَاسَتْ فَخِلْتُ الغُصْنَ مَيَّلَهُ الصَّبَا
وهَزَّتْ قَوَامًا كالرُّدَيْنِيِّ وانْثَنَتْ … مُغَادِرةً قَلْبِي المُعَنَّى وقَد صَبَا
ورَاشَتْ نِبَالًا مِنْ جُفُونٍ وجَرَّدَتْ … حُسَامَ لِحَاظٍ فَلَّ صَبْرِي وما نَبَا
فَسَاوَمْتُها وَصْلًا فقالَتْ مُجيْبَةً … أخِلْتَ وِصَالَ الغَانِيَاتِ مُسَيَّبَا
إذا ما طَلَبْتَ الوَصْلَ منْهُنَّ لمْ تَجِدْ … إلى ذَهَبٍ يَوْمًا إلى ذاكَ مَذْهَبَا
وإنْ تَكُ ذا مَالٍ فأنْتَ الَّذي إِذًا … تُعِيْدُ بَعِيْدَ الشَّيءِ مِنْكَ مُقَرَّبا
فقُلْتُ لها إنِّي امْرُؤٌ ربعُ مالِهِ … غَدَا مُقْفِرًا منْ سَاكِنيْه مُخَرَّبا
فقالَتْ تَزَوَّدْ حُسْنَ ظَنِّكَ واصْطَحِبْ … رجَاءَكَ واجْعَلَ صِدْقَ قَصْدكَ مَرْكبا
إلى مَلِكٍ لَوْ لامَسَتْ كَفُّه الثَّرَى … لعَادَ الثَّرَى باللَّمْسِ في الحالِ مُخْصِبَا
إلى مَنْ لهُ أضْحَتْ لنا مِصْرُ جَنَّةً … ومَسْكَنُهَا مِنْ جَنَّةِ الخُلْدِ أطْيَبَا
وأنْشَدَنِي، قال: أنْشَدني أيضًا لنَفْسهِ من أبْياتٍ فيه: [من الكامل]
يا عَاذِلِيْ دَعْ عَنْكَ عَذْلَ الوَالِهِ … فالعَذْلُ مِنْكَ يَزِيْدُ في بَلْبَالِهِ
стр. 6249
===
لو كُنْتَ شَاهِدْتَ الَّذي هُوَ مُغْرَمٌ … مِن أجْلِهِ ما كُنْتَ مِنْ عُذَّالِهِ
رَشَأٌ يُحَاكي الغُصْنَ في حَرَكاتِهِ … ويَفُوْقُ نَوْرَ البَدْرِ عنْدَ كَمَالِهِ
لم أنْسَهُ أشْكُو إلَيْهِ تحصفًا … ويَدِي لفَرْطِ الوَجْدِ في أذْيَالِهِ
نادَيْتُهُ يا مَنْ بِسَهْمِ لِحَاظِهِ … قَلْبِي أصَابَ ولَم يَجُدْ بوَصَالِهِ
وأذاقَنِي كأسَ التَّفَرُّقِ عَامِدًا … وجَنَى عليَّ بِمَنْعِ طَيْفِ خَيَالِهِ
رِفْقًا بمَنْ أمْرَضْتَه ببعَادِهِ … واعْطِفْ على مَنْ لَمْ تَغِبْ عن بَالِهِ
واسْأل عن البَاكِي عليْكَ بأَدْمُعٍ … تَحْكِي نَدَى مَن عَمَّ فَيْضُ نَوالِهِ
وأنْشَدَنِي، قال: أنْشَدني لنَفْسهِ من أبْيَاتٍ: [من الكامل]
ثَمَرُ المَعَالِي لا يُنَالُ وإِنْ دَنَا … إِلّا بأطْرَافِ الصَّوَارِمِ والقَنَا
وإلى رَفِيْعِ المَجْدِ يَوْمًا ما ارْتَقَى … في رَاحَةٍ إلَّا الَّذي اقْتَحَمَ العَنا
وعلى المُرَادِ مِنَ الرِّيَادَةِ ما احْتَوَى … إلَّا الَّذي أعْطَى صَوَارِمَهُ المُنَى
فانْهَض نُهُوضَ أخِي اعْتِزَامٍ صَادِقٍ … ما قامَ يَدْعُو الأمْرَ إلَّا أذْعَنَا
كصَلَاحِ دِيْنِ اللهِ والمَلِكِ الَّذي … يُرْجَى ويُخْشَى إنْ تَباعدَ أو دَنَا
فيْهِ لأيَّام الزَّمَانِ مَحَاسِنٌ … إذْ جَاءَ يُدْعَى في المُلُوكِ المُحْسِنَا
كَمْ مِن يَدٍ أسْدَى وكَمْ مِنْ مِنَّةٍ … غَطَّى بها فِعْلَ المُسِيءِ أَحْسَنَا
كَمْ وقْفَةٍ شَهِدَتْ لَهُ وثَبَاتُهُ … وثَبَاتُهُ فيها بمَشْهُورِ الغَنَا
سَلْ عَنْهُ أَلْسِنَةَ الرِّمَاحِ فإنَّها … تُنْبِيْكَ عَمَّا أودَعَتْهُ الأَلْسُنَا
واسْتَمْلِ تُمْلِي المرْهَفَاتُ حَديْثَهُ الـ … ـمَرْوِيَ عن يَوْمِ الكِفَاحِ الأَحْسَنَا
ما بَاتَ إِلَّا مُسْتَجِيْشًا عَزْمُهُ … فَتَرَاهُ في سَفَرٍ إذا ما اسْتَوْطَنا
وأنْشَدَنِي، قال: أنْشَدني مُحَمَّد بن المُنْذِر لنَفْسهِ: [من السريع]
стр. 6250
===
بالجِدِّ تُعْطى الجدّ لا بالمُزَاحْ … وما أفَادَ الحَمْدَ إلَّا السَّمَاحْ
والطَّيْرُ لا تَحْصَلُ يَوْمَ الثَّنا … على المُنَى إلَّا بخَفْق الجَنَاح
وما حَوَى الرَّاحَة إلَّا الَّذي … سَعَى إلى كَشْفِ الغنا ثُمَّ رَاحْ
فَدَعْ تَصَابِيْكَ وخَلِّ الصِّبَا … ولا تَرُحْ يَوْمًا إلى شُرْب رَاحْ
واسْعَ إلى نَيْلِ العُلَا مِثْلَ ما … سَعَى إلى المُلْكِ المَهِيْبُ الصَّلَاحْ
وأنْشَدَنِي، قال: كَتَبَ أبو عَبْد الله لنَفْسهِ: [من السريع]
يا قَلَمِي نُبْ في الثَّنَاءِ المُقِيْم … على كَمالِ الدِّين بنِ العَديم
وقُل لَهُ عَنِّي إذا جِئْتَهُ … في مَنْصِبِ الدَّرْسِ الجَلِيْلِ العَظِيم
يا مَنْ عَدِمْنا المِثْلَ في فَضْلِهِ … يا وَارِثَ المَجْدِ الأثْيلِ القَدِيْم
قَدْ قِيْلَ لي إنَّكَ قَدْ بِعْتَني … بالغَبْنِ والغَبْنُ فدَاءُ السَّليْم
قَدَّمْتَ غَيْرِي ثُمَّ أخَّرْتَنِي … في هذهِ الدَّارَ الَّتي لِلْيَتِيْم
وأنْتَ بالفَرضِ فأدرى وبـ … ـالأصْلَح والمُفْسد طَبٌّ حَكيْم
يسرّ بالدَّهْر منْ عَالَمٍ … ولا يَرَى دينارَ [ … ] العَلِيْم
