стр. 211
← Акыда следующие страницы →
Акыда · id 11620
اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم
ابن تيمية
Полный текст (951 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 212
стр. 213
وأيضا عن جابر (١) بن عبد الله ﵄ (٢) أنه قال: «اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر (٣) يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياما، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: إن كدتم آنفا (٤) تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا» . رواه مسلم (٥) وأبو داود (٦) من حديث الليث (٧)
стр. 214
стр. 215
جذم (١) نخلة فانقطعت (٢) قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة (٣) لعائشة يسبح جالسا. قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالسا، فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا. قال: (٤) فلما قضى الصلاة. قال: إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا وإذا صلى الإمام (٥) قائما فصلوا قياما، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها» (٦) وأظن في غير رواية أبي داود «ولا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا» (٧) .
ففي هذا الحديث أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم، في قيامهم وهم قعود.
ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم (٨) لله (٩) لا (١٠) لإمامه وهذا
стр. 216
تشديد (١) عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد، ونهى أيضا عما (٢) يشبه ذلك، وإن لم يقصد به ذلك، ولهذا نهى عن السجود لله بين يدي الرجل، وعن الصلاة إلى ما قد (٣) عبد من دون الله، كالنار ونحوها.
وفي هذا الحديث أيضا نهى عما يشبه (٤) فعل (٥) فارس والروم وإن كانت (٦) نيتنا غير نيتهم (٧) لقوله (٨) فلا تفعلوا. فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية.
ثم هذا الحديث سواء كان محكما في قعود الإمام أو منسوخا فإن الحجة منه قائمة؛ لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ما ترجح عليها مثل كون القيام فرضا في الصلاة فلا يسقط الفرض بمجرد المشابهة الصورية، وهذا محل اجتهاد، وأما المشابهة الصورية إذا (٩) لم تسقط فرضا كانت (١٠) تلك العلة التي علل بها رسول (١١) الله ﷺ سليمة (١٢)
стр. 217
عن معارض أو (١) نسخ؛ لأن القيام في الصلاة ليس بمشابهة في الحقيقة فلا يكون محذورا فالحكم إذا علل بعلة، ثم نسخ مع بقاء العلة، فلا بد من أن (٢) يكون غيرها ترجح (٣) عليها وقت الناسخ (٤) أو ضعف تأثيرها أما أن تكون (٥) في نفسها باطلة فهذا محال هذا كله لو كان الحكم هنا منسوخا فكيف، والصحيح أن هذا الحديث محكم قد عمل به غير واحد من الصحابة بعد وفاة رسول (٦) الله ﷺ مع كونهم علموا صلاته (٧) في (٨) مرضه (٩) .
وقد استفاض عنه ﷺ الأمر به استفاضة صحيحة صريحة يمتنع معها أن يكون حديث المرض (١٠) ناسخا له على ما هو مقرر في غير هذا الموضع إما (١١) بجواز الأمرين إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود، وإما بالفرق بين المبتدئ (١٢) للصلاة قاعدا و (١٣) الصلاة التي ابتدأها الإمام قائما لعدم دخول
стр. 218
هذه الصلاة (١) في قوله. وإذا صلى قاعدا ولعدم المفسدة التي علل بها، ولأن بناء فعل آخر الصلاة على أولها أولى من بنائها على صلاة الإمام ونحو ذلك من الأمور المذكورة في غير هذا الموضع.
وأيضا فعن عبادة بن الصامت (٢) ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض (٣) له حبر (٤) فقال: هكذا نصنع يا محمد. قال: فجلس رسول الله ﷺ وقال: خالفوهم. رواه أبو (٥) داود وابن (٦)
стр. 219
ماجه والترمذي (١) وقال: بشر بن رافع (٢) ليس بالقوي في الحديث (٣) .
قلت: قد اختلف العلماء في القيام للجنازة إذا مرت ومعها إذا شيعت، وأحاديث الأمر بذلك كثيرة مستفيضة ومن اعتقد نسخها أو نسخ القيام للمارة (٤) فعمدته حديث علي (٥) وحديث عبادة هذا.
