← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فروى البخاري - في صحيحه - عن أبي الأسود (١) قال: " بعث أبو موسى إلى قراء البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم، كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا (٢) نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال (٣) لابتغى (٤) واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) . وكنا نقرأ سورة كنا (٥) نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) (٦) ".

стр. 282

فحذر أبو موسى القراء عن (١) أن يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم. ثم لما كان نقض الميثاق يدخل فيه نقض ما عهد إليهم من الأمر والنهي، وتحريف الكلم عن مواضعه، بتبديل (٢) وتأويل كتاب الله أخبر ابن مسعود (٣) بما يشبه ذلك. فروى الأعمش، عن عمارة بن عمير (٤) عن الربيع بن (٥) عميلة الفزاري (٦) حدثنا عبد الله (٧) حديثا ما سمعت حديثا هو أحسن منه إلا كتاب الله، أو رواية عن رسول الله ﷺ : (٨) «إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم، اشتهته قلوبهم،

стр. 283

واستحلته (١) أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، فقالوا اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، ثم قالوا: لا، بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم، فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده (٢) وإن خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم بعده (٣) أحد، فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم جعلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأوما إلى صدره فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أومن بهذا؟ - يعني الكتاب الذي في القرن- فخلوا سبيله وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات نبشوه فوجدوا القرن، فوجدوا (٤) فيه الكتاب، فقالوا: ألا ترون قوله: آمنت بهذا، وما لي (٥) لا أومن بهذا؟ إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم: أصحاب ذي القرن،» قال عبد الله: " وإن من بقي منكم سيرى منكرا، وبحسب امرئ يرى (٦) منكرا لا يستطيع أن يغيره، أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره " (٧) .

стр. 284

ولما نهى (١) الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم، ذكر أيضا في آخر السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها فعقبها بقوله: (٢) ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (٣) وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨ - ٢٩] (٤) فإن الإيمان بالرسول: (٥) تصديقه وطاعته (٦) واتباع شريعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية؛ لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها، وأخبر: أن من اتبعه (٧) كان له أجران، وبذلك جاءت (٨) الأحاديث الصحيحة، من طريق ابن عمر وغيره، في مثلنا ومثل أهل الكتاب. وقد صرح ﷺ بذلك (٩) فيما رواه أبو داود في سننه، من حديث ابن وهب (١٠) أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء (١١) أن سهل بن

стр. 285

أبي أمامة (١) حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (٢) رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (٣) . هذا (٤) الذي في رواية اللؤلؤي (٥) عن أبي داود، وفي رواية ابن داسة (٦) عنه: " أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمان عمر بن عبد العزيز (٧) وهو أمير بالمدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة

стр. 286

المسافر (١) أو قريبا منها، فلما سلم قال: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها (٢) للمكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله ﷺ ، كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله (٣) عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله (٤) عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (٥) رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم» . ثم غدا من الغد، فقال: ألا تركب لتنظر ولتعتبر (٦) ؟ قال: نعم، فركبوا (٧) جميعا، فإذا بديارٍ بادَ أهلها وانقضوا وفنوا، خاوية على عروشها، قال: أتعرف هذه الديار؟ فقال: نعم، ما (٨) أعرفني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديار

стр. 287

أهلكهم الله (١) ببغيهم وحسدهم؛ إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني والكف، والقدم، والجسد، واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (٢) . فأما سهل بن أبي أمامة، فقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له (٣) مسلم وغيره. أما ابن أبي العمياء، فمن أهل بيت المقدس ما أعرف حاله (٤) لكن رواية أبي داود للحديث، وسكوته عنه: يقتضي أنه حسن عنده، وله شواهد في الصحيح (٥) . فأما ما فيه من وصف صلاة رسول الله ﷺ ، بالتخفيف: ففي الصحيحين عنه - أعني: أنس بن مالك - قال: " كان النبي (٦) ﷺ يوجز الصلاة ويكملها " (٧) . وفي الصحيحين أيضا عنه قال: " ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة،