فارجِعْ إلى ما أنْتَ أهْلٌ لهُ … مِنْ سُؤْدُدٍ كُلُّ لَدَيْهِ خَدِيْم
والأَجْرُ والأُجْرَةُ حَصِّلْهُما … بَعْدَ الثَّنَا البَاقِي عليكَ المُقِيْم
من نَاظِم دُرَّ اليَتِيْم الَّذي … يَطْرَبُ مَنْ يَسْمَعُهُ والنَّظِيْم
فكَتَبَ إليهِ القاضِي أبو القَاسِم جَوَابها: [من السريع]
يا أيُّها الصَّدْرُ الفَقِيْهُ العَلِيْم … ومَنْ لَهُ الإحْسَانُ والفَضْلُ خِيْم
أرْسَلْتَ نَحْوِي أسْطُرًا نَظَّمَت … جَوَاهِرُ اللَّفْظِ بِمْعنىً قَوِيْم
تُعِيْرُ مَاءَ المُزْنِ منْ لُطْفِهَا … وتكْسَبُ الرِّقَّةَ مَجْرَى النَّسِيْم
стр. 6251
===
تَضمَّنَتْ عَتْبِي ولا ذَنْبَ لِي … يا أيُّها المَولَى الصَّدِيْقُ الحَمِيْم
أُقْسِمُ باللهِ وآيَاتِهِ … ونِعْمَةِ المَوْلَى المَلِيْكِ الرَّحِيْم
ما بِعْتُ مَوْلَايَ ولَكنَّنِيْ أشْـ … ـتَرَيْتُهُ وَهْوَ العَزِيْزُ الكَرِيْم
وأنَّ بَيْعَ الدُرِّ في سمْطِهِ … ومشْتَرِيْ البَهْرِجِ حُمْقٌ عَظِيم
والعُذْرُ قَدْ أبدَيْتُهُ قَبْلَ أنْ … يأتِيني مِنْكَ العِتَابُ الأَلِيْم
فاعْذرْ سَدِيْدَ الدِّيْنِ أو لا فَجُدْ … بالصَّفْحِ عَنْ ذَنْبِي فأنْتَ الحَلِيْم
إنِّي على حُبِّكَ يا سَيِّدِي … وصِدْقِ وُدِّي لكَ ما إنْ ارِيْم
وقال: [من الخفيف]
قالَ عَبْدُ اللهِ يُعزَى إلى المُنْـ … ـذِرِ يَرْجُو الخَلَاصَ يَوْمَ العَرْضِ
بالَّذي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ سِوَى … الشِّرْكِ إله السَّمَا مَعًا والأَرْضِ
قُلْ لِمَنْ قال: إنَّنِي رَافِضيٌّ … لَسْتَ تَبْرَا في العَرْضِ مِنْ دَيْنِ عْرْضِي
إذا أثني على الَّذي رَفَضَ البَا … طِلُ في كُلِّ سُنَّةٍ معَ فَرْضِ
وبِحُبِّ النَّبِيِّ والآل والأَصْـ … ـحَابِ في البَسْطِ دائِمًا والقَبْضِ
والَّذي لا يَرَى المَوَدَّةَ في القُرْ … بَى عليه فَرْضًا رَهِيْنُ الرَّفْضِ
ونُصُوصُ الآيَاتِ جَاءَتْ بِلَا رَيْـ … ـبٍ على الآلِ بالثَّنَاءِ المَحْضِ
وبذَاكَ الأَخْبَارُ جاءَتْ بإسْنَا … د صَحِيْحِ البِنَا عَدِيْمِ النَّقْضِ
وإذا لَمْ على النَّبِيِّ معَ الآلِ … تُصَلِّي وَقْتَ التَّشَهُّدِ تَقْضِي
وإلَهُ العِبَاد يَعْلَمُ ما في الـ … ـقَلْبِ خَافٍ مِنْ فَرْطِ حُبٍّ وبُغْضِ
ومُسيءُ الظُّنُوْنِ بالخَلْقِ لا يَنْـ … ـفَكُّ يَوْمًا عن إِثْمِهِ في البَعْضِ
وإِذا أنْتَ لَمْ تكُنْ حَسَنَ الظَّنِّ فَـ … ـأعْرِضْ عن سُوءِ ظَنِّكِ وامْضِ
وإِذا لم يُقِرَّ شَخْصٌ بشَيءٍ … فبماذا عليهِ في الصَّمْتِ تَقْضِي
стр. 6252
===
وعن الخَوْضِ قَدْ نُهِيْنا قَدِيْمًا … في الَّذي مَرَّ قَبْلَنَا غَيْرَ مُرْضِي
مِنْ نَزَاعٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ والآ … لِ خَافٍ إليهِ يُفْضِي
والخَطَا والصَّوابُ لا بُدَّ أنْ يَحْـ … ـدُثَ بينَ الخَصْمَيْنِ في كُلِّ مُفْضِي
معَ عِلْمٍ بأنَّ هذا وهذا … عَادِما عِصْمَةٍ بها الشَّرْعُ يَقْضِي
وغَبِيٌّ مَن قال مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ … كطَبِيْبٍ لم يَدْرِ جَسَّ النَّبْضِ
مثل كَم يَزْعم الجهُول وقال … الفرس لما اعْتَد الحامِي العَضِ
واعْتِقَادِي هذا وعَقْدِي وقَلْبِي … لَمْ يُقَابَلْ إِبْرَامُهُ بالنَّقْضِ
والبَرَاهِيْنُ كالسَّمَاءِ إذا جاءَ … تْكَ اغْنَتكَ عن دَلِيْلِ الأَرْضِ
فافْخَرُوا الآنَ يا ذَوِي العِلْمِ بالعِلْـ … ـمِ على من لم يَدْرِ مَعْنَى الرَّفْضِ
وهوَ التَّرْكُ في الحَقِيْقَةِ للشَّيء … إِذا ما قَابَلْتُهُ بالدَّحْضِ
واشْكُرُوا اللهَ ربَّكُمُ واسْألُوهُ … أنْ يُدِيْمَ النُّعْمَى لأَهْلِ الأَرْضِ
ببَقاءِ المَلْكِ العَزِيْزِ عِمَادِ الـ … ـدِّيْنِ بْنِ الغَازِي الشَّهِيْدِ المُفْضي
بِرضَى ربِّهِ الكَرِيْمِ إلى فِرْ … دَوْسِ دَارِ البَقَاءِ جَزاء القَرْضِ
وبقَا كَافِلِ المُلُوْكِ معَ الملـ … ـك فَلَا زَالَ قَائِمًا بالمُرْضِي
ذِي الأَيَادِي المَلْكِ الرَّحِيْمِ شِهَاب … الدِّيْنِ غَوْثِ الوَرَى زَمانَ البَرْضِ
لا خَلَتْ رُتْبَةُ المَمَالِكِ منهُ … أمْرُهُ نَافِذٌ بِخَتْمٍ وفَضِّ
وعَلَا جَدُّهُ وخُصَّ بِرَفعٍ … وثوَى ضِدُّهُ وخُصَّ بِخَفْضِ
كُلَّما لَاحَ نَوْرُ زَهْرِ السَّمَاو … تِ وما فاحَ نَوْرُ زَهرِ الأَرْضِ" (١).
