← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفقهاء، أو لأكثر المتأخرين في مسائل الفقه، وكذلك (١) رأيت الاختلاف كثيرا بين بعض المتفقهة، وبعض المتصوفة، وبين فرق (٢) المتصوفة، ونظائره كثيرة. ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما يتبين له (٣) به منفعة ما جاء في الكتاب والسنة: من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحه تنكر هذا (٤) ابتداء، لكن نور على نور (٥) . وهذا القسم - الذي سميناه: اختلاف التنوع - كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك (٦) إذا لم يحصل (٧) بغي كما في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥] (٨) . وقد كانوا (٩) اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون. وكما في قوله:

стр. 142

﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ - فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] (١) فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم. وكما في إقرار النبي ﷺ يوم بني قريظة (٢) - (٣) لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة (٤) .

стр. 143

وكما في قوله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ (١) فله أجر» (٢) . . ونظائره كثيرة. وإذا جعلت هذا (٣) قسما آخر صار الاختلاف ثلاثة أقسام (٤) . وأما القسم الثاني من الاختلاف المذكور في كتاب الله: فهو ما حمد فيه إحدى الطائفتين، وهم المؤمنون، وذم فيه الأخرى (٥) كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] (٦) إلى قوله:

стр. 144

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] (١) . فقوله: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣] حمد لإحدى الطائفتين - وهم المؤمنون - وذم للآخرى، وكذلك قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩] إلى قوله (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الحج: ٢٣] (٣) مع ما ثبت في الصحيح عن أبي ذر ﵁: " أنها نزلت في المقتتلين (٤) يوم بدر: علي (٥) وحمزة (٦)

стр. 145

وعبيدة (١) والذين بارزوهم من قريش وهم: عتبة وشيبة والوليد (٢) . وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول (٣) وكذلك آل إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء؛ لأن (٤) إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها بل تزيد على ما مع نفسها (٥) من الحق زيادات من الباطل والأخرى كذلك. وكذلك (٦) جعل الله مصدره (٧) البغي في قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣] ؛ (٨) لأن البغي: مجاوزة الحد. وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة.

стр. 146

وقريب من هذا الباب: ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد (١) عن الأعرج (٢) عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني (٣) ما تركتكم فإنما هلك (٤) من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر (٥) فائتوا منه ما استطعتم» (٦) فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به (٧) معللا (٨) بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال،

стр. 147

ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية، كما أخبرنا الله عن بني إسرائيل من مخالفتهم أمر موسى في الجهاد وغيره، وفي كثرة سؤالهم عن صفات البقرة (١) . لكن هذا الاختلاف (٢) على الأنبياء: هو (٣) - والله أعلم - مخالفة الأنبياء (٤) كما يقول: اختلف الناس على الأمير إذا خالفوه. والاختلاف الأول: مخالفة (٥) بعضهم بعضا (٦) وإن كان الأمران متلازمين أو أن الاختلاف عليه (٧) هو الاختلاف فيما بينهم، فإن اللفظ يحتمله. ثم الاختلاف كله (٨) قد يكون في التنزيل والحروف، كما في حديث ابن مسعود (٩) وقد يكون في التأويل كما يحتمله حديث عبد الله بن عمرو، فإن حديث عمرو بن شعيب (١٠) يدل على ذلك، إن كانت هذه القصة (١١)

стр. 148

قال أحمد في المسند: حدثنا إسماعيل (١) حدثنا داود بن أبي هند (٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيه (٣) عن جده (٤) «أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ فخرج فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان (٥) ! فقال: " أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم: أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في (٦) مثل هذا؛ إنكم لستم مما ههنا في شيء، انظروا الذي أمرتم (٧) به فاعملوا به، والذي

стр. 149

نهيتم (١) عنه فانتهوا عنه» (٢) وقال (٣) (حدثنا يونس (٤) حدثنا حماد بن سلمة (٥) عن حميد (٦) ومطر (٧) الوراق. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 150

وداود بن أبي هند (١) أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه، وهم يتنازعون في القدر (٢) - فذكر الحديث) (٣) وقال أحمد (٤) . حدثنا أنس (٥) بن عياض، حدثنا أبو حازم (٦) عن عمرو بن شعيب، عن

стр. 151

أبيه، عن جده قال: «لقد جلست أنا وأخي (١) مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم: أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة (٢) من صحابة (٣) رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة (٤) إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا (٥) فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضبا، قد احمر وجهه يرميهم بالتراب، ويقول: " مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم: باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، وإنما (٦) أنزل (٧) يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (٨) . وقال أحمد حدثنا أبو معاوية (٩) حدثنا داود بن أبي هند، عن

стр. 152

عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «خرج رسول الله ﵌ ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر قال: فكأنما تفقأ (١) في وجهه حب الرمان من الغضب قال: فقال لهم: " ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم» ، قال (٢) فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله ﵌ لم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني (٣) لم أشهده (٤) . هذا حديث محفوظ عن عمرو بن شعيب رواه عنه الناس، ورواه ابن ماجه (٥) في سننه من حديث أبي معاوية، كما سقناه.

