← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (١) وهذا كثير وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] (٢) قال أصحاب محمد ﷺ : كل من عمل سوءا فهو جاهل (٣) . وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول، أو فعل فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه، أو ضعفه في القلب بمقاومة (٤) ما يعارضه وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فيصير جهلا بهذا الاعتبار. ومن هنا (٥) تعرف دخول الأعمال في مستحق (٦) الإيمان حقيقة لا مجازا وإن لم يكن كل من ترك شيئا من الأعمال كافرا، ولا (٧) خارجا عن أصل مسمى الإيمان وكذلك اسم العقل ونحو ذلك من الأسماء.

стр. 247

ولهذا (١) يسمي الله تعالى أصحاب هذه الأحوال موتى وعميا وصما (٢) وبكما وضالين وجاهلين، ويصفهم بأنهم لا يعقلون، ولا يسمعون. ويصف المؤمنين بأولي الألباب وأولي (٣) النهى، وأنهم مهتدون، وأن لهم نورا، وأنهم يسمعون ويعقلون. فإذا تبين ذلك فالناس قبل مبعث الرسول ﷺ كانوا في حال جاهلية (٤) منسوبة إلى الجهل، (٥) فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل (٦) وإنما يفعله جاهل. وكذلك كل ما يخالف ما جاءت (٧) به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية وتلك كانت الجاهلية العامة فأما بعد مبعث (٨) الرسول ﷺ (٩) قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنه (١٠) في جاهلية وإن كان في دار الإسلام.

стр. 248

فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ (١) فإنه لا تزال (٢) من أمته طائفة ظاهرين (٣) على الحق إلى قيام الساعة. والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص (٤) المسلمين كما قال ﷺ : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية» (٥) وقال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (٦) ونحو ذلك. فقوله في هذا الحديث: ومبتغ (٧) الإسلام سنة جاهلية. يندرج (٨) فيه كل جاهلية مطلقة، أو (٩) مقيدة يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة (١٠) أو وثنية، أو مركبة (١١) من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض

стр. 249

هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها (١) مبتدعها (٢) ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد. وفي الصحيحين عن نافع (٣) عن ابن عمر (٤) «أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة» (٥) . ورواه البخاري من حديث عبد الله بن دينار (٦) عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من

стр. 250

بئآرها (١) ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم النبي ﷺ أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء» (٢) . وفي حديث جابر (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: لما مر بالحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم» (٤) . فنهى رسول (٥) الله ﷺ عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ونهى عن الانتفاع بمياههم حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة (٦) وهي أشد غزوة كانت على المسلمين أن يعلفوا النواضح (٧) بعجين مائهم. وكذلك أيضا روي عنه ﷺ أنه «نهى عن الصلاة في أماكن العذاب»

стр. 251

فروى أبو داود عن سليمان بن داود (١) أخبرنا (٢) ابن وهب (٣) حدثني ابن لهيعة (٤) ويحيى بن أزهر (٥) عن عمار بن سعد (٦) المرادي عن

стр. 252

أبي صالح الغفاري (١) أن عليا ﵁ مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر فلما برز منها، أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال: «إن حبي (٢) النبي (٣) ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة» (٤) . ورواه أيضا عن أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أيضا أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد (٥) عن أبي صالح

стр. 253

الغفاري عن علي (١) بمعناه ولفظه: "فلما خرج منها" مكان "برز" (٢) . وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (٣) بإسناد أوضح (٤) من هذا عن علي ﵁ (٥) نحوا من هذا: أنه كره الصلاة بأرض بابل (٦) أو أرض الخسف، أو نحو ذلك (٧) . وكره الإمام (٨) أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي ﵁ وقوله: نهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة. يقتضي أن لا يصلي في أرض ملعونة.

стр. 254

والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا، فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى أرض العذاب: دخل في ذلك الصلاة، وغيرها (١) . ويوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] (٢) فإنه كان من أمكنة العذاب قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩] (٣) وقد روى أنه لما هدم خرج منه دخان (٤) وهذا كما أنه ندب إلى الصلاة في أمكنة الرحمة كالمساجد الثلاثة (٥) ومسجد قباء (٦) فكذلك نهي عن الصلاة في

стр. 255

أماكن (١) العذاب. فأما أماكن الكفر والمعاصي، التي لم يكن فيها عذاب إذا جعلت مكانا للإيمان، أو الطاعة: فهذا حسن، كما «أمر النبي ﷺ أهل الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم» (٢) . «وأمر أهل اليمامة أن يتخذوا المسجد مكان بيعة كانت عندهم» (٣) .