стр. 6253
===
مُحَمَّد بنُ نَصْر بن مَكارِم بن الحُسَين بن عليّ بن مُحَمَّد بن غالِب بن عُنَيْن الأنْصَارِيُّ، الشَّاعِر الأدِيْبُ، أبو المَحاسِن الدِّمَشْقيّ
" أنْشَدني القاضِي الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن [أبي] جَرَادَة بحَلَب، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: أنْشَدني أبو المَحاسِن مُحَمَّد بن عُنَيْن لنَفْسهِ بدِمَشْق: [من الكامل]
يا عَاتِبًا جَعلَ القَطِيْعَةَ مَذْهَبَا … ظُلْمًا ولَمْ أرَ عن هَوَاهُ مَذْهَبَا
وأضَاعَ عَهْدًا لَمْ أضِعْهُ نَاقضًا … ذِمَمَ الوَفَاءِ وحالَ عن صَبٍّ صَبَا
غَادَرْتُ دَاعِيَةَ البِعَادِ مَحَبَّتي … فَبِأيِّ حَالَاتِي أرَى مُتَطرِّبا
ظَبْيٌ منَ الأتْرَاكِ يَثْنِي قَدَّهُ … رِيْحُ الصَّبَا ويُعِيْدُهُ لِيْنُ الصِّبَا
ما بَالُهُ فِي عَارِضَيْهِ مِسْكُهُ … ولقد عَهِدْتُ المِسْكَ في سُرَرِ الظِّبَا
غَضْبَانُ لا يَرْثِي فما قابَلْتُهُ … مُتَبَسِّمًا إِلَّا اسْتَحالَ مُقَطِّبَا
اللهُ يَعْلَمُ ما طَلَبْتُ لَهُ الرِّضَا … إلَّا تَجَنَّى عَامِدًا وتَجَنَّبَا
فَيَزِيْدُهُ فَرْطُ التَّذَلُّلِ عزَّةً … أبدًا وفَرْطُ الاشْتِيَاقِ تَعَتُّبَا
عَجَبًا لَهُ اتَّخَذَ الوُشَاةَ وقَوْلَهُمْ … صِدْقًا وعايَنَ ما لَقيْتُ مُكَذِّبا
ورَأى جُيُوْشَ البَحْرِ وهيَ هَزِيْمَةٌ … فأَغَارَ في خَيْلِ الصُّدُوْدِ واجْلَبَا
يا بَدْرُ عَمَّكَ بالمَحَاسِنِ خَالُكَ … الدَّاجِي فَخَصَّكَ بالمَحَاسِن واجْتَبَى
سُبْحانَ مَن أذْكى بخَدِّكَ للوَرَى … لَهَبًا يَزِيْدُ بهِ القُلُوب تَلَّهُبَا
أو ما اكْتَفَى مِنْ عَارِضَيْكَ بأرْقَمٍ … حَتَّى لَوَى مِن فَضْلِ صُدْغِكَ عَقْرَبا" (١).
стр. 6254
===
مُحَمَّد بن هاشِم بن أحْمَد بن عَبْد الوَاحِد بن هاشِم، أبو عَبْد الرَّحْمن الحَلَبيّ
" رَوَى عن أبيه هاشِم الحَلَبيّ، وكان خَطِيْب الجامِع، وفيه تَسَاهُلٌ في الرِّوَاية والشَّهادة؛ قالَهُ ابنُ العَدِيْم ونَقَلَهُ من خَطِّهِ.
قال: وذَكَرَ لي أنَّهُ سَمِعَ من عَبْدِ الله بن أسْعَد الحِمْصيّ، وأحْضَرَ إليَّ كَثِيرًا من شِعْرِهِ، وقد كَتَبَ عليه بخَطِّهِ طَبَقَةً مُزَوَّرةً، وقَصَدَ حِكَايَةَ خَطّ ابن أسْعَد؛ وهي خَطّ يَد مُحَمَّد بن هاشِم بغير شَكٍّ.
قال: وكانت وَفاته في سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وستِّمائة، وكَتَبَ عنه من شِعْرِهِ قَصَائد ومَقَاطِيْع. وشِعْره وَسَط وغَالِبه (١) سَفْسَاف" (٢).
مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر بن عَبْد الله بن أبي مُحَمَّد عَبْد الرَّحيْم بن القَاسِم بن عبْدِ اللهِ، المَعْرُوف بابنِ الأبْيَضِ، الفَقِيهُ الحَنَفيُّ الحَلَبيُّ
" أخْبَرني القاضِي أبو القَاسِم، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: كان أبو عَبْد الله، ﵀، دَمِث الأخْلَاق، حَسَن المُعَاشَرة، كَرِيم الطِّبَاع، غَزِير العِلْم، كَثِير الوَرَع، مَلِيْح النَّظْم والنَّثْر" (٣).
"وُلِدَ بحَلَب في رَابِع صَفَر من سَنَة سِتِّين وخَمْسِمائة" (٤)، "ونَشَأَ بها حتَّى انْتَقَلَ أبوهُ إلى دِمَشْق، ووَلِيَ القَضَاءَ بها، فسارَ إلى وَالدِه؛ إلى دِمَشْق.
стр. 6255
===
وقَدَّمَهُ القاضِي مُحْيي الدِّين أبو المَعالِي مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن يَحْيَى الفَرَسيّ، ومالَ إليهِ حتَّى نَفَقَ على السُّلْطان المَلِك العَادِل سَيْف الدِّين أبي بَكْر مُحَمَّد بن أيُّوب بن شَاذِي، ﵀، فقَلَّدَهُ قَضَاءَ العَسْكَر، وسَيَّرَهُ إلى المُلُوكِ والرَّسَائل. وقَلَّدَهُ عِدَّة مَدَارِس بدِمَشْق، منها مَسْجِد خَاتُون؛ ظَاهِر مَدِيْنة دِمَشْق، ومَدْرسَة باب البَرِيد، ومَدْرسَة خاتُون أيضًا.
ولَم يَزَل كذلك إلى أنْ حَدَثَت بينَهُ وبين وَزِيْره الصَّفِيّ مُحَمَّد بن عَبْد بن عليّ بن شُكْر وَحْشَةٌ، خافَ منها على نَفْسِه. وكانَ المَلِك العَادِل قد سَيَّرهُ رَسُولًا إلى حَلَب المَحْرُوسَة وإلى الدِّيار الشَّرقيَّة.
وكان قد اتَّصَلَ إلى وَالدِي، ﵀، فلمَّا وَرَدَ حَلَب، عرضَ عليهِ السُّلطان المَلِك الظَّاهِر المقام بحَلَب، وضَمِنَ له أشْياء، فأجابَهُ إلى ذلك. وسارَ إلى الدِّيارِ الشَّرقيَّة لأدَاء الرِّسالة، وعادَ إلى حَلَب، فأقامَ بها، وسَيَّرَ جَواب الرِّسَالة إلى المَلِك العَادِل. ووَلَّاهُ المَلِكُ الظَّاهِر مَدْرسَة شَاذْبَخْت، ﵀.
وحَكَى له أنَّهُ لمَّا سَيَّرَهُ المَلِك العَادِل في هذه الرِّسَالة، تَلَطَّفَ في طَلَبِ الدُّسْتُور بألْطَف حِيْلَة، وذلك أنَّهُ قال: قد عَلِمَ مَوْلانا أنَّني قد تأهَّلْتُ بحَلَب، وأنا أسْتَخدمُ الإذْن الكَريم عندَ أهْلِي، عند قَضَاء شُغْل السُّلْطان، فأذِنَ له في ذلك، ظَنًّا منه أنّه يُقِيم مُدَّة ثُمّ يَعُود.
