← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الثاني (١) قوله: «وهذا عيدنا» ، فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا، فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله: «وإن عيدنا هذا اليوم» فإن التعريف باللام والإضافة يقتضي الاستغراق، فيقتضي أن يكون جنس عيدنا منحصرا في جنس ذلك اليوم، كما في قوله (٢) " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " (٣) . وليس غرضه ﷺ الحصر في عين ذلك العيد، أو عين ذلك اليوم، بل الإشارة إلى جنس المشروع، كما تقول الفقهاء: باب صلاة العيد، وصلاة العيد كذا وكذا، ويندرج فيها صلاة العيدين، وكما يقال: لا يجوز صوم يوم العيد. وكذا قوله: «وإن هذا اليوم» أي جنس هذا اليوم، كما يقول القائل لما يعاينه (٤) من الصلاة: هذه صلاة المسلمين، ويقال لمخرج الناس (٥) إلى الصحراء (٦) وما يفعلونه من التكبير والصلاة ونحو ذلك (٧) هذا عيد المسلمين، ونحو ذلك (٨) .

стр. 492

ومن هذا الباب: حديث عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «يوم عرفة ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» . رواه أبو داود (١) والنسائي (٢) والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٣) . فإنه دليل مفارقتنا (٤) لغيرنا في العيد، والتخصيص بهذه الأيام الخمسة؛ لأنه يجتمع فيها العيدان: المكاني والزماني، ويطول زمنه، وبهذا يسمى العيد الكبير، فلما كملت فيه صفات التعييد: حصر الحكم فيه لكماله، أو لأنه هو عد أياما (٥) وليس لنا عيد هو أيام إلا هذه الخمسة. الوجه الثالث: أنه رخص في لعب الجواري بالدف، وتغنيهن، معللا بأن لكل قوم عيدا، وأن هذا عيدنا، وذلك يقتضي أن الرخصة معللة بكونه عيد المسلمين، وأنها لا تتعدى إلى أعياد الكفار، وأنه لا يرخص (٦) في اللعب في أعياد الكفار، كما يرخص (٧) فيه في أعياد المسلمين؛ إذ لو كان ما فعل في عيدنا من ذلك (٨) اللعب يسوغ (٩) مثله في أعياد الكفار أيضا لما قال: «فإن لكل

стр. 493

قوم عيدا، وإن هذا عيدنا» لأن تعقيب الحكم بالوصف بحرف الفاء دليل على أنه علة، فيكون علة الرخصة: أن كل أمة مختصة بعيد، وهذا عيدنا، وهذه العلة مختصة (١) بالمسلمين. فلو كانت الرخصة معلقة باسم (عيد) لكان الأعم مستقلا بالحكم، فيكون الأخص عدم التأثير، فلما علل بالأخص علم أن الحكم لا يثبت بالوصف الأعم، وهو مسمى: عيد، فلا يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد المسلمين، وهذا (٢) هو المطلوب، وهذا فيه دلالة على النهي عن التشبه بهم في اللعب ونحوه. الوجه الخامس (٣) من السنة: أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى، حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، وكان اليهود بالمدينة كثيرا (٤) في حياة رسول الله ﷺ ، وكان قد هادنهم حتى نقضوا العهد طائفة بعد طائفة، وما زال بالمدينة يهود، وإن لم يكونوا كثيرا، فإنه ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان في اليمن يهود كثير، والنصارى بنجران وغيرها، والفرس بالبحرين. ومن المعلوم أن هؤلاء كانت لهم أعياد يتخذونها، ومن المعلوم أيضا أن المقتضي لما يفعل في العيد: من الأكل، والشرب، واللباس، والزينة، واللعب، والراحة، ونحو ذلك: قائم في النفوس كلها إذا

стр. 494

لم يوجد مانع، خصوصا في نفوس الصبيان والنساء، وأكثر الفارغين من الناس. ثم من كانت له خبرة بالسيرة، علم يقينا أن المسلمين على عهده ﷺ ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكافرين (١) بل ذلك اليوم عند (٢) رسول الله ﷺ وسائر المسلمين يوم من الأيام لا يخصونه بشيء أصلا إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه، كصومه. على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. فلولا أن المسلمين كان (٣) دينهم الذي تلقوه عن نبيهم منع (٤) من ذلك وكف (٥) عنه، لوجب أن يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك؛ لأن المقتضي إلى ذلك قائم، كما تدل عليه الطبيعة والعادة، فلولا المانع الشرعي لوجد مقتضاه، ثم على هذا جرى عمل المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين. غاية ما كان يوجد من بعض الناس: ذهاب إليهم يوم العيد للتنزه بالنظر إلى عيدهم، ونحو ذلك، فنهى عمر ﵁ وغيره من الصحابة عن ذلك، كما سنذكره، فكيف لو كان بعض الناس يفعل ما يفعلونه، أو ما هو بسبب عيدهم؟ بل لما ظهر من بعض المسلمين اختصاص يوم عيدهم بصوم؛ مخالفة لهم، نهاه الفقهاء، أو كثير منهم، عن ذلك؛ لأجل ما فيه من تعظيم ما لعيدهم، أفلا يستدل بهذا على أن المسلمين تلقوا عن نبيهم ﷺ المنع عن مشاركتهم في أعيادهم؟ وهذا بعد التأمل بين جدا.

стр. 495

الوجه السادس (١) من السنة: ما رواه أبو هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد» متفق عليه (٢) . وفي لفظ صحيح: «بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له» (٣) . وعن أبي هريرة، وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان (٤) للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم - وفي رواية بينهم - قبل الخلائق» رواه مسلم (٥) . وقد سمى النبي ﷺ الجمعة: (عيدا) في غير موضع، ونهى عن إفراده بالصوم؛ لما فيه من معنى العيد.