стр. 256

وكان (١) مسجده ﷺ مقبرة، (٢) فجعله ﷺ مسجدا بعد نبش القبور (٣) . فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حل بهم فيه العذاب، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها (٤) . فإنه إذا قيل: هذا العمل (٥) الذي يعملونه لو تجرد عن مشابهتهم لم يكن محرما، ونحن لا نقصد التشبه بهم فيه، (٦) فنفس الدخول إلى المكان ليس بمعصية لو تجرد عن كونه أثرهم ونحن لا نقصد التشبه بهم، بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار فإن جميع ما يعملونه مما ليس من أعمال المسلمين السابقين، إما كفر، وإما معصية، وإما شعار كفر، أو معصية (٧) وإما مظنة للكفر والمعصية، وإما أن يخاف أن يجر إلى معصية (٨) وما أحسب أحدا ينازع في جميع هذا ولئن نازع فيه فلا يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية

стр. 257

وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان. ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم (١) . [التشبه مفهومه ومقتضاه] وأيضا ما (٢) هو صريح في الدلالة ما روى أبو داود في سننه حدثنا عثمان بن أبي شيبة (٣) حدثنا أبو النضر (٤) يعني هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن ثابت (٥) حدثنا حسان بن عطية (٦) عن أبي منيب

стр. 258

الجرشي (١) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢) وهذا إسناد جيد فإن ابن أبي شيبة وأبا النضر وحسان بن عطية ثقات مشاهير أجلاء من رجال الصحيحين وهم أجل من أن يحتاجوا إلى أن يقال: هم من رجال الصحيحين. وأما عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فقال يحيى بن معين (٣) وأبو زرعة (٤) وأحمد بن عبد الله (٥) ليس به

стр. 259

بأس (١) . وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم (٢) هو ثقة وقال أبو حاتم (٣) هو مستقيم الحديث (٤) . وأما أبو (٥) منيب (٦) الجرشي فقال: فيه أحمد بن عبد الله العجلي هو ثقة وما علمت أحدا ذكره بسوء وقد سمع منه حسان بن عطية وقد احتج الإمام أحمد (٧) وغيره بهذا الحديث. وهذا الحديث أقل أحواله (٨) أن (٩) يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (١٠)

стр. 260

وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو (١) أنه قال (٢) من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم (٣) وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة (٤) . فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك وقد يحمل على أنه (٥) منهم في القدر المشترك الذي (٦) شابههم فيه فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا لها (٧) كان حكمه كذلك. وبكل حال يقتضي تحريم التشبه (٨) بعلة كونه تشبها، والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر ومن تبع (٩) غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذا عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبها نظر لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى (١٠) وإحفاء الشوارب، مع أن قوله ﷺ : «غيروا

стр. 261

الشيب، ولا تشبهوا باليهود.» (١) دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا، ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية. وقد روى في هذا الحديث عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه نهى عن التشبه بالأعاجم وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢) ذكره القاضي أبو يعلى (٣) . وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير

стр. 262

المسلمين قال محمد بن أبي حرب (١) سئل أحمد عن نعل سندي (٢) يخرج فيه. فكرهه للرجل والمرأة وقال: إن كان للكنيف (٣) والوضوء (٤) وأكره الصرار (٥) وقال: هو من زي العجم. وقد سئل سعيد بن عامر (٦) عنه فقال: سنة نبينا أحب إلينا من سنة باكهن (٧) . وقال في رواية المروذي وقد سأله عن النعل السندي فقال: أما أنا فلا أستعملها، ولكن إن (٨) كان للطين، أو المخرج (٩) فأرجو، وأما من أراد الزينة فلا (١٠) ورأى على باب المخرج نعلا سنديا فقال: يتشبه (١١) بأولاد الملوك.

