إليه من بلاد القَبْجَاق من بنات المُلوك، وكَتَبَ الصَّدَاق القاضي علاء الدِّين بن الأثير، وحَضَرَهُ قاضي القُضاة بَدْر الدين، وخَلَعَ السُّلْطانُ عليهما وعلى وَكِيله القاضي كَرِيم الدِّين وعلى جماعةِ المَرْأة وأتباعها وخَدَمِها (١).
• - ووَصلَت الأخبارُ في شَهْر ربيع الآخر إلى دمشقَ بأنه بَرَزَ مَرْسومُ السُّلْطان بالاحتياط على ما كانَ بيد العَرَب من الإقطاعات جَمِيعها، وأنَّهُ غَضِبَ عليهم وأمرَ بإخراجِهم من بلاد الشام، وهم مُهنّا بن عيسى وأولاده وجماعته، والأمراء الذينَ معه.
وكانَ السُّلْطان أحسنَ إليهم وأقطعَهُم ورَسَم لهم بالأموال الكثيرة. وبَلَغَنا أنه وصلَ إليهم في سنة تِسْع عَشْرة وسبع مئة من خزانة دمشق ألف ألف دِرْهم وخَمْس مئة ألف دِرْهم.
• - ووَصلَت الأخبارُ في شَهْر ربيع الآخر إلى دمشقَ بدخول العَسَاكر المُجَرّدة إلى بلاد سِيس، وأنَّهم عاثوا فيها سبعة عَشَر يومًا، وحَرَّقوا وقَطَعُوا الأشجارَ، وأنه غَرِقَ من عَسْكر الشّام في نَهْر جَهان نحو ألف فارس من الطرابُلُسيّين وغيرهم (٢).
٤٢٦٠ - وفي يوم الاثنين التاسع من شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي الشَّيخُ العَدْلُ كمالُ الدِّين أبو مُحمد عبدُ الرَّحيم (٣) بن عبد المُحسن بن حَسَن بن ضِرْغام بن صَمْصَام بن فَضَائل الكِنَانِيُّ المَنْشاويُّ الحَنْبليُّ، ودُفِنَ من يومه بقَرَافة مِصْر الصُّغرى.
стр. 2452
ومولدُه في سنة سَبْعٍ وعِشْرين وست مئة بقَرْية المَنْشِيّة، وهي مَنْشِيّة قَنَاطر الأهرام.
وكانَ عَدْلًا بالقاهرة وخَطِيبًا بالمَنْشِيّة المَذْكورة، وحَجَّ، وسمِعَ على سِبْط السِّلَفي عدّة أجزاء منها "جُزء الذُّهلي"، والسابع من "المَحَامليّات"، وحَدَّث قَديمًا، وسَمِعَ أيضًا من الصَّدْر البَكْري، وغيره.
وكتبَ الشَّيخ أبو بَكْر الكَتّاني إليَّ من القاهرة يَذْكر أنَّ هذا الشَّيخ اختلَّ عَقْله قبل موتِه بنحو أربعة أشهر.
٤٢٦١ - وفي بُكْرة الأربعاء حادِي عَشَر شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي الشَّيخُ الصَّالحُ المُقْرئُ شَمْسُ الدِّين أبو مُحمد مُوسى (١) بنُ عبدِ العزيز بن جَعْفر بن شَمْخ البَعْلبكيُّ، بها، ودُفِنَ من يومه بمقبَرة الشَّيخ عبد الله اليُونينيِّ.
ومولدُه في سنة ستٍّ وثلاثين وست مئة ببَعْلَبك.
سَمِعَ من الشَّيخ الفقيه مُحمد اليُونينيّ، وحَدَّث عنه، وكانَ من أهل القُرآن والدِّين والصَّلاح والخَيْر. صَحِبَ الشَّيخ الفقيه وقرأ عليه أكثر الخِرَقي، ولم يَشْتغل بشيءٍ من أُمور الدُّنيا ومكاسبها. وكانَ مُلازمًا للخَيْر من صِغَره لم يَزَل على طريقة حَسَنة إلى أن ماتَ.
قرأتُ عليه "مَجْلس أبي مُسلم الكاتب الصَّغِير" في سنة إحدى وثمانين وست مئة ببَعْلَبك.
٤٢٦٢ - وفي ليلة الجُمُعة الثالث عَشَر من شَهْر ربيع الآخِر تُوفِّيت المرأةُ الصَّالحةُ أمُّ أحمد خَديِجةُ (٢) بنتُ التّاج عبد الرَّحمن بن عُمر بن عِوَض المَقْدسيّة، الصَّالحيّة، وصُلِّي عليها عَقِيب صَلاة الجُمُعة بالجامع المُظَفَّري،
стр. 2453
ودُفِنَت بتُربةِ الشَّيخ موفَّق الدِّين عندَ أخيها الشَّيخ شَمْس الدِّين بن التّاج.
ومولدُها تقريبًا في سنة أربعين وست مئة.
وماتَ أبُوها وعُمُرها أقلّ من سنة، وأجازَها الشَّيخُ ضياءُ الدِّين عبدُ الخالق النَّشْتَبْريُّ من مارِدِين، ويوسُفُ بنُ خليل من حَلَب، وابنُ مَسْلَمة، وابنُ عَلّان بدمشق، وجماعة غيرُهم، وحَدَّثت. وكانت صالحةً خَيِّرة، تَزَوَّجت بابنِ عَمِّها الشَّرف المُحْتَسب، ثم تَزَوَّجت بناصر الدِّين بن السَّلّار، وهي أمُّ ولدِه شهاب الدِّين أحمد.
٤٢٦٣ - وفي يوم الجُمُعة ثالث عَشَر شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي شَرَفُ الدِّين أحمدُ (١) ابنُ الشَّيخ شَرَفِ الدِّين عليّ بن عبد الرَّحمن بن عبد الوَهّاب الأنصاريُّ، المعروفُ بابن الإسكاف، ودُفِنَ عَصْر النَّهار المَذْكور برباط والدِه بسَفْح قاسيون.
وكانَ ناظرًا على وَقْف والده، ويَشْهد على القُضاة، وكانَ أبوه من أعيانِ التُّجار أرباب الثَّروة ومن المَشْهورين بالدِّيانة وإنفاقِ المال في وجوه الخَيْرات.
٤٢٦٤ - وفي ليلة الجُمُعة السّابع والعِشْرين من شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي الشَّيخُ إبراهيم (٢) الدِّهِسْتانيُّ، بزاويته بالقُرْب من سُوق الخَيْل ظاهر دمشق، وصُلِّي عليه عَقِيب الجُمُعة بجامع العُقَيْبة، ودُفِنَ بزاويته المَذْكورة.
وكان شَيْخًا كبيرَ السِّنِّ، يذكرُ أنه سنة أخْذ بَغْداد كان عُمُره نحو الأربعين، وخِرْقتُهُ رفاعية، وكانَ مشهورًا بالمَشْيخة، مُحْتَرَمًا مُكْرَمًا، وكانَ فيه مودّة وتَرَدُّد
стр. 2454
إلى النّاس وقضاءٌ لِحُقُوقِهم، وعندَهُ جماعةٌ من الفُقراء، وكانَ يحضر إلى الجُمُعة هو وجماعتُهُ، ويُصَلُّون تحت قُبّة النَّسْر بجامع دمشق دائمًا.
ودِهِسْتان عملٌ من رُسْتاق مازَنْدَران وليس بمدينةٍ ولا قَرْية (١).
٤٢٦٥ - وفي يوم الجُمُعة السابع والعِشْرين من شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي الشَّيخُ الحاجُّ مُحمدُ (٢) بنُ محمود بن عليّ الشَّحّامُ المُقْرئُ، وصُلِّي عليه بجامع دمشق عَقِيب العَصْر، ودُفِنَ بمقبَرة الباب الصَّغير، وحضرَهُ جمعٌ كبيرٌ.
وكانَ شَيْخًا مليحَ الشَّيْبةِ تامَّ الشَّكْل مواظِبًا على قِراءة القُرآن وإقرائه، وكانَ شيخَ مِيعاد ليالي الأحد المَنْسوب إلى ابن عامر، وسافَرَ قبل موته بقليل إلى القُدْس الشَّريف هو وجماعة كبيرة وكانُوا يَخْدمونه ويُكْرمونه ووصل مُتَمرِّضًا إلى دمشقَ وبقي أيامًا وماتَ.
٤٢٦٦ - وفي شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي الشَّيخُ ضياءُ الدِّين عبدُ الملك (٣) بنُ مُحمد بن صالح بن أبي الفَضْل بن زَيْد بن ياسين الدَّوْلعيُّ، بدمشق.
وكانَ شيخًا من بَيْتٍ وعليه وَقْفٌ. وَوَلِيَ جدّه خَطابة دمشق مدّةً يسيرةً بعد أخيه الشَّيخ جمال الدِّين صاحب المَدْرسة بجَيْرون، ثم عُزِلَ وَوَلِيَ بعده ابنُ طَلْحة.
стр. 2455
٤٢٦٧ - وفي شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي الحاجُّ أبو حَفْص عُمرُ (١) ابنُ الشَّيخ تَقِيّ الدِّين أحمد بن عبد الرَّحمن بن عبد المُؤمن بن أبي الفَتْح الصَّالحيُّ الحَنْبليُّ، بالبقاع من عَمَل دمشق.
وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، حَسَن الهَيْئة، مليحَ الشَّيْبة، مَشْكورَ السِّيرة، كثيرَ التودُّد، وحَضَرَ على خَطِيب مَرْدا، وسمِعَ من ابن عبد الدّائم، وابن أبي اليُسْر، وجماعة.
ورافَقتُه في طريق القُدس، وقرأتُ عليه بالقُدْس والخَليل ﵇.
ومولدُه ليلة الأربعاء العِشْرين من جُمادى الآخرة سنة خَمْسين وست مئة بسَفْح قاسيون.
جُمادى الأولى
٤٢٦٨ - في يوم الأربعاء عاشر جُمادى الأولى تُوفِّيت أسماءُ (٢) بنتُ عماد الدِّين يحيى بن تَمَّام بن الحِمْيَريّ، والدَةُ الصَّدْر تَقِيّ الدِّين عُمر ابن الصّاحب شَمْس الدِّين بن السَّلْعُوس، ودُفِنَت بسَفْح جبل قاسيون، وجاوزَت السَّبعين.
وكانت أكبر من بنت عَمِّها نَفِيسة بنت فَخْر الدِّين مُحمد بثلاث سنين.
• - وفي يوم الخَمِيس الحادي عَشَر من جُمادى الأولى وصلَ إلى دمشقَ الأميرُ الكبيرُ سَيْفُ الدِّين قَجْليس من الدِّيار المِصْرية فأقامَ يومًا، وتَوَجَّه إلى جهة الرَّحْبة، واجتمعَ الجَيْشُ المَجَرَّد مع كُجْكُن من دمشق، وكانوا قَرِيبًا من
стр. 2456
عَشَرة أمراء، ونائب طرابُلُس، وجماعة من عَسْكر طرابُلُس وحِمْص ممّن كان في غَزْوة سِيس، ومُقَدَّم الجميع الأميرُ سيفُ قَجْليس، وأخرجُوا العربَ مُهَنّا وأولادَهُ وأمراء العَرَب الذين معه من الشّام، ومَنَعُوهم الغَلّة والمِيْرة. وكانت مُدّة غَيْبة الأمير سَيْف الدِّين المذكور من يوم خَرَج من دمشق إلى يوم دَخَلها أربعة أشهر وأيام.
