← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بكر (١) السهمي (٢) حدثنا يزيد بن عوانة (٣) عن محمد بن ذكوان (٤) - خال ولد (٥) حماد بن زيد - (٦) عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: «إنا لقعود بفناء النبي ﷺ إذ مرت بنا (٧) امرأة، فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله ﷺ . فقال أبو سفيان: مثل محمد في بني هاشم، مثل الريحانة في وسط النتن، فانطلقت المرأة فأخبرت (٨) النبي ﷺ ، فجاء النبي ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال: " ما بال أقوال تبلغني عن أقوام، إن الله خلق السموات سبعا فاختار العلى (٩) منها، وأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق، فاختار

стр. 422

من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب، فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» (١) . وأيضا في المسألة (٢) ما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد (٣) عن قابوس بن أبي ظبيان (٤) عن أبيه (٥) عن سلمان ﵁. قال: قال لي (٦) رسول الله ﷺ : «يا سلمان لا تبغضني فتفارق

стр. 423

دينك " قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: " تبغض العرب فتبغضني» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه (١) إلا من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد (٢) . فقد جعل النبي ﷺ : بغض العرب سببا لفراق الدين، وجعل بغضهم مقتضيا لبغضه. ويشبه أن يكون النبي ﷺ خاطب بهذا سلمان - وهو سابق (٣) الفرس ذو الفضائل المأثورة - تنبيها لغيره من سائر الفرس؛ لما علمه الله من أن الشيطان قد يدعو بعض (٤) النفوس إلى شيء من هذا. كما أنه ﷺ لما قال: «يا فاطمة (٥) بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا،

стр. 424

يا عباس عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية (١) عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم» (٢) كان في هذا تنبيه لمن انتسب لهؤلاء الثلاثة أن لا يغتروا (٣) بالنسب ويتركوا (٤) الكلم الطيب والعمل الصالح. وهذا دليل على أن بغض جنس العرب، ومعاداتهم: كفر أو سبب للكفر، ومقتضاه: أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان؛ لأنه لو كان تحريم بغضهم كتحريم بغض سائر الطوائف، لم يكن سببا لفراق الدين، ولا لبغض (٥) الرسول، بل كان يكون نوع عدوان، فلما جعله سببا لفراق الدين وبغض الرسول دل على أن بغضهم أعظم من بغض غيرهم، وذلك (٦) دليل على أنهم أفضل؛ لأن الحب والبغض يتبع (٧) الفضل، فمن كان بغضه أعظم، دل على أنه أفضل، ودل حينئذ على أن محبته دين؛ لأجل ما فيه من زيادة الفضل،

стр. 425

ولأن ذلك ضد البغض، ومن كان بغضه سببا للعذاب بخصوصه، كان حبه سببا للثواب، وذلك دليل على الفضل. وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث آخر، رواه أبو طاهر السلفي (١) في فضل العرب، من حديث أبي بكر بن أبي داود (٢) حدثنا عيسى (٣) بن حماد زغبة، حدثنا علي بن الحسن الشامي (٤) حدثنا خليد بن دعلج (٥) عن

стр. 426

يونس بن عبيد (١) عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «حب أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهما من الكفر، وحب العرب من الإيمان، وبغضهم من الكفر» (٢) . وقد احتج حرب الكرماني وغيره بهذا الحديث، وذكروا لفظه: «حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق وكفر» (٣) . وهذا الإسناد وحده فيه نظر، لكن لعله روي من وجه آخر، وإنما كتبته لموافقته معنى حديث سلمان، فإنه قد صرح في حديث سلمان: بأن بغضهم نوع كفر، ومقتضى ذلك: أن حبهم نوع إيمان، فكان هذا موافقا له. وكذلك قد رويت أحاديث، النكرة ظاهرة عليها، مثل ما رواه الترمذي من حديث حصين (٤) بن عمر، عن مخارق بن

стр. 427

عبد الله (١) عن طارق بن شهاب (٢) عن عثمان بن عفان (٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي» (٤) قال الترمذي: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حصين بن عمر الأحمسي، عن مخارق. وليس حصين عند أهل الحديث بذاك القوي " (٥) . قلت: هذا الحديث معناه قريب من معنى حديث سلمان، فإن الغش للنوع لا يكون مع محبتهم، بل لا يكون إلا مع استخفاف (٦) أو مع بغض (٧) فليس معناه بعيدا، لكن حصين هذا الذي رواه، قد أنكر أكثر الحفاظ أحاديثه،

