← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يصطنعون (١) فيه عيدا يسمونه: الشعانين، هكذا نقل بعضهم عنهم، ونقل بعضهم عنهم (٢) أن الشعانين هو أول أحد في صومهم، يخرجون فيه بورق الزيتون ونحوه، ويزعمون أن ذلك مشابهة لما جرى للمسيح ﵇، حين دخل إلى بيت المقدس راكبا أتانا مع جحشها، فأمر بالمعروف ونهى (٣) عن المنكر، فثار عليه غوغاء الناس، وكان اليهود قد وكلوا قوما معهم عصي يضربونه بها، فأورقت تلك العصي وسجد أولئك (٤) للمسيح. فعيد الشعانين مشابهة لذلك الأمر، وهو الذي سمي في شروط عمر وكتب الفقه: " أن لا يظهروه في دار الإسلام " ويسمون هذا العيد وكل مخرج يخرجونه إلى الصحراء: باعوثا، (٥) فالباعوث (٦) اسم جنس لما يظهر به الدين، كعيد الفطر والنحر (٧) . فما يحكونه عن المسيح عليه صلوات الله عليه وسلامه من المعجزات هو في حيز الإمكان، لا نكذبهم فيه؛ لإمكانه، ولا نصدقهم؛ لجهلهم وفسقهم، وأما موافقتهم في التعييد فإحياء دين أحدثوه، أو دين نسخه الله (٨) . ثم يوم الخميس الذي يسمونه الخميس الكبير، يزعمون أن في مثله نزلت المائدة التي ذكرها الله في القرآن، حيث. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 527

قال (١) ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا (٢) وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (٣) فيوم الخميس هو يوم عيد المائدة، ويوم الأحد يسمونه عيد الفصح (٤) وعيد النور، والعيد الكبير. ولما كان عيدا صاروا يصنعون (٥) لأولادهم البيض المصبوغ ونحوه؛ لأنهم فيه (٦) يأكلون ما يخرج من الحيوان من لحم ولبن وبيض؛ إذ صومهم هو عن الحيوان وما يخرج منه، وإنما يأكلون في صومهم الحب وما يصنع منه: من زيت (٧) وشيرج (٨) ونحو ذلك. وعامة هذه الأعمال المحكية عن النصارى، وغيرها مما لم يحك، قد زينها الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام، وجعل لها في قلوبهم مكانة وحسن ظن، وزادوا في بعض ذلك ونقصوا، وقدموا وأخروا؛ إما لأن بعض ما يفعلونه قد كان يفعله بعض النصارى، أو غيروه هم من عند أنفسهم، كما قد يغيرون بعض أمر الدين الحق. لكن كلما خصت (٩) به هذه الأيام ونحوها، من الأيام التي ليس لها خصوص (١٠) في دين الله، وإنما

стр. 528

خصوصها (١) في الدين الباطل: إنما أصل تخصيصها من دين الكافرين، وتخصيصها بذلك فيه مشابهة لهم، وليس لجاهل (٢) أن يعتقد أن بهذا تحصل المخالفة لهم، كما في صوم يوم عاشوراء؛ لأن ذلك فيما (٣) كان أصله مشروعا لنا، وهم يفعلونه، فإنا نخالفهم في وصفه، فأما ما لم يكن في ديننا بحال، بل هو من دينهم، المبتدع أو المنسوخ، فليس لنا أن نشابههم لا في أصله، ولا في وصفه، كما قدمنا قاعدة ذلك فيما مضى. فإحداث ما في هذه الأيام التي يتعلق تخصيصها بهم لا بنا، هو مشابهة لهم في أصل تخصيص هذه الأيام بشيء فيه تعظيم، وهذا بين على قول من يكره صوم يوم النيروز والمهرجان، لا سيما إذا كانوا يعظمون (٤) اليوم الذي أحدث فيه ذلك. ويزيد ذلك وضوحا أن الأمر قد آل إلى أن كثيرا من الناس صاروا في مثل هذا الخميس الذي هو عيد (٥) الكفار - عيد المائدة - آخر خميس في صوم النصارى الذي يسمونه الخميس الكبير - وهو الخميس الحقير - يجتمعون في أماكن اجتماعات عظيمة، ويصبغون البيض ويطبخون باللبن، وينكتون (٦) بالحمرة دوابهم، ويصنعون (٧) الأطعمة التي لا تكاد تفعل في عيد الله ورسوله، ويتهادون الهدايا التي تكون في مثل مواسم الحج، وعامتهم قد نسوا أصل ذلك وعلته، وبقي عادة مطردة كاعتيادهم بعيدي الفطر والنحر وأشد.