стр. 496

ثم إن في هذا الحديث ذكر أن الجمعة لنا، كما أن السبت لليهود، والأحد للنصارى، واللام تقتضي الاختصاص. ثم هذا الكلام: يقتضي الاقتسام، إذا قيل: هذه ثلاثة أثواب (١) أو ثلاثة غلمان: هذا لي، وهذا لزيد، وهذا لعمرو (٢) أوجب ذلك أن يكون كل واحد مختصا بما جعل له، ولا يشرك فيه غيره، فإذا نحن شاركناهم (٣) في عيدهم يوم السبت، أو عيد (٤) يوم الأحد؛ خالفنا هذا الحديث، وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي، فكذلك في العيد الحولي، إذ لا فرق، بل إذا كان هذا في عيد يعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تعرف إلا بالحساب الرومي القبطي، أو الفارسي أو العبري، ونحو ذلك؟ . وقوله ﷺ : «بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله» أي: من أجل، كما يروى أنه قال: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر» (٥) . والمعنى والله أعلم: أي نحن الآخرون في الخلق السابقون في

стр. 497

الحساب والدخول إلى الجنة، كما قد جاء في الصحيح: أن هذه الأمة أول (١) من يدخل الجنة من الأمم (٢) وأن محمدا ﷺ أول من يفتح له باب الجنة (٣) وذلك لأنا أوتينا الكتاب من بعدهم، فهدينا لما اختلفوا فيه من العيد السابق للعيدين الآخرين، وصار عملنا (٤) الصالح قبل عملهم، فلما سبقناهم إلى الهدى والعمل الصالح جعلنا سابقين لهم في ثواب العمل الصالح. ومن قال: (بيد) ، هنا (٥) بمعنى: غير، فقد أبعد. الوجه السابع (٦) من السنة: ما روى كريب (٧) مولى ابن عباس ﵄ قال: «أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة ﵂، أسألها: أي الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صياما؟ قالت: كان يصوم يوم السبت، ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: " إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم» .

стр. 498

رواه أحمد والنسائي وابن أبي عاصم (١) وهو محفوظ من حديث عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي (٢) عن أبيه، عن كريب. وصححه بعض الحفاظ. وهذا نص في شرع مخالفتهم في عيدهم، وإن كان على طريق الاستحباب، وسنذكر حديث نهيه عن صوم يوم السبت، وتعليل ذلك أيضا بمخالفتهم، ونذكر حكم صومه مفردا عند العلماء، وأنهم متفقون على شرع مخالفتهم في عيدهم وإنما (٣) اختلفوا: هل مخالفتهم يوم عيدهم (٤) بالصوم لمخالفة فعلهم فيه، أو بالإهمال حتى لا يقصد بصوم ولا بفطر، أو يفرق بين العيد العربي والعيد العجمي؟ على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. [النهي عن موافقتهم في أعيادهم بالإجماع والآثار] وأما الإجماع والآثار فمن وجوه: أحدها: ما قدمت التنبيه عليه، من أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية، يفعلون أعيادهم التي لهم، والمقتضي لبعض ما يفعلونه قائم في كثير من النفوس، ثم لم يكن على عهد السابقين (٥) من المسلمين، من يشركهم في شيء من ذلك، فلولا قيام المانع في نفوس

стр. 499

الأمة، كراهة ونهيا عن (١) ذلك، وإلا لوقع ذلك كثيرا؛ إذ الفعل مع وجود مقتضيه، وعدم منافيه: واقع لا محالة، والمقتضى واقع؛ فعلم وجود المانع، والمانع هنا هو: الدين، فعلم أن الدين دين الإسلام هو المانع من الموافقة، وهو المطلوب. الثاني: أنه قد تقدم في شروط عمر ﵁، التي اتفقت عليها الصحابة، وسائر الفقهاء بعدهم: أن أهل الذمة من أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وسموا: الشعانين والباعوث (٢) فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ للمسلمين (٣) فعلها؟ أو ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها، مظهرا لها؟ وذلك: أنا إنما (٤) منعناهم من إظهارها؛ لما فيه من الفساد: إما لأنها معصية، أو شعار المعصية، وعلى التقديرين: فالمسلم ممنوع من المعصية، ومن شعار (٥) المعصية، ولو لم يكن في فعل المسلم لها من الشر إلا تجرئة الكافر على إظهارها لقوة قلبه بالمسلم (٦) إذا فعلها، فكيف وفيها من الشر ما سننبه (٧) على بعضه؟ الثالث: ما تقدم من رواية أبي الشيخ الأصبهاني، عن عطاء بن يسار

стр. 500

- هكذا رأيته (١) ولعله ابن (٢) دينار (٣) - قال: قال عمر: " إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم " (٤) . وروى البيهقي بإسناد صحيح في باب كراهة (٥) الدخول على أهل الذمة في كنائسهم (٦) والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم: عن سفيان الثوري، عن ثور بن يزيد (٧) عن عطاء بن دينار قال: قال عمر: " لا تعلّموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم " (٨) . وبالإسناد (٩) عن الثوري، عن عوف (١٠) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 501

عن الوليد (١) - أو أبي الوليد -، عن عبد الله بن عمرو (٢) قال: " من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حُشر معهم يوم القيامة " (٣) . وروى بإسناده عن البخاري صاحب الصحيح قال: قال لي ابن أبي مريم (٤) أنبأنا (٥) نافع بن يزيد (٦) سمع سلمان بن أبي زينب (٧) وعمرو بن الحارث (٨) . . . . . . . .