ولم يَزَل بعدَ ذلك مُقِيمًا بحَلَب، إلى أنْ وَلَّى المَلِكُ الظَّاهِر افْتِخارَ الدِّين أبا هاشِمِ عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْلِ العبَّاسِيّ الهاشِميّ، ﵀، رئاسة أصْحاب أبي حَنِيْفَة، فاسْتَوحَشَ ذلك، وتَرَكَ مَنْصِبه، وسارَ إلى حَمَاة. فأنْزَلَهُ المَلِكُ المَنْصُور أبو المَعالِي مُحَمَّد بن عُمَر بن شَاهَنْشَاه بن أيُّوب بها، وأكْرمَهُ ووَلَّاهُ المَدْرسَةَ النُّورِيّة بها.
стр. 6256
===
ثمَّ إنَّ المَلِك الظَّاهِر، ﵀، طَلَبَ عَوْدِه من وَالدِي، ﵀، فسَار - كُنْتُ صُحْبَتهُ - إلى حَمَاة، وأَعادَهُ إلى حَلَب المَحْرُوسَة؛ إلى مَنْصبِهِ" (١).
"قَرأتُ عليهِ الفِقْه على مَذْهَبِ الإمام أبي حَنِيْفَة ﵁، وشَيئًا من الحَدِيثِ. وسَمِعْتُ منه أشْياء من المُذَاكَرة، وأجازَ لي رِوَاية مَسْمُوعاته ومَرْويَّاته" (٢).
"وكانت وَفاته، ﵀، لَيْلة سَبْع وعِشْرين من شَهْر رَمَضان، من سَنَة أرْبَع عَشرة وستِّمائة فجأةً. وكانَ قد اسْتَدعَى فُقَهاء المَدْرسَة، في تلكَ اللَّيْلة على عادَتهِ في شَهْر رَمَضان للإِفْطَار على مَائدتِهِ، وأكَلُوا وخَرَجوا عنه. ثُمّ صَلَّى العِشَاءَ الآخرة والتَّرَاويْح، وسَجَدَ وحَضَرتهُ الوَفاة فلم يَتَكلَّم بشيءٍ، إلى أنْ مات، واسْتُدْعِيتُ إليه، وهو في الحيَاة، فلم يَزَل إلَّا يَسِيْرًا حتَّى مات، ودُفِنَ صَبِيْحة تلك اللَّيْلة، بتُرْبَتنا بمَقامِ إبْرَاهيم ﵇ إلى جانِب وَالدِي، رَحِمَهما اللهُ" (٣).
"قال القاضِي، أَيَّدَهُ اللهُ تعالَى، وممَّا أنْشَدني القاضِي أبو عَبْد الله لنَفْسهِ (٤): [من الطويل]
أشَدُّ المُحبِّيْنَ اشْتِيَاقًا ووَحْشَةً … لمَحْبُوْبِهِ صَبٌّ يَبِيْتُ على وَعَدِ
يَخَافُ اجْتِنَابًا وَاضِعًا عن تَعَمُّدٍ … وأصْعَبُ ما كان التَّجَنُّبُ عن عَمْدِ
وقد كان يَرْجُو قَبْلَ ذلك وَصْلَهُ … ويَحْسَبُ أنَّ الهَجْرَ ما كانَ عن قَصْدِ
فإنْ صَدَّ بَعْدَ الوَعْدِ ظَنَّ بأنَّهُ … جَفَاهُ على عِلْمٍ فمَاتَ منَ الوَجْدِ
стр. 6257
===
وأنْشَدَنِي؛ قال: أنْشَدني مُحَمَّد بن يُوسُف لنَفْسهِ: [من مخلّع البسيط]
لا تَهْجَعَن تَحْظَ بالأمَانِي … هَجْرُ الكَرَى حِلْيَةُ الجُدُوْدِ
واسْعَ إلى الفَضْلِ غَيْرَ وانٍ … تَقْطَعْ إذًا دَابِرَ الحَسُوْدِ
وأنْشَدَني، قال: أنْشَدني مُحَمَّد بن أبي مُحَمَّد قَوْله أبْيَاتًا كَتَبَها إلى الوَزِيْر صَفِيّ الدِّين عَبْد اللَّه بن شُكْر مُعْتَذرًا ومُتَنصِّلًا: [من الطويل]
لعَبْدِكَ من ضَعْفٍ لمُنْقَبعٍ متَى … دَعا أجَبْت وكان العَفْوُ عنْهُ جَوَابا
ويُؤْمِنُني حْلمٌ وجُوْدُ وقُدْرَةٌ … لمالِك رِقِّي إنْ خَشِيْتُ عِقَابَا
ولَسْتُ وإنْ أذْنَبْتُ أوَّل مَن جَنَى … على نَفْسِهِ ثمَّ اسْتَقالَ ونَابَا
وأنْشَدَنِي، قال: أنْشَدني المَذْكُور لنَفْسهِ، ما كَتَبَهُ إلى الصَّفِيّ مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الكاتِب المِصْريّ؛ سَألهُ حُسْن المَناب عنه، عند ابن شُكْر الوَزير: [من الخفيف]
كُنْ شَفِيْعِي عندَ الوَزِيْرِ فإنِّي … واثِقٌ إنْ شَفَعْتَ لي بالقَبُوْلِ
أنْتَ أهْلٌ لكُلِّ قَوْلٍ جَمِيْلٍ … وهْوَ أهْلٌ بكُلِّ فِعْلٍ جَمِيْلِ
وأنْشَدَنِي، قال: أنْشَدني أبو عَبْد الله لنَفْسهِ، ما كَتَبَهُ إلى المُبَارِز يُوسُف بن خُطْلُخ، ﵀، وكانَ قد تكَلَّم في حَقِّهِ عند المَلِك الظَّاهِر بكَلامٍ حَسَن من غير أنْ يَطْلُبَ منهُ ذلك: [من مجزوء الكامل]
أهْنَا العَوَارِف ما أتَى … عَفْوًا بلَا طَلَبٍ مُهَنَّا
والوَجْهُ موْفُوْرُ الحَيَا … ءِ وقد تَعَجَّلَ ما تَمَنَّى
ما غَاضَ منهُ مَاؤُهُ … بَلْ زَادَ إِشْرَاقًا وحُسْنَا
لَمْ يَبْغِ فيهِ ولا تَقَلَّـ … ـدَ لِلْشَفِيْعِ يَدًا ومَنَّا
стр. 6258
===
كَيَدِ المُبَارِزِ أخْجَلَتْ … بِسَمَاحِها بَحْرًا ومُزْنَا
مَطَرَتْ ولم يَفْتَح لها … للوَعْدِ بالإِيْمَاضِ جَفْنَا
بَلْ سَحَّ وابِلُها ولم … نَسْتَسْقِهَا سَحًّا وهَتْنَا" (١).
مَحْمُود بن زَنْكِي، نُور الدِّين
" نَقَلْتُ من خَطِّ الصَّاحِب العالِم كَمال الدِّين أبي القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة في كتاب تاريخ حَلَب الَّذي صَنَّفَهُ، وسَمِعْتُ من لَفْظِه: أنَّ نُور الدِّين، ﵀، كان مع أبيهِ بحَلَب، فلمَّا حاصَرَ أبوه قَلْعَة جَعْبَر، وقُتِلَ عليها، قَصَدَ حَلَب وصَعِدَ قَلْعَتها، ومَلَكها في شَهْر رَبِيْع الأوَّل من سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وخَمْسِمائة، وأحْسَنَ إلى الرَّعِيَّة، وبَثَّ العَدْل، ورَفَعَ الجَوْر، وأبْطَل البِدَع، واشْتَغَلَ بالغَزْو، وفَتَحَ قِلَاعًا كَثِيرة من عَمَل حَلَب كانت بيَدِ الفِرِنْج.