стр. 153

وقد كتب أحمد في رسالته (١) إلى المتوكل (٢) هذا الحديث، وجعل يقول لهم في مناظرته يوم الدار (٣) " إنا قد نهينا أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض " وهذا لعلمه ﵀ بما في خلاف هذا الحديث من الفساد العظيم. وقد روى هذا المعنى الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ وقال: " حديث حسن غريب " وقال: " وفي الباب عن عمر (٤) وعائشة (٥)

стр. 154

وأنس (١) " (٢) . وهذا باب واسع لم نقصد (٣) له ههنا، وإنما الغرض التنبيه على ما يخاف على الأمة من موافقة الأمم قبلها؛ إذ الأمر في هذا الحديث - كما قاله رسول الله ﷺ (٤) أصل هلاك بني آدم: " إنما كان التنازع في القدر "، وعنه نشأ

стр. 155

مذهب المجوس (١) القائلين بالأصلين: النور والظلمة، ومذهب (٢) الصابئة (٣) وغيرهم القائلين بقدم العالم، ومذاهب كثير من مجوس هذه الأمة (٤) وغيرهم. وهذا مذهب (٥) كثير ممن عطل الشرائع.

стр. 156

فإن القوم تنازعوا في علة فعل الله لما فعله، فأرادوا أن يثبتوا شيئا يستقيم لهم به تعليل فعله (١) بمقتضى قياسه سبحانه على المخلوقات، فوقعوا في غاية (٢) الضلال؛ إما بأن (٣) فعله ما زال لازما له، وإما بأن (٤) الفاعل اثنان؛ وإما بأنه (٥) يفعل البعض، والخلق (٦) يفعلون البعض، وإما بأن ما فعله لم يأمر بخلافه، وما أمر به لم يقدر خلافه وذلك حين عارضوا بين فعله وأمره، حتى أقر فريق بالقدر وكذبوا بالأمر، وأقر فريق بالأمر وكذبوا بالقدر، حين (٧) اعتقدوا جميعا أن اجتماعهما محال، وكل منهما مبطل بالتكذيب بما صدق به الآخر. وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء القليل قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه ولهذا قال: «ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (٨) . والغرض (٩) بذكر هذه الأحاديث: (١٠) التنبيه من الحديث (١١) على مثل ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] (١٢) .

стр. 157

ومن ذلك: ما روى الزهري (١) عن سنان بن أبي سنان الدؤلي (٢) عن أبي واقد الليثي (٣) أنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء (٤) عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينيطون (٥) بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر! إنها السنن (٦) قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو (٧) إسرائيل لموسى (٨)

стр. 158

﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لتركبن سنن من كان قبلكم» رواه مالك (١) والنسائي (٢) والترمذي وقال: (هذا حديث حسن صحيح) (٣) ولفظه «لتركبن سنة من كان قبلكم» (٤) . وقد قدمت ما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى

стр. 159

لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قالوا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟» (١) . وما رواه البخاري (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع "، قالوا: فارس والروم؟ قال: " فمن الناس إلا أولئك؟» (٣) . وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات. فعلم أن مشابهتها (٤) اليهود والنصارى، وفارس والروم، مما ذمه الله ورسوله، وهو المطلوب ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع (٥) ذلك، فما فائدة النهي عنه؟ لأن الكتاب والسنة أيضا (٦) قد (٧) دلا

стр. 160

على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث (١) به محمد (٢) ﷺ إلى قيام الساعة (٣) وأنها لا تجتمع على ضلالة (٤) ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة، وتثبيتها، وزيادة إيمانها، فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها (٥) . وأيضا: لو فرض أن الناس لا يترك أحد منهم هذه المشابهة المنكرة؛ لكان في العلم بها معرفة القبيح، والإيمان بذلك؛ فإن (٦) نفس العلم والإيمان بما كرهه الله خير، وإن لم يعمل به، بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرد العمل الذي لم يقترن به علم، فإن الإنسان إذا عرف المعروف وأنكر المنكر كان خيرا من أن يكون ميت القلب لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان» (٧) رواه مسلم. وفي لفظ: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٨) .

