← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أخْبَرَنا أبو هاشِم الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي بَكْر بن أبِي المُظَفَّر المَروَزيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا الإمَامُ والدي ﵀ إجَازةً، قال: أخْبَرَنا أبو القاسِم هِبَةُ الله بن عَبْد الوَارِث الشِّيْرَازيّ الحافِظُ كِتابةً، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن الحسَن بن الحُسَين، أبو نَصْر الشِّيْرَازيّ بمِصْرَ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عبد اللهِ أبو بَكْر بن رِيْذَة الضَّبِّيّ، قال: أخْبَرَنا سُليْمانُ بن أحْمَدَ بن أيُّوب، قال: حَدَّثَنَا أحْمدُ بن مُحَمَّد بن الحَارِث بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن اليَحْصُبِىّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: بَقِيَّةُ بن الوَلِيد، عن أبي بَكْر بن أبي مَرْيَم، عن حَبِيْب بن عُبَيْد، عن المِقْدَام بن مَعْد يكَرِب الزُّبَيْدىّ رَضِىَ اللهُ عنهُ (١)، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: يأتي على النَّاسِ زَمَانٌ مَنْ لم يَكُنْ معَهُ أصْفَر وأبْيَضُ لم يتَهَنَّ بالعَيْشِ. أخْبَرَنا أبو هاشِم بن الفَضْل عن أبى سَعْد السَّمْعَانيِّ، قال: ماتَ أبو نَصْر أحْمَدُ بن الحَسَن بن الحُسَين الشِّيْرَازيّ الحَافِظ بعْدَ سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة؛ فإنَّ أبا اللَّيْث الشَّاشِيَّ سَمِعَ منهُ فى هذه السَّنَة بالإسْكَنْدَرِيَّة. أحْمَد بن الحَسَن بن زُرَيْق الحَرَّانيّ، أبو مُحَمَّد (٢) حَدَّثَ بدِمَشْقَ، واجْتَازَ بحَلَب في طريقه إليها من حَرَّان، أو ببَعْض عَمَلها. أخْبَرَنا أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن قال: أخْبَرَنا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظُ (٣)، قال: أحْمَدُ بن الحَسَن بن زُرَيْق، أبو مُحَمَّد الحَرَّانيّ، حَدَّثَ بدِمَشْقَ عن عبدِ الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِيّ، وإسْمَاعِيْل بن عبدِ الله بن زُرَارَة الرَّقِّىِّ، وعَبْد العَزِيْز بن دَاوُد الحَرَّانيّ.

стр. 772

رَوَى عنهُ أبو المَيْمُون بن رَاشِد، وأبو عليّ بن حَبِيْب الحَصَائريّ، وأبو الطَّيِّب أحْمَد بن إبْراهيم بن عَبَادِل. أحْمدُ بنُ الحَسَن بن عَبدِ الله، أبو الحَسَن المَلَطِيُّ المُقْرِئُ قَرأ القُرْآن العَظِيْم برواية عَاصِم بن أبي النَّجُود على أبي الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن أَيُّوبَ بن الصَّلْت بن شَنَبُوذ، وأخْبَره أنّهُ قَرأ على أبي مُحَمَّد عبد الله بن سُلَيمان الرَّقِّيّ، وأخْبره أنّه قَرأ على أبي زيْد عُمَر بن شَبَّة، وأخْبَره أنّهُ قَرأ على أبي أحْمَد جَبَلَة بن مَالِك بن جَبَلَة النَّضرِيّ (a)، وأخْبرهُ أنَّهُ قَرَأ على المفضّل، وأخْبَره أنّهُ قَرأ على عَاصِم. رَوَى عنهُ أبو الحَسَن أحْمَد بن مُلاعِب الحَلَبِيّ، أنْبَأنَا بذلك عُمَر بن قُشَام، عن أبي العَلَاء الحافِظ، قال: قَرأتُ به على أبي العِزّ الوَاسِطِيّ، وأخْبَرهُ أنَّهُ قَرأ على ابن مُلاعِب. أحمدُ بن الحَسَن بن عَبد الرَّزَّاق بن عَبد الوَهَّابِ، أبو الفَوَارِس قاضي بَالِس، حَدَّثَ بها عن أبي بَكْر أحْمَد بن الحُسَين بن عليّ البَيْهَقِيّ. رَوَى عنهُ القَاضِي أبو البَرَكَات مُحَمَّدُ بن عليّ بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ قاضي سُيُوط. أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُرْتَضَى بن حَاتِم بن المُسَلَّم الحَارِثِيّ، في كِتَابِهِ إليْنَا، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو البَرَكَاتِ مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد الأنْصَاريُّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخان: القَاضِي الأجَلّ أبو الفَوَارس أحْمَدُ بن الحَسَن بن عَبد الرَّزَّاق بن عَبد الوَهَّاب الحاكِم يَوْمئذٍ ببَالِس، والشّيْخُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن مَنْصُور بن الفَرَج

стр. 773

الدِّيْنَورِيّ، بقراءتي عليهما بمَدِيْنَة بَالِس، في صَفَر سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن الحُسَيْن بن عليّ البَيْهَقِيّ، ﵀، قراءةً عليه، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الفَضْل القَطَّان، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن السَّمَّاك، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن عَبْد الجَبَّارِ أبو مُعاوِيَة، عن الأَعْمَش، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن سَالِم بن أبي الجَعْد، عن أبي الدَّرْدَاءِ، قال: قال رسُول الله ﷺ (١): ألَا أُخْبرُكم بأفْضَل من درجَةِ الصِّيَام والصَّلاة والصَّدَقَة؟ قالوا: بلَى يا رسُول الله، قال: صَلَاح ذَات البَيْن، فإنَّ فَسَاد ذَات البَيْن هي الحالقَةُ. لم يُرِد أنَّها تَحْلِقُ الشَّعَرَ بل تَحْلِقُ الدِّين. أحمدُ بن الحَسَن بن عليّ بن كُلَيْب، أبو جَعْفَر الطَّرَسُوسِيِّ حَدَّثَ عن أبي الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد بن سَلَّام الطَّرَسُوسِيّ، ومُحَمَّد بن إبْرَاهيم بن أبي أُمَيَّة الطَّرَسُوسِيّ، وأبي حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَاهِر بن أبي خَيْثَمَة، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن عِيسَى الكَرْجِيّ. رَوَى عنهُ أبو القَاسِم هِبَةُ الله بن سُلَيمان الجَزَرِيّ، وأبو الحُسَين عَتِيق بن إبْرَاهيم بن أحْمَد ابن الكَاتِب الإسْكَنْدَرَانِيّ؛ سَمِعَ منهُ بأطَرابُلُس، وكتبَ عنهُ مُحْتَسِب دِمَشْق إبْراهيم في عبدِ اللهِ بن حِصْن الأنْدَلُسِيُّ، وأبو إسْحَاق إبْراهيم بن هِبَة الله بن إبْرَاهيم. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبد الوَهَّاب بن رَوَاج الإسْكَنْدَرَانِيّ بمنَظَرة سَيْفِ الإسْلَام بين مِصْر والقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، والشَّرِيْفان أبو مُحَمَّد عبدُ الله، وأبو الطَّاهِر إسْمَاعِيْل ابْنَا أبي الفَضْلِ عَبْد الرَّحْمن بن

стр. 774

يَحْيَى الدِّيباجِيّ، إجازَةً من كُلِّ واحدٍ منهم، قالوا: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الله بن يَحْيَى بن حَمُّود المالِكِيُّ، قال: أخْبَرَنا أَبو مَعْشَر الطَّبَريّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم هِبَة الله بن سُلَيمان الجَزَرِيّ بمَيَّافَارقِين، قال: حَدَّثَنَا أبو جَعْفَر أحْمَدُ بن كُلَيْب الطَّرَسُوسِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن عِيسَى الكَرْجِيّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن الهَيْثَم البَلَدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا آدَمُ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَة، عن الأَعْمَش، عن يَحْيى بن وَثَّاب، عن ابن عُمَر، قال: قال رسُول الله ﷺ (١): المُؤْمِن الّذي يُخَالِطُ النَّاسَ، ويَصبر على أذاهُم، أفْضَل من المُؤْمِن الّذي لا يُخالِط النَّاس ولا يَصْبرُ على أذَاهُم. أحمدُ بن الحَسَن بن عِيسَى الخشَّاب، أبو الفَتْح الحَلَبِيِّ الكُرْدِيّ من بُيُوت حَلَب المَذْكُورَة القَدِيْمَة، وعِيسَى الخَشَّاب جَدّهم كان مُقَدَّمًا في دولة بني حَمْدَان، وتَقَدَّم بنُوه وعَقبهُ بعْدَهُ، ورَأسوا بها، واتَّخَذُوا الأمْلَاك بحَلَب، ومال إليهم الشِّيْعَةُ بها، وتَولّوا بها المَرَاتِب السَّنِيَّة، وسيأتي في كتابنا هذا ذِكْرُ جَمَاعَة منهم (٢)، وكان أبو الفَتْح هذا من فُقَهَاء الشِّيْعَة، ومن أعْيَان حَلَب، وكان عنده تَدَيّنٌ وَوَرَعٌ. سَمِعَ بحَلَب الحُسَيْن بن أحْمَد القَطَّان البَغْدَاديّ، وأبا مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن

стр. 775

الحَسَن الوَاعِظ النَّيْسَابُوريّ، وأبا الحَسَن مُحَمَّد بن الحُسَين البَصْرِيّ، وكَتَبَ عنهم. قَرأتُ بخَطّ أبي الحَسَن مُحَمَّد بن أبي الفَتْح أحْمَد بن الحَسَن بن عِيسَى الخَشَّاب لنَفْسِه أبْيَاتًا يَرْثِي بها أباهُ أحمَد، وقد تُوفِّي بحَلَب: [من السريع] أتانيَ الدَّهْرُ بما لم أزَلْ … أحذَرُهُ منْهُ وأَخْشَاهُ بفَقْدِ مَوْلًى فعْلُه دائمًا … للخَيْر أَدْنَاهُ وأَقْصَاهُ مُرَاقبًا في كُلِّ أفْعالِهِ … للهِ ذِي العزَّةِ مَوْلَاهُ تالِى كِتَابِ اللهِ مُسْتَشْعِرًا … بآيهِ قَدْ فازَ مَسْعَاهُ قوَّامُ لَيْلٍ صَائمٍ دَهْرَهُ … ذُو غَيْرَةٍ للدِّين أَوَّاهُ غَزِيْرُ عِلْمٍ عالِمٌ عَامِلٌ … رجَاهُ في أفْعالِهِ اللهُ (a) كَرِيمُ نَفْسٍ باذلٌ جُهْدَهُ … يُنْهَبُ منهُ المَالُ والجاهُ بَاكٍ لأوْلَادِ نَبيِّ الهُدَى … قد ذهَبَتْ بالدَّمْع عَيْنَاهُ وَصولُ أرْحَامٍ على قَطْعِها … يُعْطي بيُمْنَاهُ ويُسْرَاهُ يا رَبّ بَلّغْ أحْمَدًا سُؤلَهُ … أَكْرِمْ غَدًا في البَعْثِ مَثْوَاهُ أحمدُ بن الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن الحُسَين ابن عِيسَى بن يَحْيَى بن الحُسَين بن زَيْد بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب، أبو الطّيِّب ابن القَاضِي أبي مُحَمَّد العَلَويّ، الزَّيْدِيّ الشَّريفُ أخو الشَّريف أبي الغَنائِم الزَّيْدِيّ النَّسَّابَة. أصْلُهُ من الكُوفَة. وتَولَّى أبُوه أبو مُحَمَّد القَضَاءَ بحَلَب في أيَّام سَعْد الدَّولَة أبي المَعَالِي شَرِيْف ابن سَيْف الدَّولَة ابن حَمْدَان، وكان أبو الطَّيِّب هذا وأخُوهُ مع أبيهما أبي مُحَمَّد بحَلَبَ.