وحَدَّثَ بحَلَب ودِمَشْق عن جَماعَةٍ من العُلَماء أجازوا له، منهم: أبو عَبْد الله بن رِفَاعَة بن غَدِير السَّعْدِيّ المِصْريّ.
رَوَى عنه جَماعةٌ من شُيُوخنا مثْل: أبي الفَضْل أحمد، وأبي البَرَكات الحَسَن، وأبي مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن الحَسَن بن هِبَة الله الشَّافِعِيّ.
قال: ووَقَفْتُ على رُقْعةٍ بخَطِّ الوَزِيْر خَالِد بن مُحَمَّد بن نَصْر بن القَيْسَرَانيّ كَتَبَها إلى نُور الدِّين، وجَوابها من نُور الدِّين على رَأسِ الوَرَقة وبين السُّطُور؛ فنَقَلْتُ جَمِيعَ ما فيها من خَطّيهما.
стр. 6259
===
قال: وكان ﵀ كَتَبَ رُقْعةً يَطْلبُ من ابن القَيْسَرانيّ أنْ يَكْتُبَ له صُوْرة ما يُدْعَى له به على المنَابِر حتَّى لا يَقُول الخَطيْب ما ليسَ فيه، ويَصُونَهُ عن الكَذِبِ، وعمَّا هو مُخالِف لحالِه. ونُسْخَةُ الوَرَقة بخَطِّ خَالِد:
أعْلَى اللهُ قَدْرَ المَوْلَى في الدَّارَيْن، وبَلَّغه آمَاله في نَفْسِه وذُرِّيَّته، وخَتَمَ له بخَيْر في العَاجِلةِ والآجلةِ، بمَنِّهِ وجُوْدِه وفَضْلِه وحَمْدِه.
وَقَفَ المَمْلُوكُ على الرُّقْعَةِ، وتَضاعَفَ دُعاؤه وابْتِهاله إلى الله تعالَى بأنْ يَرْضَى عنه وعن وَالدَيه، وأنْ يُسَهِّلَ له السُّلُوكَ إلى رِضاه، والقُرْب منه، والفَوْز عنده، إنَّهُ على كُلِّ شيءٍ قَدِير.
وقد رَأى المَمْلُوك ما يَعْرِضه على العَلَمِ الأشْرَف، زادَهُ اللهُ شَرَفًا، وهو أنْ يَذْكُر الخَطِيْب على المنْبَر إذا أرادَ الدُّعاء للمَوْلَى: اللَّهُمَّ أصْلِح عَبْدَكَ الفَقِير إلى رَحْمتكَ، الخاضِع لهَيْبَتكَ، المُعْتَصم بقُوَّتكَ، المُجاهِد في سَبِيْلكَ، المُرابِط لأعْدَاءِ دِيْنْكَ، أبا القَاسِم مَحْمُود بن زِنْكِي بن آق سُنْقُر، ناصرَ أمِيْر المُؤمنيْن؛ فإنَّ هذا جَمِيعه لا يَدْخُله كَذِبٌ، ولا تَزَيُّد، والرَّأي أعْلَى وأسْمَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى.
فكَتَبَ نُور الدِّين على رَأسِ الرُّقعة بخَطِّهِ ما هذا صُورته:
مَقْصُودِى أَلَّا يُكْذَبَ على المنْبَر، أنا بخِلَافِ كُلّ ما يُقال، أفْرَح بما لا أعْمَل، قِلَّة عَقْل عَظِيم! الَّذى كَتَبْتَ جَيِّدٌ هو، اكْتُب به نُسَخ حتَّى نُسَيِّرَهُ إلى جَمِيع البِلَاد.
وكَتَبَ في آخر الرُّقْعة:
ثُمَّ يَبْدؤوا بالدُّعاءِ: اللَّهُمَّ أَرِهُ الحَقَّ حَقًّا، اللَّهُمَّ أسْعدهُ، اللَّهُمَّ انْصُرهُ، الله وَفِّقهُ، من هذا الجِنْس.
стр. 6260
===
قال: وحَدَّثني وَالدِي، قال: اسْتَدعانا نُور الدِّين أنا وعَمِّك أبو غانِم شَرَف الدِّين بن أبي عُصْرُون إلى المَيْدان الأخْضَر، وأشْهَدَنا عليه بوَقْفِ حَوانِيْت على سُور حِمْص. فلمَّا شَهِدْنا عليه الْتَفَتَ إلينا، وقال: باللهِ انْظُروا أي شيء عَلِمتُمُوه من أبْوابِ البِرِّ والخَيْر، دُلُّونا عليه، وأشْرِكُونا في الثَّوابِ. فقال شَرَفُ الدِّين بن أبي عُصْرُون: واللهِ ما تَرَكَ المَوْلَى شَيئًا من أبْوابِ البِرِّ إلَّا وقد فَعَله، ولَم يَتْرُك لأحَدٍ بعده فِعْل خَيْر إلَّا وقد سَبَقَهُ إليه.
وقال: قال لي وَالدِي: دَخَلَ في أيَّام نُور الدِّين إِلى حَلَب تاجِرٌ مُوْسِرٌ، فمات بهما، وخَلَّفَ وَلَدًا صَغِيرًا ومَالًا كَثيرًا، فكَتَبَ بعضُ من بحَلَب إلى نُور الدِّين يَذْكُر له أنَّهُ قد مات هاهُنا رَجُلٌ تاجِر مُوْسِر، وخَلَّفَ عِشْرين ألف دِيْنَار أو فَوْقها، وله وَلدٌ عُمْره عَشر سِنين، وحَسَّنَ له أنْ يُرْفعَ المال إلى الخِزَانة إلى أنْ يَكْبر الصَّغِيْر، ويُرْضَى منه بشيء، ويُمْسَك الباقي لخِزَانةِ. فكَتَبَ على رُقْعَتهِ: أمَّا المَيِّتُ فرَحِمَهُ اللهُ، وأمَّا الوَلَدُ فأنْشَأه اللهُ، وأمَّا المال فثَمَّرهُ اللهُ، وأمَّا السَّاعِي فلَعَنهُ اللهُ. وبَلَغتني هذه الحِكَايَة عن غير نُور الدِّين أيضًا" (١).
"قال ابنُ العَدِيْم في تارِيْخِهِ: وفي سَنَة ثَمانٍ وسِتِّين [وخَمْسِمائة] اسْتَخَدم نُور الدِّين مَلِيْح بن لاون مَلِك الأرْمَن وأقْطَعَهُ أقْطاعًا من بلاد الإسْلام، وأنْجَدَهُ بطَائفةٍ من عَسْكَره. فدَخَلَ إلى أذَنَة وطَرسُوس والمِصيِّصَة وفَتَحَها من يَدِ مَلِك الرُّوم، وأرْسَلَ إلى نُور الدِّين كَثِيرًا من غَنائمهم وثلاثين أسِيْرًا من أعْيَانهم" (٢).
стр. 6261
===
مَحْمُود بن شِبْل الدَّوْلَة نَصْر بن صالِح بن مِرْدَاس الكِلَابِيّ
" وفي هذه السَّنَة [أى سَنَة تِسْعٍ وستِّين وأرْبَعمائة] أوْرَدَ ابنُ الأثير مَوْت مَحْمُود بن شِبْل الدَّوْلَة نَصْر بن صالِح بن مِرْدَاس الكِلَابِيّ صاحِب حَلَب.
