← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

من قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] (١) . وقوله ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] (٢) . وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير (٣) مقصد معين فليست من عمل هذه الأمة. ولهذا قال الإمام أحمد: " ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين " (٤) مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها (٥) متأولين في ذلك، أو غير عالمين بالنهي عنه، وهي من الرهبانية المبتدعة التي قيل فيها (٦) «لا رهبانية في الإسلام» (٧) . والغرض هنا: بيان ما جاءت به الحنيفية: من مخالفة (٨) اليهود فيما أصابهم من القسوة عن ذكر الله، وعما أنزل (٩) ومخالفة النصارى فيما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، وإن كان قد ابتلي بعض المنتسبين منا إلى علم أو دين بنصيب من هذا، أو من هذا (١٠) . ومثل هذا ما رواه ابن عباس ﵄ (١١) قال: قال رسول الله ﷺ

стр. 317

غداة (١) العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» فلقطت له سبع حصيات، من (٢) حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا» ، ثم قال: «أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» ، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (٣) من حديث عوف بن أبي جميلة (٤) عن زياد بن حصين (٥) عن أبي العالية عنه (٦) وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقوله: «إياكم (٧) والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقاد والأعمال. والغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده (٨) أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك.

стр. 318

والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال (١) من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) . وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه: مثل الرمي بالحجارة (٣) الكبار، ونحو ذلك. بناء على أنه قد أبلغ من الحصى الصغار (٤) . ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من (٥) قبلنا إلا (٦) الغلو في الدين، كما تراه في النصارى، وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن (٧) الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف عليه أن يكون هالكا. ومن ذلك: أنه ﷺ حذرنا من مشابهة من قبلنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوى (٨) بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة. ففي الصحيحين عن عائشة ﵂، في شأن المخزومية التي سرقت (٩) لما كلم أسامة (١٠) . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 319

فيها (١) رسول الله ﷺ قال: «يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟ ! إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٢) . وكان بنو مجزوم من أشرف (٣) بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبين النبي ﷺ : أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أن فاطمة ابنته - التي هي أشرف النساء - لو سرقت، وقد أعاذها الله من ذلك، لقطع يدها؛ ليبين: أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنت (٤) الرسول، فضلا عن بنت غيره. وهذا يوافق ما في الصحيحين، عن عبد الله بن مرة (٥) عن البراء بن عازب قال: «مر على النبي ﷺ بيهودي، محمم مجلود، فدعاهم، فقال:

стр. 320

" هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم قال: " أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده: الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع (١) على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان (٢) الرجم فقال ﷺ : " اللهم إني أول من أحيا أمرك، إذ (٣) أماتوه» فأمر به فرجم، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله (٤) ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] (٥) . يقول: ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم (٦) والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] (٧) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] (٨) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] (٩) في الكفار كلها " (١٠) .

стр. 321

وأيضا ما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي (١) قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي (٢) منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني (٣) أنهاكم عن ذلك» (٤) . وصف ﷺ أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء (٥) والصالحين مساجد وعقّب (٦) هذا الوصف بالأمر بحرف الفاء، أن لا يتخذوا القبور مساجد، وقال إنه ﷺ ينهانا (٧) عن ذلك. ففيه دلالة على أن اتخاذ من قبلنا سبب لنهينا؛ إما مظهر للنهي، وإما (٨) موجب للنهي، وذلك يقتضي: أن أعمالهم دلالة (٩) وعلامة على أن الله ينهانا (١٠) عنها، أو أنها علة مقتضية للنهي.