стр. 288

ولا أتم من صلاة النبي ﷺ ". زاد البخاري: " وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف، مخافة أن تفتتن أمه " (١) . وما ذكره أنس بن مالك من التخفيف: هو (٢) بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض الأمراء وغيرهم في قيام الصلاة، فإن منهم من كان يطيل القيام (٣) زيادة على ما كان النبي ﷺ يفعله في غالب الأوقات، ويخفف (٤) الركوع والسجود والاعتدال فيهما (٥) عما كان النبي ﷺ يفعله في غالب الأوقات، ولعل أكثر الأئمة، أو كثيرا منهم، كانوا قد صاروا يصلون كذلك، ومنهم من كان (٦) يقرأ في الأخيرتين (٧) مع الفاتحة، سورة، وهذا كله قد صار مذاهب لبعض الفقهاء، وكان الخوارج أيضا قد تعمقوا وتنطعوا كما وصفهم النبي ﷺ بقوله: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم» (٨) .

стр. 289

ولهذا لما صلى علي (١) ﵁ بالبصرة قال عمران (٢) " لقد أذكرني (٣) هذا صلاة رسول الله ﷺ " (٤) . وكانت صلاة رسول (٥) الله ﷺ معتدلة: كان يخفف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسجود. وقد جاء هذا مفسرا، عن أنس بن مالك نفسه، فروى النسائي عن قتيبة (٦) عن العطاف بن خالد (٧) عن زيد بن

стр. 290

أسلم (١) قال: " دخلنا على أنس بن مالك، فقال: صليتم؟ قلنا: نعم. قال: يا جارية، هلمي لي وضوءا، ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ ، من إمامكم هذا - قال زيد - وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود (٢) . وهذا حديث صحيح، فإن العطاف بن خالد المخزومي قال فيه يحيى بن معين - غير مرة -: " هو ثقة " (٣) . وقال أحمد بن حنبل: " هو من أهل مكة، ثقة صحيح الحديث، روى عنه نحو مائة حديث " (٤) . وقال ابن عدي: " يروي قريبا من مائة حديث، ولم أر بحديثه بأسا إذا حدث عنه ثقة " (٥) . وروى أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان (٦) حدثني أبي عن وهب بن مانوس (٧) سمعت سعيد بن جبير (٨)

стр. 291

يقول: " سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ ، أشبه صلاة برسول الله ﷺ ، من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا (١) في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات " (٢) . وقال (٣) يحيى بن معين: " إبراهيم بن عمر بن كيسان: يماني ثقة " (٤) . وقال هشام بن يوسف: " أخبرني إبراهيم بن عمر، وكان من أحسن الناس صلاة " (٥) ؛ وابنه عبد الله قال فيه أبو حاتم: " صالح الحديث " (٦) . ووهب بن مانوس - بالنون - يقوله (٧) عبد الله هذا (٨) وكان عبد الرزاق (٩) يقوله: بالباء المنقوطة بواحدة (١٠) من أسفل. وهو شيخ

стр. 292

كبير (١) قديم، قد أخذ عنه إبراهيم هذا، واتبع ما حدثه (٢) به، ولولا ثقته عنده لما عمل بما حدثه (٣) به، وحديثه موافق لرواية زيد بن أسلم، وما أعلم فيه قدحا. وروى مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا (٤) ثابت (٥) عن أنس (٦) قال: " ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله ﷺ في تمام، كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر ﵁ (٧) متقاربة، فلما كان عمر (٨) ﵁، مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله ﷺ ، إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: (٩) قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين، حتى نقول: (١٠) قد أوهم " (١١) . ورواه أبو داود، من حديث حماد بن سلمة، أنبأنا (١٢) ثابت وحميد، عن