стр. 161

وإنكار القلب هو: الإيمان بأن هذا منكر، وكراهته لذلك (١) . فإذا حصل هذا، كان في القلب (٢) إيمان وإذا فقد (٣) القلب معرفة هذا المعروف وإنكار هذا المنكر؛ ارتفع هذا الإيمان من القلب. وأيضا فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه أو يأتي بحسنات تمحوه، أو تمحو بعضه، وقد يقلل منه، وقد تضعف همته في طلبه إذا علم أنه منكر، ثم لو فرض أنا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر، ولا يعترفون بأنه منكر لم يكن ذلك مانعا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم، بل ذلك لا يسقط وجوب الإبلاغ ولا وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد - وقول كثير من أهل العلم. على أن هذا ليس موضع استقصاء (٤) ذلك، ولله الحمد على ما أخبر به النبي ﷺ من أنه: «لا تزال (٥) من أمته طائفة ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله» . وليس هذا الكلام من خصائص هذه المسألة، بل هو وارد في كل منكر قد أخبر الصادق بوقوعه. [عود إلى الاستدلال من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار] ومما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار قوله سبحانه:

стр. 162

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (١) قال قتادة (٢) وغيره (٣) " كانت اليهود تقوله استهزاء، فكره (٤) الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم " (٥) ؛ وقال أيضا: " كانت اليهود تقول للنبي ﷺ : راعنا سمعك، يستهزءون بذلك (٦) وكانت (٧) في اليهود قبيحة ". وروى أحمد (٨) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 163

عن عطية (١) قال (٢) " كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك، حتى قالها ناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود ". وقال عطاء (٣) " كانت لغة في الأنصار في الجاهلية " (٤) . وقال أبو العالية (٥) " إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم (٦) لصاحبه: أرعني (٧) سمعك؛ فنهوا عن ذلك " (٨) وكذلك قال الضحاك (٩) .

стр. 164

فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نُهي المسلمون عن قولها؛ لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان (١) في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم (٢) إلى بلوغ غرضهم. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (٣) . ومعلوم أن الكفار فرقوا دينهم، وكانوا شيعا (٤) كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] (٥) . وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] (٦) . وقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤] (٧) .

стр. 165

وقال عن اليهود: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤] (١) . وقد قال تعالى لنبيه ﵊: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وذلك يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء. ومن تابع غيره في بعض أموره فهو منه في ذلك الأمر؛ لأن قول القائل: أنا من هذا، وهذا مني - أي أنا من نوعه، وهو من نوعي - لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع، كما في قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ (٢) مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] (٣) وقوله ﵊ لعلي: «أنت مني وأنا منك» (٤) فقول القائل: لست من هذا في شيء، أي لست مشاركا له في شيء، بل أنا متبرئ من جميع أموره. وإذا كان الله قد برأ (٥) الله رسوله ﷺ (٦) من جميع أمورهم؛ فمن كان متبعا للرسول ﷺ حقيقة كان متبرئا كتبرئه، ومن كان (٧) موافقا لهم كان مخالفا

стр. 166

للرسول بقدر موافقته لهم، فإن الشخصين المختلفين من كل وجه في دينهما، كلما شابهت أحدهما؛ خالفت الآخر (١) . وقال : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] (٢) إلى آخر السورة (٣) . وقد روى مسلم في صحيحه عن العلاء بن عبد الرحمن (٤) عن أبيه (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] (٦) . الآية، اشتد (٧) ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم بركوا على الركب، فقالوا: " أي رسول الله، كلفنا ما نطيق: (٨) الصلاة والصيام والجهاد

стр. 167

والصدقة، وقد نزلت عليك هذه الآية، (١) ولا نطيقها " قال رسول الله ﷺ : " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين (٢) من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير "، فلما اقترأها القوم، وذلت (٣) بها ألسنتهم، أنزل (٤) الله تعالى في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله؛ فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم» (٥) (٦) . فحذرهم النبي ﷺ أن يتلقوا أمر الله بما تلقاه (٧) . أهل الكتابين (٨) وأمرهم بالسمع والطاعة؛ فشكر الله لهم ذلك، حتى رفع الله عنهم

стр. 168

الآصار والأغلال (١) التي كانت على من كان (٢) قبلنا (٣) . وقال الله في صفته ﷺ : ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٤) فأخبر الله سبحانه أن رسوله ﵊ يضع الآصار والأغلال التي كانت على أهل الكتاب. ولما دعا المؤمنون بذلك أخبر (٥) الرسول أنه (٦) قد استجاب دعاءهم. وهذا وإن كان رفعا للإيجاب والتحريم فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته (٧) قد صح ذلك عن النبي ﷺ (٨) .

