← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المشركين في ذلك بالتعريف إلى الغروب، والوقوف بجمع إلى قبيل طلوع الشمس، كما جاء في الحديث: «خالفوا المشركين» (١) و «خالف هدينا هدي المشركين» (٢) . وذكروا أيضا: الشروط (٣) على أهل الذمة، منعهم (٤) عن التشبه بالمسلمين في لباسهم وغيره (٥) مما يتضمن منع المسلمين أيضا من مشابهتهم في ذلك تفريقا بين علامة المسلمين وعلامة الكفار. وبالغ طائفة منهم، فنهوا عن التشبه بأهل البدع، فيما (٦) كان شعارا لهم، وإن كان (٧) مسنونا، كما ذكره طائفة منهم في تسنيم القبور، فإن مذهب الشافعي: أن الأفضل تسطيحها (٨) . ومذهب أحمد وأبي حنيفة: أن الأفضل تسنيمها (٩) . ثم قال طائفة من أصحاب الشافعي: بل ينبغي تسنيمها في هذه الأوقات؛ لأن الرافضة تسطحها (١٠) ففي تسطيحها تشبه بهم فيما (١١) هو شعار لهم.

стр. 387

وقالت طائفة: بل نحن نسطحها، فإذا سطحناها لم يكن تسطيحها شعارا لهم. فاتفقت الطائفتان على (١) النهي عن التشبه بأهل البدع فيما هو شعار لهم، وإنما تنازعوا (٢) في أن التسطيح: هل يحصل به ذلك أم لا؟ فإن كان هذا في التشبه بأهل البدع، فكيف بالكفار؟ وأما كلام أحمد وأصحابه في ذلك فكثير جدا، أكثر من أن يحصر، قد قدمنا منه طائفة من كلامه عند ذكر النصوص، عند قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣) وقوله: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى؛ لا تشبهوا بالمشركين» (٤) وقوله: «إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٥) . مثل قول أحمد: " ما أحب لأحد إلا أن (٦) يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب " (٧) وقال لبعض أصحابه: " أحب لك أن تخضب ولا تشبه باليهود " (٨) وكره حلق القفا. وقال: " هو من فعل المجوس (٩) ومن تشبه بقوم فهو منهم ". وقال: " أكره النعل الصرار، وهو من زي العجم " (١٠) .

стр. 388

وكره تسمية الشهور بالعجمية (١) والأشخاص بالأسماء الفارسية، مثل: آذرماه. وقال للذي دعاه: زي المجوس، زي المجوس؟ ونفض يده في وجهه (٢) وهذا كثير في نصوصه (٣) لا يحصر. وقال حرب الكرماني: " قلت لأحمد: الرجل يشد وسطه بحبل ويصلي؟ قال: على القباء لا بأس به. وكرهه على القميص، وذهب إلى أنه من زي (٤) اليهود، فذكرت له السفر، وأنا نشد ذلك على أوساطنا، فرخص فيه قليلا، وأما المنطقة والعمامة ونحو ذلك، فلم يكرهه، إنما كره الخيط، وقال: هو أشنع " (٥) . قلت: وكذلك كره أصحابه أن يشد وسطه على الوجه الذي يشبه فعل أهل الكتاب. فأما ما سوى ذلك: فإنه لا يكره في الصلاة على الصحيح المنصوص، بل يؤمر من صلى في قميص واسع الجيب أن يحتزم، كما جاء في الحديث (٦) ؛ لئلا يرى عورة نفسه. وقال الفقهاء من أصحاب الإمام (٧) أحمد وغيره، منهم: القاضي أبو يعلى، وابن عقيل، والشيخ أبو محمد عبد القادر

стр. 389

الجيلي (١) وغيرهم؛ في أصناف اللباس وأقسامه: ومن اللباس المكروه: ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعادتهم. ولفظ عبد القادر: " ويكره كل ما خالف زي العرب، وشابه زي الأعاجم " (٢) . وقال أيضا أصحاب أحمد وغيرهم منهم أبو الحسن الآمدي، المعروف بابن البغدادي - وأظنه نقله أيضا عن أبي عبد الله بن حامد -: " ولا يكره غسل اليدين في الإناء الذي أكل فيه؛ لأن النبي ﷺ فعله، وقد نص أحمد على ذلك، وقال: لم يزل العلماء يفعلون ذلك ونحن نفعله، وإنما تنكره العامة "، وغسل اليدين بعد الطعام مسنون، رواية واحدة (٣) . وإذا قدم ما يغسل فيه اليد، فلا يرفع حتى يغسل الجماعة أيديها (٤) ؛ لأن الرفع من زي الأعاجم، وكذلك قال (٥) الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي: " ويستحب أن يجعل ماء اليد (٦) في طست (٧)

