نَجْمُ الدِّين أبو المَعَالي عبد العالي (١) ابن الشَّيخ رضيّ الدِّين عبد المَلِك بن عبد الكافي بن عليّ بن موسى بن حَجّاج الرَّبعيُّ، ببستانٍ ظاهر دمشق، وصُلِّي عليه عصر النَّهار المَذْكور، خاوج باب الصَّغير، ودُفِنَ بمقبُرة الباب الصَّغير عند والده.
رَوَى عن ابن اللَّتِّيّ، ومُكْرَم، والسَّخاويّ، والقُرْطُبيّ، وغيرهم.
وكانَ شاهدًا تحت السّاعات، ويَشْهد على القُضاة.
ومولدُه سنة ثلاثٍ وعِشْرين وست مئة بمدينة سَنْهُور من الدِّيار المِصْرية.
٢٦٧٦ - واتّفق أنّ زوجتَه (٢) أيضًا تُوفِّيت في هذا اليوم.
٢٦٧٧ - وفي يوم الثُّلاثاء يوم عاشوراء تُوفِّي الفقيهُ الفاضلُ العَدْلُ تقيُّ الدِّين عبدُ الحميد (٣) بنُ أحمدَ بن إبراهيمَ ابن الشَّرائِحيِّ، ودُفِنَ بمقابر باب الصَّغير.
وكانَ فقيهًا في المدارس، وله فَهْمٌ وفَضيلةٌ، ويشهدُ أيضًا، ويكتُب الشُّرُوط.
وهو من أصحابِ الشَّيخ تاج الدِّين الفَزَاريِّ، ﵀.
٢٦٧٨ - وفي هذا اليوم تُوفِّي الجمالُ أيدُغْدِي (٤)، عتيقُ الشَّيخ عِزّ الدِّين الكُرْديّ، المُقيمُ بالمدرسة الشّامية ظاهر دمشق.
وكانَ شابًّا حَسَنًا، فقيهًا في المدارس، ﵀.
стр. 1612
٢٦٧٩ - وفي يوم الجُمُعة ثالث عَشَر المُحَرَّم تُوفِّي الزَّيْن مُحمدُ (١) بنُ أبي الحَرَم بن أبي الفَضْل، تَرْبية قاضِي القُضاة عزّ الدِّين ابن الصّائغ.
وكانَ في آخر أمرِه نَقِيب الرجّالة بباب القاضي الحَنَفيّ، وصارَ له رزق من ذلك.
٢٦٨٠ - وفي يوم السَّبْت الرّابع عَشَر من المُحَرَّم تُوفِّي عُمرُ (٢) ابنُ الشَّيخ أبي عُمر، بوّاب الرَّواحية، ودُفِنَ بباب الفَرَاديس.
وكانَ من أهل القُرآن، فقده أبوه.
٢٦٨١ - وفي سَحَر يوم السَّبْت رابع عَشَر المُحَرَّم توفِّيت أمُّ عبد الله زَيْنبُ (٣) بنتُ الزَّين عبد الرَّحمن بن أبي بَكْر مُحمد بن إبراهيم بن أحمد المَقْدسيّة، بجنينة الشَّيخ شَمْس الدِّين على حافّة نهر يَزيد بسَفْح قاسيون، ودُفِنَت من الغد بمقبُرة الشَّيخ الموفَّق بالقُرب من قَبْر الشَّيخ فَخْر الدِّين عليّ.
ورَوَت عن إبراهيم بن خليل، وغيره.
وكانت صالحة لم تتزوّج قطّ، وهي أصغر إخوتها.
ومولدُها سنة ثلاثٍ وخمسين وست مئة تقريبًا.
٢٦٨٢ - وفي يوم الثُّلاثاء السابع عَشَر من المُحَرَّم تُوفِّي الحاج المُسْنِدُ أبو مُحمد عبدُ الحميد (٤) بن أحمد بن خَوْلان بن كَثِير بن فائز البَنّاء الصّالحيُّ، ببُستانه بقرية زَمَلُكا، ودُفِنَ من الغد بمقبُرة القرية المَذْكورة.
стр. 1613
رَوَى عن الحُسَين بن صَصْرَى، وابن الزَّبِيديّ، وابن اللَّتِّي، والنّاصح ابن الحنبليِّ، والفَخْر الإرْبِليّ، وغيرِهم، وانفردَ بشيءٍ من مسموعه.
ومولدُه تقريبًا سنة سَبْع عَشْرة وست مئة بسَفْح قاسيون.
٢٦٨٣ - وفي ليلة الخَمِيس التاسع عَشَر من المُحَرَّم تُوفِّي الحاج الأمين عزُّ الدِّين عبدُ العزيز (١) بنُ أحمد بن إسماعيل التّاجر الجَزَريُّ، ودُفِنَ من الغد بالجَبَل.
وأوصَى بجملةٍ من ماله في وجوه البرّ.
٢٦٨٤ - وفي يوم الخَمِيس المَذْكور تُوفِّي الشَّيخُ عليُّ (٢) التِّبْريزيُّ، المعروف بخدمة قاضي القُضاة إمام الدِّين القَزْوينيّ.
٢٦٨٥ - ووالدة الشَّيخ الفقيه زَيْنِ الدِّين أبي بَكْر (٣) المعروف بابن الحَرِيريّ.
٢٦٨٦ - وكذلك أمُّ مُحمد ستّ القُضاة (٤) بنت شَيْخنا رضيّ الدِّين جعفر بن دَبُوقا.
٢٦٨٧ - وفي ليلة الجُمُعة العِشْرين من المُحَرَّم تُوفِّيت المرأة الجليلة سَارَة (٥) خاتون بنت الملك المَنْصور إبراهيم بن أسَدِ الدِّين شيركوه، وتُعْرف بالدار الأشْرَفية، ودُفِنَت من الغَدِ بتُربتها بسَفْح قاسيون.
стр. 1614
٢٦٨٨ - وفي يوم الأحد بعد الظَّهْر الثاني والعِشْرين من المُحَرَّم تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الفاضلُ العَدْلُ كمالُ الدِّين أبو بكر (١) ابنُ الشَّيخ الصّالح تقيِّ الدِّين أحمدَ بن أبي الطّاهر بن أبي الفَضْل بن أبي الطّاهر المَقْدسيُّ الحَنْبليُّ، ودُفِنَ بُكْرة الاثنين بتُربة الشَّيخ موفَّق الدِّين.
ورَوَى لنا عن خطيب مَرْدا، وغيرِه. وكانَ فقيهًا، ويَشْهد تحت السّاعات.
٢٦٨٩ - وفي يوم الثُّلاثاء الرابع والعِشْرين من المُحَرَّم تُوفِّي الشَّيخ الصّالح عزّ الدِّين النّحّاس (٢)، عُرِفَ بابن وَتَر.
٢٦٩٠ - ومُجِير الدِّين (٣) ابن السمّاقيّ.
وكانَ شابًّا حسنًا.
[صَفَر] (٤)
• - ودَخَلَ الحُجّاج إلى دمشق يوم الخَمِيس ثالث صَفَر، وأميرُهم الأمير عزَّ الدِّين بن صَبْرة الحاجب.
٢٦٩١ - وماتَ للأمير سَيْف الدِّين الجَوْكَندار المُشِدّ ولدٌ اسمه عبد الله (٥) في يوم الجُمُعة رابع صَفَر.
٢٦٩٢ - وفي هذا اليوم تُوفِّي تاجُ الدِّين عبدُ الرَّحمن (٦) الحَنَفيُّ، نقيب الظّاهرية، ونائب الشّيخ عفيفِ الدِّين إسحاق في إشراف المساجد.
стр. 1615
• - وفُتِحَت جزيرة أرواد، وهي بقُرب أنْطَرسُوس في يوم الأربعاء ثاني صَفَر، ووَصَلت إليها شَوَاني في البَحْر من الدِّيار المِصْرية، وأعانَهُم جماعةٌ في البرِّ من جيش طرابُلُس فنازلوها إلى وَقْتِ الظُّهر وأخذُوها قَهْرًا، وقَتَلُوا مَن كان بها، وأسَرُوا الباقي. وكان القَتْلَى نحوًا من ألفَين، والأسْرَى قريبًا من خمس مئة. ووصلَ هذا الخبر إلى دمشق يوم السَّبْت خامس صَفَر، فدُقّت البَشَائر ثلاثة أيام، وكانَ فيها مَضَرّةٌ كبيرةٌ على المُسلمين المقيمين بالسَّواحل، فكفَى اللهُ تعالى أمرَها، ووَقَى شَرَّها (١).
٢٦٩٣ - وتُوفِّي الأميرُ الكبيرُ ناصرُ الدِّين باشْقَرد (٢) بنُ عبد الله النّاصريُّ.
وكانَ من أكابر الأُمراء، وله عَقْلٌ غزيرٌ وحُرْمةٌ وافرةٌ وفَضِيلةٌ وأدبٌ، وله شِعْرٌ.
قرأتُ عليه "مجلسَ البطاقة" بسماعه من عبد الله بن عَلّاقُ، عن البُوصِيريّ.
وكانت وفاتُه يوم الأحد ثالث عَشَر صَفَر، ودُفِنَ يوم الاثنين بسَفْح قاسيون.
وكانَ قد سُجِنَ بالدِّيار المصرية عَقِيب كَسْرة حِمْص، فلما أُنعِمَ عليه وأُفرِجَ عنه ووصلَ إلى دمشقَ بقي أيامًا يسيرة نحوَ العَشَرة، وماتَ.
٢٦٩٤ - وتُوفِّي الشَّرفُ مُشَرَّفُ (٣) بنُ أحمد الوكيل بدارِ القاضي الحَنَفيّ ابن رَكْبدار القاضي حُسام الدِّين في يوم إلاثنين رابع عَشَر صَفَر، ودُفِنَ من الغد.
٢٦٩٥ - وكذلك تُوفِّي الحاجّ حَسَن (٤) القَوّاس، الأقطع.
стр. 1616
٢٦٩٦ - وفي يوم الخَمِيس سابع عَشَر صَفَر وصلَ البريد وأخْبَر بوفاةِ الشَّيخ الإمام العلّامة قاضي القُضاة تقيِّ الدِّين أبي الفَتْح مُحمد (١) بن عليّ بن وَهْب بن مُطيع بن أبي الطّاعة القُشَيْريِّ، المعروف بابن دَقِيق العيد.
ووَصلَت معهُ كُتُب بطلَب قاضي القُضاة بَدْر الدِّين ابن جماعة ليُولَّى عِوَضه بالدِّيار المِصْرية، فشرَعَ في التهيُّئ في السَّفر امتثالًا لأولي الأمر، فإنَّ السُّلطان كتب إليه في ذلك، وذكر فيه أننا نَخْتار قُربه، وإنَّ الآراء قد أجْمَعَت على اختياره، وأن يعودَ إلى مكانِه على ما كانَ عليه، وفيه إكرامٌ له وتَبْجيلٌ واحترامٌ وافر.