стр. 263

وقال (١) حرب الكرماني (٢) قلت لأحمد: فهذه النعال الغلاظ قال: هذه السندية قال: إذا كان للوضوء (٣) أو للكنيف، أو لموضع ضرورة فلا بأس (٤) وكأنه كره أن يمشي فيها (٥) في الأزقة قيل: فالنعل من الخشب. قال: لا بأس بها أيضا (٦) إذا كان موضع ضرورة. قال حرب حدثنا أحمد بن نصر (٧) حدثنا حبان بن موسى، (٨) قال:

стр. 264

سئل ابن المبارك (١) عن هذه النعال الكرمانية (٢) فلم تعجبه وقال: أما في هذه غنية عن تلك؟ . وروى الخلال (٣) عن أحمد بن إبراهيم الدورقي (٤) قال: سألت سعيد بن عامر عن لباس النعال السبتية (٥) فقال: زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك الهند، ولو كان في مسجد المدينة لأخرجوه من المدينة. سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا، من شيوخ الإمام

стр. 265

أحمد قال يحيى بن سعيد القطان وذكر عنده سعيد بن عامر (١) فقال: هو شيخ المصر (٢) منذ أربعين سنة (٣) وقال أبو مسعود بن الفرات (٤) ما رأيت بالبصرة مثل سعيد بن عامر (٥) . وقال الميموني (٦) رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه، ويكره غير ذلك وقال: العرب عمائمها (٧) تحت أذقانها (٨) وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد (٩) يكره أن

стр. 266

لا (١) تكون العمامة تحت الحنك كراهية شديدة، وقال: إنما يتعمم (٢) بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس (٣) . ولهذا أيضا كره أحمد لباس أشياء كانت شعار الظلمة في وقته من السواد (٤) ونحوه وكره هو وغيره (٥) تغميض العين (٦) في الصلاة وقال: هو من فعل اليهود (٧) . وقد (٨) روى أبو (٩) حفص العكبري (١٠) بإسناده عن بلال بن أبي

стр. 267

حدرد (١) قال: قال رسول الله ﷺ : «تمعددوا، واخشوشنوا، وانتعلوا، وامشوا حفاة.» (٢) . وهذا مشهور محفوظ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى المسلمين، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في كلام الخلفاء الراشدين. وقال الترمذي: حدثنا (٣) قتيبة (٤) . . . . . . . . . .

стр. 268

حدثنا ابن (١) لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود، ولا بالنصارى؛ فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف» (٢) قال (٣) وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة ولم يرفعه (٤) . وهذا وإن كان فيه ضعيف فقد تقدم الحديث المرفوع من تشبه بقوم فهو منهم (٥) وهو محفوظ عن حذيفة بن اليمان أيضا من قوله وحديث ابن لهيعة يصلح للاعتضاد كذا كان يقول أحمد وغيره (٦) . وأيضا ما روى أبو داود (٧) حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي (٨) حدثنا محمد بن ربيعة (٩) حدثنا أبو الحسن

стр. 269

العسقلاني (١) عن أبي جعفر بن محمد بن (٢) علي بن ركانة، أو محمد بن علي بن ركانة (٣) عن أبيه أن ركانة (٤) صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ قال ركانة: وسمعت النبي ﷺ يقول: «فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم (٥) على القلانس» (٦) . وهذا يقتضي أنه حسن عند أبي داود ورواه الترمذي أيضا عن قتيبة وقال: غريب وليس إسناده بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن، (٧)

стр. 270

ولا ابن ركانة (١) . وهذا القدر لا يمنع أن يعتضد بهذا الحديث ويستشهد به، وهذا بين في أن مفارقة المسلم المشرك في اللباس أمر مطلوب للشارع (٢) كقوله: «فرق (٣) ما بين الحلال والحرام الدف والصوت» (٤) فإن التفريق بينهما مطلوب في الظاهر، إذ الفرق بالاعتقاد والعمل بدون العمامة (٥) حاصل فلولا أنه مطلوب بالظاهر أيضا لم يكن فيه فائدة. وهذا كما أن الفرق بين (٦) الرجال والنساء لما (٧) كان مطلوبا ظاهرا

стр. 271

وباطنا «لعن (١) المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم» (٢) ونفى المخنث (٣) لما كان رجلا متشبها في الظاهر بغير (٤) جنسه وأيضا عن أبي غطفان المري (٥) قال (٦) سمعت عبد الله بن عباس رضي الله (٧) عنهما يقول: حين «صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. قال رسول الله ﷺ : إذا

