← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وأخبر أنهم لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم، وأخبره أنه: إن اتبع أهواءهم (١) من بعد ما جاءه من العلم ما له من الله من ولي، ولا نصير، وأخبره (٢) أن: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] (٣) وكذلك أخبره في موضع آخر (٤) أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا (٥) فالشعار من جملة الشرعة. والذي يوضح ذلك: أن هذا اليوم - عاشوراء - الذي صامه وقال: «نحن أحق بموسى منكم» قد شرع - قبيل موته - مخالفة اليهود في صومه، وأمر ﷺ بذلك (٦) ولهذا كان ابن عباس ﵄، وهو الذي يقول: «وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء» ، وهو الذي روى قوله: «نحن أحق بموسى منكم» أشد الصحابة ﵃ أمرا بمخالفة اليهود في صوم يوم عاشوراء، وقد ذكرنا أنه هو الذي روى شرع المخالفة. وروى - أيضا - مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج (٧) قال: «انتهيت إلى ابن عباس، وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: " إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع

стр. 457

صائما. قلت: هكذا كان (١) محمد ﷺ يصومه؟ قال: نعم» (٢) . وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» ، يعني (٣) يوم عاشوراء (٤) . ومعنى (٥) قول ابن عباس: " صم التاسع "، يعني: والعاشر (٦) . هكذا ثبت عنه، وعلله بمخالفة اليهود، قال سعيد (٧) بن منصور: حدثنا سفيان بن عمرو بن دينار أنه سمع عطاء، سمع ابن عباس ﵄، يقول: " صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود " (٨) . وروينا في فوائد داود بن عمرو (٩) عن إسماعيل بن علية قال: ذكروا عند ابن أبي نجيح، أن ابن عباس كان يقول " يوم عاشوراء يوم التاسع "، فقال ابن

стр. 458

أبي نجيح: إنما قال ابن عباس: " أكره أن أصوم فاردا، ولكن صوموا قبله يوما، أو بعده يوما " (١) . ٥٠ ويحقق ذلك: ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم» ، قال الترمذي: " هذا حديث (٢) حسن صحيح " (٣) . وروى سعيد في سننه عن هشيم، عن ابن أبي ليلى (٤) عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده ابن (٥) عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا يوما قبله، أو (٦) يوما بعده» (٧) . ورواه أحمد، ولفظه: «صوموا قبله يوما، أو (٨) بعده يوما» (٩) .

стр. 459

ولهذا نص أحمد على مثل ما رواه ابن عباس وأفتى به، فقال في رواية الأثرم (١) " أنا أذهب في عاشوراء: إلى أن يصام يوم التاسع والعاشر؛ لحديث (٢) ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر» (٣) . وقال حرب: سألت أحمد عن صوم يوم عاشوراء، فقال: " يصوم التاسع والعاشر " (٤) . وقال في رواية الميموني (٥) وأبي الحارث (٦) " من أراد أن يصوم عاشوراء صام التاسع والعاشر، إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة أيام؛ ابن سيرين يقول ذلك " (٧) . وقد قال بعض أصحابنا: إن الأفضل: صوم التاسع والعاشر، وإن اقتصر على العاشر لم يكره. ومقتضى كلام أحمد: أنه يكره الاقتصار على العاشر؛ لأنه سئل عنه فأفتى بصوم اليومين، وأمر بذلك، وجعل هذا هو السنة لمن أراد صوم (٨) عاشوراء،

стр. 460

واتبع في ذلك حديث ابن عباس، وابن عباس كان يكره إفراد العاشر على ما هو مشهور عنه. ومما يوضح ذلك: أن كل ما جاء من التشبه بهم، إنما كان في صدر الهجرة، ثم نسخ؛ ذلك أن (١) اليهود إذ ذاك، كانوا لا يتميزون عن المسلمين لا في شعور، ولا في لباس، لا بعلامة، ولا غيرها. ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع، الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدي. وسبب ذلك: أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية (٢) والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء؛ لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا؛ شرع بذلك. ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب؛ لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر (٣) بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من (٤) دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.

стр. 461

فأما في دار الإسلام والهجرة، التي أعز الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية، ففيها شرعت المخالفة. وإذا ظهر أن (١) الموافقة والمخالفة تختلف لهم (٢) باختلاف الزمان والمكان (٣) ؛ ظهرت حقيقية الأحاديث في هذا. الوجه الثاني: لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ، فالنبي ﷺ وهو الذي كان له أن يوافقهم؛ لأنه يعلم حقهم من باطلهم؛ بما يعلمه الله إياه، ونحن نتبعه، فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئا من الدين عنهم: لا من أقوالهم، ولا من أفعالهم، بإجماع المسلمين المعلوم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ ، ولو قال رجل: يستحب لنا موافقة أهل الكتاب، الموجودين في زماننا؛ لكان قد خرج عن دين الأمة. الثالث (٤) أن نقول بموجبه: كان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم إنه أمر بمخالفتهم، وأمرنا نحن أن نتبع هديه وهدي أصحابه السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار. والكلام إنما هو في أنا منهيون عن التشبه بهم فيما لم يكن سلف الأمة عليه، فأما ما كان سلف الأمة عليه، فلا ريب فيه؛ سواء فعلوه، أو تركوه؛ فإنا لا نترك ما أمر الله به لأجل أن الكفار تفعله مع أن الله لم يأمرنا بشيء يوافقونا عليه إلا ولا بد فيه من نوع مغايرة يتميز بها دين الله المحكم مما قد نسخ، أو بدل.