وصُلِّي على الشَّيخ تقيِّ الدِّين ابن دَقِيق العِيد بجامع دمشق صَلاة الغائب يوم الجُمُعة ثامن عَشَر الشَّهْر. وكانت وفاتُه يوم الجُمُعة الذي قبل هذا حادي عَشَر صَفَر، وصُلِّي عليه يوم السَّبْت تحت القَلْعة. وحَضَرَ نائبُ السَّلْطنة والأمراءُ والنّاس، ودُفِنَ بالقَرافة الصُّغرى.
وكانَ أجلّ مَن بَقِيَ من عُلماء المُسلمين ديانةً وعِلْمًا وتفنُّنًا ومكانةً ورِفْعةً ومَنْصِبًا، وعمَّ مُصابُه جميعَ الفِرَق والطَّوائف. وكانَ من عُلماء الحَدِيث، وباشرَ مشيخة دار الحَدِيث الكاملية مدّةً، وصَنَّف في الحَدِيث وشَرْحه والكلام عليه.
وسَمِعَ من ابن المُقَيَّر، وابن الجَمَّيْزي، وابن رَوَاج، وفَخْر القُضاة ابن الجَبّاب، وسِبْط السِّلَفيّ. ورَحَل إلى دمشقَ، وسَمِعَ من ابن عبد الدّائم، وجماعة.
стр. 1617
ومولدُه يوم السَّبْت الخامس والعِشْرين من شَعْبان سنة خَمْسٍ وعِشْرين وست مئة، بساحِل مدينة اليَنْبُع من أرضِ الحجاز.
• - وسافرَ قاضي القُضاة بَدْرُ الدِّين ابنُ جَماعة صُحْبة البَرِيد في بُكْرة السَّبْت تاسع عَشَر صَفَر، وخرجَ نائبُ السَّلْطنة بدمشق والقُضاة والرُّؤساء والأكابر لتوديعِه، وأظهر جماعةٌ التأسُّف عليه. واستمرَّ نُوّابُه في مناصبِه بدمشق بعد سَفَرِه (١).
٢٦٩٧ - وفي ليلة الجُمُعة ثامن عَشَر صَفَر تُوفِّيت أمُّ مُحمد خاتون (٢) بنتُ عبد الله عَتِيقة زَيْن الدِّين عبد الرَّحمن بن أبي بكر مُحمد بن إبراهيم المقدسيِّ وزوجته، ودُفِنَت عند زَوْجها بمقبُرة الشَّيخ موفَّق الدِّين يوم الجُمُعة.
رَوَت عن إبراهيم بن خليل، وسَمِعَت من خَطِيب مَرْدا أيضًا.
وهي حَمَاة شَمْس الدِّين ابن التاج، وشَرَف الدِّين عبد الله ابن الشَّيخ شَمْس الدِّين.
• - ووَصلَ جماعةٌ من الفِرَنْج الذين أُسِرُوا من الجزيرة المَعْروفة بجزيرة أرْوَاد إلى دمشقَ يوم الاثنين الحادي والعِشْرين من صَفَر، وكانوا أكثر من أربع مئة على الجمال وفي السَّلاسل والقُيود، وعلى الخَيْل، وبيد بعضهم رِمَاح عليها الرُّؤوس والشُّعَف، وخرجَ النّاس للتفرّج عليهم كما جَرَت العادة.
٢٦٩٨ - وتُوفِّيت بنت القاضي شَرَف الدِّين (٣) ابن فَضْل الله صاحب
стр. 1618
ديوان الإنشاء في يوم الاثنين حادي عِشْري صَفَر، ودُفِنَت يوم الثُّلاثاء بالجَبَل، وعُمِلَ عزاؤها يوم الأربعاء بالكاملية بجامع دمشق.
وكانت زَوْجة علاء الدِّين ابن شَرَف الدِّين ابن القَلانسيّ أمُّ ولده إبراهيم، وبقي الولد بعدها شهرًا وأيامًا وماتَ.
٢٦٩٩ - وفي ليلة الأربعاء الثالث والعِشْرين من صَفَر تُوفِّي الرئيسُ الأجلُّ عزُّ الدِّين أبو العزّ عبد العزيز (١) ابنُ الشَّيخ الصَّدْرِ فَخْر الدِّين مُحمد ابن الشَّيخ الإمام جمال الدِّين يحيى، ابنُ الصَّيْرفيِّ، الحَرّانيُّ، ودُفِنَ من الغد بمقابر باب الفَرَاديس عند والده وجدِّه.
وكانَ من بَيْتِ حديثٍ ورواية، وسَمِعَ هو كثيرًا على جَدِّه، وعلى ابن عبد الدّائم وعلى جماعة شيوخ، ولم يحدِّث بشيء.
ماتَ وله نحوٌ من خمسين سنة.
٢٧٠٠ - وفي يوم الاثنين الثامن والعِشْرين من صَفَر تُوفِّي الشَّيخُ الصّالحُ المُقرئُ أبو بكر (٢) بنُ يوسُف بن خَضِر بن حَرْب بن مُفَرِّج الحَرّانيُّ، سِبْط الشَّيخ الصّالح أحمد بن سَلامة النَّجّار الحَرّانيِّ المُحَدِّث، بسَفْح جَبَل قاسيون، ودُفِنَ بتُربة أولاد الشَّيخ حياة.
وكانَ عَبْدًا صالحًا، بَشُوشًا، بَسّامًا، سَلِيمَ الصَّدْر، كثيرَ التِّلاوة.
رَوَى الحديثَ عن عيسى ابن الخيّاط.
ومولدُه في سنة تسع وعشرين وست مئة بحرّان.
стр. 1619
ربيع الأول
٢٧٠١ - وفي يوم الخَمِيس التّاسع من شَهْر ربيع الأول تُوفِّي مُحيي الدِّين يحيى (١) ابن القاضي عزِّ الدِّين مُحمد ابن القاضي الأشرف أحمد ابن القاضي الفاضل أبي عليّ عبدِ الرَّحيم البَيْسانيّ، ودُفِنَ بالجَبَل.
• - وفي يوم الجُمُعة عاشِر ربيع الأول وَصَلَ كتاب قاضي القُضاة بَدْر الدِّين ابن جماعة إلى دمشقَ يُخْبِر فيه بوصوله إلى القاهرة في يوم الأربعاء مُستهلّ هذا الشَّهر، وأنَّ السُّلطان أكرَمَهُ وأقبلَ عليه، وذكرَ مباشرتَهُ للحُكْم في أيام أخيه السُّلطان الملك الأشْرَف، ويحضُّ القاضي في كتابِه على تجهيز أولادِه وأهلِه إليه.
وكانت مباشرتُه للمَنْصب بالدِّيار المصرية في يوم السَّبْت رابع ربيع الأول، بعد أن خُلِعَ عليه الصُّوف، وهي رُتْبةٌ شريفة، وأنعمَ عليه السُّلطانُ ببغلةٍ قُوّمت هي وعُدّتها بأكثر من ثلاثة آلاف دِرْهم (٢).
٢٧٠٢ - وفي ليلة السَّبْت الحادي عَشَر من ربيع الأول تُوفِّي الشَّيخُ العَدْل الزّاهدُ المحدِّثُ شَرَفُ الدِّين أبو حَفْص عُمرُ (٣) بنُ مُحمد بن عُمر بن الحَسَن بن خَوَاجا، إمام الفارسيّ بدار الحديث الظّاهرية، وكان شَيْخها، وصُلِّي عليه ظُهْر السَّبْت بالجامع المَعْمور بدمشق، ودُفِنَ عند تُرَب البَغاددة، بالقُرب من مَسْجد القَدَم بعيدًا من البلد.
стр. 1620
وكانَ أوصى بذلك، وعُمِلَ عَزاؤه بالمَدْرسة الظّاهرية، وكانَ مَشْكُورًا، حَسَنَ الأخْلاق، صَحِبَ الفُقراء وخدمَهُم بنفسِه ومالِه، وكانَ فيه بِرٌّ ومعروفٌ، وأسْمَعَ الحديثَ عن جماعةٍ، ورَوَى "صحيح البُخاري"، و"مُسنَد الدّارمي" مرّات عديدة، وانفردَ بالسَّماع من فخر الدِّين ابن الشَّيْرَجيّ الكبير، وناهزَ التسعين وهو مُمتَّع بحواسِّه وفَهْمه وكتابته ونظره.
مولدُه في ثالث عَشَر صَفَر سنة ثلاث عشرة وست مئة بدمشق.
٢٧٠٣ - وفي يوم الخَمِيس التاسع من ربيع الأول تُوفِّي ببعلبكَ الشَّيخُ الإمامُ الفقيهُ العالمُ المفتي بَدْرُ الدِّين أبو عبد الله مُحمد (١) بن عبدِ المجيد بن أبي الفَضْل بن عبد الرحمن بن زيد الحَنبليُّ.
ومولدُه في ثامن جُمادى الأولى سنة خمس وأربعين وست مئة ببَعْلَبك.
وكانَ فاضلًا، صالحًا، مُبَجّلًا ليسَ له في بَلَدِه نظيرٌ، وكانَ يكتُب الشُّروطَ والإسْجالات كتابةً مَلِيحةً لَفْظًا وخطًّا، ويُفتِي النّاسَ ويُقرئ، ﵀.
٢٧٠٤ - وفي يوم الخَمِيس سادس عَشَر ربيع الأول ماتَ صلاحُ الدِّين (٢)، ولدُ الأمير ناصر الدِّين باشْقَرد. تَقَنْطَرَ به الفَرَسُ بسوقِ الخَيْل فوقعَ وماتَ، ودُفِنَ بالجَبَل عند والده، وبينهما شهرٌ وثلاثة أيام.
وكانَ صَبِيًّا جَمِيلًا.
٢٧٠٥ - وفي يوم الجُمُعة سابع عَشَر ربيع الأول ماتَ ناصرُ الدِّين منصور (٣) ابن المُقَدَّم مَنْصور بن أبي البَدْر الزَّنْكَانِيُّ، المعروف باللَّبُودِيِّ، السّاكن بالحُوَيْرة، وصُلِّي عليه في الجامع عَقِيب الجُمُعة، ودُفِنَ بباب الصَّغير.
стр. 1621
وكنّا نجتمع معه في صلاة الجمعة مدّة سنين.
٢٧٠٦ - وفي يوم الجُمُعة بعد العَصْر السّابع عَشَر من ربيع الأول تُوفِّي الشَّيخُ الجليلُ المُسْنِدُ بَدْرُ الدِّين أبو عليّ الحَسَنُ (١) بنُ عليّ بنِ أبي بَكْر بن يونُس بن يوسُف ابن الخلّال الدِّمشقيُّ، بسَفْح جَبَل قاسيون، ودُفِنَ ضحَى يوم السَّبْت بمقبُرة الشَّيخ موفَّق الدِّين.
وكانَ مُكثرًا عن ابن اللَّتِّيّ، وابن المُقَيَّر، وجعفر الهَمْدانيّ، وكَرِيمة. وسَمِعَ على نَحْوٍ من مئتي شَيْخ، وأُحْضِرَ على الفَخْر الإرْبِليِّ، وأبي نَصْر ابن الشِّيْرازيّ. وله إجازات بغدادية ومِصْرية.