стр. 322

وعلى التقديرين: يعلم أن مخالفتهم أمر مطلوب للشارع في الجملة، والنهي عن هذا العمل بلعنة اليهود والنصارى مستفيض عنه ﷺ ، ففي الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود (١) ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) . وفي لفظ (٣) لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤) . وفي الصحيحين عن عائشة، وابن عباس (٥) قالا: " لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا " (٦) . وفي الصحيحين أيضا عن عائشة: " أن أم سلمة وأم حبيبة (٧) ذكرتا

стр. 323

لرسول الله ﷺ كنيسة رأينها (١) بأرض الحبشة، يقال لها: مارية. وذكرتا (٢) من حسنها (٣) وتصاوير فيها. فقال رسول الله ﷺ : «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور (٤) أولئك شرار الخلق عند الله » (٥) . وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن الأربعة (٦) وقال الترمذي: " حديث حسن " (٧) وفي بعض نسخه: " صحيح " (٨) .

стр. 324

فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح (١) صريح في النهي عن المشابهة في هذا (٢) ودليل على الحذر من (٣) جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من (٤) هذا الجنس. ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور (٥) واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار؛ إذ الغرض القاعدة الكلية، وإن كان تحريم ذلك قد ذكره غير واحد من علماء الطوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا.

стр. 325

وفيه من الآثار ما لا يليق (١) ذكره هنا، حتى روى أبو يعلى الموصلي (٢) في مسنده: (٣) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٤) حدثنا زيد (٥) بن الحباب (٦) حدثنا جعفر بن إبراهيم (٧) - من ولد ذي الجناحين - حدثنا علي بن عمر (٨)

стр. 326

عن أبيه (١) عن علي بن حسين (٢) أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، فقال: " ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي (٣) عن النبي (٤) ﷺ ؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» . وأخرجه محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ (٥) في مستخرجه (٦) .

стр. 327

وروى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد (١) أخبرني سهيل بن أبي سهيل (٢) قال: " رآني الحسن بن الحسن (٣) بن علي بن أبي طالب (٤) ﵁ عند القبر فناداني، وهو في بيت

стр. 328

فاطمة (١) يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ قلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: " إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ، ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء " (٢) . ولهذا ذكر الأئمة - أحمد وغيره، من أصحاب مالك وغيرهم -: إذا سلم على النبي ﷺ وقال ما ينبغي له أن يقول، ثم أراد أن يدعو، فإنه يستقبل القبلة (٣) ويجعل الحجرة عن يساره.

стр. 329

[فصل في ذكر فوائد خطبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظيمة في يوم عرفة] فصل (١) روى مسلم في صحيحه، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (٢) عن أبيه (٣) عن جابر في حديث حجة الوداع، قال: " حتى إذا زالت الشمس - يعني يوم عرفة - أمر بالقصواء (٤) فرحلت له (٥) فأتى بطن الوادي (٦) فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم (٧)

стр. 330

هذا، في شهركم هذا (١) في بلدكم هذا (٢) ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي (٣) موضوع (٤) ودماء الجاهلية موضوعة (٥) وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل-، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من (٦) ربانا ربا العباس بن عبد المطلب (٧) فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله؛ ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح؛ ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني (٨) فماذا أنتم قائلون؟ ". قالوا: نحن نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت. فقال - بإصبعه السبابة (٩) يرفعها إلى السماء وينكبها (١٠) إلى الناس-: " اللهم اشهد (١١) - ثلاث مرات - "، ثم أذن،

стр. 331

فأقام (١) فصلى الظهر؛ ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف» وذكر تمام الحديث (٢) . فقال (٣) ﷺ : «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» (٤) . وهذا يدخل فيه ما كانوا عليه من العادات والعبادات، مثل دعواهم: يا لفلان (٥) ويا لفلان، ومثل أعيادهم، وغير ذلك من أمورهم. ثم خص - بعد ذلك - الدماء والأموال التي كانت تستباح باعتقادات جاهلية، من الربا الذي كان في ذمم أقوام، ومن قتيل قتل في الجاهلية قبل إسلام القاتل وعهده، أو قبل إسلام المقتول وعهده: إما لتخصيصها بالذكر بعد العام، وإما لأن (٦) هذا إسقاط لأمور معينة، يعتقد (٧) أنها حقوق، لا لسنن عامة لهم، فلا تدخل في الأول، كما لم تدخل الديون التي ثبتت ببيع صحيح، أو قرض، ونحو ذلك. ولا يدخل في هذا اللفظ: ما كانوا عليه في الجاهلية، وأقره الله في الإسلام، كالمناسك، وكدية المقتول بمائة (٨) وكالقسامة، ونحو ذلك؛ لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه: ما كانوا عليه مما لم يقره الإسلام، فيدخل في