وإن كان القول بهما (٦) ممكنا؛ لأن المشيع يقوم لها حتى توضع عن أعناق الرجال لا في اللحد فهذا الحديث إما أن يقال به جمعا بينه وبين غيره، أو (٧) ناسخا لغيره وقد علل المخالفة ومن لا يقول به يضعفه، وذلك لا يقدح في الاستشهاد والاعتضاد به على جنس المخالفة.
стр. 220
وقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن القاسم (١) أن القاسم (٢) كان يمشي بين يدي الجنازة، ولا يقوم لها ويخبر عن عائشة (٣) قالت: كان أهل الجاهلية يقومون لها، يقولون (٤) إذا رأوها: كنت في أهلك ما كنت. مرتين (٥) فقد استدل من كره القيام (٦) بأنه كان من (٧) فعل الجاهلية وليس ال غرض هنا الكلام في عين هذه المسألة.
стр. 221
стр. 222
الكتاب.» (١) وهو مروي من طرق (٢) فيها لين لكن يصدق (٣) بعضها بعضا (٤) .
وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب حتى في وضع الميت في أسفل القبر.
[ذم بعض خصال الجاهلية]
وأيضا عن عبد الله بن مسعود (٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» متفق عليه (٦) ودعوى الجاهلية ندب الميت، وتكون دعوى الجاهلية في العصبية.
стр. 223
ومنه قوله فيما رواه أحمد عن أبي بن كعب (١) قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعزى بعزاء (٢) الجاهلية، فأعضوه (٣) بهن (٤) أبيه، ولا تكنوا» (٥) .
وأيضا عن أبي مالك الأشعري (٦) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن (٧) الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة وقال: النائحة إذا لم تتب قبل
стр. 224
موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (١) رواه مسلم.
ذم في (٢) الحديث من دعا (٣) بدعوى الجاهلية، وأخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه، وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم (٤) وهذا كقوله : ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] (٥) فإن في (٦) ذلك ذما للتبرج وذما لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة.
ومنه قوله لأبي ذر (٧) ﵁ لما عير رجلا بأمه: «إنك امرؤ
стр. 225
فيك جاهلية» (١) . فإنه ذم لذلك الخلق ولأخلاق الجاهلية التي لم يجئ بها الإسلام.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] (٢) فإن إضافة الحمية إلى الجاهلية اقتضى (٣) ذمها فما كان من (٤) أخلاقهم وأفعالهم، فهو كذلك.
ومن هذا ما رواه البخاري في صحيحه، عن عبيد الله (٥) بن أبي يزيد (٦)
стр. 226
أنه سمع ابن عباس قال: ثلاث (١) خلال من خلال الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة، ونسيت الثالثة قال سفيان (٢) ويقولون: إنها الاستسقاء (٣) بالأنواء" (٤) .
وروى مسلم في صحيحه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (٥) فقوله: هما بهم كفر (٦) . أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث (٧) كانتا من أعمال الكفار (٨) وهما قائمتان بالناس لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير (٩) كافرا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا (١٠) حتى يقوم به أصل الإيمان (١١) وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله ﷺ : «ليس بين العبد وبين الكفر - أو الشرك - إلا ترك الصلاة» (١٢) وبين كفر منكر في الإثبات.
стр. 227
وفرق أيضا بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر أو مؤمن. وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده كما في قوله: لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض (١) .
فقوله: (٢) «يضرب بعضكم رقاب (٣) بعض» تفسير الكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يسمون كفارا تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل: كافر ومؤمن. (٤) كما أن قوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] (٥) سمى المني ماء تسمية مقيدة ولم يدخل في الاسم المطلق حيث قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] (٦) .