стр. 272

كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ » رواه مسلم في صحيحه (١) . وروى الإمام (٢) أحمد عن ابن عباس (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه (٤) اليهود وصوموا قبله يوما (٥) أو بعده يوما» . ورواه سعيد (٦) بالإسناد ولفظه: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا يوما قبله، أو يوما بعده» والحديث (٧) رواه ابن أبي ليلى (٨) عن داود بن علي (٩) عن أبيه عن

стр. 273

جده ابن عباس (١) . فتدبر هذا يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر (٢) سنة ماضية (٣) صامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه ورغب فيه، ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك (٤) . ولهذا استحب العلماء منهم الإمام أحمد أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وبذلك عللت الصحابة ﵃. قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، سمع عطاء سمع (٥) ابن عباس ﵄ (٦) يقول: صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود (٧) .

стр. 274

وأيضا عن ابن (١) عمر ﵄ (٢) عن النبي ﷺ قال: «إنّا أمة أمية؛ لا نكتب ولا نحسب، الشهر: هكذا وهكذا» . يعني مرة: تسعة وعشرين، ومرة: ثلاثين. رواه البخاري ومسلم (٣) . فوصف هذه الأمة بترك الكتاب (٤) والحساب الذي يفعله غيرها من الأمم في أوقات عبادتهم وأعيادهم، وأحالها على الرؤية حيث قال- في غير حديث-: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (٥) وفي رواية: «صوموا من الوضح إلى الوضح» (٦) أي من الهلال إلى الهلال (٧) .

стр. 275

وهذا: دليل على ما أجمع عليه المسلمون- إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين (١) المسبوقين بالإجماع- من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب، الذي تسلكه الأعاجم من الروم والفرس، والقبط، والهند، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. وقد روي عن (٢) غير واحد من أهل العلم: أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية - أيضا - في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٣) ولكن أهل الكتابين بدّلوا. ولهذا نهى النبي ﷺ عن تقدم رمضان باليوم واليومين (٤) وعلل الفقهاء ذلك بما يخاف من أن يزاد في الصوم المفروض ما ليس منه (٥) كما زاده أهل الكتاب، من النصارى، فإنهم زادوا في صومهم، وجعلوه فيما بين الشتاء

стр. 276

والصيف، وجعلوا له طريقة من الحساب يتعرفونه (١) بها. وقد يستدل بهذا الحديث، على خصوص النهي عن أعيادهم، فإن أعيادهم معلومة بالكتاب والحساب، والحديث فيه عموم. أو يقال: إذا نهينا عن ذلك في عيد الله ورسوله، ففي غيرها (٢) من الأعياد والمواسم أولى وأحرى، ولما (٣) في ذلك من مضارعة الأمة الأمية سائر الأمم. وبالجملة فالحديث يقتضي اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها، وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم (٤) أقرب إلى حصول الوفاء بالاختصاص. وأيضا ففي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف (٥) أنه سمع معاوية (٦) عام حج على المنبر، وتناول قُصة (٧) من شَعر كانت في يد حرسي (٨) فقال: " يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت

стр. 277

رسول (١) الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم» (٢) وفي رواية سعيد بن المسيب - في الصحيح - أن معاوية قال ذات يوم: " إنكم أحدثتم (٣) زي سوء، وإن نبي الله (٤) ﷺ نهى عن الزور "، قال: وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة. قال معاوية: " ألا وهذا الزور ". قال قتادة: " يعني ما يكثر به النساء أشعارهن من الخرق " (٥) . وفي رواية عن ابن المسيب - في الصحيح - قال: " قدم معاوية المدينة، فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله ﷺ بلغه، فسماه الزور ". فقد أخبر النبي ﷺ (٦) عن وصل الشعر: " أن بني إسرائيل هلكوا حين أحدثه نساؤهم " يحذر أمته مثل ذلك، ولهذا قال معاوية: " ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود ".