стр. 428

قال يحيى بن معين: " ليس بشيء " (١) وقال ابن المديني: " ليس بالقوي، روى عن مخارق عن طارق أحاديث منكرة " (٢) وقال البخاري وأبو زرعة: " منكر الحديث " (٣) وقال يعقوب بن شيبة (٤) " ضعيف جدا، ومنهم من يجاوز به الضعف إلى الكذب " (٥) وقال ابن عدي (٦) " عامة أحاديثه معاضيل، ينفرد عن كل من روى عنه " (٧) . قلت: ولذلك لم يحدث أحمد ابنه بهذا الحديث، في الحديث المسند، فإنه قد كان كتبه عن محمد بن بشر (٨) عن عبد الله بن عبد الله بن

стр. 429

الأسود (١) عن حصين - كما رواه الترمذي - فلم يحدثه به، وإنما رواه عبد الله (٢) عنه في المسند، وجادة (٣) قال: " وجدت في كتاب أبي، حدثنا محمد بن بشر. . . وذكره. . . " (٤) . وكان أحمد ﵀ (٥) - على ما تدل (٦) عليه طريقته في المسند - إذا رأى أن الحديث موضوع، أو قريب من الموضوع (٧) لم يحدث به، ولذلك (٨) ضرب على أحاديث رجال فلم يحدث بها في المسند؛ لأن النبي ﷺ قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب: فهو أحد الكاذبين» (٩) .

стр. 430

وكذلك روى عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، حدثنا إسماعيل أبو (١) معمر (٢) حدثنا إسماعيل بن عياش، عن زيد بن جبيرة (٣) عن داود بن حصين، عن عبيد الله بن أبي رافع (٤) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبغض العرب إلا منافق» (٥) وزيد بن جبيرة عندهم منكر الحديث، وهو مدني، ورواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين مضطربة. وكذلك (٦) روى أبو جعفر محمد بن عبد الله الحافظ الكوفي المعروف

стр. 431

بمطين (١) حدثنا (٢) العلاء بن عمرو الحنفي (٣) حدثنا (٤) يحيى بن يزيد الأشعري (٥) حدثنا (٦) ابن جريج (٧) عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي» (٨) .

стр. 432

قال الحافظ السلفي: " هذا حديث حسن ". فما أدري: أراد حسن إسناده على طريقة المحدثين، أو حسن متنه على الاصطلاح العام؟ وأبو الفرج بن الجوزي (١) ذكر هذا الحديث في الموضوعات، وقال: قال العقيلي (٢) " لا أصل له " (٣) وقال ابن حبان: " يحيى بن يزيد (٤) يروي المقلوبات عن الأثبات فبطل الاحتجاج به " (٥) والله أعلم. وأيضا في المسألة: ما روى أبو بكر البزار (٦) حدثنا إبراهيم بن سعيد

стр. 433

الجوهري (١) حدثنا أبو أحمد (٢) حدثنا عبد الجبار بن العباس (٣) وكان رجلا من أهل الكوفة، يميل إلى الشيعة، وهو صحيح الحديث مستقيمه، وهذا - والله أعلم - كلام البزار، عن أبي إسحاق، عن أوس بن ضمعج (٤) قال: قال سلمان: " نفضلكم يا معاشر العرب لتفضيل رسول الله ﷺ إياكم، لا ننكح نساءكم، ولا نؤمكم في الصلاة ". وهذا إسناد جيد، وأبو أحمد هو - والله أعلم - محمد بن عبد الله الزبيري (٥) من أعيان العلماء الثقات، وقد أثنى

стр. 434

عليه (١) شيخه، والجوهري وأبو إسحاق السبيعي أشهر من أن يثنى عليهما، وأوس بن ضمعج ثقة روى له مسلم. وقد أخبر سلمان أن رسول الله ﷺ فضل العرب، فإما إنشاء وإما إخبارا، فإنشاؤه ﷺ : حكم لازم، وخبره: حديث صادق. وتمام الحديث قد روي عن سلمان من غير هذا الوجه، رواه الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي ليلى الكندي (٢) عن سلمان الفارسي أنه قال: " فضلتمونا يا معاشر (٣) العرب باثنتين، لا نؤمكم (٤) ولا ننكح نساءكم " رواه محمد بن أبي عمر العدني (٥) وسعيد (٦) في سننه، وغيرهما. وهذا مما احتج به أكثر الفقهاء الذين جعلوا العربية من الكفاءة بالنسبة إلى العجمي، واحتج به أحمد في إحدى الروايتين على أن الكفاءة ليست حقا لواحد معين، بل هي من الحقوق المطلقة في النكاح، حتى إنه يفرق بينهما عند عدمها.