стр. 776

وذَكَرَهُ أخُوهُ أبو الغَنائِم عبدُ اللهِ بن الحَسَن الزَّيْدِيّ النَّسَّابَة في كتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِيْن (١)، في النَّسَب، وذَكَرَ له أبْيَاتًا من الشِّعْر، وأنَّهُ أنْشَدَهُ إيَّاها لنَفْسِه، وهي: [من السريع] اصْبر فإنَّ الصّبْر مُرٌّ كَرِيهْ … سَيُعْقبُ الصَّبْرُ بما تَشْتَهِيْهْ كم آملٍ أمْرًا وقد فاتَهُ … فلم يَنَلْ بالسَّعْي ما يَرْتَجيْهْ فكُنْ على الصَّبْر صبُوْرًا عَسَى … يَنْفَعُكَ الصَّبْرُ بخَيْر يَلِيْهْ فكم عَسِيْرٍ عَزَّ في عُسْرِهِ … هَوَّنَهُ الرَّحْمنُ باليُسْرِ فيْهْ أحمدُ بن الحَسَن الأنْطَاكِيُّ، أبو بَكْر رَوَى عن أبي زَكَرِيَّاء الحَبَّال. رَوَى عنهُ أبو عبد اللهِ أحْمَد بن مُحَمَّد بن إبْراهيم الأنْبارِيّ الضَّرِيْر. أخْبَرَنا المُؤيَّدُ بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ في كِتَابِهِ إليْنَا من نَيْسَابُور، عن أبي الحَسَن علِيّ بن عبد الله بن أبي جَرَادَة الحَلَبيّ، قال: حَدَّثني أبو الفَضْل أحْمَد بن عليّ بن زُرَيْق المَعَرِّيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العَلَاء أحْمَدُ بن عبد الله بن سُلَيمان المَعَرِّيّ، قال: حَدَّثَني أبو الفَرَج عبدُ الصَّمَد بن أحْمَد بن عبد الصَّمَد، قال: حَدَّثَني أبو عبد الله أحْمَد بن مُحَمَّد بن إبْراهيم الأنْبارِيّ الضَّرِيْر، قال: حَدَّثني أبو بَكْر أحْمَد بن الحَسَن الأنْطَاكِيّ، عن أبي زَكَرِيَّاء الحَبَّال عن أبي زَيْدٍ النَّحْوِيّ، عن مُعَاذ بن العَلَاءِ، قال: لَمَّا فُتِحَتْ مَدَائن كِسْرَى بِيْعَ تَابُوتٌ مُقْفَل، فاشْتَراهُ تَوْبَةُ بن جُلْهُمَة بثمَانين

стр. 777

دِيْنارًا، ففَتَحه، فإذا فيه لَوْحٌ من الذَّهَب مُرَصَّعٌ بالجَوْهَر، فيهِ تسع عَشْرة كَلِمةً بالسُّرْيَانيَّة، ففُسِّرت بالعَرَبِيَّةِ، فإذا هى: مَنْ أكْثر التَّفَكُّر في الله تَزَنْدَقَ، ومَنْ تَعاطَى النُّجُوم كَفَر، ومَنْ كَثُر حَدِيثهُ كَذَبَ، ومَنْ طلبَ الدُّنْيا بالكِيْمِيَاءِ افْتَقَرَ، ومَن وَقَّرَ أباهُ زِيْدَ لهُ في العُمر، ومَنْ وَقَّرَ أُمَّهُ رأى في بَيْته ما يَسُرُّهُ، ومَنْ أحَدَّ النَّظَر إلى وَالدَيْهِ فقَدْ عَقَّهُما. والدُّهْنُ يُذْهبُ البُؤْسَ، والكُسْوَةُ الحَسَنَةُ تُظْهرُ الغِنَى، والإحْسان إلى المَمْلُوكِ يكبِتُ الأعْدَاءَ، ومُشَاشُ الطَّيْر يُوْرِث السِّلَّ، واسْتِقْبالُ الشَّمْس يُوْرِث الدَّاءَ الدَّفِيْن، والتَّخَلُّل بالقَصَب يُوْرِث الدَّاءَ في الفَمِ، والتَّدَلُّكُ بالنُّخَالَةِ يُوْرِثُ الفَقْرَ، ومَسْحُ الوَجْهِ بالذَّيْل يَجْلُبُ الصَّرْفَةَ، وأكلُ سُؤْر الفَأر يُوْرِث النِّسْيَان، ومَنْ باتَ وفي جَوْفه وَزْنُ دِرْهَم من جَزَر أَمِنَ ريْحَ القُوْلَنْج باقي لَيْلَتِهِ، وما أَقْفَرَ بَيْتٌ فيه خَلٌّ، وفَوْتُ الحاجَةِ خيرٌ من طَلَبها من غير أهْلِها. أحمدُ بن الحَسَن المَلَطِيّ المُقْرِئُ، أبو الحَسَن قَرأ على أبي الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن أَيُّوب بن الصَّلْت بن شَنَبُوذ، ورَوَى عنهُ. قَرأ عليه ورَوَى عنهُ أبو مُحَمَّد الحَسَن بن مُلَاعِب الحَلَبِيِّ المَكْفُوف، وقيل في مَوضعٍ آخر: قرأَ عليه أبو الحَسَن أحْمَد بن مُلاعِب بن عَبْد اللهِ الحَلَبِيُّ، والصَّحيح: الحَسَنُ بن مُلاعِب. أحمدُ بن الحَسَن المَنْبِجِيُّ من رُوَاةِ الشِّيْعَة، يَرْوي عن يَعْقُوب بن شُعَيْب. رَوَى عنهُ الحَسَنُ بن مُحَمَّد.

стр. 778

أحْمَد بن الحَسَن الأقْلِيْدِسِيّ، أبو يُوسُف الحاسِبُ المِصِّيْصيُّ وقيل فيه: أحْمَدُ بن الحُسَين (١)، وَقفتُ على كتابٍ صَنَّفَهُ في الجَبْرِ والمُقَابَلَةِ في عِلْم الحِسَابِ، وهو كتابٌ حَسَنٌ؛ تكلَّم في مُقَدِّمته في الدَّلالَةِ على أنَّ جَميع العُلُوم مُفْتَقرةٌ إلى الحِسَاب.

стр. 779

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ ثِقَتِي مَنْ اسْمُ أبيْهِ الحُسَيْن من الأحْمَدِين أحمدُ بن الحُسَين بن أحْمَد ابن علِيّ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عَبْد اللهِ بن الحُسَين الأصْغَر بن علىّ بن الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب، أبو القَاسِم الحُسَيْنيّ الشَّريفُ العَقِيْقِيّ الدِّمَشقيَّ (١) وبَعْضُهُم يُسَمِّيه مُحَمَّدًا. ونُسِب العَقِيْقِيّ إلى جَدِّ جَدِّهِ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وكان يُعْرَف بالعَقِيْقِيّ، مَنْسُوبٌ إلى العَقِيْق من ناحيَةِ المَدِيْنَةِ. وأبو القَاسِم هذا هو صَاحب الدَّار والحَمَّام المَعْرُوفَيْن بالعَقِيْقِيّ بناحيَةِ باب البَرِيدِ بدِمَشْقَ، وكان من وُجُوه الأشْرَاف بدِمَشْق وأُولي المَرَاتِب العَاليَة والمُمَدَّحين بها، وكان قَدِمَ إلى حَلَب وَافِدًا على الأَمِير سَيْف الدَّوْلَة، وكان مُكْرِمًا له، مُحْتَرمًا عنده. وسَمِعَ بحَلَب أبا عَبْد الله بن خَالَوَيْه اللُّغَويّ، وسَمِعَ منه عَبْدُ العَزِيْز بن مُحَمَّد بن عَبْدُوَيْه الشِّيْرَازيّ، ومَدَحَهُ الوَأْوَاء الدِّمَشقيّ (٢)، وعبد الله بن مُحَمَّد الخَطَّابيّ الشَّاعر. أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن هِبَة الله في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي أبو

стр. 780

القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَةِ الله (١)، قال: قَرأتُ بخَطِّ عَبْد العَزِيْز بن مُحَمَّد بن عَبْدُوَيْه الشِّيْرَازيّ: سَمِعْتُ الشَّريفَ أبا القَاسِم أحْمَد بن الحُسَين الحُسَيْنيّ المَعْرُوف بالعَقِيْقِيّ يقُول في قول اللهِ في قِصّةِ يُوسُف وخطابِه لأخوتهِ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ (٢) قال: يتَّق الله في جَميع أُمُوره ويَصْبر على العُزُوبَةِ كما صَبَرَ يُوسُف عن زَلِيْخا وعُزُوبَتُهُ في تلكَ السِّنِيْن كُلّها. قَرَأتُ في جُزءٍ وَقَعَ إليَّ من أمَالي أبي عَبْدِ الله الحُسَيْن بن أحْمَد بن خَالَوَيْه، مُكتَتبٌ من إمْلائه وعليه خَطُّهُ (٣): سألَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ جَمَاعَةَ العُلَمَاءِ بحَضْرتهِ ذاتَ لَيْلَةٍ فقال: هل تَعْرفُونَ اسْمًا مَمْدُودًا وجَمْعُه مَقْصور؟ فقالوا: لا، فقال: يا ابنَ خَالَوَيْهِ، ما تقُول أنتَ؟ قلتُ: أنا أعرِفُ اسمَيْن مَمدُوْدَين وجمعُهُما مَقْصُورٌ، قال: ما هُما؟ قُلتُ: لا أقول لك ذلك إلَّا بألف دِرْهَم، ثمّ كتبتُ رُقْعَةً فقُلتُ: إنَّما لم أقُلْهُما لأن لا تُؤْخَذ بغير شُكْرٍ؛ وهما: صَحْراءُ وصَحَارَى، عَذْراء وعَذَارَى. فلمَّا كان بعدَ شَهْر، كتبتُ إليهِ: إنِّي قد أصَبْتُ حَرْفَين آخرين ذَكَرهما الجَرْمِيّ في كتاب التَّنْبِيْه (a)، وهما: صَلْفاءُ وصَلَافَى؛ وهي الأرْضُ الغَلِيْظَة، وخَبْرَاءُ وخَبَارَى وهي أرضٌ فيها نُدُوَّةٌ، فلمَّا كان بعد عشرين سَنَةً من هذا الحَدِيث أمْلَلْتُ هذه الأحرُفَ على أبي القَاسِم العَقِيْقِيّ أيَّدَهُ اللهُ، فلمَّا مضَى إلى دِمَشْق كتَبتُ إليهِ: إنَّهُ بإقْبالِ الشَّريفِ ويُمْنهِ لمَّا اسْتَغْربَ هذه الأحرُفَ وجَدْتُ حَرفًا خَامِسًا ذَكَرَهُ ابن دُرَيْد في الجَمْهَرَة (٤)، وهو: سَبْتَاءُ وسَبَاتَاءُ؛ وهي الأرضُ الخَشِنَة.

стр. 781

قَرَأتُ في جُزءٍ وَقَعَ إليَّ بخط أبي القَاسِم حَمْزَة بن عبد الله بن الحُسَين الأطْرَابُلُسِيّ، يتضمَّن تعاليق وأمَالي عن أبي عبد الله بن خَالَوَيْه، وذكَر أنَّهُ قرأهُ على ابن خَالَوَيْه ونقَله من خَطِّه: نُسْخة كتاب كَتَبَهُ أبو عبد الله بن خَالَوَيْه إلى أبي القَاسِم أحْمَد بن الحُسَيْن العَقِيْقِيّ الحُسَيْنيّ (١): [من أخذ الكامل] هَنَّأْتَني برًّا ملكت بهِ … شُكْري وشُكرُكَ وَاجبٌ فَرْضُ لم يُبْتَذَلْ (a) وَجْهٌ ولا شَفَعَتْ … شُفَعَاءُ لي في مَنِّها هَضُّ ففَداكَ منّاعُونَ لَوْ ملَكُوا … عدَدَ (b) البحار إذًا لَمَا بَضُّوا سَلَامُ الله عليك وصَلَواتُه ومَغْفرته ورَحمَتُهُ وريحانُهُ أيُّها السَّيِّدُ الكريم والشَّريفُ ذا الحِكْمَة، يا زينَةَ الدُّنْيا وبهْجَتها، أطالَ اللهُ بقَاءَك، ووَهَبَ والدُك ابنُ خَالَوَيْه وِقَاكَ وفِدَاك، فلقد تَقَيَّلْتَ آباءَك الطَّاهِرين، وتَسَنَّمْتَ خِيْمَك (٢) وأَسْلَافَك المُنْتَجَبين، وأشْبَهتَهُم خَلْقًا وخُلقًا، ومَضَيْتَ على أسَاسِهم، وقفَوْتَ حَمِيدَ أفْعالهم، فأصبحتَ فذَّ الدَّهْر، وقَرِيعَ العَصْر، وواحدَ السُّمَحاءِ، وسَيِّدَ الأُدَبَاءِ بَراعَةً وفَصَاحَةً، وكَرِيمَ الكُرَمَاءِ سَخاءً وسَمَاحَةً، وتبعْتَ جَدَّيْك مُحَمَّدًا سَيِّد المُرْسَليْن، وعليًّا سَيِّد الوَصيَّيْن صَلَواتُ الله على ذِكْراهما كُلّما ذرّ شَارقٌ، وطَرَق آناءَ اللَّيْل طَارق، ونَزَعْتَ إليهما حَذْوَ القُذَّة (c) والماءِ بالماءِ، تهذيْبَ خلُقٍ ومحضَ ضَريبةٍ، ودَمَاثَة شَمَائِل، وكَريم سَجيَّة، أقْوَلُ من قُسٍّ إذا نَطق، وأفْصَحُ من سَحْبَانَ وَائِل إذا خَطَب، وأسْخَى من اللَّافظَة كفًّا، وأجْوَدُ من السَّحَاب جُوْدًا، وأبْهَى من فَخْت القَمَر، وأسْنَى من الهَالَة، فأَنْسَأ اللهُ أجلَك، وبلَّغك أكْلَأ الأعْمَار يَدَ المُسْنَد وسَمِيرَ اللَّيالِيَ ما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَه، ونَعَمَتْ