стр. 390

واحد (١) لما روي في الخبر: " لا تبددوا يبدد الله شملكم " (٢) . وروي أنه ﷺ : «نهى أن يرفع الطست (٣) حتى يطف» يعني يمتلئ. وقالوا أيضا - ومنهم أبو محمد (٤) عبد القادر - في تعليل كراهة حلق الرأس، على إحدى الروايتين: لأن في ذلك تشبها بالأعاجم (٥) وقال ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» (٦) . بل قد ذكر طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: كراهة أشياء؛ لما فيها من التشبه بأهل البدع، مثل ما قال غير واحد من الطائفتين - ومنهم عبد القادر -: " ويستحب أن يتختم في يساره؛ للآثار، ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة " (٧) . وحتى إن طوائف من أصحاب الشافعي، استحبوا تسنيم القبور، وإن كانت السنة عندهم تسطيحها؛ قالوا: لأن ذلك صار شعارا للمبتدعة. وليس الغرض هنا (٨) تقرير أعيان هذه المسائل، ولا الكلام على ما قيل فيها بنفي ولا إثبات، وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغير أهل الإسلام.

стр. 391

وقد يتردد العلماء في بعض فروع هذه القاعدة؛ لتعارض الأدلة فيها، أو لعدم اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة، مثل ما نقله الأثرم (١) قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن لبس الحرير في الحرب؟ فقال: " أرجو أن لا يكون به بأس " (٢) . قال: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن المنطقة والحلية فيها؟ فقال: " أما المنطقة فقد كرهها قوم، يقولون: من (٣) زي العجم (٤) وكانوا يحتجزون العمائم ". وهذا إنما علق القول فيه؛ لأن في المنطقة منفعة عارضت ما فيها من التشبه، ونقل عن بعض السلف أنه كان يتمنطق (٥) فلهذا حكى الكلام عن غيره وأمسك. ومثل هذا: هل يجعل قولا له إذا سئل عن مسألة فحكى فيها جواب غيره ولم يردفه بموافقة ولا مخالفة؟ فيه لأصحابه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه لولا موافقته له (٦) لما لكان قد أجاب السائل (٧) لأنه إنما سأله عن قوله، ولم يسأله أن يحكي له مذاهب (٨) الناس.

стр. 392

والثاني: لا يجعل بمجرد ذلك قولا له؛ لأنه إنما حكاه فقط، ومجرد الحكاية لا يدل على الموافقة. وفي لبس المنطقة أثر (١) وكلام ليس هذا موضعه. ولمثل هذا تردد كلامه في القوس الفارسية، فقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القوس الفارسية؟ فقال: " إنما كانت قسي الناس العربية ". ثم قال: " إن بعض الناس احتج بحديث عمر ﵁: (جعاب وأدم) (٢) ". قلت: حديث أبي عمرو بن حماس (٣) ؟ قال: " نعم " (٤) . قال: أبو عبد الله يقول: " فلا تكون جعبة إلا للفارسية (٥) والنبل فإنما هو قرن ". قال الأثرم، قلت لأبي عبد الله: في تفسير مجاهد: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] (٦) قال: " كالجعبة للنبل " (٧) قال: " فإن كان يسمي جعبة للنبل، فليس ما احتج به الذي قال هذا بشيء "، ثم قال: " ينبغي أن يسأل عن هذا أهل العربية ".