٤٢٦٩ - وفي ليلة الأحد رابع عَشَر جُمادى الأولى تُوفِّي جمالُ الدِّين إبراهيمُ (١) ابنُ القاضي شِهابِ الدِّين أحمدَ بن أبي بَكْر بن حِرْز الله الإرْبِديُّ، ودُفِنَ بمقبَرة الباب الشَّرقي، ووقَعَ عَقِيب الجنازة مَطَرٌ كثير، وكانَ ذلك في وَسَط حَزِيران في الصَّيف.
ومولدُهُ في الثامن والعِشْرين من شَوّال سنة اثنتين وثمانين وست مئة بدمشق.
وكانَ له نَظْمٌ وعنده فَهْمٌ ومَعْرفةٌ، وفيه نَهْضة وكفاءة، وكانَ يَشْهد بمركز المِسْمارية، وخَدَمَ كاتبًا عند سيْف الدِّين بُغا المَنْكُوتَمُريّ، وأوصَى في مَرَضِه وصيّةً حَسَنةً، وذكرَ فيها أشياءَ مَلِيحةً تدلُّ على دِيْنٍ وخَيْر وحُسْنِ عَقِيدة.
٤٢٧٠ - وفي يوم الخَمِيس الثامن عَشَر من جُمادى الأولى تُوفِّي مُحمدُ (٢) ابنُ الشَّيخِ شهابِ الدِّين أحمدَ بن عبدِ الكريم بن عبد الصَّمد، المَعْروف بابن الكرشْت (٣)، ودُفِنَ بسفح قاسيون، وكانَ جاوزَ الأربعين.
стр. 2457
وكانَ له دُكّان بسوق الكوافيّين، وفقده أبُوه، واحتَسَب وصَبَر.
٤٢٧١ - وفي يوم الجُمُعة التاسع عَشَر من جُمادى الأولى تُوفِّي جمالُ الدِّين عُمرُ (١) ابنُ الشَّيْخ شَمْس الدِّين مُحمد بن سَلْمان بن حَمَائِل، المَعْروف بابن غانِم، ودُفِنَ آخر النَّهار بسَفْح قاسيون قُباله الجامع المُظَفَّري.
وجاوزَ الخَمْسين.
وكانَ سَمِعَ معنا "مُسند الإمام أحمد" على ابن عَلّان، وغير ذلك. وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، قليلَ المُخالطة للنّاس، مُقْتَنِعًا.
٤٢٧٢ - وفي يوم الجُمُعة التاسع عَشَر من جُمادى الأُولى تُوفِّي الأميرُ علاءُ الدِّين قَطْلِيجا (٢) وَلَدُ الأميرِ الكبيرِ سَيْف الدِّين بَلَبان الجَوْكَنْدار ببستانِه بسَطْرا، مات في عَشْر الأربعين من عُمُره.
وكانَ أحد الأمراء بدمشق أمير خَمْسين، ودُفِنَ بسفح قاسيون.
٤٢٧٣ - وفي يوم الأحد الحادي والعِشْرين من جُمادى الأولى تُوفِّي الشَّيخ الإمامُ المُقرئُ الصَّالحُ بقيّةُ السَّلَف وحيدُ الدِّين أبو حامد يحيى (٣) بنُ أحمدَ بن خُداداد الخِلاطيُّ الشافعيُّ، إمامُ الكَلّاسة، وصُلِّي عليه ضَحْوة النَّهار المَذْكور، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية، وحَضَرهُ جَمْعٌ كبير.
وكانَ شيْخًا مُبارَكًا، مُلازِمًا لإِقراء القُرآن بالرِّوايات. وكانَ عارفًا بهذا الفنّ. قرأ بـ "الرُّوم" على الصَّائِن البَصْريّ، ووَلِيَ إمامة الكَلّاسة نحو خَمْس عَشْرة سنة، وَقبْلها كان يؤمّ بمَشْهد ابن عُرْوة، ووَلِيَ مشيخةَ الخانكاه الأسَدِيّة، وكان مُقيمًا بها إلى أن ماتَ وبلغَ الثَّمانين من العُمُر.
стр. 2458
• - وفي يوم الأربعاء الرابع والعِشْرين من جُمادى الأولى ذَكَر الدَّرْس الشَّيخُ مُحيي الدِّين الأسْمَر الحَنَفيُّ بالمَدْرسة الرُّكْنية بسَفْح قاسيون، وأُخِذَت منه الجَوْهرية وتَدْريس جامع القَلْعة، فأعطِيَ التَّدْريس بجامع القَلْعة لعماد الدِّين بن محيي الدِّين بن الطَّرَسُوسيّ الحَلَبيّ الحَنَفيّ، فَدَرَّس به يوم الخَمِيس الخامس والعِشْرين من الشهر المَذْكور، وأُعطِيَ تَدْريس الجَوْهَرية لشَمْس الدِّين الرَّقِّيّ الحَنَفيِّ الأعْرَج فدرَّس بها يوم الأحد الثامن والعِشْرين من الشَّهْر المَذْكور، وأخذَ منه إمامةُ المَسْجد النُّوري المُجاور لكَنِيسة اليَهُود، فأعْطِيَ لعماد الدِّين بن الكَيّال، وأُخِذَت منه إمامة الرَّبوة فأُعْطِيَت للشَّيخ مُحمد الصِّينيّ صاحب نائِب السَّلْطنة (١).
٤٢٧٤ - وفي شَهْر جُمادى الأولَى تُوفِّي القاضي زَيْنُ الدِّين عُمر (٢) ابنُ الشَّيخ الفقيه القاضي عُثمان بن مُحمد بن عُمر بن أحمد الحُلْوانيُّ الأصلِ، ثم المَدَنيُّ، المَعْروفُ بابن الصَّائِن، وكانت وفاتُه ظاهر دمشق.
وكانَ قاضيًا بزُرَع، ثم ضَعُفَ بسبب أمراضٍ اعتَرتهُ فعُزِلَ وقَدِمَ دمشق، واستمرّ به المَرَضُ إلى أن ماتَ.
٤٢٧٥ - وفي يوم الاثنين التاسع والعِشْرين من جُمادى الأُولى تُوفِّي شَمْسُ الدِّين سَعِيدُ (٣) ابنُ الصَّدْر شَرَف الدِّين مُحمد ابن الصَّدْر الكبيرِ شمْس الدِّين سَعِيد بن مُحمد بن سعِيد بن الأثير، سِبْط القاضي مُحيي الدِّين بن فَضْل الله، ودُفِنَ بسَفْح قاسيون.
وكانَ شابًّا ابن ثماني عَشْرة سنة، وباشَرَ الكتابة بدِيوان الإنشاء، وفُجِعَت به والدته وكان تَزَوَّج ولم يَدْخل بالزَّوْجة.
стр. 2459
جُمادى الآخرة
٤٢٧٦ - في يوم الأحد الخامس من جُمادى الآخرة تُوفِّي عمادُ الدِّين يوسُف (١) بن مُحمد بن يوسُف السَّقطِيُّ، التّاجرُ بسُوق الزِّيادة، ببستانٍ بالصَّالحية عند الشِّبْلية فُجاءة. وكانَ قَضَى نهار السَّبْت في راحة، وأصبحَ يوم الأحد وعَزَم هو وأصحابُه أن لا يَدْخُلوا البَلَد فأدركَهُ أجلُهُ وحُمِلَ إلى باب الصَّغِير فدُفِنَ هناك.
وكانَ رَجُلًا جَيِّدًا يُحِبُّ الفُقراء، وفيه بِرٌّ ومَعْروف، وحجّ.
٤٢٧٧ - وفي الخامس من جُمادى الآخرة تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ جلالُ الدِّين أحمدُ (٢) ابنُ تاج الدِّين عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحمن بن محمود بن مَوْدود بن بُلْدِجِي المَوْصليُّ الحَنَفيُّ، بخانكاه النَّيْرب، ودُفِنَ بمقبَرة النَّيْرب ظاهر دمشق.
وكانَ فاضِلًا، وله نَظْمٌ، وهو من بَيْتٍ مَعْروف بالعِلْم والفَضِيلة، حضرَ إلى دمشق فأدركَهُ أجَلُه به.
٤٢٧٨ - وفي العَشْر الأول من جُمادى الآخِرة تُوفِّيت أُمُّ أبي بَكْر عائشةُ (٣) بنتُ مُحمد بن جَمِيل بن حَمْد بن أحمد بن أبي عَطَّاف الصَّالحية بسَفْح جَبَل قاسيون، ودُفِنَت هناك.
стр. 2460
أجازَ لها في سنة ستٍّ وأربعين وست مئة يوسُف بنُ خَلِيل من حَلَب، ومَجْد الدِّين بن تَيْميّة، وأحمد بن سَلامة النَّجّار من حَرّان، وأجازَها من القاهرة عبدُ الرَّحمن بن مكّي سِبْط السِّلّفي، وزكيُّ الدِّين عبدُ العظيم، وجماعة.
وكانَ أبوها سافرَ إلى اليَمَن وهي صَغِيرة بنتُ أربعين يومًا أو نَحْوها، ولم يَرْجع وماتَ هناك، وخَلَّف تَرِكة.
وهي زَوْجة ابن عَمِّها إبراهيم بن أحمد بن جَمِيل. وهي أصغَر من أختِها فاطمة، وكانَ أبوهما من أصحاب ابن طَبَرْزَد.
٤٢٧٩ - وفي الحادي عَشَر من جُمادى الآخِرة تُوفِّي الأميرُ الأجلُّ فَتْحُ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (١) ابنُ الصَّدْر جمال الدِّين أحمد بن هاشِم بن أحمد بن عُمر التَّفْلِيسيُّ بمدينة حِمْص، ودُفِنَ هناك.
ومولدُهُ في سنة ثمانٍ وخمسين وست مئة بالقاهرة.
وسَمِعَ "جزء ابن عَرَفَة" على النَّجيب عبد اللَّطيف الحَرّانيّ في شَهْر رَمَضان سنة خَمْسٍ وستّين وست مئة، وحُمِلَ إلى دِمَشق بعد ذلك في سنة سبْعٍ وستّين وست مئة، وسَمِعَ من جماعة. وكانَ له ثَبَت وإجازات.
وهو جنديٌّ مُتَميِّزٌ، له هيئةٌ حَسَنةٌ، وعنده مَعْرفةٌ، ويَكْتُب كتابةً حَسَنة. وكان أبُوه وعَمُّه ظهيرُ الدِّين ظاهر من الأُمراء أصْحاب الثَّروة والأموال.
٤٢٨٠ - وفي الثَّامِن عَشَر من جُمادى الآخِرة تُوفِّي الشَّيخُ الصَّالحُ أحمدُ (٢) بنُ عُبيد بن إبراهيم بن غَشْم (٣)، بنابُلُس.
стр. 2461
وقيل: إنَّهُ تُوفِّي في يوم الاثنين الحادِي والعِشْرين منه، وحَضَرَ جنازتَهُ جَمْعٌ كبير، ووصلَ خبره إلى دمشق، وصُلِّي عليه صلاة الغائِب في يوم الجُمُعة تاسع رَجَب.
وكانَ رَجُلًا صالحًا، كريمَ النَّفْس، مُلازِمًا لإطعام الواردين عليه. وكان من قَرْية مَخْنا (١) من عَمَل نابُلس. وعاش خَمْسًا وأربعين سنة.
وصار مكانه في المشيخة أخوه غَشْم (٢).