стр. 169

كما (١) كان النبي ﵊ يكره مشابهة أهل الكتابين في هذه الآصار والأغلال، وزجر أصحابه عن التبتل (٢) وقال: «لا رهبانية (٣) في الإسلام» (٤) وأمر بالسحور (٥) ونهى عن المواصلة (٦) (٧) وقال فيما

стр. 170

يعيب (١) أهل الكتابين ويحذر موافقتهم (٢) «فتلك بقاياهم في الصوامع» (٣) (٤) وهذا باب واسع جدا. [النهي عن موالاة الكفار ومودتهم] وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (٥) وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] (٦) يعيب بذلك المنافقين الذين تولوا اليهود. . . إلى قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] (٧) . وقال تعالى:

стр. 171

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا (١) بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٢) وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٣) . فعقد سبحانه الموالاة بين المهاجرين والأنصار، وبين من آمن (٤) بعدهم وهاجر (٥) وجاهد إلى يوم القيامة. والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه (٦) والجهاد باق إلى يوم القيامة (٧) .

стр. 172

فكل شخص يمكن أن يقوم به هذان الوصفان، إذ كان كثير (١) من النفوس اللينة تميل إلى هجر السيئات دون الجهاد، والنفوس القوية قد تميل إلى الجهاد دون هجر السيئات، وإنما عقد (٢) الموالاة لمن جمع (٣) الوصفين، وهم أمة محمد (٤) حقيقة. وقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦] (٥) ونظائر هذا في غير موضع من القرآن: يأمر سبحانه بموالاة المؤمنين حقا - الذين هم حزبه وجنده - ويخبر أن هؤلاء لا يوالون الكافرين ولا يوادونهم. والموالاة (٦) والموادة: وإن كانت متعلقة بالقلب، لكن المخالفة في الظاهر (٧) أعون (٨) على مقاطعة الكافرين ومباينتهم.

стр. 173

ومشاركتهم في الظاهر: إن لم تكن (١) ذريعة أو سببا قريبا أو بعيدا إلى نوع ما من الموالاة (٢) والموادة، فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة - كما توجبه الطبيعة (٣) وتدل عليه العادة - ولهذا كان السلف ﵃ يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات. فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي موسى (٤) ﵁ قال: " قلت لعمر ﵁: إن لي كاتبا نصرانيا قال: ما لك؟ قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] (٥) ألا اتخذت حنيفا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه. قال:

стр. 174

لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله " (١) ولما دل عليه معنى الكتاب: وجاءت (٢) سنة رسول الله ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين، التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٣) أمر بمخالفتهم؛ وذلك يقتضي أن يكون جنس (٤) مخالفتهم أمرا مقصودا للشارع؛ لأنه: إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط، فهو لأجل ما فيه من المخالفة فالمخالفة: إما علة مفردة (٥) أو علة (٦) أخرى، أو بعض علة، وعلى (٧) التقديرات (٨) تكون مأمورا بها مطلوبة

стр. 175

من (١) الشارع؛ لأن الفعل المأمور به إذا عبر عنه (٢) . بلفظ مشتق من معنى أعم من ذلك الفعل؛ فلا بد أن يكون ما منه الاشتقاق أمرا مطلوبا، لا سيما إن ظهر لنا أن (٣) المعنى المشتق منه معنى مناسب للحكمة، كما لو قيل للضيف: أكرمه، بمعنى أطعمه، أو (٤) للشيخ الكبير: وقره، بمعنى اخفض صوتك له، أو نحو (٥) ذلك. [وجوه الأمر بمخالفة الكفار] وذلك لوجوه: * أحدها (٦) أن الأمر إذا تعلق باسم مفعول مشتق من معنى كان المعنى (٧) علة للحكم، كما في قوله : ﴿فَاقْتُلُوا (٨) الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٩)

стр. 176

وقوله (١) ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] (٢) وقول النبي ﷺ : «عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني» (٣) وهذا كثير معلوم. فإذا (٤) كان نفس الفعل المأمور به مشتقا من معنى أعم منه؛ كان نفس الطلب والاقتضاء قد علق بذلك المعنى الأعم، فيكون مطلوبا بطريق الأولى. * الوجه الثاني: أن جميع الأفعال مشتقة، سواء كانت (٥) مشتقة من المصدر، أو كان المصدر مشتقا منها، أو كان كل (٦) منهما (٧) مشتقا من الآخر، بمعنى: أن بينهما مناسبة في اللفظ والمعنى، لا بمعنى: أن أحدهما أصل والآخر فرع، بمنزلة المعاني المتضايفة (٨) كالأبوة والبنوة أو كالأخوة من الجانبين، ونحو ذلك.

