← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فإنَّ لثالِثِ الحالَيْنِ مَعْنًى … سِوي مَعْنَى انِتَباهِكَ والمَنَامِ قالوا: فهذا يُنْبئُ عن اعتقادِ الحَشِيْشِيَّة. وقَوْله في أُخرى (١): [من البسيط] تَخَالفَ النَّاس حتَّى لا اتِّفاق لَهُم … إِلَّا على شَجَبٍ، والخُلْفُ في الشَّجَبِ فقيلَ: تَسْلَمُ نَفْسُ المَرْءِ باقيةً (a) … وقيل: تشْرَكُ جِسْمَ المرءِ في العَطَبِ قالوا: فهذا مَذْهَبُ من يقول بالنَّفسِ النَّاطِقَة. وقَوْله في عَضُد الدَّوْلَة (٢): [من السريع] نَحنُ بنُو الدُّنْيَا فما بالُنَا … نَعَافُ ما لا بُدَّ من شُرْبِهِ تبخَلُ أَيْدِينَا بأرْواحِنا … على زمانٍ هيَ مِن كَسْبهِ فهذِه الأروَاحُ من جَوِّهِ … وهذه الأجسادُ من تُرْبهِ فهذا مَذْهَبُ الهَوائيَّة وأصحَاب الفَضَاء. وقوله في ابن العَميدِ (٣): [من الطّويل] يُعَلّلُنَا هَذا الزّمانُ بذا الوَعْدِ … وَيَخْدَعُ عَمّا في يَدَيْهِ من النّقدِ فإنْ يكُنِ المَهْدِيّ مَن بانَ هَدْيُهُ … فهَذا وَإلَّا فالهُدى ذا فَما المَهْديّ! قالوا: فهذا مَذْهَبُ أهل النُّجُوم (b) .

стр. 807

وقال لي يَاقُوتُ الحَمَوِيّ (١): نقلت من خط أبي الريحان مُحمَّد بن أحْمَد البَيْرُونِيّ في رسالةٍ له سمَّاها التَّعلل بإجابة (a) الوهم، في مَعَاني نُظُوم أُولي الفضل، قال في أثناء كلام ذكره: ثمّ إن لي من أخلاقهم -يعني: الشُّعَراء- أسوة حسنةٌ ومسْلاة أكيدةٌ، بإمام الشعراء الَّذي طرَّق لهم ولمَن بعده إلى طريقته المخترعة في الشعر، وخَلَّفَهم من معاني كلامه في بُروق تَخْطَفُ أبصارهم وبصائرهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (٢): أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي، حتَّى إنَّ أفاضلَ أهل زماننا كأحمد بن فارس يحسُده على ما آتاه الله من فضله، ويقول: إنَّهُ مَبْخُوتٌ وإلَّا. . .! قال لي ياقوت: كذا رأيته مُبيَّضًا بخَطِّه. ويقُول: سألتُ أبا الفَضْل بن العميد عن مَعْنى قوله: [من الطّويل] وفاؤُكُما كالرَّبْعِ أشَجْاهُ طَاسِمُه فأجابني بأنَّ المُتَنَبِّي خَرَجَ من الدُّنيا بعد ستين سنة عاشها، ولم يكن وقف على معناهُ. وكان أبو الطّيب، على ضيق عَطَنه، رفيع الهمَّة في صناعته، فاقتصَرَ لها في رحلته بمَدْح عَضُد الدَّوْلَة ووزيره ابن العَمِيد، وراودَهُ الصَّاحبُ إسماعيل بن عبَّاد على التَّزاور رغبةً في مديحه، فأبى الانحطاط إلى الكَتَبَةِ، وهذا ما حَمَلهُ على الخَوض في مساوئ شِعره (٣)، وليس يترَفَّع عن حَلِّه ونَثْره في أثناء كتابتِهِ، ومُشاركة الحَاتِمِيّ (٤) في إدامَة حَلِّ نَظْمِه في رسَائلِه، بعد مقالته التي عَمِلَها فيه

стр. 808

مُحَرِّضًا عليهِ ومُتَنادِرًا به كنَوَادر المُخَنَّثِين، كما حَمَلَ مثلُه أبا مُحمَّد المُهَلَّبِي مُسْتَوْزَرَ بَخْتِيار بن مُعِزّ الدَّولَةِ على إغْرَاءِ سُفَهاءِ بَغْدَاد عليهِ، ومُعاملَته بالسُّخْف الّذي أعْرَض بوَجْههِ عنْهُ وعنهم ولم يَزِدْ في الجَوَاب على الخَسْأ، تَرَفُّعًا وتَنَزُّهًا واكْتفاءً من مُهاجاتِهِم، على ما في خلال شِعْره من مثل قَوْلِه (١): [من البسيط] أفَاضِلُ النَّاسِ أعْرَاضٌ (a) لذا الزَّمَنِ … يَخْلُو من الهَمِّ أخْلَاهُم من الفِطَنِ وذكر أبياتًا مثلَهُ. وقال: ثمّ ما يُدْريني هل كان في سبب الفَتك به من الأعرابيِّ نُبَذٌ من ذلك الإغراءِ، فالقَائلُ بالشَّرِّ غيرُ مُبَالٍ أيضًا بفعله، وخاصَّةً عند استِمَاع ما كان حظي به لَدَى المَقْصُودين من القَبُول والإقْبَال، حتَّى إنَّهُ قال عند دخوله إلى شيراز: أنا لا أُنْشد ماثِلًا، فأمر عَضُدُ الدَّوْلَة بكُرسيّ له، فلمّا دَخَلَ ورآهُ، أنشدَهُ قائمًا، فأمره بالجُلُوس، فأبَى وقال: هيبَتُكَ تمنع عن ذلك، فوقع قوله وفعله منه أحسَنَ المَواقِع (٢). وكان المُهَلَّبِيّ -مع بَخْتِيارِه- يُنَاكر أنَّ عضُد الدَّوْلَة فعل ذلك حَنَقًا وجَهلًا بالقدر. قال: وممَّا يغيظُنِي حقًّا قومٌ مُتَّسِمُونَ بالفَضْلِ يُكابرُونَ عُقُولَهُم في أمره، ويَرْتكبُون في إطفاءِ نُوره، كشَمْس المَعَالي قَابُوس، فقد كان يقول: ليس للمُتَنَبِّي في ديوانه ما يَسْوَى استماعًا إِلَّا أربَعَة أبيات، ثمّ لم يكن يبتدئ من ذات نفسه بالإشارة إليها، وكان سوءُ خُلقه يَمْنَعُنِي من سُؤالِه عنها، وكأبي الفَتْح البُسِتِيّ في قَوْله (٣): [من المتقارب]

стр. 809

سُئِلْتُ عن المُتَنَبِّي فقُلْتُ … مقال إمرئٍ [مُنْصِفٍ] (a) ليسَ يَغْلُو لهُ في مَواضِعَ فَصْلُ الخِطَابِ … وسَائرُ ما قَالَه فهو فَسْلُ قال: ولو كان قَلَبَهُ فقال: إنَّ مواضِعَ منه فَسْلٌ، وسائر ما قالَهُ فَصْلُ خِطَابٍ، لكان أبْعدَ عن الإثم، وأقْرَب إلى الصِّدق والصَّواب. وذكر ابن الصَّابِئ في كتاب الوُزَرَاء (١): أنَّ ابن العَمِيد كانَ يُجلِسُ المُتَنَبِّي في دَسْتِه، ويقعد بين يديه، فيقرأ عليه الجمهرة لابن دريد، لأن المُتَنَبِّي كان يَحفظُها عن ظَهر قَلْبٍ. وقَرَأتُ في بعض مُطَالَعاتي أنَّ المُتَنَبِّي لمَّا اجتازَ بالرَّمْلَةِ ومدَحَ طَاهِرَ بن الحَسَن بن طاهر بن يَحْيَى العَلَويَّ، أجْلَسَه طَاهر في الدَّسْتِ، وجَلَس بين يَديهِ حتَّى فرغ من مِدْحَتِه. وقَرَأتُ في كتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِين (٢) لأبي الغَنائِم الزَّيديّ، قال: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ أنَّ المُتَنَبِّي لمَّا مدح طاهر بن الحَسَن بن طاهر أجازَهُ ألف دينارٍ. قُلْتُ: والقَصِيدَةُ التي مدحه بها هي القَصِيدة البائيَّة التي أوَّلُها (٣): [من الطّويل] أعِيدُوا صبَاحِي فهو عِندَ الكَوَاعِبِ … ورُدُّوا رُقادِي فهو لَحْظُ الحَبَائِبِ وقال ابنُ فُوْرَجَة في كتاب التَّجَنِّي على ابن جِنّي: حَدَّثَنِي الشّيخ أبو عليّ أحْمَد بن مُحمَّد بن يعقوب مسكَوَيْه بأصْبَهَان، وكان تَربية ابن العَميد ونَدِيمَهُ، قال: حضرتُ مجلس ابن العميد بأرَّجَان وقد دخل عليه أبو الطَّيِّب، وكان

стр. 810

يَسْتَعرض سُيوفًا، فلمّا بَصُرَ بأبي الطَّيِّب نَهض من مجلسه، وأجلَسَه في دَستِهِ، ثمّ قال لأبي الطَّيِّب: اختر سيفًا من هذه السُّيوف، فاختار منها واحدًا ثقيل الحَلْي، واختار ابن العميد آخر غيره، فقال كلٌّ منهما: سيفي الَّذي اخترته أجْوَد! ثمّ اصطلحا على أن يُجرِّباهما، فقال ابنُ العميد: فبماذا نجرِّبهما؟ فقال أبو الطَّيِّب: في الدنانير، فيُؤتى بها فيُنَضَّدُ بعضها على بعض، ثمّ تُضرب به، فإن قدَّها، فهو قَاطعٌ، فاستَدعى ابن العميد بعشرين دينارًا، فنُضدت، ثمّ ضربها أبو الطَّيِّب فقَدَّها وتفرَّقت في المَجلس، فقام من مجلسهِ المُفخَّم يلتَقط الدنانير المُتَبدِدة في كُمِّه، فقال ابن العميد: ليَلزم الشّيخُ مجلسه. فإنَّ أحد الخُدَّام يلتقطها ويأتيه بها، فقال: بل صاحب الحاجة أولى بها. قال ابن فُورَجَة: وكان رَجُلًا ذا هيئةٍ، مُرَّ النَّفْس، شجاعًا، حُفَظَةً للآداب، عفيفًا، وكان يَشِيْن ذلك كُلَّهُ ببُخْلِه. قرأتُ على ظَهْر نُسخة قَديمة من شعر المُتَنَبِّي ما صُورتَهُ: وحَكى أبو بَكْر الخُوارِزْمِيّ أنَّ المُتَنَبِّي كان قاعدًا تحتَ قَول الشَّاعر (١): [من الطّويل] وإنَّ أحقَّ النَّاس باللَّوْمِ شَاعرٌ … يلُوم على البُخل الرِّجالَ ويَبْخَلُ وإنَّما أعربَ عن طريقَته وعادته بقوله (٢): [من الطّويل] وُقُوفَ شَحِيحٍ ضاع في التُّرْبِ خَاتَمُهْ قال: فحضرتُ عندَهْ يومًا وقد أُحْضِرَ مالٌ من صلَاتِ سَيْف الدَّوْلَة،