٤٢٨١ - وفي يوم الثُّلاثاء الثامن والعِشْرين من جُمادى الآخرة تُوفِّي الشَّيخُ الصَّدْرُ الأصيلُ كمالُ الدِّين أبو إسحاق إبراهيمُ (٣) ابنُ الشَّيخِ الصَّدْرِ الكبيرِ وجيهِ الدِّين أبي المَعالي مُحمد ابن الصَّدرِ عزِّ الدِّين عثمان ابن الشَّيخ الإمام العلّامة وجيه الدِّين أبي المعالي أسْعَد بن المُنَجّى التَّنُوخِيُّ، ببُستانه بالرَّبْوة ظاهر دمشق، وصُلِّي عليه بُكْرة الأربعاء بالنَّيْرب، ثم بالجامع المُظَفّريّ بسفح قاسيون، ودُفِنَ بتُربة والده بالقُرْب من الجامع المذكور.
ومولدُه في رجب سنة اثنتين وستّين وست مئة.
سَمِعَ من ابن عبد الدّائم، وابن أبي اليُسْر، وغيرِهما، وحَدَّث، وكانَ رَجُلًا جَيِّدًا، مَشْكورَ السِّيرة. أثنَى الناسُ عليه في جَنازتِه بالخَيْر وعَدَم الشَّرِّ.
وهو من بيت مَعْروف.
стр. 2462
٤٢٨٢ - وفي جُمادى الآخرة قُتل الأميرُ عزُّ الدِّين حُمَيْضَةُ (١) ابنُ الأمير الشَّريف أبي نُمَيّ، صاحب مكة.
وكان قد خَرَج عن طاعة السُّلْطان، وَوَلَّى السُّلطان بمكة أخاه سَيْفَ الدِّين عُطَيْفَة، وبقيَ هو في البَرّيّة والطَّلَب عليه، وأهل مكة خائفون من شَرِّه. وكان شُجاعًا، قامعًا لأهلِ الفَسَاد. وكان في السنة الماضية سنة حَجّ السلطان هَرَب من مماليكه ثلاثة ولجأوا إلى حُمَيْضة، ثم إنهم خافُوا من دُخُوله في الطاعة، وأنه يُرْسلهم إلى حضرة السُّلْطان فقتَلُوه، وتَوَجّهوا في وادي بَني شُعبة، وحَضَرُوا إلى مكة، فقُيّد الذي تولَّى قتله منهم وأُرسل إلى الدِّيار المِصْرية فاعتُقِل، ثم قُتِلَ في شَوّال.
• - وفي يوم السَّبْت الحادي عَشَر من جُمادَى الآخرة وَصلَ إلى دمشقَ الجَيْشُ المُجَرَّد إلى سِيس، وقد تقدَّم توجُّهُه من دمشق، ومُقَدِّمُهم الأميرُ سَيْف الدِّين جُوبان، ولما وَصَلُوا إلى حَمَاة تَوجَّه مَعَهُم الأميرُ بَدْرُ الدِّين حَسَن أخو صاحِب حَمَاه، ومعه جَمَاعة من الحَمَويّين، ولمّا وَصَلُوا إلى حَلَب تَوجَّه معهُم الأميرُ علاءُ الدِّين أَلْطُنْبُغا نائبُ السَّلْطنة بحَلَب، ومعه جَيْشُ حَلَب. ووصلَ أيضًا إلى حَلَب الأميرُ شهابُ الدِّين قَرَطاي نائبُ السَّلْطنة بطرابُلُس، ومعه جيش طرابُلُس، ومُقَدَّم الجميع نائبُ حَلَب، وتوجَّهوا إلى مَرْج أنطاكية، وكانُوا أكثر من عِشْرين ألفًا، وأقامُوا بالمَرْج المذكور أقلّ من شَهْر، ثم دَخَلُوا إلى بلاد الأرْمَن من باب اسكندرونة فوصَلُوا إلى
стр. 2463
النُّقَيّر (١) وهي قَلْعة برأس جَبَل، ثم إلى تلّ حَمْدون (٢)، ثم وَصَلُوا إلى نَهْر جاهان فخاضُوه من مَخَاضة العامودين، وغَرِقَ فيه جماعةٌ من الأمراء والجُنْد والغِلْمان وبعض الأطلاب سلم، وبعضهم غَرِق من الطُّلْب الثلاثة والأربعة والخَمْسة، وبعض الأطلاب غَرِقَ أكثرهم، وغالب ما وقعَ ذلك للطرابُلُسيّين، وممّن غَرِقَ منهم: ابن دَربساك أميرٌ شجاع من التُّركمان، وأميران من أقاربه، وأميرُ عَشَرة من الحلبيّين من الشُّجعان اسمه سيفُ الدِّين بُرْج. ثم رحلوا إلى ناورزه (٣) وهي قَلْعة حَصِينة، ثم نَزَلُوا على سيس وهي قَلْعة حَصِينة وحاصروها ثلاثة أيام وضَيَّقوا على أهلِها وأحْرَقوا دار المُلْك التي في البَلَد عَلَّقوا فيها النِّيران فانهدَمَت، وقَطَعُوا أشجارَ البَسَاتين، وساقُوا الأبقار والجَوَاميس والأغْنام، ثم نَزَلوا على قَلْعة تِبْنين وأخذوا منها كثيرًا من المَوَاشي وأحرقوا زَرْعها، ثم تَوَجّهوا إلى مدينة المِصّيصة فأحرقوا زَرْعها وأخربوا طائفةً من البيوت والمساكن، ثم توجهوا إلى أذنة فأخرَبُوا غالبَ أسوارِها ودار المُلْك والأسواق، وتَوجَّه بعضُ العَسْكر إلى طَرَسُوس وفَعَلُوا مثل ذلك، وأحرَقُوا الضِّياع والزُّرُوع التي كانت بها قِبلة بشام وشرقًا بِغْرب، ثم عادُوا على الطريق المَذْكورة، وخاضُوا النَّهر المَذْكور ولم يُعدَم فيه في الرَّجعة سوَى شخصٌ واحد، ووَصَلُوا إلى حَلَب، وتَوجَّه جماعةٌ من العَسْكر الأميرُ شهابُ الدِّين قَرَطاي، وعَسْكر طرابُلُس، وعَسْكر حِمْص خَلْف العرب، وانضافوا إلى الجَيْش الذي مُقَدَّمهم الأمير سَيْف الدِّين قَجْليس، فأخرجوا مُهنّا بن عيسى أمير آل فَضْل وأولادَهُ وأتباعه
стр. 2464
وأمراءَهُ، وعِدّتهم اثنان وسبعون أميرًا من البلاد الشّامية، وساقُوا خلفهم إلى عانة والحديثة (١)، وبعد ذلك عادُوا إلى بلادهم، وأمّا بقيّة الجَيْش فإنهم أقاموا بحَلَب نحو شَهْر (٢).
٤٢٨٣ - ومات بحَلَب الأميرُ بَدْرُ الدِّين بَكْتُوت (٣) الشَّمْسيُّ، وكانَ مَرِيضًا، فأقامَ بحَلَب ولم يَدْخل بلاد سِيس بسببِ مَرَضه، واستمرَّ مَرَضُه إلى أن ماتَ.
• - وبعد ذلك عادَ الجَيْش إلى دِمَشق وَوَصلُوا في التاريخ المُتَقدِّم.
وسبب هذه الغَزْوة أنَّ السُّلْطان - نَصَرَهُ اللهُ تعالى - طلَبَ من صاحب سِيس البلادَ والقِلاع التي فَتَحها المُسلمون في أيام المَلِك المَنْصور لاجِين وهي من نَهْر جَاهان إلى بُغراس، وعِدّتها ستّ قلاع: إياس، وكواره، وتَلّ حَمْدون، وسروندكار، ونُجَيْمة، والنُّقَيّر، فأجابُوا إلى ذلك بِشَرْط أن يَدْخل إليهم طائفة يَسِيرة من العَسْكر، وظهرَ للسُلْطان غَدْوهم فأمرَ بدخول الجَيْش، فلما دَخَلُوا وجَرَى ما تقدّم ذِكْره علموا أنه لم يكن قَصْدهم تَسْليم شيءٍ من ذلك.
• - ولمّا وَصلَ الجَيْش في الرَّجْعة إلى نَهْر جاهان بَلَغَهُم هناك مَوْت صاحب سِيس، وهو الذي تَمَلّك بعد والدِه الذي حَضَر إلى دمشق سنة قَزَان.
وبلاد الأَرْمَن الكِبار خَمْسة: آياس، وسيس، والمِصِّيصة، وأَذَنَة، وطَرَسُوس. ومملكة الأرْمَن صغيرة مَسِيرة أربعة أيام طُولًا في أربعة عُرْضًا
стр. 2465
بالتَّقريب، وهي قِلاعٌ كَثِيرة أكثر من مئتي قَلْعة، وحَصَلَ في هذه الغَزْوة من الغَنَائم جواميس كثيرة وأبقار هذا مُعْظَم الغَنِيمة.
وبعد ذلك عَبَرت طائفة من الحَلَبيّين إلى بلاد الأرْمَن وكَسَبوا وغَنِموا ورجعوا سالمين، ثم طائفة ثانية كذلك، ثم طائفة ثالثة خَرَجوا سالمين من غير كَسْب، ثم رابعة، فَحَصَل بينهم وبين الأرْمَن حَرْب شديد، وخرجَ على المُسلمين كَمِينٌ من الإفْرنج والأرْمَن فقتلوا من المُسلمين جماعةً وأسرُوا جماعةٌ، منهم: أميران: ألْطُنْبُغا العادلي، وأمير من التُّركمان.
• - وفي وَسَط هذه السَّنة في جُمادى الآخرة اشتُهِرَ بدمشقَ كتابٌ وَصلَ من القاهرةِ بغَزْوةٍ عظيمةٍ وقَعَت في المَغْرب في العام الماضي وكَتَبَ النّاسُ به نُسخًا وقرأوه في عِدّة مَوَاضع. ووَردَ أيضًا من الإسكندرية كتابٌ فيه ذِكْرُ ذلك. ثم تبيّن أنّ فيه زيادة ونَقْصًا.