стр. 529

واستعان الشيطان في إغوائهم بذلك أن الزمان زمان ربيع، وهو مبدأ العام الشمسي، فيكون قد كثر فيه اللحم واللبن والبيض ونحو ذلك، مع أن عيد النصارى ليس هو يوما محدودا من السنة الشمسية، وإنما يتقدم فيها ويتأخر، في نحو ثلاثة وثلاثين يوما كما قدمناه. وهذا كله تصديق قول النبي ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (١) وسببه (٢) مشابهة الكفار في القليل من أمر عيدهم، وعدم النهي عن ذلك، وإذا كانت المشابهة في القليل ذريعة ووسيلة إلى بعض هذه القبائح؛ كانت محرمة، فكيف إذا أفضت إلى ما هو كفر بالله، من التبرك بالصليب والتعميد في المعمودية (٣) أو قول (٤) القائل: المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة، ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمن: إما كون الشريعة النصرانية واليهودية، المبدلتين المنسوختين، موصلة إلى الله؛ وإما استحسان بعض ما فيها، مما يخالف دين الله، أو التدين (٥) بذلك، أو غير ذلك، مما هو كفر بالله وبرسوله، وبالقرآن وبالإسلام، بلا خلاف بين الأمة الوسط في ذلك، وأصل ذلك المشابهة والمشاركة. وبهذا يتبين لك كمال موقع الشريعة الحنيفية، وبعض حكمة ما شرعه الله لرسوله من مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة أمورهم؛ لتكون المخالفة أحسم لمادة الشر (٦) وأبعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس.

стр. 530

واعلم أنا لو لم نر موافقتهم قد أفضت إلى هذه القبائح لكان علمنا بما الطباع عليه (١) واستدلالنا بأصول الشريعة يوجب النهي عن هذه الذريعة، فكيف وقد رأينا من المنكرات التي أفضت إليها المشابهة ما قد يوجب الخروج من الإسلام بالكلية؟ . وسر هذا الوجه: أن المشابهة تفضي إلى كفر، أو معصية غالبا، أو تفضي إليهما (٢) في الجملة، وليس في هذا المفضي مصلحة، وما أفضى إلى ذلك كان محرما: فالمشابهة محرمة. والمقدمة الثانية لا ريب فيها، فإن استقراء الشريعة في مواردها ومصادرها دال (٣) على أن ما أفضى إلى الكفر - غالبا - حرم (٤) وما أفضى إليه على وجه خفي حرم (٥) وما أفضى إليه في الجملة ولا حاجة تدعو إليه، حرم (٦) كما قد تكلمنا على قاعدة الذرائع، في غير هذا الكتاب. والمقدمة الأولى قد شهد بها الواقع شهادة لا تخفى على بصير ولا أعمى، مع أن الإفضاء أمر طبيعي، قد اعتبره الشارع في عامة الذرائع التي سدها كما قد ذكرنا من الشواهد على ذلك: نحوا من ثلاثين أصلا منصوصة، أو مجمعا عليها في كتاب: (بطلان التحليل) (٧) .

стр. 531

الوجه الرابع (١) أن الأعياد والمواسم في الجملة، لها منفعة عظيمة في دين الخلق ودنياهم، كانتفاعهم بالصلاة والزكاة والحج، ولهذا جاءت بها كل شريعة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] (٢) وقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ﴾ [الحج: ٦٧] (٣) . ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على أتم الوجوه، وهو الكمال المذكور في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] (٤) ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم أعياد الأمة الحنيفية؛ فإنه لا عيد في النوع أعظم من العيد الذي يجتمع فيه المكان والزمان، وهو عيد النحر، ولا عين من أعيان هذا النوع أعظم من يوم كان قد (٥) أقامه رسول الله ﷺ بعامة المسلمين، وقد نفى الله تعالى الكفر وأهله. والشرائع هي غذاء القلوب وقوتها كما قال ابن مسعود ﵁ -ويروى مرفوعا -: «إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن» (٦) . ومن شأن الجسد إذا كان جائعا فأخذ من طعام حاجته؛ استغنى عن طعام

стр. 532

آخر، حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة، وتجشم، وربما ضره أكله، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلّت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم (١) محبته له ومنفعته به، ويتم دينه (٢) ويكمل إسلامه. ولذا تجد (٣) من أكثر من (٤) سماع القصائد لطلب صلاح قلبه؛ تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها؛ لا (٥) يبقى لحج البيت الحرام (٦) في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة (٧) الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن (٨) قصص الملوك وسيرهم؛ لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير (٩) هذا كثير (١٠) . ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله

стр. 533

عنهم من السنة مثلها» (١) رواه الإمام أحمد. وهذا أمر يجده من نفسه من نظر في حاله من العلماء، والعباد، والأمراء، والعامة وغيرهم، ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع، وكرهتها (٢) ؛ لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافا لا عليه ولا له لكان الأمر خفيفا، بل لا بد أن يوجب له فسادا، منه (٣) نقص منفعة الشريعة في حقه، إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض منه (٤) . ولهذا قال النبي ﷺ في العيدين الجاهليين: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيرا منهما» (٥) فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة مانعا عن الاغتذاء، - أو من كمال الاغتذاء - بتلك الأعمال الصالحة (٦) النافعة الشرعية، فيفسد عليه حاله من حيث لا يشعر (٧) كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر، وبهذا يتبين (٨) لك بعض ضرر البدع. إذا تبين هذا فلا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشوق إلى العيد والسرور به والاهتمام بأمره، اتفاقا (٩) واجتماعات وراحة، ولذة وسرورا، وكل ذلك يوجب تعظيمه لتعلق الأغراض به، فلهذا جاءت الشريعة في العيد، بإعلان