وكانَ صالحًا، وقُورًا، حَسَنَ الهيئةِ، له عَقْلٌ وافرٌ، وفَهْم جَيِّدٌ، ودِيانةٌ، وأمانةٌ، وحرصٌ على الإفادة والتَّحْدِيث.
قال لي: إنه ما قَصَدَهُ أحدٌ ليسمع عليه إلّا وقَدَّم التَّسْميع على شُغْله ومَصْلحته. سافرتُ معه إلى الدِّيار المِصْرية والبلاد الحَلَبية. وكنتُ أسمعُ منه في البلاد والقُرى والمنازل.
ومولدُه في حادي عَشَر صَفَر سنة تسع وعِشْرين وست مئة بدمشقَ، رحمه الله تعالى.
٢٧٠٧ - وفي شَهْر ربيع الأول المَذْكور تُوفِّي فَخْرُ الدِّين عُثمانُ (٢) بنُ مَمْدود الصُّوفيّ بخانقاه الطَّواويس.
стр. 1622
٢٧٠٨ - ورضيُّ الدِّين أبو القاسم (١) ابنُ زَيْنِ الدِّين عبّاس بن أبي طالب بن حُمَيْد البَعْلَبكيّ.
٢٧٠٩ - وفي ليلة الأربعاء الثاني والعِشْرين من ربيع الأول تُوفِّي الشَّيخُ الأمينُ العَدْلُ نَجْمُ الدِّين أحمدُ (٢) بنُ عبدِ الرَّحمن بن عبد الله المالكيُّ، التّاجر بالرَّمّاحين، وصُلِّي عليه ظُهْر الأربعاء بالجامع المَعْمور.
وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، وبينه وبينَ الشَّيخ زَيْن الدِّين الزَّواويّ وَصْلة.
٢٧١٠ - وفي يوم الخَمِيس ثالث عِشْري ربيع الأول تُوفِّي الشّابُ الصّالحُ المشتغِلُ تقيُّ الدِّين ابن صَبَاوة (٣) البَعْلَبَكيُّ، بالعُقَيْبة، وحُمِلَ إلى بَعْلَبَك.
وكانَ شابًّا مُباركًا، مُتَعبِّدًا، ملازمًا للخَيْر والاشتغال.
• - وفي ليلة الجُمُعة رابع عِشْري ربيع الأول وصلَ رُسُل السُّلطان غازان سُلْطان المَشْرق من الدِّيار المِصْرية، وصُحْبَتُه الأميرُ المُجيريّ، والقاضي عِماد الدِّين ابن السُّكّريّ، وكانَ خُرُوجُهم من القاهرة سادس ربيع الأول، وأقامُوا بدمشق ليلتين وسافَروا.
٢٧١١ - وفي يوم الجُمُعة الرابع والعِشْرين من ربيع الأول تُوفِّي الشَّيخُ أبو الحَرَم (٤) بن عُثمان بن يحيى بن أبي القاسم الصَّحْراويُّ السَّنْبُوسَكِيُّ، ودُفِنَ بعد العَصْر من يومه بالجَبَل.
رَوَى لنا عن ابن اللَّتِّيّ، ولم يَرْو لنا عن غيرِه، ولا وَجَدْنا له غير ذلك.
ومولدُه تقريبًا في سنة أربع وعِشْرين وست مئة.
стр. 1623
وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، مُشْتَغِلًا بالفِلاحة والقيام بأمرِ البَساتين.
٢٧١٢ - وفي يوم الأربعاء التّاسع والعِشْرين من ربيع الأول ماتَ الأكرمُ (١) ابنُ اللَّقْلَق المُسْلِمانيّ الكاتبُ.
ربيع الآخر
٢٧١٣ - وماتت والدتِي زَيْنَبُ (٢) بنتُ سَعِيد بن عليّ بن يَعْلَى الأندَلُسيِّ، الأغرناطيّ أبُوها، في أول ليلة الأربعاء سابع شَهْر ربيع الآخر، وصُلِّي عليها ظُهر الأربعاء بالجامع المَعْمور، ودُفِنَت بمقبُرة باب الصَّغير عند أهلها، وحَضَرها جماعة.
وكانت سَمِعَت بقراءتي على بعضِ الشُّيوخ، ورَوَت شيئًا يسيرًا عن شَيْخَتِنا زينب بنت مكي الحَرّاني، رحمهما الله تعالى.
ومولدُها تقريبًا سنة إحدى وخمسين وست مئة.
• - وباشرَ الشَّيخُ شَرَفُ الدِّين الفَزَاريُّ مشيخةَ دار الحَدِيث الظّاهرية يوم الخَمِيس ثامن ربيع الآخر عِوَضًا عن الشَّيخ شَرَف الدِّين الناسخ، وذكرَ دَرْسًا مُفيدًا، وحضر عنده جماعةٌ من الأعيان (٣).
٢٧١٤ - وتُوفِّي الشَّيخُ عُمر (٤) المَعَرِّيُّ، المجاورُ بالجامع، عن يمين المارّ إلى المئذنة الشَّرْقية، في الرِّواق الثاني، ليلة الجُمُعة سادس عَشَر ربيع الآخر، ودُفِنَ بباب الصَّغير. وكانت وفاته في مكانه من الجامع.
٢٧١٥ - وفي يوم الأحد ثامن عَشَر وبيع الآخر تُوفِّي الشَّيخُ
стр. 1624
شَمْسُ الدِّين مُحمدُ (١) بنُ عِماد الدِّين إبراهيم بن عبدِ الرَّحمن بن أبي العَيْش الأنصاريُّ، الدِّمشقيُّ، ودُفِنَ يوم الاثنين.
ومولدُه في سنة أربع وعِشْرين وست مئة.
رَوَى عن جعفر الهَمْدانيِّ "جُزء الجَمّال"، سَمِعَهُ عليه بالنَّيْرَب، وحَدَّث به غير مَرّة، ولم يَظْهر له سِوَاه.
٢٧١٦ - وفي شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي بالقُدس الشَّريفُ الخَطِيبُ الإمامُ العالمُ الزّاهدُ العابدُ ذو الفَضَائل جمالُ الدِّين أبو البقاء عبدُ الرَّحمن (٢) بنُ يوسُف بن مُحمد الحَرّانيُّ، خَطِيب المَسْجد الأقصى.
٢٧١٧ - والشَّيخُ الصّالحُ شَمْسُ الدِّين (٣)، عُرِفَ بالمُقْرِئ، إمامُ قُبّة الصَّخْرة المُباركة، بينهما نحو من جُمُعة.
وكانَ أبو البَقاء رَجُلًا فاضِلًا، صاحبُ فُنون، وَلِيَ الخَطابة بعد قاضي القُضاة بَدْر الدِّين ابن جَماعة.
٢٧١٨ - وفي ليلة الخَمِيس مُنْتَصف شهر ربيع الآخر تُوفِّي بالقاهرة الشَّيخُ المُسْندُ فَتْحُ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (٤) بنُ نَصْر بن جِبْريل بن مُرْتَفع بن مُهَلْهِل بن غِياث بن عَنان الأنصاريُّ الحنفيُّ، المعروفُ بابن العَنْبَريّ.
واسمه في طِباق سماعه: فَتْح بن عبد الله.
وكانَ أحدَ المُعَدَّلِين بالقاهرة.
قرأتُ عليه "مُنْتَقى من سُنَن النَّسائي"، بسماعه من ابن باقا، وكَتَبَ إليّ بوفاته شَمْس الدِّين ابن سامة.
стр. 1625
جُمادى الأولى
٢٧١٩ - وفي ليلة الثُّلاثاء رابع جُمادى الأولى ماتَ الحاجُّ العَفيفُ أبو مُحمد ذبيانُ (١) بنُ أبي الحَسَن بن عُثمان المُقَنَّى البَعْلَبكيُّ التّاجر، المعروف بظبيان، ودُفِنَ من الغد بسَفْح قاسيون.
وكانَ يَرْوي عن الشَّيخ الفقيه مُحمد اليُونينيِّ، وابن عبد الدّائم، وغيرِهما،
وحَدَّث بـ"جزء ابن جَوْصا".
وكانَ رَجُلًا جيِّدًا من أهل القُرآن، وله دُكّان تِجارة بدمشق.
٢٧٢٠ - وفي ليلة الجُمُعة سابع جُمادى الأولى تُوفِّي الشَّيخُ الأصيلُ بهاءُ الدِّين أبو إسحاق إبراهيمُ (٢) ابنُ الشَّيخ تَقِيِّ الدِّين إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليُسْر شاكر بن عبد الله التَّنُوخيُّ، وصُلِّي عليه بالجامع عَقِيب الجُمُعة، ودُفِنَ بسَفْح قاسيون.
وكانَ يَشْهد، وهو كثيرُ السُّكون، قليلُ الكَلام.
سَمِعَ من السَّخاويِّ، وابن قُمَيْرة، وعِزِّ الدِّين ابن عَسَاكر، وتاج الدِّين القُرْطُبِيّ، وغيرهم.
قرأتُ عليه "مشيخة ابن شاذان الكبيرة" وغيرها.
٢٧٢١ - وفي ليلة الأربعاء تاسع عَشَر جُمادى الأولى تُوفِّي نَجْم الدِّين سعيدُ (٣) ابنُ الصَّدْر نِظام الدِّين حَسَن بن مؤيَّد الدِّين ابن القَلانسيّ، ودُفِنَ من الغد بتُربتهم بالجَبَل.
стр. 1626
• - وفي يوم الخَمِيس العِشْرين من جُمادى الأولى باشرَ الشَّيخُ زينُ الدِّين الفارقي الإمامة بالجامع، وقاضي القُضاة نَجْم الدِّين ابن صَصْرَى الحُكْم، والأميرُ رُكنُ الدِّين بَيْبَرس التَّلاوي الشّدَّ. وخُلِعَ عليهم ولبِسُوا الخِلَع يوم الجُمُعة، وحَضَرَ نائبُ السَّلْطنة والأمراء والقُضاة لسماع الخُطْبة بالمَقْصورة. وقُرِئ عَقِيب الجُمُعة تَقْليدَ قاضي القُضاة نَجْم الدِّين، قَرَأهُ الشَّيخُ شَرَفُ الدِّين الفَزَاريُّ بالمَقْصورةِ أيضًا. وتوجَّه إلى الشبّاك، وجلسَ مكان القضاة، وقُرئَ تقليدُه هناك مرة ثانية (١).
• - وفي جُمادى الأولى وَقَعَ بيد نائبِ السَّلْطنة الأميرِ جمالِ الدِّين الأفْرم كتابٌ إليه صُورة نَصِيحة على لِسان قُطُز من مماليك الأمير سَيْف الدِّين قَبْجَق، وفيه إنّ الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تيميّة، والقاضي شَمْس الدِّين ابن الحَرِيري يكاتبان قَبْجَق ويختارانِه لنيابة المُلْك، ويَعْمَلان على الأمير، وإنَّ الصَّدْرَ كمالَ الدِّين ابن العَطّار، والشَّيخَ كمال الدِّين ابن الزَّمَلُكانيّ يطالعان بأخبار الأمير، وإنّ جماعةً من الأُمراء معهم في هذه القَضِية، وذكروا جماعة من مماليك الأمير وخَوَاصّه، وأدْخَلُوهم في ذلك.