стр. 435

واحتج أصحاب الشافعي وأحمد بهذا على أن الشرف مما يستحق به التقديم في الصلاة. ومثل ذلك ما رواه محمد بن أبي عمر العدني (١) حدثنا سعيد بن عبيد (٢) أنبأنا علي بن ربيعة (٣) عن ربيع بن فضلة (٤) أنه خرج في اثني عشر راكبا كلهم قد صحب محمدا ﷺ غيرة، وفيهم سلمان الفارسي، وهم في سفر، فحضرت الصلاة، فتدافع القوم، أيهم يصلي بهم، فصلى بهم رجل منهم أربعا، فلما انصرف قال سلمان: ما هذا؟ ما هذا؟ مرارا، نصف المربوعة - قال مروان (٥) يعني نصف الأربع - نحن إلى التخفيف أفقر، فقال له القوم: " صل بنا يا أبا عبد الله؛ أنت أحقنا بذلك، فقال: لا، أنتم بنو إسماعيل الأئمة، ونحن الوزراء ". وفي المسألة آثار غير ما ذكرته، في بعضها نظر، وبعضها موضوع، وأيضا فإن عمر بن الخطاب ﵁ لما وضع ديوان العطاء، كتب الناس على قدر أنسابهم فبدأ بأقربهم فأقربهم نسبا إلى رسول الله ﷺ ، فلما انقضت العرب ذكر العجم، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين، وسائر الخلفاء من بني أمية وولد العباس، إلى أن تغير الأمر بعد ذلك.

стр. 436

[أسباب تفضيل العرب] وسبب هذا الفضل - والله أعلم - ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل: إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح. والعلم له مبدأ، وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام، وهو: قوة المنطق، الذي هو البيان والعبارة. والعرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني، جمعا وفرقا، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، إذا شاء المتكلم الجمع (١) ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في (٢) جنس الحيوان، فهم - مثلا - يعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال (٣) إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي، التي لا (٤) يستراب فيها. وأما العمل: فإن مبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء، والحلم، والشجاعة، والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير، معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا شريعة موروثة عن نبي، ولا هم أيضا مشتغلين ببعض العلوم العقلية المحضة، كالطب والحساب، ونحوها، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم: من الشعر والخطب، وما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، وما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من الحروب.

стр. 437

فلما بعث الله محمدا ﷺ بالهدى: الذي (١) ما جعل الله في الأرض - ولا يجعل - أمرا أجل منه وأعظم قدرا، وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية، والظلمات الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها، فلما تلقوا عنه ذلك الهدى العظيم (٢) زالت تلك الريون (٣) عن قلوبهم، واستنارت بهدى الله الذي أنزل على عبده ورسوله. فأخذوا هذا الهدى العظيم، بتلك الفطرة الجيدة (٤) فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل الله إليهم: بمنزلة أرض جيدة (٥) في نفسها، لكن هي معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاة (٦) والعوسج (٧) وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي من الشجر والدواب، وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله، فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم: من اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة: من العرب والعجم.

стр. 438

وكان الناس إذ ذاك الخارجون عن هذا الكمال قسمين: إما كافر: من اليهود والنصارى، لم يقبل هدى الله. وإما غيرهم: من العجم، الذين لم يشركوهم فيما فطروا عليه، وكان (١) عامة العجم حينئذ (٢) كفارا من: الفرس والروم، فجاءت الشريعة باتباع أولئك السابقين على الهدى الذي رضيه الله لهم، وبمخالفة من سواهم، إما لمعصيته وإما لنقيصته، وإما لأنه مظنة النقيصة. فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم؛ دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار، قديما وحديثا، ودخل فيه (٣) ما عليه الأعاجم المسلمون، مما لم يكن عليه السابقون الأولون، كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إليه كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها. ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم، ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم، ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس، إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف، بلوازمه من العربية وغيرها. ومن نقص (٤) من العرب إنما هو بتخلفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم، فيما السنة أن يخالفوا فيه، فهذا وجه (٥) . وأيضا فإن الله تعالى لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغا

стр. 439

عنه للكتاب (١) والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به؛ لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط اللسان، وصارت معرفته من الدين، وصار اعتبار التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم (٢) للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، في جميع أمورهم. وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض ما قاله العلماء، من الأمر بالخطاب العربي، وكراهة مداومة غيره لغير حاجة، واللسان تقارنه (٣) أمور أخرى: من العلوم والأخلاق، فإن العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه الله وفيما يكرهه، فلهذا أيضا جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين الأولين، في أقوالهم وأعمالهم، وكراهة الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة. فحاصله: أن النهي عن التشبيه بهم؛ لما يفضي إليه من فوت الفضائل، التي جعلها الله للسابقين الأولين، أو حصول النقائص التي كانت في غيرهم. ولهذا: لما علم المؤمنون من أبناء فارس، وغيرهم، هذا الأمر، أخذ من وفقه الله منهم نفسه بالاجتهاد في تحقيق المشابهة بالسابقين، فصار أولئك من أفضل التابعين بإحسان إلى يوم القيامة، وصار كثير منهم أئمة لكثير من غيرهم، ولهذا كانوا يفضلون من الفرس من رأوه أقرب إلى متابعة السابقين، حتى قال الأصمعي (٤) فيما رواه عنه أبو طاهر السلفي في كتاب (فضل الفرس)

стр. 440

قال: " عجم أصبهان قريش العجم " (١) . وروى أيضا السلفي بإسناد معروف عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (٢) عن أسامة بن زيد (٣) عن سعيد بن المسيب قال: " لو أني لم أكن من قريش لأحببت أن أكون من فارس، ثم أحببت أن أكون من أصبهان " (٤) . وروي بإسناد آخر، عن سعيد بن المسيب قال: لولا أني رجل من قريش لتمنيت أن أكون من أصبهان؛ لقول النبي ﷺ : «لو كان الدين معلقا بالثريا لتناوله ناس من فارس من أبناء (٥) العجم، أسعد الناس بها فارس وأصبهان» (٦) . قالوا: وكان سلمان الفارسي من أهل أصبهان، وكذلك عكرمة مولى ابن عباس ﵄، وغيرهما، فإن آثار الإسلام كانت بأصبهان أظهر منها بغيرها، حتى قال الحافظ عبد القادر الرهاوي (٧) " ما رأيت بلدا بعد بغداد، أكثر حديثا من أصبهان ".

стр. 441

وكان (١) أئمة السنة علما وفقها، والعارفون بالحديث وسائر أمور الإسلام المحض، فيهم أكثر من غيرهم، حتى إنه قيل: إن قضاتهم كانوا من فقهاء الحديث، مثل: صالح بن أحمد بن حنبل، ومثل: أبي بكر بن أبي عاصم، ومن بعدهم، وأنا لا أعلم حالهم بآخرة (٢) . وكذلك كل مكان أو شخص من أهل فارس، يمدح المدح الحقيقي: إنما يمدح لمشابهته السابقين، حتى قد يختلف في (٣) فضل شخص على شخص، أو قول على قول، أو فعل على فعل؛ لأجل اعتقاد كل من المختلفين أن هذا أقرب إلى طريق السابقين الأولين، فإن الأمة مجمعة على هذه القاعدة وهي: فضل طريقة العرب السابقين، وأن الفاضل من تبعهم، وهو المطلوب هنا. وإنما يتم الكلام بأمرين: أحدهما: أن الذي يجب على المسلم إذا نظر في الفضائل، أو تكلم فيها، أن يسلك سبيل العاقل الدين، الذي غرضه أن يعرف الخير، ويتحراه جهده، وليس غرضه الفخر على أحد، ولا الغمص (٤) من أحد، فقد روى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي (٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه أوحي إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (٦) .