стр. 534

ذكر الله تعالى فيه، حتى جعل فيه من التكبير في صلاته وخطبته وغير ذلك: ما ليس في سائر الصلوات، وأقامت (١) فيه من تعظيم الله وتنزيل الرحمة فيه - خصوصا العيد الأكبر - ما فيه صلاح الخلق، كما دل عليه (٢) قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ - لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨] (٣) . فصار ما وُسِّع على النفوس فيه من العادات الطبيعية عونا على انتفاعها بما خص به من العبادات الشرعية؛ فإذا أعطيت النفوس في غير ذلك اليوم حظها، أو بعضه الذي يكون في عيد الله؛ فترت عن الرغبة في عيد الله (٤) وزال ما كان له عندها من المحبة والتعظيم، فنقص بسبب ذلك تأثير العمل الصالح فيه (٥) فخسرت النفوس (٦) خسرانا مبينا. وأقل الدرجات: أنك لو فرضت رجلين: أحدهما قد اجتمع اهتمامه بأمر العيد على (٧) المشروع، والآخر مهتم بهذا وبهذا، فإنك بالضرورة تجد المتجرد للمشروع، أعظم اهتماما به من المشرك بينه وبين غيره، ومن لم يدرك هذا فلغفلته أو إعراضه، وهذا أمر يعلمه من يعرف بعض أسرار الشرائع. وأما الإحساس بفتور الرغبة، فيجده كل أحد، فإنا نجد الرجل

стр. 535

إذا كسا أولاده، أو وسع عليهم في بعض الأعياد المسخوطة، فلا بد أن تنقص (١) حرمة العيد المرضي من قلوبهم، حتى لو قيل: بل في القلوب ما يسع هذين، قيل: لو تجردت لأحدهما لكان أكمل. الوجه الخامس (٢) . أن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، خصوصا إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصغار، فرأوا (٣) المسلمين قد صاروا فرعا لهم في خصائص دينهم، فإن ذلك يوجب قوة قلوبهم وانشراح صدورهم، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص، واستذلال (٤) الضعفاء، وهذا أيضا أمر محسوس، لا يستريب فيه عاقل، فكيف يجتمع ما يقتضي إكرامهم بلا موجب مع شرع الصغار في حقهم؟ . الوجه السادس (٥) . أن مما يفعلونه في عيدهم (٦) ما هو كفر، وما هو (٧) حرام وما هو (٨) مباح لو تجرد عن مفسدة المشابهة، ثم التمييز بين هذا وهذا يظهر غالبا، وقد يخفى على كثير من العامة؛ فالمشابهة فيما لم يظهر تحريمه للعالم، يوقع العامي في أن يشابههم فيما هو حرام، وهذا هو الواقع.

стр. 536

والفرق بين هذا الوجه ووجه الذريعة أنا هناك (١) قلنا: الموافقة في القليل (٢) تدعو إلى الموافقة (٣) في الكثير، وهنا جنس الموافقة يلبس على العامة دينهم، حتى لا يميزوا بين المعروف والمنكر، فذاك بيان للاقتضاء (٤) من جهة تقاضي الطباع بإرادتها، وهذا من جهة جهل القلوب باعتقاداتها. الوجه السابع (٥) . ما قررته في وجه (٦) أصل المشابهة: وذلك أن الله تعالى جبل بني آدم بل سائر المخلوقات، على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر؛ كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن (٧) الآخر إلا بالعين فقط، ولما كان بين الإنسان وبين الإنسان (٨) مشاركة في الجنس الخاص، كان التفاعل فيه أشد، ثم بينه وبين سائر الحيوان مشاركة في الجنس المتوسط، فلا بد من نوع تفاعل بقدره، ثم بينه وبين النبات مشاركة في الجنس البعيد مثلا، فلا بد من نوع ما من المفاعلة. ولأجل هذا الأصل: وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب (٩) بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة (١٠) . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 537

وكذلك (١) الآدمي إذا عاشر نوعا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه، ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة، من أخلاق الجمال والبغال، وكذلك الكلابون، وصار الحيوان الإنسي، فيه بعض أخلاق الناس (٢) من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة. فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي. وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفرا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة (٣) اليهود والنصارى، هم أقل إيمانا من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة (٤) في الهدي الظاهر توجب أيضا مناسبة وائتلافا، وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضا أمر محسوس، فمشابهتهم في أعيادهم -ولو بالقليل- هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط؛ علق الحكم به، وأدير (٥) التحريم عليه، فنقول: مشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة. بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر أو يتعذر زواله بعد حصوله، ولو تفطن له، وكل ما كان سببا إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه، كما دلت عليه الأصول المقررة.