فلمّا قرأ الأمير هذا الكتاب وفَهِمه عَلِمَ بُطْلانه وأسَرَّهُ إلى بعض الكُتّاب، وطلب التَّعريف بمن فَعَلَه، فاجتهدَ في ذلك حتى وقعَ الخاطر والحَدَس على فَقِير يُعرف باليَعْفُوري ممّن كانَ نُسِبَ قبل ذلك إلى فُضول وتَزْوير، فمُسِكَ فوُجد معه مُسَوّدة بالكتاب المَذْكور بعينه، فضُرِبَ، فأقرَّ على شخص آخر يُعْرَف بأحمد القباريّ، كان أيضًا قد نُسِبَ إليه زُورٌ ودخولٌ فيما لا يَعْنيه، فضُرِبَ الآخرُ، فاعترفَ، وعَيّن جماعةً من الأكابر أشارُوا عليهما بذلك،
стр. 1627
وكانَ قصدهم تَشْويش خاطِر الأمير على خَوَاصه، والسَّعْي في إهلاك المَذْكورين في الكتاب، فانْجَلَت القَضِيّة للأمير، وعَرَفَ الأمر فيها معرفةً شافيةً، وعَزَّرَ الفقيرين المَذْكورين في مُستهلِّ جُمادى الآخرة، ثم بعد التَّعزير أمر بتوسيطهما وتَعْلِيقهما في اليوم المَذْكور. وكذلكَ أيضًا عُزِّز التّاج ابن المَناديليّ النّاسخ في التاريخ المَذْكور، وقُطِعَت يمينه. وهو الذي كانَ كتبَ لهما الكتابَ، وخَطُّه معروف (١).
• - وفي الخامس والعِشْرين من جُمادى الأولى انتقلَ الأميرُ سَيْف الدِّين بَلَبان الجوكَنْدار المَنْصوريّ إلى قَلْعة دمشق متولِّيًا نيابةَ السَّلْطنة بها مكان الأمير عَلَم الدِّين أرجواش (٢).
٢٧٢٢ - وفي يوم الاثنين الرّابع والعِشْرين من جُمادَى الأولى تُوفِّيت أمُّ مُحمد خَدِيجةُ (٣) بنتُ زَيْن الدِّين عبد الرَّحمن بن أبي بَكْر مُحمد بن إبراهيم بن أحمد المَقْدسيِّ، وهي أمُّ صلاح الدِّين، زوجة شَرَف الدِّين ابن الشَّيخ شَمْس الدِّين الحنبليّ، ودُفِنَت من الغد يوم الثُّلاثاء بسَفْح قاسيون، بتُربة الشَّيخ أبي عُمر.
رَوَت لنا عن خَطِيب مَرْدا، وسَمِعَت من اليَلْدانيّ، ومُحمد بن عبد الهادي، وإبراهيم بن خَلِيل، وابن عبد الدّائم. وأجازَ لها سِبْط السِّلَفي، وجماعةٌ.
ومولدُها تقريبًا سنة سبع وأربعين وست مئة بسَفْح قاسيون.
وكانت (٤) امرأة صالحة، مُلازمة للخَيْر، وخدمة زَوْجها وأولادها.
стр. 1628
٢٧٢٣ - وفي يوم الأحد الثاني من جُمادى الأولى ماتَ الشَّيخُ الكبيرُ أسدُ الدِّين إبراهيمُ (١) بنُ الليث مَسْعود بن إسماعيل بن عليّ الأُغْزِي (٢) الحَنَفيُّ، ودُفِنَ بمقابر باب الصَّغير عن اثنتين وتسعين سنة.
ومولده سنة عشر وست مئة بدمشق.
رَوَى لنا عن ابن البَراذِعيّ، عن ابن عساكر.
وكانَ شيخًا شُجاعًا، له هِمّة ونَهْضة، يواظب على الصَّلاة في الجامع، ويركب ويُسافر، وله مَعْرفة ومطالعة للكُتب.
وذكرَ لي أنّ والدَهُ تُوفِّي سنة ثلاث عشرة وست مئة، وهو صغير.
٢٧٢٤ - وتُوفِّي الشَّيخُ إبراهيم (٣) النَّصِيبيّ، شيخ رِباط العَدَوية بالقَرَافة في الليلة المُسْفِرة عن يوم السَّبْت، لليلةِ إنْ بَقِيت من جُمادى الأولى.
قرأتُ ذلك في كتاب ابن سَامة.
جُمادى الآخِرة
٢٧٢٥ - وفي آخر نهار الاثنين مُستهلّ جُمادى الآخرة تُوفِّي الشَّيخُ الإمام المُحدِّث الفقيه الفاضل نَجْم الدِّين أبو إبراهيم موسى (٤) بنُ إبراهيم بن يحيى الشَّقْراويُّ الحنبليُّ، بدارِ الحَدِيث العالميّة بالقُرب من
стр. 1629
الرِّباط النّاصري، بسَفْح قاسيون، وصُلِّي عليه ظُهْر يوم الثُّلاثاء بالجامع المُظَفَّري، ودُفِنَ بسَفْح قاسيون بالقُرب من التُّربة السِّراجية.
وكان فاضلًا، حسَنَ المُجالسة، كثيرَ الفوائد. قرأ الحَدِيثَ بنفسِه على الحافظ ضياءِ الدِّين، وسَمِعَ على إسماعيل بن ظَفَر، وعلى خَلْق كثيرٍ، وقرأ الكُتُبَ الكبارَ، وسَمِعَ النّاسُ بقراءتِه، وحدَّث وكتبَ كثيرًا من الكُتُب، واشتغلَ كثيرًا بالفَضائل، وكان مُفْتِيًا، وله نَظْمٌ حَسَنٌ، ويَنْقُلُ كثيرًا من اللغة، وعندَهُ جملةٌ من التاريخ، وأفتَى في مَذْهبه، رحمه الله تعالى.
٢٧٢٦ - وتُوفِّي الشَّيخُ شِهابُ الدِّين أحمدُ (١) ابنُ الشَّيخ إبراهيمَ بنِ مِعْضاد بن شَدّاد الجَعْبَريُّ، في الليلة المُسْفِرة عن يوم الجُمُعة الخامس من جُمادى الآخرة، وصُلِّي عليه يوم الجُمُعة بعد الصَّلاة بجامع الحاكم، ودُفِنَ ظاهر باب النَّصْر عند قبر والده.
٢٧٢٧ - وفي سادس عِشْري جُمادى الآخرة يوم الجُمُعة ماتَ الشَّيخُ جمالُ الدِّين عُمرُ (٢) بن مَحْبوب الحَرِيريّ، ودُفِنَ بالصُّوفية.
وهو والد مَجْد الدِّين أحمد بن مَحْبوب.
• - وقرأتُ في بعض الكُتُب الواردة من القاهرة الحروسة أنّه لما كان بتاريخ يوم الخَمِيس رابع جُمادى الآخرة ظَهَرت دابّة عَجِيبةُ الخِلْقة من بَحْر النِّيل إلى أرض المنوفِيّة بين بلاد مُنْية مَسُود واصطباري والرّاهب، وهذه صفتها: لونُها لون الجامُوس، بلا شَعَر، وآذانها كآذان الجَمَل، وعَيْناها وفَرْجها مثل النّاقة، يُغَطِّي فَرْجَها ذَنَبٌ طولُه شِبْر ونِصْف، طَرَفُه كذَنب السَّمَك،
стр. 1630
ورَقَبَتُها مثل غِلْظَ التّلّيس (١) المَحْشُوّ تِبْنًا، وفَمُها وشَفَتاها مثل الكِرْبال (٢)، ولها أربعة أنياب، اثنان من فَوْق واثنان من أسفَل، طولهم دونَ الشِّبْر وعرض إصبعين، وفي فَمِها ثمانية وأربعون ضِرْسًا وسنًّا مثل بَياذق الشِّطْرنج، وطولُ بَدَنها (٣) من باطنها إلى الأرض شِبْران ونصف ومن رُكبتها إلى حافِرها مثل بَطْن الثُّعبان أصفر مُجَعّد، ودَوْرُ حافرها مثل السُّكُرّجة (٤) بأربع أظافير مثل أظافير الجَمَل، وعرض ظهرها مِقدار ذِرَاعين ونِصْف، وطُولها من فَمِها إلى ذَنَبها خَمْسة عَشَر قَدَمًا، وفي بَطْنها ثلاث كُرُوش، ولَحْمها أحمر، وزُفرته مثل السَّمَك، وطعمه كطَعْم الجَمَل، وغِلظَ جِلْدها أربع أصابع، ما تعمل فيه السُّيوف، وحُمِلَ جِلْدها على خَمْسة أجمال في مِقْدار ساعةٍ من ثقله على جَمَل بعد جَمَل، وأحْضَرُوه إلى القَلْعة المَعْمُورة بحَضْرة السُّلطان، وحَشوهُ تِبْنًا وأقامُوهُ بين يديه (٥).
٢٧٢٨ - وفي جُمادى الآخرة تُوفِّي الشَّيخُ الصّالحُ أبو غانِم (٦) بنُ جعفر بن أبي القاسم السُّلَمِيُّ، بحَماة، ووصلَ إلينا خَبَر موتِه في عاشر رَجَب.
ومولدُه سنة خمس عشرة وست مئة، تقريبًا، ببلد بارِين من عَمَل حماة.
стр. 1631
وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، فَقِيرًا، مُباركًا، حَسَن الأخلاق، كثيرَ السُّكُون، أقامَ مدّة بمَقْصووة الحَلَبيِّين بجامع دمشق. وفي أواخر عُمره انتقل إلى حماة، وسَمِعَ كثيرًا بدمشق مع الشَّيخ شَرَف الدِّين الدِّمْياطي وغيره من مكيّ بن عَلّان، وإسماعيل العِراقيّ، والضِّياء مُحمد بن أبي القاسم القَزْوينيّ، وعبد العزيز الكَفرطابيّ، وغيرهم.
قرأتُ عليه "مَجْلس رَمَضان" لابن عَساكر، بسماعه من مكي بن عَلّان، عنه، وغيرَ ذلك.
رَجَب
وفي يوم السَّبْت خامس رَجَب طِيفَ بمَحْمَل الحاج واستبشَرَ النّاسُ بذلك مع وجودِ الأراجيف والأخْبار المُزْعِجة بأمرِ العَدُو وأنّ حَرَكتهم قويّة ظاهرة.
٢٧٢٩ - وفي هذا اليوم ماتَ الشَّيخُ إسماعيلُ (١) بنُ عبد الكَرِيم بن سُلْطان البَعْلَبكيّ المعروف باللُّبْنانيّ، بسَفْح قاسيون، ونُودي له في البَلَد.
وكانَ شَيْخ زاوية وفُقَراء.
٢٧٣٠ - وفي يوم الثُّلاثاء ثامن رَجَب ماتَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين عبدُ الملك (٢) ابن أيبك المَعَرِّيُّ الفقيه، مُدَرِّس الأصبهانية (٣) بالمارستان، ودُفِنَ بباب الصَّغير.