стр. 811

فَصُبَّ بين يديهِ (a) على حَصِيرٍ قد افتَرشَهُ، فوُزِنَ وأُعيدَ في الكِيْس، وتخلَّلَتْ قطعَةٌ -كأصْغَر ما تكُون- خِلَال الحَصِيْر، فأكبَّ عليه بمَجامِعِه يُعَالِجُ لاستنقاذهَا منهُ، ويَشْتَغِلُ [بذلك] (b) عن جُلَسائه، حتَّى توصَّل إلى إظْهارِ بَعضها، وأنْشَدَ قَولَ قيس بن الخَطِيم (١): [من الطّويل] تَبَدَّتْ لنا كالشَّمْس بين غمامَةٍ (c) … بَدَا حَاجِبٌ منا وضَنَّتْ بحَاجبِ ثمّ استَخْرجها وأمر بإعادتها إلى مكانها، وقال: إنَّها تُخَضِّرُ (d) المائدة. أنبأنا أحْمَد بن أزهر بن عبد الوهّاب البَغْداديّ في كتابه، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن عبد البَاقي الأنصارِيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو غالِب بن بِشْرَان إجَازَةً، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن علىّ بن نَصْر الكاتب -قُلْتُ: ونقَلْتُه من خطِّه ببغْدَاد- قال: حَدَّثَنِي أبو الفرج عَبْد الوَاحِد بن نَصْر البَبَّغَاء، قال: كان أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي يأْنَسُ بي، ويَشْكو عندي سَيْفُ الدَّوْلَة، ويأمَنُنِي على غِيبَتِه له، وكانت الحَالُ بيني وبينهُ صافيَةً عَامِرَةً دونَ باقي الشُّعَراء، وكان سَيْفُ الدَّوْلَة يغْتَاظ من عَظَمَته وتَعاطيْهِ (e)، ويَجْفُو عليه إذا كَلَّمَهُ، والمُتَنَبِّي يُجيبُهُ في أكثر الأوقاتِ، ويتَغَاضَى في بعضِها. قال: وأذكُر لَيلَةً وقد اسْتَدعى سَيْفُ الدَّوْلَة بَدْرةً فشَقَّها بسِكِّين الدَّواةِ، فمدَّ أبو عَبْد اللهِ ابن خَالَوَيْه النَّحْوِيُّ جَانِبَ طَيْلَسَانه، وكان صُوفًا أزْرَق، فحَثا فيهِ سَيْفُ الدَّوْلَة صَالِحًا، ومَدَدْتُ ذَيْلَ دُرَّاعَتي، وكانت دِيباجًا، فَحَشي لي فيها،

стр. 812

وأبو الطَّيِّب حَاضِرٌ، وسَيْف الدَّوْلَة يَنْتَظر منه أنْ يَفْعل مثل فعلِنَا، أو يَطْلبُ شَيئًا منها، فما فَعَلَ، فغَاظَهُ ذلك، فَنَثَرها كُلَّها، فلمَّا رأى أنها قد فاتَتْهُ، زاحَمَ الغِلْمَان يلتَقط معهم، فغمزَهُم عليه سَيْفُ الدَّوْلَة، فداسُوهُ ورَكبوهُ، وصارَت عِمَامته وطُرْطُورُه في حَلْقِهِ، واستَحْيى، ومضَتْ به لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ، وانصَرفَ، فَخَاطَبَ أبو عَبْد اللهِ ابنُ خَالَوَيه سَيْفُ الدَّوْلَة في ذلك، فقال: مَنْ يَتَعاظَمُ تلك العَظمة، يَتَّضِعُ إلى مثل هذه المَنْزلةِ، لولا حَمَاقَتُهُ؟! وممَّا يُحْكَي من بُخْلِه وشُحّه ما قرأتُه في تاريخ أبي غَالب هَمَّام بن الفَضل بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (١)، سَيَّرَهُ إلىَّ بعضُ الشِّرَاف بحَلَب، قال: وكان سَيْفُ الدَّوْلَة قد أقْطَعَهُ -يعني المُتَنَبِّي- ضَيْعَةً تُعرفُ ببَصِّف (٢)، من ضِيَاع مَعَرَّة النُّعْمَان القِبْليَّة، فكان يترَدَّدُ إليها، وكان يُوْصَف بالبُخْل، فمِمَّا ذُكِرَ عنه ما حَدَّثُوه جَمَاعَةٌ من أهل بَصِّف أنَّ كَلبًا من كِلَاب الضَّيْعة المَعْروفة بصَهْيَان كان يَطْرقُ تِيْنَ بَصِّفَ، فذُكِر ذلك لأبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي، فقال للنَّاطُور: إذا جاء الكَلْبُ فعرِّفني به، فلمّا جاء عَرَّفَهُ، فقال: شُدُّوا على الحِصَان، وخرَجَ إليهِ فطَرَدَهُ أمْيَالًا، ثمّ عاد لا يَعْقِلُ من التَّعَب، وقد عَرِقَ فَرَسهُ، فقال له أهلُ بَصِّف: يا أُستاذُ، كيف جَرَى أمرُ الكَلْب؟ فقال: كأنَّهُ كان فَارِسًا مرَّةً! إنْ جئتُهُ بالطَّعْنَة عن اليَمِيْن عاد إلى الشَّمال، وإن جئْتُه من الشَّمَال عادَ إلى اليَمِين. قال أبو [غَالِب] هَمَّام المَعَرِّيّ: وَحَدَّثُوا عنه أنَّ أبا البهيء بن عَدِيٍّ، شَيْخَ رَفَنِيَّة، كان صَدِيْقًا له، فنَزل عنده ببَصِّف، فسَمِعُوهُ وهو يَقُول له: يا أبا البَهِيء، أَوْجِز في أكْلكَ؛ فإنَّ الشَّمْعَة تَتْوَا. وسَمعُوه يُحاسِبُ وَكِيْلًا له وهو يَقُولُ: والحَبَّان ما فَعَلَتَا؟ يَعْنِي: فضَّةً. أَخْبَرَنِي يَاقُوت بن عَبْد اللهِ مَوْلَى الحَمَوِيِّ، قال: قَرَأتُ في أخْبَار المُتَنَبِّي

стр. 813

تَصْنيف أبي القَاسِم عُبَيْد الله بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانيّ (١)، قال: وأخبرني أبو الحَسَن (a) الطَّرائفِيّ ببَغْداد أنَّهُ قال: رَأَيْتُ المُتَنَبِّي وقد مَدَح رَجُلًا بقولهِ: [من البسيط] انصُرْ بجُودكَ ألْفَاظًا تَرَكْتَ بها … في الشَّرْقِ والغَرْبِ مَنْ عَادَاكَ مَكْبُوتا. فقَدْ نَظرتُكَ حتَّى حانَ مُرْتَحَلٌ … وذا الوَدَاعُ، فكُنْ أهْلًا لِمَا شِيْتا فأُعْطِي دون الخَمْسة دَراهم وقبِلَها. قال: وأخبرني الطَّرائفِيّ، قال: حَدَّثَنِي المُتَنَبِّي، قال: أوَّل يَوْم وصَلْتُ بالشِّعْر إلى ما أردتُه، أنِّي كُنتُ بدِمَشْقَ، فمدحْتُ أحد بَنِي طُغْج بقَصِيدَتِي الَّتي أَوَّلُها (٢): [من الطّويل] أيا (b) لَائِمِي إن كُنْت وقتَ اللَّوَائِمِ … عَلِمْتَ بما بي بَيْنَ تلكَ المَعَالِمِ فأثابني المَمْدُوح بمائةِ دِينارٍ، ثمّ ابيَضَّتْ أيَّامي بعدَها. قال أبو القَاسِم بن عبد الرَّحيم (٣): واتَّصل بعدَ هذا بأبي العَشَائر الحُسَيْن بن عليّ بن الحُسَيْن بن حَمْدَان، ونفَق عليه نفاقًا تامًّا، فأجرى ذِكْرَهُ عندَ سَيْفِ الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن حَمْدَان، فأمرَهُ بإحْضَارِه عنده، فاشتَطَّ المُتَنَبِّي عليه، واشْترط أن يُنْشدَهُ جالِسًا (c)، وأنْ لا يُكلَّفَ تَقْبِيل الأرْض بين يديه، فأجابَهُ إلى ذلك، وأنْشَدَهُ، فصَادف من سَيْف الدَّوْلَة رجُلًا قد غُذِيَ بالعِلْم، وحُشِي

стр. 814

بالفَهْم، فأعجبَهُ شعرُهُ، واسْتَخْلَصَهُ لنَفْسِه، وأجْزَل عَطاءَهُ، وأكرَمَ مَثْواهُ، ووصلَهُ بصلَاتٍ كَثِيْرة، وسَلَّمَهُ إلى الرَّوَّاضِ فعَلَّمُوه الفُرُوسِيَّة، وصَحِبَ سَيْفَ الدَّوْلَة في عِدَّة غزَواتٍ إلى بلد الرُّوم؛ منها غَزْوةُ الفناء التي لم يَنْجُ منها إِلَّا سَيْف الدَّوْلَة بنَفْسه، وأخذَتْ عليه الرُّوم الطُّرُقَ، فجَرَّد السَّيف وحمل على العَسْكَر، وخَرَقَ الصُّفُوف ونَجَا بنَفْسه. قرأتُ بخطِّ مُحمَّد بن علىّ بن نَصْر الكاتِب في كتابه المَوْسُوم بالمُفَاوضَة (١)، وأَخْبَرَنَا به أبو حَفْص عمر بن مُحمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَد وغيره، إجَازَةً، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن عبد الباقي الأنصاريّ، قال: أنبأنا أبو غالب بن بِشْرَان، قال: أَخْبَرَنَا ابن نَصْر، قال: حَدَّثَنِي أبو القَاسِم الرَّقِّيّ المُنَجِّم، عن سَيْف الدَّوْلَة: أنَّه انهَزَم في بعض السنين، وقد حُلِّلَت الصَّنَاديقُ عن بِغالِه في بعض دُرُوب الرُّوم، وأنَّها مَلأتِ الدُّرُوب، وكان على فَرَسٍ له يُعْرف بالثُّريَّا، وأنَّهُ حَرَّكَ عليها نحو الفَرْسَخ حتَّى نزل، ولم يَعثُر ولم يتَلَعْثم، وأخْبَرنِي أنَّه بقي في هذه السَّفْرَة في تسَعَة أنْفُسٍ أحدُهم المُتَنَبِّي، وأنَّه كان يُحَدِّث أبا عَبْد الله بن خَالَوَيْه النَّحَوِيّ حديث الهَزِيمَة، وأنَّ المُتَنَبِّي كان يجري بفَرَسه، فاعْتَلَقَتْ بِعِمَامَته طاقَةٌ من الشَّجَر المَعْرُوف بأُمِّ غَيْلَان، فكُلَّما جَرى الفرسُ انتشرت العِمَامَةُ، وتخيَّل المُتَنَبِّي أنَّه قد ظُفِرَ بِه، فكان يَصِيْح: الأمان يا عِلْج! قال: فهَتَفْتُ به وقُلْتُ: أيَّما عِلْج؟ هذه شَجَرَةٌ قد عَلِقَت بعِمَامَتِك، فوَدَّ أنَّ الأرْضَ خاسَتْ (a) به، وما سَمِعْتُه يقول ذلك، فقال

стр. 815

له ابنُ خَالَويه: أيُّها الأَمِيرُ، أفلَيْسَ قام مَعك حتَّى بقى في تسعة أنْفُسٍ؟ تكفيه هذه الفَضِيلَةُ!. وقرأتُ في مَجْمُوعٍ بِخَطِّ بعض الفُضَلَاء أنَّه لَمَّا فَعَل ذلك، لَحقَهُ سَيْفُ الدَّوْلَة وضحك منهُ وقال له: يا أبا الطَّيِّب أين قَوْلُك (١): [من البسيط] [فـ]ـالخَيْلُ واللَّيلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي … والطَّعْنُ والضَّرْبُ والقِرْطاُس والقَلَمُ ولم يَزَل يَضْحَكُ منه بَقِيَّة يَوْمه في مُنْهَزَمِه. أنبأنا أبو الحَسَن عليّ بن أبي عَبْد اللهِ بن المُقَيِّر، عن أبي عليّ الحَسَن بن جَعْفَر بن المُتَوَكِّل البغداديّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: حَدَّثَنِي الشّيخ الإمام الفَصِيحِيُّ وقتَ قراءتي عليهِ ديوان أبي الطَّيِّب أحْمَد بن الحُسَيْن المُتَنَبِّي -وهو ابنُ عيدان السَّقَّاء- قال: قَدِمَ بعضُ الأشْرَاف من الكوفة، فدخل إلى مَجْلسٍ فيه المُتَنَبِّي، فنهَضَ النَّاسُ كُلُّهم له سوى المُتَنَبِّي، فجعَل كُلّ واحدٍ من الحاضِرين يسألُه عن الأحْوَالِ بالكُوفَة، وما تجدَّدَ هناك، فقال له المُتَنَبِّي: يا شَرِيف، كيف خلَّفْتَ الأسعار بالكُوفة؟ فقال: كل راوِيةٍ برِطْلَين خُبْز! فأخْجَلَهُ. وقصد الشَّريف أن يُعَرِّض بأنَّ أباه كان سَقَّاءً (٢). ذكَرَ ابن فُورَجَة في التَّجَنِّي على ابن جِنّي وقال: وأمّا مَحَلُّهُ -يعني المُتَنَبِّي- في العِلم، فقال الحَسَنُ بن عليّ بن الحلَّاب (a): سمعته يقول: من أراد أنْ يُغْرب عليَّ بَيْتًا لا أعْرِفُه فليفعل، قال: وهذه دَعْوى عظيمة، ولا رَيْب أنَّه صَادِق فيها. وأُخْبِرتُ عن أبي العَلاء بن سُلَيمان المَعَرِّيّ أنَّهُ كان يُسَمِّي المُتَنَبِّي: الشَّاعر، ويُسَمِّي غيره من الشُّعراء باسْمِهِ، وكان يقُول: ليس في شِعْره لَفْظَةٌ

