← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم) . وقال علي بن أبي صالح (١) السواق (٢) " كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال: زي المجوس! زي المجوس! " (٣) . وقال في رواية صالح (٤) (إذا كان في (٥) الدعوة مسكر، أو شيء من منكر آنية المجوس: الذهب والفضة، أو ستر الجدران بالثياب، خرج ولم يطعم) . ولو تتبعنا ما في هذا الباب (٦) عن النبي ﷺ ، مع ما دل عليه كتاب الله لطال (٧) .

стр. 352

[فصل في الإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم] [الوجه الأول من دلائل الإجماع] فصل وأما الإجماع (١) فمن وجوه من ذلك: أن أمير المؤمنين عمر، في الصحابة ﵃، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة (٢) على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: " أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا (٣) أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم (٤) قلنسوة، أو عمامة، أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير (٥) على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر

стр. 353

صليبا (١) ولا كتبا، (٢) في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا (٣) ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين " رواه حرب (٤) بإسناد جيد (٥) . وفي رواية أخرى رواها الخلال: " وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا (٦) في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا (٧) في سوق المسلمين، ولا نخرج باعوثا - والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج (٨) يوم الأضحى والفطر - ولا شعانينا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير (٩) ولا نبيع الخمور. . . " إلى أن قال: " وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسليمن في لبس قلنسوة (١٠) ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق

стр. 354

شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رءوسنا، ولا نفرق نواصينا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا " (١) . وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها. وهي أصناف: الصنف الأول: ما مقصوده: التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها؛ ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر (٢) في الظاهر، ولم يرض عمر ﵁ والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتميز (٣) في عامة الهدي، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع. وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التمييز (٤) عن الكفار ظاهرا، وترك التشبه بهم ولقد كان أمراء الهدى، مثل العمرين (٥) وغيرهما، يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود.

стр. 355

ومقصودهم من هذا التميز: كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني (١) بإسناده في شروط أهل الذمة، عن خالد بن عرفطة (٢) قال: " كتب عمر ﵁ إلى الأمصار: أن تجز (٣) نواصيهم - يعني النصارى - ولا يلبسوا لبسة (٤) المسلمين؛ حتى يعرفوا " (٥) . وقال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: " أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار، فإن امتنعوا؛ لم يجز لأحد من المسلمين صبغ (٦) ثوب من ثيابهم؛ لأنه لم يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه ". قلت: وهذا فيه خلاف: هل يلزمون (٧) بالتغيير أم (٨) الواجب (٩) إذا امتنعوا أن نغير نحن؟ وأما وجوب أصل المغايرة: فما علمت فيه خلافا. وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني، في شروط أهل الذمة بإسناده، أن عمر بن

стр. 356

الخطاب كتب: " أن لا تكاتبوا أهل الذمة، فتجري بينكم وبينهم المودة، ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، ومروا نساء أهل الذمة: أن (١) يعقدن زناراتهن، ويرخين نواصيهن، ويرفعن عن سوقهن؛ حتى يعرف زيهن من المسلمات، فإن رغبن (٢) عن ذلك، فليدخلن في (٣) الإسلام طوعا أو كرها ". وروى أيضا أبو الشيخ (٤) بإسناده، عن محمد بن قيس (٥) وسعد (٦) بن عبد الرحمن بن حبان، قالا: " دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز وعليهم العمائم كهيئة العرب، فقالوا يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب، قال: فمن أنتم؟ قالوا نحن بنو تغلب، قال: أولستم من أوسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى، قال: عليّ بجلم (٧) فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم، وشق رداء كل واحد شبرا، يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم (٨) من شق واحد " (٩) .