وكانَ فَقِيهًا صالحًا، مُتَنَسِّكًا، وابتُلِيَ بالفالج مدّةً طويلة، وطالَ مَرضه، وحدَّث بشيءٍ يسير عن ابن عبد الدّائم.
стр. 1632
وفي شَهْر رَجَب جَمِيعه كانَ النّاسُ في أمرٍ شَدِيد وضيق بسبب التَّتار ودخولهم البلادَ، وتأخَّر عَسْكر المُسلمين عن الحُضُور (١).
وفي سادس عِشْرِيه قَنَتَ الخطيبُ في الصَّلَوات الخَمْس، وقُرئ في "صحيح البُخاري"، وشَرَعَ النّاسُ في الجَفْل إلى مصرَ والكَرَك والحُصُون.
٢٧٣١ - وفي ليلة الأحد السابع والعِشْرين من رَجَب تُوفِّي الفقيهُ الفاضلُ كمالُ الدِّين أحمدُ (٢) بنُ عَسْكر بن شدّاد الزُّرَعيُّ بسكنِه بالقُوصيّة، ودُفِنَ ضُحَى الأحد بمقابر باب الصَّغير إلى جانب قُبّة الجوالقيّة، وحضرَ قاضي القُضاة وجماعةٌ.
وكانَ رَجُلًا صالحًا، وفَقِيهًا، نَبِيهًا، مُتَقشِّفًا، مُتَعفِّفًا، مُقِلِّا من الدُّنيا، ولم يَمْرض، ولكنْ حصلَ له وَجعٌ من القَوْلنْج، فماتَ.
سَمِعَ كثيرًا مع شَيْخه الشَّيخ تاج الدِّين من ابن عبد الدّائم، وابن أبي اليُسْر، وغيرِهما، وحَدَّث، وحَجَّ غيرَ مَرّة. وكان كُل سنة يُسافر ماشيًا إلى القُدس.
٢٧٣٢ - وفي ليلة الأربعاء سَلْخ رَجَب تُوفِّي الصَّدْرُ الكبيرُ الفاضلُ العَدْلُ أمينُ الدِّين مُحمدُ (٣) ابنُ الشَّيخ عِماد الدِّين مُحمد بن عُمر بن عبد الرَّحمن بن عبد الواحد بن هِلال الأزْديُّ، وصُلِّي عليه ظُهْر الأربعاء بالجامع المَعْمور، ودُفِنَ بالجَبَل.
стр. 1633
وكانَ مُرَجّحًا على صُدُور البَلَد وأكابره لِمَا عُرِفَ به من الأمانة والكَفاءةِ والسِّيرة المَحْمودة والعِفّة والصِّيانة، ووَلِيَ نَظَر الدِّيوان الكبير ونَظَر الجامع المَعْمور، ونَظَر الخِزانة السُّلطانية وغير ذلك من المَناصب، ولم يُتَعرَّض له في شيء من ولاياته، بل كان ينتقلُ في الولايات مَطْلوبًا مَخْطوبًا.
وكانَ سَمِعَ "صحيحَ مُسلم" من الرَّضِيّ ابنِ البُرْهان، وغيرَ ذلك. وحَدَّث.
ومولدُه بدمشق ليلة الثامن والعِشْرين من رَجَب سنة سبع وأربعين وست مئة.
• - وفي يوم الأربعاء المَذْكور باشرَ نَظرَ الخِزانة السُّلطانية الشَّيخُ نَجْمُ الدِّين ابن أبي الطِّيّب عِوَضًا عن أمينِ الدِّين ابن هِلال المَذْكور، وباشرَ نَظرَ الجامع المَعْمُور الصَّدْرُ جمالُ الدِّين ابنُ شَمْسِ الدِّين ابن الصَّدْر سُليمان الحَنَفيّ، عِوَضًا عن شَرَفِ الدِّين ابن الصَّدْر سُليمان الحَنَفيّ، عِوَضًا عن شَرَفِ الدِّين ابن الشَّيْرَجيّ (١).
شَعْبان
• - وفي يوم السَّبْت ثالث شَعْبان باشرَ مَشْيخة الشُّيوخ بدمشق الخطيبُ ناصرُ الدِّين بن عبد السَّلام، عِوَضًا عن قاضي القُضاة بَدْر الدِّين ابن جَماعة. وبعد سَفَر قاضي القُضاة بَدْر الدِّين كان نائبه القاضي جمالُ الدِّين الزُّرَعيُّ، باشر ذلك إلى هذا التاريخ (٢).
٢٧٣٣ - وفي ليلة السَّبْت عاشِر شَعْبان تُوفِّي مُحيي الدِّين عُثمانُ (٣) ابنُ الشَّيخ أحمد بن عُثمان ابن إمام الكلّاسة إمام مَشْهد ابن عُرْوة، ودُفِنَ ظُهر السَّبْت بسَفْح قاسيون بتُربَتهم، وحَضَرَهُ جَمْعٌ كبير.
стр. 1634
وكانَ سَمِعَ من ابن البُرْهان "صحيح مُسلم"، وسَمِعَ من ابن عبد الدّائم وجماعة، وحدَّث.
• - وفي يوم السَّبْت المَذْكور ضُرِبَت البشائرُ بقَلْعة دمشق وعلى أبواب الأُمراء بسبب خُروج السُّلطان، أعزّ الله نَصْره، من الدِّيار المِصْرية (١).
• - وفي يوم السَّبْت المَذْكور وقعَ مَصَافّ بأرض عُرْض (٢) بين جماعةٍ من جَيْش المُسلمين، وبين جماعةٍ من التَّتار، ونُصِرَ المُسلمون عليهم وقَتَلُوهم وأسَرُوا منهم، ووصلت البطاقة بذلك إلى دمشق في عشيّة الأحد، ودَخَلُوا دمشق بمقدمَيْن كبيرين مأسُورَين من التَّتار يوم الخَمِيس مُنْتَصف شَعْبان وهو يوم خميس النَّصارى، وحضرَ من المُسلمين في هذه الوقعة: الأميرُ سَيْفُ الدِّين أسَنْدَمُر، والأمير سَيْفُ الدِّين بهادِر آص، والأميرُ سَيْفُ الدِّين كُجْكُن، والأمير سَيْف الدِّين غُرلُو العادلي، وعُدِمَ فيها الأمير سَيْفُ الدِّين أنَس، وعلاءُ الدِّين ابن باشْقَرد النّاصري. وكانَ المُسلمون نحوًا من ألف وخمس مئة، وكان التَّتار بقدرهم مرَّتين أو ثلاثة، وهم الطائفة التي كانت وصَلَت إلى القَرْيَتين، ونَهَبت التُّركمان وشَعَّثت.
• - ووَصلَت جماعةٌ كبيرةٌ من الجَيْش المِصْريّ إلى دمشق في يوم الأحد ثامن عَشَر شَعْبان، ومقدّمُهم الأميرُ رُكنُ الدِّين بَيْبَرس الجاشْنَكير، والأميرُ حُسام الدِّين لاجِين السِّلَحْدار المعروف بالأستاذ دار المَنْصوريّ، وفيهم الأميرُ سَيْفُ الدِّين كراي المَنْصوريّ، والأميرُ رُكنُ الدِّين بَيْبَرس الدَّوادار، وعلاءُ الدِّين ابن الحاج طيْبرس، وجماعة، وفَرِحَ النّاسُ بوصولِهم،
стр. 1635
وقَوِيَت القُلُوب بذلك، ثم وَصلَت جماعةٌ من المِصْريين، فيهم الأمير بَدْرُ الدِّين أميرُ سِلاح، وأيبك الخِزَنْدار، ويَعْقُوبا.
ثم إنَّ الجَيْش الذي كانَ قد اجتمعَ بحَمَاةَ من عَسْكَرِها، وعَسْكر حَلَب، وعَسْكر الحُصُون تأخَّرَ إلى حِمْص، وخرجَ معهم جماعةٌ كبيرةٌ من حَمَاة، وتَرَكوا أهاليهم وأموالَهُم، وحَصَلَ لهم مشقّةٌ كبيرةٌ وشِدّة عَظِيمة، ووصلُوا إلى حِمْص فلم يَرَوا المُقام بها أيضًا، خَوْفًا من أن يَدْهَمهم العَدُوّ المَخْذُول، فتأخَّرُوا عن حِمْص، فلم يَرَوا منزلة تَلِيقُ بالجيش، فوصَلُوا إلى المَرْج يوم الأحد الخامس والعِشْرين من شَعْبان.
وذُكِرَ أنَّ التَّتار جاوزُوا حِمْص إلى قارا، ثم رَجَعُوا إلى حِمْص. وذُكِرَ أنّ طائفةً منهم وصَلَت بَعْلَبَك وجاوَزَتْها، ثم رَجَعت، وذلكَ على طريق الغارة والعَيْث والفَساد.
وأصبَحَ النّاسُ بدمشقَ يوم الأحد المَذْكور في أمرٍ كبير لقُرب العدوّ، وتأخُّر السُّلطان وجُمْهور الجَيْش، فشَرَعُوا وتَحَرَّكوا في الجَفْل، وذَكَرُوا أنّ هذا الجيش الذي قد اجتمعَ بالمَرْج ودمشق ليسَ لهم طاقة بلقاءِ هذا العَدُو، وإنّما سَبِيلهم أن يتأخّروا عنهم مَرْحلة مَرْحلة، فاختَبَط البَلَدُ. فلما تعالَى النَّهارُ اجتمعَ الأمراء بالمَيْدان، وتَحَالفوا على لِقائِهم وشَجَّعُوا أنفسَهُم. ونُودِيَ بالبَلَد أن لا يَجْفل أحدٌ ولا يُسافر أحد، فسكنَ النّاسُ، وجلسَ القُضاة بالجامع وحَلّفوا جماعةً من الفُقهاء والعامّة على حُضُور الغَزاة.
وتوجّه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ابن تيميّة إلى جِهَة العَسْكر الواصل من حَمَاة، فأدركه بالقُطَيّفة والمَرْج، فاجتمعَ بهم وأعلَمَهُم بما اتفق عليه رأي الأُمَراء بدمشق، فوافقوا على ذلك.
стр. 1636
وفي يوم الأربعاء الثامن والعِشْرين من شَعْبان اختبطَ النّاسُ كثيرًا، وجفل جميعُ أهلِ القُرَى والحَوَاضر، واعتكرَ النّاسُ بأبواب البَلَد، ودخلَ كثيرٌ من النّاس إلى القَلْعة، وامتلأت المَنازل والطُّرُق، وحَصَل التنازعُ في ذلك، وتشوّشت القُلُوب بسبب أنّ جماعةً من الجَيْش توجَّهوا إلى الكُسْوة وناحِيَتها، فتكلَّم النّاسُ أنَّ هؤلاء يريدون اللَّحاق بالسُّلْطان وبقيّة الجَيْش، وهذا يَقْتَضِي ترك البَلَد ومَن فيه وراء ظُهُورهم، وانزعجَ النّاسُ لذلك. ومنَ النّاسِ من ذَكَرَ أنّ القَصْدَ أن يختاروا موضعًا للوقْعة يكون أصْلَح من المَرْج، فإنّ فيه حُفرًا ومياهًا كثيرة.