فلمّا وردَ الشَّيخُ مُحمد بنُ عبد الله بن عبدِ الرَّحمن بن يحيى بن ربيع المالِقيُّ من الحَجّ سألناه عن ذلك، وهو ثقةٌ فاضلٌ من بَيْتٍ طيّبٍ عارفٍ بالوَقْعة مَعْرفة تامّة، فكتب لنا بخَطِّه:
"الحمدُ لله على نِعَمه وترادُف آلائه ومِنَنه، والصَّلاة التامّة على سيِّدنا مُحمد وعلى آله، وبعدُ،
فإنَّه لمّا بَلَغ النَّصارى - دَمَّرَهُم الله تعالى - حالَ أمير المُسلمين بجَزيرة الأندَلُس، حاطها الله، السُّلطان الغالِب بالله أبي الوليد إسماعيل ابن كَبِير الرُّؤساء أبي سَعِيد فَرَج بن إسماعيل بن نَصْر سِبْط أميرِ المُسلمين المُجاهد الغالِب بالله أبي عبد الله مُحمد ابن أمير المُسلمين يوسُف بن نَصْر، المَعْروف بابن الأحْمَر - أيَّدَ اللهُ أمرَهُ وأسعدَ زمانه وعَصْرَه - وأنه أخذَ بالعَزْم في تَحْصِين البلاد والثُّغور وإصلاح حال الخاصة والجُمْهور، وأنَّهُ جعلَ ذلك من
стр. 2466
آكد أعمالِه السَّنِيّة وأشغالِه، بخلاف مَن تَقَدَّم من أخواله، كَبُرَ ذلك على الأعْداء، وأخَذُوا في نُزول الجَزِيرة الخَضْراء بالابتداء، وطَمعُوا في ذلك في أقرب أمَدٍ قَبْل تَحْصِينها بالبِنَاء والعُدَد، فأخذ أعداءُ اللهِ في إصلاحِ المَرَاكب والاستنفار حينَ أرادَ الله تَعْجِيلهم إلى النِّار، وصارُوا يَخْرجون من جَمِيع بلادِهم البَعِيدة إلى البلاد القَرِيبة لأرض المُسلمين. ودخلَ سلْطان قَشْتالة - وهي إقليم يَشْتَمل على بلادٍ كثيرة، واسمُه دُون بَطره - إلى طُلَيطُلة محلّ بابهم اللَّعين، فسجدَ له وتَضَرَّعَ بين يديه، وعَرَّفَهُ بما عَزَمَ عليه وسأل منه إعانة جميع السَّلاطين ليخلصوا بجزيرة الأندلس مُسْتَرِيحين من المُسلمين، فاستَحْسَن رأيَهُ، وأكد عَزْمهُ، وأخذَ منه على ما قالَ عُهُودًا وأَيمانًا، ووعدَه زُورًا وبُهتانًا، وزادَهُم في العزم نُفُورًا، ووعدَهم بالنَّصْر ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]. ولما بلغَ المُسلمين ذلك عَزَموا على أن يُوجِّهوا إلى سُلْطان المغرب أبي سعيد عُثمان ابن السُّلطان أبي يوسف يَعْقوب بن عبد الحق المَرِينيّ مَن يُعَوَّل عليه ويُرْجَى إسعافُه إذا وصلَ إلى بين يَدَيه، فعبرَ البَحْرَ السادةُ الصُّلَحاء الخُطباء العُلماء أبو عبد الله الطَّنْجاليُّ محدِّثُ الأندلس وعالمُها، وأبو عبد الله السَّاحِلي عابدُ الأندَلُس، وأبو جعفر بنُ الزيّات الصُّوفي، وأبو تَمَّام غالب الغَرْناطي البَيّازيُّ الصَّالحُ الزَّاهدُ، وصَحِبَهُم جماعةٌ من النّاس، ووَصَلُوا حَضْرته مدينةَ فاس، فعرَّفُوه الحالَ، وأفْصَحُوا له المَقال، وطلبوا من جَيْشه وإعانته، على أن ترجع رُنْدة والجزيرة الخَضْراء إلى مُلْكه وإيالته، فكأنّهم يُكَلِّمونَ في ذلك أهل القُبُور، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، وكانَ بما طُلِبَ منه ظَنِين، ورَدَّهم على عَجَلٍ خائِبِين، فوجدَ المُسلمون من ذلك وَجْدًا عَظيمًا، فلجأوا إلى الله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فأخذَ المُسلمون في إصْلاح الجَزِيرة الخَضْراء وحَصَّنُوها بالعُدَد والبناء.
стр. 2467
ولما عَلِمَ أعداءُ الله برجُوعهم خائِبِين أبْرَموا الحَرَكة مُسْرعين، فخَرجُوا والنَّحْس يقدمُهم، والقَضَاء يُزْعِجُهم للموت، ويُسلمهم في جَيْشٍ لا يحصره عَدَد ولا إحصاء، ولا يَقْدر أحد في تَقْديره على استقصاء، وناهِيكَ من جَيْشٍ اشتملَ على خمسةٍ وعِشْرين سُلْطانًا، منهم صاحبُ اشتُونَة (١)، وقَشْتالة (٢)، والفُرنتيرة (٣)، وآرغون (٤)، وطَلبيرة (٥)، فظهرَ لهم أن يَصِلُوا إلى غَرْناطة المَحْروسة ليظهر للمُسلمين ما معهم من العُدّة والعَدَد، وَيسْتأصلوا بالفَساد، ويَمْشُوا كذلك على جَمِيع البلاد، إلى أن يصلوا الجزيرة الخضراء فينزلُوها برًّا وبحرًا ويأخذوها عَنْوةً وقَهْرًا.
وكانت عُدّة الجَيْش من المَنْجَنيقات والأثْقال والطَّعام قد أوصلته المَرَاكب إلى جَبَل الفَتْح وطَريف، لمجاورتهما للجزيرة طُول العام. وقد كانَ وَصلَ إلى الزُّقاق ثلاثة عَشَر جَفْنًا (٦) كبارًا غَزْوانيّة، وتَرَدَّدوا بين الجزيرة والمَرِّيّة (٧)، فوَصَلُوا إلى غَرْناطة ونَزَلوا منها على نَحْوٍ من عَشَرة أميال بمَوْضع يقال له قَنْطرة بَيّنُوس بالقُرْب من جَبَل إلبيرة (٨)، فملأوا البَسِيط،
стр. 2468
﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]. وامتدّت الجُيُوش في طُول وادي شنّيل (١)، وتَوَاصَلَت وجاءت وتَكَاثرت، ولم يَكُن لهم بُدَّ من النُّزول على الوادي بالطُّول، لئلا تَمْنَعهم الكثرة إلى الماء الوُصول. فكانَ ذلك من جُملة العَوْن على إتْلافهم ونَقْصِهم من أطْرَافهم، ولمّا عَلِمَ المُسلمون باستقرارهم هنالك، نَظَرُوا لهم أسباب المَهَالك.
وعَزَمَ سُلْطان المُسلمين - أيّدَهُ الله - على أميرِ جَيْشه الشَّيخ الصَّالح المُجاهد أبي سَعِيد عُثمان بن أبي العُلَى، أعزَّهُ الله، أن يَخْرج إليهم بإنجاد حُمَاة المُسلمين، وعِلْية أصناف المُجاهِدين صَبِيحة يوم الاثنين الخامس عَشَر من شَهْر ربيع الآخِر سنة تسع عَشْرة وسَبْع مئة، وأخذَ النّاسُ في الأُهْبة لذلك يوم الأحد قبله.
ولما كانَ عَشِيّة يوم الأحَد غارت سَرِيّةٌ من الجَيْش على ضَيْعةٍ من ضِياع السُّلْطان القَريبة من البَلَد، فخرجَ لهم جُملةٌ من فُرسان الأنْدَلُس الرُّماة المعروفين برُماة الدَّار يَقْطعوهم عن الجَيْش، ومَنَعُوهم الوُصول إليه جُملةً، وأخذُوا أمامَهم فارّين لجهة أرضِ المُسلمين، فتبعوهم الليلَ كُلّه، وأصْبَحُوا بأرض لَوْشَة (٢)، فاستأصَلُوهم بالقَتْل والأسْر، وكانَ أول النَّصْر.
وأصبحَ يوم الاثنين المُبارك على المُسلمين وقد غابَ من جميع المُسلمين هؤلاء الفُرسان الذين يُنْتَفع برمايتِهم ومُحاولتهم (٣) في مثل هذا المكان، فلم يُبال الشَّيخ أبو سَعِيد - أدامَ الله حياته - بمَغِيبهم، وعَزَم على الخُروج لأعداءِ الله يوم عِيْدهم، فإنه كان اليوم الرابع والعِشْرين من شَهْر حَزِيران، وهو يوم العنصرة
стр. 2469
أكبر أعيادهم، فخرج لهم مُسْتَمْسكًا بطاعة الرَّحمن في جماعةٍ نظيفةٍ من الفُرسان، منهم ابنا أخيه الشَّيْخان الشَّقيقان: أبو يحيى، وأبو مُعَرّف أميرا جيش مالَقة (١) ابنا الشَّيخ الشهيد أبي مُحمد عبد الله بن أبي العُلَى، ومنهم أخوهم للأب الشَّيْخ أبو عامر خالد أمير جَيْش رُنْدَه (٢)، ومنهم الشَّيخ العارفُ أبو مَسْعود مُحمد بن علي البابني، ومنهم أمير جَيْش الخضراء الشَّيخ المُرابط أبو عَطِيّة مُناف بن ثابت المَغْراويُّ، وأمير لوشة الشَّيخ أبو المَكارم زَيّان بنُ عبد المؤمن، ولكل واحدٍ من هؤلاء أولادٌ وأتباعٌ ونَظَرٌ حَسَنٌ وأمرٌ مُطاع. وخَرَجَ مع هؤلاء الفُرسان جُملةُ رجالٍ أنْجاد نحوٌ من خَمْسة آلاف رَجُل من أهل غَرْناطة، فعزمَ الشَّيخ أبو سعيد - أعزَّه الله - ومَن معه عليهم أن يَرْجعوا عن أثره حَوْطةً عليهم بجَمِيل نَظَره، وأن يكون طريق الجَبَل لهم مُصاحبًا، لكونه أمْنَع، ووَصَّاهم أن يكونوا بمَوْضع مَعْلوم هنالك، فلم يتقدّموا عن حدِّه، وأعطاهُم الله ونَصَرهم، وما النَّصْر إلّا من عنده.
ووَصلَ فُرْسان المُسْلمين في ثالثةٍ من النَّهار إلى قُرْب الجَيْش فوَقَعوا ناظِرين، وعَلِمُوا أنَّ اللهَ محيطٌ بالكافرين، فلما رآهُم أعداءُ الله أدرَكَهُم العُجْب والاغترار، وخَرَجَ وزيرُ سُلْطانهم فقال للمُسلمين: ما هذا العار تُشغبون السُّلطان قبل غَذَائه وتُشْغِلُونه عن عِيده بقتال أعدائِه، وما جئنا إلّا برَسْمِكُم وفَسادِ ثَمَركم وزَرْعكم فلُوذوا بالأوطان، واتَّقوا غَضَب السُّلطان لئلّا يَتَغَيّظ عليكم فَيركَب، ولا مَلْجأ لكم منه ولا مَهْرب، فعندَ ذلك حَصَلَ للشَّيخ أبي سَعِيد حالٌ أخرجَهُ عن عَقْله، فنزلَ عن فرسه باكيًا متضرّعًا إلى رَبِّه، وعَلَت أصوات المُسلمين إلى الله بالدُّعاء والضَّجِيج، وأخذ أعداءُ الله في العَجاج والعَجِيج.
стр. 2470
ثم وقفَ الشَّيخُ أبو سَعِيد فرأى مَن كانَ بقي بغَرناطة من الفُرسان واصلًا على إثره، وكُلّ مَن معهُ واقفًا عليه ومُسْتَطْلعًا لنظرِه، فذكرَ الله تعالى وصَلَّى على نبيّه وحرّض المُسلمين على جِهاد عَدُوِّه، واستعاذ وقرأ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [آل عمران: ١٧١]، و ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. ثم رجعَ للصَّلاة والدُّعاء والرَّغْبة من الله في النَّصْر على الأعداء. وعند ذلكَ ركب جَيْش الروم بكُلِّيّته، ومالَ على المُسلمين بجُمْلتِه، ولم يَعْلموا برجال المُسلمين الغادية، فَتَركُوا الجهة العُليا من المنزلة خالية، وجاءوا إلى جَيْش المُسلمين وهم على فَنائه مُعَوِّلين، فما راعَ المُسلمين بحمد الله حالهم من الدُّنوّ والقُرب و ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]. واستمرَّ الشَّيخُ أبو سعيد على تَتْمِيم رُكُوعه، ووقفَ كلُّ مَن معه مُنْتَظِرًا لركوبه وطُلُوعه، ولما رأى أعداءُ الله المُسلمين قد صَبَرُوا وثَبَتُوا توقفوا وبُهِتُوا، وخرج من الفريقين فُرسان يُحَرِّكون القتالَ، ووجّه الشَّيخُ فأمرَهُم أن يَسْبوا طرف المَحلّة، فأفادت الحِيلة، وتَمَكّنت العِلّة، واستُشْهِدَ في خلال ذلك أميرُ رُنْدة، واختارَ الله تعالى له ما عندَه، وعَلِمَ نِيّته في الجهاد فأتمّ قَصْدَه، فاجتهدَ قرابتُهُ في طَلَب الثأر، واستعانوا بالواحد القَهّار، وحَصْحَص الحَقُّ، واتَسعَ على أعداءِ الله الخَرْقُ، وعُلِمَ أنّ ما أرادَهُ الخالق فلا يردُّه الخَلْقُ، وظهرَ في المَحلَّة النّار، وتَوَاصلت لهم برجال المُسلمين الأخبار، فمالوا بحملتِهم إلى المَحَلّة مُسْرعين، فغُلِبُوا هنالك وانقَلَبُوا صاغِرين، وجاءَهُم من كل الجهات المَوْت، وفَزعوا فلا فَوْت، وتَحَكَّمت سيوفُ الله من رقابِهم، وحَلَّ البلاءُ بصغيرِهم وكَبيرهم، فما زالَ المُسلمون يَقْتلون في الموضع من السّاعة السّابعة إلى الغُروب، ويَحْمَدُون الله على نَيل المَرْغوب.