стр. 393

قال أبو بكر: قيل لأبي عبد الله: الدراعة يكون (١) لها فرج؟ فقال: " كان لخالد (٢) بن معدان دراعة لها فرج من بين يديها قدر ذراع " قيل لأبي عبد الله: فيكون لها فرج من خلفها؟ قال: " ما أدري، أما من بين يديها فقد سمعت، وأما من خلفها فلم أسمع " قال: إلا أن في ذلك سعة له عند الركوب (٣) ومنفعة ". قال: " وقد احتج بعض الناس في هذا بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٤) قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: واحتج بهذه الآية بعض الناس في القوس الفارسية، ثم قلت: إن أهل خراسان يزعمون أنه لا منفعة لهم في القوس العربية، وإنما النكاية عندهم للفارسية (٥) قال: " كيف؟ ! وإنما فتحت الدنيا بالعربية ". قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ورأيتهم بالثغر لا يكادون يعدلون بالفارسية، قال: " إنما رأيت الرجل بالشام متنكبا قوسا عربية " (٦) . وروى الأثرم، عن حفص بن عمر (٧) حدثنا رجاء بن مرجى (٨)

стр. 394

حدثني عبد الله بن بشر (١) عن أبي راشد الحبراني (٢) وأبي الحجاج السكسكي (٣) عن علي قال: «بينما رسول الله ﷺ يتوكأ على قوس له عربية، إذ رأى رجلا معه قوس فارسية، فقال: " ألقها، فإنها (٤) ملعونة، ولكن عليكم بالقسي (٥) العربية، وبرماح القنا، فبها يؤيد الله الدين، وبها يمكن لكم في الأرض» (٦) . ولأصحابنا في القوس الفارسية ونحوها كلام طويل، ليس هذا موضعه، وإنما نبهت بذلك على أن ما لم يكن من هدي المسلمين، بل هو (٧) من هدي العجم أو نحوهم، وإن ظهرت فائدته، ووضحت منفعته، تراهم يترددون فيه، ويختلفون؛ لتعارض الدليلين: دليل ملازمة الهدي الأول، ودليل

стр. 395

استعمال هذا الذي فيه منفعة بلا مضرة، مع أنه ليس من العبادات (١) وتوابعها، وإنما هو من الأمور الدنيوية، وأنت ترى عامة كلام أحمد إنما يثبت الرخصة بالأثر عن عمر، أو بفعل خالد بن معدان (٢) ليثبت بذلك أن ذلك كان يفعل على عهد السلف، ويقرون عليه، فيكون من هدي المسلمين، لا من هدي الأعاجم وأهل الكتاب، فهذا هو وجه الحجة، لا أن مجرد فعل خالد بن معدان حجة. وأما ما في هذا الباب عن سائر أئمة المسلمين، من الصحابة والتابعين وسائر الفقهاء، فأكثر من أن يمكن ذكر عشره، وقد قدمنا في أثناء الأحاديث كلام بعضهم الذي يدل على كلام الباقين، وبدون ما ذكرناه يعلم إجماع الأمة على كراهة التشبه بأهل الكتاب والأعاجم في الجملة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض الفروع، إما لاعتقاد بعضهم أنه ليس من هدي الكفار، أو لاعتقاد أن فيه دليلا راجحا، أو لغير ذلك، كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة، وإن كان قد يخالف بعضهم شيئا من ذلك لنوع تأويل. والله سبحانه أعلم.

стр. 396

[فصل في الأمر بمخالفة الشياطين] فصل ومما يشبه الأمر بمخالفة الكفار: الأمر بمخالفة الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها» (١) . وفي لفظ: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٢) ورواه مسلم أيضا عن الليث عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال» (٣) فإنه علل النهي عن الأكل والشرب بالشمال: بأن الشيطان يفعل ذلك؛ فعلم أن مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به، ونظائره كثيرة. وقريب من هذا: مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب ونحوهم؛ لأن كمال الدين: الهجرة (٤) فكان من آمن ولم يهاجر من الأعراب ونحوهم - ناقصا، قال الله : ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] (٥) .

стр. 397

وذلك مثل (١) ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تغلبنكم (٢) الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل» . وفي لفظ: أن النبي ﷺ قال: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله: العشاء، فإنها تعتم بحلاب الإبل» (٣) . وروى البخاري، عن عبد الله بن مغفل (٤) عن النبي ﷺ قال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب " قال (٥) " والأعراب تقول: هي: العشاء» (٦) . فقد كره موافقة الأعراب في اسم (٧) المغرب والعشاء، بالعشاء والعتمة، وهذه الكراهة عند بعض علمائنا تقتضي كراهة هذا الاسم مطلقا، وعند بعضهم

стр. 398

إنما تقتضي (١) كراهة الإكثار منه، حتى يغلب على الاسم الآخر، وهو المشهور عندنا. وعلى التقديرين: ففي الحديث النهي عن موافقة الأعراب في ذلك، كما نهى عن موافقة الأعاجم.