стр. 332

ذلك: ما كانوا عليه وإن لم (١) ينه في الإسلام عنه بعينه. وأيضا ما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عياش (٢) بن عباس (٣) عن أبي الحصين (٤) - يعني الهيثم بن شفي (٥) - قال: " خرجت أنا وصاحب لي يُكنى أبا عامر - رجل من المعافر (٦) - لنصلي (٧) بإيلياء (٨) وكان قاصهم رجل (٩) من الأزد يقال له: أبو ريحانة (١٠) من الصحابة. قال أبو الحصين: فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم ردفته فجلست إلى جنبه، فسألني: هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ قلت: لا. قال: سمعته يقول: نهى

стр. 333

رسول الله ﷺ عن عشر: عن الوشر (١) ؛ والوشم (٢) ؛ والنتف (٣) ؛ وعن مكامعة (٤) الرجل الرجل بغير شعار؛ ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار؛ وأن يجعل الرجل بأسفل ثيابه حريرا، مثل الأعاجم؛ أو يجعل على منكبيه حريرا، مثل الأعاجم؛ وعن النهبى (٥) ؛ وركوب النمور (٦) ؛ ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان " (٧) . وفي رواية عن أبي ريحانة قال: " بلغني أن رسول الله ﷺ . . . " (٨) هذا الحديث محفوظ من حديث عياش بن عباس. رواه عنه

стр. 334

المفضل (١) بن فضالة، وحيوة بن شريح المصري (٢) ويحيى بن أيوب (٣) . وكل منهم ثقة، وعياش بن عباس روى له مسلم، وقال يحيى بن معين: " ثقة " (٤) . وقال أبو حاتم: " صالح " (٥) . وأما أبو الحصين - الهيثم بن شَفِيّ - قال الدارقطني: شَفِيّ بفتح الشين وتخفيف الفاء، وأكثر المحدثين يقولون: شُفَيّ، وهو غلط. وأبو عامر الحجري (٦) فشيخان، قد روى عن كل واحد (٧) منهما أكثر من واحد. وهما من الشيوخ القدماء. وهذا الحديث قد أشكل على أكثر الفقهاء، من جهة أن يسير الحرير قد دل على جوازه نصوص متعددة، ويتوجه تحريمه على الأصل، وهو: أن يكون صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما كره أن يجعل الرجل على أسفل ثيابه، أو على منكبيه حريرا، مثل الأعاجم، فيكون المنهي عنه نوعا كان (٨) شعارا

стр. 335

للأعاجم. فنهى عنه (١) لذلك، لا لكونه حريرا؛ فإنه لو كان النهي (٢) عنه لكونه حريرا لعم الثوب كله، ولم يخص هذين الموضعين، ولهذا قال فيه: " مثل الأعاجم ". والأصل في الصفة: أن تكون لتقييد الموصوف، لا لتوضيحه. وعلى هذا يمكن تخريج ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن سعيد بن أبي عروبة (٣) عن قتادة، عن الحسن، عن (٤) عمران بن حصين، أن نبي الله ﷺ قال: «لا أركب الأرجوان (٥) ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير ". قال (٦) فأومأ الحسن إلى جيب قميصه، قال: وقال: " ألا (٧) وطيب الرجال ريح لا لون له، ألا وطيب النساء لون لا ريح له» . قال سعيد: " أراه قال: إنما حملوا قوله في طيب النساء: على أنها إذا خرجت،

стр. 336

فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت " (١) . أو يخرج هذا الحديث على الكراهية فقط. وكذلك قد يقال في الحديث الأول (٢) لكن في ذلك نظر. وأيضا، ففي الصحيحين عن رافع بن خديج (٣) قال: «قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدا، وليس معنا مدى (٤) أفنذبح بالقصب (٥) ؟ فقال: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة» (٦) .