стр. 293

أنس بن مالك، قال: " ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: " سمع الله لمن حمده قام " حتى نقول (١) قد أوهم. ثم يكبر ثم يسجد. وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم " (٢) . فجمع أنس رضي (٣) الله عنه في هذا الحديث الصحيح، بين الإخبار بإيجاز النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة وإتمامها، وبيّن أن من إتمامها الذي أخبر به: إطالة الاعتدالين، وأخبر في الحديث المتقدم: أنه ما رأى (٤) أوجز من صلاته، ولا أتم. فيشبه - والله أعلم - أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى الركوع والسجود؛ لأن القيام، لا يكاد يفعل إلا تاما، فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام، بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين. وأيضا، فإنه بإيجاز القيام، وإطالة الركوع والسجود تصير الصلاة تامة، لاعتدالها وتقاربها، فيصدق قوله: " ما رأيت أوجز ولا أتم ". فأما إن أعيد الإيجاز إلى نفس ما أتم (٥) والإتمام إلى نفس ما أوجز (٦) ؛ فإنه يصير في الكلام تناقضا، لأن من طول القيام على قيامه (٧) لم يكن دونه في إتمام

стр. 294

القيام، إلا أن يقال: الزيادة في الصورة تصير (١) نقصا في المعنى، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، فإن الأصل: أن يكون معنى الإيجاز والتخفيف غير معنى الإتمام والإكمال؛ ولأن زيد بن أسلم قال: " كان عمر يخفف القيام والقعود، ويتم الركوع والسجود " فعلم أن لفظ الإتمام عندهم، هو إتمام الفعل الظاهر. وأحاديث أنس كلها تدل (٢) على أن النبي ﷺ كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين، زيادة على ما يفعله (٣) أكثر الأئمة. وسائر (٤) روايات الصحيح تدل على ذلك. ففي الصحيحين: عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: " إني لا آلو أن أصلي بكم (٥) كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا ". قال ثابت: " فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه: وإذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة (٦) مكث، حتى يقول القائل (٧) قد نسي " (٨) .

стр. 295

وفي رواية - في الصحيح -: " وإذا رفع رأسه بين السجدتين " (١) . وفي (٢) رواية للبخاري، من حديث شعبة، عن ثابت: " كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ فكان يصلي، (٣) وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول (٤) قد نسي (٥) فهذا يبين لك أن أنسا أراد بصلاة رسول الله ﷺ : إطالة الركوع والسجود، والرفع فيهما، على ما كان الناس يفعلونه، وتقصير القيام عما كان الناس يفعلونه (٦) . وروى مسلم في صحيحه، من حديث جعفر بن سليمان (٧) عن ثابت، عن أنس قال: " كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة " (٨) . فبين أن التخفيف الذي كان يفعله (٩) هو تخفيف القراءة، وإن كان ذلك

стр. 296

يقتضي (١) ركوعا وسجودا يناسب القراءة، ولهذا قال: " كانت صلاته متقاربة "، أي يقرب بعضها من بعض. وصدق أنس (٢) فإن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بنحو الستين إلى المائة (٣) يقرأ في الركعتين بطول المفصل بـ: الم. تنزيل، وهل أتى، وبالصافات، وبقاف؛ وربما قرأ أحيانا بما هو أطول من ذلك، وأحيانا بما هو أخف (٤) . فأما عمر ﵁، فكان يقرأ في الفجر بيونس، وهود، ويوسف، ولعله (٥) علم أن الناس خلفه يؤثرون ذلك. وكان معاذ ﵁: قد صلى خلفه (٦) الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ فيها بسورة البقرة (٧) فأنكر النبي ﷺ (٨) ذلك. وقال: «أفتان أنت يا معاذ، إذا أممت الناس فخفف، فإن من ورائك الكبير والضعيف وذا الحاجة. هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها،

стр. 297

ونحوها (١) من السور؟» (٢) . فالتخفيف الذي أمر به النبي ﷺ معاذا، وغيره من الأئمة، هو ما كان يفعله - بأبي هو (٣) وأمي ﷺ ، فإنه (٤) كما قال أنس: " كان أخف الناس صلاة في تمام ". وقد (٥) قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٦) . ثم إن عرض حال عرف منها إيثار المأمومين للزيادة على ذلك فحسن، فإنه ﷺ قرأ في المغرب: بطولى الطوليين (٧) وقرأ فيها بالطور. وإن عرض ما يقتضي التخفيف عن ذلك فعل، كما قال في بكاء الصبي ونحوه.