стр. 399

[فصل في الفرق بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم] [الناس ينقسمون إلى بر وفاجر ومؤمن وكافر ولا عبرة بالنسب] فصل واعلم أن بين التشبه بالكفار والشياطين، وبين التشبه بالأعراب والأعاجم فرقا يجب اعتباره، وإجمالا يحتاج إلى تفسير، وذلك: أن نفس الكفر والتشيطن مذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين، ونفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله تعالى وعند رسوله وعند عباده المؤمنين، بل الأعراب منقسمون: إلى أهل جفاء، قال الله فيهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧ - ٩٨] (١) . وقال تعالى فيهم: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا - بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١١ - ١٢] (٢) . وإلى أهل إيمان وبر، قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] (٣) .

стр. 400

وقد كان في أصحاب رسول الله ﷺ ممن وفد عليه ومن غيرهم من الأعراب، من هو أفضل من كثير من القرويين (١) . فهذا كتاب الله يحمد بعض الأعراب، ويذم بعضهم، وكذلك فعل بأهل الأمصار، فقال سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] (٢) فبين أن المنافقين في الأعراب وذوي القرى، وعامة سورة التوبة فيها الذم للمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب، كما فيها الثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وعلى الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول. وكذلك العجم وهم من سوى العرب من الفرس والروم والترك والبربر والحبشة وغيرهم ينقسمون إلى المؤمن والكافر، والبر والفاجر، كانقسام الأعراب (٣) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] (٤) . وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله قد أذهب عنكم عبية (٥) الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب» (٦) .

стр. 401

وفي حديث آخر رويناه بإسناد صحيح من حديث سعيد الجريري (١) عن أبي نضرة (٢) حدثني - أو قال حدثنا - من شهد خطبة النبي ﷺ بمنى في وسط أيام التشريق، وهو على بعير، فقال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ألا لا فضل لأسود على أحمر إلا بالتقوى، ألا قد بلغت؟ "، قالوا: نعم. قال: " ليبلغ الشاهد الغائب» (٣) . وروي هذا الحديث عن أبي نضرة عن جابر. وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحو المؤمنين» (٤) .

стр. 402

فأخبر ﷺ عن بطن قريب النسب: أنهم ليسوا بمجرد النسب أولياءه، إنما وليه الله وصالحو المؤمنين من جميع الأصناف. ومثل ذلك كثير بين في الكتاب والسنة، أن العبرة بالأسماء التي (١) حمدها الله وذمها، كالمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والعالم والجاهل. ثم قد جاء الكتاب والسنة بمدح بعض الأعاجم، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: ٢ - ٣] (٢) . وفي الصحيحين، عن (٣) أبي الغيث (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: «كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قال قائل: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي (٥) فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان ثم قال: " لو كان

стр. 403

الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء» (١) . وفي صحيح مسلم، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال: من أبناء فارس - حتى يتناوله» (٢) . وفي رواية ثالثة: «لو كان العلم عند الثريا لتناوله رجال من أبناء فارس» (٣) " (٤) . وقد روى الترمذي عن أبي هريرة، «عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] " أنهم من أبناء فارس» (٥) إلى غير ذلك من آثار رويت في فضل رجال من أبناء فارس. ومصداق ذلك ما وجد في التابعين ومن بعدهم، من أبناء فارس الأحرار والموالي، مثل الحسن (٦) وابن سيرين وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم، إلى من وجد بعد ذلك فيهم من المبرزين في الإيمان والدين والعلم، حتى صار هؤلاء المبرزون (٧) أفضل من أكثر العرب.