стр. 782

ظَبْيَةٌ في تَنُوفَه، واسْتَدار من رَمْل عَالِج كُوْفة، وظَهرت في أظْفُور ناشئٍ فُوْفَة. كَتَبْتُ غُرَّة الشهْر إلى غُرَّة الزَّمان عن سَلامَةٍ تَتِمُّ بسَلَامَته، ونعْمَة من الله جَلَّ وعَزَّ لا أَقُوم بشُكْرها، وتَوْق إلى الشَّريف العَقِيْقِىّ لا أصفُهُ: [من الطّويل] فأيْهَاتَ أيْهاتَ العَقِيْقُ ومَنْ بِهِ … وأَيْهاتَ وَهْلٌ بالعَقِيْقِ تُواصِلُه (١) وهَيْهات هَيْهات أين للعَقِيْقيّ شَرْوَى ونَظِير [من الكامل] عُقِمَ النِّسَاءُ فما يَلِدنَ شَبيهَهُ (a) … إنَّ النِّسَاءَ بمثْلهِ عُقْمُ وعن لَوْعة لا تُطْفَى حَرارَتُها إلَّا باجْتماع وشِيْكٍ لدى مَوْلَانا الشَّريف ابن الشَّريف، والسَّيِّد ابن السَّيِّد، شَرِيْف ابن سَيْف الدَّوْلَة، أطالَ اللهُ حَيَاتَهُ، وأعَاشَهُ عُمر نَصْر بن دُهْمَان، إذ كان لا يَقْطَع مَجالسَهُ إلَّا بذِكْر مَنَاقِبكَ وصِفَاتكْ أتاح الله من ذلك ما تُحبّه. ووَصَل كتابُ سَيِّدنا الشَّريف أدَامَ اللهُ عِزَّهُ بعد ظَمَأ إليهِ، فما أتمَمتُ قراءتَهُ حتَّى تبادر أهل المَجْلِس إلى نَسْخِهِ اسْتِحْسَانًا لألْفَاظه الجَزْلَة، ومَعانيه الفَخْمَة، ووصلَتْ معَهُ -وصلَ اللهُ أيَّامَهُ بمَحابّهِ- الهَدِيَّة النَّفِيْسَة، والكُسْوَة الشَّرِيْفَة. وذَكَرَ تمَام الرِّسَالَة، اقْتصرتُ منها على ما فيه وَصْفُ العَقِيْقِيّ وتقرِيْظه، وألغَيْتُ ما عَدَاهُ (٢). قَرأتُ بخَطِّ أبي الخَطَّاب عُمَر بن مُحَمَّد العُلَيْمِيّ، وأنْبَأنَا عنهُ أبو عبد اللهِ

стр. 783

مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد النَّسَّابَةُ وغيره قال: وَجَدْتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد عَبْد المُنْعِم بن عليّ بن النَّحْوِيّ الدِّمَشقيّ سَنَة ثمانٍ وسَبْعِين -يعني: وثَلاثِمائة-: وفي يَوْم الثّلاثَاء لأرْبَع خَلَوْنَ من جُمَادَى الأُوْلَى منها تُوفِّي الشَّريفُ أبو القَاسِم العَقِيْقِيُّ بين الصَّلَاتَيْن، ورَكِبَ ابنُ البَقَّال المُحْتَسِب، ودَارَ البَلَدَ، وأمَرَ أنْ لا يفْتَح أحدٌ من الغَد إلَّا خَبَّاز أو قَصَّاب، وأُغْلِقَ البَلَدُ بأَسْره يَوْم الأرْبَعَاء، وأُخْرِجت جنازَتهُ ضَحْوَةً إلى المُصَلَّى، وحَضَر بُكْجُور وأصْحَابه، ومَشَى الأشْرَاف خَلْفَ سَرِيْره، ودُفِنَ في المَقْبَرَة الّتي كان بَناها خارجَ باب الصَّغير. أحمدُ بن الحُسَين بن بُنْدَار بن أَبان الأصْبَهَانِيُّ القَاضِي الطَّرَسُوسِيُّ، أبو بَكْر (١) سَمِعَ أبا سَعيد بن الأعْرَابِيّ، وعبد الله بن مُحَمَّد بن العَلَاءِ الطَّرَسُوسِيّ، وكان زَاهِدًا عَابِدًا. أنْبَأنَا أبو المُظَفَّر عبدُ الرَّحيم بن أبي سَعْد السَّمْعَانيّ، عن أَبِيهِ الإمام تاج الإسْلَام أبي سَعْد (٢)، قال: وأبو بَكْر أحْمَدُ بن الحُسَين بن بُنْدَار بن أَبَان الأصْبَهَانِيّ القَاضِي الطَّرَسُوسِيّ الشَّيْخ العَابِد الصَّالح المُجْتَهد. سَمِعَ أبا سَعيد أحْمَد بن مُحَمَّد بن زِيَاد بن الأعْرَابِيّ، وعَبْد الله بن مُحَمَّد بن العَلَاءِ الطَّرَسُوسِيُّ، ذكَره الحاكِم أبو عبد اللهِ الحافِظُ في التَّاريخ (٣)، وقال: أبو بَكْر الطَّرَسُوسِيّ، وَرَدَ علينا نيسَابُور عندَ مِحْنَة أهل طَرَسُوسَ، وسَكَنها إِلى أنْ تُوفِّي بها في شَهر رَمَضَان سَنَةَ سبعينَ وثَلاثِمائة، ودُفِنَ في مَقْبرة باب معْمَر.

стр. 784

أحمدُ بن الحُسَين بن الحَسَن بن عليّ، أبو بَكْر البَرُوجِرْديُّ نَزِيلُ حَلَبَ، حَدَّثَ بها عن أبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد الفَقِيه، رَوَى عنهُ أبو مَعْشَر عَبْد الكَريم بن عبد الصَّمَد الطَّبَريّ المُقْرِئُ. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبد الوَهَّاب بن ظَافِر رَوَاج (١) الإسْكَنْدَرَانِيّ، بمَنْظَرة سَيْف الإسْلَام بين مِصْر والقَاهِرَة، قال: أخْبَرنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن إبراهيم السِّلَفِيّ، والشَّرِيْفان أبو مُحَمَّد عبدُ الله وأبو الطَّاهر إسْمَاعِيْل ابنا أبي الفَضْلِ عَبْد الرّحْمن بن يَحيَى بن إسْمَاعِيْل العُثْمانيَّان الدِّيباجِيَّان، كُلّهم إجَازَةً، قالوا: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الله بن يَحْيَى بن حَمُّود المالِكِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو معْشَر عَبْدُ الكَريم بن عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد الطَّبَريُّ المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن الحُسَين بن الحَسَن بن عليّ البَرُوجِرْديّ بحَلَبَ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد الفَقِيهُ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم إسْمَاعِيلُ بنُ القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد الحَميْد، قال: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بن أسْلَم، قال: حَدَّثَنَا مَرْوَان بن مُعاوِية، عن أَبَان بن إسْحَاق، عن الصَّبَّاح بن مُحَمَّد، عن أبي حَازِم، عن مُرَّةَ الهَمْدانِيّ، عن عبد اللهِ بن مَسْعُودٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ (٢): اسْتَحْيُوا منَ اللهِ حَقّ الحياءِ. قالوا: يا رسُول الله، إنَّا لنَسْتَحيى، قال: ليسَ ذلك، ولكن مَنْ اسْتَحْيا من اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ فليحْفَظ الرَّأس وما حَوَى، وليحفَظ

стр. 785

البَطنَ وما وَعى، وليَذْكر المَوْتَ والبِلَى، ومَنْ أراد الآخرة تركَ زِيْنَة الدُّنْيا، فَمَن فعل ذلك فقد اسْتَحْيَا من الله حَقَّ الحَيَاء. أحمدُ في الحُسَين بن الحَسَن بن عبد الصَّمَد، أبو الطَّيِّب الجُعْفِىُّ الكُوْفيُّ الشَّاعِر المَعْرُوف بالمُتَنَبِّي (١) وقيل: هو أحْمَد بن الحُسَيْن بن مُرَّة بن عَبْد الجَبَّار، وكان والده الحُسَين يُعْرَفُ بعِيْدَان السَّقَّاء. وكان أبو الطَّيِّب شَاعِرًا مَشْهُورًا مَذْكُورًا، مَحْظُوظًا من المُلُوك والكُبَرَاء الّذين عَاصرَهم، والجَيِّدُ من شِعْره لا يُجَارَى فيه ولا يُلْحَق، والرَّدِيء منه في نِهَايَة الرَّدَاءَة والسُّقُوط (٢)، وكان يَتَعَظَّم في نفسه ويترفَّعُ. وقيل: إنَّهُ ادَّعَى النُّبُوَّة

стр. 786

في حَدَاثَته فَلُقِّبَ بالمُتَنَبِّي لذلك، وكان عَارِفًا باللُّغَة قَيِّمًا بها. قَدِمَ الشَّامَ في صِبَاه وجَالَ في أقْطَارها، وصَعِدَ بعد ذلك إلى الدِّيَار المِصْرِيّة، وكان بها في سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين وثَلاثِمائة (١)، ثمّ قَدِمَ حَلَب وَافِدًا على الأَمِير سَيْف الدَّولَة أبي الحَسَن عليّ بن عبد الله بن حَمْدَان، ومَادِحًا له، فأكْرَمه ونَفَق عليه، وصار خَصِيْصًا به، مُلَازمًا حَضَرًا وسَفَرًا، إلى أنْ خَرَجَ من حَلَب غَضْبانَ بسبَب كلام وقَعَ بينه وبين أبي عبد الله بن خَالَوَيْه في مَجْلِس سَيْف الدَّوْلَة، فضَرَبهُ ابنُ خَالَوَيْه بمِفْتاح. وكان دُخُوله إلى حَلَب سَنَة سَبْعٍ وثَلاثين وثَلاثِمائة، وخُرُوجه منها إلى مِصْر الدّفْعَة الثَّانيَة في سَنَة ستٍّ وأرْبعين وثَلاثِمائة، وكان نُزُوله بحَلَب في مَحَلَّتنا المَعْرُوفة بآدر بَنِي كِسْرَى. قال لي والدي: وكانت دارهُ دارًا هي الآن خَانكَاه سَعْد الدِّين كُمُشْتُكِيْن مُلَاصقَة لدَارِي. وكان ابن خَالَوَيْه مُؤَدِّبَ وَلدَيْ الأَمِير سَيْف الدِّين: أبي المَكارِم، وأبي المَعَالِي، فظَفِرْتُ بجُزءٍ بخَطّ ابن خَالَوَيْه ذَكَرَ فيه ما يَحْفظه الأمِيْران المذْكُوران، فذكَرَ أنْواعًا من الفِقْه، والأَدَب، وأشْعَار العَرَب، وقال في جُمْلَتها: ويحفَظان من شِعْر الشَّاعر المَعْرُوف بالمُتَنَبِّي كَذَا وكَذَا قَصِيدَةً، وعَيَّنَها، ولم يَذْكر أنَّهُما يَحْفظان لغيره من العَصْريِّين شيئًا. وهذا يَدُلُّ على عِظَمِ قَدْره وجَلَالَة أمْره في ذلك الزَّمان. رَوَى عن أبي الطَّيِّب: القَاضِي أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بنِ القَاسِم المَحَامِلِيّ، وأبو الفَتْح عُثْمان بن جِنِّي النَّحْوِيُّ، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ بن الصَّقْر