стр. 337

نهى النبي ﷺ عن الذبح بالظفر، معللا بأنها (١) مدى الحبشة، كما علل السن: بأنه عظم. وقد اختلف الفقهاء في هذا، فذهب أهل الرأي: إلى أن علة النهي كون الذبح بالسن والظفر يشبه الخنق، أو هو مظنة الخنق، والمنخنقة محرمة، وسوغوا على هذا: الذبح بالسن والظفر المنزوعين؛ لأن التذكية بالآلات المنفصلة المحددة (٢) لا خنق فيه. والجمهور منعوا من ذلك مطلقا؛ لأن النبي ﷺ استثنى السن والظفر مما أنهر الدم (٣) فعلم أنه من المحدد الذي لا يجوز التذكية به، ولو كان لكونه خنقا، لم يستثنه، والمظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية أو غير منضبطة، فأما مع ظهورها وانضباطها فلا. وأيضا، فإنه مخالف لتعليل رسول الله ﷺ المنصوص في الحديث، ثم اختلف هؤلاء: هل يمنع من التذكية بسائر (٤) العظام، عملا بعموم العلة؟ على قولين، في مذهب أحمد وغيره. وعلى الأقوال الثلاثة (٥) فقوله ﷺ : «وأما الظفر، فمدى الحبشة» بعد

стр. 338

قوله: «سأحدثكم عن ذلك» يقتضي أن هذا الوصف - وهو كونه مدى الحبشة - له تأثير في المنع: إما أن يكون علة، أو دليلا على العلة؛ أو وصفا من أوصاف العلة، أو دليلها (١) والحبشة في أظفارهم طول، فيذكون بها دون سائر الأمم، فيجوز أن يكون نهى (٢) عن ذلك؛ لما فيه من مشابهتهم فيما يختصون به. وأما العظم: فيجوز أن يكون نهيه عن التذكية به (٣) كنهيه عن الاستنجاء به؛ لما فيه من تنجيسه على الجن، إذ الدم نجس، وليس الغرض هنا ذكر مسألة الذكاة بخصوصها (٤) فإن فيها كلاما ليس هذا موضعه. وأيضا، في الصحيحين عن الزهري (٥) عن سعيد بن المسيب (٦) قال: " البحيرة التي يمنح (٧) درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء "، وقال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي (٨) يجر قصبه

стр. 339

في النار، كان أول من سيب السوائب» (١) . وروى مسلم، من حديث سهيل (٢) بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أخا (٣) بني كعب، وهو يجر قصبه في النار» (٤) . وللبخاري، من حديث أبي صالح (٥) عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبو خزاعة» (٦) . هذا من العلم المشهور: أن عمرو بن لحي هو (٧) أول من نصب الأنصاب