стр. 404

وكذلك في سائر أصناف العجم من الحبشة والروم والترك، وبينهم (١) سابقون في الإيمان والدين (٢) لا يحصون كثرة، على ما هو معروف عند العلماء؛ إذ (٣) الفضل الحقيقي: هو اتباع ما بعث الله به محمدا ﷺ من الإيمان والعلم باطنا وظاهرا، فكل من كان فيه أمكن: كان أفضل. والفضل إنما هو بالأسماء المحمودة في الكتاب والسنة مثل: الإسلام، والإيمان، والبر، والتقوى، والعلم، والعمل الصالح، والإحسان، ونحو ذلك، لا بمجرد كون الإنسان عربيا، أو عجميا، أو أسود، أو أبيض، ولا بكونه قرويا، أو بدويا. وإنما وجه النهي عن مشابهة الأعراب والأعاجم مع ما ذكرناه من الفضل فيهم، وعدم العبرة بالنسب والمكان مبني على أصل، وذلك: أن الله جعل سكنى القرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين، ورقة القلوب، ما لا يقتضيه سكنى البادية، كما أن البادية توجب من صلابة البدن والخلق، ومتانة الكلام مالا يكون في القرى، هذا هو الأصل. وإن جاز تخلف هذا المقتضى لمانع، وكانت البادية أحيانا أنفع من القرى، وكذلك (٤) جعل الله الرسل من أهل القرى، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] (٥) وذلك لأن الرسل لهم الكمال في عامة الأمور، حتى في النسب، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] (٦) ذكر هذا بعد

стр. 405

قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ - الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٣ - ٩٧] (١) . فلما ذكر الله المنافقين الذين استأذنوه في (٢) التخلف عن الجهاد في غزوة تبوك، وذمهم وهؤلاء كانوا من أهل المدينة، قال سبحانه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] (٣) فإن الخير كله - أصله وفصله (٤) - منحصر في العلم والإيمان كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] (٥) وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الروم: ٥٦] (٦) . وضد الإيمان: إما الكفر الظاهر، أو النفاق الباطن، ونقيض العلم: عدمه. فقال سبحانه عن الأعراب: إنهم (٧) أشد كفرا ونفاقا من أهل المدينة

стр. 406

وأحرى منهم أن لا يعلموا حدود الكتاب والسنة، والحدود: هي حدود الأسماء المذكورة، فيما أنزل (١) الله من الكتاب والحكمة، مثل: حدود الصلاة والزكاة والصوم والحج، والمؤمن والكافر، والزاني والسارق والشارب، وغير ذلك حتى يعرف من الذي يستحق ذلك الاسم الشرعي ممن لا يستحقه، وما تستحقه مسميات تلك الأسماء: من الأحكام. ولهذا: روى أبو داود وغيره من حديث الثوري (٢) حدثني أبو موسى (٣) عن وهب بن منبه، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال سفيان مرة: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» (٤) . ورواه أبو داود أيضا من حديث الحسن بن الحكم النخعي (٥) عن

стр. 407

عدي بن ثابت (١) عن شيخ من الأنصار، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ بمعناه - وقال «ومن لزم السلطان افتتن» ، وزاد «وما ازداد عبد من السلطان دنوا إلا ازداد من الله بعدا» (٢) ولهذا: كانوا يقولون لمن يستغلظونه: إنك لأعرابي جاف، إنك لجلف جاف، يشيرون إلى غلظ عقله وخلقه. ثم لفظ: (الأعراب) هو في الأصل: اسم لبادية العرب، فإن كل أمة (٣) لها حاضرة وبادية، فبادية العرب: الأعراب، ويقال: إن (٤) بادية الروم: الأرمن ونحوهم (٥) وبادية الفرس: الأكراد ونحوهم (٦) وبادية الترك (٧) التتار. وهذا - والله أعلم - هو الأصل، وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقصان.

стр. 408

والتحقيق: أن سائر (١) سكان البوادي لهم (٢) حكم الأعراب، سواء دخلوا في لفظ الأعراب أو لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة، مثلا. ويقتضي: أن ما انفرد به (٣) البادية عن جميع جنس الحاضرة - أعني في زمن السلف من الصحابة والتابعين - فهو ناقص عن فضل الحاضرة، أو مكروه. فإذا وقع التشبه بهم فيما ليس من فعل الحاضرة المهاجرين، كان ذلك إما مكروها، أو مفضيا إلى مكروه (٤) وهكذا العرب (٥) والعجم. [التفاضل بين جنس العرب وجنس العجم] فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم (٦) وسريانيهم (٧) روميهم وفرسيهم (٨) وغيرهم.