стр. 787

الكَاتِبُ، وأبو الحَسَن عليُّ بن أَيُّوبَ بن الحُسَين بن السَّارْبَان الكَاتِب، والأُسْتَاذُ أبو عليٍّ أحْمَد بن مُحَمَّد مَسْكَوَيْه (a)، وأبو عبْد الله بن بَاكُوَيْه الشِّيْرَازيّ، وأبو الحَسَن عليَّ بن عِيسَى الرَّبَعِيُّ، وأبو القَاسِم بن حَسَن الحِمْصِيُّ، وعَبد الصَّمَد بن زُهَيْر بن هارُون بن أبي جَرَادَةَ، ومُحَمَّدُ بن عبد الله بن سَعْدٍ النَّحْوِيُّ الحَلَبِيَّان، وعَبْد الله بن عُبَيْد الله الصُّفْرِيّ الشَّاعر الحَلَبِيّ، وعُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي الجُوْع الوَرَّاق (b) المِصْرِيّ، وأبو إسْحَاق إبْراهيمُ بن عبد الله بن المَغْرِبيّ، وأبو بَكْر الطَّائيّ، وأبو القَاسِم النِّيْلَبُخْتِيُّ (c)، وأبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عُمَر بن إبْراهيم، وأبو العبَّاس بن الحَوْت (d)، وجَمَاعَةٌ سواهم. أنْبَأنا تاجُ الأُمَناء أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، عَمِّي، قال: قال لنا هِبَةُ الله بن عبْد الله بن أحْمَد الوَاسِطِيّ: قال لنا أبو بَكْر الخَطيبُ (٢): عِيْدَان بكَسْر العَيْن وبالياء المُعْجَمة باثنتَيْن من تحتها، هو والدُ أبي الطَّيِّب أحْمَد بن الحُسَيْن المُتَنَبِّي، كان يُعْرَفُ بعِيْدَان السَّقَّاءِ. أخْبَرَني صَدِيقُنا أبو الدُّرّ يَاقُوت بن عَبد الله الرُّوميّ، مَوْلَى الحَمَوِيّ البَغْدَاديُّ، قال: رَأيتُ دِيْوَانَ أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن عِيسَى الرَّبَعِيِّ، قال في أوَّلهِ (٣): الّذي أعْرفهُ من نَسَب أبي الطَّيِّب أنَّهُ: أحْمَدُ بن الحُسَين بن مُرَّة بن عَبْد الجبَّار الجُعْفِيّ، وكان يَكْتُم نَسَبَهُ، وسَألتُه عن سَبَب طَيِّهِ

стр. 788

ذلك؟ فقال: إنِّي أنْزل دَائمًا بعَشَائِر وقَبَائِل من العَرَب، ولا أحبُّ أنْ يَعْرفُوني؛ خِيْفَةَ أنْ يكون لهم في قَوْمي تِرَّةٌ. وهذا الّذي صَحَّ عندي من نَسَبِه. قال: واجْتَزْتُ أنا وأبو الحَسَن مُحَمَّدُ بن عُبَيْد الله السَّلَامِيِّ الشَّاعر على الجِسْر ببَغْدَاد، وعليه من جُمْلَةِ السُّؤَّالِ رَجُل مَكْفُوفٌ، فقال لي السَّلَامِيّ: هذا المكْفُوفُ أخو المُتَنَبِّي، فدنَوتُ منه، فسَألتُه عن ذلك، فصَدَّقَهُ، وانْتَسَبَ هذا النَّسَب، وقال: من هَاهُنا انْقَطَعَ نسَبُنا. وكانَ مَوْلدُهُ بالكُوفَة في كِنْدَةَ سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثِمائة، وأرْضَعتْهُ امرأةٌ عَلَوِيَّة من آل عُبَيْد اللهِ. قال الرَّبَعِيُّ: وقال لي المُتَنَبِّي: كُنْتُ أُحبُّ البَطَالَة وصُحْبَةَ البَادِيَة، وكان يَذُمُّ أهل الكُوفَة؛ لأنَّهم يُضَيِّقُونَ على أنْفُسهم في كُلِّ شيء، حتَّى في الأسْماء فيتَدَاعَوْنَ بالألْقَابِ، ولَمَّا لُقِّبْتُ المُتَنَبِّي ثَقُلَ ذلك عليَّ زَمانًا، ثمّ ألِفْتُهُ. وقال الرَّبَعِيُّ: رأيتُ عنده بشِيْرَاز جُزءًا من شِعْره بخَطِّ ابن أبي الجُوْعِ الوَرَّاق المِصْرِيّ، وعليه بخَطّ آخر: المُتَنَبِّي السُّلَميُّ البَغْدَاديُّ، فقال: ما كفاه أنْ عَزَاني إلى غير بَلَدِي، حتَّى نَسَبني إلى غير أبي! قال: وما أظُنُّ أنَّ أحدًا صَدَقَ في رِوَايَةِ هذا الدِّيْوَان صِدْقي؛ فإنَّنى كنتُ أُكاثرهُ ونحنُ بشِيْرَازَ، ورُبَّما أخذَ عنِّي من كَلَام أبي عليّ النَّحْوِيّ، وسَمِعْتُ شِعْرَهُ يُقْرَأُ عليه دَفْعَاتٍ، ولم أقرأ عليه بلَفْظي إلَّا العَضُديَّات والعَمِيْديَّات، فإنِّي قَرأتُها تَكْرِمة لمَنْ قيلَتْ فيهِ، ونَقَلْتُها بخَطِّي من مُدْرَج بخَطِّه كان معَهُ. هذا آخر كلام الرَّبَعِيِّ. أخْبَرَنا أبو اليُمْنِ زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِىِّ، فيما أَذِنَ لنَا فيهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: قال لنا أبو بَكْر الخَطيْبُ (١): أحْمَد بن

стр. 789

الحُسَين بن الحَسَن بن عبد الصَّمَد، أبو الطَّيِّب الجُعْفِيّ الشَّاعِر المَعْرُوف بالمُتَنَبِّي، بَلَغَني أنَّهُ وُلِد بالكُوفَة في سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثِمائة، ونَشَأ بالشَّام، وأكْثرَ المُقام بالبَادِيَةِ، وطلبَ الأدَب وعِلْم العَرَبِيَّةِ، ونَظَر في أيَّام النَّاس، وتَعاطَى قَوْلَ الشِّعْر من حَدَاثَته، حتَّى بلَغَ فيهِ الغايَة الّتي فَاقَ أهْلَ عَصْره، وعَلَا شُعَرَاء وَقْتِهِ. واتَّصَلَ بالأَمِير أبي الحَسَن بن حَمْدَان المَعْرُوف بسَيْف الدَّوْلَةِ، وانْقَطَع إليهِ، وأكْثَرَ القَوْلَ في مَدِيحِهِ. ثمّ مضَي إلى مِصْرَ، فمَدَحَ بها كَافُورَ الخادِم، وأقامَ هُناكَ مُدَّةً، ثمّ خَرَجَ من مِصْر وورَدَ العِرَاق، ودَخَلَ بَغْدَادَ، وجَالَسَ بها أهل الأدَب، وقُرئَ عليهِ دِيْوَانهُ. فحَدَّثَني أحْمَدُ بن أبي جَعْفَر القَطِيْعِيِّ، عن أبي أحْمَدَ عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أبي مُسْلِم الفَرَضِيّ، قال: لمَّا ورَدَ المُتَنَبِّي بَغْدَاد سَكَنَ في رَبَض حُمَيْدٍ، فمضَيْتُ إلى المَوضِع الّذي نَزَلَ فيه لأسْمَعَ منهُ شَيئًا من شِعْره، فلم أُصَادِفهُ، فجلَسْتُ أنْتَظرهُ، وأبْطأَ عليَّ، فانصرفْتُ من غير أنْ ألْقَاهُ، ولم أعُد إليهِ بعد ذلك. وقد كان القَاضِي أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن القَاسم المَحَامِلِيّ سَمِعَ منه دِيْوَانه ورَوَاهُ عنه. قال الخَطِيبُ (١): أخْبَرَنا عليّ بنُ المُحَسِّن التَّنُوخِيّ، عن أَبِيهِ، قال: حَدَّثَني أبو الحَسَن مُحَمَّد بن يَحْيَى العَلَويّ الزَّيْدِيّ قال: كان المُتَنَبِّي، وهو صَبيٌّ، ينزلُ في جِوَاري بالكُوفَة، وكان يُعرف أبوه بعِيْدَان (a) السَّقَّاء، يَسْتَقي (b) لنا ولأهْلِ المَحَلَّة. ونَشَأ هو مُحبًّا للعِلْم والأدَب، فطَلَبَهُ، وصَحِبَ الأعْرَابَ في البَادِيَة، فجاءَنا بعد سِنينَ (c) بَدَويًّا قُحًّا، وقد كان تَعلَّم الكِتَابَةَ والقرَاءةَ، فلَزِمَ أهْلَ العِلْم والأدَب،

стр. 790

وأكثَرَ من مُلَازَمة الوَرَّاقين، فكانَ عِلْمُهُ من دَفاتِرهم؛ فأخْبرَني ورَّاقٌ كانَ يَجْلِسُ إليهِ يَوْمًا، قال لي: ما رأيْتُ أحفَظَ من هذا الفَتَى ابن عِيْدَان قَطّ! فقُلتُ لَهُ: كيفَ؟ فقال: كان اليَوْم عندي، وقَدْ أحضَر رَجُلٌ كِتَابًا من كُتب الأصْمَعِيِّ، سمَّاهُ الوَرَّاقُ، وأُنْسِيَهُ أبو الحَسَنِ، يكُونُ نحو ثلاثين ورَقة ليَبِيْعَهُ، قال: فأخَذَ ينظرُ فيه طَويْلًا، فقال له الرَّجُلُ: يا هذا، أُريدُ بَيْعَهُ، وقد قطَعْتَنِي عن ذلك، فإنْ كُنْتَ تُريد حِفْظَهُ، فهذا إنْ شَاءَ اللهُ يكونُ بعدَ شَهْر! قال: فقال له ابنُ عِيْدَان: فإنْ كُنتُ قَدْ حَفظْتهُ في هذه المُدَّة، فما لي عليك؟ قال: أَهَبُ لكَ الكتابَ. قال: فأخَذْتُ الدَّفْتَر من يَده. فأَقْبَلَ يتلُوه عَلَيَّ إلى آخِره، ثمّ اسْتَلَبَهُ (a) فجعَلَهُ في كُمِّه وقام، فعَلِقَ به صَاحبُه وطالبَهُ بالثَّمَنِ، فقال: ما إلى ذلك سَبِيلٌ، قد وَهبْتَهُ لي، قال: فمَنَعْنَاهُ منه، وقُلنا له: أنتَ شَرطْتَ على نَفْسكَ هذا للغُلَام! فتَركهُ عليه. وقال أبو الحَسَن: كان عِيْدَانُ والدُ المُتَنَبِّي يَذْكرُ أنَّهُ من جُعْفِيّ، وكانت جَدَّةُ المُتَنَبِّي هَمْدَانيَّةً صَحِيْحَة النَّسَبِ لا أشُكّ فيها، وكانت جَارتَنا، وكانت من صُلَحَاءِ النِّسَاء الكُوْفيَّات. قال التَّنُوخِيّ (١): قال أبي: فاتَّفَقَ مَجيءُ المُتَنَبِّى بعد سنين إلى الأهْوَاز مُنْصَرفًا من فارِس، فذاكرتُهُ بأبي الحَسَن، فقال: تِرْبي وصَدِيقي وجَارِي باِلكُوفَة، وأطْراهُ ووصَفَهُ. وسألتُ المُتَنَبِّي عن نَسَبهِ، فما اعْتَرفَ لي به، وقال: أنا رجُل أَخْبِطُ القَبَائِل وأطْوِي البَوَادِي وحْدِي، ومتى انْتَسَبْتُ لم آمَنْ أنْ يأخُذَني بعضُ العَرَب بطَائلةٍ بينها وبينَ القَبِيلَة الّتي انْتَسِبُ إليها، وما دُمْتُ غير مُنْتَسِبٍ إلى أحدٍ فأنا أُسَلِّم (b) على جَمِيْعِهم، ويَخافونَ لِسَاني.