стр. 278

فما كان من زي اليهود، الذي لم يكن عليه المسلمون: إما أن يكون مما يعذبون عليه، أو مظنة لذلك، أو يكون تركه حسما لمادة ما عذبوا عليه، لا سيما إذا لم يتميز ما هو الذي عذبوا عليه من غيره، فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره، فيترك الجميع كما أن ما يخبرونا (١) به (٢) لَمَّا اشتبه صدقه بكذبه: ترك الجميع. وأيضا ما (٣) روى نافع عن ابن عمر (٤) قال: قال رسول الله ﷺ أو قال: قال عمر -: «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن (٥) له إلا ثوب فليتزر به (٦) ولا يشتمل اشتمال اليهود» رواه أبو داود وغيره، بإسناد صحيح (٧) . وهذا المعنى صحيح عن النبي ﷺ ، من رواية جابر وغيره أنه: «أمر في الثوب الضيق، بالاتزار دون الاشتمال» (٨) وهو قول جمهور أهل العلم، وفي

стр. 279

مذهب أحمد قولان (١) . وإنما الغرض: أنه قال: «لا يشتمل اشتمال اليهود» فإن إضافة (٢) المنهي عنه إلى اليهود، دليل على أن لهذه الإضافة تأثيرا في النهي، كما تقدم التنبيه عليه. وأيضا فمما (٣) نهانا الله سبحانه فيه (٤) عن مشابهة أهل الكتاب، وكان حقه أن يقدم في دلائل (٥) الكتاب: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] (٦) . فقوله: ولا يكونوا مثلهم (٧) نهي مطلق عن مشابهتهم (٨) وهو خاص أيضا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي.

стр. 280

وقد وصف الله سبحانه بها اليهود في غير موضع، فقال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ - ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (١) وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣ - ٧٤] (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢] (٣) إلى قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] (٤) . وإن قوما من هذه الأمة، ممن ينسب إلى علم أو دين (٥) قد (٦) أخذوا من هذه الصفات (٧) بنصيب، يرى ذلك من له بصيرة، فنعوذ بالله من كل ما يكرهه الله ورسوله، ولهذا: كان السلف يحذرونهم (٨) هذا.

стр. 281

فروى البخاري - في صحيحه - عن أبي الأسود (١) قال: " بعث أبو موسى إلى قراء البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم، كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا (٢) نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال (٣) لابتغى (٤) واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) . وكنا نقرأ سورة كنا (٥) نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) (٦) ".

стр. 282

فحذر أبو موسى القراء عن (١) أن يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم. ثم لما كان نقض الميثاق يدخل فيه نقض ما عهد إليهم من الأمر والنهي، وتحريف الكلم عن مواضعه، بتبديل (٢) وتأويل كتاب الله أخبر ابن مسعود (٣) بما يشبه ذلك. فروى الأعمش، عن عمارة بن عمير (٤) عن الربيع بن (٥) عميلة الفزاري (٦) حدثنا عبد الله (٧) حديثا ما سمعت حديثا هو أحسن منه إلا كتاب الله، أو رواية عن رسول الله ﷺ : (٨) «إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم، اشتهته قلوبهم،

стр. 283

واستحلته (١) أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، فقالوا اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، ثم قالوا: لا، بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم، فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده (٢) وإن خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم بعده (٣) أحد، فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم جعلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأوما إلى صدره فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أومن بهذا؟ - يعني الكتاب الذي في القرن- فخلوا سبيله وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات نبشوه فوجدوا القرن، فوجدوا (٤) فيه الكتاب، فقالوا: ألا ترون قوله: آمنت بهذا، وما لي (٥) لا أومن بهذا؟ إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم: أصحاب ذي القرن،» قال عبد الله: " وإن من بقي منكم سيرى منكرا، وبحسب امرئ يرى (٦) منكرا لا يستطيع أن يغيره، أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره " (٧) .

стр. 284

ولما نهى (١) الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم، ذكر أيضا في آخر السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها فعقبها بقوله: (٢) ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (٣) وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨ - ٢٩] (٤) فإن الإيمان بالرسول: (٥) تصديقه وطاعته (٦) واتباع شريعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية؛ لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها، وأخبر: أن من اتبعه (٧) كان له أجران، وبذلك جاءت (٨) الأحاديث الصحيحة، من طريق ابن عمر وغيره، في مثلنا ومثل أهل الكتاب. وقد صرح ﷺ بذلك (٩) فيما رواه أبو داود في سننه، من حديث ابن وهب (١٠) أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء (١١) أن سهل بن

стр. 285

أبي أمامة (١) حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (٢) رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (٣) . هذا (٤) الذي في رواية اللؤلؤي (٥) عن أبي داود، وفي رواية ابن داسة (٦) عنه: " أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمان عمر بن عبد العزيز (٧) وهو أمير بالمدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة
следующие страницы →