стр. 816

يُمْكن أن يُغْرمَ عنها ما هو في مَعْناها. وقَرأتُ في بعض كلام أبي العَلَاء: قد عُلِمَ أنَّ أحْمَد بنَ الحُسَين كان شَديد التَّفَقُّد لِمَا يَنْطقُ به من الكَلَام، يُغَيِّرُ الكَلِمَةَ بعد أن تُرْوَى عنهُ، ويفِرُّ من الضَّرورَة وإنْ جَلَبَ إليها الوزنُ. سَمِعْتُ شَيْخَنا ضِيَاءَ الدِّين الحَسَن بن عَمْرو المَوْصِليِّ، المَعْرُوفُ بابنِ دُهْن الحَصَا يقول: كان أبو العَلَاء المَعَرِّيَ يُعَظِّم المُتَنَبِّي ويقُول: إيَّاي عَنَى بقَوْلِه (١): [زمن البسيط] أنا الّذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أَدَبي … وأَسْمَعَتْ كَلِمَاتي مَنْ بِهِ صَمَمُ أنْبَأنَا أحْمَدُ بن أزْهَر بن عبد الوهَّاب السَّبَّاكُ، قال: أخْبَرنا أبو بكر مُحَمَّدُ بن عبد البَاقِي الأنْصَاريّ، إجَازَةً، عن أبي علىّ التَّنُوخِيّ، قال: حَدَّثَني أبو عبد الله الحُسَينُ بن مُحَمَّد بن الصَّقْرِ الكَاتِبُ -رَجُلٌ من أهل مَعَلْثَايا (a)، وممَّن نَشَأَ بالمَوْصِل، وكان أبوه عاملًا لسَيْف الدَّوْلَة على أَنْطاكِيَة، وهو من أهل الأدَب- قال: جَرَي ذِكْرُ أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي بين يدي أبي العبَّاس النَّامِيِّ المِصِّيْصيّ، فقال لي النَّاميِّ: كانَ قد بَقيَ من الشِّعْر زاويةٌ دَخَلها المُتَنَبِّي. قال: وقال لي في هذا المَجْلِس: كنتُ أشْتَهي أنْ أكونَ قد سبَقْتهُ إلى مَعْنَيَيْن قالهما ما سُبِقَ إليهما، ولا أعْلم أنَّ أحدًا أخْبَر عنهما (b) قبلَهُ، فقُلتُ: ما هُما؟ قال: أمَّا أحَدُهما فقَوْله (٢): [من الوافر] رَمانِي الدَّهْرُ بالَأرْزَاءِ حتَّى … فُؤادِيَ في غِشَاءٍ من نِبَالِ

стр. 817

والآخر قولُهُ (١): [من الكامل] في جَحْفلٍ سَتَر العُيُونَ غُبَارُهُ … فكأنّمَا يُبْصِرْنَ بالآذَانِ أخبرني ياقُوتُ بن عبد الله الحَمَوِيُّ، قال: حَكَي لي بَعْضُ الفُضَلَاءِ في المُذَاكَرَة، قال: لمَّا وَرَد المُتَنَبِّي إلى شِيْرَاز مَادِحًا لعَضُد الدولة، كان يَجْتازُ على مَجْلس أبي عليّ وقد اجتمع إليه أعيانُ أهل العلم، وكان زيُّ المُتَنَبِّي زِيًّا عجيبًا؛ يلبَسُ طُرْطُورًا طويلًا وقَبَاءً، ويعمل له عَذَبَةً طويلةً تَشَبُّهًا بالأعراب، فكان أبو عليّ يَسْتَثْقلهُ، ويَكْرهُ زِيَّهُ، ويَجِدُ في نفسه نُفُورًا منه، وكان إذا اجتاز عليهم يَقُول أبو علىّ لتَلَامِيْذه: إذا سَلَّمَ عليكُم فأوْجزُوا في الرَّدِّ لئلا يَسْتَأنس فيَجْلِس إلينا، وكان أبو الفَتْح عُثْمانُ بن جِنِّي يُعْجَبُ بشِعْره ويُحِبُّ سَماعَهُ، ولا يَقْدر على مُرَاجَعة شَيْخهِ فيه، فقال أبو عليّ يَوْمًا: هاتُوا بيتًا تُعْربونَهُ، فابْتَدَرَ أبو الفَتْح فأنْشَدَ للمُتَنَبِّي (٢): [من الخفيف] حُلْتِ دونَ المَزَار، فاليْوْمَ لو زُرْ … تِ لَحَالَ النُّحُولُ دونَ العنَاقِ فقال أبو عليّ: أَعِد، أَعِد! فأعَادَهُ، فقال: وَيْحَكَ، لمَن هذا الشِّعْر فإنَّهُ غَرِيْبُ المَعْنَى؟ قال: هو للّذي يقُول (٣): [من الكامل] أَمْضَى إرادَتَهُ فسَوْفَ لهُ قَدٌ … واسْتَقْرَبَ الأقْصَى فثَمَّ لَهُ هُنَا قال: فازْدَاد أبو علىّ عُجبًا وقال: ما أَعْجبَ هذه المعاني وأغربها، مَنْ قائلُها؟ قال: الّذي يقول (٤): [من الطويل] ووضْعُ النَّدَى في مَوضع السَّيْف بالعُلَى … مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْف في مَوضع النَّدَي

стр. 818

قال: فاسْتَخفَّ أبا علىّ الطَّرب وقال: وَيْحَك، من قائل هذا؟ قال: الّذي يقول: قال: ونَسِي البَيْت الّذي أنشَدَه - قال: فقال أبو علىّ: أحْسَنَ والله، وأطَلْتَ أنتَ، مَنْ يكون هذا؟ قال: هو صاحبُ الطُّرْطُور الّذي يَمُرّ بكَ فتَسْتَثْقلهُ ولا تُحبّ مُحاضَرتَهُ، قال: وَيْحَك، أهذاكَ يقول هذا؟! فقال: نعم، قال أبو علىّ: والله ما ظَنَنْتُ أنَّ ذلك يأتي بخَيْر أبدًا، إذا كان في الغَد ومَرَّ بنا فاسْأَلُوه أنْ يجلِسَ إلينا لنَسْمَعَ منه، فلمَّا كان في الغَد، ومَرَّ بهم، كلَّمُوهُ وسألُوهُ النُّزُول عندهم ففَعَل، واسْتَنْشَدَهُ أبو عليّ، فملَأ صَدْرَهُ، وأحَبَّهُ وعَجِبَ منه ومن فَصَاحَته وسَعَة عِلْمِهِ، فكَلَّم عَضُدَ الدَّوْلَة فيه حتَّى أحسَنَ إليه وضَاعفَ جائزَتَهُ. قُلتُ: وهذه الحِكايَةُ لا يَقْبلها القَلْب، ولا تكادُ تَثْبتُ؛ فإنَّ أبا عليّ الفارسيِّ كان يعرف المُتَنَبِّي قبل أن يصير بِشيْرَاز حين كانا بحَلَب. وقد حكى أبو الفتح عثمان بن جِنِّي عن أبي عليّ الفَارِسيِّ في كتاب الفَسْر (١) ما يشهد بخلاف ما تضمَّنتهُ الحكاية: قال أبو عليّ: خرجتُ بحَلَبَ أُريدُ دار سيف الدَّولة، فلمَّا برزتُ (a) من السُّور، إذا أنا بفَارس مُتَلَثِّم قد أهْوَى نحوي برُمْح طويل (b)، فكِدتُ أطرَحُ نفسي من (c) الدَّابَّةِ فَرَقًا، فلمَّا قَرَّبَ منِّي ثَنَي السِّنَانَ، وحسَرَ لثامَهُ، فإذا المُتَنَبِّي، وأنشدني (٢): [من الطويل] نثرت رُؤوسًا بالُأحَيْدِب منهُمُ (b) … كما نُثِرَتْ فَوْق العَرُوس الدَّراهِمُ ثم قال: كيف تَرى هذا القَوْلَ، أحَسَنٌ هُو؟ فقُلتُ: وَيْحَك، قتلْتَني يا رَجُل!.

стр. 819

قال ابنُ جِنِّي: فحكيتُ هذه الحكاية بمدينة السَّلام لأبي الطَّيِّب، فعَرَفَها، وضَحِك لها، وذكر أبا علىٍّ بالثَّناء والتَّقْرِيْظ بما يُقال في مثله. وجَرَى للمُتَنَبِّي مع ابن خَالَوَيْه مثل هذه الوَاقِعَة الّتي حَكَاها أبو عليّ؛ فإنَّني نَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ الكِنَانِّي المالِكيِّ (١) من كتابه المَوْسُوم بالبِدَايَة والنِّهايَة في التَّاريخ، قال فيه: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني -وبَيَّضَ ولم يَذْكر من حدَّث أبَاهُ- قال: حدَّثني ابنُ خَالَوَيْه، وكان نَدِيْمًا ومُجَالسًا لسَيْف الدَّوْلَةِ، قال: خَرَجْتُ في بعض الأيَّام إلى ظاهر حَلَب، فقَعَدْتُ أُطالِعُ في كتاب، وأنْظُر إلى قُوَيْق، فما رَفَعْتُ رأسي إلَّا من وَقْعِ فَرَسٍ، فَنَظرْتُ، فإذا بفَارس مُسَدِّد نَحْوي رُمْحَهُ، فقُلتُ: والله ما أعرفُ بيني وبين أحدٍ من النَّاس ما يُوجب هذا ورأيت الفارس مُتَلثِّمًا، فلمَّا دَنَا حَطّ لثَامَهُ فإذا بأحمد بن الحُسَين المُتَنَبِّي، فسَلَّم علىَّ، فرددتُ السَّلام وجارَيْتُهُ الحديث، فقال: كيف رأيتَ قَصِيْدَتي التي أنْشَدتُها أوَّل أمْس الأمِيرَ سَيْف الدَّوْلَة؟ فقُلتُ: والله إنَّها لمَلِيْحَة، وإنَّ أوَّلها لا يحتاجُ إلى تمامٍ في قَوْلك (٢): [من الطويل] على قَدْر أهْل العَزْم تأتي العَزَائم وفيها كَذَا وكذا، فقال: ما رأيتَ إلَّا مليحًا، والّذي فيه ما سبقني إليه من أحسن فيه من ذكر الدَّرَاهِم فإنَّها لا تأتي في شِعْر إلَّا بَرَّدَتْهُ وضَعَّفَتْهُ، إلَّا ما جاءني (٣): [من الطويل]