стр. 298

فقد تبين (١) أن حديث أنس تضمن مخالفة من خفف الركوع والسجود، تخفيفا كثيرا، ومن طول القيام تطويلا كثيرا. وهذا الذي وصفه أنس، (٢) ووصفه سائر الصحابة. فروى (٣) مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه (٤) عن هلال بن أبي حميد (٥) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٦) عن البراء بن عازب (٧) قال: " رمقت الصلاة مع محمد ﷺ فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فجلسته ما بين التسليم والانصراف: قريبا من السواء " (٨) .

стр. 299

وروى مسلم أيضا في صحيحه، عن شعبة (١) عن الحكم (٢) قال: " غلب على الكوفة رجل - قد سماه - زمن ابن الأشعث (٣) قال: فأمر أبا عبيدة بن عبد الله (٤) أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". قال الحكم: " فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: " سمعت البراء بن عازب يقول: كانت صلاة رسول الله ﷺ وركوعه، وإذا رفع رأسه من

стр. 300

الركوع (١) وسجوده، وما بين السجدتين، قريبا من السواء ". قال شعبة: " فذكرته لعمرو بن مرة (٢) . فقال: قد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلم تكن صلاته هكذا (٣) . وروى البخاري (٤) هذا الحديث - ما خلا القيام والقعود - قريبا من السواء (٥) . وذلك لأنه (٦) لا شك أن القيام - قيام القراءة - وقعود التشهد يزيد على بقية الأركان، لكن لما كان ﷺ يوجز القيام، ويتم بقية الأركان، صارت قريبا من السواء. فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى، وإنما البراء: تارة قرب ولم يحدد، وتارة استثنى وحدد، وإنما جاز أن يقال في القيام مع بقية الأركان: قريبا، بالنسبة إلى الأمراء الذين (٧) يطيلون القيام، ويخففون الركوع والسجود، حتى يعظم التفاوت.

стр. 301

ومثل هذا: " أنه ﷺ صلى صلاة الكسوف، فقرأ في الركعة (١) بنحو من سورة البقرة وركع. فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكذلك سجوده " (٢) . ولهذا نقول في أصح القولين: إن ركوع صلاة الكسوف وسجودها يكون قريبا من قيامه بقدر معظمه، أكثر من النصف. ومن أصحابنا وغيرهم من قال: إذا قرأ البقرة، يسبح في الركوع والسجود، بقدر قراءة مائة آية (٣) . وهو ضعيف مخالف للسنة. وكذلك (٤) روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد (٥) وغيره (٦) أن النبي ﷺ كان يقول: بعد الرفع من الركوع من الذكر (٧) ما يصدق حديث أنس والبراء (٨) . وكذلك صلاة رسول الله ﷺ التطوع: فإنه كان إذا صلى بالليل (٩)

стр. 302

وحده طول لنفسه ما شاء، وكان (١) يقرأ في الركعة بالبقرة وآل عمران والنساء، ويركع (٢) نحوا من قيامه، ويرفع نحوا من ركوعه، ويسجد نحوا من قيامه، ويجلس نحوا من سجوده (٣) . ثم هذا القيام الذي وصفه أنس وغيره بالخفة، والتخفيف الذي أمر به النبي ﷺ قد فسره النبي (٤) ﷺ بفعله وأمره وبلغ ذلك أصحابه فإنه لما صلى على المنبر قال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» (٥) وقال لمالك بن الحويرث (٦) وصاحبه (٧) «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٨) . وذلك: أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويسمى طويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا حد له في اللغة، وليس الفعل (٩) من العادات: كالإحراز، والقبض، والاصطياد، وإحياء الموات، حتى