стр. 2471
ولمّا دخلَ الليلُ وأظلم طمَعَ بعضُهم في الهُرُوب، ليسلم، فتقدَّم المُسلمون إلى الطُّرق والبُلْدان، وجاءَهُم العَذَابُ من كل مَكان، ودارَت عَلَيْهِم الأرضُ، وصارَ بعضُهم يَهْرب من البَعْض، وغابَ الجَيْشُ عن غَرْناطة في قَتْلهم ثلاثة أيام، وصارُوا يهيمون في أرض المُسلمين حَيَارى، ويَخْرجون من الجوع والخَوْف سُكارى، وما زال المُسلمون شَهْرًا أو نحو شَهْرٍ يَنْتَهِبُونهم بالقَتْل والأسْرِ. ولما عَلِمَ أهلُ غَرْناطة بهذه البُشْرَى خرجُوا لفَيءِ الأموال وضَمِّ الأسْرَى، فوجدُوا من المالِ والذَّخائِر كل عَجِيب، واستَمْتَعُوا في عُبَّاد الصَّلِيب، فأسَرُوا منهم نَحْوًا من خَمسة آلاف وأزْيَد ما بينَ رجال ونِساء وأولاد، وبَقِيَ المُسلمون يَجْبون موضع الجَيْش نحوًا من عَشَرة أيام متوالية، ويَشْكُرون اللهَ على النِّعَم الصَّافية، وخَرَجَ حُذّاق المُسْلمينَ لعدّة القَتْلَى من الكافرين، فأجمعَ كُلُّهم على أنَّهم أزيد من خَمْسين ألفًا، ومنهم من قالَ سِتِّين ألفًا وما بين ذلك.
وقيل: إنَّ الوادي قَتَل منهم مِثْلَ هذا العدد لقلّة مَعْرِفتهم به، وثِقَلهم بالعُدَد.
وأمّا الذين قُتِلُوا في الجِبَال والشّعاري وسائِر بلاد المُسلمين فلا يُحْصَى كَثْرة، ولا يَبْلغ قَتْلى المَحَلّة عُشره، على أنَّ جميعَ المُلوك الخَمْسة والعِشْرين، وُجِدُوا بالمحلّة مَقْتولين، ووجَدُوا اللعين دُون بطرُه وعَمَّه دُون جَوَان في جُمْلَتهم، ولَعِبَ الناسُ بجِيفَتِهم، وصُبِّر وعُلِّق دُون بطرُه على باب الحَمْراء بغَرْناطة. وأمّا عَمُّه فكانَ ممّن يَخْدم المُسلمين، فَفُدِيت جُثته بشيءٍ كثير، وأسارى مُنْقطعين، وزادَ الأُسَارى في بَقِية أيام الشهر نَحو نِصْفهم ممّا ألفه أهلُ الحُصُون والبلاد القَرِيبة من أرضهم.
стр. 2472
وكانَ المُسلمون يَحْتاجون في كُلِّ يوم لقُوتِ الأسْرَى وقُوت مَن يَحْرسهم ويَحْرس الدَّوابَ خَمْسة آلاف دِرْهم. وزَعَمَ النّاسُ أنَّ الذي أُلْقِيَ من الذَّهَب والفِضّة بالمَحلّة كانَ سَبْعين قِنْطارًا، ولم يَظْهر من ذلك سِوَى رُبْع هذا المِقْدار. وأمّا الدوابّ والأخْبِية والعُدَد فشيءٌ ملا لا يُوقف له على عَدَد. ولقد عُزِمَ على بَيْع ما يَحْصل منها وقِسْمته، فلم يُطِق أحدٌ من المُشْتَغِلين لمحاولته، وبَقِيَ المَبِيع في الأُسارى والدَّوابّ وبَعْض الأسباب ستة أشهر مُتوالية، فلم يَتَخَلّص، وهي حتى الآن باقية. ولحِقَ النّاس من طول البَيْع المَلَل وداخَلَهُم العَجَز عن الشِّرَاء والكَسَل ونِهاية ما كانَ فرسان المُسلمين في ذلك اليوم بعد رُجُوع الرُّماة مما كانوا فيه ألفين وخَمْس مئة فارس، ولم يُسْتَشْهَد منهم سِوَى أحدَ عَشَر رَجُلًا منهم خالد بن عبد الله المَذْكور، وعُمر بن تاجزَّرْت، وكانَ من خِيار الفُرسان.
ولمّا كانَ يوم الخَمِيس العاشر من المُحَرَّم مُفْتَتَح عام عِشْرين وسَبْع مئة عزم الشَّيخُ أبو يحيى أميرُ جَيْش مالقة، حاطَها اللهُ أن يَتَوَجّه إلى رُنْدة وَيجْتَمع فيها بابنه مَسْعود الذي تَولَّى أمرَ جَيْشِها بعدَ عَمِّه الشَّهِيد خالد، ويَصِل إليه الشَّيخُ أبو عطيّة مُناف بن ثابت وَيتَوجَهوا للإغارة على شَرِيش (١) من بلاد النَّصارَى، فَتَحها اللهُ، فنقلَ ذلك إلى النَّصارى، دَمَّرَهُم الله، المُجاورين لمالقة ولبلاد المُسْلمين المُجاورة لها، فَعَزَمُوا على أن يَغاروا على قامِرة (٢) وحِصْن قوْج (٣) من نظر مالقة، وبالقُرب منها، فارتَقَبُوا يوم انفصالِه.
стр. 2473
وكانَ يوم الخَمِيس واجتَمَعُوا في نَحْو الألف فارس، وخَمْسة آلاف راحل من أهل إسْتجة (١)، وشنتيالة (٢)، وأشونَة (٣)، واسْتبّة (٤)، وبَلِيّ (٥)، وأليَسَانة (٦)، وقَبْرَة (٧)، ومَرْشانة (٨). وكان أعداءُ الله في الحَشْد الأوّل قد خافُوا على هذه البلاد المُجاورة للمُسْلمين، فتَركُوا أكثرَ أهلِها لها حارسين، وبها مُقِيمين، فوَصَلُوا صَبِيحة السَّبْت، ودخَلُوا قامِرة المَذْكورة، وأُخِذَ جميع كَسْب سُلطان المُسلمين وكثير من كَسْب الرَّعية، وخَرَجوا به مُطْمَئنّين لآخرِ أرض المُسلمين.
وكانُوا في ليلة السَّبْت قد اجتَمَعُوا بفارِسَيْن من المُسلمين كانا يَمْشيان من انتَقِيرة (٩) إلى رُنْدَه طامعين في اللُّحُوق بالجَيْش والدُّخول معه للإغارة، فأخذ أعداءُ الله الفارس الواحد وسألُوه، وتَحَقَّقُوا الحال زيادةً لما كان عندهم. وهرب الآخر فأصبَحَ بحِصْن ارتُجيْطر حِصْن الوزير الحَكِيم، ﵀، فوجدَ به الشَّيخ أبا يَحيى مُقلعًا لرُنْدَه قد حَبَسه اللهُ به يوم الجُمُعة، فعرَّفَهُ بالحال وهو بجماعة مالقة خاصّة، فلم يَكُن له بُدّ من الرُّجوع إلى النَّصارى، فَحَظَر على حِصْن أطِيْبَة (١٠) وأخذ من فرسانها، وتألّف معه نحوٌ من ثلاث مئة فارس
стр. 2474
ممّن يعوّل عليهم وترك الضُّعفاء والثَّقَلة في الساقة، ونَهَضَ إلى حيث ذَكَرَ له الفارسُ أنَّهُ لقِيهم أول اللَّيل في دُخولهم فوجدهم ثمَّ قد خَرَجوا بالمَغْنَم بموضعٍ يقال له بَرْجَة (١) من تحت حصن بيْربى (٢)، وذلك بعد الظهر، فأخذَ أعداءُ الله وطَلَعوا في كُدْيَةٍ عاليةٍ، ونَزَلَ أنجادُ فُرْسانهم للقتال مع المُسلمين فقاتَلُوهم قتالًا شديدًا ضُرِبَ فيه للمُسلمين نحوٌ من ثلاثة وستين فرسًا ومات أكثرهم، واستُشْهِدَ رجلٌ واحد يقال له سَعْد الهَدَّار، وقُتِلَ من فُرْسان النَّصارى كثيرٌ، ثم ظَهَرت ساقة المُسْلمين على الأثر واصلة مع أهل بُرْغُه، والطوْرون (٣)، فارتجعَ من عاشَ من فُرسان النَّصارى إليهم للكُدْية، وحَصَّنوا على أنفُسِهم بالبَرَاذع والدوابّ والدَّرَق، وامتَنَعُوا فيها، ووصلَ الرُّماة من انتقيرة وحِصْن المنشاة. وكان العون من الله تعالى عليهم، فما زَالوا يُجاولُوهم (٤) ويقاتلوهم (٥) إلى ثُلُث الليل الآخر، وفي ثُلُث الليل الآخر أذْعَن من بَقِيَ منهم في قَيْد الحياة للأسْرِ، فأُلقي منهم نيّفٌ على الخَمْس مئة أحياء أُسِروا كُلّهم وسائرهم موتَى بالرِّماح والسِّهام. ورجعَ الشَّيخُ أبو يحيى بِهِم إلى مالقة بِبُروزٍ عظيم، وجَعَلَ منهم أربع مئة أسير واثنين وثمانين أسيرًا في حَبْلِ واحدٍ وسائرهم مُثْقَلين (٦) بالجِرَاح (٧)، وأخذ دوابّهم فركّبهم عليهم بعُدّة عَظِيمة، وأخذَ منهم قاضِي النَّصارى
стр. 2475
بإسْتِجة وجعلَ ما ضُمَّ للمَغْنَمِ من عُدَّتهم (١) من السُّيوف والرِّماح على خَمْسةٍ وأربعين بَغْلًا، ومن القُسِيّ على خمسة عَشْرة دابّة، والدّرق كذلك على نحو من ثلاثة عَشَرَ. وأراح الله تعالى من هؤلاء الأعداء الشِّرار، وجُمِعَ الكُلُّ على عَجَلٍ في النار، والحمد لله" (٢).