стр. 820

نَثَرتَهُمُ فوقَ الأحَيْدِبِ نَثْرةً … کما نُثِرَتْ فوقَ العَرُوس الدَّرَاهِمُ أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد اللَّطِيْف بن يُوسُف بن علىّ إذْنًا، عن أبي الفَتْح محمد بن عبد الباقي بن البَطِّيّ، عن أبي نَصْر الحُمَيْدِيّ، قال: أخبرَنا غَرْسُ النِّعْمَةِ مُحَمَّد بن هِلِّل المُحَسِّن بن أبي إسْحاق الصَّابِئ، قال: وحدَّثَني ﵁ -يعني أباهُ هِلِّل بن المُحَسِّن- قال: حَدَّثَني أبو إسْحاق جَدِّي، تَجَاوَزَ اللهُ عنهُ، قال: لمَّا وَرَدَ أبو الطَّيِّب أحْمَدُ بن الحُسَين المُتَنَبِّي إلى بَغْدَاد مُتَوَجِّهًا إلى حضرة المَلِك عَضُد الدَّوْلَة بفارِسَ، أعدَّ له أبو مُحَمَّد عَشرة آلاف دِرْهَم وثيابًا كثيرةً مقطوعةً وصحاحًا، وفرسًا بمركب ليُعْطِيَهُ ذلك عند مَديحهِ له، فأخَّر المُتَنَبِّي من ذاك ما كان مُتوقّعًا منه، وحَضَر مجلس أبي محمد للسَّلام عليه الّذي لم يخلط به غيرَهُ، فغَاظ أبا مُحمَّد فعْله، وخاطَبت المُتَنَبِّي على استِعماله ما استعمل وتأخيره من خدمة الوزير ما أخَّر، فقال: لم تَجْر عادَتي بمدح مَنْ لم يتقدَّم له إليَّ جَمِيلٌ، فقُلتُ: إنَّ الوَزِير شديدُ الشَّغَف بَمْوردِكَ، ومُعْتَقد فيكَ الزِّيادَة بك على أملكَ، والامْتناع من خِدْمته إلَّا بعد الاستسْلَاف لصلته غير مُسْتَحْسن منك بل مُسْتَقْبح لك، فقال: ليس إلى مخالفة عادتي سبيل. واتَّصَلَ ذلك بأبي محمد من غير جِهَتي، فأكَّدَ غَيْظَهُ، وأظْهَر الإمْلَال بهِ، والاطِّرَاح له، وفرَّق ما كان أعدَّهُ على الشُّعراء، وزادَهُم، مُدَّة مقام أبي الطَّيِّب، من الإحْسان والعَطَاءِ، وتَوَجَّه أبو الطَّيِّب إلى شِيْرَاز، ثمّ عاد منها، فكانت وفاتُهُ في الطَّريق بين دَيْر العَاقُول ومَدِيْنَة السَّلام، على ما شُرِحَ في أخْبَاره؛ وقد كان أبو محمد اعْتَقَد أنْ يَقْطَعَهُ بالفَعَال الجَمِيل، والحِبَاء الجَزِيْل عن قصْدِ شيْرَاز، فلمَّا جَرَى أمُرُه على ما جَرَى، تغَيَّرتْ نِيَّتُهُ، واسْتَحالَتْ تلك العزيمة منهُ. قُلتُ: وهذا الوَزِير أبو مُحمَّد هو المُهَلَّبيّ.

стр. 821

قال: وحَدَّثَني، قال: حدثني أبو عليّ والدي، قال: حدثني أبو إسحاق والدي، قال: راسلتُ أبا الطَّيِّب المُتَنَبِّي في أن يمدحني بقصيدتين، وأعطيتُهُ خَمْسَة آلاف دِرْهَمٍ، ووسَّطتُ بيني وبينَهُ صديقًا له ولي، فأعاد الجواب بأنني ما رأيت بالعراق من يستحق المدح غيرك، ولا مَنْ أوْجب عليَّ حقًّا سواك، وإنْ أنا مدحتُكَ تنكَّر لك الوزير أبو محمد المُهَلَّبيّ لأنَّني لم أمْدَحهُ، وجرى بيننا في ذاك ما قد عرفته، فإنْ كُنتَ لا تُراعي هذه الحال، ولا تُباليها فعلْتُ ولم أرد منك عوضًا من مالٍ. قال: فنبَّهني والله إلى ما كان ذَهَبَ عنِّي، وعلي أنه نصحني، فلم أعاوده.

стр. 822

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبِهِ تَوْفِيقِي وذَكَرَ عليّ بن عِيسَى الرَّبَعيِّ في كتاب التَّنْبِيهِ الّذي ردَّ فيه على ابن جِنِّي في كتاب الفَسْر، قال: كنتُ يومًا عند المُتَنَبِّي بشيْرَاز، فقيل له: أبو عليّ الفارسيِّ بالباب، و كانت بينهما مودَّةٌ، فقال: بادِرُوا إليه فأَنْزِلُوهُ، فدخل عليه أبو عليّ وأنا جالسٌ عندهُ، فقال: يا أبا الحَسَن، خُذ هذا الجُزءَ، وأعطاني جُزءًا من كتاب التَّذْكِرَة، وقال: اكْتُب عن الشَّيْخ البَيْتين اللَّذين ذَاكرتُكَ بهما، وهما (١): [من الطويل] سَأَطلُبُ حَقِّي بالقَنَا ومَشَايخٍ … كأنهُمُ من طُولِ ما الْتَثَموا مُرْدُ ثقَالٍ إذا لاقَوا، خِفَافٍ إذا دُعُوا، … كَثِيْرٍ إذا شَدُّوا، قَلِيلٍ إذا عُدُّوا فهما مُثْبَتان في التَّذْكرَة بخَطِّى، قال: وهذا من فعْل الشَّيْخ أبي علىّ الفَارسيِّ عظيمٌ، قال الرَّبَعيُّ، وكان قَصْدُ أبي عليّ الفارِسِيّ نَفْعُهُ لا التَّأدُّب والتَّكثُّرُ، وأيًّا قَصَدَ فهو كَثِيْرٌ. قرأتُ بخطِّ يَحْيَى بن سَلامَةَ بن الحُسَين بن مُحَمَّد الحَصْكَفيِّ في تَعْلِيق له، حُكي أنَّ السَّرِيَّ الرَّفَّاءَ حين قصَدَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ ابن حَمْدَان، ﵀ أنشَدَهُ بَدِيْهًا بَيْتَيْن هُما (٢): [من الكامل] إنِّي رأيتُكَ جالسًا في مَجْلِسٍ … قَعَدَ المُلُوكُ به لدَيْكَ وقَامُوا فكأنَّكَ الدَّهْرُ المُحِيْطُ عليهم … وكأنَّهُم من حَوْلكَ الأيَّامُ ثُمَّ أنْشَدَهُ بعد ذلك ما كانَ قال فيهِ منَ الشِّعْر، وبعد يَوْمَيْن أو ثلاثةٍ

стр. 823

أنْشدَهُ أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي (١): [من الوافر] أيَدْري الدَّمْعُ (a) أيَّ دم أرَاقَا إلى أنْ انْتَهى إلى قولهِ (٢): وخَصْرٌ تَثْبُتُ (b) الأبْصَارُ فيهِ … كأنَّ عليه من حَدَقٍ نِطاقَا قال: فقال السَّريُّ هذا والله مَعْنًى ما قَدِرَ عليه المُتَقدّمُون، ثمّ إنَّهُ حُمَّ في الحالِ حَسَدًا، وتَحَامَلَ إلى منزله، فماتَ بعد ثلاثة أيَّامٍ. قُلتُ: هكذا وجدته بخط الحَصْكَفيِّ. والمُتَنَبِّي فارَقَ سَيْفَ الدَّولة في سنة ستٍّ وأربعين وثَلاثِمائة، والسَّرِيّ تُوفِّي بُعَيْدَ سَنة ستِّين وثَلاثِمائةَ ببغداد على ما نَقَلَهُ الخطيبُ في تاريخه (٣)، وقيل: سنة اثنتين وستِّين وثلاثِمائة، فعلى هذا لا يكُون لهذه الحكاية صحَّةٌ. وقد نقل أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب السَّقَطِيّ في تاريخه المُسَمَّى بلَوَامع الأُمُور (٤) أنَّ السَّرِيّ تُوفِّي سَنَة أرْبَعٍ وأربعين وثلاثمائة، فعلى هذا تكون هذه

стр. 824

الحكايةُ محتملة الصحة بشرط أن يكون موتُ السَّرِيّ بالشَّام، ولم يُنْقَل ذلك كيف، وهو أنَّ هذه القَصِيدَة من أوَّلِ شِعْر أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي في سَيْف الدَّوْلَة واللهُ أعلَمُ. أخْبَرَنا ياقُوت بن عبد الله الحَمَوِيّ، قال: وحدَّثَ أبو العبَّاس أحمد بن إبراهيم الضَّبِّيُّ أنَّ الصَّاحب إسماعيل بن عبَّاد قال بأصبهان، وهو يومئذٍ على الإنشاءِ: بلغني أنَّ هذا الرَّجُلَ -يعني المُتَنَبِّي- قد نزل بأرَّجَانَ مُتَوجِّهًا إلى ابن العميد، ولكن إن جاءني خرجتُ إليه من جميع ما أملكُه، وكان جميعُ ما يملكه لا يبلغ ثلاثمائة دينارٍ، فكنا نَعْجَبُ من بُعْدِ همَّتِهِ وسُمُوِّ نفسه، وبلغ ذلك المُتَنَبِّي، فلم يُعَرِّج عليه، ولا التفت إليه، فحقَدها الصَّاحبُ حتى حمله على إظهار عُيُوبه في كتابٍ ألَّفَهُ (١)، لم يصنع فيه شيئًا، لأنَّه أخذ عليه مواضع تَحَمَّل فيها عليه. أخْبَرَني بعضُ أهلِ الأدَب، قال: وجَدتُ في كتاب بَعْض الفُضَلَاء عن أبي القَاسِم عبد الصَّمد بن بَابَك، قال: قال أبو الفتح بن جِنِّي: كنتُ أقرأُ ديوان أبي الطيب عليه، فقرأتُ قوْلَهُ في كافور (٢): [من الطويل] أُغَالِبُ فيكَ الشَّوْقَ، والشَّوْقُ أغْلَبُ … وأعجَبُ مِن ذَا الهَجْر، والوَصْل أعْجَبُ حتَّى بلَغْتُ إلى قوله (٣): ألَا لَيْتَ شِعْري هَل أَقُولُ قَصِيْدَةً … فلا أَشْتَكِي فيها ولا أتَعَتَّبُ وبي ما يَذُودُ الشِّعْرَ عَنِّي أَقَلُّهُ .... ولكنَّ قَلْبي يا ابنَةَ القَوْم قُلَّبُ فقُلتُ لهُ: يَعزُّ عليَّ! كيف يكونُ هذا الشِّعْرُ في مَمْدُوح غيرِ سَيْفِ الدَّوْلَة؟

стр. 825

فقال: حذَّرناهُ وأَنْذَرناهُ فما نفَعَ، ألَسْتُ القائل فيه (١): [من الطويل] أخَا الجُود (a) أعْطِ النَّاسَ ما أنتَ مَالكٌ … ولا تعْطيَنَّ النَّاسَ ما أنا قَائلُ فهو الّذي أعْطاني لكَافُور بسُوء تَدْبِيره وقِلَّة تَمْيزه (٢). وأحضَرَ إلىَّ عماد الدِّين أبو القَاسِم عليّ بن القاسم بن عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ، وقد قَدِمَ علينا حلب في رحلته إلى خُرَاسَان، جُزءًا في أخبار سيف الدَّولة ابن حَمْدَان تأليف أبي الحَسَن عليّ بن الحُسَين الدَّيْلَميِّ الزَّرَّاد (٣)، فَنَقَلْتُ منهُ: وكان لسيف الدَّوْلَة مَجْلسٌ يحضُرهُ العُلَمَاءُ كُلّ لَيْلَةٍ فيتكَلَّمُونَ بحضرته، وكان يَحْضُره أبو إبراهيم، وابنُ مائِل القَاضِي، وأبو طَالِب البَغْدَاديّ، وغيرهم، فوقع بين المُتَنَبِّي وبين أبي عبد الله الحُسَين بن خَالَوَيْه کلامٌ، فَوثَبَ ابنُ خَالَوَيْه على المُتَنَبِّي فَضَرَبَ وَجْهَهُ بمفتاحٍ كان معَهُ، ففَتَحَهُ (b)، وخَرَجَ دمُهُ يَسِيْلُ على ثيابهِ وغَضِب، فَمضى إلى مِصْرَ، فامتدح كافورًا الإخْشِيْذيّ. أنْبَأنَا أبو القاسم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد القاضي، عن أبي الحسن عليّ بن أحمد بن منصور الغَسَّانيِّ، وأبي الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم السُّلَميِّ، قال: أخبرنا أبو نصر بن طَلَّاب، قال: أمْلَى علينا أبو عبد الله المُحَسِّن بن عليّ ابن كَوْجَك، وأخبرنا أنَّ أباهُ حدَّثَهُ، قال: كُنْتُ بحَضْرَة سَيْف الدَّولة وأبو الطَّيِّب اللُّغَويّ