стр. 502

سمع (١) سعيد بن سلمة (٢) سمع أبان، سمع عمر بن الخطاب ﵁ قال: " اجتنبوا أعداء الله في عيدهم " (٣) . وروى بإسناد صحيح عن أبي أسامة (٤) حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو قال: " من بنى ببلاد الأعاجم (٥) فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك؛ حُشر معهم يوم القيامة " (٦) وقال: هكذا رواه يحيى بن سعيد، وابن أبي عدي (٧)

стр. 503

وغندر (١) وعبد الوهاب (٢) عن عوف، عن (٣) أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو من قوله (٤) . وبالإسناد إلى أبي أسامة، عن حماد بن زيد، (٥) عن هشام (٦) عن (٧) محمد بن سيرين قال: " أُتِي علي ﵁ بهدية (٨) النيروز، فقال: ما هذه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا يوم النيروز، قال: فاصنعوا كل يوم نيروزا (٩) قال أبو أسامة: كره ﵁ أن يقول: نيروزا " (١٠) . قال البيهقي: وفي هذا: الكراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصا به.

стр. 504

وهذا عمر نهى عن تعلم (١) لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة (٢) عليهم يوم عيدهم، فكيف بفعل بعض أفعالهم؟ أو بفعل ما هو من مقتضيات دينهم؟ . أليست موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟ أو (٣) ليس عمل (٤) بعض أعمال عيدهم (٥) أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم؟ وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم؛ فمن يشركهم في العمل أو بعضه: أليس قد يعرض لعقوبة ذلك؟ ثم قوله: " واجتنبوا أعداء الله في عيدهم " أليس نهيا عن لقائهم والاجتماع بهم فيه؟ فكيف بمن عمل عيدهم؟ وأما عبد الله بن عمرو (٦) فصرح أنه: " من بنى ببلادهم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت؛ حشر معهم " (٧) وهذا يقتضي أنه جعله كافرا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار، وإن كان الأول ظاهر لفظه، فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية؛ لأنه لو لم يكن مؤثرا في استحقاق العقوبة لم يجز جعله جزءا (٨) من المقتضى، إذ المباح لا يعاقب عليه، وليس الذم على بعض ذلك مشروطا ببعض؛ لأن أبعاض (٩) ما

стр. 505

ذكره يقتضي الذم مفردا. وإنما ذكر (١) - والله أعلم - من بنى ببلادهم؛ لأنهم على عهد عبد الله بن عمرو (٢) وغيرهم من الصحابة كانوا ممنوعين من إظهار أعيادهم بدار الإسلام، وما كان أحد من المسلمين يتشبه بهم في عيدهم (٣) وإنما كان يتمكن من ذلك بكونه في أرضهم. وأما علي ﵁، فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به، فكيف بموافقتهم في العمل؟ وقد نص أحمد على معنى ما جاء عن عمر وعلي ﵄ في ذلك، وذكر أصحابه مسأله العيد. وقد تقدم قول القاضي أبي يعلى: مسألة في المنع من حضور أعيادهم. وقال الإمام أبو الحسن الآمدي - المعروف بابن البغدادي (٤) - في كتابه: عمدة الحاضر وكفاية المسافر: " فصل: لا يجوز شهود أعياد النصارى (٥) واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا (٦) واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]

стр. 506

، قال: الشعانين وأعيادهم، فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره، نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم ". وقال الخلال في جامعه: " باب في كراهية (١) خروج المسلمين في أعياد المشركين " وذكر عن مهنا قال: " سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام، مثل: طور يانور (٢) ودير أيوب (٣) وأشباهه، يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق، ويجلبون (٤) الغنم فيه، والبقر، والدقيق (٥) والبر، والشعير، (٦) وغير ذلك، إلا أنه إنما يكون (٧) في الأسواق يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم؟ قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق فلا بأس ". فإنما رخص أحمد ﵀ في شهود السوق بشرط: أن لا يدخلوا عليهم بيعهم؛ فعلم منعه من دخول بيعهم. وكذلك أخذ الخلال من ذلك: المنع من خروج المسلمين في أعيادهم، فقد نص أحمد على مثل ما جاء عن عمر ﵁ من المنع من دخول

стр. 507

كنائسهم في أعيادهم، وهو كما ذكرنا من باب التنبيه عن المنع عن (١) أن يفعل (٢) كفعلهم. وأما الرطانة (٣) وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية، فقال أبو محمد الكرماني - المسمى بحرب -: باب تسمية الشهور بالفارسية: قلت لأحمد: فإن للفرس أياما وشهورا يسمونها بأسماء لا تعرف؟ فكره ذلك أشد الكراهة، وروى فيه عن مجاهد حديثا (٤) أنه كره أن يقال: آذرماه (٥) وذي ماه (٦) قلت: فإن كان اسم رجل أسميه به؟ فكرهه. قال: وسألت إسحاق قلت: تاريخ الكتاب يكتب بالشهور الفارسية مثل: آذرماه، وذي ماه؟ قال: إن لم يكن في تلك الأسامي اسم يكره، فأرجو. قال: وكان ابن المبارك يكره إيزدان (٧) يحلف به، وقال: لا آمن أن يكون أضيف إلى شيء يعبد، وكذلك الأسماء الفارسية قال: وكذلك أسماء العرب، كل شيء (٨) مضاف. قال: وسألت إسحاق مرة أخرى قلت: الرجل يتعلم شهور الروم والفرس؟ قال: كل اسم معروف في كلامهم فلا بأس (٩) .