شَهْر رَجَب
٤٢٨٤ - وفي ليلة الجُمُعة الثاني من رَجَب تُوفِّي شَرَفُ الدِّين أحمدُ (٣) ابنُ الشَّيْخ بُرْهان الدِّين إبراهيمَ بن مُحمد بن أحمد الوانيُّ، رئيسُ المؤذِّنين بجامع دمشق ودُفِنَ إلى جانب زَاوية الشَّيخ نَصْر المَنْبِجيّ ظاهر القاهرة.
وكانَ شابًّا، له دُكّان في الشَّمْعِيّين بباب البَرِيد. وجاوزَ العِشْرينَ من عُمُره.
وأسْمَعَهُ أخوه كثيرًا من العَوَالي، وكان قد تَوجَّه للحجّ مع والِده وأخيه، فأدركَهُ أجَلُه في الطريق.
стр. 2476
• - وفي شَهْر رَجَب وأواخر جُمادى الآخرة حَصَل بالدِّيار المصْرية للنّاس مرضٌ كثير قلَّ أنْ سلِمَتْ منه دار وغَلَت الأدْوية والأشْرِبة، وازدَحَم النّاسُ على العَطّارين، ولكن كانَ المَوْت قليلًا والمَرَض سلِيمًا، وكانَ ذلك في شَهْر مُسْرَى من شُهُور القِبْط وَقْت زيادة النِّيل، وأول شَهْر مُسْرَى كان ثامِن عَشَر جُمادى الآخِرة، وكانَ الخامس والعِشْرين من تَمّوز.
وكَتَب إليَّ الشَّيخُ فخرُ الدِّين بن الظّاهري كتابًا يذكرُ فيه أنه مَرِض جميعُ من عنده، وبَقِيَ أربعة أيام ما يَجِدُ من يَشْتري له حاجة ولا قُوتًا، وأنَّ الرُّمّانة الحامضة أبِيْعَت بثلاثة أرباع نُقْرة، والقَرَاصية الحامضة أبيع الرِّطْل المِصْري منها بأربعة دَرَاهم نُقرة، وأبيع العُنّاب الرِّطل المِصْري بستة دراهم نُقْرة، وكذلكَ الإجاص، وأبيع الرِّطْل المِصْري من قَلْب اللَّوز بأوبعة دَرَاهم نُقْرة، وذكرَ أشياء من الشِّدَّة، ثم لطفَ اللهُ تعالى.
• - وأُخرِجَ المَحْمَل السُّلطاني من القَلْعة وطافوا به ظاهر البَلَد على العادة في يوم الخَمِيس مُنْتصف رَجَب.
• - وفي يوم الاثنين التاسع عَشَر من وَجَب وَصلَ إلى دمشقَ الأميرُ سيفُ الدِّين كُجْكُن والأُمراء والجَيْش المُجَرَّد معه من دمشق لإخراج مُهَنّا وأصحابه وأمرائِه من الشام وطَردُوهم عنها إلى بلاد العِراق.
٤٢٨٥ - وفي يوم الثُّلاثاء العِشْرين من رَجَب تُوفِّي الأميرُ جارِيْك عبد الله (١) السَّاكِن بظاهر دمشق عند المَدْرسة الشامية، ودُفن بالقُبَيْبات.
وكان أمير خَمْسين.
стр. 2477
• - وفي يوم الخَمِيس الثاني والعِشْرين من رَجَب عُقِدَ مَجْلس بدار السَّعادة وحَضرهُ نائبُ السَّلْطنة بدمشقَ والقُضاةُ وجماعةٌ من المُفْتِين، وحَضرَ الشَّيخ تقيّ الدِّين بن تَيْميّة، وعاودُوه في الإفتاء في مسألة الطَّلاق وعاتَبُوه على ذلك وحاققوهُ وحَبَسوه بالقَلْعة (١).
• - وفي يوم الاثنين السادس والعِشْرين من رَجَب وَليَ الأميرُ علاءُ الدِّين بنُ مَعْبد شدَّ الأوقاف المَبْرورة، وخُلِعَ عليه، عِوَضًا عن بَدْر الدِّين المَنْكُورسيّ، وذلك مُضافًا إلى ما هو متولّيه من ولاية البَرِّ بدمشق لكفاءَتِه وحُسْنِ سيرتِه وعِفَّتِه.
٤٢٨٦ - وفي يوم الثلاثاء السّابع والعِشْرين من رَجَب تُوفِّي الأميرُ علاءُ الدِّين عليّ (٢) ابنُ جمال الدِّين إبراهيم بن خالد، المَعْروف بابن النَّحّاس، بقريةٍ من قُرى حَوْران، وعُمِلَ عزاؤه بدمشق.
وكانَ باشرَ ولاية دمشق هو وأبوه.
ورأيتُ سماعَهُ على القاضي شَمْس الدِّين بن عطاء الحَنَفي في "سُنن أبي داود".
٤٢٨٧ - وفي يوم الخَمِيس التاسع والعِشْرين من رَجَب تُوفِّيت والدةُ القاضي تَقِيِّ الدِّين بن الزَّكيّ (٣)، ودُفِنَت بتُربتِهم بسَفْح جَبَل قاسيون.
٤٢٨٨ - وفي يوم الخَمِيس التاسع والعِشْرين من رَجَب تُوفِّي الشَّيخُ الإمامُ
стр. 2478
العَدْلُ الرَّضِيُّ المُحَدِّثُ الفاضلُ شَرَفُ الدِّين أبو يوسُف يَعْقوبُ (١) ابنُ الشَّيخ الإمام المُقْرئ جمالِ الدِّين أحمد بن يَعْقوب بن عبد الله الحَلَبيُّ، بالقاهرة، ودُفِنَ من يومِه بمقبَرة باب النَّصْر.
وكان مَرِضَ مرضةً طويلةً نحو سنة ونِصْف، وتَغيَّر ذهنه فيها، وجاوزَ السَّبعين.
وكانَ الشَّيخُ جمالُ الدِّين بنُ الصَّابونيّ تَزَوَّج بخالته ورُبِّي عنده، وقرأ عليه شيئًا من الحَديث وتَخَرَّج به وانتفعَ بصُحْبته ولازمَهُ، فلذلك عُرف بابن الصَّابوني.
سَمِعَ بالقاهرة من ابنِ عَزُّون، وابنِ زَيْن الدِّين الدمشقيِّ، وابن عَلّاق، والنَّجيب عبد اللَّطيف، وجماعة.
وسَمِعَ بدمشقَ من ابن أبي اليُسْر، وابن عَبْدٍ، وعبد الوَهَّاب بن النَّاصح، وجماعةٍ من أصحاب ابن طَبَرْزَد، وغيرهم، ولازمَ الطَّلَب والكتابةَ والسَّماعَ والقراءةَ مدّةً، ثم إنَّهُ صارَ شاهدًا، وكتبَ الحُكْم عند القُضاة وتَعَيَّن في هذه الوَظِيفة، وأقامَ بدمشق مدّةً، وبالقاهرة مدّة، وباشَرَ بالقاهرةِ مَشْيخة الحديث بالمَدْرسة المَنْكُودَمُرية.
كتبَ إليَّ بوفاتِه زَيْنُ الدِّين أبو بَكْر الرَّحَبِيُّ.
٤٢٨٩ - وفي يوم السَّبْت السابع عَشَر من رَجَب تُوفِّي الشَّيخُ العَدْلُ فتحُ الدِّين أبو مُحمد عبدُ الوَهّاب (٢) ابنُ الشَّيخ نِظام الدِّين مُحمد بن مُحمد بن
стр. 2479
مُحمد بن عُثمان البَلْخيُّ الأصل، الحَلَبيُّ المَولد، المَعْروفُ بابن النِّظام البَغَداديّ، بالقاهرة، ودُفِنَ يوم السَّبْت بالقَرَافة.
وكانَ أحد الشُّهود بالقُرب من جامع ابن طولون. سَمِعَ من والده "جُزء ابن نُجَيْد" بسماعِه من المؤيَّد الطُّوسي، وذلك في سنة تسع وأربعين وست مئة بحَلَب، وذكرَ أنه سَمِعَ غير ذلك. وحَدَّث؛ سَمِعَ منه الطَّلبة، وأجازَ لنا.
ومولدُه في خامس عَشَر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وست مئة بحَلَب.
كتبَ إليَّ بوفاتِه أبو بَكْر الرَّحَبِيُّ.
شَهْر شَعْبان
٤٢٩٠ - وفي يوم الأحد الثاني من شَعْبان تُوفِّي الافتخارُ ياقوتُ (١) بنُ إبراهيمَ المَحَلِّيُّ القَضَائيُّ الخُوَيّي فَرّاش التُّربة العادلية، ودُفِنَ آخر النَّهار بتُرْبة مَخْدومه قاضي القُضاة شهاب الدِّين الخُويّيِّ بسَفْح قاسيون.
وكان رَجُلًا جيِّدًا.
٤٢٩١ - وفي يوم الاثنين الثالث من شَعْبان تُوفِّي الشَّيخُ الإمامُ الفاضِلُ الأديبُ البارعُ شمْسُ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (٢) بنُ حَسَن بن سِبَاع بن أبي بَكْر الخِذَاميُّ، المِصْريُّ الأصل، ثم الدِّمشقيُّ، الصَّائغُ، وصُلِّي عليه ظُهْر اليوم المَذْكور بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقبَرة الباب الصَّغير.
стр. 2480
وسألتُه عن مولدِه فقال: في سنة خَمْس وأربعين وست مئة تقريبًا بدمشق. وذكر أنّ والدَهُ من مصر، وأنَّهُم من جزيرة قَوْسَنِيّا (١) من عَمَل المحلّة.
وسَمِعَ الحديثَ من ابن أبي اليُسْر، وحَدَّث وكان أديبًا، فاضِلًا، عارفًا بفنّ الأدب، له النَّظْم والنَّثر، وله مَعْرفة بالعَرُوض والقَوَافي وعِلْم البَدِيع، ولديه طَرَف جَيّد من اللُّغة والنَّحو وشَرَح "مَقْصورة ابن دُرَيْد"، وله نَظْم في العَرُوض. وصَنَّفَ قصيدةً عدّتها ألفا بيتٍ تائيّة ذكرَ فيها العُلوم والصَّنائع، وهي دالّة على فَضِيلة كبيرة. وكانَ يُقرئُ النَّحوَ والأدبَ والكُتبَ الأدبية، ويَعْملُ صَنْعة الصِّياغة، ويُقْرئ في دُكّانِهِ.
وكان كَيّسَ الأخلاق، لطيفَ المُحاضرة، متودِّدًا إلى النّاس، كثيرَ التَّواضع، صَبُورًا على الأذَى، وحَجّ، وأصيبَ بولدٍ كبير، ومَدَح القُضاةَ والأكابر. وله مَرْثيّة في الشَّيخ شمْس الدِّين الحَنْبليّ، وله في وَاقعة شَقْحَب ومَدْحِ السُّلطان كراريس نَظْمًا ونَثْرًا.
٤٢٩٢ - وفي يوم الثلاثاء رابع شَعْبان تُوفِّي الشَّيخُ بَدْر الدِّين أبو مُحمد عبدُ اللَّطيف (٢) ابنُ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّين أبي القاسم ابنِ الشَّيْخ الإمامِ الخطيب سَيْفِ الدِّين عبد الغني ابنِ الشَّيخ الإمامِ العَلّامة الخَطِيب فَخْر الدِّين أبي عبد الله مُحمد بن أبي القاسم بن مُحمد بن تَيْميّة الحَرّانيُّ، التّاجرُ بسوق
стр. 2481
الرَّمّاحين، وصُلِّي عليه عَصْر النَّهار المَذْكور بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية عند أهلِه.
ومولدُه في أواخِر سنة خَمْسٍ وأربعين وست مئة بحَرّان.