стр. 340

حول البيت، ويقال: إنه جلبها من البلقاء (١) من (٢) أرض الشام، متشبها بأهل البلقاء، وهو أول من سيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، فأخبر النبي ﷺ أنه رآه «يجر قصبه في النار» وهي الأمعاء ومنه سمي القصاب بذلك؛ لأنها تشبه القصب، ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم على شريعة التوحيد، والحنيفية السمحة، دين أبيهم (٣) إبراهيم. فتشبه عمرو بن لحي - وكان عظيم أهل مكة يومئذ؛ لأن خزاعة كانوا ولاة البيت قبل قريش، وكان سائر العرب متشبهين بأهل مكة؛ لأن فيها بيت الله، وإليها الحج، ما زالوا معظمين من زمن إبراهيم ﵇، فتشبه عمرو بمن رآه في الشام، واستحسن بعقله ما كانوا عليه، ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، تعظيما لله ودينا، فكان ما فعله أصل الشرك في العرب، أهل دين إبراهيم، وأصل تحريم الحلال، وإنما فعله متشبها فيه بغيره من أهل الأرض، فلم يزل الأمر يتزايد ويتفاقم حتى غلب على أفضل الأرض الشرك بالله ، وتغيير دينه (٤) إلى أن بعث الله رسوله ﷺ ، فأحيا ملة إبراهيم ﵇ وأقام التوحيد، وحلل ما كانوا يحرمونه. وفي سورة الأنعام، من عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٠] (٥) إلى آخر السورة، خطاب مع هؤلاء الضرب؛ ولهذا

стр. 341

يقول تعالى في أثنائها: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] (١) . ومعلوم أن مبدأ هذا التحريم: ترك الأمور المباحة تدينا، وأصل هذا التدين: هو من التشبه بالكفار، وإن لم يقصد (٢) التشبه بهم. فقد تبين لك: أن من أصل دروس دين الله وشرائعه، وظهور الكفر والمعاصي: التشبه بالكافرين، كما أن من أصل كل خير: المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم، ولهذا عظم وقع البدع في الدين، وإن لم يكن فيها تشبه بالكفار، فكيف إذا جمعت الوصفين؟ ولهذا جاء في الحديث: «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع عنهم من السنة مثلها» (٣) . وأيضا، فقد (٤) روى أبو داود في سننه، وغيره من حديث هشيم (٥) أخبرنا أبو بشر (٦) عن أبي عمير بن. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 342

أنس (١) عن عمومة له من الأنصار، قال: «اهتم النبي ﷺ للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن (٢) بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القُنْع (٣) شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: " هو من أمر اليهود "، قال: فذكروا (٤) له الناقوس، فقال: " هو من فعل (٥) النصارى "، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه (٦) وهو مهتم لِهَمِّ النبي ﷺ ، فأري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله ﷺ ، فأخبره، فقال: يا رسول الله! إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت، فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما قال: ثم أخبر النبي ﷺ فقال: " له ما منعك أن تخبرنا؟ "، فقال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ : " يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله " قال: " فأذن بلال "، قال: أبو بشر: " فحدثني أبو عمير: أن الأنصار

стр. 343

تزعم أن عبد الله بن زيد، لولا أنه كان يومئذ مريضا، لجعله رسول الله ﷺ مؤذنا» (١) . وروى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو عوانة (٢) عن مغيرة (٣) عن عامر الشعبي (٤) أن رسول الله ﷺ ، اهتم (٥) بالصلاة اهتماما شديدا، تبين (٦) ذلك فيه، وكان فيما اهتم به من أمر الصلاة (٧) أن ذكر الناقوس، ثم قال: " هو من أمر (٨) النصارى ". ثم أراد أن يبعث رجالا يؤذنون الناس بالصلاة، في الطرق، ثم قال: " أكره أن أشغل رجالا عن صلاتهم بأذان غيرهم " (٩) وذكر رؤيا عبد الله بن زيد.

стр. 344

ويشهد لهذا ما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي قلابة (١) عن أنس قال: «لما كثر الناس، ذكروا أن يعلموا (٢) وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا نارا، ويضربوا ناقوسا، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» (٣) . وفي الصحيحين، عن ابن جريج (٤) عن نافع عن ابن عمر قال: «كان المسلمون حين قدموا المدينة، يجتمعون فيتحينون الصلاة (٥) وليس ينادي بهم أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أَوَلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : " يا بلال قم فناد بالصلاة» (٦) .