стр. 508

فما قاله أحمد من كراهة هذه الأسماء له وجهان: أحدهما: إذا لم يعرف معنى الاسم، جاز أن يكون معنى محرما، فلا ينطق المسلم بما لا يعرف معناه، ولهذا كرهت الرقى العجمية، كالعبرانية (١) أو السريانية، أو غيرها؛ خوفا أن يكون فيها معان لا تجوز. وهذا المعنى هو الذي اعتبره إسحاق، لكن إن (٢) علم أن المعنى مكروه فلا ريب في كراهته، وإن جهل معناه فأحمد كرهه، وكلام إسحاق يحتمل أنه لم يكرهه. الوجه الثاني (٣) كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية، فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر (٤) الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر: أن يُدعى الله أو يذكر بغير العربية. وقد اختلف الفقهاء في أذكار الصلوات (٥) هل تقال بغير العربية؟ وهي ثلاث درجات: أعلاها القرآن، ثم الذكر الواجب غير القرآن، كالتحريمة بالإجماع (٦) وكالتحليل والتشهد عند من أوجبهما (٧) ثم الذكر غير الواجب، من دعاء أو تسبيح أو تكبير أو غير ذلك. فأما القرآن: فلا يقرؤه (٨) بغير العربية، سواء قدر عليها أو لم يقدر عند

стр. 509

الجمهور، وهو الصواب الذي لا ريب فيه، بل قد قال غير واحد: إنه يمتنع أن يترجم سورة، أو ما يقوم به الإعجاز. واختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية. وأما الأذكار الواجبة: فاختلف في منع ترجمة القرآن (١) هل يترجمها (٢) العاجز عن العربية، وعن تعلمها؟ وفيه لأصحاب أحمد وجهان، أشبهها بكلام أحمد: أنه لا يترجم، وهو قول مالك وإسحاق، والثاني: يترجم، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي. وأما سائر الأذكار فالمنصوص من الوجهين، أنه لا يترجمها (٣) ومتى فعل بطلت صلاته، وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي. والمنصوص عن الشافعي: أنه يكره ذلك بغير العربية ولا تبطل، ومن أصحابنا من قال: له ذلك، إذا لم يحسن العربية. وحكم النطق بالعجمية في العبادات: من الصلاة والقراءة والذكر، كالتلبية والتسمية على الذبيحة، وفي العقود والفسوخ، كالنكاح واللعان وغير ذلك: معروف في كتب الفقه. وأما الخطاب بها من غير حاجة في أسماء الناس والشهور (٤) - كالتواريخ ونحو ذلك - فهو منهي عنه، مع الجهل بالمعنى، بلا ريب، وأما مع العلم به فكلام أحمد بين في كراهته أيضا، فإنه (٥) كره: آذرماه، ونحوه، ومعناه ليس محرما. وأظنه سئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية فكرهه وقال: لسان سوء!

стр. 510

وهو أيضا قد أخذ بحديث عمر ﵁ الذي فيه النهي عن رطانتهم، وعن شهود أعيادهم، وهذا (١) قول مالك أيضا؛ فإنه قال: لا يُحرم بالعجمية، ولا يدعو بها ولا يحلف بها، وقال: نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال: " إنها خب " (٢) فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقا. وقال الشافعي فيما رواه السلفي (٣) بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن (٤) عبد الحكم (٥) قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: " سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع: تجارا، ولم تزل العرب تسميهم التجار، ثم سماهم رسول الله ﷺ بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب، والسماسرة اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمي رجل يعرف العربية تاجرا، إلا تاجرا، ولا ينطق بالعربية فيسمى شيئا بأعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله لسان العرب، فأنزل (٦) به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد ﷺ : ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها (٧) ؛ لأنه اللسان الأولى بأن يكون مرغوبا فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بأعجمية ".

стр. 511

فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية، أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطا لها بالعجمية، وهذا الذي (١) قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين. وقد قدمنا عن عمر (٢) وعلي ﵄ ما ذكره. وروى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع (٣) عن أبي هلال (٤) عن ابن (٥) بريدة (٦) قال: قال عمر: " ما تكلم الرجل الفارسية إلا خَبّ (٧) ولا خَبّ رجل إلا نقصت مروءته ". وقال: حدثنا وكيع، عن ثور، عن عطاء قال: " لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم، فإن السخط ينزل عليهم " (٨) .

стр. 512

وهذا هو (١) الذي روينا فيما تقدم عن عمر ﵁. وقال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن داود بن أبي هند، أن محمد بن سعد بن أبي وقاص (٢) سمع قوما يتكلمون بالفارسية فقال: " ما بال المجوسية بعد الحنيفية؟ (٣) . وقد روى السلفي من حديث سعيد بن العلاء البرذعي (٤) حدثنا إسحاق بن إبراهيم البلخي (٥) حدثنا عمر بن هارون البلخي (٦) حدثنا (٧) أسامة بن زيد (٨) عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 513

«من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق» (١) . ورواه أيضا بإسناد معروف، إلى أبي سهل (٢) محمود بن عمر العكبري (٣) حدثنا محمد بن الحسن بن محمد المقري (٤) حدثنا أحمد بن الخليل (٥) - ببلخ - حدثنا إسحاق بن ابراهيم الحريري (٦) حدثنا عمر بن هارون، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق» (٧) . وهذا الكلام يشبه كلام عمر بن الخطاب، وأما رفعه فموضع تبين. ونقل عن طائفة منهم، أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية، قال أبو خلدة (٨) كلمني أبو العالية بالفارسية (٩) وقال منذر