стр. 357

وعن مجاهد أبي (١) الأسود قال: " كتب عمر بن عبد العزيز: أن لا يضرب الناقوس خارجا من الكنيسة (٢) ". وعن معمر (٣) " أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن امنع من قِبَلك، فلا يلبس نصراني قباء، ولا ثوب خز، ولا عصب، وتقدم في ذلك أشد التقدم، واكتب فيه حتى لا يخفى على أحد نهي عنه، وقد ذكر لي أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا لبس (٤) المناطق على أوساطهم واتخذوا الوفر (٥) والجمام (٦) وتركوا التقصيص، ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك ضعف وعجز، فانظر كل شيء كنت نهيت عنه، وتقدمت فيه، إلا تعاهدته وأحكمته ولا ترخص فيه، ولا تعد عنه شيئا " (٧) . ولم أكتب سائر ما كانوا يأمرون به في أهل الكتاب؛ إذ الغرض هنا: التمييز. وكذلك فعل جعفر بن محمد بن هارون المتوكل (٨) بأهل الذمة في خلافته، واستشار (٩) في ذلك الإمام (١٠) أحمد بن (١١) حنبل، وغيره،

стр. 358

وعهوده في ذلك، وجوابات أحمد بن حنبل له معروفة. ومن جملة الشروط (١) . * ما يعود بإخفاء منكرات دينهم، وترك إظهارها (٢) كمنعهم من إظهار الخمر والناقوس، والنيران والأعياد، ونحو ذلك. * ومنها: ما يعود بإخفاء شعار دينهم (٣) كأصواتهم بكتابهم. فاتفق عمر ﵁، والمسلمون معه وسائر العلماء بعدهم (٤) ومن وفقه الله تعالى من ولاة الأمور (٥) على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئا مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها (٦) . * ومنها: ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار (٧) الذي شرعه الله تعالى. ومن المعلوم: أن تعظيم أعيادهم، ونحوها، بالموافقة، فيها (٨) نوع من إكرامهم (٩) فإنهم يفرحون بذلك، ويسرون به، كما يغتمون بإهمال أمر دينهم الباطل.

стр. 359

[الوجه الثاني من دلائل الإجماع] الوجه الثاني من دلائل الإجماع (١) أن هذه القاعدة، قد أمر بها غير واحد، من الصحابة والتابعين، في أوقات متفرقة، وقضايا متعددة، وانتشرت ولم ينكرها منكر. فعن قيس بن أبي حازم (٢) قال: " دخل أبو بكر الصديق ﵁، على امرأة من أحمس (٣) يقال لها: زينب (٤) فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي! فإن هذا لا يحل، هذا عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش؟ قال: إنك لسؤول! وقال: أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت لكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومكم رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ ! قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس " رواه البخاري في صحيحه (٥) .

стр. 360

فأخبر أبو بكر: أن الصمت المطلق لا يحل، وعقب ذلك بقوله: هذا من عمل الجاهلية، قاصدا بذلك عيب هذا العمل، وذمه (١) . وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علة، ولم يشرع في الإسلام. فيدخل في هذا: كل ما اتخذ من عبادة، مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوه عنه بعينه، كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] (٢) . والمكاء: الصفير ونحوه. والتصدية: التصفيق. فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية، الذي لم يشرع في الإسلام. وكذلك: بروز المحرم وغيره للشمس، حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف بالثياب المتقدمة (٣) أو ترك كل (٤) ما عمل في غير الحرم، ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عبادات، وإن كان قد جاء نهي خاص في

стр. 361

عامة هذه الأمور، بخلاف السعي بين الصفا والمروة، وغيره من شعائر الحج، فإن ذلك من شعائر الله، وإن كان أهل الجاهلية قد كانوا يفعلون ذلك في الجملة. وقد قدمنا ما رواه البخاري في صحيحه، عن عمر بن الخطاب: أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: " إياكم وزي أهل الشرك " (١) . وهذا نهي منه للمسلمين عن كل ما كان من زي المشركين. وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا يزيد (٢) حدثنا عاصم (٣) عن أبي عثمان النهدي، عن عمر أنه قال: " اتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، والبسوا الخفاف، والسراويلات، والقوا الركب، وانزوا نزوا، وعليكم بالمعدية، وارموا الأغراض، وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله ﷺ قد نهى عنه، وقال: «لا تلبسوا من الحرير، إلا ما كان هكذا "، وأشار رسول الله ﷺ بإصبعيه» (٤) .