стр. 409

وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم: أفضل قريش، وأن رسول الله ﷺ أفضل بني هاشم. فهو: أفضل الخلق نفسا، وأفضلهم نسبا. وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم، لمجرد كون النبي ﷺ منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت (١) لرسول الله ﷺ : أنه أفضل نفسا ونسبا، وإلا لزم الدور. ولهذا ذكر أبو محمد حرب بن إسماعيل (٢) الكرماني، صاحب الإمام أحمد، في وصفه للسنة التي قال فيها: " هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق، والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها - فهو مبتدع خارج (٣) من الجماعة، زائل عن منهج السنة، وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد (٤) وعبد الله بن الزبير الحميدي (٥) وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم أن الإيمان قول وعمل ونية "، وساق كلاما طويلا. . . . إلى أن قال: " ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم؛ لحديث رسول الله ﷺ «حب العرب إيمان وبغضهم نفاق» (٦) ولا

стр. 410

نقول بقول الشعوبية (١) وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون بفضلهم، فإن قولهم بدعة وخلاف ". ويروى هذا الكلام عن أحمد نفسه (٢) في رسالة أحمد بن سعيد الإصطخري (٣) عنه - إن صحت - وهو قوله، وقول عامة أهل العلم. وذهبت فرقة من الناس إلى (٤) أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم. وهؤلاء يسمون الشعوبية، لانتصارهم للشعوب، التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل: القبائل: للعرب، والشعوب: للعجم. ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب. والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق: إما في الاعتقاد،

стр. 411

وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك، ولهذا جاء في الحديث: «حب العرب إيمان وبغضهم نفاق» (١) مع أن الكلام في هذه المسائل لا يكاد يخلو عن هوى (٢) للنفس، ونصيب للشيطان من الطرفين، وهذا محرم في جميع المسائل. فإن الله قد أمر المؤمنين بالاعتصام بحبل الله جميعا، ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وأمرهم (٣) بإصلاح ذات البين، وقال النبي ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (٤) . وقال ﷺ : «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، كما أمركم الله» (٥) وهذان حديثان صحيحان. وفي الباب من نصوص الكتاب والسنة ما لا يحصى. والدليل على فضل جنس العرب، ثم جنس قريش، ثم جنس بني هاشم: ما رواه الترمذي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد (٦) عن يزيد بن

стр. 412

أبي زياد (١) عن عبد الله بن الحارث (٢) عن العباس بن عبد المطلب، ﵁ قال، قلت «يا رسول الله، إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة (٣) من الأرض، فقال النبي ﷺ : " إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، ثم خير القبائل، فجعلني في خير قبيلة، ثم خير البيوت، فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا» (٤) قال الترمذي: هذا حديث حسن، وعبد الله بن الحارث هو ابن نوفل " (٥) . الكبى بالكسر والقصر، والكبة: الكناسة (٦) . وفي الحديث: " الكبوة " وهي مثل: الكبة (٧) .

стр. 413

والمعنى: أن النخلة طيبة في نفسها، وإن كان أصلها ليس بذاك (١) فأخبر ﷺ : أنه خير الناس نفسا ونسبا. وروى الترمذي أيضا من حديث الثوري (٢) عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن أبي وداعة (٣) قال: «جاء العباس إلى رسول الله ﷺ ، فكأنه سمع شيئا، فقام النبي ﷺ على المنبر فقال: " من أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله ﷺ (٤) . قال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب "، ثم قال: " إن الله خلق الخلق، فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» (٥) قال الترمذي: " هذا (٦) حديث حسن " (٧) كذا وجدته في الكتاب، وصوابه: «فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» (٨) . وقد روى أحمد هذا الحديث في المسند، من حديث الثوري، عن

стр. 414

يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قال العباس ﵁: «بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس، قال: فصعد المنبر فقال: " من أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله؟ قال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقهم (١) وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفسا» (٢) . أخبر ﷺ : أنه ما انقسم الخلق فريقين (٣) إلا كان هو في خير الفريقين، وكذلك جاء حديث بهذا اللفظ. وقوله في الحديث: «خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم خيرهم فرقتين فجعلني في خير فرقة» يحتمل شيئين: أحدهما: أن الخلق هم الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم خيرهم، وإن قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة؛ كان فيه تفضيل جنس بني آدم على جنس الملائكة، وله وجه صحيح (٤) . ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم. ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشا بيوتا، فكانت بنو هاشم أفضل البيوت.