стр. 791

قال (١): واجْتمعتُ بعد مَوتِ المُتَنَبِّي بسِنين مع القَاضِي أبي الحَسَن ابن أُمِّ شَيْبَان الهاشِميِّ (a) الكُوْفيِّ، وجَرَى ذِكْر المُتَنَبِّي، فقال: كُنتُ أعْرفُ أباهُ بالكُوفَة شَيْخًا يُسَمَّى عِيْدَان، يَسْقِي على بَعِيْر له، وكان جُعْفِيًّا صَحيْحَ النَّسَب. قال: وقد كان المُتَنَبِّي لمَّا خَرَجَ إلى كَلْب وأقام فيهم، ادَّعَى أنَّهُ عَلَوِيٌّ حَسَنيٌّ (b)، ثمّ ادَّعَى بعد ذلك النُّبُوَّة، ثمّ عاد يَدَّعِي أنَّهُ عَلَويٌّ، إلى أنْ أُشْهِدَ (c) عليهِ بالشَّام بالكَذِب في الدَّعْوَتَيْن، وحُبِسَ دَهْرًا طَويلًا، وأشْرَف على القَتْل، ثمّ اسْتُتِيْبَ وأُشْهِدَ عليه بالتَّوْبَةِ وأُطْلِقَ. قَرأتُ بخَطِّ عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي الجُوْعِ الوَرَّاق المِصْرِيّ: سألتُ أبا الطَّيِّب المُتَنَبِّي أحْمَد بن الحُسَين بن الحَسَن عن مَوْلدِه ومَنْشَئهِ، فقال: وُلدتُ بالكُوفَة سنَة ثَلاثٍ وثلاثِمائة في كِنْدَة، ونَشَأتُ بها، ودَخَلْتُ مَدِيْنَة السَّلام، ودُرْتُ الشَّام كُلَّه سَهْلَهُ وجَبَلَهُ. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ العَزِيْز بن مَحْمُود بن الأخْضَر البَغْدَاديُّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الرَّئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن عليّ بن نَصْر بن سَعيد البَصْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَاتِ مُحَمَّد بن عبد اللهِ بن يَحْيَى الوَكِيل، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أَيُّوب بن الحُسَين بن السَّارْبَان، قال: وُلد أبو الطَّيِّب أحْمَدُ بن الحُسَين بن الحَسَن المُتَنَبِّي بالكُوفَة في مَحَلَّةِ كِنْدَة، سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثِمائة، وقال الشِّعْرَ وهو صَبيٌّ في المَكْتَب. وقَرَأتُ في بَعْض النُّسَخ من شِعْره أنَّ مولدَهُ قيل على التَّقْريب لا على التَّحقِيق.

стр. 792

وقَرَأتُ في تاريخ أبي عبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ الحَلَبيِّ (١)، وأخْبَرَنَا به المُؤيَّد بن مُحَمَّد الطُّوْسيُّ إجَازَةً عنه، قيل إنَّهُ ولد -يعني المُتَنَبِّي- سَنَة إحْدَى وثَلاثِمائة، والأوَّل أصَحّ، واللهُ أعْلَمُ. أخْبَرَنا أبو الدُّرّ يَاقُوت بن عَبْد الله الحَمَوِيّ (٢)، قال: ذَكَرَ أبو الرَّيْحان مُحَمَّدُ بن أحْمَد البَيْرُونيّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه: أنَّ المُتَنَبِّي لمَّا ذَكَرَ في القَصِيدَة الّتي أوَّلها: [من الكامل] كُفِّي أرَاني وَيْكِ لَوْمَكِ أَلْوَمَا (٣) النُّور الّذي يُظَاهِر لاهوتيّته في ممدُوحه، وقال: [من الكامل] أنا مُبْصِرٌ وأظُنُّ أنّي حَالمٌ (٤) ودارَ على الأَلْسن، قالوا: قد تَجَلَّى لأبي الطَّيِّب رَبُّه، وبهذا وقَعَ في السِّجْن والوثَاق الّذي ذَكَرهُ في شِعْره: [من المتقارب] أيا خَدَّدَ اللهُ وَردَ الخُدُودِ (٥) ولم يَذْكُر سَبَبَ لَقَبهِ -على صِدْقه- وإنَّما وَجَّهَ له وَجْهًا ما، كما حَكَى عنهُ

стр. 793

أبو الفَتْح عُثْمان بن جِنِّي أنَّ سَبَبَهُ هو قَوْله (١): [من الخفيف] أنَا في أُمَّةٍ تَدَرَاكَها اللّـ … ـهُ، غَرِيبٌ كصَالِحٍ في ثَمُودِ وإنَّما هو أنَّ الخُيُوط في رأسهِ كانت تُدِيرُهُ وتُزْعجه، فتحيَّن غَيْبَةَ سَيْف الدَّوْلَة في بعض غَزَواته، وقصَدَ أعْرَابَ الشَّام، واسْتَغْوَى مِقْدَار ألف رَجُل منهم، واتَّصَلَ خَبَرُه بسَيْف الدَّوْلَةِ، فَكَرَّ راجعًا وعاجَلَهُ، فتفَرَّق عنه أصْحَابُهُ، وجيءَ بهِ أَسِيْرًا، فقال له: أنتَ النَّبِيُّ؟ قال: بل أنا المُتَنَبِّي حتَّى تُطْعمُوني وتَسْقُوني، فإذا فَعَلْتُم ذلك، فأنا أحْمَدُ بن الحُسَين، فأُعْجِب بثَبات جَأْشهِ وجُرْأَته في جَوابهِ، وحقَنَ دَمَهُ، وألْقَاهُ في السِّجْن بحمْصَ، إلى أنْ قُرِّر عندَهُ فَضْلُه، فأطلقَهُ واسْتَخَصَّهُ. ولمَّا أكثروا ذكرهُ بالتَّنَبِّي تَلَقَّبَ به كَيْلا يَصِير ذَمًّا إذا احْتَشَم أُخْفِي عنه، وشَتمًا لا يُشَافَهُ به. واسْتمرَّ الأمرُ على ما تَوَلَّى التَّقلُّبِ (a) به. قُلتُ: قَوْل أبي الرَّيْحان: إنَّهُ تحيَّن غَيْبَةَ سَيْف الدَّوْلَة في بَعْض غَزَواته، إلى آخر ما ذَكَرهُ، ليسَ بصَحيح، فإنَّ أهل الشَّام وغيرَهُم من الرُّوَاة لم يَنْقُلُوا أنَّ المُتَنَبِّي ظهرَ منه شيء من ذلك في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة ومَمْلَكَته بحَلَب والشَّام، ولا أنَّهُ حَبَسَهُ منذُ اتَّصَلَ به، وإنَّما كان ذلكَ في أيَّام لُؤْلُؤٍ الإخْشِيْذِيّ أمير حِمْصَ. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن البَغْدَاديّ كتابةً، قال أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: وأخْبَرَنَا عليّ بن المُحَسِّن التَّنُوخِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَني أبو عليّ بن أبي حَامِد، قال: سَمِعْتُ خَلْقًا بحَلَب يَحْكُون، وأبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي بها إذ ذاكَ، أنّه تَنَبَّأ في بَادِيَة السَّمَاوَة ونَوَاحيها، إلى أنْ خَرَجَ إليهِ لُؤْلُؤٌ أمير حِمْصَ من قِبَل الإخْشِيْذِيّةِ، فقاتلَهُ وأسرَهُ، وشرَّدَ

стр. 794

مَنْ كان اجْتَمع إليهِ من كَلْبٍ وكِلَابٍ وغيرهما من قَبَائِل العَرَب، وحَبَسَهُ في السِّجْن دَهْرًا طَويلًا، فَاعْتَلَّ وكاد أن يَتْلَفَ، حتَّى سُئِل في أَمره فاسْتَتَابَهُ، وكَتب عليه وَثِيْقةً أَشْهَدَ عليه فيها ببُطْلان ما ادَّعَاهُ ورجُوعه إلى الإسْلَام، وأنَّهُ تائب منهُ، ولا يُعاوِدُ مثلَهُ، وأطْلَقَهُ. قال (١): وكان قَدْ تَلَا على البَوَادِي كَلَامًا ذَكَرَ أنَّهُ قُرآنٌ أُنْزل عليه، وكانوا يَحْكُونَ له سُوَرًا كَثِيْرةً، نَسَخْتُ منها سُورةً ضاعَتْ وبقي أوَّلُها في حِفْظِي وهو: والنَّجْم السَّيَّار، والفَلك الدَّوَّار، واللَّيْل والنَّهَار، إنَّ الكَافِر لفي أخْطَار، أمْض على سَنَنِك (a)، واقْفُ أثَرَ مَنْ كان قَبْلك من المُرْسَليْن، فإنَّ الله قامعٌ بكَ زيْغَ من أَلْحَدَ في دينهِ، وضَلَّ عن سَبيلهِ. قال: وهي طَويلةٌ لم يَبْقَ في حِفْظِي منها غير هذا. قال: وكان المُتَنَبِّي إذا شُوْغِبَ في مَجْلس سَيْفِ الدَّوْلَة، ونحنُ إذ ذاكَ بحَلَبَ، يُذْكَر لهُ هذا القُرْآن وأمْثاله ممَّا كان يُحْكى عنه، فيُنْكِرَهُ ويَجْحَده. قال: وقال له ابن خَالَوَيْه النَّحْوِيّ يَوْمًا في مَجْلِس سَيْف الدَّوْلَة: لولا أنَّ الآخرَ جاهِلٌ لَمَا رضي أنْ يُدْعَى بالمُتَنَبِّي، لأنَّ مُتَنبّي مَعْناه: كاذبٌ، ومَنْ رَضِي أنْ يُدْعَى بالكَذِب فهو جَاهِل، فقال له: أنا لسْتُ أرْضَى أنْ أُدْعَى بهذا، وإنَّما يَدْعُوني به مَنْ يريد الغَضَّ منِّي، ولَسْتُ أقْدِرُ على الامْتناع. قال الخَطِيبُ (٢): قال لنا التَّنُوخِيّ: قال لي أبي: فأمَّا أنا فإنّي سألتُهُ بالأهْوَاز في سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، عند اجْتيَازه بها إلى فَارِس، في حَديثٍ طَويْل جَرَى بيننا، عن مَعْنى المُتَنَبِّي، لأنّي أرَدْتُ أنْ أسْمَعَ منه هل تَنَبَّى أم لا؟

стр. 795

فأجابني بجوابٍ مُغَالِطٍ لي، وهو أنْ قال: هذا شيء كان في الحَدَاثَة أوْجَبتهُ الصُّورةُ، فاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أسْتَقْصِيَ عليه وأمسَكْتُ. وقال لي أبو عليّ بن أبي حَامِد: قال لي أبي ونحنُ بحَلَب، وقد سَمِعَ قَوْمًا يحكُونَ عن أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي هذه السُّورة، الّتي قَدَّمْنا ذِكْرَها: لولا جَهْلُهُ، أينَ قولهُ: امْضِ على سَنَنِكَ إلى آخر الكَلَام من قَوْل اللهِ تعالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (١) إلى آخر القِصَّة، وهل نتقاربُ الفَصَاحَةُ فيهما أو يَشْتَبه الكَلَامان؟! (٢). قَرَأتُ في نُسْخَة وَقَعَتْ إلىَّ من شِعْر أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي ذُكِرَ فيها عند قَوْله (٣): [من الوافر] أبا عَبْد الإِلَهِ مُعَاذُ، إنّى … خَفِيٌّ عَنكَ في الهَيْجَا مَقامِي ذكَرْتَ جَسِيمَ ما طَلَبي، وأَنَّا … نُخاطِرُ فيهِ بالمُهَجِ الجِسَامِ أَمِثْلِى تَأْخُذُ النَّكَباتُ مِنهُ … ويَجْزَعُ من مُلاقاةِ الحِمَامِ ولَو برَزَ الزَّمانُ إليَّ شَخْصًا … لَخَضَّبَ شَعْرَ مَفْرِقهِ حُسَامي وما بَلَغَتْ مَشِيَّتَها اللَّيالِي … ولا سَارَتْ، وفي يَدِها زِمامي إذا امْتَلأَتْ عُيُونُ الخَيْلِ مِنِّي … فَوَيْلٌ للتَّيَقُّظِ والمَنَامِ وقال: قال أبو عَبدِ الله مُعَاذُ بن إسْمَاعِيل اللَّاذِقِيُّ: قَدِمَ المُتَنَبِّي اللَّاذقِيَّةَ في سَنة نَيّف وعِشْرين وثَلاثِمائة، وهو كما عَذَّرَ (a)، ولهُ وفرَةٌ إلى شَحمتي أذُنِه، وَضَوَى إليَّ فأكرمْتُهُ وعَظَّمْتُهُ، لِمَا رأيْتُ من فصَاحَتهِ وحُسْنِ سَمْتِهِ، فلمَّا تمكَّن الأُنْسُ