стр. 442

فنهى سبحانه على لسان رسوله عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهي: الفخر والبغي؛ لأن المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا، فإن كان الرجل من الطائفة الفاضلة، مثل: أن يذكر فضل بني هاشم أو قريش أو العرب أو بعضهم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه، والنظر إلى ذلك، فإنه مخطئ في هذا؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص كما قدمناه، فرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قريش، ثم هذا النظر يوجب نقصه وخروجه عن الفضل، فضلا عن أن يستعلي بهذا، أو يستطيل. وإن كان من الطائفة الأخرى، مثل العجم، أو غير قريش، أو غير بني هاشم، فليعلم أن تصديقه لرسول الله ﷺ فيما أخبر وطاعته فيما أمر، ومحبة من أحبه الله، والتشبه بمن فضل الله، والقيام بالدين الحق، الذي بعث الله به محمدا؛ يوجب له أن يكون أفضل من جمهور الطائفة المفضلة، وهذا هو الفضل الحقيقي. وانظر إلى عمر بن الخطاب ﵁، حين وضع الديوان، وقالوا له: يبدأ أمير المؤمنين بنفسه فقال: لا (١) ولكن ضعوا عمر حيث وضعه الله. فبدأ بأهل بيت رسول الله ﷺ ثم (٢) من يليهم، حتى جاءت نوبته في بني عدي وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش. ثم هذا الاتباع للحق ونحوه، قدمه على عامة بني هاشم، فضلا عن غيرهم من قريش.

стр. 443

الثاني أن اسم العرب والعجم قد صار فيه اشتباه، فإنا قدمنا أن اسم العجم يعم في اللغة: كل من ليس من العرب، ثم لما كان العلم والإيمان في أبناء فارس أكثر منه في غيرهم من العجم؛ كانوا هم أفضل الأعاجم، فغلب لفظ العجم في عرف العامة المتأخرين عليهم، فصار حقيقة عرفية عامية فيهم. واسم العرب في الأصل كان اسما لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف (١) . أحدها: أن لسانهم كان باللغة العربية. الثاني: أنهم كانوا من أولاد العرب. الثالث: أن مساكنهم كانت أرض العرب وهي: جزيرة العرب، التي هي من بحر القلزم (٢) إلى بحر البصرة (٣) ومن أقصى حجر باليمن، إلى أوائل الشام، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل (٤) فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب، حين المبعث وقبله. فلما جاء الإسلام وفتحت الأمصار سكنوا سائر البلاد، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وإلى سواحل الشام وأرمينية (٥) وهذه كانت مساكن فارس والروم والبربر، وغيرهم.

стр. 444

ثم انقسمت هذه البلاد قسمين: منها: ما غلب على أهله (١) لسان العرب حتى لا يعرف عامتهم غيره، أو يعرفونه وغيره، مع ما دخل على لسان العرب من اللحن، وهذه غالب مساكن الشام، والعراق، ومصر، والأندلس، ونحو ذلك، وأظن أرض فارس وخراسان كانت هكذا قديما. ومنها: ما العجمية كثيرة فيهم، أو غالبة عليهم، كبلاد الترك، وخراسان (٢) وأرمينية، وأذربيجان (٣) ونحو ذلك. فهذه البقاع انقسمت: إلى ما هو عربي ابتداء، وإلى ما هو عربي انتقالا، وإلى ما هو عجمي. وكذلك الأنساب (٤) ثلاثة أقسام: قوم من نسل العرب، وهم باقون على العربية لسانا ودارا، أو لسانا (٥) (٥) لا دارا، أو دارا لا لسانا (٦) . وقوم من نسل العرب، بل من نسل بني هاشم، صارت العجمية لسانهم ودارهم، أو أحدهما. وقوم (٧) مجهولو الأصل، لا يدرى: أمن نسل العرب هم، أم من نسل

стр. 445

العجم؟ وهم أكثر (١) الناس اليوم، سواء كانوا عرب الدار واللسان، أو عجما في أحدهما. وكذلك انقسموا في اللسان ثلاثة أقسام: قوم يتكلمون بالعربية لفظا ونغمة (٢) . وقوم يتكلمون بها لفظا لا نغمة، وهم المتعربون الذين ما تعلموا اللغة ابتداء من العرب، وإنما اعتادوا غيرها، ثم تعلموها، كغالب أهل العلم، ممن تعلم العربية. وقوم لا يتكلمون بها إلا قليلا. وهذان القسمان، منهم من تغلب عليه العربية، ومنهم من تغلب عليه العجمية، ومنهم من قد يتكافأ في حقه الأمران: إما قدرة، وإما عادة. فإذا كانت العربية قد انقسمت: نسبا ولسانا ودارا؛ فإن الأحكام تختلف باختلاف هذه الأقسام (٣) خصوصا النسب واللسان. فإن ما ذكرناه من تحريم الصدقة على بني هاشم، واستحقاق نصيب من الخمس؛ ثبت لهم باعتبار النسب، وإن صارت ألسنتهم أعجمية. وما ذكرناه من حكم اللسان العربي وأخلاق العرب: يثبت لمن كان كذلك، وإن كان أصله فارسيا، وينتفي عمن لم يكن كذلك وإن كان أصله هاشميا. والمقصود هنا: أن (٤) ما ذكرته من النهي عن التشبه بالأعاجم: إنما العبرة (٥) بما كان عليه صدر الإسلام، من السابقين الأولين، فكل ما كان إلى