стр. 177

فعلى كل حال: إذا أمر بفعل كان نفس مصدر الفعل أمرا مطلوبا للآمر، مقصودا له كما في قوله: اتَّقُوا اللَّهَ (١) و (٢) ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] (٣) و ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] (٤) و ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢] (٥) و ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ [يونس: ٨٤] (٦) . فإن نفس التقوى، والإحسان، والإيمان، والعبادة (٧) أمور مطلوبة مقصودة، بل هي نفس المأمور به. ثم المأمور به أجناس لا يمكن أن (٨) تقع إلا معينة، وبالتعيين تقترن (٩) بها أمور غير مقصودة (١٠) للآمر، لكن لا يمكن العبد إيقاع الفعل المأمور به؛ إلا مع أمور معينة له، فإنه إذا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] (١١) فلا بد إذا أعتق العبد رقبة أن يقترن بهذا المطلق تعيين: من سواد، أو بياض، أو طول، أو قصر،

стр. 178

أو عربية، أو عجمية، أو غير ذلك من الصفات، لكن المقصود: هو المطلق المشترك بين (١) هذه المعينات. وكذلك (٢) إذا قيل: اتقوا الله (٣) وخالفوا اليهود؛ فإن التقوى تارة تكون بفعل واجب: من صلاة، أو صيام، وتارة تكون بترك محرم: من كفر أو زنا، أو نحو ذلك، فخصوص ذلك الفعل إذا دخل في التقوى لم يمنع دخول غيره، فإذا رئي رجل على (٤) زنا فقيل: له اتق الله؛ كان أمرا له (٥) بعموم التقوى، داخلا فيه خصوص (٦) ترك ذلك الزنا؛ لأن سبب اللفظ العام لا بد أن يدخل فيه. كذلك إذا قيل: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " (٧) كان أمرا بعموم المخالفة، داخلا فيه المخالفة بصبغ اللحية؛، لأنه سبب اللفظ العام. وسببه: أن الفعل (٨) فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي فيجب الوفاء به، وخروجه على سبب يوجب (٩) أن يكون داخلا فيه لا يمنع أن يكون غيره داخلا فيه - (١٠) وإن قيل: إن اللفظ العام يقصر (١١) على سببه - لأن العموم هاهنا من جهة المعنى - فلا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي.

стр. 179

فإن قيل: الأمر بالمخالفة أمر بالحقيقة المطلقة وذلك (١) لا عموم فيه بل يكفي فيه المخالفة في (٢) أمر ما، وكذلك سائر ما يذكرونه فمن أين اقتضى ذلك المخالفة في غير ذلك الفعل المعين؟ . قلت: هذا سؤال قد يورده بعض المتكلمين في عامة الأفعال المأمور بها ويلبسون به على الفقهاء وجوابه من وجهين (٣) . أحدهما: أن التقوى والمخالفة ونحو ذلك من الأسماء والأفعال المطلقة قد يكون العموم فيها من جهة عموم الكل لأجزائه (٤) لا من جهة عموم الجنس لأنواعه؛ فإن العموم ثلاثة أقسام: ١ - عموم الكل لأجزائه: وهو ما لا يصدق فيه الاسم العام، ولا أفراده (٥) على جزئه. ٢ - عموم الجميع (٦) لأفراده: وهو ما يصدق فيه أفراد الاسم العام على آحاده. ٣ - عموم الجنس لأنواعه وأعيانه: وهو ما يصدق فيه نفس الاسم العام على أفراده.

стр. 180

فالأول: عموم الكل لأجزائه في الأعيان والأفعال والصفات كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] (١) فإن اسم الوجه يعم الخد والجبين (٢) والجبهة ونحو ذلك وكل واحد من هذه الأجزاء ليس هو الوجه فإذا غسل بعض هذه الأجزاء لم يكن غاسلا للوجه لانتفاء (٣) المسمى بانتفاء جزئه. وكذلك في الصفات والأفعال إذا قيل: صل فصلى ركعة وخرج بغير سلام أو قيل: صم فصام بعض يوم لم يكن ممتثلا لانتفاء معنى الصلاة المطلقة والصوم (٤) المطلق وكذلك إذا قيل: أكرم (٥) هذا الرجل. فأطعمه وضربه لم يكن ممتثلا؛ لأن الإكرام المطلق يقتضي فعل ما يسره وترك ما يسوءه. فلما (٦) قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (٧) فلو أطعمه بعض كفايته وتركه جائعا لم يكن مكرما له؛ لانتفاء أجزاء (٨) الإكرام، ولا يقال: الإكرام حقيقة مطلقة
следующие страницы →