стр. 796

بيني وبينَهُ، وخَلَوْتُ معهُ في المَنْزل اغْتنامًا لمُشَاهَدَته، واقْتباسًا من أَدَبِه، وأعْجَبَني ما رأيتُ، قُلتُ: واللهِ إنَّكَ لشَابٌّ خَطيرٌ، تَصْلُح لمُنادمَة مَلِك كبير. فقال لي: وَيحَك! أتَدْري ما تَقُول؟ أنا نَبيٌّ مُرْسَلٌ! فظَنَنْتُ أنَّهُ يَهْزُلُ، ثمّ فكَّرتُ (a) أنّي لم أُحَصِّلْ عليه كلمة هَزْلٍ منذُ عرَفْتُهُ، فقلتُ له: ما تقول؟ فقال: أنا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، قلتُ له: مُرْسَلٌ إلى مَنْ؟ قال: إلى هذه الأُمَّةِ الضَّالَةِ المُضِلَّة. قُلتُ: تَفْعَل ماذا؟ قال: أمْلَأُها عَدْلًا كما مُلئَتْ جَوْرًا. قُلتُ: بماذا؟ قال: بإدْرَار الأرْزَاق والثَّوَابِ العَاجِل والآجلِ لمَنْ أطَاعَ وأَتَى، وضَرْبِ الأعْنَاق وقَطْع الأرْزَاق لمَن عصَى وأَبَي. فقلتُ له: إنَّ هذا أمرٌ عظيمٌ أخَافُ منهُ عليك أنْ يَظْهَر، وعَذَلْتُه على قَوْلِه ذلك، فقال بَدِيْهًا (١): [من الوافر] أبا عَبْدِ الإله مُعَاذُ، إنّى … خَفِيٌّ عَنْكَ في الهَيْجَا مَقَامِي الأبيات. فقلتُ له: لِمَ ذَكَرتَ (b) أنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلى هذه الأُمَّةِ، أَفَيُوْحَى إليكَ؟ قال: نعم، قُلتُ: فَاتْلُ علىَّ شَيئًا من الوَحْي إليكَ، فأَتَاني بكلامٍ ما مَرَّ بسَمْعي أحسَنُ منهُ، فقُلتُ: وكم أُوْحِيَ إليكَ من هذا؟ فقال: مائة عِبْرةٍ وأرْبَع عَشْرةَ عِبْرةً، قُلتُ: وكم العِبْرَة؟ فأَتَى بمِقْدَارٍ أكَبرِ (c) الآي من كتاب الله. قُلتُ: ففي كم مُدَّة أُوحِي (d) إليك، قال: جُمْلَةً واحدةً، قُلت: فاسْمَعُ في هذه العِبَرَ أنَّ لكَ طاعةً في السَّماءِ، فما هي؟ قال: أَحْبِسُ المدْرَارَ لقَطْع أرْزَاقِ العُصَاةِ والفُجَّار، قُلتُ: أتَحْبسُ من السَّماءِ مَطَرَها؟ قال: إي، والّذي فَطَرَها! أفما هي مُعْجِزَةٌ؟ قُلتُ: بَلى واللهِ. قال: فإن حَبَسْتُ عن مكانٍ تَنْظُر إليهِ ولا تشُكّ فيه، هل تُؤمنُ بيّ،

стр. 797

وتُصَدِّقُني على ما أُتيْتُ به من رَبِّي؟ قُلتُ: إِي واللهِ. قال: سَأفْعَلُ، فلا تَسألْني عن شيءٍ بعدَها حتَّى آتيَكَ بهذه المُعْجِزَةِ، ولا تُظْهِرْ شَيئًا من هذا الأمر حتَّى يَظْهرَ، وانتظرْ ما وُعِدْتَهُ من غير أنْ تَسْألَهُ. فقال لي بعدَ أيَّامٍ: أَتُحِبُّ أنْ تَنْظُرَ إلى المُعْجِزَة الّتي جَرَى ذِكْرُها؟ قُلتُ: بلَى والله، فقال لي: إذا أرْسَلْتُ إليكَ أحدَ العَبِيْد فارْكَبْ مَعَهُ ولا تَأَخَّرْ، ولا يَخْرُج معك أحَدٌ، قُلتُ: نعم. فلمَّا كان بعد أيَّامٍ، تَغَيَّمَتِ السَّماءُ في يَوْم من أيَّامِ الشّتَاء، وإذا عَبْدُهُ قد أقْبَل، فقال: يقُول لكَ مَوْلايَ: اركبْ للوَعْدِ، فبادَرْتُ بالرُّكُوبِ معَهُ، وقُلتُ: أينَ رَكِبَ مولَاكَ؟ فقال: إلى الصَّحْرَاءِ، ولم يَخْرج معه أحدٌ غيري، واشْتَدَّ وقعُ المَطَر، فقال: بادر بنا حتَّى نَسْتَكِنَّ معه من هذا المَطَر، فإنَّهُ ينتَظرُنا بأعْلَى تَلٍّ لا يُصِيْبُه فيه المَطَرُ، قُلتُ: وكيفَ عَمِلَ؟ قال: أقبَلَ ينظُرُ إلى السَّماءِ أوَّل ما بدا السَّحاب الأسْوَد وهو يتكلَّم بما لا أفْهَم، ثمّ أَخَذَ السَّوْطَ فأدَار به في مَوضعٍ ستَنْظُر إليهِ من التَّلِّ، وهو يُهَمْهِم، والمَطَرُ ممَّا يليهِ، ولا قَطْرَة منهُ عليه، فبادَرتُ معَهُ حتَّى نظرْتُ إليهِ، وإذا هو على تلٍّ على نصف فرسَخٍ من البلدِ. فأتيتُهُ وإذا هو عليه قائمٌ، ما عليهِ من ذلك المَطَر قَطْرَةٌ واحدةٌ، وقد خُضْتُ في الماءِ إلى ركْبَتَي الفَرَس، والمطَرُ في أشَدِّ ما يكونُ، ونظَرتُ إلى نحو مائتي ذِرَاع في مثلها من ذلك التَّلِّ: يابسٌ، ما فيه نَدًى ولا قَطْرَة مَطَر، فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ عليَّ، وقال لي: ما تَرى؟ فقُلتُ: ابْسُطْ يدَكَ، فإنِّي أشْهَدُ أنَّك رسُول الله، فبسَطَ يدَهُ فبايَعْتُهُ بَيْعَةَ الإقْرار بنُبُوَّتِه، ثمّ قال لي: ما قال هذا الخَبِيثُ لمَّا دَعَا بِكَ -يعني عبدَهُ-؟ فشرَحْتُ له ما قال لي في الطَّريق لمَّا استَخْبرتَهُ، فقَتَل العَبْدَ، وقال (١): [من مجزوء الرجز]

стр. 798

أيَّ مَحَلٍّ أَرْتَقي؟ … أيَّ عَظيمٍ أتَّقي؟ وكُلُّ ما قَدْ خَلَقَ اللَّـ … ـهُ ومَا لَمْ يَخْلُقِ مُحْتقرٌ في هِمَّتي … كشَعْرَةٍ في مَفْرِقي وأخَذتُ بيعَتَهُ لأهلي، ثمّ صحَّ بعدَ ذلك أنَّ البَيْعَةَ عَمَّتْ كُلَّ مَدِيْنَةٍ بالشَّام، وذلك بأصْغَر حيلةٍ تعَلَّمها من بعض العَرَب، وهي صَدْحَةُ المَطَر؛ يَصْرفُه بها عن أيّ مكانٍ أحبَّ بعد أنْ يَحْوِيَ عليه بَعَصًا وَيَنْفُثُ بالصَّدْحَة الّتي لهم. وقد رأيْتُ كَثِيْرًا منهم بالسَّكُون وحَضْرَمَوْتَ والسَّكاسِك من اليَمَن يَفْعلُون هذا ولا يَتَعاظَمُونَهُ، حتَّى إنَّ أحَدَهُم يَصْدَح عن غَنَمه وإبلِهِ وبَقَرِهِ، وعن القَرْيَةِ من القُرَى فلا يُصِيبُها من المَطَر قَطْرَةٌ، ويكون المَطَر ممَّا يلي الصَّدْحَةَ. وهو ضرْبٌ من السِّحْر، ورأيتُ لهم من السِّحْر ما هو أعظَمُ من هذا. وسألتُ المُتَنَبِّي بعدَ ذلك: هل دَخَلْتَ السَّكُونَ؟ قال: نعم، ووالدِي منها، أمَّا سمِعْتَ قَوْلي (١): [من الوافر] أَمُنسِيَّ السَّكُونَ (a) وحَضْرَمَوْتا … ووالِدَتي وكِنْدَة والسَّبِيْعَا فقُلتُ: مِنْ ثَمَّ اسْتفادَ (b) ما جَوَّزَهُ على طَغَامِ أهلِ الشَّام (٢). وجَرَتْ له أشياءُ بعدَ ذلك من الحُرُوب والحَبْس، والانْتقالِ من مَوضعٍ إلى مَوضعٍ، حتَّى حصَل عند سَيْفِ الدَّوْلَة وعَلَا شَأنُهُ. قُلتُ: والصَّدْحَة الّتي أشار إلى أنَّها تَمْنَع المَطَر مَعْرُوفةٌ إلى زَماننا هذا، وأخْبَرني غير واحد ممَّن أثِق به من أهل اليَمَن أنَّهم يَصْرفُون المَطَرَ عن الإِبِل

стр. 799

والغَنَم وعن زَرْعِ عدُوّه، وأنَّ رِعَاءَ الإِبِل والغَنَم ببلادهم يَسْتعملون ذلك، وهو نوعٌ من السِّحْر. وذَكَر أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن فُوْرَجَة (a)، في كتاب التَّجَنِّي على ابن جِنِّي، قال: أخْبرَني أبو العَلَاء أحْمَدُ بن سُلَيمان المَعَرِّيُّ (١) عمَّن أخْبَرَهُ من الكُتَّابِ، قال: كُنْتُ بالدِّيْوَان في بعض بلادِ الشَّام، فأسرَعْتِ المُدْيَةُ في إصْبَع بعضِ الكُتَّاب، وهو يَبْري قَلَمَه، وأبو الطَّيِّب حاضرٌ، فقام إليهِ وتَفَل عليه، وأمْسَكها ساعةً بيده، ثمّ أرسلَهَا وقد اندملَتْ بدَمها، فجَعَل يعْجَبُ من ذلك، ويُري مَنْ حضَرَ أنَّ ذلك من مُعْجزَاته. قال: وممَّا كان يُمَخْرِقُ (٢) به على أبيات البَادِيَة أنَّهُ كان مَشَّاءً قَوِيًّا على السَّير سَيْرًا لا غايةَ بعده، وكان عارفًا بالفَلَواتِ، ومواقع المياهِ، ومَحَالِّ العَرَبِ بها، فكان يَسيرُ من حِلَّةٍ إلى حِلَّةٍ بالبَادِيَة في لَيْلَةٍ، وبينهُما مسيرَةُ ثلاثٍ، فيأتي ماءً ويَغْسِل يدَيْهِ ووَجْهَه ورجْلَهُ، ثمّ يأتي أهْل تلكَ الحِلَّة فيُخْبرها عن الحِلَّةِ الّتي فَارَقَها، ويُريهم أنَّ الأرضَ طُويَتْ له، فلمَّا عَلَتْ سِنُّهُ رَغِبَ عن ذلك وزَهِدَ فيه، وأقْبَلَ على الشِّعْر وقد وُسِمَ بتلك السِّمَةِ. أنْبَأنَا أبو مُحمَّد عبْد العَزِيز بن مَحْمُود بن الأخْضَر، قال: أخبَرَنَا الرَّئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن علىّ بن نَصْر بن سَعيد، قال: أخبَرَنا أبو البرَكَاتِ محمَّدُ بن