стр. 446

هداهم أقرب فهو المفضل، وكل ما خالف ذلك فهو المخالف، سواء كان المخالف لذلك اليوم عربي النسب، أو عربي اللسان، وهكذا جاء عن السلف: فروى الحافظ أبو طاهر السلفي - في فضل العرب - بإسناده عن أبي شهاب الحناط (١) حدثنا حبان (٢) بن موسى، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي (٣) قال: " من ولد في الإسلام فهو عربي ". وهذا الذي يروى عن أبي جعفر: لأن من ولد في الإسلام، فقد ولد في دار العرب، واعتاد خطابها، وهكذا كان الأمر. وروى (٤) السلفي عن المؤتمن (٥) الساجي (٦) عن أبي القاسم الخلال (٧) أنبأنا أبو محمد الحسن بن الحسين النوبختي (٨) حدثنا علي بن عبد الله بن

стр. 447

مبشر (١) (٢) حدثنا محمد بن حرب النشائي (٣) حدثنا إسحاق الأزرق (٤) عن هشام بن حسان، عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ يرفعه قال: «من تكلم بالعربية فهو عربي، ومن أدرك له اثنان (٥) في الإسلام فهو عربي» (٦) . هكذا فيه. وأظنه: «ومن أدرك له أبوان» . فهنا - إن صح هذا الحديث - فقد علقت العربية فيه بمجرد اللسان، وعلقت في النسب بأن يدرك له أبوان في الدولة الإسلامية العربية، وقد يحتج بهذا القول (٧) أبو حنيفة (٨) أن من ليس له أبوان في الإسلام أو في الحرية،

стр. 448

ليس كفؤا لمن له أبوان في ذلك، وإن اشتركا (١) في العجمية والعتاقة. ومذهب أبي يوسف: ذو الأب الواحد كذي الأبوين (٢) ومذهب الشافعي وأحمد (٣) لا عبرة بذلك، نص عليه أحمد (٤) . وقد روى السلفي، من حديث الحسن بن رشيق (٥) حدثنا أحمد بن الحسن بن هارون (٦) حدثنا العلاء بن سالم (٧) حدثنا قرة بن عيسى الواسطي (٨) .

стр. 449

حدثنا أبو بكر الهذلي (١) عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «جاء قيس بن حطاطة (٢) إلى حلقة فيها صهيب الرومي (٣) وسلمان الفارسي، وبلال الحبشي، فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هؤلاء؟ فقام معاذ بن جبل فأخذ بتلابيبه، ثم أتى به النبي ﷺ فأخبره بمقالته، فقام النبي ﷺ مغضبا يجر رداءه حتى دخل المسجد، ثم نودي: أن (٤) الصلاة جامعة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد: أيها الناس، فإن الرب رب واحد، والأب أب واحد، والدين دين واحد، وإن العربية ليست لأحدكم بأب ولا أم، إنما هي لسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي "، فقام معاذ بن جبل فقال: بم تأمرنا في هذا المنافق؟ فقال: " دعه إلى النار» . فكان قيس ممن ارتد فقتل في الردة (٥) .

стр. 450

هذا الحديث ضعيف، وكأنه مركب على مالك (١) لكن معناه ليس ببعيد، بل هو صحيح من بعض الوجوه كما قدمناه. ومن تأمل ما ذكرناه في هذا الباب؛ عرف مقصود الشريعة فيما ذكرناه من الموافقة المأمور بها، والمخالفة المنهي عنها، كما تقدمت الدلالات عليه، وعرف بعض وجوه ذلك وأسبابه، وبعض ما فيه من الحكمة.