стр. 514

الثوري (١) سأل رجل محمد بن الحنفية (٢) عن الجبن، فقال: يا جارية اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به نبيزا (٣) فاشترت به نبيزا (٤) ثم جاءت به، يعني الجبن (٥) . وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية، أمرها قريب، وأكثر ما يفعلون ذلك (٦) إما لكون المخاطب أعجميا، أو قد اعتاد العجمية، يريدون تقريب الأفهام عليه، كما قال النبي ﷺ لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن (٧) العاص (٨) - وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها، فكساها النبي ﷺ خميصة (٩) وقال: «يا أم خالد، هذا سنا» والسنا بلغة الحبشة: الحسن (١٠) .

стр. 515

وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال لمن أوجعه بطنه: " أشكم بدرد " (١) وبعضهم يرويه مرفوعا، ولا يصح. وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية - التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن - حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم، وهو مكروه كما تقدم. ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر، ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل (٢) المغرب، ولغة أهلها بربرية (٣) عوّدوا أهل هذه البلاد العربية، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار: مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديما. ثم (٤) إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية، حتى غلبت عليهم وصارت العربية مهجورة (٥) عند كثير منهم، ولا ريب أن هذا مكروه، وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في المكاتب وفي الدور (٦) فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة، ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب.

стр. 516

واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل، والخلق، والدين تأثيرا قويا بينا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق. وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب (١) والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس (٢) عن ثور (٣) عن عمر بن زيد (٤) قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵁: " أما بعد: فتفقهوا في السنة (٥) وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن، فإنه عربي ". وفي حديث (٦) آخر عن عمر ﵁ أنه قال: " تعلموا

стр. 517

العربية (١) فإنها من دينكم، وتعلموا (٢) الفرائض فإنها من دينكم " وهذا الذي أمر به عمر ﵁ من فقه العربية وفقه الشريعة، يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو (٣) فقه أعماله. [النهي عن موافقتهم في أعيادهم بالاعتبار] وأما الاعتبار في مسألة العيد فمن وجوه: أحدها: أن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك، التي قال الله سبحانه (٤) ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] (٥) كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم (٦) في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد، موافقة في الكفر. والموافقة في بعض فروعه: موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي (٧) من أخص ما تتميز به (٨) الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة (٩) في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره (١٠) ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه.

стр. 518

وأما مبدؤها فأقل أحواله: أن تكون معصية، وإلى هذا الاختصاص أشار النبي ﷺ بقوله: «إن لكل قوم عيدا، وإن هذا عيدنا» وهذا أقبح من مشاركتهم في لبس الزنار (١) ونحوه من علاماتهم؛ لأن تلك علامة وضعية (٢) ليست من الدين، وإنما الغرض منها مجرد التمييز (٣) بين المسلم والكافر، وأما العيد وتوابعه، فإنه من الدين الملعون هو وأهله، فالموافقة فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه. وإن شئت أن تنظم هذا قياسا تمثيليا (٤) قلت: (٥) شريعة من شرائع الكفر، أو شعيرة من شعائره، فحرمت موافقتهم فيها كسائر شعائر الكفر وشرائعه، وإن كان هذا أبين من القياس الجزئي (٦) . ثم كل ما يختص به ذلك من عبادة وعادة، فإنما سببه هو كونه يوما مخصوصا، وإلا فلو كان كسائر الأيام لم يختص بشيء، وتخصيصه ليس من دين الإسلام في شيء، بل هو كفر به. الوجه الثاني (٧) أن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله؛ لأنه إما محدث

стр. 519

مبتدع، وإما منسوخ، وأحسن أحواله - ولا حسن فيه - أن يكون بمنزلة صلاة المسلم إلى بيت المقدس. هذا إذا كان المفعول مما يتدين به، وأما ما يتبع ذلك من التوسع في العادات من الطعام واللباس، واللعب والراحة، فهو تابع لذلك العيد الديني، كما أن ذلك تابع له (١) في دين الله: (٢) الإسلام، فيكون بمنزلة أن يتخذ بعض المسلمين عيدا مبتدعا يخرج (٣) فيه إلى الصحراء، ويفعل (٤) فيه من (٥) العبادات والعادات من جنس المشروع في يومي الفطر والنحر، أو مثل أن ينصب بنية يطاف بها وتُحج (٦) ويُصنع لمن يفعل ذلك طعاما ونحو ذلك. فلو كره المسلم ذلك، لكن (٧) غير عادته ذلك اليوم، كما يغير أهل البدع عادتهم في الأمور العادية أو في بعضها؛ بصنعة (٨) طعام وزينة ولباس وتوسيع (٩) في نفقة، ونحو ذلك، من غير أن يتعبد (١٠) بتلك العادة المحدثة: ألم يكن (١١) هذا من أقبح المنكرات؟ فكذلك موافقة هؤلاء (١٢) المغضوب عليهم والضالين وأشد.