стр. 826

والمُتَنَبِّي وأبو عبد الله بن خَالَوَيْه، وقد جَرَت مسألة في اللَّغة تكلَّم فيها ابن خَالَوَيْه مع أبي الطَّيِّب اللُّغويّ، والمُتَنَبِّي ساكتٌ، فقالَ له الأمير سَيْف الدَّوْلَة: ألَا تتكلَّم يا أبا الطَّيِّب، فتكلم فيها بما قوَّي حُجَّة أبي الطَّيِّب اللُّغويّ، وأضْعَفَ قول ابن خَالَوَيْه، فَحَرِدَ منه وأخرج من كُمِّهِ مِفْتاح حديد لبيته ليَلْكُم به المُتَنَبِّي، فقال له المُتَنَبِّي: اسكت، ويْحَك، فإنَّك عَجَميٌّ، وأصْلُكَ خُوْزِيٌّ، وصَنْعَتُكَ الحِيَاكَة! فما لكَ وللعربيَّة؟. ودفع إلىَّ بَعْضُ الشِّرَاف من أهل حَلَب كتابًا فيه تاريخٌ جَمَعَهُ أبو غَالِب هَمَّامُ بن الفضل بن جعفر بن عليّ بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (١)، قال في حوادث سنة سَبْعٍ وثلاثين وثلاثمائة، وفيها: وصل أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي الشاعر إلى سيف الدولة ومَدَحَهُ بالقَصِيدَة المِيْمِيَّة (٢): [من الطويل] وفَاؤكُما كالرَّبْع أشْجَاهُ طَاسِمُهُ بعد انْصرَافه من حِصْن بَرْزَوَيْه. وقال في حوادث سنة ستٍّ وأربعين وثلاثمائة: فيها سار المُتَنَبِّي من الشَّام إلى مصر. ووقع إلىَّ أجْزاء من تاريخ مُخْتَار المُلْك مُحَمَّد بن عُبَيْد الله بن أَحْمَد المُسَبِّحيّ (٣)، فقرأتُ فيه قصيدةً لأبي الطَّيِّب يَرْثِي بها أبا بكر بن طُغْج الإخْشِيْذ، ويُعَزِّي ابنه أُونُوجُور بِمصْر في سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين وثَلاثِمائة، والقَصِيدَة ليْسَتْ في

стр. 827

ديوان شِعره، فقد كان أبو الطَّيِّب صَعِدَ إلى مِصْر مرَّةً أُخرى قبل هذه المَرَّة الّتي ذكرناها، وأول القصيدة (١): [من البسيط] هو الزَّمانُ مُشِتٌّ (a) بالّذي جَمَعا … في كُلِّ يَوْم تَرَى من صَرْفِهِ بِدَعَا إنْ شئْتَ مُتْ أَسَفًا أو فابْقَ مُصْطَبرًا (b) … قد حَلَّ ما كُنتَ تَخْشَاه وقد وقعا (c) لو كان مُمْتَنِعٌ تُغْنِيه مَنْعَتُهُ … لم يَصْنَع الدَّهْر بالإخْشِيْذ ما صَنَعَا وهي طويلةٌ. وقرأتُ في كتاب أبي القاسم يحيى بن عليّ الحضرميّ (٢)، الّذي ذَيَّل به تاريخ أبي سعيد بن يُونُس، وذكَر فيه مَنْ دخل مِصْر من الغُرَباء، فقال: أحمد بن الحُسَين بن الحَسَن الكُوْفيّ الشَّاعر، أبو الطَّيِّب، يُعرفُ بالمُتَنَبِّي، رَحَلَ من مِصْر سِرًّا من السُّلطان ليلة النَّحْر سنة خمسين وثلاثمائة، ووجَّه الأستاذ كَافُور خَلْفَهُ رَوَاحلَ إلى جهاتٍ شتَّى، فلم يُلْحَق. أنشَدَنا علىّ بنُ أحْمَد المَادَرَائيّ، قال: كَتَبَ إلىَّ أبو الطَّيِّب أحمد بن الحُسَين

стр. 828

المُتَنَبِّي في حَاجَةٍ كانتْ له إلىَّ بالرَّملَة (١): [مجزوء الكامل] إنِّى سَأَلتُكَ بالّذي … زَان الإمَامَةَ بالوَصِي وأبانَ في يَوْم الغَدِير … لكُلِّ جَبَّار غَوي فَضْلَ الإمَامِ عليهم … بولاية الرَّبّ العَلِي إلَّا قَصَدْت لحاجَتي … وأعَنْتَ عَبْدَكَ يا عَلِي قال: وكان يَتَشَيَّعُ، وقيل: كان مُلْحِدًا، واللهُ أعْلَمُ. قُلتُ: وَسَنَذْكُر في تَرْجَمَةِ طَاهِر بن الحَسَن بن طَاهِر (٢) حِكايَةً عن الخَالِديَّين تَدُلُّ على أنَّ المُتَنَبِّي كان مُخالِفًا للشِّيْعَة. أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْديِّ، عن الشَّيْخ أبي مَنْصُور مَوْهُوب بن أحمد بن الجَوَالِيْقِيِّ، قال: قال عليّ بن حَمْزَة البَصْرِيّ صاحب أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي -أو غيره ممَّن صَحِبَ المُتَنَبِّي، شَكَّ فيه أبو مَنْصُور- قال (٣): بَلَوتُ من أبي الطَّيِّب ثلاث خِلَالٍ مَحْمُودة، وتلك: أنَّهُ ما كَذَب، ولا زَنَى، ولا لَاط، وبَلَوتُ منه ثلاث خلالٍ ذَمِيْمَة كُلّ الذَّمّ، وتلك: أنَّهُ ما صَام، ولا صَلَّى، ولا قَرَأ القُرْآن. عفا اللهُ عنَّا وعنه آمين. وذكر ابنُ فُوْرَجَةَ في كتاب التَّجَنِّي على ابن جِنِّي، عن أبي العَلَاءِ أحْمَد بن عَبْد الله بن سُلَيمان المَعَرِّيّ، عن رَجُل من أهل الشام كان يتوكَّل لأبي الطَّيِّب (a) في داره، يُعْرَفُ بأبي سَعْد، قال: وبقى إلى عَهْدنا، قال: دعاني أبو الطَّيِّب يومًا ونحنُ بحَلَب، أظُنُّه قال: ولم أكُن عرفتُ منه المَيْل إلى الَّلْهو مع

стр. 829

النِّسَاءِ ولا الغِلْمَان، فقال لي: أرأيْتَ الغلام ذا الأصْداغِ الجالس إلى حَانُوْت كَذَا من السُّوق، وكان غُلَامًا وسيمًا فَحَّاشًا فيما هو بسَبِيْله، فقُلتُ: نعم؛ وأعْرِفُهُ، فقال: امضِ فأتِني به واتَّخِذ دعْوةً وأَنْفِق وأَكْثِر، فقُلتُ: وكم قَدْر ما أُنْفقُه، فلم يزدْني على قَوْلِه: أَنْفق وأَكْثِر، وكُنْتُ أَسْتَطلعُ رأيَهُ في جميع ما أُنْفِقُ، فمضَيْتُ، واتَّخذتُ له ثلاثة ألوان من الأطعمة وصحفات من الحَلْوَاء، واسْتَدْعَيْتُ الغُلَام، فأجاب وأنا مُتَعَجِّبٌ من جميع ما أسمَعُ منه، إذ لم تَجْرِ له عادَةٌ بمثله، فعاد من دار سَيف الدولة آخر النهار وقد حضر الغلام، وفُرِغَ من اتِّخَاذ الطعام، فقال: قَدِّم ما يُؤْكل ووَاكِلْ ضَيْفَكَ، فقدمت الطعام فأكلا وأنا ثالثهما، ثم أجَنّ اللَّيلُ، فقدَّمْتُ شمعةً ومرفَع دفاتره، وكانت تلك عادتُهُ كل ليلة، فقال: أحْضِر لضيفِكَ شرابًا واقْعُد إلى جانبه فنادِمْهُ، ففعلْتُ ما أمرني به، كل ذلك وعينه إلى الدَّفْتَر يدْرُس ولا يلتفتُ إلينا إلَّا في الحين بعد الحين، فما شربنا إلَّا قليلًا حتى قال: افرش لضيفك وافرُش لنفسك وبَتْ ثالثنا، ولم أكُن قبل ذلك أُبايتُهُ في بَيْتِه، فَفَعْلتُ وهو يدرسُ حتَّى مضى من الليل أكْثرهُ، ثم آوَى إلى فراشه ونام، فلمَّا أصبحنا قُلتُ له: ما يصنَعُ الضيفُ؟ فقال: احْبُهُ واصْرِفْهُ، فقلتُ له: وكم أُعطيه؟ فأطْرَقَ ساعةً ثم قال: أَنْطِهِ ثلاثمائة دِرْهم، فتعجَّبْتُ من ذلك، ثم جسَّرتُ نَفْسِي فدَنَوتُ إليه وقُلتُ: إنَّهُ ممَّن يُجِيْبُ بالشَّيء اليسير، وأنت لم تَنَلْ منه حظًّا، فقطَّبَ ثم قال: أتظُنُّني من هؤلاء الفسقة، أَنْطِهِ ثلاثمائة درهم ولينصرف راشدًا، قال: ففعَلْتُ ما أمرني به، وصَرَفْتُهُ قال: وهذا من بديع أخباره، ولولا قوَّةُ إسنَادِهِ لما صَدَّقتُ به. أنبأنا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، عن أبي نصر الحُمَيْدِيّ، قال: أخبرني غَرْسُ النِّعْمَة أبو الحَسَن مُحَمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن بن أبي إسْحاق الصَّابِئ، قال: وحدَّثني ﵁ -يعني والده هِلِّل بن المُحَسِّن- قال: حدَّث الرَّضِيُّ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن الحُسَين المُوْسَويّ، قال: حدثني أبو

стр. 830

القاسِم عبد العزيز بن يوسف جَكَّار (a)، قال: لمَّا وصل أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي إلى حضرة عضد الدولة في أول مجلسٍ شاهدهُ فيه، قال لي عَضُد الدَّوْلَة: أخرج واسْتوقفْهُ واسألْهُ كيف شَاهَد مَجْلسنا، وأين الأُمراءُ الّذين لقيَهُم في نَفْسِه منَّا؟ قال: فامْتثَلتُ ما أمرني به، ولحقْتُه وجَلسْتُ معه وحادَثتُه وطاولته وأطَلتُ معه في المعنى الذي ذكرته، فكان جوابه عن جميع ما سمعهُ مني أن قال: ما خَدَمَتْ عَيْنَايَ قَلْبي كاليَوم! فجاء بالجَوَاب مَوْزُونًا، واسْتَوْفي القول في اختصار من اللَّفظ (١). قرأتُ في مجموع صالح بن إبراهيم بن رِشدين بخَطِّه: قال لي أبو نصر بن غِيَاثٍ النَّصْرانيُّ الكَاتِبُ: اعْتَلَّ أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي بمِصْرَ العلَّة التي وصَفَ الحُمَّي في أبْياته من القصيدة المِيْمِيَّة (٢)، فكُنْتُ أُواصِل عيادتَهُ وقَضاء حَقِّهِ فيها، فلما توجَّه إلى الصَّلاح وأبَلَّ، أَغْبَبْتُ زيارتَهُ ثِقَةً بصَلاحه، ولشُغْلٍ قطعَنِي عنه، فكَتَبَ إلىَّ: وصلْتَني -وَصَلَكَ اللهُ- مُعْتَلًّا، وقطَعْتَني مُبِلًّا، فإنْ رأيتَ أن لا تُحَبِّب العِلَّة إلىَّ، ولا تُكَدِّر الصِّحَّةَ عليَّ، فعلْتَ إنْ شَاءَ اللهُ (٣). ونَقَلْتُ من هذا المَجْمُوع بخَطِّه: ذَكَر لي أبو العبَّاس بن الحَوْت الوَرَّاقُ، ﵀، أنَّ أبا الطَّيِّب المُتَنَبِّي أنْشَدَهُ لنَفْسِه هذين البَيْتَيْن (٤): [من الطويل]