стр. 462

[فصل في أقسام أعمال الكفار] فصل قد ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار، ما دل على أن التشبه بهم (١) في الجملة منهي عنه، وأن مخالفتهم في هديهم مشروع، إما إيجابا، وإما استحبابا بحسب المواضع. وقد تقدم بيان: أن ما أمر (٢) به من مخالفتهم: مشروع، سواء كان ذلك الفعل مما قصد فاعله التشبه بهم، أو لم يقصد، وكذلك ما نهي عنه من مشابهتهم: يعم ما إذا قصدت مشابهتهم، أو لم تقصد؛ فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها، وفيها ما لا يتصور قصد المشابهة فيه، كبياض الشعر، وطول الشارب، ونحو ذلك. ثم اعلم أن أعمالهم ثلاثة أقسام: - قسم مشروع في ديننا، مع كونه كان مشروعا لهم، أو لا يعلم أنه كان مشروعا لهم (٣) لكنهم يفعلونه الآن. - وقسم كان مشروعا ثم نسخه شرع القرآن. - وقسم لم يكن مشروعا بحال، وإنما هم أحدثوه.

стр. 463

وهذه الأقسام الثلاثة: إما أن تكون (١) في العبادات المحضة، وإما أن تكون (٢) في العادات المحضة، وهي الآداب، وإما أن تجمع العبادات والعادات، فهذه تسعة أقسام (٣) -. فأما القسم الأول: وهو ما كان مشروعا في الشريعتين، أو ما كان مشروعا لنا وهم يفعلونه، فهذا كصوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع (٤) - المخالفة في صفة ذلك العمل، كما سن لنا صوم تاسوعاء وعاشوراء، كما أمرنا بتعجيل الفطور والمغرب مخالفة لأهل الكتاب، وبتأخير السحور مخالفة لأهل الكتاب. وكما أمرنا بالصلاة في النعلين مخالفة لليهود، وهذا كثير في العبادات،

стр. 464

وكذلك في العادات، قال ﷺ : «اللحد لنا والشق لغيرنا» (١) وسن توجيه قبور المسلمين إلى الكعبة؛ تمييزا لها عن مقابر الكافرين، فإن أصل الدفن من الأمور المشروعة، في الأمور العادية، ثم قد اختلفت (٢) الشرائع في صفته، وهو أيضا فيه عبادات، ولباس النعل (٣) في الصلاة فيه عبادة وعادة، ونزع النعل (٤) في الصلاة شريعة كانت لموسى ﵇، وكذلك اعتزال الحيض (٥) ونحو ذلك من الشرائع التي جامعناهم في أصلها، وخالفناهم في وصفها. القسم الثاني: ما كان مشروعا ثم نسخ بالكلية: كالسبت (٦) أو إيجاب صلاة، أو صوم، ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا، سواء كان واجبا عليهم فيكون عبادة، أو محرما عليهم فيتعلق بالعادات، فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم وكل ذي ظفر على وجه التدين بذلك، وكذلك ما كان مركبا منهما، وهي الأعياد التي كانت مشروعة لهم، فإن العيد المشروع يجمع عبادة. وهو ما فيه من صلاة، أو ذكر، أو صدقة، أو نسك، ويجمع عادة، وهو ما يفعل فيه

стр. 465

من التوسع في الطعام واللباس، أو ما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواضبة (١) واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب، ونحو ذلك. ولهذا قال ﷺ لما زجر أبو بكر ﵁ الجويريتين عن الغناء في بيته -: «دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا، وإن هذا عيدنا» (٢) وكان الحبشة يلعبون بالحراب يوم العيد، والنبي ﷺ ينظر إليهم. فالأعياد المشروعة يشرع فيها - وجوبا، أو استحبابا -: من العبادات ما لا يشرع في غيرها، ويباح فيها، أو يستحب، أو يجب من العادات التي للنفوس فيها حظ، ما لا يكون في غيرها كذلك. ولهذا وجب فطر العيدين، وقرن بالصلاة في أحدهما الصدقة، وقرن بها في الآخر الذبح. وكلاهما من أسباب الطعام. فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات، أو العادات، أو كلاهما: أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع الأصل، ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة، كما سنذكره، وفي الأول قد لا تكون إلا مكروهة. وأما القسم الثالث: وهو ما أحدثوه من العبادات، أو العادات،