стр. 345

ما يتعلق بهذا الحديث: من شرع (١) الأذان، ورؤيا عبد الله بن زيد وعمر، وأمر عمر أيضا بذلك، وما روي من أن النبي ﷺ : كان قد سمع الأذان ليلة أسري (٢) به. إلى غير ذلك، ليس هذا موضع ذكره، وذكر الجواب عما قد يستشكل منه. وإنما الغرض هنا: أن النبي ﷺ لما كره بوق اليهود المنفوخ بالفم، وناقوس النصارى المضروب باليد، علل هذا بأنه من أمر اليهود، وعلل هذا بأنه من أمر النصارى؛ لأن ذكر الوصف عقيب الحكم، يدل على أنه علة له، وهذا يقتضي نهيه عن كل ما هو من أمر اليهود والنصارى. هذا مع أن قرن اليهود يقال: إن أصله مأخوذ عن موسى ﵇، وأنه كان يضرب بالبوق في عهده، وأما ناقوس النصارى فمبتدع، إذ عامة شرائع النصارى أحدثها أحبارهم ورهبانهم. وهذا (٣) يقتضي كراهة هذا النوع من الأصوات مطلقا في غير الصلاة (٤) أيضا؛ لأنه من أمر اليهود والنصارى، فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات متعددة غير أوقات عباداتهم. وإنما شعار الدين الحنيف: الأذان المتضمن للإعلان بذكر الله، الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب (٥) الشياطين، وتنزل الرحمة. وقد ابتلي كثير من هذه الأمة، من الملوك وغيرهم، بهذا الشعار اليهودي والنصراني (٦) حتى إنا رأيناهم في هذا الخميس

стр. 346

الحقير (١) الصغير (٢) يزفون (٣) البخور، ويضربون له بنواقيس صغار، حتى إن من الملوك من كان يضرب بالأبواق، والدبادب (٤) في أوقات الصلوات الخمس، وهو (٥) نفس ما كرهه رسول الله ﷺ ، ومنهم من كان يضرب بها طرفي النهار، تشبها منه - زعم (٦) - بذي القرنين، ووكل ما دون ذلك إلى ملوك الأطراف. وهذه المشابهة لليهود والنصارى، وللأعاجم (٧) من الروم والفرس، لما غلبت على ملوك المشرق (٨) هي وأمثالها، مما خالفوا به هدي المسلمين، ودخلوا فيما كرهه الله ورسوله؛ سُلِّط عليهم الترك الكافرون (٩) الموعود

стр. 347

بقتالهم، حتى فعلوا في العباد والبلاد ما لم يجر في دولة الإسلام مثله، وذلك تصديق قوله ﷺ : «لتركبن سنن من كان قبلكم» (١) كما تقدم. وكان المسلمون على عهد نبيهم، وبعده، لا يعرفون وقت الحرب إلا السكينة وذكر (٢) الله سبحانه، قال قيس بن عباد: (٣) - وهو من كبار التابعين (٤) -: " كانوا يستحبون خفض الصوت: عند الذكر، وعند القتال، وعند الجنائز " (٥) . وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة، في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر الله، وإجلاله وإكرامه. كما أن حالهم في الصلاة كذلك. وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاثة (٦) من عادة أهل الكتاب والأعاجم، ثم قد ابتلى بها كثير من هذه الأمة. وليس هذا موضع استقصاء ذلك.

стр. 348

وأيضا، فعن عمرو بن ميمون الأودي (١) قال: «قال عمر ﵁: كان أهل الجاهلية، لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، قال: فخالفهم النبي ﷺ ، وأفاض قبل طلوع الشمس» (٢) . وقد روي في هذا الحديث - فيما أظنه - أنه قال: «خالف هدينا هدي المشركين» (٣) وكذلك (٤) كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب (٥) فخالفهم النبي ﷺ بالإفاضة بعد الغروب، ولهذا: صار الوقوف إلى ما بعد الغروب واجبا عند جماهير العلماء، وركنا