стр. 228
ومن هذا الباب ما أخرجاه في الصحيحين عن عمرو بن دينار (١) عن جابر بن عبد الله قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ ، وقد ثاب (٢) معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب (٣) فكسع (٤) أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فخرج النبي ﷺ فقال: ما بال دعوى الجاهلية، ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر (٥) بكسعة المهاجري للأنصاري قال: فقال النبي ﷺ : دعوها فإنها خبيثة (٦) وقال عبد الله (٧) بن أبي
стр. 229
ابن (١) سلول: أوقد (٢) تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال (٣) عمر: ألا تقتل (٤) يا نبي (٥) الله هذا الخبيث - لعبد الله - (٦) فقال النبي ﷺ : لا يتحدث الناس أنه كان (٧) يقتل أصحابه» (٨) .
ورواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر (٩) قال: «اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجر (١٠) يا للمهاجرين ونادى الأنصاري: يا للأنصار فخرج رسول (١١) الله ﷺ فقال: ما هذا؟ أدعوى الجاهلية؟ قالوا: لا يا رسول الله، إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر فقال: لا بأس ولينصر (١٢) الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما
стр. 230
فلينصره» (١) فهذان الاسمان (٢) المهاجرون والأنصار اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما الله بهما كما سمانا المسلمين (٣) من قبل وفي هذا، وانتساب الرجل إلى المهاجرين (٤) أو الأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم، كالانتساب إلى ما يفضي (٥) إلى بدعة أو معصية أخرى.
ثم مع هذا لما دعا كل (٦) منهما طائفة منتصرا بها أنكر النبي ﷺ ذلك وسماها دعوى الجاهلية حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر بمنع الظالم، وإعانة المظلوم ليبين النبي (٧) ﷺ أن المحذور (٨) إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقا فعل أهل (٩) الجاهلية، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب.
ومثل هذا ما روى أبو داود وابن ماجه عن واثلة بن
стр. 231
стр. 232
стр. 233
على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي (١) فهو ينزع بذنبه» (٢) .
فإذا كان هذا (٣) التداعي في هذه (٤) الأسماء و (٥) هذا الانتساب (٦) الذي يحبه الله ورسوله فكيف بالتعصب مطلقا، والتداعي للنسب والإضافات التي هي: إما مباحة، أو مكروهة.
وذلك أن الانتساب إلى الاسم الشرعي أحسن من الانتساب إلى غيره، ألا ترى إلى ما رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق (٧) عن داود بن
стр. 234
стр. 235
حضه (١) رسول الله ﷺ على الانتساب إلى الأنصار، وإن كان بالولاء، وكان إظهار هذا أحب إليه من الانتساب إلى فارس بالصراحة، وهي نسبة حق، ليست محرمة.
ويشبه -والله أعلم- أن يكون من حكمة ذلك: أن النفس تحامي عن الجهة التي تنتسب (٢) إليها فإذا (٣) كان ذلك لله كان خيرا للمرء.
فقد دلت هذه الأحاديث على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه، والنهي عنه، وذلك يقتضي المنع من (٤) أمور الجاهلية مطلقا، وهو المطلوب في هذا الكتاب (٥) .
ومثل هذا ما روى (٦) سعيد بن أبي سعيد (٧) عن أبيه (٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أذهب
стр. 236
عنكم (١) عبية (٢) الجاهلية وفخرها بالآباء: مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها (٣) النتن» (٤) رواه أبو داود وغيره (٥) وهو صحيح.
فأضاف العبية (٦) والفخر إلى الجاهلية يذمها (٧) بذلك وذلك يقتضي ذمها بكونها مضافة (٨) إلى الجاهلية وذلك يقتضي ذم (٩) الأمور المضافة إلى الجاهلية.
стр. 237
ومثله ما روى مسلم في صحيحه عن أبي قيس زياد بن رباح (١) عن أبي هريرة ﵁ (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية (٣) يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية فقتل فقتله (٤) جاهلية (٥) ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده (٦) فليس مني ولست منه» (٧) .