стр. 831

تضَاحكَ منَّا دَهْرنُا لعتابِنا … وعلَّمنا التَّمْويهَ لو نَتَعَلَّمُ شريفٌ زُغَاوِيٌّ (a) وزَانٍ مُذَكِّرٌ … وأعمَشُ كَحَّالٌ وأعْمي مُنَجِّمُ أنشدنا أبو حفص عمر بن عليّ بن قُشَام الحَلَبِيّ، قراءةً عليهِ بها، قال: أنْشَدَنا الحافِظُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن عليّ بن ياسر الجَيَّانيِّ الحافِظ، قال: أنشدني أبو القاسم زاهر بن طاهر، قال: أخبرنا أبو الحُسَين البَحِيْرِيّ، قال: أنشدنا مُحَمَّد بن الحُسَين بن مُوسَى السُّلمِيِّ، قال: أنشدني محمد بن الحُسين البغداديُّ، قال: أنشدني المُتَنَبِّي (١): [من الطويل] هَنِيْئًا لكَ العيْدُ الّذي أنْتَ عِيْدُهُ … وعيْدٌ لمَنْ سَمَّي وضَحَّي وعَيَّدَا فذَا اليَوْمِ في الأيَّامِ مِثْلُكَ في الوَرَى … كما كُنْتَ فيهم أوْحَدًا كان أوْحَدَا أخْبَرَنا الشَّيْخ الصالح أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن عُلْوَان الأسَديُّ، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الخطيب، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن منصور بن محمد السَّمْعَانيّ، قال: سمعتُ الشَّيْخ أبا الحسن عليّ بن أحمد المدينيّ، قال: سمعتُ أبا عبد الرحمن السُّلَمِيّ، قال: سمعتُ السَّيِّدَ أبا الحَسَن مُحَمَّد بن أبي إسماعيل العَلَويِّ يقول: دخل المُتَنَبِّي على الأُسْتاذ الرئيس أبي الفَضْل مُحَمَّد بن الحُسَين، وبينَ يَدَيْهِ مَجَامِرُ من آسٍ ونَرْجِس، قد أُخْفِي فيها مواضع النَّار، لا تُرَى النَّار، ويُشَمُّ رائحة النَّدِّ، فقال: يا أبا الطَّيِّب، قُل فيهِ شيئًا! فأنْشَأَ يَقُول (٢): [من المتقارب] أحَبُّ الّذي حبَّتِ الأنْفُسُ … وأَطْيَبُ ما شَمَّهُ المَعْطِسُ ونَشْرٌ من النَّدِّ لكنَّهُ … مَجَامِرُهُ الآسُ والنَّرْجِسُ

стр. 832

ولَسْتُ أرَى وَهَجًا هَاجَهُ … فهل هَاجَهُ عِزَّكَ الأَقْعَسُ وإنَّ الفِئَامَ (a) الّتي (b) حَوْلَهُ … لتَحْسُد أقدامَهَا الأرْؤسُ أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن الأخضر البغدادي في كتابه، قال: أخبرنا الرئيس أبو الحسن علي بن علي بن نصْر بن سعيد البصريُّ، قال: أخبرنا أبو البركات مُحَمَّد بن عبد الله بن يحيى الوكيل، قال: أخبرنا عليّ بن أيُّوب بن الحُسَين بن السَّارْبَان، قال (١): وخرجَ -يعني المُتَنَبِّي- من شِيْرَاز لثمانٍ خَلَوْنَ من شَعْبان قاصدًا إلى بَغْدَادَ ثمّ إلى الكُوفَة، حتَّى إذا بلغ دَير العَاقُول، وخرج منهُ قدر ميْلَين، خرجَ عليه فُرْسانٌ ورجَّالةٌ من بني أسد وشَيْبَان، فقَاتلَهُم مع غُلَامَيْن من غِلْمَانهِ سَاعةً وقَتلُوه، وقُتِلَ معَهُ أحَدُ الغُلامَيْن وهربَ الآخرُ، وأخَذُوا جَميعَ ما كان معهُ، وتَبعهم ابنُهُ المُحَسَّد طلبًا لكثب أبيه فقتلوهُ أيضًا، وذلك كُلُّه يوم الاثنين لثمانٍ بقين من رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. أنْبَأنَا زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب (٢)، قال: خرج المُتَنَبِّي إلى فارس من بغداد فمدح عضد الدولة، وأقام عنده مدّةً مديدةً (c)، ثم رجع يريد بغداد، فقُتل في الطريق بالقرب من النُّعمانيَّة في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وقرأتُ في تاريخ أبي محمد عبد الله بن أحمد الفرغانيّ (٣): لمَّا هرب المُتَنَبِّي

стр. 833

الشَّاعرُ من مِصْر وصَار إلى الكُوفَة فأقام بها، وصار إلى ابن العَمِيْد فمدَحَهُ، فقيل إنه صار إليه منه ثلاثون ألف دينار، وقال له: تَمْضي إلى عَضُد الدولة فمضى من عنده إليه، فمدحَهُ ووصَلَهُ بثلاثين ألف دينارٍ، وفارقه على أن يمضي إلى الكُوفَة يحمل عيَالَهُ ويجيءُ معهم إليه، وسار حتى وصل إلى النُّعْمانيَّة بإزاءِ قَرْيَةٍ تَقْرُب منها يُقال لها بَنُورَا (a)، فوجد أثر خيل هناك فَتَنَسَّم خَبَرها فإذا خَيْل قد كمَنَتْ له، فصادفَتْهُ لأنَّهُ قَصَدَها فطُعِنَ طعنَة نُكِّسَ عن فَرَسه، فلمَّا سَقَطَ إلى الأرض نَزَلُوا فاحْتَزُّوا رأسَهُ ذَبْحًا، وأخَذُوا ما كان معه من المال وغيره، وكان مَذْهَبُهُ أنْ يَحْملَ مالَهُ معه أين تَوجَّه، وقُتِلَ ابنُهُ معهُ وغُلَامٌ من جُمْلَةِ خَمْسة (b) غِلْمَة كانوا معهُ، وأنَّ الغُلَام المقتول قاتل حتى قتل، وكان قَتْلُ المُتَنَبِّي يوم الاثنين لخمسٍ بَقِينَ من شَهْر رَمَضَان سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسين وثلاثمائة. قال الفَرْغَانيّ: وحُدِّثتُ أنَّهُ لمَّا نَزَلَ المَنْزل الّذي رَحَل منهُ فقُتل، جاءَهُ قَوْمٌ خُفَراءُ فطلَبُوا منه خَمْسينَ دِرْهمًا ليَسِيْرُوا معه فمنعَهُ الشُّحُّ والكِبْر، فأنذروا به، فكان من أمُره ما كان. قال: وقيل بأنَّهُم لمَّا طلبُوا منهُ الخِفَارَةَ اعْتَذَر في ذلك أنْ قال لهم: لا أُكذبُ نَفْسِي في قَوْلي (١): [من الوافر] يُذِمُّ لمُهْجَتِي سَيفي (c) ورُمْحِي ففَارقوه على سخْطٍ وأنْذَرُوا به وكان من أمْره ما كان.

стр. 834

وقَرأتُ في جُذَاذَة طِرْس مَطْرُوح في النّسْخَة الّتي وَقَعَتْ إليَّ بَسَماعِ جَدِّ جَدِّ أبي القاضي أبي الحَسَن أحمد بن يحيى بن زُهَيْر بن أبي جَرَادَة، من شِعْر المُتَنَبِّي على مُحَمَّد بن عبد الله بن سَعْد النَّحْويِّ الحَلَبيِّ، وفيها مَكْتُوب بغير خَطّ النُّسْخَة: المُتَنَبِّي أبو الطَّيِّب أحمد بن الحُسَين، عاد من شيراز من عند فَنَّاخُسْرُو وابن العَمِيْد وزِيره بأموال جَزِيْلة، فلمَّا صَار بالصَّافِيَةِ من أرْض وَاسِط وقع به جماعة من بني أسد وغيرهم فقتلُوه وخمسة (a) غلمان كانوا معه وولده، وسَلَبُوا المالَ، وذلك في شَوَّال من سنة أربعٍ وخَمْسِين وثلاثمائة، وكان المُتَوَلِّي لقَتْله رَجُل منهم يقال له فاتكُ بن أبي جهل، وهو ابن خَالةِ ضبَّة الّذي هَجَاهُ المُتَنَبِّي، وكان على شَاطئ دِجْلَة (١). وسَمِعْتُ والدي ﵀ يقول لي: بلغَني أنَّ المُتَنَبِّي لما خرج عليه قُطَّاع الطَّريق ومعه ابنُهُ وغِلْمَانهُ أراد أن ينَهزم، فقال له ابنُهُ: يا أبَهْ، وأين قَوْلُك (٢): [من البسيط] [فـ]ـالخَيْل واللَّيْل والبَيْدَاء تَعْرِفُني … والطَّعْنُ والضَّرْبُ والقِرْطاسُ والقَلَم فقال له: قَتَلْتَني يا ابن اللَّخْنَاءِ، ثُمّ ثَبَتَ وقاتل حتّى قُتِلَ. سَيَّرَ إلىَّ الشَّريفُ الأجَلّ العَالِم تاجُ الشَّرَف شَرَف الدِّين أبو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحمن بن عليّ الحُسَيْنيّ جُزءًا بخَطِّه في مقتل أبي الطَّيِّب، كتب فيه ما نقلتُه وصُوْرتُه: نَقَلْتُ من خَطِّ أبي بَكْر مُحَمَّد بن هاشم الخالديّ، أحد الخالديَّين، في آخر النُّسْخَة الّتي بخَطِّه من شِعْر أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي ما هذه صُوْرته: ذِكْرُ مقْتله، كُنَّا كتَبْنا إلى أبي نَصْر مُحَمَّد بن المُبارَك الجَبُّليِّ نسألُه شرح ذلك، وهذا

стр. 835

الرَّجُل من وُجُوه التُّنَّاءِ (١) بهذه النَّاحِيَة وله أَدَبٌ وحُرْمَةٌ، فأجابنا عن كتابنا جَوَابًا طويلًا يقول فيه: وأمَّا ما سألتُما عنه من خَبَرِ مَقْتَل أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي ﵀، فأنا أنسُقُه لكما وأشْرَحُه شَرْحًا بَيِّنًا: اعلَمَا أنَّ مسيرهُ كان من وَاسِط في يَوْم السَّبت لثلاث عَشرة لَيْلَة بَقِيَتْ من شَهْر رَمَضَان سَنَة أربعٍ وخمسين وثلاثمائة، وقُتِلَ ببَيْزَعَ (٢)؛ ضَيْعَةً بقُربٍ من دَيْر العَاقُول في يَوْم الأرْبَعَاء للَيْلَتَيْن بَقِيَتا من شَهْر رَمَضَان سَنَة أربعٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، والّذي تولّى قَتْلَهُ وقَتْل ابنهِ وغُلَامهِ رَجُل من بني أسدٍ يُقال له فَاتك بن أبي الجَهْل بن فِرَاس بن بَدَادٍ (a)، وكان من قَوْله لمَّا قَتَلَهُ وهو مُنْعَفِرٌ: قُبْحًا لهذه اللّحْيَة يا سَبَّاب، وذلكَ أنَّ فاتكًا هذا قَرابةٌ لوالدة ضَبَّة بن يَزِيد العَيْنِيّ الّذي هَجَاهُ المُتَنَبِّي بقَوْلِه (٣): [من المجتث] ما أنْصَفَ القَوْمُ ضَبَّهْ … وأُمَّهُ الطُّرْطُبَّهْ ويقال: إنَّ فَاتِكًا خالُ ضَبَّة، وأنَّ الحَمِيَّة داخَلتْهُ لمَّا سَمع ذِكْرها بالقَبِيْح في الشِّعر. وما للمُتَنَبِّي شِعْر أسْخَفُ من هذا الشِّعر، ولا أوْهَى كَلَامًا، فكان على سَخَافته وركاكَته سبَبَ قَتْله وقَتْل ابْنه وذهَاب ماله. وأمَّا شَرحُ الخَبَر؛ فإنَّ فاتِكًا كان صديقًا لي، وكان كما سُمِّي فاتكًا لسَفْكِه الدِّماءَ، وإقْدَامه على الأهْوَال، فلمَّا سَمَعٍ الشِّعْر الّذي هُجِي به ضَبَّة، أحْظَهُ ذلك