стр. 800

عَبْد اللهِ بن يَحْيَى، قال: أخبَرَنا عليّ بن أَيُّوب بن الحُسَين، قال: أنشَدَنا أبو الطَّيِّب المتنَبِّي لنَفْسِه، وكان قَوْمٌ في صِبَاهُ وَشَوْا به إلى السُّلْطان، وتكذَّبُوا عليه، وقالوا له: قد انْقَاد له خلْقٌ من العَرَب، وقد عَزَم على أخْذِ بَلَدِكَ! حتَّى أوْحَشُوهُ منهُ، فاعْتَقَلَهُ وضَيَّقَ عليه، فكَتَبَ إليهِ يَمْدَحُهُ (١): [من المتقارب] أيا خَدَّد اللهُ وَرْدَ الخُدُودِ … وقَدَّ قُدُودَ الحسَان القُدُودِ فهُنَّ أسَلْنَ دَمًا مُقْلَتي … وعَذَّبْنَ قَلْبي بطُولِ الصُّدُودِ قال فيها في ذِكْر المَمْدُوح (٢): رمَي حَلَبًا بنَوَاصِي الخُيُول … وسُمْرٍ يَرِقْنَ دَمًا في الصَّعيدِ وبيضٍ مُسَافرةٍ ما يُقِمْـ … ـنَ لا في الرِّقابِ ولا في الغُمُودِ يَقُدْنَ الفَنَاءَ غَدَاةَ اللِّقاءِ … إلى كُلِّ جَيْشٍ كَثِيْرِ العَدِيدِ فَوَلَّي بأشْيَاعهِ الخَرْشَنِيُّ … كِشَاءٍ أَحَسَّ بزَأْرِ الأُسُودِ يُرَوْنَ من الذُّعْرِ صَوْتَ الرِّيَاح … صَهيْل الجِيَادِ وخَفْقَ البُنُودِ فمَن كالأَمِير ابنِ بنْتِ الأميـ … ـرِ أَمْ (a) مَن كآبائهِ والجُدُودِ سَعَوْا للمَعَالي وهُمْ صِبْيَةٌ … وسَادُوا وجَادُوا وهُم في المُهُودِ أمَالِكَ رِقِّي، ومَنْ شَأنُهُ … هِبَاتُ اللُّجَيْنِ وعِتْقُ العَبِيْدِ دَعَوْتُك عند انْقِطَاع الرَّجَا … ءِ والمَوْتُ منِّي كحَبْلِ الوَرِيْدِ دَعَوْتُكَ لمَّا بَرَاني البِلَى … وأوْهَنَ رِجْلَيَّ ثِقْلُ الحَدِيدِ وقد كانَ مَشْيُهُما في النِّعَالِ … فقد صَار مَشْيُهُمَا في القُيُودِ وكنتُ مِنَ النَّاسِ في مَحْفِلٍ … فها أنا في مَحْفِلٍ من قُرُودِ

стр. 801

تُعَجَّلُ فيَّ وُجُوبُ الحُدُود … وحَدِّيَ قَبْلَ وُجُوبِ السُّجُودِ وقيل عدَوْتَ على العَالمـ … ـين بين وِلَادِي وبينَ القُعُودِ فما لكَ تَقْبَلُ زُورَ الكَلامِ … وقدْرُ الشَّهادَةِ قَدْرُ الشُّهُودِ فلا تَسْمَعَنَّ من الكاذبيْنَ (a) … ولا تعْبَأَنَّ بمَحْكِ اليَهُودِ وكُنْ فارقًا بين دَعْوَى: أرَدْتَ … ودَعْوَى: فعَلْتَ بشَأْوٍ بَعِيْدِ وفي جُودِ كفَّيكَ ما جُدْتَ لي … بنَفْسِي ولو كُنْتُ أشْقَى ثَمُودِ وذكَر أبو مَنْصُور الثَّعالِبِيّ في اليَتِيْمَة (١) عن ابن جِنِّي أنَّهُ قال: سَمِعْتُ أبا الطَّيِّب يقولُ: إنَّما لُقِّبْتُ بالمُتَنَبِّي لقَوْلي: [من الخفيف] أنا في أُمَّةٍ تَدَاركها اللـ … ـهُ غَرِيبٌ كَصَالحٍ في ثَمُودِ ما مُقَامي بِدَارِ (b) نَحْلَة إلَّا … كمُقَام المَسِيْحِ بينَ اليَهُودِ أخْبَرَنا أبو هاشِم عبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أنشَدَنا عُمَرُ بن مُحمَّد السَّرْخَسيُّ، قال: أنْشدَنا الحسَنُ بن عليّ الحافظُ، قال أنشَدنا الأُسْتَاذ أبو عليّ أحْمَدُ بن مُحَمَّد المَعْرُوف بمَسْكَوَيْه قال: أنشدنا المُتَنَبِّي (٢): [من الطّويل] ومِنْ نَكَدِ الدُّنْيا على الحُرِّ أنْ يَرَى … عَدُوًّا لَهُ ما مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ قال: قيل للمتَنَبِّي: على مَنْ تَنَبَّأتَ؟ قال: على الشُّعَراءِ، فقيل: لكُلِّ نَبِيّ مُعْجِزَةٌ، فما مُعْجزَتُكَ؟ قال: هذا البيتُ.

стр. 802

وقَرَأتُ في رسالةِ علىّ بن منْصُور الحَلَبِيّ، المعْرُوف بدَوْخَلَةَ، وهي الّتي كَتَبها إلى أبي العَلَاء بن سُلَيمان، وأجابه عنها برسَالة الغُفْران، وذَمّ فيها أبا الطَّيِّب المتنَبِّي، وقال (١): وذَكَر ابن أبي الأزْهَر والقُطْرُبُّلِيُّ في التَّاريخ الّذي اجتَمَعا على تَصْنِيفه، أنَّ الوَزِير عليّ بن عِيسَى أحْضَره إلى مَجْلسه، فقال له: أنت أحْمَدُ المُتَنَبِّي؟ فقال: أنا أحْمَدُ النَّبِيَّ، ولي علامَةٌ في بَطْني؛ خاتَم النُّبُوَّة، وأراهُمْ شبيهًا بالسَّلْعَة على بَطْنه، فأمرَ الوَزِير بصَفعه فصُفِعَ وقُيِّد، وأمرَ بحَبْسه في المُطْبَق. ثمّ طالعْتُ التَّاريخ المُشَار إليهِ، فقَرَأتُ فيه في حَوَادِث سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثِمائة، قال: وفيها جَلَسَ الوَزِيرُ عليّ بنُ عِيسَى للنَّظَر في المَظَالِم، وأحْضَر مَجْلسَهُ المُتَنَبِّي وكان مَحْبُوسًا ليُخلي سَبيله، فناظرَهُ بحَضْرَة القُضَاةِ والفُقَهَاء، فقال: أنا أحْمَدُ النَّبِيّ، ولي علامةٌ في بَطْنِي، خاتَم النُّبُوَّة، وكشَفَ عن بَطْنه وأراهُم شَبيهًا بالسَّلْعَة على بَطْنِه، فأمرَ الوَزِير بصَفْعه فصُفِعَ مائة صفْعَة، وضَرَبه وقَيَّده، وأمَرَ بحَبْسهِ في المُطْبَق. فبانَ لي أنَّ أبا الحَسَن عليّ بن مَنْصُور الحَلَبِيّ، رأى في تاريخ ابن أبي الأزْهَر والقُطْرُبُّلِيّ ذِكْر أحْمَد المُتَنَبِّي فظَنَّهُ أبا الطَّيِّبِ أحْمَد بن الحُسَين، فوقَع في الغَلَط الفَاحِش لجَهْله بالتَّاريخ، فإنَّ هذه الوَاقِعَة مَذْكُورَة في هذا التَّاريخ في سَنَة اثْنَتَين وثَلاثِمائة، ولم يكُن المُتَنَبِّي وُلد بَعْدُ، فإنَّ مَولده على الصَّحيح في سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثِمائة، وقيل إنَّ مَولده سَنَة إحْدَى وثَلاثِمائة، فيكون له من العُمْر سَنَة واحدة. وأبو مُحَمَّد عَبْد اللهِ بن الحُسَين الكَاتِب القُطْرُبُّلِيّ، ومُحَمَّد بن أبي الأزْهَر ماتا جميعًا قبل أنْ يَتَرعرع المُتَنَبِّي ويُعْرَف. وهذا المُتَنَبِّي الّذي أحْضرَهُ عليُّ بن عِيسَى هو رَجُل من أهل أصْبَهَان تنبَّأ في

стр. 803

أيَّامِ المُقْتَدِر، يُقالُ له: أحْمَد بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ، ووَجَدْتُ ذِكْرَهُ هكذا مَنْسُوبًا في كتاب عُبَيْد الله بن أحْمَد بن طَاهِر الّذي ذَيَّلَ به كتاب أبيه في تاريخ بَغْدَاد. أخْبرَني يَاقُوتُ بن عبد الله الحَمَوِيّ، قال: وَقَعَ لي كتابٌ مُصَنَّفٌ في أخْبارِ أبي الطَّيِّب، صَغِير الحَجْم، تَصْنيف الأُسْتَاذِ أبي القَاسِم عُبَيْدِ الله بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ (١)، وذَكَرَ فيهِ ادِّعَاءَهُ النُّبُوَّةَ، وقال فيه: وقد هَجاهُ الشُّعَراءُ بذلك، فقال الضَّبُّ الضَّرِيْرُ الشَّامِيِّ فيه (٢): [من الطّويل] أطْلَلْتَ، يا أيُّها الشَّقِيُّ، دَمَكْ … لا رَحِمَ اللهُ رُوْحَ مَنْ رَحَمكْ (a) أَقْسَمْتُ لو أَقْسَمَ الأَمِيرُ على … قَتْلِكَ قتلَ العِشَارِ ما ظَلَمَكْ ويُروَى: قَبْل العشَاء. فأجابَهُ المُتَنَبِّي فقال (٣): [من المنسرح] إيْهًا أتَاكَ الحِمَامُ فاخْتَرَمَكْ … غيرُ سَفِيهٍ عَليكَ مَنْ شَتَمَكْ هَمُّكَ في أَمْردٍ تُقَلِّبُ في … عَيْنِ دَوَاةٍ من صُلْبهِ قَلَمَكْ وهِمَّتي في انْتِضَاءِ ذي شُطَبٍ … أقُدُّ يَوْمًا بحَدِّه أَدَمَكْ فاخْسَأ كُلَيْبًا واقْعُدْ على ذَنَبٍ … واطْلِ بما بين إلْيَتَيْكَ فَمَكْ

стр. 804

قال: وهَجَاهُ شاعرٌ آخر فقال -وقيل: هو الضَّبّ أيضًا (١) -: [من الكامل] قَدْ صَحَّ شِعْرُك والنُّبُوَّةُ لم تَصِحْ … والقَوْلُ بالصِّدْقِ المُبيَّن يَتَّضِحْ الْزَم مَقَالَ الشِّعْرِ تَحْظَ برُتْبَةٍ … وعن التَّنَبِّي (a) لا أبا لَكَ فانْتَزِحْ ترْبَحْ دَمًا قد كُنْتَ تُوجِبُ سَفْكهُ … إنَّ المُمَتَّع بالحَياةِ لمَنْ رَبِحْ فأجابَهُ بأياتٍ وهي (٢): [من الكامل] نارُ الذّرابةِ (b) من لِساني تُقْتَدحْ … تَغْدُو عليَّ مِن النُّهَى ما لم يُرَحْ بَحْرٌ لو اغْتُرِفَتْ لُطَامةُ مَوْجهِ … بالأرضِ والسَّبْع الطّباق لما نُزِحْ أَمْري إليَّ، فإنْ سَمَحْتُ بمُهْجَةٍ … كَرُمَتْ عليَّ فإنَّ مثْلي مَنْ سَمَحْ أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبدُ الله بن الحُسَين بن عبد الله بن رَوَاحَة الحَمَوِيُّ، وأبو يَعْقُوبَ يُوسُف بن محمُود السَّاوِيّ الصُّوْفيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: سَمِعْتُ أبا عبد الله الحُسَينَ بن عليّ بن هَمَّام الحُسَيْنيّ الطَّالَقَانِيّ ببَغْدَاد يقول: هجَا أبو عبد الله بنُ الحَجَّاج أبا الطَّيِّب المُتَنَبِّي لمَّا دَخَلَ بَغْدَاد بمُقَطَّعاتٍ منها (٣): [من المجتث]