أقُول: لكنِّى وَجَدْتُ في تاريخ حَلَب، تأليف كَمال الدِّين المَعْرُوف بابن العَدِيْم أنَّ مَحْمُودًا المَذْكُور مَرِضَ في سنةِ سَبْعٍ وسِتِّين وأرْبَعمائة، وحَدَث به قُرُوح في المِعَى، مات بها، ولَحِقهُ في أواخِر عُمْره من البُخْلِ ما لا يُوْصَف" (١).
مُجَّاعَةُ بن مُرارَة بن سُلْمِي اليَمامِيُّ الحَنَفِيُّ
" مُجّاعَةُ بنُ مُرارَةَ بن سُلْمِي اليَمامِيِّ الحَنَفِيُّ الصّحابِيُّ، ﵁، لهُ ولأبيهِ وفادَةٌ، ولمُجَّاعَةَ حَديث فِي سَنَدهِ مَجَاهِيلُ، وقال ابنُ العَديمِ فِي تاريخ حَلَبَ: وقيلَ: إنَّهُ من التَّابِعينَ" (٢).
مُسْلِم بن سَلامَة بن شَبِيْب النُّفَيْعِيُّ، عُرِف بالنَّجْمِ السِّنْجَارِيّ
" ذَكَرَهُ ابنُ العَدِيم، وقال: كان فَقِيْهًا فَاضِلًا، أدِيْبًا، له جَدَلٌ حسَنٌ، صَنَّفَهُ وأجادَ فيه.
وقَرأتُ له بَيْتَين أجازَ بهما بَيْتَيْن همُا لعَبْدِ المُحْسِن الصُّورِيّ، وهُما قولُه: [من الوافر]
стр. 6262
===
أَنِسْتُ بوَحْدَتي حَتَّى لو أنِّي … رَأيْتُ الإِنْسَ لاسْتَوحَشْتُ مِنْهُ
ولم تَدَعِ التَّجارِبُ لي صَدِيقًا … أَمِيلُ إِليهِ إلَّا مِلْتُ عَنْهُ
فأجازَهمُا ابنُ سَلَامَة بقَوْله: [من الوافر]
لأنِّي قد خَبرتُهُمُ انْتقادًا … فَخُزْ مَن شِئْتَ منهم ثُمّ صُنْهُ
إِذا عاشَرْتَ خِلًّا صَارَ خَلًّا … وإِنْ تَسْأل عن العاصِي تَكُنْهُ" (١)
مُسْلِم بن قُرَيْش العُقَيليُّ، أبو المَكَارِم
" رَأيْتُ في تارِيخ ابن العَدِيْم، أنَّهُ أخَذَ حَلَب من سَابِق بن مَحْمُود بن نَصْر بن صالِح في أوّل يَوْم من المُحَرَّم سَنَة اثْنَتين وسَبْعين وأرْبَعمائة، وهو مَدْفُون بسُرَّ مَن رَأى في قُبَّة نُقِلَ إليها من حَلَب، وقُتِلَ بأنْطَاكِيَة على بابِهِا في صفَر سَنَة ثَمانٍ وسَبْعين وأرْبَعمائة. ومَوْلده في يَوْم الجُمُعَة ثالث عَشر من رَجب سَنَة اثْنَتين وثلاثين وأرْبَعمائة" (٢).
مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان بن الحَكَم
" قَرَأتُ بخَطِّ الصَّاحِب ابن العَدِيْم، قال: قَرأتُ بخَطِّ أحْمَد بن فَارِس في زَكَريَّاء اللُّغويّ، قال مَسْلَمَة: [من البسيط]
قد كُنْتُ أبْكِي على مَن ماتَ من سَلَفِي … وأهْل وُدِّي جَميع غَيْرُ أشْتَاتِ
стр. 6263
===
فالآن إذ فَرَّقَتْ بيني وبينَهُمُ … نَوَى بَكَيْتُ على أهْل المَوَدَّاتِ
فما حَياة امرءٍ أضْحَتْ مَدَامعُهُ … مَقْسُومَةً بين أحْيَاءٍ وأمْوَاتِ" (١)
"وقيل: ماتَ سَنَة عِشْرين؛ نَقَلْتُهُ من خَطِّ ابن العَدِيْم" (٢).
مُشْرِق بن عَبْد الله الحَلَبيُّ الفَقِيهُ الزَّاهِدُ، أبو الحَسَن
" قال ابنُ العَدِيم: سَمِعْتُ عَبْد الله بن العَجَمِيّ يقُول: كان للشَّيْخ مُشْرِق العابِد عَنْزٌ مع رَاعٍ، يأْتيه كُلَّ يَوْم بلَبَنِها، فماتَتْ، فقال الرَّاعِي: هذا الشَّيْخ رَأيْتُ منه البَرَكَةَ، فما ضَرَّنِي أنْ آتِيَهُ باللَّبَنِ من عندي. فأتاهُ بلَبَنٍ، فَدَقَّ عليه البابَ، فَخَرجَ الشَّيخُ مُشْرِق وقالَ: مَن هذا، العَنْزُ ماتَتْ!! (٣).
مَنْصُور بن المُسَلَّم بن عليّ بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن أبي الخُرْجَين التَّمِيْميُّ السَّعْدِيّ المَعْرُوف بالدُّمَيْك الحَلَبيّ النَّحْويّ المُؤدِّب
" ذَكَرَهُ الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة العُقَيْليّ الحَلَبيّ في تاريخ حَلَب من جَمْعِه: أخْبَرنا الشَّيْخان: النَّسَّابَة أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَساكِر، وأبو المَعالِي عَبْد الرَّحْمن بن عليّ بن عُثْمان المَخْزُوميّ، إجازةً عن أبي الخَطَّاب عُمَر بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن الخَضِر العُلَيْمِيّ، قال: أنْشَدني القاضِي أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد البَاقي بن أبي جَرَادَة العُقَيْليّ الحَلَبيّ بدَارِه بحَلَب، قال: أنْشَدنا أبو نَصْر بن أبي الخُرْجَين لنَفْسهِ: [من الطويل]
стр. 6264
===
يا مَنْ رَأى ذُلِّي له وتَخَضُّعِي … لا غَرْوَ للمَهْجُور أنْ يَتَخَضَّعا
لا تَعْجَبن مِنِّي ومِنْ ذُلِّي له … بل من تَسَلُّطه وسَطْوته مَعا
وَيْلاه قد بَلَغَ الحَسُودُ مُرْاده … من بيننا وقد اسْتُجِيبَ لمَن دَعَا" (١)
مُوسَى بن زَكَريَّاء بن إبْرَاهيم بن مُحَمَّد بن صَاعِد بن الحَصْكَفِيّ، القاضِي الإِمام العَلَّامَة صَدْر الدِّين
" قال ابنُ العَدِيم: قَدِمَ حَلَب، وأقامَ بها يَتَفَقَّه، ثُمّ تَوَلَّى قَضَاء آمِد، ثُمّ خرَجَ إِلى حَمَاة، وأقامَ بها، ثُمّ نقلَ إلى مِصْر، وأقامَ بها في خِدْمةِ المَلِك الصَّالِح أيُّوب بن مُحَمَّد، ووَلِىَ بهَا التَّدْرِيس بمَدْرسَة جِهَارْكَس بالقَاهِرة، ووَلِىَ قَضَاء العَسْكر، وأُرْسِلَ رَسُولًا إِلى حَلَب في سَنَة أرْبَعٍ وأرْبَعين، ثُمّ في سَنَة سَبْعٍ وأرْبَعين عاد إلى مِصْر، ولمَّا مات الصَّالِح، ووَلِىَ بعده ولدُه، فوَثَبُوا عليه الأتْراك وعَزَلُوه. ومات بالقَاهِرةِ، سَنَة خَمْسِين وستمَّائة، ودُفِنَ جوارَ السَّيِّدة نَفِيْسَة.