стр. 836

واشتدَّ عليه، ورجع على ضَبَّة باللَّوم، وقال له: قد كان يجب أن لا تجعل لشَّاعِرٍ عليك سبيلًا، وأضْمر غير ما أظهر، واتَّصل به انصراف المُتَنَبِّي من بلاد فارس إلى العراق، وأن اجتيازه بجَبُّلَ ودَيْر العَاقُول، فلم يكن ينزل عن فرسه، وجماعة معه من بَنِي عمه رأيُهُم في المُتَنَبِّي مثل رأيه في طلبه واستعلام خبره من كل صادرٍ وواردٍ. وكان فاتك يتَحَرَّق خوفًا أن يَفُوتهُ، وكان كثيرًا ما يَجيئُنِي وينزل عندي، فقلتُ له يومًا -وقد جاءني وهو يسألُ قومًا مُجتازين عنه-: قد أكثَرتَ المسألةَ عن هذا الرّجُل، فأيّ شيء عَزْمُكَ أنْ تفعلهُ به متى لقيتَهُ، قال: ما عزمي إِلَّا الجَميل، وأنْ أعذُلَهُ على ما أفْحَشَ فيه من الهِجَاء، فقُلتُ: هذا الأليَقُ بأخلاقك والأشبه بأفعالكَ، فتَضاحك ثمّ قال: يا أبا نَصْر، والله لئن اكْتَحلت عيني به، أو جَمعتني وإيَّاه بُقعة لأسفكنَّ دَمه ولأمحَقَنَّ حياتهُ إِلَّا أن يُحال بيني وبينَه، فقلتُ له: كُفَّ -عافاك الله- عن هذا القَول، وارجع إلى الله، وأزل هذا الرأي عن قلبك، فإنَّ الرَّجل شهيرُ الاسم، بعيدُ الصَّوت، وقتلُك إيَّاه في شِعرٍ قالهُ لا يحسُنُ، وقد هَجَت الشُّعراء الملوك في الجاهليّة والخلفاء في الإسلام فما علمنا أن شاعرًا قُتِل بِهجاءٍ، وقد قال الشَّاعِر (١): [من الطّويل] هَجوتُ زُهيرًا ثمّ إني مدحتُهُ … ومازالتِ الأشرافُ تُهْجَي وتُمْدَحُ ولم يبلغ جُرْمهُ ما يُوجب قتله، فقال: يَفعلُ الله ما يشاء، وانصرف، فلم يَمض لهذا القول إِلَّا ثلاثة أيَّام حتَّى وافَى المُتَنَبِّي ومعه بِغَال مُوْقَرةٌ بكل شيء من الذَّهب والفضة والثِّياب والطِّيب والجَوهر والآلة، لأنَّه كان إذا سافر لم يُخَلِّف في منزله درهمًا ولا دينارًا ولا ثَوبًا ولا شيئًا يُساوي درهمًا واحدًا فما فوقه، وكان أكثر إشْفَاقه على دَفاتِره لأنَّه كان قد انتَخَبَهَا وأحكمها قِراءَةً وتَصْحيحًا.

стр. 837

قال: فتَلقَّيتهُ وأنزلته داري، وسائلتُه عن أخباره وعمَّن لَقي، وكيفَ وَجَدَ مَنْ قَصَدَهُ، فعرَّفني من ذاك ما سُرِرتُ به، وأقبلَ يَصفُ لي ابن العَمِيْد وفضلهُ وأدبَهُ وعِلْمَهُ وكَرَمَهُ، وسَماحة المَلك فَنَّاخُسْرُو ورغبته في الأدب وميله إلى أهله، فلمّا أمْسَينا قُلْتُ له: على أيّ شيءٍ أنتَ مُجْمِعٌ؟ قال: على أن أتَّخذ اللَّيل جَمَلًا، فإنَّ السير فيه يخفُّ علىَّ. قُلْتُ: هذا هو الصواب، رجاء أن يُخْفيه اللَّيْل ولا يُصبح إِلَّا وقد قطع بلدًا بعيدًا، والوجه أن يكون معك من رَجَّالة هذه المَدِينَة الذين يَخْبُرونَ الطَّرِيق، ويعرفون المواضع المَخُوفَةَ فيه، جَمَاعَةٌ يَمشونَ بين يَديكَ إلى بَغْدَاد، فقطَّب وقال: لم قُلْت هذا القول؟ قُلْتُ: تَستأنس بهم، قال: أمَّا والجُرازُ (١) في عُنُقي فما بي حاجةٌ إلى مُؤنِسٍ غيره، قلتُ: الأمرُ كما تقول، والرأي في الَّذي أشرتُ به عليك، فقال: تَلويحُكَ هذا يُنبئ عن تَعريضٍ، وتَعريضكَ يُخبر عن تَصريحٍ، فعرِّفني الأمرَ وبيِّن لي الخَطبَ، قُلْتُ: إنَّ هذا الجاهل فاتك الأسديَّ كان عندي منذ ثلاثة أيَّامٍ، وهو مُحْفَظٌ عليك لأنَّك هَجَوتَ ابن أُخته، وقد تكلَّم بأشياء تُوجبُ الاحتِراس والتَّيقُّظ، ومعه أيضًا نحو العشرين فارسًا من بَنِي عمه، قولُهم مثل قوله، قال: وغُلامه -وكان عاقلًا، لَبِيبًا، فَارسًا- يسمعُ كلامَنا، فقال: الصَّواب ما رآه أبو نَصْر، خُذ مَعَكَ عشرين راجِلًا يَسيرُونَ بين يديك إلى بَغْدَاد، فاغتاظَ غيظًا شديدًا، وشَتَم الغُلام شَتْمًا قَبيحًا، وقال: والله لا تُحُدِّث عني أني سِرتُ في خِفَارة أحدٍ غير سَيفي. قُلْتُ: يا هذا، فأنا أُوجِّه قومًا من قِبَلي في حاجةٍ يسيرونَ بِمَسيركَ ويكونونَ في خِفَارتك، قال: والله لا فعلتُ شيئًا من هذا، ثمّ قال لي: يا أبا نَصْر، أَبِخُرُوِّ الطَّير تُخَشِّيْنِي، ومن عَبِيْد العَصَا تَخافُ عليّ، ووالله لو أنَّ مِخْصَرَتِي (٢) هذه مُلْقَاةٌ

стр. 838

على شَاطِئ الفُرات وبَنُو أسد مُعْطِشونَ لخمسٍ وقد نَظرُوا إلى الماء كبُطُونِ الحَيَّات ما جَسَر لهم خُفٌّ ولا ظِلفٌ أن يَرِدَهُ، حاشَ للهِ من فكْرٍ أشغَلهُ بهم لَحظة العَين، فقُلتُ له: قل إن شاء الله، فقال: كلمةٌ مقولَةٌ لا تَدفع مَقضِيًّا ولا تَستجلِبُ أَتِيًّا، ثمّ ركب فكان آخر العهد به. قال: ولمَّا صحَّ عندي خبرُ قتلِهِ، وجَّهتُ مَنْ دَفنهُ وابنهُ وغُلَامهُ، وذهبَتْ دماؤُهم هَدرًا (١). والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على مُحمَّد النَّبِيّ وعلى أهل بيته الطَّيِّبين الطَّاهرين وسَلِّم تسليمًا. وكتبَ مُحمَّد بن هاشم الخالديّ بالموصل في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وهو يستغفر الله ويَستَقيلهُ من كل ذَنبٍ وخَطيئة عن عَمْد أو خَطَأ. أمَّا قَوله: أَبِخُرُوِّ الطَّير تُخَشِّيِنِي، ومن عَبَيْد العصا تَخاف عليَّ، فإنَّ بَنِي أسد يُلقَّبُون خُرُوءَ الطَّير. قال امرؤ القيس (٢): [من مجزوء الكامل] فَرَّتْ بنُو أسَدٍ خُرُو … ءَ (a) الطَّيْر عن أرْبَابِها ويُلقَّبون أيضًا: عَبِيْد العصا، قال الشَّاعِر، ونَظُنُّهُ أمرءَ القَيس أيضًا (٣): [من السريع] قُوْلَا لِدُوْدَانَ (b) عِبِيْدِ العصا

стр. 839

آخر ما كان بخَطِّ أبي بَكْر الخَالديّ: ما غَرَّكُم بالأسَدِ البَاسِل كذا في الأصل، قد أتمَّ هذا البيت وأظنُّ أنَّه بخط أخيه أبي عُثمان ولا أتحقَّقهُ. أَخْبَرَنَا تاجُ الأُمناء أحْمَدُ بن مُحمَّد بن الحَسَن كتابةً، قال: أَخْبَرَنَا عَمِّي أبو القَاسِم، عن أبي غَالِب شُجاع بن فارس بن الحُسَيْن الذُّهْليّ، قال: أنشدَنِي الحكيم أبو عليّ الحُسَيْن بن عَبْد الرَّحْمَن الثَّقَفِيّ النَّيْسَابُورِيّ لأبي القَاسِم المُظَفَّر الزَّوْزَنِيّ -قُلْتُ: هو المُظَفَّر بن عليّ- الكاتب يَرثي المُتَنَبِّي (١): [من الخفيف] لا رَعَى اللهُ سِرْبَ هذا الزَّمان … إذ دهَانَا في مثل ذاك اللِّسان ما رأى النَّاسُ ثانيَ المُتَنَبِّي … أيُّ ثانٍ يُرى لبِكْرِ الزَّمان كان في نفسِهِ الكَبيرة في جَيْـ … ــشٍ وفي كِبرياءِ ذي سُلْطَان كان في لفظه نَبِيًّا ولكن … ظهرتْ مُعجزاتهُ في المَعَاني أنشَدَني نَجِيبُ الدِّين داود بن أحْمَد بن سَعِيد بن خلف بن داود الطِّيبيّ التَّاجر، إملاءً من لفظه بحَلَب، قال: أنشدني شمس الدِّين بن الوالي بالمَوصِل لأُخْت المُتَنَبِّي تَرثي أخَاها المُتَنَبِّي لمَّا قُتِلَ (٢): [من البسيط] يا حَازمَ الرأي إلا في تَهَجُّمِهِ … على المَكارهِ غابَ البدرُ في الطَّفَلِ لَنِعْمَ ما عاملَتْكَ المُرْهَفَاتُ بهِ .. . ونِعْمَ ما كُنتَ تُوليها مِنَ العَملِ الأرضُ أُمٌّ أَصَبْناها بواحِدِها … فاسْتَرجَعتهُ وردَّتهُ إلى الحَبَلِ