стр. 805

يا دِيمَةَ الصَّفْعِ هُبّيِ (a) … على قَفَا المُتَنَبِّي ويا قَفاهُ تَقدَّمْ … تَعَالَ واجْلِسْ بجَنْبي (b) ويا يَدِي فاصْفَعيهِ … بالنَّعْلِ حتَّي تَدِبّي إن كان هذا نَبِيٌّ … فالقِرْدُ لا شَكَّ رَبِّي فلمَّا بَلَغ أبا الطَّيِّب قال (١): [من السريع] عارَضَني كَلْبُ بَنِي دَارِمٍ … فصُنْتُ منهُ الوَجْهَ والعِرْضَا ولم أُكلِّمهُ احْتقارًا بهِ … مَنْ ذا يعَضُّ الكَلْبَ إنْ عَضَّا كذا رَوَاهُ السِّلَفِيّ: هُبِّي، والمَحْفُوظ: صُبِّي. وقال لي يَاقُوت الحَمَوِيّ: وذَكَرَ الأُسْتَاذُ أبو القَاسِم عُبَيْد الله بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ في أخْبَار أبي الطَّيِّب، قال (٢): وقد تَعَلَّق قَوْمٌ ممَّن يَتَعَصَّبُ على المُتَنَبِّي فانْتَزع من شِعْره أبْيَاتًا زعمَ أنَّها تَدُلُّ على فَسَادِ اعْتقادٍ، وقد جَعل لها مَنْ يَتَعَصَّب وجْهًا، منها (٣): [من البسيط] هَوِّنْ على بَصَرٍ ما شَقَّ منْظَرهُ … فإنَّما يَقَظَاتُ العَيْنِ كالحُلُمِ قالوا: هذا البَيْتُ من اعْتقادِ السُّوفَسْطَائِيَّة. وقَوْله في أُخْرى (٤): [من الوافر] تَمَتَّعْ من سُهَادٍ أو رُقادٍ … ولا تَأْمُلْ كَرىً تحتَ الرِّجَامِ

стр. 806

فإنَّ لثالِثِ الحالَيْنِ مَعْنًى … سِوي مَعْنَى انِتَباهِكَ والمَنَامِ قالوا: فهذا يُنْبئُ عن اعتقادِ الحَشِيْشِيَّة. وقَوْله في أُخرى (١): [من البسيط] تَخَالفَ النَّاس حتَّى لا اتِّفاق لَهُم … إِلَّا على شَجَبٍ، والخُلْفُ في الشَّجَبِ فقيلَ: تَسْلَمُ نَفْسُ المَرْءِ باقيةً (a) … وقيل: تشْرَكُ جِسْمَ المرءِ في العَطَبِ قالوا: فهذا مَذْهَبُ من يقول بالنَّفسِ النَّاطِقَة. وقَوْله في عَضُد الدَّوْلَة (٢): [من السريع] نَحنُ بنُو الدُّنْيَا فما بالُنَا … نَعَافُ ما لا بُدَّ من شُرْبِهِ تبخَلُ أَيْدِينَا بأرْواحِنا … على زمانٍ هيَ مِن كَسْبهِ فهذِه الأروَاحُ من جَوِّهِ … وهذه الأجسادُ من تُرْبهِ فهذا مَذْهَبُ الهَوائيَّة وأصحَاب الفَضَاء. وقوله في ابن العَميدِ (٣): [من الطّويل] يُعَلّلُنَا هَذا الزّمانُ بذا الوَعْدِ … وَيَخْدَعُ عَمّا في يَدَيْهِ من النّقدِ فإنْ يكُنِ المَهْدِيّ مَن بانَ هَدْيُهُ … فهَذا وَإلَّا فالهُدى ذا فَما المَهْديّ! قالوا: فهذا مَذْهَبُ أهل النُّجُوم (b) .

стр. 807

وقال لي يَاقُوتُ الحَمَوِيّ (١): نقلت من خط أبي الريحان مُحمَّد بن أحْمَد البَيْرُونِيّ في رسالةٍ له سمَّاها التَّعلل بإجابة (a) الوهم، في مَعَاني نُظُوم أُولي الفضل، قال في أثناء كلام ذكره: ثمّ إن لي من أخلاقهم -يعني: الشُّعَراء- أسوة حسنةٌ ومسْلاة أكيدةٌ، بإمام الشعراء الَّذي طرَّق لهم ولمَن بعده إلى طريقته المخترعة في الشعر، وخَلَّفَهم من معاني كلامه في بُروق تَخْطَفُ أبصارهم وبصائرهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (٢): أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي، حتَّى إنَّ أفاضلَ أهل زماننا كأحمد بن فارس يحسُده على ما آتاه الله من فضله، ويقول: إنَّهُ مَبْخُوتٌ وإلَّا. . .! قال لي ياقوت: كذا رأيته مُبيَّضًا بخَطِّه. ويقُول: سألتُ أبا الفَضْل بن العميد عن مَعْنى قوله: [من الطّويل] وفاؤُكُما كالرَّبْعِ أشَجْاهُ طَاسِمُه فأجابني بأنَّ المُتَنَبِّي خَرَجَ من الدُّنيا بعد ستين سنة عاشها، ولم يكن وقف على معناهُ. وكان أبو الطّيب، على ضيق عَطَنه، رفيع الهمَّة في صناعته، فاقتصَرَ لها في رحلته بمَدْح عَضُد الدَّوْلَة ووزيره ابن العَمِيد، وراودَهُ الصَّاحبُ إسماعيل بن عبَّاد على التَّزاور رغبةً في مديحه، فأبى الانحطاط إلى الكَتَبَةِ، وهذا ما حَمَلهُ على الخَوض في مساوئ شِعره (٣)، وليس يترَفَّع عن حَلِّه ونَثْره في أثناء كتابتِهِ، ومُشاركة الحَاتِمِيّ (٤) في إدامَة حَلِّ نَظْمِه في رسَائلِه، بعد مقالته التي عَمِلَها فيه

стр. 808

مُحَرِّضًا عليهِ ومُتَنادِرًا به كنَوَادر المُخَنَّثِين، كما حَمَلَ مثلُه أبا مُحمَّد المُهَلَّبِي مُسْتَوْزَرَ بَخْتِيار بن مُعِزّ الدَّولَةِ على إغْرَاءِ سُفَهاءِ بَغْدَاد عليهِ، ومُعاملَته بالسُّخْف الّذي أعْرَض بوَجْههِ عنْهُ وعنهم ولم يَزِدْ في الجَوَاب على الخَسْأ، تَرَفُّعًا وتَنَزُّهًا واكْتفاءً من مُهاجاتِهِم، على ما في خلال شِعْره من مثل قَوْلِه (١): [من البسيط] أفَاضِلُ النَّاسِ أعْرَاضٌ (a) لذا الزَّمَنِ … يَخْلُو من الهَمِّ أخْلَاهُم من الفِطَنِ وذكر أبياتًا مثلَهُ. وقال: ثمّ ما يُدْريني هل كان في سبب الفَتك به من الأعرابيِّ نُبَذٌ من ذلك الإغراءِ، فالقَائلُ بالشَّرِّ غيرُ مُبَالٍ أيضًا بفعله، وخاصَّةً عند استِمَاع ما كان حظي به لَدَى المَقْصُودين من القَبُول والإقْبَال، حتَّى إنَّهُ قال عند دخوله إلى شيراز: أنا لا أُنْشد ماثِلًا، فأمر عَضُدُ الدَّوْلَة بكُرسيّ له، فلمّا دَخَلَ ورآهُ، أنشدَهُ قائمًا، فأمره بالجُلُوس، فأبَى وقال: هيبَتُكَ تمنع عن ذلك، فوقع قوله وفعله منه أحسَنَ المَواقِع (٢). وكان المُهَلَّبِيّ -مع بَخْتِيارِه- يُنَاكر أنَّ عضُد الدَّوْلَة فعل ذلك حَنَقًا وجَهلًا بالقدر. قال: وممَّا يغيظُنِي حقًّا قومٌ مُتَّسِمُونَ بالفَضْلِ يُكابرُونَ عُقُولَهُم في أمره، ويَرْتكبُون في إطفاءِ نُوره، كشَمْس المَعَالي قَابُوس، فقد كان يقول: ليس للمُتَنَبِّي في ديوانه ما يَسْوَى استماعًا إِلَّا أربَعَة أبيات، ثمّ لم يكن يبتدئ من ذات نفسه بالإشارة إليها، وكان سوءُ خُلقه يَمْنَعُنِي من سُؤالِه عنها، وكأبي الفَتْح البُسِتِيّ في قَوْله (٣): [من المتقارب]

стр. 809

سُئِلْتُ عن المُتَنَبِّي فقُلْتُ … مقال إمرئٍ [مُنْصِفٍ] (a) ليسَ يَغْلُو لهُ في مَواضِعَ فَصْلُ الخِطَابِ … وسَائرُ ما قَالَه فهو فَسْلُ قال: ولو كان قَلَبَهُ فقال: إنَّ مواضِعَ منه فَسْلٌ، وسائر ما قالَهُ فَصْلُ خِطَابٍ، لكان أبْعدَ عن الإثم، وأقْرَب إلى الصِّدق والصَّواب. وذكر ابن الصَّابِئ في كتاب الوُزَرَاء (١): أنَّ ابن العَمِيد كانَ يُجلِسُ المُتَنَبِّي في دَسْتِه، ويقعد بين يديه، فيقرأ عليه الجمهرة لابن دريد، لأن المُتَنَبِّي كان يَحفظُها عن ظَهر قَلْبٍ. وقَرَأتُ في بعض مُطَالَعاتي أنَّ المُتَنَبِّي لمَّا اجتازَ بالرَّمْلَةِ ومدَحَ طَاهِرَ بن الحَسَن بن طاهر بن يَحْيَى العَلَويَّ، أجْلَسَه طَاهر في الدَّسْتِ، وجَلَس بين يَديهِ حتَّى فرغ من مِدْحَتِه. وقَرَأتُ في كتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِين (٢) لأبي الغَنائِم الزَّيديّ، قال: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ أنَّ المُتَنَبِّي لمَّا مدح طاهر بن الحَسَن بن طاهر أجازَهُ ألف دينارٍ. قُلْتُ: والقَصِيدَةُ التي مدحه بها هي القَصِيدة البائيَّة التي أوَّلُها (٣): [من الطّويل] أعِيدُوا صبَاحِي فهو عِندَ الكَوَاعِبِ … ورُدُّوا رُقادِي فهو لَحْظُ الحَبَائِبِ وقال ابنُ فُوْرَجَة في كتاب التَّجَنِّي على ابن جِنّي: حَدَّثَنِي الشّيخ أبو عليّ أحْمَد بن مُحمَّد بن يعقوب مسكَوَيْه بأصْبَهَان، وكان تَربية ابن العَميد ونَدِيمَهُ، قال: حضرتُ مجلس ابن العميد بأرَّجَان وقد دخل عليه أبو الطَّيِّب، وكان

стр. 810

يَسْتَعرض سُيوفًا، فلمّا بَصُرَ بأبي الطَّيِّب نَهض من مجلسه، وأجلَسَه في دَستِهِ، ثمّ قال لأبي الطَّيِّب: اختر سيفًا من هذه السُّيوف، فاختار منها واحدًا ثقيل الحَلْي، واختار ابن العميد آخر غيره، فقال كلٌّ منهما: سيفي الَّذي اخترته أجْوَد! ثمّ اصطلحا على أن يُجرِّباهما، فقال ابنُ العميد: فبماذا نجرِّبهما؟ فقال أبو الطَّيِّب: في الدنانير، فيُؤتى بها فيُنَضَّدُ بعضها على بعض، ثمّ تُضرب به، فإن قدَّها، فهو قَاطعٌ، فاستَدعى ابن العميد بعشرين دينارًا، فنُضدت، ثمّ ضربها أبو الطَّيِّب فقَدَّها وتفرَّقت في المَجلس، فقام من مجلسهِ المُفخَّم يلتَقط الدنانير المُتَبدِدة في كُمِّه، فقال ابن العميد: ليَلزم الشّيخُ مجلسه. فإنَّ أحد الخُدَّام يلتقطها ويأتيه بها، فقال: بل صاحب الحاجة أولى بها. قال ابن فُورَجَة: وكان رَجُلًا ذا هيئةٍ، مُرَّ النَّفْس، شجاعًا، حُفَظَةً للآداب، عفيفًا، وكان يَشِيْن ذلك كُلَّهُ ببُخْلِه. قرأتُ على ظَهْر نُسخة قَديمة من شعر المُتَنَبِّي ما صُورتَهُ: وحَكى أبو بَكْر الخُوارِزْمِيّ أنَّ المُتَنَبِّي كان قاعدًا تحتَ قَول الشَّاعر (١): [من الطّويل] وإنَّ أحقَّ النَّاس باللَّوْمِ شَاعرٌ … يلُوم على البُخل الرِّجالَ ويَبْخَلُ وإنَّما أعربَ عن طريقَته وعادته بقوله (٢): [من الطّويل] وُقُوفَ شَحِيحٍ ضاع في التُّرْبِ خَاتَمُهْ قال: فحضرتُ عندَهْ يومًا وقد أُحْضِرَ مالٌ من صلَاتِ سَيْف الدَّوْلَة،
следующие страницы →