стр. 520

نعم، هؤلاء يقرون على دينهم المبتدع، والمنسوخ، (١) مستسرين به، والمسلم لا يقر على (٢) مبتدع ولا منسوخ، لا سرا ولا علانية، وأما مشابهة الكفار فكمشابهة أهل البدع وأشد. الوجه الثالث: (٣) أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس، بل عيدا، حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يزيد عليه، حتى يكاد أن يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر. كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام فيما يفعلونه في أواخر (٤) صوم النصارى، من الهدايا والأفراح، والنفقات، وكسوة الأولاد، وغير ذلك، مما يصير به مثل عيد المسلمين، بل البلاد المصاقبة للنصارى، التي قل علم أهلها وإيمانهم، قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في نفوسهم من عيد الله ورسوله، على ما حدثني به الثقات. وأما (٥) ما رأيته بدمشق، وما حولها من أرض الشام، مع أنها أقرب إلى العلم والإيمان، فهذا الخميس الذي يكون في آخر صوم النصارى (٦) يدور بدوران صومهم، الذي هو سبعة أسابيع، وصومهم؛ وإن كان في أوائل الفصل الذي تسميه العرب: الصيف، وتسميه العامة: الربيع، فإنه يتقدم ويتأخر ليس له حد واحد من السنة الشمسية، كالخميس الذي هو (٧) في أول نيسان، بل يدور في

стр. 521

نحو ثلاثة وثلاثين يوما، لا يتقدم أوله عن (١) ثاني شباط، ولا يتأخر أوله عن ثامن (٢) آذار، بل يبتدئون بالاثنين الذي هو أقرب إلى اجتماع الشمس والقمر في هذه المدة، ليراعوا - كما زعموا (٣) - التوقيت الشمسي والهلالي. وكل ذلك بدع أحدثوها باتفاق منهم، خالفوا بها الشريعة التي جاءت بها الأنبياء، فإن الأنبياء ما وقتوا العبادات إلا بالهلال، وإنما اليهود والنصارى حرفوا الشرائع تحريفا ليس هذا موضع ذكره. ويلي هذا الخميس يوم الجمعة، الذي جعلوه بإزاء يوم الجمعة التي صلب فيها المسيح على زعمهم الكاذب، يسمونها: جمعة الصلبوت، ويليه ليلة السبت التي يزعمون أن المسيح كان فيها في القبر، وأظنهم يسمونها: ليلة النور، وسبت النور، ويصطنعون (٤) مخرقة (٥) يروّجونها على عامتهم، لغلبة الضلال عليهم، يخيلون إليهم أن النور ينزل من السماء في كنيسة القمامة (٦) التي ببيت المقدس، حتى يحملوا ما يوقد (٧) من ذلك الضوء إلى بلادهم متبركين به، وقد علم كل ذي (٨) عقل أنه مصنوع مفتعل، ثم يوم السبت يتطلبون (٩) اليهود، ويوم

стр. 522

الأحد يكون العيد الكبير عندهم، الذي يزعمون أن المسيح قام فيه. ثم الأحد الذي يلي هذا يسمونه الأحد الحديث، يلبسون فيه الجديد من ثيابهم ويفعلون فيه أشياء. وكل هذه الأيام عندهم أيام العيد، كما أن يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهم يصومون عن الدسم (١) . ثم في مقدم فطرهم يفطرون، أو بعضهم، على ما يخرج من الحيوان، من لبن وبيض ولحم، وربما كان أول فطرهم على البيض، ويفعلون في أعيادهم وغيرها من أمور دينهم: أقوالا وأعمالا لا تنضبط. ولهذا تجد نقل العلماء لمقالاتهم وشرائعهم تختلف، وعامته صحيح، وذلك أن القوم يزعمون أن ما وضعه رؤساء دينهم من الأحبار والرهبان من الدين، فقد لزمهم حكمه، وصار شرعا شرعه المسيح في السماء، فهم في كل مدة ينسخون أشياء، ويشرعون (٢) أشياء من الإيجابات والتحريمات، وتأليف الاعتقادات، وغير ذلك، مخالفا لما كانوا عليه قبل ذلك، زعما منهم أن هذا بمنزلة نسخ الله شريعة بشريعة أخرى. فهم واليهود في هذا الباب وغيره على طرفي نقيض: اليهود تمنع أن ينسخ الله الشرائع، أو يبعث رسولا بشريعة تخالف ما قبلها، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] (٣) والنصارى تجيز لأحبارهم ورهبانهم شرع الشرائع ونسخها، فلذلك (٤) لا ينضبط للنصارى شريعة تحكى (٥) مستمرة على الأزمان. وغرضنا لا يتوقف على معرفة تفاصيل باطلهم، ولكن يكفينا أن نعرف

стр. 523

المنكر معرفة تميز بينه وبين المباح والمعروف، والمستحب والواجب، حتى نتمكن بهذه المعرفة من اتقائه واجتنابه كما نعرف سائر المحرمات؛ إذ الفرض علينا تركها، ومن لم يعرف المنكر - (١) جملة ولا تفصيلا - لم يتمكن من قصد اجتنابه، والمعرفة الجملية كافية، بخلاف الواجبات: فإن الغرض (٢) لما كان فعلها، والفعل لا يتأتى (٣) إلا مفصلا، وجبت معرفتها على سبيل التفصيل. وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم، لما رأيت طوائف المسلمين قد ابتلي ببعضها، وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو وأهله، وقد بلغني أيضا أنهم يخرجون في الخميس الذي قبل ذلك، أو يوم السبت، أو غير ذلك، إلى القبور؛ يبخرونها، وكذلك ينحرون (٤) في هذه الأوقات وهم يعتقدون أن في البخور بركة، ودفع أذى - وراء (٥) كونه طيبا - ويعدونه من القرابين مثل الذبائح، ويزفونه (٦) بنحاس، يضربونه كأنه ناقوس صغير، وبكلام مصنف، ويصلبون على أبواب بيوتهم، إلى غير ذلك من الأمور المنكرة. ولست أعلم جميع ما يفعلونه، وإنما ذكرت (٧) ما رأيت كثيرا من المسلمين يفعلونه، وأصله مأخوذ عنهم، حتى إنه (٨) كان في مدة الخميس، تبقى الأسواق مملوءة من أصوات هذه النواقيس الصغار، وكلام الرقائين، من المنجمين وغيرهم، بكلام أكثره باطل، وفيه ما هو محرم أو كفر، وقد ألقي إلى