стр. 840

أحْمَد بن الحُسَيْن بن حَمْدَان، أبو العبَّاس التَّمِيمِيِّ الشِّمْشَاطِيُّ (١) أديبٌ، فَاضِلٌ، شَاعِر، لَهُ مَعرفَةٌ بالنَّحو واللُّغَة. قَدِم حَلَب في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن بن حَمْدَان، وأمْلَى بها أماليَ وفَوَائِد، وكَتَب عنهُ بعضُ أَفَاضِل الحَلَبِيِّين شيئًا منها، ورَوَى في أمَالِيْه عن أبَوَي بَكْر: ابن دُرَيْد وابن الأنْبَاريّ، وأبَوَي عَبْد الله: إبْرَاهِيم بن مُحمَّد نِفْطَوَيْه، والحسن بن إسماعيل المَحَامِلِيّ، وإسْمَاعيل بن العبَّاس الوَرَّاق، وأبي زَكَريَّاء يزيد بن مُحمَّد، وجَحْظَة البَرْمَكِيِّ، ومَغَصَا غُلام أبي عَبْد اللهِ نِفْطَوَيْه، ومُحمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ، ومُحَمَّد بن عَبْد اللهِ بن الحُسَيْن المُسْتَعِينِيّ، وأبي نَصْر عَبْد العَزِيْز بن نُبَاتَة السَّعْدِيّ، وجَمَاعَة سِوَاهُم. رَوَى عنه أبو القَاسِم سَلامَة بن مُحمَّد بن عتْرَة، وأبو الحَسَن مُحمَّد بن عبد الكافي بن مُحمَّد، وأبو بَكْر أحْمَد بن عمر بن البَقَّال، وغيرهم. نَقَلتُ من أمَالي أبي العبَّاس أحْمَد بن الحُسَيْن الشِّمْشَاطِيّ (a) الَّتي أمْلَاها بحَلَب من خطِّ من كَتَبها عنه بها، وأنْشَدَنا الشَّيْخُ لنَفْسِه: [من المتقارب] إذا شئتَ أنْ تكبتَ الحَاسِديـ … ـنَ غَيْظًا وتقمَعَ كيدَ العَدُو فأَغْضِ وَعَفَّ وسَوِّ المَسَا … ءَ في الفَضْل يَزْدَادُهُ بالغُدُو تُبتْ حَاسِدِيْكَ على غُصَّةٍ … وتَحْمِ عَدُوَّك طِيْبَ الهُدُو ونَقَلْتُ من الأمَالي المَذْكُورَة بعَينها: أنْشَدَنا الشَّيْخُ لنَفْسِه -يعني التَّمِيمِيِّ-[من السريع]

стр. 841

قدْ تَسْتَزلُّ المَرْءَ أوْقَاتهُ … ويطمَحُ السَّمْعُ بهِ والبَصَرْ فالكَيِّسُ العَاصِي هَوَى نَفْسِهِ … والأيّدُ العَفُّ إذا ما قَدَرْ أستغفرُ اللهَ فكَمْ نظْرَةٍ … سَكْرَتُها ما كَلَّفَتْ من سَهَرْ قال: وأنشدنا الشَّيْخُ لنَفْسِه: [من الخفيف] حَسَرَاتٌ تَطُولُ إنْ أنتَ أكْثَرْ … تَ التِفاتًا إلى الزَّمانِ القَدِيمِ لكَ فيما فقَدْتَ أُسوةُ أَسْيَا … نَ (a) وسالٍ وَجَاهِلٍ وعَلِيمِ كُلُّهُم رَاعَهُ الزَّمانُ بِشَيْبٍ … وفِراقٍ لصَاحبٍ ونَعِيمِ فاسْتَكَانُوا لذاكَ طَوْعًا وكَرْهًا … ورَضُوا بالبَقَاءِ والتَّسْلِيمِ لو بقُوا هَانَت الرَّزَايا ولكِنْ … سُلِبُوا بعدَ ذاك رَوْحَ النَّسِيمِ قال: وأنشدنا الشّيْخُ لنَفْسِه: [من مجزوء الرمل] أيُّها الرَّائحُ في العِيْـ … ـدِ بأرْوَاح الوُقُوفِ فَاتِرٌ لحْظُكَ تَفْتَرُّ (م) … عن الدُّرِّ الرَّصِيْفِ أنتَ في العَالَمِ إحْدَى … بِدَعِ البَرِّ اللَّطِيفِ إنَّ مَنْ قلَّدَك السَّيْـ …

стр. 842

[من الرجز] الشِّمْشَاطِيُّ تَمِيْمِيُّ … للعِلْمِ لَألآءٌ بِجَانِبَيْهِ ليسَ بنَحْوِ نَحْوِ سِيْبَوَيْهِ … إِلَّا إذا قرأتَهُ عَلَيهِ وقد كان بين أبي العبَّاس وبين ابن خَالَوَيْه مَوَدَّة تقتضي الثَّنَاءَ عليه، فإنَّنِي وَقَفْتُ على أبيات لأبي العبَّاس يَرْثِي بها أبا عَبْد اللهِ بن خَالَوَيْه بعد وفاته. أَنْبَأنَا أبو اليُّمْن زَيد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أَخْبَرَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثابت الخطيب (١)، قال: أحْمَد بن الحُسَيْن بن حَمْدَان، أبو العبَّاس التَّمِيمِيِّ الشِّمْشَاطِىّ، حدَّث ببَغْدَاد عن مُحمَّد بن عَبْد اللهِ بن الحُسَيْن المُسْتَعينِيّ. رَوَى عنه أبو بَكْر أحْمَد بن عمر بن البَقَّال، وقال: هو شَيخٌ ثِقَةٌ، قَدِمَ علينا من الموصل في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. رأيت إجازة بخطِّ أبي العبَّاس التَّمِيمِيِّ كتبها لأبي الحَسَن مُحمَّد بن عَبْد المَلِك بن مُحمَّد، وقال في آخرها: وكتب أحْمَد بن الحُسَيْن التَّمِيمِيِّ بخَطِّه بشاطِئ دجلة في شوَّال سنة إحدى وسَبْعين وثلاثمائة، فتكُون وفاتُهُ بعدَ ذلك. أحْمَدُ بن الحُسَيْن بن سعد بن أبَانَ الشَّاهِدُ الطَّرَسُوسِيِّ (٢) حَدَّث عن أبي بَكْر مُحمَّد بن إبْرَاهِيم الشِّيرازيّ، رَوَى عنه [. . .] (a).

стр. 843

أحْمَدُ بن الحُسَيْن بن العبَّاس الطَّرَسُوسِيِّ، أبو عليّ حَدَّثَ [. . .] (a) . رَوَى عنه الحَسَن بن فارس الطَّرَسُوسِيِّ نَزِيل سَمَرْقَنْد. أحْمَدُ بن الحُسَيْن بن عليّ بن إبْرَاهِيم بن الحَكَم بن عَبْد اللهِ، أبو زُرْعَة الرَّازِيُّ (١). رَحل في طَلَب الحَدِيْث، ودخل حَلَب، وسَمِع بها أبا بَكْر مُحمَّد بن الحُسَيْن بن صالح بن إسماعيل السَّبِيعيّ الحَافِظ. رَوَى عنه أبو الطَّيِّب أحْمَد بن عليّ الطَّالِبيّ الجَعْفَرِي وغيرُه. وذكَرهُ أبو بَكْر الخطيب في تاريخ بَغْدَاد (٢)، بما أَخْبَرَنَا به زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أَخْبَرَنَا أبو مَنْصُور القَزَّارُ، قال: أَخْبَرَنَا الحَافِظُ أبو بَكْر أحْمَد بن علىّ بن ثابت الخَطِيبُ، قال: أحْمَد بن الحُسَيْن بن عليّ بن إبْرَاهِيم بن الحَكَم بن عبد الله، أبو زُرْعَة الرَّازيّ، سَمِعَ مُحمَّد بن إبْرَاهِيم بن نُومَرْد، وعَبْد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم الرَّازِيّ، وعليّ بن إبْرَاهِيم القَطَّان القزوينيّ، وعَبْد اللهِ بن مُحمَّد الحارثيّ، وبكْر بن عَبْد اللهِ المحتسب البخاريّ، والحسين بن إسماعيل المَحَامليّ، ومُحمَّد بن مَخْلَد الدُّوْرِيّ. وكان حافظًا، مُتقنًا، ثقةً، رَحَلَ في الحَدِيْثِ، وسَافَرَ الكَثير، وجَالَسَ الحُفَّاظ، وجمع التَّرَاجِمَ والأبْوَابَ، وحَدَّث ببَغْدَاد، فَحَدَّثنا عنه القاضِيَان:

стр. 844

أبو العَلَاءِ الوَاسِطِيَّ، وأبو القَاسِم التَّنُوخِيَّ، وأبو زُرْعَةَ رَوْحُ بن مُحمَّد الرَّازِيّ، ورِضْوَان بن مُحمَّد الدِّيْنَورِيّ. أَخْبَرَنَا أبو عليّ حَسَنُ بن أحْمَد بن يُوسُفَ الأَوَقِيّ الصُّوْفيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، عن الحَافِظ أبي طاهر أحْمَد بن مُحمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ الأصبهانَيِّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو البقاءِ المُعَمَّر بن مُحمَّد بن عليّ الحبَّالُ بالكُوفَة، قال: أَخْبَرَنَا أبو الطَّيّب أحْمَد بن عليّ بن مُحمَّد الطَّالبِيُّ الجَعْفَرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَة أحْمَد بن الحُسَيْن بن عليّ بن إبْرَاهِيم بن الحَكَمِ بن عَبْد اللهِ الرَّازِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن الحُسَيْن بن إسْمَاعِيْل السَّبِيْعِيُّ بحَلَب، قال: أخْبرَني المُنْذِر بن مُحمَّد القابُوسِيّ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي الحُسَيْن بن سَعِيد، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو أيُّوبَ الإفريْقِيّ عَبْدُ اللهِ بنُ عليّ، قال: حَدَّثَنِي سِمَاكٌ، عن جَابِر بن سَمُرَة، قال: كان أصْحَابُ رسُول الله ﷺ يَتَناشَدُونَ عندَهُ الشِّعْرَ ويذْكُرون أمْرَ جاهليَّتهم، فيَضْحَك رسُول الله ﷺ ويتبسَّم إليهم. أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن شُجاع بن سَالِم، قال: أَخْبَرَنَا أبو عَبْد اللهِ مُحمَّد بن عبْد المَوْلَى بن مُحمَّد اللُّبْنيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو خلف عبد الرَّحيم بن مُحمَّد بن المُدَبّر، قال: حَدَّثَنَا المَرْوَزيّ -يعني أبا عَبْد اللهِ الحَسَن بن على بن مُحمَّد- قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَة أحْمَد بن الحُسَيْن بن علىّ الرَّازِيّ، ﵀، قال: حَدَّثَنَا ابن رُمَيْس (a)، قال: حَدَّثَنَا عَبْد المَلِك بن مُحمَّد الرَّقَاشِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو زَيْد الهَرَويّ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَة، عن الأعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبِيّ ﷺ (١) أنَّهُ كان يُصَلِّي حتَّى تَرِمَ قَدَماهُ، فقيل له: أتَفْعَل هذا وقد غَفَر اللهُ لك ما تقدَّم من ذَنْبك وما

стр. 845

تأخَّرَ؟ قال: أفَلَا أكُون عبدًا شَكُورًا! (a). أَنْبَأنَا أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحمَّد بن أبي الفَضْل الأَنْصَارِيّ القاضي، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن قُبَيْسٍ الغَسَّانِيّ، قال: أَخْبَرَنَا الحَافِظ أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت الخطِيبُ (١)، قال: أَخْبَرَنَا علىّ بن المُحَسِّن قال: سَألنا أبا زُرْعَة الرَّازِيّ عن مَوْلدِه، فقال: لسْتُ أحفَظُه (b)، ولكن خَرَجْتُ إلى العِرَاق أوَّل دُفعَة لطَلَب الحَدِيْث سَنَة أرْبَعٍ وعشرين وثَلاثِمائة، وكان لي آنذاك أرْبَع عَشرة سنةً أو نَحْوها. أَخْبَرَنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أَخْبَرَنَا أبو مَنْصُور عَبْدُ الرَّحْمَن بن مُحمَّد بن زُرَيْق القَزَّاز، قال: أَخْبَرَنَا أحْمَد بن عليّ الحَافِظُ (٢)، قال: قَرَأتُ في كتابِ أبي القَاسِم بن الثَّلَّاج بخَطِّه: فُقِدَ أبو زُرْعَة. أحْمَد بن الحُسَيْن الرَّازِيّ في طريق مَكَّة سَنَة خَمْسٍ وسبْعِين وثَلاثِمائة. أحْمَدُ بن الحُسَيْن بن عليّ بن مُحمَّد السَّكْرَان ابن عَبْد اللهِ ابن الحُسَيْن بن الحَسَن الأفْطَس ابن عليّ بن عليّ بن الحُسَيْن بن عليّ بن أبي طالب، أبو القَاسِم الحُسَيْنيّ الأَنْطَاكِيُّ الشَّاعِر (٣) ولد بمِصْرَ ثُمَّ انتقَلَ إلى نَصِيبِيْن، ثمّ انتقَلَ إلى أَنْطَاكِيَة، فسَكَنها فعُرِفَ
следующие страницы →