ورَوَى بالإجازة عن الأعَز بن العُلِّيق، وابن القُمَيْرة، وعبد العزيز بن الزَّبِيديّ، وإياس عَتِيق القاضي الحجّة ابن الشَّهْرَزُوريِّ (١)، وغيرهم.
وممّن أجاز له: مُحيي الدِّين بنُ الجَوْزيّ، ومجدُ الدِّين بنُ تيميّة، وعزُّ الدِّين عبد الرزاق الرَّسْعَنِيُّ، وكمالُ الدِّين بن العَدِيم، وتاجُ الدِّين بن السَّاعي المؤرِّخ.
وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، مواظِبًا على تِجارته، وله أولاد تُجّار، وهو من بَيْتِ عِلْمٍ ودِين.
٤٢٩٣ - وفي يوم الثُّلاثاء الرَّابع من شَعْبان تُوفِّيت المرأةُ الكبيرةُ الصَّالحةُ أمُّ مُحمد ستّ الأمَل (٢) بنتُ شَيْخنا زَيْن الدِّين إبراهيم بن أحمد بن عثمان بن عبد الله بن غَدِير بن القَوّاس الطائيِّ، بِبُستان بالمِزّة، ودُفِنَت يوم الأربعاء بسَفْح جبل قاسيون.
ومولدُها تقريبًا في سنة أربعين وست مئة.
وهي أكبر من أخيها شَمْس الدِّين أحمد، وهي زَوْجة شيخنا شَرَف الدِّين مُحمد بن عبد المُنعم بن القَوّاس أمُّ ولده بَدْر الدِّين مُحمد.
стр. 2482
رَوَت بالإجازة عن ابن القُمَيْرة. وممّن أجازَ لها: الرَّشِيد بن مَسْلَمة، ومَكِّي بن عَلّان. ومن الشُّعراء: البهاء زُهير، وابنُ زبلاق، والنُّور بن سَعِيد، والسُّلَيْمانيُّ، والتَّلَعْفَرِيُّ، وابنُ دَفْتر خوان، وجماعةٌ.
٤٢٩٤ - وفي يوم الأربعاء الخامس من شَعْبان تُوفّي كمالُ الدِّين أبو المَعَالي مُحمدُ (١) ابنُ الشَّيْخِ العَدْلِ زين الدِّين إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ عُثمان بن عبد الله بن غَدِير الطائيُّ الدِّمشقيُّ، المَعْروف بابن القوّاس، بظاهر دمشق، ودُفن بتُربتهم بسَفْح جبل قاسيون.
ومولدُه في سنة اثنتين وخَمْسين وست مئة بدمشق.
وكانَ شاهدًا، وخَدَم بديوان الحَشْر، وأحضرَهُ أبوه على الصَّدْر البَكْريّ، وخَطِيب مَرْدا، والفقيه مُحمد اليُونِينيِّ، وعبد الله بن الخُشُوعيِّ. وسَمِعَ من ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليُسْر، وجَمَاعةٍ. وسَمِعَ بالدِّيار المِصْرية من الرَّشيد العَطار، وإسماعيل بن صارِم، وأحمد ابن القاضي زَيْن الدِّين الدِّمشقيِّ، وشيخ الشُّيوخ شَرَف الدِّين عبد العزيز الأنصاريِّ، وغيرِهم.
وجمعتُ له من الشُّيوخ سَبْعةً وثمانين شَيْخًا. وكان قد تَفَرَّدَ بالرِّواية عن بعضِهم.
٤٢٩٥ - وفي يوم الأربعاء خامس شَعْبان تُوفِّي شَرَفُ الدِّين مُحمدُ (٢) ابنُ الحاجّ إسماعيل بن يوسُف بن عبد الرحمن الأنصاريُّ، التّاجرُ بالخَوَّاصِين، ودُفِنَ آخر النَّهار بباب الصَّغير.
وكان مَشْهورًا بالتِّجارة، وله اختلاطٌ بالنّاس، وأبوهُ ابنُ عَمّة عَلاءِ الدِّين بن الحِمْيَريّ.
стр. 2483
وجدتُ سماعَهُ بعد موتِه على ابني الحِمْيريّ: فخرِ الدِّين، وعمادِ الدِّين.
٤٢٩٦ - وفي ليلة السَّبْت ثامن شَعْبان تُوفِّي الشَّيخُ يعقوبُ (١) بنُ أبي القاسم بن يوسُف ابن الشَّيخ الكبير أبي القاسم العَوْفيُّ الحُوَّاريُّ، بقَرْية حُوَّارَى، ودُفن يوم السَّبْت هناك، وحَضرهُ أهلُ القُرى، وأقامُوا على قَبْره أيامًا.
وكان من بَيْت مَشيخةٍ وزاويةٍ وفُقراء.
٤٢٩٧ - وفي يوم الاثنين العاشر من شَعْبان تُوفِّي شَمْسُ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (٢) بنُ شُجاع الدِّين أبي مُحمد عبد الخالق بن مُحمد بن سَرِيّ بن أحمد بن أبي الوَحْش المِزّي، بدمشق، ودُفِنَ يوم الثلاثاء بمقبَرة المِزّة عند والدِه.
ومولدُه في سنة خَمْسٍ وأربعين وست مئة بالمِزّة.
سَمِعَ من خَطِيب مَرْدا عدّةَ أجزاء بالمِزّة، وأجازَ له اليَلْداني، وإبراهيم بن خليل، وغيرُهما. وكان في أكثر عُمُره رئيسًا بالمِزّة، وأقامَ مدّةً بطرابُلُس والمَجْدل في خِدمة الولاةِ، ولما ماتَ كان مَعْزولًا عن ذلك جميعه.
٤٢٩٨ - وفي يوم الأربعاء الرابع من شَعْبان تُوفِّي القاضي زَيْنُ الدِّين أحمدُ (٣) ابنُ قاضي القُضاة تقيّ الدِّين أبي عبد الله مُحمد بن الحُسين بن رَزِين الشافعيُّ بالكَرَك.
وكان مُتَولّيًا النَّظَرَ ووكالةَ بَيْت المال هناك، ووَلِيَ بالقاهرة نظرَ ديوان الطِّراز، وسَمِعَ من ابن عَلّاق، والنَّجيب عبد اللطيف الحَرّانيِّ، وغيرهما.
стр. 2484
ومولدُه في سنة سَبْعٍ وخَمْسين وست مئة يوم الأربعاء.
كتبَ إليّ بوفاتِه من القاهرة الشَّيخ أبو بَكْر الرَّحَبيُّ.
٤٢٩٩ - وفي يوم الجُمُعة ثالث عَشَر شَعْبان تُوفِّي الشَّيخُ الصالحُ أحمد (١) الرَّحَبيُّ، بالقاهرة بالمارستان.
كَتَبَ إليَّ بوفاته الشَّيخ أبو بَكْر الرَّحَبيُّ، وقال: إنّه من أصحابِ الشَّيخ مُحيي الدِّين النَّواوي.
٤٣٠٠ - وفي يوم الأربعاء السادس والعِشْرين من شَعْبان تُوفِّي الأميرُ الأجلُّ جمالُ الدِّين أبو مُحمد عبدُ الرحمن (٢) ابنُ شَيْخِنا الصّاحب فَتْح الدِّين عبد الله بن مُحمد بن أحمد بن خالد بن مُحمد بن نَصْر بن صَغِير، ابنُ القَيْسرانيِّ، الحَلَبيُّ، بالقاهرة، ودُفِنَ بالقَرَافة.
ذَكرَ لي أنّه وُلِدَ بحَلَب ونُقِلَ منها صغيرًا، وسَكنَ الدِّيار المِصْرية، وصار جُنْديًّا، وهو رجلٌ حَسَن، وعنده فَضِيلةٌ.
سَمِعَ بحَلَب من الشَّيخ شرَف الدِّين أبي طالب عبد الرَّحمن بن العَجَميِّ "الأربعين الآجُّريّة" في مُحَرَّم سنة سَبْع وخَمْسين وست مئة، قرأتُها عليه بدمشق، وسألتُه عن مولدِه، فقال: أخي أكبر منّي بأربع سنين.
ومولدُ أخيه شَرَف الدِّين في أحد الجُماديّين سنة ثمانٍ وأربعين وست مئة.
كَتَبَ إليّ بوفاته الشَّيخ أبو بَكْر الرَّحَبيُّ، ثم وجدتُ وفاتَهُ بخط أحمد بن أيبك الحُساميُّ، وذكرَ أنَّهُ سمِعَ منه في رَجَب قبل موتِه بقليل أحاديث رُباعيّات من "صَحيح مُسلم".
стр. 2485
• - وفي يوم الجُمُعة الثامن والعِشْرين من شَعْبان مُسِكَ الأميرُ عَلَمُ الدِّين الجاوليُّ بمدينة غَزّة، وحُمِلَ إلى الإسكندرية.
وقيل: كان سبب مَسْكه أنه كانَ عنده أستاذ دار قَدِيم وفيه ظُلْمٌ فأبعدَهُ، فتَوجَّه إلى بابِ السُّلطان، وذكرَ أنّ أستاذَهُ يتَوجَّه إلى الحجّ، وقد تهيّأ لذلك وأنفق نَفَقاتٍ زائدة بحيث بَلَغ كَرْي الجِمال التي حَمَلت ما معه من القَمْح والشَّعِير ثمانين ألف دِرْهم. وقد هيّأ شيئًا كثيرًا من الخَيْل والهُجُن والسِّلاح وقَصْده دُخول اليَمَن، والانتزاح من البلاد، فرُسم بمَسْكه، ووَقَعَت الحَوْطة على أملاكِه وموجودِه. ولما وصلَ الخبرُ إلى أهل مكة، شَرَّفها الله تعالى، بذلك تألّموا لِما فاتهم من بِرّه وصَدَقاته في هذه السنة (١).
• - وفي العَشْر الأُول من شَعْبان أُريقت الخُمُور في خَنْدق قَلْعة المدينة السُّلْطانية، ثم أُحْرِقت الظُّروف.
وذُكِرَ أنّ سببَ ذلك أنه وقعَ في رَجَب بالمدينة المَذْكورة بَرَد كِبار وُزِنت منه بَرَدَة، فكان وزنها ثمانية عَشَر دِرْهمًا، وأهلكَ مواشي كثيرةً، وأعقبَهُ سيْل خِيفَ منه على البَلَد، واشتدَّ الخَوْف، ولجأ النّاسُ إلى الله تعالى. ثم مَنَّ اللهُ تعالى بالسَّلامة، فسألَ المَلِك أبو سعيد بن خَرْبَنْدا الفُقهاءَ عن سَبَب ذلك، فقالوا له: من الجَوْر والظُّلْم وإظهار الفَوَاحش، وأنَّه بالقُرْب من المَساجد والمَدارس والخَوانك خَمّارات، وحانات، فأمرَ بتَبْطيل الخمّارات والحانات في سائر مملكته، وأبْطَلَ مَكْس الغلّة، ورُسِّم على الخَمّارين بالمدينة السُّلطانية، وأُلزِموا بإحضار الخُمُور في الظروف إلى تحت القَلْعة، فأحْضَرُوها على الدَّوابّ وأكتاف الحَمّالين، فاجتمعَ من ذلك أكثر من عَشَرة آلاف ظَرْف. فلما كَمل جَمْعها حضرَ الوزير تاجُ الدِّين عليّ شاه راجلًا وأعوانُه وخواصّ
стр. 2486
الدَّولة معه، وأُريقت الظُّروف المَذْكورة جميعها في الخَنْدق، ثم أُحرقت الظروف، وبَقِيت النّار تعمل فيها يومين.