رَوَى لنا عنه شَيْخُنا الإِمام جَمال الدِّين يُوسُف بن عُمَر بن حُسَين بن أبي بَكْر الخُتَنِيّ، مِن الشَّمَائِل القَدْرَ الذى سَمِعَهُ عليه، وهو من باب صِفَة وضُوء رَسُول الله ﷺ عند الطَّعَام، إلى قَوْله: مَنْ رآنِي في المَنَامِ، في بابِ رُؤية النَّبيّ ﷺ في المَنام" (٢).
стр. 6265
===
نَجَا بن سَعْد بن نَجَا بن أبي الفَضْل، شَمْس الدِّين
" قال ابنُ العَدِيم: مِن عُلمَاء أصْحاب أبي حَنِيْفَة. تَفَقَّه بحَلَب على الإِمام أبي بَكْر الكَاسَانِيّ. ودرَّس بمَدْرسَةِ بُصْرَى.
وكَتَبَ بخَطِّهِ نُسْخَة البَدَائِع مِنْ خَطِّ شَيْخِه، بَيَّضَها في سَبْعِ مُجَلَّدات، وهى وَقْفٌ بالمَدْرَسَةِ الشِّبْلِيَّة" (١).
النَّجَاشِيُّ الشَّاعِر الحَارِثيّ اسْمُه قَيْس بنِ عَمْرو بن مَالِك بن مُعاوِيَة بن خَديْج بن حِمَاس بن رَبِيْعة بن كَعْب بن الحَارِث بن كَعْب
" تَرْجَمهُ ابنُ العَدِيْم في تاريخ حَلَب في حَرْف النُّون، فقال: نَجَاشِّي بن الحارِث بن كَعْب الحَارِثيّ.
ذَكَرَ أبو أحْمد العَسْكَريّ في رَبِيْع الآدَاب أنَّ النجَاشِيِّ الشَّاعِر مَرَّ بأبي سِمَاك الأسَدِيّ في رَمَضان، فدَعَاهُ إلى الشُّرْب فأجابَهُ، فبَلَغَ عليًّا، فهَرَبَ أبو سِمَاك، وأُخِذَ النَّجَاشِيّ فَجَلَدهُ عليٌّ، فطَرَح عليه هِنْد بن عاصِم نَفْسه، ورَمَى عليه جَماعَة من وجُوه الكُوْفَة أرْبَعين مِطْرفًا، وجَعَلَ بَعْضُهم يقول: هذا من قَدَر اللهِ.
فقال النَّجَاشِيُّ: ضَرَبُوني، ثُمّ قالوا: قَدَر الله، لهم شَرّ القَدَر، ثُمّ هَرَبَ إلى الشَّام" (٢).
стр. 6266
===
نَجْم الدِّين بن المُجَاوِر يُوسُف بن الحَسَن، الوَزِير الجَوَاد المُجيْد
" وَقفتُ على تَرْجَمَتهِ في تاريخ حَلَب لابن العَدِيْم، فوَجَدْتُ هُنالك أَنَّهُ ماتَ سَنَة إحْدَى وستِّمائة.
وقَوْله الطَّيَّار لخِفَّتهِ على الألْسُنِ وحُسْن مَنْزعه: [من الطويل]
ولمَّا تَوَلَّى الخَدَّ والى عِذَرِاهِ … رَفَعْتُ إِليه قِصَّتي أتَظَلَّمُ
فوقَّع فيها خَطّه بصَبَابتي … وقال لي السُّلوان شيء مُحَرَّم
أتَلْبس ثَوْبَ الخَدّ إِذ كان سَاذجًا … وتَخلعه لمَّا بَدَا وهو مُعْلَم" (١)
نَدَى بن عَبْد الغِنيّ بنِ عليّ المِصْريُّ
" أنْشَدني الصَّاحِبُ الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة الفَقِيه الحنفيّ بحَلَب، أَيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: أنْشَدني أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر الحَلَبيُّ الفَقِيه الحَنَفيّ، قال: أنْشَدني نَدَى بن عَبْد الغَنِيّ بن عليّ بمِصْر لنَفْسهِ: [من الطويل]
على أيِّ وَجهٍ أبتَغِي شُكْرَ فَاضِلٍ … جَمِيعَ نهاياتِ المَكَارِم حَائِزُ
إذا ما شَكَرْتُ الفَضْلَ منهُ يَقُولُ لِي … فَضَائِلُ لَم أشْعُرْ بها أنْتَ عَاجِزُ" (٢).
نَصْر بن مَحْمُود بن نَصْر بن صالح الكِلابيّ
" وَجَدْتُ في تاريخ حَلَب، تأليف كَمال الدِّين المَعْرُوف بابن العَدِيْمِ، تاريخَ قتلِ نَصْر المَذْكُور، قال: وفي يَوْم عِيْد الفِطْر سَنَة ثَمانٍ وسِتِّين وأرْبَعمائة، عَيدَ نَصر
стр. 6267
===
ابن مَحْمُود وهو في أحْسَن زيّ، وكان الرمان رَبِيْعًا، واحْتَفَلَ النَّاسُ في عِيدِهم، وتَجَمَّلُوا بأفْخَر مَلابِسهم، ودَخَلَ عليه ابن حَيُّوس، فأنْشَدَهُ قَصِيْدة منها: [من الطويل]
ضَفَت نِعْمَتان خَصَّتاك وعَمَّتَا … حَدِثُهُما حتَّى القيَامَةِ يُؤثَرُ
فجَلَس نَصْر فشَرِبَ إلى العَصْرِ، وحَمَلَهُ السُّكْر على الخُرُوج إلى الأتْرَاكِ، وسُكْناهم في الحاضِر، وأرادَ أنْ يَنْهَبهُم وحَمَلَ عليهم، فرَماهُ تُرْكيُّ بسهمٍ في حَلْقِهِ فقَتَلَهُ، وكان قتله يَوْم الأحَد مُسْتَهلّ شَوَّال، سَنَة ثَمانٍ وسِتِّين وأرْبَعمائة. ولمَّا قُتِلَ نَصْر، مَلَكَ حَلَب بعدَهُ أخُوه سَابِق بن مَحْمُود" (١).
هِبَة الله بنِ مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أحْمَد بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن هارُون بن مُوسى بن عِيْسَى بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، أبو الفَضْل العُقَيْليُّ، ابن العَدِيْم
" ومنٍ اللَّطَائِف ما حَكَاهُ الصَّاحِب كَمال الدِّين [ابن] العَدِيم، قال: حَدَّثَني أبي، قال: نزلَ جَدّي في بَعضِ الأيَّام يُصَلِّي بالجامع، وخَلَعَ نَعْليه بين يَدِي المِنْبَر، وكانا جَدِيْدين، فلمَّا قَضَى صَلاته قامَ ليلبسهُما، فلم يَجِدهمُا، ووَجَدَ مَدَاسهُ الخلَيع مكانهما، فقال لغُلَامِهِ: ألسْتُ نَزَلتُ الجامِع بالجَدِيد؛ فما الَّذي أصَابَهُ؟ فقال الغُلَام: بلى، ولكن جاءَنا السَّاعَة إنْسَان دقَّ الباب وقال: القاضِي يقُول لكم: انْفذُوا إليه مَدَاسه العَتِيق إلى الجامع فقد سُرِقَ مَتاعه! فضَحِكَ، وقال: هذا لِصٌّ مُشْفِقٌ، جَزاهُ اللهُ خَيْرًا، وهو في أوْسَع الحلّ منه" (٢).