стр. 362

وقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى (١) حدثنا زهير، حدثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: " جاءنا كتاب عمر ﵁، ونحن بأذربيجان: يا عتبة بن فرقد (٢) إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ : «نهانا عن لبوس الحرير وقال: " إلا هكذا " ورفع لنا رسول الله ﷺ ، أصبعيه» (٣) وهذا ثابت على شرط الصحيحين (٤) . وفيه: أن عمر ﵁ أمر بالمعدية، وهي زي (٥) بني معد بن عدنان، وهم العرب، فالمعدية نسبة إلى معد، ونهى عن زي العجم وزي المشركين، وهذا عام كما لا يخفى، وقد تقدم هذا مرفوعا. والله أعلم به. وروى الإمام أحمد في المسند: حدثنا أسود بن عامر (٦) حدثنا حماد بن

стр. 363

سلمة عن أبي سنان (١) عن عبيد بن آدم (٢) وأبي مريم (٣) وأبي (٤) شعيب (٥) أن عمر كان بالجابية - فذكر فتح بيت المقدس - قال حماد بن سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم قال: " سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول لكعب: أين ترى أن أصلي، فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال: عمر ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ ، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس (٦) .

стр. 364

قلت: صلاة النبي الله ﷺ في مسجد بيت المقدس في ليلة الإسراء: قد رواها مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت (١) عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال-: فركبته حتى أتيت المقدس. قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء. قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال: جبريل ﵇: اخترت الفطرة. قال: ثم عرج بنا إلى السماء» (٢) وذكر الحديث. وقد كان حذيفة بن اليمان ﵁ ينكر أن يكون صلى فيه؛ لأنه لم يبلغه ذلك، واعتقد أنه لو صلى فيه لوجب على الأمة الصلاة فيه. فعمر ﵁ عاب على كعب (٣) مضاهاة اليهودية، أي مشابهتها في مجرد استقبال الصخرة؛ لما فيه من مشابهة من يعتقدها قبلة باقية، وإن كان المسلم لا يقصد أن يصلي إليها. وقد كان لعمر ﵁ في هذا الباب من السياسات المحكمة، ما هي مناسبة لسائر سيرته المرضية، فإنه ﵁ هو الذي استحالت ذنوب الإسلام بيده غربا، فلم يفر عبقري فريه، حتى صدر الناس

стр. 365

بعطن (١) فأعز (٢) الإسلام، وأذل الكفر وأهله، وأقام شعار (٣) الدين الحنيف، ومنع من كل أمر فيه تذرع (٤) إلى نقض عرى الإسلام، مطيعا في ذلك لله ورسوله، وقافا عند كتاب الله، ممتثلا لسنة رسول الله ﷺ ، محتذيا حذو صاحبيه، مشاورا في أموره للسابقين الأولين، مثل: عثمان وعلي وطلحة (٥) والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃، وغيرهم، ممن له علم، أو فقه، أو رأي، أو نصيحة للإسلام وأهله.

стр. 366

حتى إن العمدة في الشروط على أهل الكتاب على شروطه، وحتى منع من (١) استعمال كافر أو ائتمانه على أمر الأمة، وإعزازه بعد إذ أذله الله، حتى روي عنه أنه حرق الكتب العجمية وغيرها. وهو الذي منع أهل البدع من أن ينبغوا، وألزمهم (٢) ثوب الصغار، حيث فعل بصبيغ بن عسل التميمي ما فعل في قصته المشهورة (٣) . وسيأتي عنه (٤) إن شاء الله تعالى، في خصوص أعياد الكفار، من النهي عن الدخول عليهم فيها، ومن النهي عن تعلم رطانة الأعاجم، ما يبين (٥) به (٦) قوة شكيمته، في النهي عن مشابهة الكفار والأعاجم، ثم ما كان عمر قد قرره من السنن والأحكام والحدود. فعثمان ﵁، أقر ما فعله عمر، وجرى على سنته في ذلك، فقد علم موافقة عثمان لعمر في هذا الباب.

стр. 367

وروى سعيد (١) في سننه: حدثنا هشيم، عن خالد الحذاء (٢) عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب (٣) عن أبيه (٤) قال: " خرج علي رضي (٥) الله عنه، فرأى قوما قد سدلوا، فقال: ما لهم؟ كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم " (٦) . ورواه ابن المبارك وحفص بن غياث (٧) عن خالد. وفيه: " أنه رأى قوما قد سدلوا في الصلاة، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهورهم (٨) " (٩) .