وذكروا أنَّ التَّتار قربوا جدًّا، حتى ذَكَرُوا أنه وَصَل منهم طائفة إلى القُطَيّفة، ومنهم من يقول إنهم على قارا، ونَزَل الجَيْشُ بأسرِه على الجُسُوو قِبْليّ دمشق، فسكنَ النّاسُ بين الظُّهْر والعَصْر. فلما كان بعدَ العَصْر شرعَ النّاسُ يتحدَّثون في رَحِيلهم من هناك، فمِنَ الناس مَن يقول: أنا كنتُ فيهم وهم ثابتون لا يتغيَّرون من هناك أصلًا. ومنهم من يقول: قد شَرَعَ المِصْريّون في الرَّحيل، والشاميّون يتبعونهم بلا شك، واضطربَ النّاسُ.
وكانَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في البَلَد. وأمّا القُضاة فكانوا خَرَجُوا مع الجَيْش. وباتَ النّاسَ ليلةَ الخَمِيس، ففي أول اللَّيل رأى النّاسُ نيرانَهُم وخِيَمهم، وفي آخره لم يروا لهم أثرًا، فأصبحَ النّاسُ بُكْرة الخَمِيس وقد اشتدَّ الأمرُ واضطربَ البلد، وغُلِقت الأبواب، وازدَحَم النّاس في القَلْعة، وهَرَب من قَدر، وخرجَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين بُكْرة إلى جِهَتهم، ففُتِحَ له بابُ النَّصْر بمشقّة، وحصلَ له لومٌ من النّاس لكونه كانَ من موانع الجَفْل، وبَقِيَ البلدُ لا مُتولِّي فيه، والنّاسُ رِعاع، وغَلا السِّعْر حتى بيع الخُبْز ثلاث أواق بدِرْهم، وانحصَرَ النّاسُ فلا يَجْسُر أحد على الخُروج إلى بُستانه ولا مَزْرعته ولا دارِه، وخرجَت
стр. 1637
الشُّلوح واللُّصوص إلى البَساتين يَقْطَعُون الفواكِه قبل أوانِها وكذلك الزُّروع والبُقُول وغير ذلك. والنّاسُ في حَيْرة، وحيلَ بينَهُم وبين خَبَر الجَيْش، وانقطعت الطَّرِيق إلى الكُسْوة في ساعةٍ واحدةٍ، فيرجع هذا وهو مَجْروح، وآخر وهو مُشَلَّح، وظهرت الوَحْشة على البَلَد والحَوَاضر، وليسَ للنّاس غير الصُّعود في مواذن الجامع يَنْظرون كذا وكذا، فتارةً يقولون: رأينا سوادًا وغَبْرة من جهة المَرْج، فيخاف النّاسُ ويَجْزمون أنَّ التَّتار قد أحاطَت بهم. ويَنْظرون إلى جهة الكُسْوة، فيقولون: ليسَ ثم شيء بالكُلّية، ويَتَعجَّبون لِما فَعَلَ اللهُ تعالى بهذا الجَيْش، وأزالَهُ في لَحْظة مع الكَثْرة وجَودةِ العُدَد والسَّلاح والثِّياب والهَيْئات، ثم يقولون: ليسَ لَهُم مَن يَجْمَعُهم على أمرٍ واحدٍ، ولهذا حَصَل فيه الفَشَل والجُبْن والتَّخاذل وكَثُر اللجاء إلى الله تعالى. وقال النّاسُ: قد بَقينا أُكْلةً في هذا البَلَد، فإنّ الأسباب قد زالت، الجَيْش بأسرِه توجَّه عَنّا وخَذَلَنا، حتى أرباب الوظائف مثل الوالي ونَحْوه، فلا يُرَى في البَلَد جُنديّ ولا فَرَس، والعُدَد الموجودة في البَلَد حُمِلت إلى القَلْعة، والأكابر والقُضاة الذين دخلوا تلك المَرّة في المداراة وحَقْن الدِّماء توجَّهوا بأسرهم، ومنهُم مَن دخل القَلْعة، وانقطعت الآمال. وألحَّ النّاسُ في الدُّعاء في القُنُوت وعَقِيب الصَّلوات.
وكان هذا اليوم وهو يوم الخَمِيس التاسع والعشرين من شَعْبان يومًا عظيمًا هائلًا جدًّا، بحيثُ لو عَلِمَ النّاسُ أنّ الأمرَ يقع هكذا لما سَكَنَ أحدٌ ولا أقامَ، ولو منعه ألف مانع، وكانَ بذلَ ما يملكه على الخَلاص من ذلك.
وفي آخر هذا اليوم بعد العَصْر وصلَ الأمير فَخْرُ الدِّين إياس المَرْقَبيّ من أمراء دمشق وذكرَ خَيْرًا وقال: إنّ العَساكر قد اجتمعَت، والقَصْد هو انضمامُ الجَيْش بعضه إلى بعض، ووصول السُّلطان، وهذا قد حَصَل وهم راجِعُون،
стр. 1638
ذَكَرُوا أنه وَصَل يكشف هل أحاط العدوّ بالبَلَدِ. وكان القياس يقتَضِي ذلك لولا رَحْمة الله تعالى وعَطْفه ولُطْفِه ، فإنّهُ لم يَبْق بيننا وبينهم حاجز، فإنهم كانوا على المُعَيْصِرة، وقد ذهبَ الجيش وتَقَدَّم عن البَلَد إلى شَقْحَب، وذهبَ اليَزَك ولَحِق بالجَيْش، فكانَ ممّن وصلَ منه الأمير سَيْفُ الدِّين سَمز، فمرَّ بالبلد وحَذَّرَ النّاسَ، وأمرَ متولِّي القَلْعة لشَمْس الدِّين الخَطِيري أن يتكلَّم في أمر الولاية، ولابن النُّخَيْليّ في الحِسْبة. وأمسَى النّاسُ عَشِيّة هذا اليوم الشديد وعندهم سُكون يَسِير بسبب ما أخبرَهُم المَرقبيّ. ومع هذا فالقُلُوب واجفة.
وكانَ نُودِيَ في البَلَد بتطييب الخَواطر، وأنَّ السُّلطان واصل، ونائبه قَبْجَق، ثم ذُكِر أنَّ هذه النِّيابة لا حقيقةَ لها، وحصلَ التَّعجّب من الإقدام على ذلك (١).
٢٧٣٤ - وممّن ماتَ في شَعْبان علاءُ الدِّين عليُّ (٢) ابنُ الأصيل عَبّاس بن نَبْهان الإرْبِليُّ، في ليلة الجُمُعة الثالث والعِشْرين منه، ودُفِنَ يوم الجُمُعة بالجَبَل.
٢٧٣٥ - وعَفِيفُ الدِّين أحمدُ (٣) بنُ عليّ بن أحمد بن عَقِيل الأعناكيُّ، في ليلة الأربعاء ثامن عِشْري الشَّهْر المَذْكور، ودُفِنَ بالجَبَل أيضًا.
• - وأمسَى النّاسُ في ذلك اليوم الشَّديد يوم الخَمِيس سَلْخ شَعْبان. وكانت السَّماء مُغَيّمة، فحَضَرَ مَن شَهِدَ بالرُّؤية، فثبتَ عند قاضي القُضاة
стр. 1639
تَقِيّ الدِّين الحَنْبليّ، فعُلِّقت القَناديل وصُلِّيت التَّراويح، واستبشرَ النّاسُ بدخول الشَّهْر المُبارك، ولعلّ الله تعالى أن يُفَرِّج ويَرْحَم بفَضْله.
شهر رَمَضان
• - وأصبحَ النّاسُ بُكْرة الجُمُعة مُسْتَهلّ رَمَضان وهم في حُزْن بسبب أنَّ الأخبارَ قد عُمِّيت من جهة الجَيْش ولا يَصح خَبر. وصُلِّيت الجُمُعة، وحَصَلَ بعدها أخبار بأنَّ التَّتار نزلوا المَرْج والغُوطة وشَلَّحوا وأسروا بدُومة، وحَرَسْتا، وسَقْبا، وعَرْبيل.
ووصلَ قبل صَلاة الجُمُعة الأميرُ سَيْفُ الدِّين غرلو ومعه جَماعةٌ، فتحدَّث مع مُتولِّي القَلْعة، ورجعَ، فلم يَعْلَم النّاسُ حقيقةَ الحال، فمنهم من يقول وصل كاشفًا ما حدَثَ بالبَلَد من العدوّ.
وأصبحَ النّاسُ بُكْرة السَّبْت فرأوا سَوَادًا وغَبْرة من العدوّ إلى جِهة العَساكر الإسلامية، فغَلَب على الظنِّ أنَّ الوَقْعة في هذا اليوم، فابتهلُوا بالدُّعاء إلى الله تعالى بالجامع والبَلَد، وطلعَ النِّساء والصِّغار على الأسْطِحة وكَشَفُوا رؤوسَهُم، وضَجَّ أهلُ البَلَد ضَجّة عَظِيمة. ووقعَ في ذلك الوَقْت مَطَرٌ عظيمٌ غزيرٌ. ثم سَكَنَ النّاسُ. فلمّا كانَ بعد الظُّهْر قرِئت بطاقة بالجامع تَتَضَمَّن أنّهُ في السّاعة الثّانية من نَهار السَّبْت هذا اجتمحت الجُيوش، ووصلَ الرِّكاب السُّلطانيُّ إلى مَرْج الصُّفَّر. وفيها طَلَبُ الدُّعاء من النّاس والأمر بحِفْظ القَلْعة والبَلَد.
ثم وردت بطاقة أُخرى فقُرِئت بين الظُّهر والعَصْر مَكْتوبة في السّاعة الرّابعة من نهار السَّبْت المَذْكور تتضمَّن قُرْب أمْر الوَقْعة. وطُلِبَ الدُّعاء وحِفْظ القَلْعة والتَّحرُّز على الأسوار، فدَعا النّاسُ في المئذنة والجامع والبَلَد، وانقضَى النَّهار، وكان يومًا مُزْعجًا هائلًا.
стр. 1640
وأصبحَ النّاسُ يوم الأحد وشَرَعُوا في التَّحَدُّث بكَسْر التَّتار من أول النَّهار. وخَرَجَ خَلْق كثير إلى جهة الكُسْوة فرجعوا برؤوس من رؤوسِهم وبشيء من المَكاسب، وصارَت أدلَة الكَسْرة تَقْوَى قليلًا قليلًا، والنّاسُ مما طرقهم من شدّة الخَوْف لا يُصَدِّقون.