حَكَى ذلك تاجرٌ مَوْصليٌّ حضرَ الواقعة. قال: وسافرتُ بعد ذلك إلى تِبْريز، فرأيتُ الخُمور مُراقةً في الأزقّة، وقد فُعِلَ من ذلك بتِبْريز دون ما وقعَ بالسُّلطانية. قال: ثم قدمت المَوْصل فرأيت الذي فُعِلَ بها من ذلك دُون ما شاهدته بتِبْريز بكثير (١).
شَهْر رَمَضان
٤٣٠١ - وفي ليلة الثلاثاء ثالث رَمَضان تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الإمامُ القاضي شَمْسُ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (٢) بنُ إبراهيم بن عليّ بن مُسَلَّم بن أبي سَعْد الرَّقِّيُّ الشافعيُّ، بالمَدْرسةِ العَذْراوية بدمشق، وصُلِّي عليه ظُهْر اليوم المَذْكور بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقبَرة الباب الصَّغير.
ومولدُه في ليلة النِّصف من شَعْبان سنة ثمانٍ وأربعين وست مئة بدمشق.
سَمِعَ من ابن عبد الدّائم، وحدَّث عنه. وكانَ فقيهًا اشتغلَ وحَصَّلَ وجلسَ مع الشُّهود مدّةً طويلةً، ووَلِيَ قضاء بُصْرَى مدّةً ثم تركَهُ واستقرَّ خاطرُهُ على تَرْك القضاء. وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، سَلِيمَ الصَّدْر، حَسَن الخُلُق.
٤٣٠٢ - وفي ليلة الثلاثاء ثالث رَمَضان تُوفِّي الصَّدْرُ الفاضلُ بهاءُ الدِّين أبو الحَسَن عليّ (٣) ابن الشَّيخ مُوفّق الدِّين عيسى بن أبي القاسم بن مَنْصور
стр. 2487
الدمشقيُّ الحَنَفيُّ، وصُلِّي عليه ظُهر اليوم المَذْكور بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقبَرة الباب الصَّغير.
ومولدُه في صَفَر سنة خَمْسٍ وستّين وست مئة.
وكان رَجُلًا جيِّدًا فيه مُروءةٌ وعَصبيّةٌ وقيامٌ مع أصحابه. واشتغلَ، ووَلِيَ تَدْريس المَدْرسة العِزّية بالكُشْك مدّةً وعَمَّرها وعَمَّر وَقْفها، واستمرَّ فيها إلى أن مات بها.
وسَمِعَ معَنا من أصحاب ابن طَبَرْزَد، وغيرِهم.
٤٣٠٣ - وفي يوم الثلاثاء ثالث شَهْر رَمَضان تُوفِّي شهابُ الدِّين أحمدُ (١) ابنُ الشَّيخ فَتْح الدِّين محمود بن عليّ بن إبراهيمَ العامليُّ، إمامُ مَسْجد القَصَب، ودُفِنَ من الغد بسَفْح جَبَل قاسيون، عند والدِه.
وكانَ حَضرَ معَنا سَمَاع "مَشْيخة ابن البُخاري" عليه في سنة سَبْعٍ وثمانين وست مئة، وهو في السنة الرابعة.
وحدَّث بأحاديث منها بالعُلَى، بطَرِيق الحِجَاز الشَّريف في سنة عَشْرٍ وسَبْع مئة. وكانَ خَلَفَ والدَهُ في إمامةِ المَسْجد المَذْكور، وجلسَ يَشْهدُ على باب المَدْرسة الزَّنْجيلية ظاهر دمشق.
٤٣٠٤ - وفي ليلة الثلاثاء عاشر شَهْر رَمَضان تُوفِّي بدرُ الدِّين هِلالُ (٢) ابنُ الشَّيخِ الإمام الصَّالحِ القاضي الخَطِيب صَدْر الدِّين سُليمان بن هلال بن شِبْل الجَعْفريُّ، ودُفِنَ بُكْرة الثلاثاء بمقبَرة الباب الصَّغير.
стр. 2488
وكان يَشْهدُ ويحضرُ بعضَ المَدارس، وأصيبَ به والدُهُ، وصَبَرَ واحتَسَب، وسَمِعَ بقراءتي على ابن مُشَرَّف بدارَيّا، وكمّل ثلاثينَ سنة من العُمُر.
٤٣٠٥ - وفي ليلة الخَمِيس الثاني عَشَر من رَمَضان تُوفِّيت المرأةُ الصالحةُ الكبيرةُ أمُّ مُحمد ستُّ الفُقهاء (١) بنتُ يوسُف بن مُحمد الحَمَوية، بسَفْح قاسيون، ودُفِنَت ظُهْر الخَمِيس بالقُرْب من المَدْرسة المُعَظَّمية.
سَمِعَتْ من البَلْداني بقراءة الفاضِلِيّ، وإفادته في بُستان الفاضل.
وكانت امرأةً جيِّدةً، صالحةً، حاجّة، لها مِلْكٌ ونِعْمةٌ وبِرٌّ ومَعْروف، وكانت تَصُوم الأشهر الثلاثة وغيرها من الأيام الفاضِلة، وتَحْفظ أحاديثَ وأخبارًا في الزُّهد وتُوردها عندَ مَن يَجْتَمِع بها من النُّسوان، وفيها حياءٌ وبِرٌّ وصَدَقةٌ، وكانت تُخَيّط احتسابًا إلى أن ماتت.
ومولدُها في سنة أربع وثلاثين وست مئة تقريبًا.
وذكرتْ أنَّ والدَها كانَ فَقِيهًا. وجَدَّها كانَ خَطِيب حَمَاة. وتَزَوَّجت بالمَجْد أيوب بن أبي الزَّهْر بن الخِيْسيّ (٢)، وهي أمُّ أولادِه: مُحمد، وعليّ، وأحمد، وهم رجالٌ أخيار.
• - وفي يوم الأحد مُنْتصف شهْر رَمَضان وصلَ الأميرُ سيفُ الدِّين قَجْلِيس المَلَكيُّ النَّاصريُّ إلى دمشقَ من بلادِ الشمال، وكانَ بين خُرُوجه من دمشقَ ودخوله إليها في هذه السَّفْرة أربعة أشهر وأيام، وأقامَ بدمشقَ قليلًا، وتَوجَّه إلى القاهرة المَحْروسة، وكانَ مُقَدَّمًا على الجَيْش الذين اجتمعُوا معه، وهم: الأمير سَيْف الدِّين كُجْكُن بمن معه من الأُمراء والجُنْد من دمشق، والأميرُ شِهاب الدِّين قَرَطاي نائب طرابُلُس ومن معه من عَسْكَر طرابُلُس، ودمشق،
стр. 2489
وحِمْص، وهم طائفة ممّن كان مُجَرَدًا بسِيس، وساقُوا خَلْفَ مُهنّا وأولادِه وأمرائِه، وهم اثنان وسَبْعون أميرًا، وأخرَجُوهم من الشّام إلى عانة والحَدِيثة، وحَصَل للجَيْش حَرٌّ وعطَش في هذه السَّفْرة في البرِّيّة، وسَلَّم اللهُ تعالى.
• - وسافَرَ الصَّاحبُ شَمْسُ الدِّين ناظر الدَّواوين من دمشقَ في شَهْر رَمَضان للاحتياط على ما يتعلَّق بالجَاولي نائب السَّلْطنة بغَزّة، فغابَ أيامًا وعادَ إلى دمشقَ ووصلَ إليها يوم الثلاثاء السابع عَشَر من رَمَضان، ووَلِيَ غَزّة الأمير حُسام الدِّين لاجِين المَعْروف بالصَّغِير، متولِّي البَرّ كانَ بدمشقَ من مدّة سِنين، وتَوَجَّه إلى غَزَّة عَقِيب الجاولي.
٤٣٠٦ - وفي يوم الاثنين السادس عَشَر من شَهْر رَمَضان تُوفِّي الأميرُ الأجلُّ بدرُ الدِّين أبو أحمد دلادَمُر (١) بنُ عبد الله عَتِيق الأمير سَيْف الدِّين بكتَمُر السَّاقي بحَوْران، بقَرْيةٍ اسمُها طيرة بُرَيْد، ودُفِنَ هناك.
وله من العُمُر ثلاث (٢) وسَبْعون سنة تقريبًا.
سمِعَ من عبد الله بن عَلَّاق المِصْري، ورَوَى عنه، وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، مَعْروفًا بالدِّيانة والأمانة، وعندَهُ فضيلة وكفاءة، ويكتبُ خَطًّا حَسَنًا، وله كُتُب يطالع فيها، وكانَ أستاذ دار الأمير علاءِ الدِّين طيبُغا السِّلَحْدار.
٤٣٠٧ - وفي يوم الأربعاء الثامن عَشر من رَمَضان تُوفِّي الشَّيخُ الصَّالحُ شَرَفُ الدِّين مُحمدُ (٣) بنُ بَدْر الدِّين مُحمد بن عبد القادر، المَعْروف بابن المُرَحِّل، ودُفِنَ يوم الخَمِيس بمقبَرة الباب الصَّغير.
وكانَ رَجُلًا مُبارَكًا، مُواظبًا على تِلاوة القُرآن، مُنْقطعًا عن النّاس، جاوزَ الثَّمانين.
стр. 2490
٤٣٠٨ - وفي يوم الخَمِيس تاسع عَشَر شَهْر رَمَضان تُوفِّي الشَّيخُ الصَّدْرُ الأصيلُ فخرُ الدِّين أبو الهُدَى أحمدُ (١) بنُ إسماعيل بن عليّ بن مُحمد بن الجَبَّاب المِصْريُّ، ودُفِنَ بالقَرَافة.
سَمِعَ من عبد الرَّحمن بن مَكّي سِبْط السِّلَفي "جُزء الذُّهْلي" و"جُزء الصُّولِي"؛ والأول والثاني من "حديث ابن بِشْران"، وأربعة أجزاء من حديث المُزَكِّي الخامس والسادس والسابع والتاسع. وحَدَّث، وأجازَ لنا.
ومولدَهُ لسَبْعٍ بَقِين من جُمادى الآخرة سنة ثلاثٍ وأربعين وست مئة.
كتب إليّ بوفاته أبو بَكْر الرَّحَبيّ.
وكان صدرًا كبيرًا من صُدُور المِصْريّين من بَيْت مشهور.
٤٣٠٩ - وفي يوم الأحد التاسع والعِشْرين مِن شَهْر رَمَضان تُوفِّي الشَّيخُ الصَّالحُ علمُ الدِّين أبو مُحمد عَلَمُ (٢) بنُ محمود بن عُمر الحَرّانيُّ الحَنبليُّ، ودُفِنَ يوم الاثنين يوم عيد الفِطْر، بالقُرْب من قُبّة الشَّيخ رَسْلان خارج باب تُوما.
وكانَ رَجُلًا مُبارَكًا، مُواظِبًا على تِلاوة القُرآن، كثيرَ السُّكون، متواضعًا. وسَمِعَ الحَديث، وأسمَعَ أولادَهُ، ونابَ في الخطابة ببَيْت لِهْيا عن صِهْره فَخْر الدِّين العَجْلونيّ.
وحَفِظَ "العُمْدة" في الفقه للشَّيخ موفَّق الدِّين و"العُمْدة" في الأحْكام للحافظ عبد الغَنِي، وعَرَضهما على الشَّيخ شَمْس الدِّين الحَنْبليّ.
ومولدُهُ تقريبًا في سنة ست وأربعين وست مئة بحَرّان.