стр. 368

وقد روينا عن ابن عمر وأبي هريرة: " أنهما كانا يكرهان السدل في الصلاة (١) . وقد روى أبو داود، عن سليمان الأحول (٢) وعسل (٣) بن سفيان (٤) عن عطاء، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه» (٥) . ومنهم من رواه عن عطاء، عن النبي ﷺ مرسلا، لكن قال هشيم: حدثنا عامر الأحول (٦) قال: " سألت عطاء عن السدل في الصلاة،

стр. 369

فكرهه. فقلت: عن النبي ﷺ ؟ قال: عن النبي ﷺ " (١) والتابعي إذا أفتى (٢) بما رواه دل على ثبوته عنده. لكن قد روي عن عطاء، من وجوه جيدة: أنه كان لا يرى بالسدل بأسا، وأنه كان يصلي سادلا (٣) فلعل هذا كان قبل أن يبلغه الحديث، ثم لما بلغه رجع، أو لعله نسي الحديث، والمسألة مشهورة، وهو: عمل الراوي بخلاف روايته، هل يقدح فيها؟ (٤) . والمشهور عن أحمد وأكثر العلماء: أنه (٥) لا يقدح فيها؛ لما تحتمله المخالفة من وجوه غير ضعف الحديث. وقد روى عبد الرزاق عن، بشر بن رافع، عن يحيى بن

стр. 370

أبي (١) كثير (٢) عن أبي عبيدة بن عبد الله (٣) " أن أباه كره السدل في الصلاة " (٤) . قال أبو عبيدة: «وكان أبي يذكر أن النبي ﷺ نهى عنه» (٥) . وأكثر العلماء يكرهون السدل مطلقا. وهو مذهب أبي حنيفة (٦) والشافعي (٧) والمشهور عن أحمد (٨) . وعنه أنه (٩) إنما (١٠)

стр. 371

يكرهه (١) فوق الإزار دون القميص؛ توفيقا بين الآثار في ذلك، وحملا للنهي على (٢) لباسهم المعتاد. ثم اختلف: هل السدل محرم يبطل الصلاة؟ . فقال ابن أبي موسى (٣) فإن صلى سادلا، ففي الإعادة روايتان، أظهرهما: لا يعيد. وقال أبو بكر عبد العزيز (٤) " إن لم تبد عورته؛ فلا (٥) يعيد باتفاق. ومنهم من لم يكره السدل، وهو قول مالك (٦) وغيره. والسدل المذكور هو أن يطرح الثوب على أحد كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على كتفه الآخر (٧) هذا هو المنصوص عن أحمد، وعلله: بأنه فعل اليهود، وقال حنبل (٨) " قال أبو عبد الله: والسدل أن يسدل (٩) أحد طرفي الإزار ولا ينعطف به عليه، وهو لبس اليهود، وهو على الثوب

стр. 372

وغيره (١) مكروه السدل (٢) في الصلاة " (٣) . وقال صالح بن أحمد: " سألت أبي عن السدل في الصلاة؟ فقال: يلبس الثوب، فإذا لم يطرح أحد طرفيه على الآخر، فهو السدل " (٤) . وهذا هو الذي (٥) عليه عامة العلماء. وأما ما ذكره أبو الحسن الآمدي (٦) وابن عقيل (٧) من أن السدل هو إسبال الثوب بحيث ينزل عن (٨) قدميه ويجره، فيكون هو إسبال الثوب، وجره المنهي عنه؛ فغلط مخالف لعامة العلماء وإن كان الإسبال والجر منهيا عنه بالاتفاق والأحاديث فيه أكثر، وهو محرم على الصحيح، لكن ليس هو السدل.