стр. 524

جماهير العامة أو جميعهم إلا من شاء الله. وأعني بالعامة هنا: كل من لا يعلم حقيقة الإسلام، فإن كثيرا ممن ينتسب (١) إلى فقه أو دين قد شارك في ذلك، ألقي إليهم هذا البخور المرقي ينتفع (٢) ببركته، من العين والسحر والأدواء والهوام، ويصورون في أوراق صور الحيات والعقارب، ويلصقونها في بيوتهم زعما منهم أن تلك الصور - الملعون فاعلها التي لا تدخل الملائكة بيتا هي فيه -: تمنع الهوام، وهو ضرب من طلاسم الصابئة. ثم كثير منهم - على ما بلغني - يصلب (٣) باب البيت، ويخرج خلق عظيم في الخميس المتقدم على هذا الخميس، يبخرون المقابر، ويسمون هذا المتأخر: الخميس الكبير، وهو عند الله الخميس المهين الحقير؛ هو وأهله ومن يعظمه (٤) فإن كل ما عظم بالباطل من مكان زمان، أو حجر أو شجر أو بنية: يجب قصد إهانته، كما تهان الأوثان المعبودة، وإن كانت لولا عبادتها لكانت كسائر الأحجار. ومما يفعله الناس من المنكرات: أنهم يوظفون على الأكرة (٥) وظائف أكثرها كرها، من الغنم والدجاج واللبن والبيض، فيجتمع فيها تحريمان: أكل مال المسلم، أو المعاهد بغير حق، وإقامة شعار النصارى، ويجعلونه ميقاتا

стр. 525

لإخراج الوكلاء، على المزارع، ويطبخون (١) فيه، ويصبغون (٢) فيه البيض، وينفقون فيه النفقات الواسعة، ويزينون أولادهم، إلى غير ذلك من الأمور التي يقشعر منها قلب المؤمن الذي لم يمت قلبه، بل يعرف المعروف وينكر المنكر. وخلق كثير منهم يضعون ثيابهم تحت السماء رجاء لبركة مرور مريم عليها (٣) فهل يستريب من في قلبه أدنى حياة من الإيمان أن شريعة جاءت بما قدمنا بعضه من مخالفة اليهود والنصارى، لا يرضى من شرعها ببعض هذه القبائح؟ ويفعلون ما هو أعظم من ذلك: يطلون أبواب بيوتهم ودوابهم بالخلوق والمغرة (٤) وغير ذلك، وذلك من أعظم المنكرات عند الله تعالى، فالله تعالى يكفينا شر المبتدعة، وبالله التوفيق (٥) . وأصل ذلك كله: إنما هو اختصاص أعياد الكفار بأمر جديد، أو مشابهتهم في بعض أمورهم، يوضح ذلك: أن الأسبوع الذي يقع في آخر صومهم يعظمونه جدا ويسمون خميسه: (٦) الخميس الكبير، وجمعته: الجمعة الكبيرة، ويجتهدون في التعبد فيه ما لا يجتهدون في غيره، بمنزلة العشر الأواخر من رمضان في دين الله ورسوله، والأحد الذي هو أول الأسبوع

стр. 526

يصطنعون (١) فيه عيدا يسمونه: الشعانين، هكذا نقل بعضهم عنهم، ونقل بعضهم عنهم (٢) أن الشعانين هو أول أحد في صومهم، يخرجون فيه بورق الزيتون ونحوه، ويزعمون أن ذلك مشابهة لما جرى للمسيح ﵇، حين دخل إلى بيت المقدس راكبا أتانا مع جحشها، فأمر بالمعروف ونهى (٣) عن المنكر، فثار عليه غوغاء الناس، وكان اليهود قد وكلوا قوما معهم عصي يضربونه بها، فأورقت تلك العصي وسجد أولئك (٤) للمسيح. فعيد الشعانين مشابهة لذلك الأمر، وهو الذي سمي في شروط عمر وكتب الفقه: " أن لا يظهروه في دار الإسلام " ويسمون هذا العيد وكل مخرج يخرجونه إلى الصحراء: باعوثا، (٥) فالباعوث (٦) اسم جنس لما يظهر به الدين، كعيد الفطر والنحر (٧) . فما يحكونه عن المسيح عليه صلوات الله عليه وسلامه من المعجزات هو في حيز الإمكان، لا نكذبهم فيه؛ لإمكانه، ولا نصدقهم؛ لجهلهم وفسقهم، وأما موافقتهم في التعييد فإحياء دين أحدثوه، أو دين نسخه الله (٨) . ثم يوم الخميس الذي يسمونه الخميس الكبير، يزعمون أن في مثله نزلت المائدة التي ذكرها الله في القرآن، حيث. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 527