стр. 538

الوجه الثامن (١) أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة (٢) وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة (٣) والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة. بل لو (٤) اجتمع رجلان في سفر، أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر، أو المركوب (٥) ونحو ذلك؛ لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد (٦) أرباب الصناعات (٧) الدنيوية يألف بعضهم بعضا (٨) ما لا يألفون (٩) غيرهم، حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة: إما على الملك، وإما على الدين (١٠) . وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء، وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كله موجب الطباع ومقتضاه. إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص.

стр. 539

فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة لهم؛ فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها (١) إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ - وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٣] (٢) . وقال تعالى فيما يذم بها أهل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ - تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ - وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨١] (٣) . فبين أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم. وقال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] (٤) .

стр. 540

فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرا؛ فمن واد الكفار فليس بمؤمن، والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة، فتكون محرمة، كما تقدم تقرير مثل ذلك. واعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه (١) .

стр. 541

[فصل في مشابهتهم فيما ليس من شرعنا] فصل مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان: أحدهما (١) مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم؛ فهذا العمل الذي هو من خصائص دينهم (٢) إما أن يفعل لمجرد (٣) موافقتهم -وهو قليل- وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل، وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا أو الآخرة، وكل هذا لا شك في تحريمه، لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرا بحسب الأدلة الشرعية. وأما عمل لم يعلم الفاعل أنه من عملهم (٤) فهو نوعان: أحدهما: ما كان في الأصل مأخوذا عنهم، إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك، فهذا (٥) غالب ما يبتلى به العامة: في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير والميلاد

стр. 542

ونحوهما، فإنهم قد نشئوا على اعتياد ذلك، وتلقاه الأبناء عن الآباء، وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك، فهذا يعرف صاحبه حكمه، فإن لم ينته وإلا صار من القسم الأول. النوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذا عنهم، لكنهم يفعلونه أيضا، فهذا ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد يفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة (١) ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم، إذ (٢) ليس كوننا (٣) تشبهنا بهم بأولى من كونهم تشبهوا بنا، فأما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر؛ فظاهر لما تقدم من المخالفة، وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم فيه. وقد توجب عليهم مخالفتنا: كما في الزي ونحوه، وقد يقتصر على الاستحباب، كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين، والسجود، وقد تبلغ (٤) الكراهة، كما في تأخير المغرب والفطور (٥) بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذا عنهم، فإن الأصل فيه التحريم كما قدمناه. تم المجلد الأول بحمد الله ويليه المجلد الثاني

стр. 543

[فصل في مفهوم العيد والحذر من التشبه بالكفار في أعيادهم] فصل العيد: اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم (١) فيه اجتماع، وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك. وكذلك حريم (٢) العيد: هو وما قبله وما بعده من الأيام التي يحدثون (٣) فيها أشياء لأجله، (٤) (٤) أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله (٥) (٥) أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال حكمها حكمه فلا يفعل شيء من ذلك، فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام (٦) عيدهم، كيوم الخميس والميلاد، ويقول لعياله: إنما أصنع لكم هذا في الأسبوع (٧) أو الشهر الآخر. وإنما المحرك له على إحداث ذلك وجود عيدهم ولولا

стр. 544

هو (١) لم يقتضوا ذلك، فهذا من مقتضيات المشابهة. لكن يحال الأهل على عيد الله ورسوله ويقضي لهم فيه من الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره، فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومن أغضب (٢) أهله لله أرضاه الله وأرضاهم. وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: «قال رسول الله ﷺ : " ما تركت بعدي (٣) فتنة أضر على الرجال من النساء» (٤) . وأكثر ما يفسد الملك والدول (٥) طاعة النساء وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة (٦) ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : " لن (٧) يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٨) .

стр. 545

وروي أيضا: «هلكت الرجال حين أطاعت النساء» (١) . وقد قال ﷺ (٢) لأمهات المؤمنين، لما راجعنه في تقديم أبي بكر: «إنكن صواحب يوسف» (٣) . يريد أن النساء من شأنهن مراجعة ذي اللب، كما قال في الحديث الآخر: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب ذي اللب من إحداكن» (٤) . «ولما أنشده الأعشى - أعشى باهلة - (٥) أبياته التي يقول فيها: (. . . . . . . . . . . . . . . . . وهن شر غالب لمن غلب )

стр. 546

جعل النبي ﷺ يرددها ويقول: " وهن شر غالب لمن غلب » (١) . ولذلك امتن الله على زكريا ﵇ حيث قال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٢) وقال بعض العلماء: " ينبغي للرجل أن يجتهد (٣) إلى الله في إصلاح زوجه له ".