стр. 373

وليس الغرض (١) عين هذه المسألة، وإنما الغرض أن عليا ﵁ شبه السادلين باليهود، مبينا بذلك كراهة فعلهم، فعلم أن مشابهة اليهود: أمر كان قد استقر عندهم كراهته. وفُهر اليهود - بضم الفاء -: مدارسهم. وأصلها: بهر (٢) وهي عبرانية فعربت، هكذا ذكره الجوهري (٣) وكذلك ذكر ابن فارس (٤) وغيره: أن فهر اليهود: مدارسهم. وفي (العين) عن الخليل بن أحمد (٥) أن (٦) فهر اليهود: مدارسهم. وسنذكر عن علي ﵁، من كراهة التكلم بكلامهم، ما يؤيد (٧) هذا، وما (٨) في الحديث المذكور من النهي عن تغطية الفم، فقد علله بعضهم

стр. 374

بأنه فعل المجوس عند نيرانهم التي يعبدونها، فعلى هذا: تظهر (١) مناسبة الجمع بين النهي عن السدل، وعن تغطية الفم، بما في كلاهما (٢) من مشابهة الكفار، مع أن في كل منهما معنى آخر يوجب الكراهة، ولا محذور في تعليل الحكم بعلتين. فهذا عن الخلفاء الراشدين، وأما سائر الصحابة ﵃ فكثير، مثل: ما قدمناه عن حذيفة بن اليمان: أنه لما دعي إلى وليمة فرأى شيئا من زي العجم خرج وقال: " من تشبه بقوم فهو منهم " (٣) . وروى أبو محمد الخلال (٤) بإسناده عن عكرمة (٥) عن ابن عباس ﵄ قال: " سأله رجل: أحتقن؟ قال: لا تبد (٦) العورة، ولا تستن بسنة المشركين ". فقوله: " لا تستن بسنة المشركين " (٧) عام.

стр. 375

وقال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي (١) حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا الحجاج بن حسان (٢) قال: " دخلنا على أنس بن مالك فحدثني أخي (٣) المغيرة (٤) قال: وأنت يومئذ غلام، ولك قرنان، أو قصتان، فمسح رأسك وبرك عليك وقال: احلقوا هذين، أو قصوهما (٥) فإن هذا زي اليهود (٦) " (٧) علل النهي عنهما بأن ذلك زي اليهود، وتعليل النهي بعلة يوجب أن تكون العلة مكروهة (٨) مطلوب عدمها، فعلم أن زي اليهود - حتى في الشعر - مما يطلب عدمه، وهو المقصود.

стр. 376

وروى ابن أبي عاصم (١) حدثنا وهب بن بقية (٢) حدثنا خالد الواسطي (٣) عن عمران بن حدير (٤) عن أبي مجلز (٥) أن معاوية قال: " إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهم " (٦) . يشير معاوية إلى ما رواه مسلم في صحيحه، عن فضالة بن عبيد (٧) «أنه

стр. 377

أمر بقبر فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها» (١) . رواه مسلم (٢) . وعن (٣) علي أيضا قال: «أمرني النبي (٤) ﷺ أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته» (٥) . رواه مسلم. وسنذكر - إن شاء الله تعالى - عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: " من بنى ببلاد المشركين، وصنع نيروزهم، ومهرجانهم، حتى يموت: حشر معهم يوم القيامة " (٦) . وقد ثبت عن عائشة ﵂: أنها كرهت الاختصار في الصلاة، وقالت (٧) " لا تشبهوا باليهود ". هكذا رواه بهذا اللفظ (٨) سعيد بن منصور،

стр. 378

حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم (١) عن مسروق، عن عائشة، وقد تقدم من رواية البخاري في المرفوعات (٢) . وروى سعيد، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح (٣) عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب (٤) قال: " دخلت مع ابن عمر مسجدا بالجحفة، فنظر إلى شرافات، فخرج إلى موضع فصلى فيه، ثم قال لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا - يعني الشرافات (٥) - شبهتها بأنصاب الجاهلية، فمر (٦) بها أن تكسر " (٧) . وروى سعيد أيضا عن ابن مسعود: أنه كان يكره الصلاة في

стр. 379

الطاق (١) وقال: " إنه في (٢) الكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب " (٣) . وعن عبيد بن أبي الجعد (٤) قال: " كان أصحاب محمد ﷺ يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المسجد " (٥) . يعني الطاقات. وهذا الباب فيه كثرة عن الصحابة. وهذه القضايا التي ذكرناها: بعضها في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحدا خالف ما ذكرناه عن الصحابة ﵃، من كراهة التشبه بالكفار والأعاجم في الجملة، وإن كان بعض هذه المسائل المعينة فيها خلاف وتأويل ليس هذا موضعه. وهذا كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة (٦) وإن كان قد يختلف في بعض أعيان المسائل لتأويل (٧) . فعلم اتفاقهم على كراهة التشبه بالكفار والأعاجم.