ذكر ﷺ في هذا الحديث الأقسام الثلاثة التي يعقد لها الفقهاء باب قتال أهل القبلة من البغاة (٨) والعداة وأهل العصبية.
стр. 238
فالقسم الأول الخارجون عن طاعة السلطان، فنهى عن نفس الخروج عن الطاعة والجماعة وبين أنه إن (١) مات، ولا طاعة عليه (٢) مات ميتة جاهلية، فإن أهل الجاهلية من العرب ونحوهم لم يكونوا يطيعون أميرا عاما على ما هو (٣) معروف من سيرتهم.
ثم ذكر (٤) الذي يقاتل تعصبا لقومه، أو أهل بلده ونحو ذلك وسمى الراية عمية (٥) لأنه الأمر الأعمى الذي لا يدرى وجهه فكذلك قتال العصبية يكون عن غير علم بجواز قتال هذا.
وجعل قتلة المقتول قتلة جاهلية سواء غضب بقلبه، أو دعا بلسانه، أو (٦) ضرب بيده وقد فسر ذلك فيما رواه مسلم أيضا (٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول (٨) الله ﷺ : «ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج (٩) القاتل والمقتول في
стр. 239
النار» (١) والقسم الثالث: الخوارج (٢) على الأمة (٣) إما من العداة الذين غرضهم الأموال كقطاع الطريق ونحوهم، أو غرضهم الرياسة كمن يقتل أهل المصر (٤) الذين هم (٥) تحت حكم غيره مطلقا، وإن لم يكونوا مقاتلة، أو من الخارجين عن السنة الذين يستحلون دماء أهل القبلة مطلقا كالحرورية (٦) الذين قتلهم علي ﵁.
ثم إنه ﷺ سمى الميتة والقتلة ميتة جاهلية وقتلة جاهلية على وجه الذم لها والنهي عنها وإلا لم يكن قد زجر عن ذلك.
стр. 240
فعلم أنه كان قد قرر (١) عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة، أو قتلة ونحو ذلك فهو مذموم منهي عنه وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور (٢) الجاهلية وهو المطلوب.
ومن هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن المعرور بن سويد (٣) قال «رأيت أبا ذر عليه حلة وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله ﷺ فعيره بأمه فأتى الرجل النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال له النبي ﷺ : إنك امرؤ فيك جاهلية وفي رواية قلت: على ساعتي هذه من كبر السن قال: نعم هم إخوانكم وخولكم (٤) جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه (٥) مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه» (٦) .
стр. 241
ففي هذا الحديث أن كل ما كان من الجاهلية فهو مذموم؛ لأن قوله: فيك جاهلية. ذم لتلك الخصلة، فلولا أن هذا الوصف يقتضي ذم ما اشتمل عليه لما حصل به المقصود.
وفيه أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية.
وفيه أن الرجل (١) مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية وبيهودية (٢) ونصرانية (٣) ولا يوجب ذلك كفره، ولا فسقه.
وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع (٤) بن جبير بن مطعم (٥) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، (٦) ومبتغ (٧) في الإسلام سنة
стр. 242
جاهلية، (١) ومطلب (٢) دم امرئ بغير حق ليريق دمه» (٣) .
[الفساد وأنواعه]
أخبر ﷺ أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة وذلك؛ لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر.
وأما فساد الدين فنوعان: نوع يتعلق بالعمل، ونوع يتعلق بمحل (٤) العمل.
فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية (٥) .
وأما ما يتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم؛ لأن أعظم محال العمل الحرم (٦) وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني ولهذا حرم من تناول المباحات ومن الصيد والنبات في البلد الحرام ما لم يحرم مثله في الشهر الحرام.
ولهذا كان الصحيح أن حرمة القتال في البلد الحرام باقية كما دلت عليه النصوص الصحيحة بخلاف الشهر الحرام فلهذا والله أعلم ذكر ﷺ الإلحاد في الحرم وابتغاء سنة جاهلية (٧) .