стр. 466

أو كليهما (١) فهو (٢) أقبح وأقبح؛ فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحا، فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط؟ بل أحدثه الكافرون، فالموافقة فيه ظاهرة القبح، فهذا أصل. وأصل آخر وهو: أن كل ما يشابهون فيه: من عبادة، أو عادة، أو كليهما (٣) هو: من المحدثات في هذه الأمة، ومن البدع، إذ الكلام في ما كان من خصائصهم، وأما ما كان مشروعا لنا، وقد فعله سلفنا السابقون: فلا كلام فيه. فجميع الأدلة الدالة من الكتاب والسنة والإجماع على قبح البدع، وكراهتها تحريما أو تنزيها، تندرج هذه المشابهات فيها، فيجتمع فيها أنها بدع محدثة، وأنها مشابهة للكافرين، وكل واحد من الوصفين موجب للنهي؛ إذ المشابهة منهي عنها في الجملة ولو كانت في السلف (٤) ! والبدع منهي عنها في الجملة، ولو لم يفعلها الكفار، فإذا اجتمع الوصفان صارا علتين مستقلتين في القبح والنهي.

стр. 467

[فصل في الأعياد] [طرق عدم جواز موافقتهم في أعيادهم] [الطريق الأول أنه موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في ديننا] فصل [في الأعياد] (١) إذا تقرر هذا الأصل في مشابهتهم فنقول: موافقتهم في أعيادهم لا تجوز من طريقين: الطريق الأول: هو ما تقدم من أن هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في ديننا، ولا عادة سلفنا، فيكون فيه مفسدة موافقتهم، وفي تركه مصلحة مخالفتهم، حتى لو كان موافقتهم في ذلك أمرا اتفاقيا، ليس مأخوذا عنهم، لكان المشروع لنا مخالفتهم؛ لما في مخالفتهم من المصلحة - كما تقدمت الإشارة إليه - فمن وافقهم فوّت على نفسه هذه المصلحة، وإن لم يكن قد أتى بمفسدة، فكيف إذا جمعهما؟ ومن جهة أنه من البدع المحدثة، وهذه الطريق لا ريب أنها تدل على كراهة التشبه بهم في ذلك، فإن أقل أحوال التشبه بهم: أن يكون مكروها، وكذلك أقل أحوال البدع: أن تكون مكروهة، ويدل كثير منها على تحريم التشبه بهم في العيد، مثل قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢) فإن موجب هذا: تحريم التشبه بهم مطلقا. وكذلك قوله: «خالفوا المشركين» ونحو ذلك، ومثل ما ذكرنا من دلالة الكتاب والسنة على تحريم سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأعيادهم من

стр. 468

سبيلهم، إلى غير ذلك من الدلائل. فمن انعطف (١) على ما تقدم من الدلائل العامة: نصا وإجماعا وقياسا، تبين له دخول هذه المسألة في كثير مما تقدم من الدلائل، وتبين له أن هذا من جنس أعمالهم، التي هي دينهم، أو شعار دينهم الباطل، وأن هذا محرم كله بخلاف ما لم يكن من خصائص دينهم، ولا شعارا له (٢) مثل نزع النعلين في الصلاة فإنه جائز، كما أن لبسهما جائز، وتبين له أيضا: الفرق بين ما بقينا فيه على عادتنا، لم نحدث شيئا نكون به موافقين لهم فيه، وبين أن نحدث أعمالا أصلها مأخوذ عنهم، قصدنا موافقتهم، أو لم نقصد. [الطريق الثاني الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار] [النهي عن موافقتهم في أعيادهم بالكتاب] وأما الطريق الثاني (٣) الخاص في نفس أعياد الكفار: فالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار (٤) . أما الكتاب: فمما تأوله غير واحد من التابعين وغيرهم، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] (٥) فروى أبو بكر الخلال في "الجامع" (٦) بإسناده عن محمد بن سيرين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: " هو الشعانين " (٧) .

стр. 469

وكذلك ذكر عن مجاهد قال: " هو (١) أعياد المشركين " وكذلك عن الربيع بن أنس (٢) قال: أعياد المشركين (٣) . وفي معنى هذا: ما روي عن عكرمة قال: " لعب كان لهم في الجاهلية (٤) . وقال القاضي أبو يعلى: مسألة: في النهي عن حضور أعياد المشركين: روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده في شروط أهل الذمة، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: " عيد المشركين " (٥) . وبإسناده عن أبي سنان عن الضحاك ": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] كلام الشرك " (٦) . وبإسناده عن جويبر (٧) عن الضحاك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]

стр. 470

قال: " أعياد المشركين " وروى بإسناده، عن عمرو بن مرة: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] " لا يمالئون (١) أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم " (٢) . وبإسناده عن عطاء بن يسار (٣) قال: قال عمر: " إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم " (٤) . وقول هؤلاء التابعين: " إنه أعياد الكفار " ليس مخالفا لقول بعضهم: " إنه الشرك "، أو صنم (٥) كان في الجاهلية، ولقول بعضهم: إنه مجالس الخنا، وقول بعضهم: إنه الغناء؛ لأن عادة السلف في تفسيرهم هكذا: يذكر الرجل نوعا من أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبه به على الجنس، كما لو قال العجمي: ما الخبز؟ فيعطى رغيفا ويقال له: هذا، بالإشارة إلى الجنس، لا إلى عين الرغيف.