стр. 380

[الوجه الثالث في تقرير الإجماع] الوجه الثالث في تقرير الإجماع ما ذكره عامة علماء الإسلام من المتقدمين، والأئمة المتبوعين وأصحابهم، في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو مخالفة النصارى (١) أو مخالفة الأعاجم، وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه، وما من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة، وهذا بعد التأمل والنظر، يورث علما ضروريا، باتفاق الأئمة، على النهي عن موافقة الكفار والأعاجم، والأمر بمخالفتهم. وأنا أذكر من ذلك (٢) نكتا في مذاهب الأئمة المتبوعين اليوم، مع ما تقدم في أثناء الكلام عن غير واحد من العلماء. فمن ذلك أن الأصل المستقر عليه (٣) في مذهب أبي حنيفة أن تأخير الصلاة أفضل من تعجيلها، إلا في مواضع يستثنونها، كاستثناء يوم الغيم، وكتعجيل الظهر في الشتاء - وإن كان غيرهم من العلماء يقول (٤) الأصل أن التعجيل أفضل - فيستحبون تأخير الفجر (٥) والعصر، والعشاء والظهر، إلا في الشتاء في غير الغيم (٦) . ثم قالوا: يستحب تعجيل المغرب؛ لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود، وهذا أيضا قول سائر الأئمة (٧) وهذه العلة منصوصة (٨) كما تقدم.

стр. 381

وقالوا أيضا: يكره السجود في الطاق؛ لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب، من حيث تخصيص الإمام بالمكان، بخلاف ما إذا كان سجوده في الطاق، وهذا أيضا ظاهر مذهب أحمد وغيره (١) وفيه آثار صحيحة عن الصحابة: ابن مسعود، وغيره (٢) . وقالوا: لا بأس أن يصلي وبين يديه مصحف معلق، أو سيف معلق؛ لأنهما لا يعبدان؛ وباعتباره: تثبت (٣) الكراهة (٤) ولا بأس أن يصلي على بساط فيه تصاوير؛ لأن فيه استهانة بالصورة، ولا يسجد على التصاوير (٥) ؛ لأنه يشبه عبادة الصور، وأطلق الكراهة في الأصل؛ لأن المصلي معظم (٦) . قالوا: ولو لبس ثوبا فيه تصاوير كره (٧) ؛ لأنه يشبه (٨) حامل الصنم، ولا يكره تماثيل (٩) غير ذوي الروح؛ لأنه لا يعبد (١٠) .

стр. 382

وقالوا (١) أيضا: إن صام يوم الشك ينوى أنه من رمضان، كره؛ لأنه تشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم زادوا في مدة صومهم. وقالوا: فإذا غربت الشمس، أفاض الإمام والناس معه على هيئتهم حتى يأتوا مزدلفة؛ لأن فيه إظهار مخالفة المشركين. وقالوا أيضا لا يجوز الأكل والشرب والإدهان والتطيب في آنية الذهب والفضة، للرجال والنساء؛ للنصوص، ولأنه تشبه بزي المشركين، وتنعم بتنعم المترفين والمسرفين (٢) . وقالوا في تعليل المنع من لباس الحرير في حجة أبي يوسف (٣) ومحمد (٤) على أبي حنيفة، في المنع من افتراشه وتعليقه والستر به؛ لأنه من زي الأكاسرة، والجبابرة، والتشبه بهم حرام. قال عمر: " إياكم وزي الأعاجم " (٥) وقال محمد في الجامع الصغير:

стр. 383

" ولا يتختم إلا بالفضة " (١) . قالوا: وهذا نص على أن التختم بالحجر والحديد والصفر، حرام؛ للحديث المأثور: «أن (٢) النبي ﷺ رأى على رجل خاتم صفر (٣) فقال: " مالي أجد منك ريح الأصنام؟» (٤) «ورأى على آخر خاتم حديد فقال: " ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟» (٥) . ومثل هذا كثير في مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وأما مذهب مالك وأصحابه، ففيه ما هو أكثر من ذلك، حتى قال مالك فيما رواه ابن القاسم (٦) في المدونة: " لا يحرم بالأعجمية، ولا يدعو بها،

стр. 384

ولا يحلف " (١) . قال: " ونهى عمر ﵁ عن رطانة الأعاجم وقال: " إنها خب " (٢) . قال: " وأكره الصلاة إلى حجر منفرد في الطريق وأما أحجار (٣) كثيرة فجائز " (٤) . قال: " ويكره ترك العمل يوم الجمعة كفعل أهل الكتاب يوم (٥) السبت والأحد " (٦) . قال: " ويقال: من تعظيم الله تعظيم ذي الشيبة المسلم (٧) قيل: " فالرجل يقوم للرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك، ولا بأس بأن (٨) يوسع له في مجلسه ". قال: " وقيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة، وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا، فليس هذا من فعل الإسلام، وهو فيما ينهى عنه

стр. 385

من التشبه بأهل الكتاب والأعاجم "، وفيما ليس من عمل المسلمين، أشد من (١) عمل الكوفيين وأبلغ، (٢) مع (٣) أن الكوفيين يبالغون في هذا الباب، حتى تكلم أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم. وقال بعض أصحاب مالك: من ذبح بطيخة في أعيادهم (٤) فكأنما ذبح خنزيرا. وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا هذا الأصل في غير موضع من مسائلهم، مما (٥) جاءت به الآثار، كما ذكر غيرهم من العلماء، مثل ما ذكروه في النهي عن الصلوات في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها - مثل طلوع الشمس وغروبها - ذكروا تعليل ذلك بأن (٦) المشركين يسجدون للشمس حينئذ، كما في الحديث: «إنها ساعة يسجد لها الكفار» (٧) . وذكروا في السحور وتأخيره: أن ذلك فرق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب. وذكروا في اللباس: النهي عما فيه تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال. وذكروا أيضا: ما جاء من أن المشركين كانوا يقفون بعرفات إلى اصفرار الشمس، ويفيضون من جمع بعد طلوع الشمس، وأن السنة جاءت بمخالفة

стр. 386

المشركين في ذلك بالتعريف إلى الغروب، والوقوف بجمع إلى قبيل طلوع الشمس، كما جاء في الحديث: «خالفوا المشركين» (١) و «خالف هدينا هدي المشركين» (٢) . وذكروا أيضا: الشروط (٣) على أهل الذمة، منعهم (٤) عن التشبه بالمسلمين في لباسهم وغيره (٥) مما يتضمن منع المسلمين أيضا من مشابهتهم في ذلك تفريقا بين علامة المسلمين وعلامة الكفار. وبالغ طائفة منهم، فنهوا عن التشبه بأهل البدع، فيما (٦) كان شعارا لهم، وإن كان (٧) مسنونا، كما ذكره طائفة منهم في تسنيم القبور، فإن مذهب الشافعي: أن الأفضل تسطيحها (٨) . ومذهب أحمد وأبي حنيفة: أن الأفضل تسنيمها (٩) . ثم قال طائفة من أصحاب الشافعي: بل ينبغي تسنيمها في هذه الأوقات؛ لأن الرافضة تسطحها (١٠) ففي تسطيحها تشبه بهم فيما (١١) هو شعار لهم.