стр. 303

يرجع في حده إلى عرف اللفظ، بل هو من العبادات، والعبادات (١) يرجع (٢) في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يرجع في أصلها إلى الشارع. ولأنه لو جاز الرجوع فيه إلى عرف الناس في الفعل، أو في مسمى التخفيف، لاختلفت الصلاة الشرعية الراتبة، التي يؤمر (٣) بها في غالب الأوقات، عند عدم المعارضات المقتضية للطول أو للقصر، اختلافا متباينا (٤) لا ضبط له، ولكان لكل أهل عصر ومصر، ولكان لكل أهل حي وسكة، بل لأهل كل مسجد عرف في معنى اللفظ، وفي عادة الفعل، مخالفا لعرف الآخرين، وهذا مخالف لأمر الله ورسوله حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥) ولم يقل: كما يسميه أهل أرضكم خفيفا، أو كما يعتادونه، وما أعلم أحدا من العلماء يقول ذلك فإنه؛ يفضي إلى تغيير الشريعة، وموت السنن، إما بزيادة وإما بنقص، وعلى هذا دلت سائر روايات الصحابة. فروى مسلم في صحيحه عن زهير (٦) عن سماك بن حرب (٧) قال:

стр. 304

" سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي (١) فقال: كان يخفف الصلاة، ولا يصلي صلاة هؤلاء "، قال: " وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد، ونحوها " (٢) . وروى أيضا عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة (٣) قال: " كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك " (٤) . وهذا يبين ما رواه مسلم أيضا، عن زائدة (٥) حدثنا سماك، عن جابر بن سمرة: " أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وكانت (٦) صلاته بعد تخفيفا " (٧) أنه أراد - والله أعلم - بقوله: " وكانت صلاته بعد "، أي بعد الفجر، أي أنه يخفف الصلوات التي بعد الفجر، عن الفجر (٨) .

стр. 305

فإنه في الرواية الأولى جمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف، وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف (١) . وقد ثبت في الصحيح عن أم سلمة (٢) «أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في الفجر بالطور في حجة الوداع، وهي طائفة من حول الناس تسمع قراءته» (٣) وما عاش بعد حجة الوداع إلا قليلا، والطور من نحو (٤) سورة قاف. وثبت في الصحيح عن ابن عباس ﵄ (٥) أنه قال: " إن أم الفضل (٦) . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 306

سمعته وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] (١) فقالت: يا بني، لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ ، يقرأ بها في المغرب (٢) . فقد أخبرت أم الفضل: أن ذلك آخر ما سمعته يقرأ بها في المغرب، وأم الفضل لم تكن من المهاجرات، بل هي من المستضعفين، كما قال ابن عباس: (٣) كنت أنا وأمي (٤) من المستضعفين، الذين عذرهم الله " (٥) . فهذا السماع كان متأخرا. وكذلك في الصحيح عن زيد بن ثابت (٦) " أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين (٧) . وزيد من صغار الصحابة.

стр. 307

وكذلك (١) صلى بالمؤمنين (٢) في الفجر بمكة، وأدركته سعلة عند ذكر موسى وهارون (٣) فهذه الأحاديث وأمثالها، تبين أنه ﷺ كان في آخر حياته يصلي في الفجر بطوال المفصل، وشواهد هذا كثيرة (٤) ؛ ولأن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله ﷺ التي ما زال يصليها، ولم يذكر أحد أنه نقص (٥) صلاته في آخر عمره عما (٦) كان يصليها، وأجمع (٧) الفقهاء على أن السنة أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل. وقوله: " ولا يصلي صلاة هؤلاء " إما أن يريد به: من كان يطيل الصلاة على (٨) هذا أو (٩) من كان ينقصها عن ذلك، أي إنه كان ﷺ يخففها، ومع ذلك: فلا يحذفها حذف هؤلاء الذين يحذفون الركوع والسجود، والاعتدالين، كما دل عليه حديث أنس والبراء، أو كان أولئك الأمراء ينقصون القراءة، أو القراءة وبقية الأركان، عما كان النبي ﷺ يفعله. كما روى أبو قزعة (١٠) قال:

стр. 308

" أتيت أبا سعيد الخدري (١) وهو مكثور (٢) عليه، فلما تفرق الناس عنه، قلت: إني لا أسألك عما سألك هؤلاء عنه، قلت: أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما لك في ذلك من خير فأعادها عليه، فقال: كانت صلاة الظهر تقام، فينظلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد، ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى ". وفي رواية " مما يطولها " (٣) رواه مسلم في صحيحه (٤) . فهذا يبين لك أن أبا سعيد رأى صلاة الناس أنقص من هذا. وفي الصحيحين عن أبي برزة (٥) قال: " كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح فينصرف الرجل، فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين، أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة " هذا لفظ البخاري (٦) . وعن عبد الله (٧) بن عمر ﵄ قال: إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات، رواه أحمد

стр. 309

والنسائي (١) . وعن الضحاك بن عثمان (٢) عن بكير بن عبد الله (٣) عن سليمان بن يسار (٤) عن أبي هريرة قال: " ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان " قال سليمان: " كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخيرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (٥) "، رواه النسائي وابن ماجه، وهذا إسناد على شرط مسلم. والضحاك بن عثمان قال فيه أحمد ويحيى (٦) " هو ثقة " (٧) وقال فيه

стр. 310

ابن سعد: " كان ثبتا " (١) . ويدل على ما ذكرناه: ما روى مسلم في صحيحه عن عمار بن ياسر (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة (٣) من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة (٤) وإن من البيان لسحرا» (٥) . فقد جعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل، وأمر بإطالتها، وهذا الأمر إما أن يكون عاما في جميع الصلوات، وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة. فإن كان اللفظ (٦) عاما فظاهر، وإن كان المراد (٧) صلاة الجمعة (٨) فإذا أمر بإطالتها، مع كون الجَمْع فيها يكون (٩) عظيما، فيه من الضعفاء والكبار وذوي

стр. 311

الحاجات ما ليس في غيره (١) ومع كونها تفعل في شدة الحر، مسبوقة بخطبتين: فالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد، مع قلة الجمع: أولى وأحرى. والأحاديث في هذا كثيرة. وإنما ذكرنا هذا تفسيرا (٢) لما في حديث أنس، من تقدير صلاة رسول الله ﷺ ؛ إذ قد يحسب من يسمع هذه الأحاديث: أن فيها نوع تناقض، أو يستمسك (٣) بعض الناس ببعضها دون بعض، ويجهل معنى ما تمسك به. [التشديد على النفس أنواعه وآثاره] وأما في حديث أنس المتقدم من قول (٤) النبي ﷺ : «لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (٥) رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (٦) . ففيه نهي النبي ﷺ عن التشدد في الدين بالزيادة على المشروع. والتشديد: تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحب: بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات (٧) وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم، ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه، في الطيبات. وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى، شدد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة. وفي هذا تنبيه على كراهة النبي ﷺ مثل ما عليه النصارى من الرهبانية

стр. 312

المبتدعة، وإن كان كثير من عبادنا، قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين، أو غير متأولين (١) . وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء، يكون سببا لتشديد آخر، يفعله الله: إما بالشرع وإما بالقدر. فأما بالشرع: فمثل ما كان النبي ﷺ يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم، كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة (٢) التراويح معه (٣) ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل: أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله، وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب. وأما بالقدر: فكثير (٤) قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء، فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور (٥) عليه، في الإيجاب والتحريم، مثل كثير من الموسوسين في الطهارة (٦) إذا زادوا على المشروع، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء (٧) مشقة ومضرة.

стр. 313

وهذا المعنى الذي دل عليه الحديث، موافق لما قدمناه في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (١) من أن ذلك يقتضي كراهة موافقتهم في الآصار والأغلال. والآصار: ترجع إلى الإيجابات الشديدة. والأغلال: هي التحريمات الشديدة. فان الإصر: هو الثقل والشدة، وهذا شأن ما وجب. والغل: يمنع المغلول من الانطلاق، وهذا شأن المحظور. وعلى هذا دل قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] (٢) . وسبب نزولها مشهور. وعلى هذا ما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي (٣) ﷺ فلما أخبروا (٤) كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ (٥) وقد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم (٦) أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال (٧) الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا.