стр. 471

لكن قد قال قوم: إن المراد: شهادة الزور التي هي الكذب، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] ولم يقل: لا يشهدون بالزور. والعرب تقول: شهدت كذا: إذا حضرته، كقول ابن عباس: " شهدت العيد (١) مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " (٢) وقول عمر: " الغنيمة لمن شهد الوقعة " (٣) وهذا كثير في كلامهم، وأما: شهدت بكذا، فمعناه: أخبرت به. ووجه تفسير التابعين المذكورين: أن الزور هو المحَسَّن المموه، حتى يظهر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة، ومنه قوله ﷺ : «المتشبع (٤) بما لم يعط كلابس ثوبي زور» (٥) لما كان يظهر مما يعظم به مما ليس عنده، فالشاهد بالزور (٦) يظهر كلاما يخالف الباطن، ولهذا فسره السلف تارة بما يظهر حسنه لشبهة، أو لشهوة، وهو قبيح في الباطن، فالشرك ونحوه: يظهر حسنه للشبهة، والغناء ونحوه: يظهر حسنه للشهوة.

стр. 472

وأما أعياد المشركين: فجمعت الشبهة والشهوة، وهي باطل (١) ؛ إذ لا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة: فعاقبتها إلى ألم، فصارت زورا، وحضورها: شهودها، وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها، الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك، من العمل الذي هو عمل الزور، لا مجرد شهوده؟ ثم (٢) مجرد هذه الآية، فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم، وذلك وحده يفيد الترغيب في ترك شهود أعيادهم، وغيرها من الزور، ويقتضي الندب إلى ترك حضورها وقد يفيد كراهية حضورها لتسمية الله لها زورا. فأما تحريم شهودها من هذه الآية ففيه نظر، ودلالتها على تحريم فعلها أوجه؛ لأن الله تعالى سماها زورا، وقد ذم من يقول الزور، وإن لم (٣) يضر غيره لقوله في المتظاهرين (٤) ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] (٥) وقال تعالى: (٦) ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] (٧) ففاعل الزور كذلك. وقد يقال: قول الزور أبلغ من فعله، ولأنهم إذا مدحهم على مجرد تركهم شهوده، دل على أن فعله مذموم عنده معيب؛ إذ لو كان فعله جائزا والأفضل تركه: لم يكن في مجرد شهوده أو ترك شهوده كبير مدح، إذ شهود المباحات التي (٨) لا منفعة فيها، وعدم شهودها، قليل التأثير.

стр. 473

وقد (١) يقال: هذا مبالغة في مدحهم؛ إذ كانوا لا يحضرون مجالس البطالة، وإن كانوا لا يفعلون الباطل، ولأن (٢) الله تعالى قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٣) . فجعل هؤلاء المنعوتين هم عباد الرحمن، وعبودية الرحمن واجبة، فتكون هذه الصفات واجبة. وفيه نظر؛ إذ قد يقال: في هذه الصفات ما لا يجب، ولأن المنعوتين هم المستحقون لهذا الوصف على وجه الحقيقة والكمال، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (٥) . وقال ﷺ : «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان» . . (٦) الحديث. وقال: «ما تعدون (٧) المفلس فيكم (٨) » (٩) «ما تعدون

стр. 474

الرقوب» (١) ونظائره كثيرة. فسواء كانت الآية دالة على تحريم ذلك، أو كراهته أو استحباب تركه: حصل أصل المقصود؛ إذ من المقصود: بيان استحباب ترك موافقتهم أيضا؛ فإن بعض الناس قد يظن استحباب فعل ما فيه موافقة لهم؛ لما فيه من التوسيع على العيال، أو من إقرار الناس على اكتسابهم، ومصالح دنياهم، فإذا علم استحباب ترك ذلك: كان أول (٢) المقصود. [النهي عن موافقتهم في أعيادهم بالسنة] وأما السنة (٣) فروى أنس بن مالك ﵁ قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: " ما هذان اليومان؟ "، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : " إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» رواه أبو داود بهذا اللفظ (٤) .

стр. 475

" حدثنا موسى بن إسماعيل (١) حدثنا حماد عن (٢) حميد، عن أنس " ورواه أحمد (٣) والنسائي (٤) وهذا إسناد على شرط مسلم. فوجه الدلالة: أن العيدين (٥) الجاهليين (٦) لم يقرهما رسول الله ﷺ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين،» والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه؛ إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه (٧) ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما، كقوله سبحانه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] (٨) وقوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ (٩) بِجَنَّتَيْهِمْ (١٠) جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٦] (١١) وقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] (١٢)

стр. 476

وقوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] (١) . ومنه الحديث في المقبور (٢) فيقال له: «انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به خيرا منه مقعدا في الجنة» ، ويقال للآخر: «انظر إلى مقعدك في الجنة، أبدلك الله به مقعدا من النار» (٣) . وقول عمر ﵁ للبيد (٤) " ما فعل شِعرك؟ قال: أبدلني الله به البقرة وآل عمران " (٥) . وهذا كثير في الكلام. فقوله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما» (٦) يقتضي ترك الجمع بينهما، لا سيما وقوله: (٧) «خيرا منهما» يقتضي الاعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية.