стр. 387

وقالت طائفة: بل نحن نسطحها، فإذا سطحناها لم يكن تسطيحها شعارا لهم. فاتفقت الطائفتان على (١) النهي عن التشبه بأهل البدع فيما هو شعار لهم، وإنما تنازعوا (٢) في أن التسطيح: هل يحصل به ذلك أم لا؟ فإن كان هذا في التشبه بأهل البدع، فكيف بالكفار؟ وأما كلام أحمد وأصحابه في ذلك فكثير جدا، أكثر من أن يحصر، قد قدمنا منه طائفة من كلامه عند ذكر النصوص، عند قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣) وقوله: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى؛ لا تشبهوا بالمشركين» (٤) وقوله: «إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٥) . مثل قول أحمد: " ما أحب لأحد إلا أن (٦) يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب " (٧) وقال لبعض أصحابه: " أحب لك أن تخضب ولا تشبه باليهود " (٨) وكره حلق القفا. وقال: " هو من فعل المجوس (٩) ومن تشبه بقوم فهو منهم ". وقال: " أكره النعل الصرار، وهو من زي العجم " (١٠) .

стр. 388

وكره تسمية الشهور بالعجمية (١) والأشخاص بالأسماء الفارسية، مثل: آذرماه. وقال للذي دعاه: زي المجوس، زي المجوس؟ ونفض يده في وجهه (٢) وهذا كثير في نصوصه (٣) لا يحصر. وقال حرب الكرماني: " قلت لأحمد: الرجل يشد وسطه بحبل ويصلي؟ قال: على القباء لا بأس به. وكرهه على القميص، وذهب إلى أنه من زي (٤) اليهود، فذكرت له السفر، وأنا نشد ذلك على أوساطنا، فرخص فيه قليلا، وأما المنطقة والعمامة ونحو ذلك، فلم يكرهه، إنما كره الخيط، وقال: هو أشنع " (٥) . قلت: وكذلك كره أصحابه أن يشد وسطه على الوجه الذي يشبه فعل أهل الكتاب. فأما ما سوى ذلك: فإنه لا يكره في الصلاة على الصحيح المنصوص، بل يؤمر من صلى في قميص واسع الجيب أن يحتزم، كما جاء في الحديث (٦) ؛ لئلا يرى عورة نفسه. وقال الفقهاء من أصحاب الإمام (٧) أحمد وغيره، منهم: القاضي أبو يعلى، وابن عقيل، والشيخ أبو محمد عبد القادر

стр. 389

الجيلي (١) وغيرهم؛ في أصناف اللباس وأقسامه: ومن اللباس المكروه: ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعادتهم. ولفظ عبد القادر: " ويكره كل ما خالف زي العرب، وشابه زي الأعاجم " (٢) . وقال أيضا أصحاب أحمد وغيرهم منهم أبو الحسن الآمدي، المعروف بابن البغدادي - وأظنه نقله أيضا عن أبي عبد الله بن حامد -: " ولا يكره غسل اليدين في الإناء الذي أكل فيه؛ لأن النبي ﷺ فعله، وقد نص أحمد على ذلك، وقال: لم يزل العلماء يفعلون ذلك ونحن نفعله، وإنما تنكره العامة "، وغسل اليدين بعد الطعام مسنون، رواية واحدة (٣) . وإذا قدم ما يغسل فيه اليد، فلا يرفع حتى يغسل الجماعة أيديها (٤) ؛ لأن الرفع من زي الأعاجم، وكذلك قال (٥) الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي: " ويستحب أن يجعل ماء اليد (٦) في طست (٧)

стр. 390

واحد (١) لما روي في الخبر: " لا تبددوا يبدد الله شملكم " (٢) . وروي أنه ﷺ : «نهى أن يرفع الطست (٣) حتى يطف» يعني يمتلئ. وقالوا أيضا - ومنهم أبو محمد (٤) عبد القادر - في تعليل كراهة حلق الرأس، على إحدى الروايتين: لأن في ذلك تشبها بالأعاجم (٥) وقال ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» (٦) . بل قد ذكر طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: كراهة أشياء؛ لما فيها من التشبه بأهل البدع، مثل ما قال غير واحد من الطائفتين - ومنهم عبد القادر -: " ويستحب أن يتختم في يساره؛ للآثار، ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة " (٧) . وحتى إن طوائف من أصحاب الشافعي، استحبوا تسنيم القبور، وإن كانت السنة عندهم تسطيحها؛ قالوا: لأن ذلك صار شعارا للمبتدعة. وليس الغرض هنا (٨) تقرير أعيان هذه المسائل، ولا الكلام على ما قيل فيها بنفي ولا إثبات، وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغير أهل الإسلام.
следующие страницы →