стр. 547

[فصل في أعياد الكفار] [بعض ما يفعله الناس من المسلمين من البدع في ذلك] فصل أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال أو يوم أو مكان، أن سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان والزمان من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم، فيكفيه أن يعلم أنه لا أصل له في دين الإسلام، فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه، أو يكون مأخوذا عنهم، فأقل أحواله: أن يكون من البدع، ونحن ننبه على ما رأينا كثيرا من الناس قد وقعوا فيه: فمن ذلك الخميس الحقير، الذي في آخر صومهم، فإنه يوم عيد المائدة فيما يزعمون ويسمونه عيد العشاء (١) وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى الأحد؛ هو عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من (٢) المنكرات. فمنه: خروج النساء، وتبخير القبور، ووضع الثياب على السطح، وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه (٣) موسما لبيع البخور وشرائه، وكذلك شراء البخور في ذلك الوقت إذ اتخذ وقتا للبيع، ورقي البخور (٤) مطلقا في

стр. 548

ذلك الوقت أو في غيره، أو قصد شراء البخور المرقي (١) فإن رقي البخور واتخاذه (٢) قربانا هو دين النصارى والصابئين، وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب بسائر الطيب من المسك وغيره مما له أجزاء بخارية وإن لطفت، أو له رائحة محضة، (٣) ويستحب التبخر حيث يستحب التطيب. وكذلك اختصاصه بطبخ رز بلبن، أو بسيسة، (٤) أو عدس، أو صبغ، أو بيض، أو مقر (٥) . . ونحو ذلك؛ فأما القمار بالبيض، أو بيع البيض لمن يقامر به، أو شراؤه من المقامرين (٦) فحكمه ظاهر. ومن ذلك: ما يفعله الأكارون، من نكت (٧) البقر بالنقط (٨) الحمر أو نكت الشجر أيضا، أو جمع أنواع من النبات (٩) والتبرك بها، والاغتسال بمائها، ومن ذلك: ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون، (١٠) والاغتسال بمائه، أو قصد الاغتسال بشيء من ذلك، فإن أصل ذلك ماء المعمودية.

стр. 549

ومن ذلك: ترك الوظائف الراتبة من الصنائع، والتجارات، أو حلق العلم، أو غير ذلك، واتخاذه يوم راحة وفرح، واللعب فيه بالخيل أو غيرها على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام. والضابط: أنه لا يحدث فيه أمر أصلا، بل يجعل يوما كسائر الأيام، فإنا قد قدمنا عن النبي ﷺ أنه نهاهم عن اليومين اللذين كانا لهم يلعبون فيهما في الجاهلية (١) وأنه ﷺ نهى عن الذبح بالمكان إذا كان المشركون يعيدون (٢) فيه. ومن ذلك: ما يفعله كثير من الناس في أثناء الشتاء في أثناء كانون الأول لأربع وعشرين خلت منه، ويزعمون أنه ميلاد عيسى ﵇، فجميع ما يحدث فيه هو من المنكرات، مثل: إيقاد النيران، وإحداث طعام، واصطناع شمع وغير ذلك. فإن اتخاذ هذا الميلاد عيدا هو دين النصارى، ليس لذلك أصل في دين الإسلام، ولم يكن لهذا الميلاد ذكر أصلا على عهد السلف الماضين، بل أصله مأخوذ عن النصارى، وانضم إليه سبب طبيعي (٣) وهو كونه في الشتاء المناسب لإيقاد النيران، ولأنواع مخصوصة من الأطعمة. ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام -أظنها أحد عشر يوما- عمد (٤) يحيى لعيسى ﵉ في ماء (٥) المعمودية فهم يتعمدون (٦) في هذا الوقت، ويسمونه عيد الغطاس، وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن

стр. 550

أولادهن إلى الحمام في هذا الوقت، ويزعمن أن هذا ينفع الولد، وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرمة. وكذلك أعياد الفرس مثل: النيروز والمهرجان، وأعياد اليهود أو غيرهم من أنواع الكفار أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل (١) . [النهي عن فعل ما يعين الكفار في أعيادهم] وكما لا نتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهى عن ذلك فمن (٢) صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب (٣) دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد، لم تقبل هديته، خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، مثل: إهداء الشمع ونحوه في الميلاد أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وكذلك أيضا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان بها على التشبه بهم (٤) كما ذكرناه. ولا يبيع (٥) المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر، فأما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم أو شهود أعيادهم للشراء فيها، فقد قدمنا أنه قيل للإمام أحمد: (٦) هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور

стр. 551

يانور (١) ودير أيوب، وأشباهه يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق، ويجلبون فيه الغنم والبقر والدقيق والبر، وغير ذلك؛ إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم، وإنما يشهدون الأسواق (٢) قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق (٣) فلا بأس. وقال أبو الحسن الآمدي: " فأما ما يبيعون (٤) في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره ". نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: " إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم " فهذا الكلام محتمل؛ لأنه أجاز شهود السوق مطلقا بائعا، ومشتريا؛ لأنه قال: " إذا لم يدخلوا عليهم كنائسهم، وإنما يشهدون السوق فلا بأس " هذا يعم البائع، والمشتري، لا سيما إن كان الضمير في قوله: " يجلبون " عائدا إلى المسلمين، فيكون قد نص على جواز كونهم جالبين إلى السوق. ويحتمل -وهو أقوى- أنه إنما أرخص في شهود السوق فقط، ورخص في الشراء منهم، ولم يتعرض للبيع منهم؛ لأن السائل إنما سأله عن شهود السوق التي يقيمها الكفار لعيدهم، وقال في آخر مسألته: " يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم " وذلك؛ لأن السائل مهنا بن يحيى الشامي، وهو فقيه عالم، وكان (٥) -والله أعلم- قد سمع ما جاء في النهي عن شهود أعيادهم، فسأل أحمد: هل شهود أسواقهم بمنزلة شهود أعيادهم؟ فأجاب أحمد بالرخصة

стр. 552

في شهود السوق، ولم يسأل عن بيع المسلم لهم إما لظهور الحكم عنده، وإما لعدم الحاجة إليه إذ ذاك، وكلام الآمدي أيضا محتمل (١) للوجهين. لكن الأظهر فيه الرخصة في البيع أيضا؛ لقوله: " إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم "، وقوله: " وإن قصد إلى توفير (٢) ذلك وتحسينه لأجلهم ". فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول الكنيسة فيجوز؛ لأن ذلك ليس فيه (٣) شهود منكر، ولا إعانة على معصية؛ لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه (٤) لعيدهم عنهم (٥) فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي ﷺ ، ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون (٦) لأعياد باطلة. وأيضا، فإن أكثر ما في السوق، أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، فهو كما لو حضر الرجل (٧) سوقا يباع (٨) فيها السلاح لمن يقتل به معصوما، أو العصير لمن يخمره، فحضرها الرجل (٩) ليشتري منها، بل هذا أجود؛ لأن

стр. 553

البائع في هذا السوق ذمي، وقد أقروا (١) على هذه المبايعة. ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر ﵁ في حياة رسول الله ﷺ إلى أرض الشام، وهي (٢) دار حرب، وحديث عمر ﵁ وأحاديث أخر بسطت القول فيها (٣) في غير هذا الموضع (٤) مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية. فأما بيع المسلمين لهم في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم، من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو: (٥) أن بيع الكفار عنبا أو عصيرا يتخذونه خمرا لا يجوز (٦) وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحا يقاتلون به مسلما. وقد دل حديث عمر ﵁ في إهداء الحلة السيراء (٧) إلى أخ له بمكة مشرك (٨) على جواز بيعهم الحرير، لكن الحرير مباح في الجملة، وإنما يحرم الكثير منه على بعض الآدميين، ولهذا جاز التداوي به في أصح

стр. 554

الروايتين (١) ولم يجز بالخمر بحال، وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه. فهذا الأصل فيه اشتباه، فإن قيل بالاحتمال الأول في كلام أحمد جوز ذلك، وعن أحمد في جواز حمل التجارة إلى أرض الحرب روايتان منصوصتان، فقد يقال: (٢) بيعها لهم في العيد كحملها إلى دار الحرب، فإن حمل الثياب والطعام إلى أرض الحرب فيه إعانة على دينهم في الجملة، وإذا منعنا منها إلى أرض الحرب فهنا أولى، وأكثر أصوله ونصوصه تقتضي المنع من ذلك، لكن هل هو منع تحريم؟ أو تنزيه؟ مبني على ما سيأتي. وقد ذكر عبد الملك بن حبيب (٣) أن هذا مما اجتمع (٤) على كراهته، وصرح بأن مذهب مالك أن ذلك حرام. قال عبد الملك بن حبيب في (الواضحة) (٥) كره مالك أكل ما ذبح النصارى لكنائسهم، ونهى عنه من غير تحريم، قال: وكذلك ما ذبحوا على اسم المسيح، أو الصليب، أو أسماء من مضى (٦) من أحبارهم ورهبانهم الذين يعظمون، فقد كان مالك وغيره ممن يقتدى به يكره أكل هذا كله من

стр. 555

ذبائحهم، وبه نأخذ، وهو يضاهي قول الله تعالى ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] (١) وهي ذبائحهم (٢) التي كانوا يذبحون لأصنامهم التي كانوا يعبدون. قال: وقد كان رجال من العلماء يستخفون ذلك (٣) ويقولون: (قد أحل الله لنا ذبائحهم، وهو يعلم ما يقولون، وما يريدون بها، وروى ذلك ابن وهب (٤) عن ابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء (٥) وسليمان بن يسار (٦) وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب (٧) وربيعة (٨) ويحيى بن سعيد (٩)