стр. 451

[فصل في أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه] فصل فإن قيل: ما ذكرتموه من الأدلة معارض بما يدل على خلافه، وذلك: أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، وقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] (١) وقوله: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] (٢) وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] (٣) وغير ذلك من الدلائل المذكورة في غير هذا الموضع، مع أنكم مسلمون لهذه القاعدة، وهي قول عامة السلف وجمهور الفقهاء. ومعارض بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم ﷺ : " ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ " قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق (٤) فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا لله (٥) فنحن نصومه تعظيما له، فقال رسول الله ﷺ : " فنحن أحق وأولى بموسى منكم " فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه» متفق عليه (٦) .

стр. 452

وعن أبي موسى ﵁، قال: «كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا، قال النبي ﷺ : " فصوموه أنتم» (١) متفق عليه، وهذا اللفظ للبخاري، ولفظ مسلم (٢) «تعظمه اليهود وتتخذه عيدا» (٣) وفي لفظ له: " كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشاراتهم " (٤) . وعن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٥) عن ابن عباس ﵄، قال: «كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته، ثم فرق بعد» ، متفق عليه (٦) .

стр. 453

قيل: أما المعارضة بكون شرع (١) من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، فذاك مبني على مقدمتين، كلتاهما منفية في مسألة التشبه بهم: إحداهما: أن يثبت أن ذلك شرع لهم، بنقل موثوق به، مثل أن يخبرنا الله في كتابه، أو على لسان رسوله، أو ينقل بالتواتر، ونحو ذلك، فأما مجرد الرجوع إلى قولهم، أو إلى ما في كتبهم، فلا يجوز بالاتفاق، والنبي ﷺ ، وإن كان قد استخبرهم فأخبروه، ووقف على ما في التوراة؛ فإنما ذلك لأنه لا يروج عليه باطلهم، بل الله سبحانه يعرفه ما يكذبون مما يصدقون، كما قد أخبره بكذبهم غير مرة. وأما نحن فلا نأمن أن يحدثونا بالكذب، فيكون فاسق، بل كافر قد جاءنا بنبأ فاتبعناه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم» (٢) . المقدمة الثانية: أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك، فأما إذا كان فيه بيان خاص: إما بالموافقة، أو بالمخالفة، استغني عن ذلك فيما ينهى عنه من موافقته، ولم (٣) يثبت أنه شرع لمن كان قبلنا، وإن ثبت فقد كان هدي نبينا ﷺ بخلافه، وبهم أمرنا نحن أن نتبع ونقتدي، وقد أمرنا نبينا ﷺ : أن يكون هدينا مخالفا لهدي اليهود والنصارى، وإنما تجيء الموافقة في بعض الأحكام العارضة، لا في الهدي الراتب، والشعار الدائم. ثم ذلك بشرط: أن لا يكون قد جاء عن نبينا وأصحابه خلافه، أو ثبت أصل شرعه في ديننا، وقد ثبت عن نبي من الأنبياء

стр. 454

أصله، أو وصفه (١) مثل: فداء من نذر أو يذبح ولده بشاة، ومثل: الختان المأمور به في ملة إبراهيم ﵇، ونحو ذلك. وليس الكلام فيه. وأما حديث عاشوراء: فقد ثبت (٢) أن رسول الله ﷺ كان يصومه قبل استخباره لليهود (٣) وكانت قريش تصومه، ففي الصحيحين، من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: «كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه (٤) فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض (٥) شهر رمضان قال: " من شاء صامه، ومن شاء تركه» (٦) وفي رواية: " وكان يوما تستر فيه الكعبة " (٧) . وأخرجاه من حديث هشام عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان (٨) رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك

стр. 455

يوم عاشوراء (١) " فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (٢) . وفيهما عن عبد الله (٣) بن عمر ﵄: «أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ : " إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (٤) . فإذا كان أصل صومه لم يكن موافقا لأهل الكتاب، فيكون قوله: «فنحن أحق بموسى منكم» توكيدا لصومه، وبيانا لليهود: أن الذي يفعلونه من موافقة موسى نحن أيضا نفعله، فنكون أولى بموسى منكم. ثم الجواب عن هذا، وعن قوله: «كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء» من وجوه: أحدها: أن هذا كان متقدما، ثم نسخ الله ذلك، وشرع له مخالفة أهل الكتاب، وأمره بذلك، وفي متن الحديث: " أنه سدل شعره موافقة لهم، ثم فرق شعره بعد " ولهذا صار الفرق شعار المسلمين، وكان من الشروط على أهل الذمة " أن لا يفرقوا شعورهم " وهذا كما أن الله شرع له في أول الأمر استقبال بيت المقدس موافقة لأهل الكتاب، ثم نسخ ذلك، وأمر باستقبال الكعبة، وأخبر عن اليهود وغيرهم من السفهاء أنهم سيقولون: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] (٥) .