قال (١) ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا (٢) وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (٣) فيوم الخميس هو يوم عيد المائدة، ويوم الأحد يسمونه عيد الفصح (٤) وعيد النور، والعيد الكبير. ولما كان عيدا صاروا يصنعون (٥) لأولادهم البيض المصبوغ ونحوه؛ لأنهم فيه (٦) يأكلون ما يخرج من الحيوان من لحم ولبن وبيض؛ إذ صومهم هو عن الحيوان وما يخرج منه، وإنما يأكلون في صومهم الحب وما يصنع منه: من زيت (٧) وشيرج (٨) ونحو ذلك. وعامة هذه الأعمال المحكية عن النصارى، وغيرها مما لم يحك، قد زينها الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام، وجعل لها في قلوبهم مكانة وحسن ظن، وزادوا في بعض ذلك ونقصوا، وقدموا وأخروا؛ إما لأن بعض ما يفعلونه قد كان يفعله بعض النصارى، أو غيروه هم من عند أنفسهم، كما قد يغيرون بعض أمر الدين الحق. لكن كلما خصت (٩) به هذه الأيام ونحوها، من الأيام التي ليس لها خصوص (١٠) في دين الله، وإنما

стр. 528

خصوصها (١) في الدين الباطل: إنما أصل تخصيصها من دين الكافرين، وتخصيصها بذلك فيه مشابهة لهم، وليس لجاهل (٢) أن يعتقد أن بهذا تحصل المخالفة لهم، كما في صوم يوم عاشوراء؛ لأن ذلك فيما (٣) كان أصله مشروعا لنا، وهم يفعلونه، فإنا نخالفهم في وصفه، فأما ما لم يكن في ديننا بحال، بل هو من دينهم، المبتدع أو المنسوخ، فليس لنا أن نشابههم لا في أصله، ولا في وصفه، كما قدمنا قاعدة ذلك فيما مضى. فإحداث ما في هذه الأيام التي يتعلق تخصيصها بهم لا بنا، هو مشابهة لهم في أصل تخصيص هذه الأيام بشيء فيه تعظيم، وهذا بين على قول من يكره صوم يوم النيروز والمهرجان، لا سيما إذا كانوا يعظمون (٤) اليوم الذي أحدث فيه ذلك. ويزيد ذلك وضوحا أن الأمر قد آل إلى أن كثيرا من الناس صاروا في مثل هذا الخميس الذي هو عيد (٥) الكفار - عيد المائدة - آخر خميس في صوم النصارى الذي يسمونه الخميس الكبير - وهو الخميس الحقير - يجتمعون في أماكن اجتماعات عظيمة، ويصبغون البيض ويطبخون باللبن، وينكتون (٦) بالحمرة دوابهم، ويصنعون (٧) الأطعمة التي لا تكاد تفعل في عيد الله ورسوله، ويتهادون الهدايا التي تكون في مثل مواسم الحج، وعامتهم قد نسوا أصل ذلك وعلته، وبقي عادة مطردة كاعتيادهم بعيدي الفطر والنحر وأشد.

стр. 529

واستعان الشيطان في إغوائهم بذلك أن الزمان زمان ربيع، وهو مبدأ العام الشمسي، فيكون قد كثر فيه اللحم واللبن والبيض ونحو ذلك، مع أن عيد النصارى ليس هو يوما محدودا من السنة الشمسية، وإنما يتقدم فيها ويتأخر، في نحو ثلاثة وثلاثين يوما كما قدمناه. وهذا كله تصديق قول النبي ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (١) وسببه (٢) مشابهة الكفار في القليل من أمر عيدهم، وعدم النهي عن ذلك، وإذا كانت المشابهة في القليل ذريعة ووسيلة إلى بعض هذه القبائح؛ كانت محرمة، فكيف إذا أفضت إلى ما هو كفر بالله، من التبرك بالصليب والتعميد في المعمودية (٣) أو قول (٤) القائل: المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة، ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمن: إما كون الشريعة النصرانية واليهودية، المبدلتين المنسوختين، موصلة إلى الله؛ وإما استحسان بعض ما فيها، مما يخالف دين الله، أو التدين (٥) بذلك، أو غير ذلك، مما هو كفر بالله وبرسوله، وبالقرآن وبالإسلام، بلا خلاف بين الأمة الوسط في ذلك، وأصل ذلك المشابهة والمشاركة. وبهذا يتبين لك كمال موقع الشريعة الحنيفية، وبعض حكمة ما شرعه الله لرسوله من مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة أمورهم؛ لتكون المخالفة أحسم لمادة الشر (٦) وأبعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس.

стр. 530

واعلم أنا لو لم نر موافقتهم قد أفضت إلى هذه القبائح لكان علمنا بما الطباع عليه (١) واستدلالنا بأصول الشريعة يوجب النهي عن هذه الذريعة، فكيف وقد رأينا من المنكرات التي أفضت إليها المشابهة ما قد يوجب الخروج من الإسلام بالكلية؟ . وسر هذا الوجه: أن المشابهة تفضي إلى كفر، أو معصية غالبا، أو تفضي إليهما (٢) في الجملة، وليس في هذا المفضي مصلحة، وما أفضى إلى ذلك كان محرما: فالمشابهة محرمة. والمقدمة الثانية لا ريب فيها، فإن استقراء الشريعة في مواردها ومصادرها دال (٣) على أن ما أفضى إلى الكفر - غالبا - حرم (٤) وما أفضى إليه على وجه خفي حرم (٥) وما أفضى إليه في الجملة ولا حاجة تدعو إليه، حرم (٦) كما قد تكلمنا على قاعدة الذرائع، في غير هذا الكتاب. والمقدمة الأولى قد شهد بها الواقع شهادة لا تخفى على بصير ولا أعمى، مع أن الإفضاء أمر طبيعي، قد اعتبره الشارع في عامة الذرائع التي سدها كما قد ذكرنا من الشواهد على ذلك: نحوا من ثلاثين أصلا منصوصة، أو مجمعا عليها في كتاب: (بطلان التحليل) (٧) .
следующие страницы →