стр. 6268
===
هبةُ اللهِ بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن رَزِيْن، القاضِي السَّعِيْد، أبو القَاسِم بن أبي الفَضْل المِصْريّ، ابن سَناء المُلْك
" أخْبَرني الصَّاحِبُ الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة الفَقِيه الحنفيّ العُقَيْليِّ بحَلَب، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: أخْبَرني أبو مُحَمَّد عَبْد العَظِيم بن أبي الإصْبعِ العَدْوانِيّ الشّاعِر المِصْرِيّ، قال: أخْبَرني جَلَالُ الدِّين المُكَرَّم أبو الحَسَن مُوسى بن الحَسَن بن سَناء المُلْك بالقَاهِرة، قال: دَخَلْتُ على القاضِي السّعِيد أبي القَاسِم هبَة الله ابن سَناء المُلْك في مَرَضِهِ الَّذي ماتَ فيه، فلمَّا رآني بَكَى وأشار إلي، فَجَلسْتُ وأخَذْتُ في تَسْلِيتهِ، وقُلْتُ له فيما قُلْتُهُ: لقد رَأيْتُ الدُّنْيا ونِلْتَ من مَلاذِّها ما لم يَنَلهُ غَيرك من أهْلِ بَيْتكَ حتَّى أنَّكَ اتَّخَذْتَ لنَفْسكَ فِرَاشًا من العَنْبَر، وأنتَ اليَوْم فعلى قَدَم خَيْرٍ. وكان قد تابَ قبل مَوْتِهِ بسَنَة، وحَسُنَتْ حاله، فأشارَ إلى الدَّوَاة، وقال لي: اكْتُب، وأمْلَى عليّ: [من السريع]
أحْسَنَتِ الدُّنْيا الّتي اسْتَرْجَعَت … مِنِّي تِلْكَ الحالَةَ الفَاخِرِهْ
ما شَغَلَتْ بالِي بِتَقْبِيْحِها … إذْ فَرَّغَت قَلْبِي للآخِرَهْ
قال: فقُلْتُ لهُ: اذْكُر الله، فقال: أنا في ذِكْرهِ، قال: فما خَرَجْتُ من عندهِ إلى البابِ حتَّى ماتَ" (١).
стр. 6269
===
وَهْب بن وَهْب بن وَهْب بن كَثِير بن عَبْد الله بن زَمْعَة بن الأسْوَد بن عَبْد المُطَّلِب بن أسَد بن عَبْد العُزَّى بن قُصَيّ بن كِلَاب، القُرَشيُّ الأسَدِيُّ المَدَنيّ، أبو البَخْتَريّ
" قلتُ: وبعدَ الفَرَاغ من هذه التَّرجَمة، ظَفرتُ بنُكْتَةٍ يَنْبَى إلْحاقُها بها، وهي أنَّ أبا البَخْتَريّ المَذْكُور قال: كُنْتُ أدْخُلُ على هَارُون الرَّشِيد وابنُه القَاسِم المُلقَّب بالمُؤتَمن بنِ يَديهِ، فكُنْتُ أُدْمِنُ النَّظَر إليه عند دُخولي وخُرُوجي، فقال له بعضُ نُدمائه: ما أرَى أبا البَخْتَريّ إلَّا يُحِبّ رُؤوس الحِمْلَان، ففَطِنَ لهُ الرَّشِيدُ، فلمَّا دَخَلْتُ عليه قال: أرَاكَ تُدْمِن النَّظَر إلى أبي القَاسم، تُرِيدُ أنْ تَجْعَل انْقِطاعَكَ إليه!؟ قلتُ: أُعِيْذُكَ باللهِ يا أمِيْر المُؤمِنيْن أنْ تَرْميني بما ليسَ فيَّ، وأمَّا إدْمَاني النَّظَر إليه؛ فلأنَّ جَعْفَرًا الصَّادِقَ، رَضِي اللهُ تعالَى عنه، رَوَى بإسْنادِهِ عن آبائهِ إلى رَسُول الله ﷺ : ثلاثٌ يَزِدن في قُوَّة النَّظَر: النَّظَرُ إلى الخُضْرةِ، وإلى الماءِ الجَارِي، وإلى الوَجْهِ الحَسَن.
نَقَلتُها من خَطِّ المَاضِي كَمال الدِّين بن العَدِيم من مُسَوَّدَة تَاريْخْه، واللهُ تعالَى أعْلَم بالصَّوَاب" (١).
стр. 6270
===
يَحْيَى بن حُمَيْد بن ظافِر بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ بن القَائِد أبي عليّ - يُعرَفُ بمؤيِّد الحقِّ - ابن صَالِح بن عليّ بن سَعْد بن كَرِيْم بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن الحارِث بن عليّ بن سَعْد بن مَسْعُود بن اليَعْقُوب بن حَارِثةَ بن الأعْصَم بن غَنْمِ بن أسَد بن سَالَم بن سَعْد بن الحارِث بن صَخْر بن الحارِث بن صَخْر بن الحارِث بن الخَزْرَج بن حَارِثة بن ثَعْلَبة بن عَمْرو بن عَامِر بن حَارِثةَ بن امْرئ القَيْس بن ثَعْلَبَة بن مازِن بن الأزْد - وهو غَسَّان - ابن الغَوْث بن مَالِك بن زَيْد بن كَهْلان بن سَبَأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان، أبو زَكَريَّاء بن أبي طيٍّ الأزْدِيُّ
" حَدَّثَني الصَّاحِبُ الإمامُ أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة الفَقيه الحنفيّ بحَلَب، أيَّدَهُ اللهُ تعالَى، قال: كان ابن أبي طَيّ كَذَّابًا كَثِير الكَذِب والتَّحْريف، وأنَّ هذه الكُتُب الَّتي عدَّدَها وادَّعَاها، وعَمَلَ لها فِهْرِستًا، تَمْويهًا وتَوْهِيْمًا لم أَقِف منها على شيءٍ، إلَّا أنَّه كان يَقُولُ: قد صَنَّفْتُ الكتابَ الفُلَانيّ في العِلْم الفُلَانيّ، فنَسْألهُ إحْضَارهُ، فيَحْتَجّ بحُجَّةٍ ما، ويُغَالِطنا، ويُوْهم أنَّه قد فَرغ.
وكُلّ ما يَتَلفَّظ به ويَدَّعيهِ زُوْر وكَذِب؛ فإذا صَحَّ ذلك وصِدَقَ في تَصْنِيفه، فيكُون قد أغارَ على بَعْضِ الكُتُب، فيُقَدِّم فيه أو يُؤخِّر، أو يَزِيد قليلًا أو يَخْتَصر، ويَخْتَلق له اسْمًا غَرِيبًا ويَنْتَحله. هكَذا كانت شِيْمَتُهُ، وكان قد جَعَلَ التَّصْنِيف بضَاعَته، ورَأس ماله وصِنَاعَته.