فلما كانَ بعد الظُّهْر قُرئ كتاب السُّلطان إلى مُتَولّي القَلْعة يُخْبِر فيه باجتماع الجَيْش ظُهْر السَّبْت بشَقْحَب وبالكَسْرة. وبعدَ العَصْر قُرئَت بطاقة من نائِب السَّلْطنة الأميرِ جمال الدِّين فيها تَصْريح بالمَقْصود أكثر من الكِتاب السُّلطاني، من مَضْمونها أنّ الوَقْعة كانت من عَصْر السَّبْت إلى السّاعة الثانية من يوم الأحَد، وأنَّ السَّيْف كان يعمل في رقابهم ليلًا ونهارًا، وأنهم هَرَبوا ورَكَنُوا إلى الفِرار، ومنهم من اعتَصَم بالهِضاب والتِّلال، وأنه لا يَسْلم منهم إلّا القليل. فأمْسَى النّاسُ وقد استقرَّت خَواطِرُهم وتَباشرُوا بهذا الأمر العَظِيم والنَّصْر المُبارك، ودُقَّت البَشائر بالقَلْعة من أول النَّهار المَذْكور. وبعد الظُّهْر نُودِي في القَلْعة بإخراج مَن دَخَلها من الجُفّال، فشرعَ النّاسُ في نَقْل أمتعتهم وحَوَائجهم.
ووقَعَ أيضًا بين الظُّهْر والعَصْر مَطَر عظيم غَزير (١).
• - وفي يوم الاثنين رابعه وصلَ النّاسُ من الكُسْوة، ودخلَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وأصحابُه بُكْرة النَّهار والنّاسُ يهنّونهم ويَدْعون لهم. وخَرَجَ خَلْقٌ كثيرٌ من البَلَد إلى مكان الوَقْعة للفُرْجة والعيان والمَكاسب (٢).
•- ووصلَ نائبُ الشّام الأميرُ جمالُ الدِّين الأفرم والعَسْكر الشّامي وتَوَجَّهوا إلى جِهة المَرْج، ونُودِيَ أن لا يبيتَ بالبَلَد منهم أحدٌ إلّا شُنِقَ. وذُكِرَ أنّ ذلك للإسراع خَلْف المُنْهَزمين. ونُودي: من أرادَ الغَزاة فلْيَخْرج إلى الثَّنِيّة.
стр. 1641
وقيل: إنَّ هناك طائفة كَبِيرة منهم.
• - وفي يوم الثُّلاثاء خامسه وصلَ السُّلطان، أعزّه الله تعالى، وبين يديه الخَلِيفة المُسْتَكفي بالله، ونزلَ بالقَصْر ظاهر دمشق، وزُيِّن البَلَد، وتَرَك الخطيب القُنُوت في الصَّلَوات (١).
٢٧٣٦ - وممّن استُشْهِدَ في هذه الوَقْعة المُباركة الأميرُ حُسام الدِّين لاجِين (٢) الرُّومي أستاذُ الدّار وأكثر أصحابه، منهم ثمانية مُقَدَّمون.
٢٧٣٧ - وصلاحُ الدِّين (٣) ولدُ الملكِ الكامل ابن السَّعِيد ابن الصّالح إسماعيل، وحُمِلَ فدُفِنَ بالجَبَل بُكْرة الأربعاء سادس رَمَضان.
٢٧٣٨ - والأميرُ علاءُ الدِّين (٤) ابن الجاكي، من أُمراء دمشق.
٢٧٣٩ - وعلاءُ الدِّين (٥) ابن دُود التُّركمانيّ.
٢٧٤٠ - وعزُّ الدِّين أيدَمُر (٦) المَنْصوريُّ النّاصريُّ، نَقيبُ المماليك السُّلطانية.
٢٧٤١ - وشَمْسُ الدِّين سُنْقُر (٧) شاه أستاذُ دار الأمير رُكْن الدِّين الجالِق.
٢٧٤٢ - وشهابُ الدِّين ابنُ الفاخري (٨).
стр. 1642
٢٧٤٣ - وعزُّ الدِّين أيبك (١) أستاذُ دار الملك الكامل.
٢٧٤٤ - وعزُّ الدِّين محمودُ (٢) ابنُ الأمير يَعْقوبا، من المُقَدَّمين.
٢٧٤٥ - والأميرُ حُسام الدِّين إيليا (٣) ابن قَرَمان.
٢٧٤٦ - وجَمال الدِّين سُنْقُر (٤) الشَّمْسِي الحاجب، من أُمراء دِيار مِصْر.
٢٧٤٧ - وشَمْس الدِّين سُنْقُر (٥) الكافري، أميرٌ أيضًا من المَيْمَنة.
٢٧٤٨ - ومن الفُقهاء إبراهيم (٦) بن عُبَيدان البَعْلَبكيُّ الحنبليُّ.
• - ودخلَ السُّلطان القَلْعة يوم الخَمِيس سابع رَمَضان، وصَلَّى بها الجُمُعة ثامنه. ووقَعَ يوم الجُمُعة المَذْكور بعد الصَّلاة مطرٌ عظيمٌ وبَرَد كِبار، لكنْ لم يطُلْ أمره (٧).
• - وفي يوم الخَمِيس رابع عَشَرِه خُلِعَ على النُّوّاب وأُمِرَ كلٌّ منهم بالرُّجوع إلى مكانه (٨).
٢٧٤٩ - وفي ليلة الخَمِيس رابع عَشَر رَمَضان ماتَ عمادُ الدِّين حُسَينُ (٩) ابنُ بَدْر الدِّين مُحمد بن الحُسَين بن عليّ بن عَسَاكر، ودُفِنَ من الغد بباب الصَّغير.
وكانَ مَرِضَ مدّةً طويلة. سَمِعَ معنا، وكانَ شابًّا حَسَنًا، رحمه الله تعالى.
стр. 1643
• - وعُزِلَ علاءُ الدِّين ابن النَّحاس من ولاية البَلَد، ووَلِيَ مكانَهُ الأميرُ علاءُ الدِّين أيْدُغدي أميرُ عَلَم (١).
• - وعُزِلَ صارمُ الدِّين إبراهيم والي الخاص من ولاية البَرِّ، ووَلِيَ عِوَضه حُسام الدِّين لاجِين الحُسامي، ويُعْرف بالصَّغير. وكانَ ذلك يوم الاثنين الخامس والعِشْرين من شَهْر رَمَضان (٢).
• - وهلكَ من التَّتار في هذا الشَّهْر المُبارك خَلْقٌ عظيمٌ بأرض الشّام من يوم المَصَافّ وإلى أن قَطَعُوا الفُرات، ومنهم خَلْقٌ غرقوا في الفُرات، وقومٌ هلكوا جوعًا وعَطَشًا، وقومٌ أدركوا وقُتِلُوا وتبدَّد شَمْلُهم، وحَصَل لهم الخِذْلان من الله سبحانه.
• - وممّن كانَ جَفَلَ من دمشق قُبَيْل الوَقْعة بثلاثة أيام وأربعة وسارَ مُسْرعًا أُخِذوا وشُلِّحوا وذَهَبت أموالُهم وأثاتهم. وكانَ عُذْوهم في الإسراع أنّه لِحِقَهُم قومٌ ممّن انهزم من الجَيْش، فذكَرُوا لهم أنَّ الكَسْرة كانت على المُسْلمين، فكانُوا يُسْرعون أشدّ الإسراع خَوْفًا من أن تَلْحقهم التَّتار.
• - ووَصلَ إلى القاهرة بعضُ المُنْهَزمين من الجَيْش، فحصَلَ تَشْويشٌ وغَلاء السِّعْر، وتَحَيَّر النّاسُ، ولكنْ لم يَطُل الأمرُ حتى انجلَى وانكشفَ، وظهرَ أمرُ الله تعالى.
شَوّال
• - وسافرَ السُّلطانُ الملكُ النّاصرُ أعزَّ اللهُ نصرَهُ بمن تأخَّرَ من الجَيْش المِصْريّ إلى الدِّيار المِصْرية في يوم الثُّلاثاء ثالث شَوّال ضُحَى النَّهار، أصحَبَهُم اللهُ السَّلامة (٣).
стр. 1644
• - وطلبَ الصُّوفيّة من نائبِ السَّلْطنة أن يُولِّي عليهم المَشْيَخة بدمشقَ الشَّيخَ صفيَّ الدِّين الهِنْديّ مُدَرِّس الظّاهرية، فأجابَهُم وأذِنَ له في المُباشرة يوم الجُمُعة سادس شَوّال عِوَضًا عن ناصرِ الدِّين ابن عبد السَّلام (١).
٢٧٥٠ - وفي بُكْرة الثُّلاثاء الرّابع والعِشْرين من شَوّال تُوفِّي الشَّيخُ الإمامُ العالمُ المقرئُ الزّاهدُ الورعُ بُرهانُ الدِّين أبو إسحاقَ إبراهيمُ (٢) بنُ فَلاح بن مُحمد بن حاتِم الإسكندريُّ، وصُلِّي عليه ظُهْر النَّهار، ودُفِنَ بمقبُرة باب الصَّغير بالقُرب من قَبْر الفَنْدلاويِّ المالكيِّ، وعُمِلَ عزاؤه بُكْرة الأربعاء تحت النَّسْر بالجامع.
وكانَ شيخًا مُباركًا، من المعروفين بالعِلْم والصَّلاح وإقراء القراءات السَّبْع، ملازمًا لوظائفه، له تلامذةٌ وأصحاب، وباشَرَ نيابةَ الخطابة مدّةً طويلةً عن جماعة من الخُطباء. وكانَ مُدرِّسًا ومُعِيدًا، واستنابَهُ القاضي بَدْر الدِّين في سَفَره إلى مِصْر في القَضاء أيضًا مع الخطابة.
ورَوَى الحديث عن ابن عبد الدّائم، وسَمِعَ أيضًا من فَرَج الحَبَشيّ مولى القُرْطُبي، وعماد الدِّين ابن الحَرَسْتانيّ، وابن أبي اليُسْر، وجماعة من أصحاب الخُشُوعيّ، وابن طَبَرْزَد.
وكانَ حَسَنَ الهيئة، متواضعًا مُتودِّدًا، كثيرَ الدِّيانة.
وذكرَ أنَّ مولدَهُ سنة ستّ وثلاثين وست مئة تقريبًا بالإسكندرية.
стр. 1645
• - وفي يوم الثُّلاثاء الثالث والعِشْرين من شَوّال دخلَ السُّلطان والعَساكر إلى القاهرة مَنْصورين سالمين غانِمين، وزُيِّن البَلَد، وكان دَخُولًا عَظِيمًا (١).
٢٧٥١ - وفي آخرِ يوم من شَوّال ماتَ الشَّيخُ فَخْرُ الدِّين عُثمانُ (٢) بنُ عليّ، عامل ديوان السُّبُع، ودُفِنَ بالجَبَل.
وكان رَجُلًا جيِّدًا من أهل القُرآن، وفيه معرفةٌ ونَهْضة.
ذو القَعْدة
٢٧٥٢ - وفي أول يوم من ذي القَعْدة بَلَغَني وفاةُ الشَّيخ نَجْم الدِّين مَعْتوقُ (٣) بنُ مَحْفوظ بن مَعْتوق بن أبي بَكْر بن عُمر بن مُحمد بن عُمارة بن مُحمد، ابنُ البُزُوريِّ، الواعظُ، ببغدادّ.
ومولدُه في أول سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وكانَ بارعًا في فَنّه، على وَعْظه رُوحٌ وحَلاوةٌ، ويَنْظم في الحال.