стр. 415

ويحتمل أنه أراد بالخلق (١) بني آدم، فكان في خيرهم، أي في ولد إبراهيم (٢) أو في العرب، ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو جعل العرب عدنان وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، أو بني عدنان. ثم جعل بني إسماعيل - أو بني عدنان - قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة: وهم قريش. وعلى كل تقدير، فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم (٣) . وقد بين ﷺ أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم، ثم لقريش، ثم للعرب. فروى الترمذي من حديث أبي عوانة (٤) عن يزيد بن أبي زياد - أيضا - (٥) عن عبد الله بن الحارث، حدثني (٦) المطلب بن أبي (٧) ربيعة (٨) بن الحارث بن عبد المطلب: «أن العباس بن عبد المطلب، دخل على

стр. 416

رسول الله ﷺ مغضبا، وأنا عنده، فقال: " ما أغضبك؟ " قال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش: إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك، قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، ثم قال: " والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان، حتى يحبكم لله ولرسوله - ثم قال -: أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو (١) أبيه» (٢) قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح " (٣) . ورواه أحمد في المسند مثل هذا من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد (٤) . هذا ورواه أيضا من حديث جرير (٥) عن يزيد بن أبي زياد، عن

стр. 417

عبد الله بن الحارث، عن (١) عبد المطلب بن ربيعة قال: «دخل العباس على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إنا لنخرج فنرى قريشا تتحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله ﷺ ، ودر عرق بين عينيه، ثم قال: " والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي» (٢) . فقد كان عند يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث، هذان الحديثان: أحدهما: في فضل القبيل الذي منه النبي ﷺ ، والثاني: في محبتهم، وكلاهما رواه عنه إسماعيل بن أبي خالد. وما فيه من كون عبد الله بن الحارث يروي الأول: تارة عن العباس، وتارة عن المطلب بن أبي وداعة، والثاني عن عبد المطلب بن ربيعة، وهو ابن الحارث بن عبد المطلب، وهو من الصحابة، قد يظن أن هذا اضطراب في الأسماء من جهة يزيد، وليس هذا موضع الكلام فيه، فإن الحجة قائمة بالحديث على كل تقدير، لا سيما وله شواهد تؤيد معناه. ومثله أيضا في المسألة: ما رواه أحمد ومسلم والترمذي، من حديث الأوزاعي، عن شداد بن أبي (٣) عمار (٤) عن

стр. 418

واثلة (١) بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢) هكذا رواه الوليد (٣) وأبو (٤) المغيرة (٥) عن الأوزاعي (٦) . ورواه أحمد والترمذي، من حديث محمد بن مصعب (٧) عن الأوزاعي (٨) ولفظه: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم: إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل: بني كنانة» . . (٩) الحديث، قال الترمذي: " هذا حديث حسن

стр. 419

صحيح " (١) . وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، فيقتضي أنهم أفضل من ولد إسحاق، ومعلوم أن ولد إسحاق الذين هم بنو إسرائيل أفضل العجم؛ لما فيهم من النبوة والكتاب، فمتى ثبت الفضل على هؤلاء، فعلى غيرهم بطريق الأولى، وهذا جيد، إلا أن يقال: الحديث يقتضي: أن (٢) إسماعيل هو المصطفى من ولد إبراهيم، وأن بني كنانة هم المصطفون من ولد إسماعيل، وليس فيه ما يقتضي أن ولد إسماعيل أيضا مصطفون على غيرهم، إذا كان أبوهم مصطفى، وبعضهم مصطفى على بعض. فيقال: لو لم يكن هذا مقصودا في الحديث؛ لم يكن لذكر اصطفاء إسماعيل فائدة إذا كان اصطفاؤه (٣) لم يدل على اصطفاء (٤) ذريته، إذ يكون على هذا التقدير (٥) لا فرق بين ذكر إسماعيل وذكر إسحاق. ثم هذا - منضما إلى بقية الأحاديث - دليل على أن المعنى في جميعها واحد. واعلم أن الأحاديث في فضل قريش، ثم في فضل بني هاشم فيها كثرة، وليس هذا موضعها، وهي تدل أيضا على ذلك، إذ نسبة قريش إلى العرب كنسبة العرب إلى الناس، وهكذا جاءت الشريعة كما سنومئ إلى بعضه (٦) .