стр. 477

وأيضا فقوله لهم: «إن الله قد أبدلكم» لما سألهم عن اليومين فأجابوه: " بأنهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية " دليل على أنه نهاهم عنهما اعتياضا بيومي الإسلام؛ إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسبا؛ إذ أصل شرع اليومين (١) الإسلاميين كانوا يعلمونه (٢) ولم يكونوا ليتركوه لأجل يومي الجاهلية. وفي قول أنس: " ولهم يومان يلعبون فيهما "، وقول النبي ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيرا منهما» دليل على أن أنسا ﵁ فهم من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أبدلكم بهما» تعويضا باليومين المبدلين. وأيضا فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على (٣) عهد رسول الله ﷺ ، ولا (٤) عهد خلفائه، ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما ونحوه مما كانوا يفعلونه، لكانوا قد بقوا على العادة؛ إذ العادات لا تغير إلا بمغير يزيلها، لا سيما وطباع النساء والصبيان وكثير من الناس متشوفة (٥) إلى اليوم الذي يتخذونه عيدا للبطالة واللعب. ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس عن عاداتهم في أعيادهم؛ لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا قوة المانع من رسول الله ﷺ لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان ثابتا، وكل ما منع منه الرسول منعا قويا كان محرما؛ إذ لا يعني بالمحرم إلا هذا.

стр. 478

وهذا أمر بين (١) لا شبهة فيه، فإن مثل ذينك العيدين، لو عاد الناس إليهما بنوع مما كان يفعل فيهما - إن رخص فيه - كان مراغمة بينه وبين ما نهى عنه، فهو المطلوب. والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها، أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها؛ فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود والنصارى، وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية، فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر، عند اخترام أنفس المؤمنين عموما، ولو لم يكن أشد منه، فإنه مثله على ما لا يخفى؛ إذ الشر الذي له فاعل موجود، يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضى له قوي. الحديث الثاني: (٢) ما رواه أبو داود، حدثنا داود (٣) بن رشيد (٤) حدثنا شعيب بن إسحاق (٥) عن الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني

стр. 479

أبو قلابة، حدثني ثابت بن الضحاك (١) قال: «نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي ﷺ : " هل كان فيها وثن (٢) من أوثان الجاهلية يعبد؟ "، قالوا (٣) لا، قال: " فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا (٤) لا، قال رسول الله ﷺ : " أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر (٥) في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (٦) أصل هذا الحديث في الصحيحين (٧) وهذا الإسناد على شرط الصحيحين، وإسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصل بلا عنعنة.

стр. 480

وبوانة: بضم الباء الموحدة من أسفل (١) فيه يقول وضاح اليمن (٢) . أيا نخلتي وادي بوانة , حبذا ... إذا نام حراس النخيل - جناكما (٣) وسيأتي وجه الدلالة منه. وقال أبو داود في سننه: حدثنا الحسن بن علي (٤) حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا عبد الله بن يزيد بن مقسم الثقفي (٥) -من أهل الطائف - حدثتني سارة بنت مقسم (٦) أنها سمعت ميمونة بنت

стр. 481

كردم (١) قالت: «خرجت مع أبي في حجة رسول الله ﷺ ، فرأيت رسول الله ﷺ ، وسمعت الناس يقولون: رسول الله (٢) ﷺ ، فجعلت أبدّه بصري (٣) فدنا إليه أبي وهو على ناقة له معه درة كدرة الكتّاب، فسمعت الأعراب والناس يقولون: الطبطبية، الطبطبية (٤) فدنا إليه أبي، فأخذ بقدمه، قالت: فأقر له، ووقف، فاستمع منه، فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن ولد لي ولد (٥) ذكر أن أنحر على رأس بوانة، في عقبة (٦) من الثنايا، عدة من الغنم (٧) -قال: لا أعلم إلا أنها قالت: خمسين - فقال رسول الله ﷺ : " هل بها من هذه (٨) الأوثان شيء؟ " قال: لا، قال: " فأوف

стр. 482

بما (١) نذرت به لله " قال: فجمعها فجعل يذبحها، فانفلتت منه شاة، فطلبها وهو يقول: اللهم أوف (٢) بنذري، فظفر بها فذبحها» (٣) . قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار (٤) حدثنا أبو بكر الحنفي (٥) حدثنا عبد الحميد بن جعفر (٦) عن عمرو بن شعيب، عن ميمونة بنت كردم (٧) بن سفيان، عن أبيها. . نحوه (٨) مختَصَرا شيء منه (٩) قال: «هل بها

стр. 483

وثن (١) أو عيد من أعياد الجاهلية؟ " قال: لا، قال: قلت: إن أمي (٢) هذه عليها نذر (٣) مشي، أفأقضيه عنها؟ وربما قال ابن بشار: أنقضيه عنها؟ قال: " نعم» (٤) . وقال: حدثنا مسدد (٥) حدثنا الحارث بن عبيد (٦) أبو قدامة (٧) عن عبيد (٨) الله الأخنس (٩) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه (١٠) عن جده، «أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: " يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك

стр. 484

بالدف"، قال: " أوفي بنذرك "، قالت: " إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا - مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية - " قال: " لصنم؟ " قالت: لا، قال: " لوثن؟ " قالت: لا، قال: " أوفي بنذرك» (١) . فوجه الدلالة: أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعما: إما إبلا، وإما غنما، وإما كانت قضيتين، بمكان سماه، فسأله النبي ﷺ : «هل كان بها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا، قال: " فهل كان بها عيد من أعيادهم؟ " قال: لا، قال: " أوف بنذرك " ثم قال: " لا وفاء لنذر في معصية الله» . وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم ومحل أوثانهم معصية لله، من وجوه: أحدها: أن قوله: «فأوف بنذرك» (٢) تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدل على أن الوصف هو سبب الحكم؛ فيكون سبب الأمر بالوفاء: وجود النذر خاليا من هذين الوصفين، فيكون الوصفان مانعين (٣) من الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به. الثاني: أنه عقب ذلك بقوله: «لا وفاء لنذر في معصية الله» ولولا (٤) اندراج الصورة المسئول عنها في هذا اللفظ العام، وإلا لم يكن في الكلام ارتباط، والمنذور في نفسه - وإن لم يكن معصية - لكن لما سأله النبي ﷺ عن الصورتين قال له: «فأوف بنذرك» ، يعني: حيث ليس هناك ما يوجب تحريم الذبح هناك، فكان جوابه ﷺ فيه أمرا بالوفاء عند الخلو من هذا، ونهى عنه عند وجود هذا، وأصل الوفاء بالنذر معلوم، فبين ما لا وفاء فيه.

стр. 485

واللفظ العام إذا ورد على سبب، فلا بد أن يكون السبب مندرجا فيه. الثالث: أنه لو كان الذبح في موضع العيد جائزا لسوغ (١) ﷺ للناذر الوفاء به، كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف (٢) أن تضرب به، بل لأوجب الوفاء به؛ إذ كان الذبح بالمكان المنذور واجبا، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيا عنه، فكيف الموافقة في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟ يوضح ذلك: أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك. فالعيد: يجمع (٣) أمورا: منها: يوم عائد (٤) كيوم (٥) الفطر، ويوم الجمعة. ومنها: اجتماع فيه. ومنها: أعمال تتبع (٦) ذلك: من العبادات، والعادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا، وكل هذه الأمور قد تسمى عيدا. فالزمان، كقوله ﷺ ليوم الجمعة: «إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدا» . والاجتماع والأعمال، كقول ابن عباس: «شهدت العيد مع رسول الله ﷺ » .

стр. 486

والمكان، كقوله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدا» . وقد يكون لفظ: (العيد) اسما لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب، كقول النبي ﷺ : «دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدا، وإن هذا عيدنا» فقول النبي ﷺ : «هل بها (١) عيد من أعيادهم؟» يريد اجتماعا معتادا من اجتماعاتهم التي كانت (٢) عيدا، فلما قال: لا، قال له: «أوف بنذرك» وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانا لعيدهم: مانع من الذبح بها - وإن نذر -، كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك، وإلا (٣) لما انتظم الكلام، ولا حسن الاستفصال. ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها، أو لمشاركتهم في التعييد فيها، أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ونحو ذلك؛ إذ ليس إلا مكان الفعل، أو نفس الفعل، أو زمانه. فإن كان من أجل تخصيص البقعة - وهو الظاهر - فإنما نهى عن تخصيص البقعة لأجل كونها موضع عيدهم، ولهذا لمّا خلت من (٤) ذلك أذن في الذبح فيها، وقصد التخصيص باق، فعلم: أن المحذور تخصيص بقعة عيدهم، وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذورا، فكيف بنفس عيدهم؟ هذا كما أنه لما كرهها لكونها موضع شركهم بعبادة الأوثان، كان ذلك (٥) أدل على النهي عن الشرك وعبادة الأوثان.

стр. 487

وإن كان (١) النهي لأن في الذبح هناك موافقة لهم في عمل عيدهم، فهو عين مسألتنا؛ إذ مجرد الذبح هناك لم يكره على هذا التقدير إلا لموافقتهم في العيد؛ إذ ليس فيه محذور آخر، وإنما كان الاحتمال الأول أظهر؛ لأن النبي ﷺ لم يسأله إلا عن كونها مكان عيدهم، ولم يسأله: هل يذبح وقت عيدهم؟ ولأنه قال: «هل كان بها (٢) عيد من أعيادهم» فعلم أنه وقت السؤال لم يكن العيد موجودا، وهذا ظاهر، فإن في الحديث الآخر: أن القصة كانت في حجة الوداع؛ وحينئذ لم يكن قد بقي عيد للمشركين. فإذا كان ﷺ قد نهى أن يذبح في مكان كان الكفار يعملون فيه عيدا (٣) وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد، والسائل لا يتخذ المكان عيدا، بل يذبح فيه فقط: فقد ظهر أن ذلك سد للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سببا لإحياء أمر تلك البقعة، وذريعة إلى اتخاذها عيدا، مع أن ذلك العيد إنما كان يكون - والله أعلم - سوقا يتبايعون فيها، ويلعبون، كما قالت له الأنصار: " يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية " لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم، ولهذا فرق النبي ﷺ بين كونها مكان وثن، وكونها مكان عيد. وهذا نهي شديد عن أن يُفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان. وأعياد الكفار: من الكتابيين والأميين، في دين الإسلام، من جنس واحد، كما أن كفر الطائفتين سواء في التحريم، وإن كان بعضه أشد تحريما (٤) من بعض، ولا يختلف حكمهما في حق المسلم، لكن أهل الكتابين أقروا على