٢٧٥٣ - وكذلكَ وصلَ الخَبرُ بوفاة كمال الدِّين (٤) ابن عِوَض الحَنْبليُّ الصُّوفيُّ، بحَماة.
٢٧٥٤ - وفي ليلة الأحد سادسِه وجدَ الشَّيخُ شَمْسُ الدِّين إمامُ الكَلّاسة في داره رَجُلًا مختبئًا في الطَّهارة، فأخرَجَهُ، وحضرَ ولدُه تقيُّ الدِّين أحمد فضَربَ الرَّجُل، فأخرجَ الرَّجُل سكِّينًا وجَرَحهما بها، فماتَ تقيُّ الدِّين أحمد (٥) في
стр. 1646
ساعته، وحضرَ الجَرَائحيّ فلم يُدْركه، فنظرَ في جراحة الشَّيخ وعَزّاه في الولد. واجتمعَ النّاسُ بُكْرة الأحد عنده للتعزية في هذا المُصاب، ودُفِنَ بتُربتهم بالجَبَل ضُحى النَّهار.
وكانَ قد خَلَفَ عَمّه في إمامة مَشْهد عُروة، ونابَ عن أبيه في مِحْراب الكلّاسة، ﵀، وأنالَه رُتْبة الشُّهداء.
ووُجِدَ القاتل بُكْرة الجُمُعة ثامن عَشَر الشَّهْر المَذْكور، وشُنِقَ بعد اعترافِه.
٢٧٥٥ - وفي يوم الثُّلاثاء ثامن ذي القَعْدة ماتَ الآميرُ الكبيرُ فارسُ الدِّين ألْبكي (١) المَنْصوريّ، نائبُ السَّلْطنة بحِمْص، بها.
وكانَ أميرًا مُقَدَّمًا، وهو رفيقُ قَبْجَق وبكتَمُر السِّلَحْدار في الدُّخول إلى التَّتار.
٢٧٥٦ - وفي ليلة الجُمُعة ثامن عَشَر ذي القَعْدة ماتَ بدمشق الأميرُ الكبيرُ شَمْسُ الدِّين العَيْنتابيُّ (٢)، ودُفِنَ بسَفْح قاسيون.
وكانَ مُقدَّم ألف فارس.
٢٧٥٧ - وفي ليلة الأربعاء الثالث والعِشْرين من ذي القَعْدة تُوفِّي الشَّيخُ العالمُ الفاضلُ الصَّدْرُ الكبيرُ كمالُ الدِّين أبو العبّاس أحمدُ (٣) بنُ أبي الفَتْح بن محمود بن أبي الوَحْش أسد بن سَلامة بن سَلْمان بن قَنَان الشَّيْبانيُّ،
стр. 1647
كاتب الدَّرْج، المعروف بابن العَطّار، بداره بدمشق، وصُلِّي عليه بالجامع المَعْمور في السّاعة الرابعة من النَّهار، وحُمِلَ إلى الجَبَل، فدُفِنَ بتُربة له بنواحي الكَهف، وحضرَهُ جَمْعٌ كبيرٌ من أعيان البَلَد، وكَثُر الثناءُ عليه والتأسّف لفَقْدِه، فإنَّه كانَ في وظيفتِه من أكثر من أربعينَ سنة والنّاسُ شاكرون له، راضون طريقتَهُ.
وكانَ فيه تِلاوة قُرآن ومُلازمة للصَّلوات في الجَماعة، وفَضِيلة وافرة، وعنده فوائدُ وكُتُبٌ جليلة، ومحبّةٌ لإسماع الحديث النبويّ.
رَوَى عن ابن المُقَيَّر، وابن الشِّيْرازيّ، والسَّخاويّ، وجَماعة. وله إجازات من بَغْداد والدِّيار المِصْرية والشّامية.
وكانَ حَسَنَ السِّيرة، قريبًا إلى النّاس، متواضعًا، وافرَ العَقْل، له النَّظْم الحَسَن، والنَّثْر الفائق، وكَتَبَ المَنْسوب، ولم يَزَل مبجّلًا مُتقدّمًا بحُسْن تصرُّفِه وغَزارة عَقْلِه.
ومولدُه بدمشقَ في شَعْبان سنة ستّ أو سبع وعِشْرين وست مئة، الشكُّ منه.
٢٧٥٨ - وفي الليلةِ المَذْكورة تُوفِّي مَجْدُ الدِّين ابنُ نَبْهان (١) عامل في دِيوان الجَيْش، أخو شَرَف الدِّين ابنِ نَبْهان، وصُلِّي عليه ظُهْر الأربعاء بالجامع، ودُفِنَ بالجَبَل.
وكان شابًّا حَسَنًا.
٢٧٥٩ - وفي يوم الأحد بُكْرة النَّهار العِشْرين من ذي القَعْدة تُوفِّي
стр. 1648
القاضي الفقيهُ الإمامُ العالمُ كمالُ الدِّين أبو الحَسَن عليُّ (١) ابنُ الشَّيخ شِهاب الدِّين أحمدَ بن عليّ بن يوسُف بن إبراهيم الحَنَفيُّ، قاضي حِصْن الأكراد. وكانت وفاته به، ودُفِنَ قبل الظُّهر من يومه بتُربة الخَطيب.
وبقيَ قاضيًا في الحِصْن المَذْكور مدّة طويلة.
وسَمِعَ "البُخاري" من ابن الزَّبِيدي حُضورًا، وسَمِعَ من ابن اللَّتِّيّ، وجعفر، وجدّ والده عبد الحق بن خَلَف، وغيرِهم. وحدَّث.
ومولدُه تقريبًا سنة ثمانٍ وعِشْرين وست مئة بسَفْح قاسيون.
ذو الحِجّة
٢٧٦٠ - وفي يوم عيد الأضْحَى يوم الجُمُعة تُوفِّي الملكُ العاجلُ زينُ الدِّين كَتْبُغا (٢) بن عبد الله المَنْصُوري، بحَماة.
ووصلَ الخَبَرُ إلى دمشق بُكْرة الأحد ثاني عَشَر ذي الحِجّة، ونُقِلَ من حَماة بعد ذلك إلى التُّربة التي بُنيت له بسَفْح جبل قاسيون، بالقُرب من الرِّباط النّاصريّ.
وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، ديِّنًا، كانَ [من] (٣) أكابر المَنْصورية، وقامَ بأمر المُلْك مدّة، ثم خُلِعَ وأقامَ بصَرْخَد مدّة، ثم نُقل إلى حَماة.
٢٧٦١ - وتُوفِّي علاءُ الدِّين عليُّ (٤) ابنُ الشِّهاب أحمد بن عبد القادر
стр. 1649
العَطّار المتطبّب، عَشِيّة السَّبْت، ودُفِنَ يوم الأحد ثاني عَشَر ذي الحِجّة بباب الفَرَاديس.
وكانَ شابًّا صالحًا، مُوظبًا على الصَّلَوات بالجامع، كثيرَ التَّودُّد إلى النّاس.
٢٧٦٢ - وفي يوم الثُّلاثاء رابع عَشَر ذي الحِجّة تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الإمامُ العالمُ شَمْس الدِّين مُحمدُ (١) بنُ إبراهيمَ بن يحيى الصِّنْهاجيُّ المالكيُّ، إمامُ المالكية بجامع دمشق، وكانت وفاتُه بالمارستان الصَّغِير، وصُلِّي عليه عَصْر النَّهار بالجامع، ودُفِنَ بباب الصَّغير قُبالة مقبُرة الشَّيخ زينِ الدِّين الزَّواويِّ.
وكانَ فقيهًا، فاضِلًا، من أهل العِلْم والصَّلاح ومُلازمة الاشتغال، ووَلِيَ عِوَضه في الإمامة الشَّيخُ الإمامُ أبو الوليد بن الحاج الإشبيليّ، نفعَ اللهُ به.
• - وزُلزلت الأرضُ بدمشقَ في بُكْرة الخَمِيس الثالث والعِشْرين من ذي الحِجّة، ووصلَ خَبَرُها من الدِّيار المِصْرية وبلادِ الشّام جميعه، وكانَ لها تأثيرٌ كبير بديار مِصْر وبصَفَد بالإسكندرية، وقُتِلَ خَلْقٌ كثيرٌ فيها، وسَقَطت دُورٌ لا تُحْصَى، وتشقَّقت الحِيطان، والتطمت البِحارُ، وغَرقت المَرَاكبُ، ولم يُعْهَد مثلها، وسَلّم الله تعالى أهلَ الشّام (٢).
٢٧٦٣ - وفي ليلة الاثنين السّابع والعِشْرين من ذي الحِجّة تُوفِّي الشَّيخُ الصّالحُ المُسْنِدُ شَمْسُ الدِّين مُحمدُ (٣) ابنُ الصّارم قَيْماز بن عبد الله، عَتِيق بِشْر الطَّحّان، الدِّمشقيُّ، بدمشق، ودُفِنَ ضُحَى يوم الاثنين بمقبُرة باب الفَرَاديس.
стр. 1650
وكانَ شيخًا مُباركًا، ممّن قرأ السَّبْعة على السَّخاويِّ، وسَمِعَ الحَدِيثَ من ابن الزَّبِيديِّ، وابن اللَّتِّيّ، وابن صَبّاح، والفَخْر الإرْبِليّ، وغيرِهم. وتفرَّدَ بالسَّماع من ابن باسُوْيَة المُقْرئ، ومُحمد بن نَصْر بن ناصر بن قوام الرُّصافي.
وحدَّث بـ"صحيح البُخاري" كاملًا عن ابن الزَّبِيديِّ بسَنَده، قرأتُه عليه.
ومولدُه في آخر سنة تسع عشرة أو أول سنة عشرين وست مئة بدمشق.
وكانَ أبوه طَحّانًا ذا ثَرْوة، ماتَ سنة ستِّ وثلاثين وست مئة.
وكذلكَ كانَ مُعتِقُه بِشْر طحّانًا، كثيرَ المال من الحنابلة.
٢٧٦٤ - وفي ليلة الجُمُعة الرّابع والعِشْرين من ذي الحِجّة تُوفِّي الشَّيخُ الصّالحُ المُقْرئ نور الدِّين عليُّ (١) بنُ عبد الحقّ بن يوسف بن مُحمد التِّلِمْسانيُّ الأنصاريُّ، المعروف بابن المَغْربيّ، وكانت وفاته بقرية حمورّية ودَفِنَ هناك.
ورَوَى لنا عن مكي بن عَلّان. وسَمِعَ على جماعةٌ، منهم: الصَّدْرُ البَكْريُّ، وابنُ مَسْلَمة.
وباشرَ الإمامةَ بالتُّربة الأشرفية بدمشق مدّةً، وكان يقرأ قراءةً حَسَنة بصوتٍ طيِّب.
ومولدُه في ليلة النِّصف من شَعْبان سنة إحدى وعِشْرين وست مئة بدمشق.
٢٧٦٥ - وفي ذي الحِجّة بعد العيد ماتَ بسَلَمية القاضي الفقيهُ الفاضلُ بهاءُ الدِّين أبو بكر (٢) ابنُ الشَّيخ زَيْنُ الدِّين محمود بن علي بن جرير الرَّقِّي.