стр. 420

فإن الله تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشا على سائر العرب، بما جعل فيهم من خلافة النبوة، وغير ذلك من الخصائص. ثم خص بني هاشم بتحريم الصدقة، واستحقاق قسط من الفيء، إلى غير ذلك من الخصائص، فأعطى الله سبحانه كل درجة من الفضل (١) بحسبها، والله عليم حكيم ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي (٢) مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] (٣) و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (٤) " (٥) . وقد قال الناس في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] (٦) وفي قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٧) أشياء ليس (٨) هذا موضعها. [النهي عن بغض العرب] ومن (٩) الأحاديث التي تذكر في هذا (١٠) ما رويناه من طرق معروفة إلى محمد بن إسحاق (١١) الصغاني (١٢) حدثنا عبد الله بن

стр. 421

بكر (١) السهمي (٢) حدثنا يزيد بن عوانة (٣) عن محمد بن ذكوان (٤) - خال ولد (٥) حماد بن زيد - (٦) عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: «إنا لقعود بفناء النبي ﷺ إذ مرت بنا (٧) امرأة، فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله ﷺ . فقال أبو سفيان: مثل محمد في بني هاشم، مثل الريحانة في وسط النتن، فانطلقت المرأة فأخبرت (٨) النبي ﷺ ، فجاء النبي ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال: " ما بال أقوال تبلغني عن أقوام، إن الله خلق السموات سبعا فاختار العلى (٩) منها، وأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق، فاختار

стр. 422

من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب، فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» (١) . وأيضا في المسألة (٢) ما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد (٣) عن قابوس بن أبي ظبيان (٤) عن أبيه (٥) عن سلمان ﵁. قال: قال لي (٦) رسول الله ﷺ : «يا سلمان لا تبغضني فتفارق

стр. 423

دينك " قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: " تبغض العرب فتبغضني» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه (١) إلا من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد (٢) . فقد جعل النبي ﷺ : بغض العرب سببا لفراق الدين، وجعل بغضهم مقتضيا لبغضه. ويشبه أن يكون النبي ﷺ خاطب بهذا سلمان - وهو سابق (٣) الفرس ذو الفضائل المأثورة - تنبيها لغيره من سائر الفرس؛ لما علمه الله من أن الشيطان قد يدعو بعض (٤) النفوس إلى شيء من هذا. كما أنه ﷺ لما قال: «يا فاطمة (٥) بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا،

стр. 424

يا عباس عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية (١) عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم» (٢) كان في هذا تنبيه لمن انتسب لهؤلاء الثلاثة أن لا يغتروا (٣) بالنسب ويتركوا (٤) الكلم الطيب والعمل الصالح. وهذا دليل على أن بغض جنس العرب، ومعاداتهم: كفر أو سبب للكفر، ومقتضاه: أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان؛ لأنه لو كان تحريم بغضهم كتحريم بغض سائر الطوائف، لم يكن سببا لفراق الدين، ولا لبغض (٥) الرسول، بل كان يكون نوع عدوان، فلما جعله سببا لفراق الدين وبغض الرسول دل على أن بغضهم أعظم من بغض غيرهم، وذلك (٦) دليل على أنهم أفضل؛ لأن الحب والبغض يتبع (٧) الفضل، فمن كان بغضه أعظم، دل على أنه أفضل، ودل حينئذ على أن محبته دين؛ لأجل ما فيه من زيادة الفضل،

стр. 425

ولأن ذلك ضد البغض، ومن كان بغضه سببا للعذاب بخصوصه، كان حبه سببا للثواب، وذلك دليل على الفضل. وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث آخر، رواه أبو طاهر السلفي (١) في فضل العرب، من حديث أبي بكر بن أبي داود (٢) حدثنا عيسى (٣) بن حماد زغبة، حدثنا علي بن الحسن الشامي (٤) حدثنا خليد بن دعلج (٥) عن
следующие страницы →