стр. 314

وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: " أنتم الذين (١) قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ، رواه البخاري، وهذا لفظه (٢) ومسلم، ولفظه: عن أنس: «أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش (٣) . فحمد الله وأثنى فقال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا (٤) ؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٥) . والأحاديث الموافقة لهذا كثيرة في بيان أن سنته التي هي الاقتصاد: في العبادة، وفي ترك الشهوات؛ خير من رهبانية النصارى، التي هي: ترك عامة الشهوات من النكاح وغيره، والغلو في العبادات صوما وصلاة. وقد خالف هذا - بالتأويل ولعدم العلم - طائفة من الفقهاء والعباد، ومثل هذا ما رواه أبو داود في سننه، عن العلاء بن عبد الرحمن (٦) عن

стр. 315

القاسم بن عبد الرحمن (١) عن أبي أمامة: «أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي بالسياحة (٢) قال: رسول الله ﷺ : " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» (٣) فأخبر النبي ﷺ بأن أمته (٤) سياحتهم الجهاد في سبيل الله. وفي حديث آخر: «إن السياحة هي الصيام» (٥) أو «السائحون هم الصائمون» (٦) أو نحو ذلك (٧) . وذلك تفسير لما ذكره الله تعالى في القرآن (٨)

стр. 316

من قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] (١) . وقوله ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] (٢) . وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير (٣) مقصد معين فليست من عمل هذه الأمة. ولهذا قال الإمام أحمد: " ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين " (٤) مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها (٥) متأولين في ذلك، أو غير عالمين بالنهي عنه، وهي من الرهبانية المبتدعة التي قيل فيها (٦) «لا رهبانية في الإسلام» (٧) . والغرض هنا: بيان ما جاءت به الحنيفية: من مخالفة (٨) اليهود فيما أصابهم من القسوة عن ذكر الله، وعما أنزل (٩) ومخالفة النصارى فيما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، وإن كان قد ابتلي بعض المنتسبين منا إلى علم أو دين بنصيب من هذا، أو من هذا (١٠) . ومثل هذا ما رواه ابن عباس ﵄ (١١) قال: قال رسول الله ﷺ

стр. 317

غداة (١) العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» فلقطت له سبع حصيات، من (٢) حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا» ، ثم قال: «أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» ، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (٣) من حديث عوف بن أبي جميلة (٤) عن زياد بن حصين (٥) عن أبي العالية عنه (٦) وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقوله: «إياكم (٧) والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقاد والأعمال. والغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده (٨) أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك.

стр. 318

والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال (١) من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) . وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه: مثل الرمي بالحجارة (٣) الكبار، ونحو ذلك. بناء على أنه قد أبلغ من الحصى الصغار (٤) . ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من (٥) قبلنا إلا (٦) الغلو في الدين، كما تراه في النصارى، وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن (٧) الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف عليه أن يكون هالكا. ومن ذلك: أنه ﷺ حذرنا من مشابهة من قبلنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوى (٨) بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة. ففي الصحيحين عن عائشة ﵂، في شأن المخزومية التي سرقت (٩) لما كلم أسامة (١٠) . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 319

فيها (١) رسول الله ﷺ قال: «يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟ ! إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٢) . وكان بنو مجزوم من أشرف (٣) بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبين النبي ﷺ : أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أن فاطمة ابنته - التي هي أشرف النساء - لو سرقت، وقد أعاذها الله من ذلك، لقطع يدها؛ ليبين: أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنت (٤) الرسول، فضلا عن بنت غيره. وهذا يوافق ما في الصحيحين، عن عبد الله بن مرة (٥) عن البراء بن عازب قال: «مر على النبي ﷺ بيهودي، محمم مجلود، فدعاهم، فقال:

стр. 320

" هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم قال: " أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده: الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع (١) على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان (٢) الرجم فقال ﷺ : " اللهم إني أول من أحيا أمرك، إذ (٣) أماتوه» فأمر به فرجم، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله (٤) ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] (٥) . يقول: ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم (٦) والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] (٧) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] (٨) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] (٩) في الكفار كلها " (١٠) .
следующие страницы →