стр. 556

ومكحول (١) وعطاء (٢) . قال عبد الملك: وترك ما ذبحوا لأعيادهم وأقستهم (٣) وموتاهم، وكنائسهم أفضل. قال: وإن فيه عيبا آخر: أن أكله (٤) من تعظيم شركهم. ولقد سأل سعد المعافري (٥) مالكا عن الطعام الذي تصنعه النصارى لموتاهم يتصدقون به عنهم: أيأكل منه المسلم؟ فقال: " لا ينبغي (٦) لا يأخذه منهم "؛ لأنه إنما يعمل تعظيما للشرك فهو كالذبائح (٧) للأعياد والكنائس. وسئل ابن القاسم عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة: (٨) هل يجوز (٩) لمسلم شراؤه؟ فقال: " لا يحل ذلك له؛ لأنه تعظيم

стр. 557

لشعائرهم (١) وشرائعهم ومشتريه مسلم سوء " (٢) . وقال ابن القاسم في أرض الكنيسة يبيع الأسقف منها شيئا في مرمتها (٣) وربما حبست تلك (٤) الأرض على الكنيسة لمصلحتها: إنه لا يجوز للمسلمين أن يشتروها (٥) من وجهين: الواحد: (٦) من العون على تعظيم الكنيسة. والآخر: من جهة (٧) بيع الحبس (٨) ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز للمسلمين، ولا أرى لحاكم المسلمين أن يتعرض (٩) فيها بمنع ولا تنفيذ ولا بشيء. قال: وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخطة (١٠) عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه، وكره ابن القاسم للمسلم يهدي (١١) للنصارى شيئا في عيدهم (١٢) مكافأة لهم (١٣) ورآه من تعظيم عيدهم (١٤)

стр. 558

وعونا لهم (١) على مصلحة (٢) كفرهم (٣) ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم؟ لا لحما، ولا إداما (٤) ولا ثوبا، ولا يعارون دابة، ولا يعاونون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، ومن عونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه اختلف فيه. فأكل ذبائح أعيادهم داخل في هذا الذي اجتمع (٥) على كراهيته، بل هو عندي أشد، فهذا كله كلام ابن حبيب. وقد ذكر أنه قد اجتمع على كراهة مبايعتهم (٦) ومهاداتهم ما يستعينون به على أعيادهم، وقد صرح بأن مذهب مالك: أنه لا يحل ذلك. وأما نصوص أحمد على مسائل هذا الباب: فقال إسحاق بن إبراهيم (٧) سئل أبو عبد الله ﵀ عن نصارى، وقفوا ضيعة للبيعة: أيستأجرها الرجل (٨) المسلم منهم؟ فقال: لا يأخذها بشيء، لا يعينهم (٩) على ما هم فيه، وقال أيضا: سمعت أبا عبد الله، وسأله رجل بناء: أبني للمجوس ناووسا (١٠) قال: لا تبن

стр. 559

لهم، ولا تعنهم على ما هم فيه (١) . وقد نقل عن محمد بن الحكم (٢) وسأله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرا بكراء؟ قال: لا بأس به، والفرق بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة، بخلاف القبر المطلق، فإنه ليس في نفسه معصية، ولا من خصائص دينهم. [بيع الدار ونحوها للذمي وإجارتها له] وقال الخلال: " باب الرجل يؤاجر داره للذمي أو يبيعها منه " وذكر عن المروزي أن أبا عبد الله سئل عن رجل باع داره من ذمي، وفيها محاريبه: (٣) فقال: " نصراني (٤) ! " واستعظم ذلك، وقال: " لا تباع يضرب فيها بالناقوس (٥) وينصب (٦) فيها الصلبان، وقال: لا تباع من الكفار "، وشدد في ذلك. وعن أبي الحارث (٧) أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يبيع داره، وقد جاء

стр. 560

نصراني فأرغبه، وزاده في ثمن الدار، ترى (١) له أن يبيع داره منه وهو نصراني أو يهودي أو مجوسي؟ قال: " لا أرى له ذلك، يبيع داره من كافر يكفر (٢) بالله فيها! يبيعها من مسلم أحب إلي " فهذا نص على المنع. ونقل عنه إبراهيم بن الحارث (٣) قيل لأبي عبد الله: الرجل يكري منزله من الذمي ينزل فيه، وهو يعلم أنه يشرب فيه الخمر، ويشرك فيها؟ قال: " ابن عون (٤) كان لا يكري إلا من أهل الذمة يقول: يرعبهم " (٥) ". قيل له: كأنه أراد إذلال أهل الذمة بهذا. قال: " لا، ولكنه أراد: أنه كره أن يرعب (٦) المسلمين، يقول: إذا جئت أطلب الكراء من المسلم أرعبته. فإذا كان ذميا كان (٧) أهون عنده " وجعل أبو عبد الله يعجب لهذا من ابن عون، فيما رأيت. وهكذا نقل الأثرم سواء، ولفظه: قلت لأبي عبد الله.