стр. 349

عند بعضهم، وكرهوا شدة الإسفار (١) صبيحة جمع. ثم الحديث قد ذكر فيه قصد المخالفة للمشركين. وأيضا فعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق عليه (٢) . وعن جبير بن نفير (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: «رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: " إن هذه من ثياب الكفار، فلا (٤) تلبسها» رواه مسلم (٥) . علل النهي عن لبسها بأنها: من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار بأنهم (٦) يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك. كما أنه في الحديث قال: (٧) إنهم يستمتعون بآنية الذهب والفضة في

стр. 350

الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة، ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار. ففي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي (١) قال: «كتب إلينا عمر ﵁ ونحن بأذربيجان، مع عتبة بن فرقد: يا عتبة إنه ليس من كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم (٢) والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير، وقال: " إلا هكذا " - ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصبعيه (٣) الوسطى والسبابة وضمهما» (٤) . وروى أبو بكر الخلال، بإسناد عن محمد بن سيرين، أن حذيفة بن اليمان أتى بيتا، فرأى فيه حارستان (٥) فيه أباريق الصفر والرصاص، فلم يدخله، وقال: " من تشبه بقوم فهو منهم " (٦) . وفي لفظ آخر: (فرأى شيئا من زي العجم

стр. 351

فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم) . وقال علي بن أبي صالح (١) السواق (٢) " كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال: زي المجوس! زي المجوس! " (٣) . وقال في رواية صالح (٤) (إذا كان في (٥) الدعوة مسكر، أو شيء من منكر آنية المجوس: الذهب والفضة، أو ستر الجدران بالثياب، خرج ولم يطعم) . ولو تتبعنا ما في هذا الباب (٦) عن النبي ﷺ ، مع ما دل عليه كتاب الله لطال (٧) .

стр. 352

[فصل في الإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم] [الوجه الأول من دلائل الإجماع] فصل وأما الإجماع (١) فمن وجوه من ذلك: أن أمير المؤمنين عمر، في الصحابة ﵃، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة (٢) على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: " أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا (٣) أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم (٤) قلنسوة، أو عمامة، أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير (٥) على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر

стр. 353

صليبا (١) ولا كتبا، (٢) في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا (٣) ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين " رواه حرب (٤) بإسناد جيد (٥) . وفي رواية أخرى رواها الخلال: " وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا (٦) في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا (٧) في سوق المسلمين، ولا نخرج باعوثا - والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج (٨) يوم الأضحى والفطر - ولا شعانينا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير (٩) ولا نبيع الخمور. . . " إلى أن قال: " وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسليمن في لبس قلنسوة (١٠) ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق

стр. 354

شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رءوسنا، ولا نفرق نواصينا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا " (١) . وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها. وهي أصناف: الصنف الأول: ما مقصوده: التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها؛ ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر (٢) في الظاهر، ولم يرض عمر ﵁ والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتميز (٣) في عامة الهدي، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع. وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التمييز (٤) عن الكفار ظاهرا، وترك التشبه بهم ولقد كان أمراء الهدى، مثل العمرين (٥) وغيرهما، يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود.

стр. 355

ومقصودهم من هذا التميز: كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني (١) بإسناده في شروط أهل الذمة، عن خالد بن عرفطة (٢) قال: " كتب عمر ﵁ إلى الأمصار: أن تجز (٣) نواصيهم - يعني النصارى - ولا يلبسوا لبسة (٤) المسلمين؛ حتى يعرفوا " (٥) . وقال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: " أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار، فإن امتنعوا؛ لم يجز لأحد من المسلمين صبغ (٦) ثوب من ثيابهم؛ لأنه لم يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه ". قلت: وهذا فيه خلاف: هل يلزمون (٧) بالتغيير أم (٨) الواجب (٩) إذا امتنعوا أن نغير نحن؟ وأما وجوب أصل المغايرة: فما علمت فيه خلافا. وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني، في شروط أهل الذمة بإسناده، أن عمر بن
следующие страницы →