стр. 243
والمقصود (١) أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة جاهلية فسواء قيل: متبع (٢) أو مبتغ، فإن الابتغاء هو الطلب (٣) والإرادة فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث.
والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها فإن السنة هي العادة وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس (٤) مما يعدونه عبادة، أو لا يعدونه عبادة قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] (٥) وقال النبي ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (٦) والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع (٧) سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم (٨) ولفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد يكون اسما لذي الحال.
فمن الأول قول (٩) النبي ﷺ لأبي ذر ﵁: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (١٠) .
стр. 244
стр. 245
فإن (١) الجاهلية وإن كانت (٢) في الأصل صفة، لكنه غلب عليه الاستعمال حتى صار اسما، ومعناه قريب من معنى المصدر، وأما الثاني فتقول طائفة جاهلية وشاعر جاهلي، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم فإن من لم يعلم الحق، فهو جاهل جهلا بسيطا، فإن اعتقد خلافه، فهو جاهل جهلا مركبا، فإن قال خلاف الحق عالما بالحق، أو غير عالم فهو جاهل أيضا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٣) وقال النبي ﷺ : «إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث (٤) ولا يجهل» (٥) .
ومن هذا قول بعض شعراء (٦) العرب.
стр. 246
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (١)
وهذا كثير وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] (٢) قال أصحاب محمد ﷺ : كل من عمل سوءا فهو جاهل (٣) .
وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول، أو فعل فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه، أو ضعفه في القلب بمقاومة (٤) ما يعارضه وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فيصير جهلا بهذا الاعتبار.
ومن هنا (٥) تعرف دخول الأعمال في مستحق (٦) الإيمان حقيقة لا مجازا وإن لم يكن كل من ترك شيئا من الأعمال كافرا، ولا (٧) خارجا عن أصل مسمى الإيمان وكذلك اسم العقل ونحو ذلك من الأسماء.
стр. 247
ولهذا (١) يسمي الله تعالى أصحاب هذه الأحوال موتى وعميا وصما (٢) وبكما وضالين وجاهلين، ويصفهم بأنهم لا يعقلون، ولا يسمعون.
ويصف المؤمنين بأولي الألباب وأولي (٣) النهى، وأنهم مهتدون، وأن لهم نورا، وأنهم يسمعون ويعقلون.
فإذا تبين ذلك فالناس قبل مبعث الرسول ﷺ كانوا في حال جاهلية (٤) منسوبة إلى الجهل، (٥) فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل (٦) وإنما يفعله جاهل.
وكذلك كل ما يخالف ما جاءت (٧) به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية وتلك كانت الجاهلية العامة فأما بعد مبعث (٨) الرسول ﷺ (٩) قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنه (١٠) في جاهلية وإن كان في دار الإسلام.
стр. 248
فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ (١) فإنه لا تزال (٢) من أمته طائفة ظاهرين (٣) على الحق إلى قيام الساعة.
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص (٤) المسلمين كما قال ﷺ : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية» (٥) وقال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (٦) ونحو ذلك.
فقوله في هذا الحديث: ومبتغ (٧) الإسلام سنة جاهلية. يندرج (٨) فيه كل جاهلية مطلقة، أو (٩) مقيدة يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة (١٠) أو وثنية، أو مركبة (١١) من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض
стр. 249
هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها (١) مبتدعها (٢) ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد.
وفي الصحيحين عن نافع (٣) عن ابن عمر (٤) «أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة» (٥) .
ورواه البخاري من حديث عبد الله بن دينار (٦) عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من
стр. 250
بئآرها (١) ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم النبي ﷺ أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء» (٢) .
وفي حديث جابر (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: لما مر بالحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم» (٤) .
فنهى رسول (٥) الله ﷺ عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ونهى عن الانتفاع بمياههم حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة (٦) وهي أشد غزوة كانت على المسلمين أن يعلفوا النواضح (٧) بعجين مائهم.
وكذلك أيضا روي عنه ﷺ أنه «نهى عن الصلاة في أماكن العذاب»