стр. 456

وأخبر أنهم لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم، وأخبره أنه: إن اتبع أهواءهم (١) من بعد ما جاءه من العلم ما له من الله من ولي، ولا نصير، وأخبره (٢) أن: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] (٣) وكذلك أخبره في موضع آخر (٤) أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا (٥) فالشعار من جملة الشرعة. والذي يوضح ذلك: أن هذا اليوم - عاشوراء - الذي صامه وقال: «نحن أحق بموسى منكم» قد شرع - قبيل موته - مخالفة اليهود في صومه، وأمر ﷺ بذلك (٦) ولهذا كان ابن عباس ﵄، وهو الذي يقول: «وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء» ، وهو الذي روى قوله: «نحن أحق بموسى منكم» أشد الصحابة ﵃ أمرا بمخالفة اليهود في صوم يوم عاشوراء، وقد ذكرنا أنه هو الذي روى شرع المخالفة. وروى - أيضا - مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج (٧) قال: «انتهيت إلى ابن عباس، وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: " إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع

стр. 457

صائما. قلت: هكذا كان (١) محمد ﷺ يصومه؟ قال: نعم» (٢) . وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» ، يعني (٣) يوم عاشوراء (٤) . ومعنى (٥) قول ابن عباس: " صم التاسع "، يعني: والعاشر (٦) . هكذا ثبت عنه، وعلله بمخالفة اليهود، قال سعيد (٧) بن منصور: حدثنا سفيان بن عمرو بن دينار أنه سمع عطاء، سمع ابن عباس ﵄، يقول: " صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود " (٨) . وروينا في فوائد داود بن عمرو (٩) عن إسماعيل بن علية قال: ذكروا عند ابن أبي نجيح، أن ابن عباس كان يقول " يوم عاشوراء يوم التاسع "، فقال ابن

стр. 458

أبي نجيح: إنما قال ابن عباس: " أكره أن أصوم فاردا، ولكن صوموا قبله يوما، أو بعده يوما " (١) . ٥٠ ويحقق ذلك: ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم» ، قال الترمذي: " هذا حديث (٢) حسن صحيح " (٣) . وروى سعيد في سننه عن هشيم، عن ابن أبي ليلى (٤) عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده ابن (٥) عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا يوما قبله، أو (٦) يوما بعده» (٧) . ورواه أحمد، ولفظه: «صوموا قبله يوما، أو (٨) بعده يوما» (٩) .

стр. 459

ولهذا نص أحمد على مثل ما رواه ابن عباس وأفتى به، فقال في رواية الأثرم (١) " أنا أذهب في عاشوراء: إلى أن يصام يوم التاسع والعاشر؛ لحديث (٢) ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر» (٣) . وقال حرب: سألت أحمد عن صوم يوم عاشوراء، فقال: " يصوم التاسع والعاشر " (٤) . وقال في رواية الميموني (٥) وأبي الحارث (٦) " من أراد أن يصوم عاشوراء صام التاسع والعاشر، إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة أيام؛ ابن سيرين يقول ذلك " (٧) . وقد قال بعض أصحابنا: إن الأفضل: صوم التاسع والعاشر، وإن اقتصر على العاشر لم يكره. ومقتضى كلام أحمد: أنه يكره الاقتصار على العاشر؛ لأنه سئل عنه فأفتى بصوم اليومين، وأمر بذلك، وجعل هذا هو السنة لمن أراد صوم (٨) عاشوراء،

стр. 460

واتبع في ذلك حديث ابن عباس، وابن عباس كان يكره إفراد العاشر على ما هو مشهور عنه. ومما يوضح ذلك: أن كل ما جاء من التشبه بهم، إنما كان في صدر الهجرة، ثم نسخ؛ ذلك أن (١) اليهود إذ ذاك، كانوا لا يتميزون عن المسلمين لا في شعور، ولا في لباس، لا بعلامة، ولا غيرها. ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع، الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدي. وسبب ذلك: أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية (٢) والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء؛ لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا؛ شرع بذلك. ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب؛ لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر (٣) بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من (٤) دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.
следующие страницы →