стр. 488

دينهم، مع ما فيه من أعيادهم، بشرط: أن لا يظهروها، ولا شيئا من دينهم، وأولئك لم يقرّوا، بل أعياد الكتابيين التي تتخذ دينا وعبادة: أعظم تحريما من عيد يتخذ لهوا ولعبا؛ لأن التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء الشهوات بما حرمه؛ ولهذا كان الشرك أعظم إثما من الزنا، ولهذا كان جهاد أهل الكتاب أفضل من جهاد الوثنيين، وكان من قتلوه من المسلمين له أجر شهيدين. وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان خشية أن يتدنس المسلم بشيء من أمر الكفار، الذين قد يئس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب؛ فالخشية من تدنسه بأوضار (١) الكتابيين الباقين أشد، والنهي عنه أوكد، كيف وقد تقدم الخبر الصادق بسلوك طائفة من هذه الأمة سبيلهم؟ الوجه الثالث من السنة (٢) أن هذا الحديث وغيره، قد دل على أنه كان للناس في الجاهلية أعياد يجتمعون فيها، ومعلوم أنه (٣) بمبعث رسول الله ﷺ ؛ محى الله ذلك عنهم، فلم يبق شيء من ذلك. ومعلوم أنه لولا نهيه ومنعه لما ترك الناس تلك الأعياد؛ لأن المقتضي لها قائم من جهة الطبيعة التي تحب ما يصنع في الأعياد - خصوصا أعياد الباطل - من اللعب واللذات، ومن جهة العادة التي ألفت ما يعود من العيد، فإن العادة طبيعة ثانية، وإذا كان المقتضي قائما قويا، فلولا المانع القوي؛ لما درست تلك الأعياد.

стр. 489

وهذا يوجب العلم اليقيني، بأن إمام المتقين ﷺ كان يمنع أمته منعا قويا عن أعياد (١) الكفار، ويسعى في دروسها (٢) وطمسها (٣) بكل سبيل، وليس (٤) في إقرار أهل الكتاب على دينهم، إبقاء لشيء من أعيادهم في حق أمته، كما أنه ليس في ذلك إبقاء في حق أمته؛ لما هم عليه في سائر أعمالهم (٥) من سائر كفرهم ومعاصيهم، بل قد بالغ ﷺ في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات، وصفات الطاعات؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزا ومانعا عن سائر أمورهم، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب (٦) الجحيم، كان أبعد لك عن أعمال أهل الجحيم. فليس بعد حرصه على أمته ونصحه لهم غاية (٧) - بأبي هو وأمي - وكل ذلك من فضل الله عليه وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٨) . الوجه الرابع من السنة: ما خرّجاه في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «دخل عليّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين (٩) فقال أبو بكر ﵁: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك يوم عيد، فقال

стр. 490

رسول الله ﷺ : " يا أبا بكر: إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا» (١) . وفي رواية: «يا أبا بكر: إن لكل قوم عيدا، وإن عيدنا هذا اليوم» (٢) وفي الصحيحين أيضا أنه قال: «دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد» ، وتلك الأيام أيام منى (٣) . فالدلالة من وجوه: أحدها: قوله: «إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا» فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، كما أن الله سبحانه لما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] (٤) وقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٥) أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم، وذلك أن اللام تورث الاختصاص، فإذا كان لليهود عيد وللنصارى عيد؛ كانوا مختصين به فلا نشركهم (٦) فيه، كما لا نشركهم (٧) في قبلتهم وشرعتهم. وكذلك أيضا، على هذا: لا ندعهم يشركوننا في عيدنا.

стр. 491

الثاني (١) قوله: «وهذا عيدنا» ، فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا، فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله: «وإن عيدنا هذا اليوم» فإن التعريف باللام والإضافة يقتضي الاستغراق، فيقتضي أن يكون جنس عيدنا منحصرا في جنس ذلك اليوم، كما في قوله (٢) " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " (٣) . وليس غرضه ﷺ الحصر في عين ذلك العيد، أو عين ذلك اليوم، بل الإشارة إلى جنس المشروع، كما تقول الفقهاء: باب صلاة العيد، وصلاة العيد كذا وكذا، ويندرج فيها صلاة العيدين، وكما يقال: لا يجوز صوم يوم العيد. وكذا قوله: «وإن هذا اليوم» أي جنس هذا اليوم، كما يقول القائل لما يعاينه (٤) من الصلاة: هذه صلاة المسلمين، ويقال لمخرج الناس (٥) إلى الصحراء (٦) وما يفعلونه من التكبير والصلاة ونحو ذلك (٧) هذا عيد المسلمين، ونحو ذلك (٨) .