стр. 561

ومسائل الأثرم وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها. ونقل عنه مهنا قال: سألت أحمد عن الرجل يكري المجوس داره، أو دكانه، وهو يعلم أنهم يزنون، فقال: " كان ابن عون (١) لا يرى أن يكري المسلمين، يقول: أرعبهم (٢) في أخذ الغلة، وكان يرى أن يكري غير المسلمين ". قال أبو بكر الخلال: كل من حكى عن أبي عبد الله في رجل يكري داره من ذمي، فإنما أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عون، ولم ينفذ (٣) لأبي عبد الله فيه قول. وقد حكى عنه إبراهيم أنه رآه معجبا بقول ابن عون، والذين رووا عن أبي عبد الله في المسلم يبيع داره من الذمي (٤) أنه كره ذلك كراهة شديدة، فلو نفذ (٥) لأبي عبد الله (٦) قول في السكنى؛ لكان (٧) السكنى والبيع عندي واحدا، والأمر في ظاهر قول أبي عبد الله أنه لا يباع منه؛ (٨) (٨) لأنه يكفر فيها، وينصب الصلبان، وغير ذلك، والأمر عندي: أنه لا يباع منه ولا يكرى (٩) (٩) ؛ لأنه معنى واحد.

стр. 562

قال: وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان (١) قال: سئل أبو عبد الله عن حصين بن عبد الرحمن (٢) فقال: " روى عنه (٣) حفص (٤) لا أعرفه " قال أبو بكر: هذا من النساك حدثني أبو سعيد الأشج (٥) سمعت أبا خالد الأحمر (٦) يقول: حفص هذا العدوي نفسه باع دار حصين بن عبد الرحمن عابد أهل الكوفة، من عون البصري (٧) فقال له أحمد: " حفص "؟ قال: نعم.

стр. 563

فعجب أحمد، يعني من حفص بن غياث، قال الخلال: وهذا أيضا تقوية لمذهب أبي عبد الله. قلت: عون هذا كأنه من أهل البدع، أو من الفساق بالعمل، فقد أنكر أبو خالد الأحمر على حفص بن غياث قاضي الكوفة، أنه باع دار الرجل الصالح من مبتدع، وعجب أحمد (١) أيضا من فعل القاضي. قال الخلال: " فإذا كان يكره بيعها من فاسق، فكذلك من كافر، وإن كان الذمي يقر، والفاسق لا يقر، لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم "، وهكذا ذكر القاضي عن أبي بكر عبد العزيز (٢) أنه ذكر قوله في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها، يبيعها من مسلم أحب إلي، فقال أبو بكر: " لا فرق بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة" ووافقه القاضي (٣) وأصحابه على ذلك. وعن إسحاق بن منصور (٤) أنه قال لأبي عبد الله: سئل -يعني الأوزاعي - عن الرجل يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني، فكره ذلك، وقال أحمد: " ما أحسن ما قال؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فلا بأس به (٥) ".

стр. 564

وعن أبي النضر العجلي (١) قال: قال أبو عبد الله فيمن يحمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني، فهو يكره أكل كرائه، ولكنه يقضي للحمال (٢) بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد كراهية ". وتلخيص الكلام في ذلك: أما بيع داره من كافر، فقد ذكرنا منع أحمد منه. ثم اختلف أصحابه: هل هذا تنزيه أو تحريم؟ فقال الشريف أبو علي بن أبي موسى: (٣) " كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي يكفر فيها بالله تعالى، ويستبيح فيها (٤) المحظورات، فإن فعل أساء، ولم يبطل البيع " وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرا عليها، وأما الخلال وصاحبه (٥) والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك، وقد ذكر كلام الخلال وصاحبه، وقال القاضي: " لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه بيت نار، أو كنيسة، أو يبيع فيه الخمر، سواء شرط أنه يبيع فيه الخمر، أو لم يشرط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر ".

стр. 565

وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: " لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها (١) يبيعها من مسلم أحب إلي ". قال أبو بكر: " لا فرق بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز (٢) البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة ". وقال أيضا في نصارى أوقفوا ضيعة لهم للبيعة: " لا يستأجرها الرجل المسلم منهم، يعينهم على ما هم فيه ". قال: وبهذا قال الشافعي " (٣) . فقد حرم القاضي إجارتها لمن يعلم أنه يبيع فيها الخمر، مستشهدا على ذلك بنص أحمد على أنه لا يبيعها لكافر، ولا يستكري وقف الكنيسة، وذلك يقتضي أن المنع في هاتين الصورتين عنده منع تحريم، ثم قال القاضي في أثناء المسألة: فإن قيل أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة، مع علمه بأنهم يفعلون فيها ذلك؟ قيل: " المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عون (٤) وعجب منه، وذكر القاضي رواية الأثرم، وهذا يقتضي أن القاضي لا يجوز إجارتها من ذمي. وكذلك أبو بكر قال: إذا أجاز أجاز (٥) وإذا منع منع (٦) وما لا يجوز فهو محرم "، وكلام أحمد ﵀ (٧) محتمل الأمرين، فإن قوله في رواية
следующие страницы →