стр. 492

ومن هذا الباب: حديث عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «يوم عرفة ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» . رواه أبو داود (١) والنسائي (٢) والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٣) . فإنه دليل مفارقتنا (٤) لغيرنا في العيد، والتخصيص بهذه الأيام الخمسة؛ لأنه يجتمع فيها العيدان: المكاني والزماني، ويطول زمنه، وبهذا يسمى العيد الكبير، فلما كملت فيه صفات التعييد: حصر الحكم فيه لكماله، أو لأنه هو عد أياما (٥) وليس لنا عيد هو أيام إلا هذه الخمسة. الوجه الثالث: أنه رخص في لعب الجواري بالدف، وتغنيهن، معللا بأن لكل قوم عيدا، وأن هذا عيدنا، وذلك يقتضي أن الرخصة معللة بكونه عيد المسلمين، وأنها لا تتعدى إلى أعياد الكفار، وأنه لا يرخص (٦) في اللعب في أعياد الكفار، كما يرخص (٧) فيه في أعياد المسلمين؛ إذ لو كان ما فعل في عيدنا من ذلك (٨) اللعب يسوغ (٩) مثله في أعياد الكفار أيضا لما قال: «فإن لكل

стр. 493

قوم عيدا، وإن هذا عيدنا» لأن تعقيب الحكم بالوصف بحرف الفاء دليل على أنه علة، فيكون علة الرخصة: أن كل أمة مختصة بعيد، وهذا عيدنا، وهذه العلة مختصة (١) بالمسلمين. فلو كانت الرخصة معلقة باسم (عيد) لكان الأعم مستقلا بالحكم، فيكون الأخص عدم التأثير، فلما علل بالأخص علم أن الحكم لا يثبت بالوصف الأعم، وهو مسمى: عيد، فلا يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد المسلمين، وهذا (٢) هو المطلوب، وهذا فيه دلالة على النهي عن التشبه بهم في اللعب ونحوه. الوجه الخامس (٣) من السنة: أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى، حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، وكان اليهود بالمدينة كثيرا (٤) في حياة رسول الله ﷺ ، وكان قد هادنهم حتى نقضوا العهد طائفة بعد طائفة، وما زال بالمدينة يهود، وإن لم يكونوا كثيرا، فإنه ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان في اليمن يهود كثير، والنصارى بنجران وغيرها، والفرس بالبحرين. ومن المعلوم أن هؤلاء كانت لهم أعياد يتخذونها، ومن المعلوم أيضا أن المقتضي لما يفعل في العيد: من الأكل، والشرب، واللباس، والزينة، واللعب، والراحة، ونحو ذلك: قائم في النفوس كلها إذا

стр. 494

لم يوجد مانع، خصوصا في نفوس الصبيان والنساء، وأكثر الفارغين من الناس. ثم من كانت له خبرة بالسيرة، علم يقينا أن المسلمين على عهده ﷺ ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكافرين (١) بل ذلك اليوم عند (٢) رسول الله ﷺ وسائر المسلمين يوم من الأيام لا يخصونه بشيء أصلا إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه، كصومه. على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. فلولا أن المسلمين كان (٣) دينهم الذي تلقوه عن نبيهم منع (٤) من ذلك وكف (٥) عنه، لوجب أن يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك؛ لأن المقتضي إلى ذلك قائم، كما تدل عليه الطبيعة والعادة، فلولا المانع الشرعي لوجد مقتضاه، ثم على هذا جرى عمل المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين. غاية ما كان يوجد من بعض الناس: ذهاب إليهم يوم العيد للتنزه بالنظر إلى عيدهم، ونحو ذلك، فنهى عمر ﵁ وغيره من الصحابة عن ذلك، كما سنذكره، فكيف لو كان بعض الناس يفعل ما يفعلونه، أو ما هو بسبب عيدهم؟ بل لما ظهر من بعض المسلمين اختصاص يوم عيدهم بصوم؛ مخالفة لهم، نهاه الفقهاء، أو كثير منهم، عن ذلك؛ لأجل ما فيه من تعظيم ما لعيدهم، أفلا يستدل بهذا على أن المسلمين تلقوا عن نبيهم ﷺ المنع عن مشاركتهم في أعيادهم؟ وهذا بعد التأمل بين جدا.

стр. 495

الوجه السادس (١) من السنة: ما رواه أبو هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد» متفق عليه (٢) . وفي لفظ صحيح: «بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له» (٣) . وعن أبي هريرة، وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان (٤) للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم - وفي رواية بينهم - قبل الخلائق» رواه مسلم (٥) . وقد سمى النبي ﷺ الجمعة: (عيدا) في غير موضع، ونهى عن إفراده بالصوم؛ لما فيه من معنى العيد.
следующие страницы →