Полный текст (484 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كه- في ذكر الأنهار ومخارجها وممارّها على الطوائف
ذكر في «باج بران» : الأنهار التي تخرج من الجبال العظام المشهورة التي ذكرنا أنّها عقود جبل «ميرو» وقد وضعناها في جدول للتخفيف:
«١» «٢» «٣» «٤» «٥»
стр. 177
وذكر في «مج بران» و «باج بران» الأنهار الجارية في «جنب ديب» «١» وأنّها تخرج من جبال «هممنت» ، ولم نراع «٢» فيها ترتيبا بل تعديدا فقط، فيجب أن نتصوّر في أرض الهند أنّ الجبال محيطة بحدودها، فالتي عن شمالها هي هممنت ذوات الثلوج، وأرض «كشمير» في وسطها وتتّصل بأرض «الترك» ، ولا يزال يزداد صردها إلى منقطع العمارة وإلى جبل «ميرو» ولأنّ امتداد هذه الجبال في الطول فإنّ ما يخرج منها نحو الشمال يجري في أرض «الترك» و «التبّت» و «الخزر» و «الصقالبة» ويقع في بحر «جرجان» أو بحيرة «خوارزم» أو بحر «بنطس» أو بحر «الصقالبة» الشماليّ، وما خرج منها نحو الجنوب فإنّه يجري في أرض الهند وينصبّ الى البحر الأعظم إنّ بلغه مفردا أو مزدوجا؛ فمياه ارض الهند إمّا من الجبال الشماليّة الباردة، وإمّا من الجبال الشرقيّة وهي تلك بعينها قد امتدّت إلى الشرق وانعطفت نحو الجنوب الى ان بلغت البحر الأعظم وداخلته قطعا بعد قطع عند المعروف بسدّ «رام» ، وإنّما تنفصل بالحرّ فيها والبرد؛ وقد أودعنا أسامي الأنهار هذا الجدول:
стр. 178
ويخرج من الجبال المصاقبة لمملكة «كايبش» وهو «كابل» ماء يلقّب بشعبه «غوروند» ينضاف إليه ماء ثنيّة «غوزك» وماء شعب «بنجهير» أسفل من بلد «بروان» وماء «شروت» و «ساو» المارّة على بلد «لنبكا» ، وهو «لمغان» ، وتجتمع عند قلعة «دروته» ويقع إليه ماء «نور» و «قيرات» فيكون منها بحذاء بلد «برشاور» نهر عظيم يعرف بالمعبر وهو قرية «منهاره» على شطّه الشرقي ويقع إلى ماء السند عند قلعة «بيتور» أسفل مدينة «القندهار» وهي «ويهند» ؛ ثمّ يجيء ماء «بيتّ» المعروف بجيلم في غربه وماء «جندراهه» ويجتمعان فوق «جهراور» بقريب من خمسين ميلا ويمرّان على غرب «المولتان» ، ويمرّ ماء «بياه» على شرقه ويقع إليهما؛ ويجيء ماء «ايراوه» فيقع إليه نهر «كج» الخارج من «نغركوت» التي في جبال «بهاتل» ؛ ثمّ ماء «شتلدر» ، فإذا اجتمعت أسفل المولتان في موضع يسمّى «بنج ندّ» أي مجتمع الأنهار الخمسة عظم مقداره ويبلغ من طموّه
стр. 179
وقت المدّ أنّه ينبسط قريبا من عشرة فراسخ ويغرق أشجار المفاوز حتى يرى غثاء السيل مجتمعا على أعالي اغصانها كأوكار الطيور، ويسمّى عندنا إذا جاوز مجتمعا بلد «ارور» من بلاد «السند» نهر «مهران» ويمتدّ هاديا منبسطا صافيا يحيط بمواضع كالجزائر حتى يبلغ «المنصورة» وهي فيما بين شعبه وينصبّ الى البحر في موضعين أحدهما عند مدينة «لوهاراني» والآخر إلى الشرق أميل في حدود «كج» ويعرف بسند ساكر أي بحر السند؛ وكما سمّي هاهنا مجتمع الأنهار الخمسة كذلك الأنهار السائلة من الجبال المذكورة نحو الشمال كما إذا اجتمعت عند الترمذ وصار منها نهر «بلخ» سمّيت مجتمع الأنهار السبعة، ومزج مجوس السغد كلا «١» الأمرين فقالوا: إنّ جملة الأنهار السبعة «سند» وأعلاه «بريديش» ، من نزلها رأى زوال الشمس عن يمينه إذا استقبل المغرب كما نراه هاهنا عن يسارنا؛ فأمّا نهر «سرّست» فإنّه يقع في البحر عن شرق «سومنات» بمقدار غلوة، وماء «جون» ينصبّ الى نهر «كنك» أسفل مدينة «كنوج» وهي على غربه ثمّ تقع الجملتان الى البحر الأعظم عند «كنكاساير» ، وفيما بين مصبّي نهري سرست وكنك مصبّ نهر نرمذ» يأتي من جبال شرقيّة ويمتدّ على الجنوب الى الغرب ويقع في البحر بالقرب من بلد «بهروج» وهو عن شرق سومنات بقريب من ستّين جوزنا، ووراء ماء كنك ماء «رهب» وماء «كويني» يجتمعان الى ماء «سرو» بالقرب من بلد «باري» ؛ ومن اعتقاد الهند في نهر كنك:
انّ مجراه كان في القديم على أرض الجنّة، وسيجيء خبر هبوطه إلى الأرض؛ وقيل في «مج بران» : إنّ كنك لمّا حصل على الأرض انقسم سبع شعب وسطاها عموده المعروف بهذا الأسم، ثلاث جرت نحو المشرق وأسماؤها: «نلن، لادن، باون» وثلاث جرت نحو المغرب وأسماؤها: «سيت، جكش، سند» ، فأمّا نهر سيت فإنّه إذا خرج من «هممنت»
стр. 180
يمرّ على ممالك «سلل، كرسنب، جين، بربر، جبر، به يشكر، كلت، منكل، كور، سنكونت» ثمّ يقع في بحر المغرب؛ وعن جنوبه نهر «جكش» يسقى ممالك «جين، مرو، كالك، دهولك، تخار؛ بربر، كاج بلهو، باروانجت «وأمّا نهر سند» فإنه يخترق، ممالك «سند» درذ، زندتند، كاندهار، رورس، كرور، سببور، اندر، مرو، بسات سيندو «١» ، كبت، بهيمرور، مر،، مرون، سكورد» ، ونهر «كنك» الذي هو العمود الأوسط، يمرّ على «كند هرب- المغنّين-، كنّر، جكش، راكشس، بدّاذر، اوركان أي الزّحافة على صدورها وهم الحيّات، كلاب، كرام أي قرية الأخپار، كنبرس، كشان وهم الجبليّون، كرات، بلندان وهم صيّادون في الصحاري لصوص، كرون، بيروت، بنجالان، كوشك، مجّان، مكدان، برهموتّران، تاملبّتان» وهؤلاء اخيار وأشرار يمرّ عليهم كنك ويدخل بعد ذلك في شعاب جبل «بند» معدن الفيلة ومنشئها «٢» ويقع بعد ذلك في بحر الجنوب؛ وأمّا شعبها الشرقيّة فإنّ نهر «لادن» يمرّ على «نشب، أوبكان، دهيور، برشك، نيلمخ، كيكر، ارشت! كرن أي الذين انقلبت شفاههم كآذانهم، كرات، كاليذر، ببرن أي الذين لالون لهم من شدّة السواد، كشكان، سفرك بهوم أي كأرض الجنّة،» ثمّ يقع في بحر المشرق؛ وأمّا نهر «باون» فإنه يسقي «كبت- المتباعدين عن الآثام- الندرردّمن سران أي حياض اندردّمن الملك، كربت، بيتر سنكبتان» ، ويخترق برّيّة «أوجانمرور» ويجتاز على «كشبراورن» «٣» الذين يلبسون حشيشة بناصر البراهمة، ثمّ على «اندرديبان» ويقع بعد ذلك في البحر الأجاج، وأمّا نهر «نلن» فإنّه يمرّ على «تامران، هنسمارك «٤» ، سموهك، بورن» وهم كلّهم صلحاء
стр. 181
متنزّهون عن الشرّ، وبعد ذلك يتوسّط جبالا ويمرّ على «كرن برابرن أي الواقع آذانهم على أكتافهم، اشمك أي الذين وجوههم كأوجه الدوابّ، بربت مر- الصحاري ذوات الجبال- رومي مندل،» ثمّ يقع في البحر: وأمّا في «بشن بران» فإنه ذكر أنّ كبار أنهار الأرض الوسطى المنصبّة الى البحر هي: «انوتبت، شخ، دياب، تردب، كرم، امرت، سكرت» .
стр. 182
كو- في صورة السماء والأرض عند المنجّمين منهم
قد جرى أمر الهند فيما بينهم على خلاف الحال بين قومنا، وذلك أنّ القرآن لم ينطق في هذا الباب وفي كلّ شيء ضروريّ بما يحوج إلى تعسّف في تأويل حتى ينصرف إلى المعلوم بالضرورة كالكتب المنزلة قبله، وإنّما هو في الأشياء الضروريّة معها حذو القذّة بالقذّة وباحكام من غير تشابه، ولم يشتمل أيضا على شيء ممّا اختلف فيه وأيس من الوصول إليه ممّا يشبه التواريخ، وإن كان الاسلام مكيدا في مبادئه بقوم من مناويه أظهروه بانتحال وحكوا لذوي السلامة في القلوب من كتبهم ما لم يخلق الله منه فيها شيئا لا قليلا ولا كثيرا فصدّقوهم وكتبوها عنهم مغترّين بنفاقهم وتركوا ما عندهم من الكتاب الحقّ لأنّ قلوب العامّة إلى الخرافات أميل فتشوّشت الأخبار لذلك؛ ثمّ جاءت طامّة أخرى من جهة الزنادقة أصحاب «ماني» كابن المقفّع وكعبد الكريم ابن أبي العوجاء وأمثالهم فشكّكوا ضعاف الغرائز في الواحد الأوّل من جهة التعديل والتجوير وأمالوهم إلى التثنية وزيّنوا عندهم سيرة ماني حتى اعتصموا بحبله، وهو رجل غير مقتصر بجهالاته في مذهبه دون الكلام في هيئة العالم بما يبين عن تمويهاته، وانتشر ذلك في الألسنة وانضاف إلى ما تقدّم من المكايد اليهودية فصار رأيا منسوبا إلى الاسلام- سبحان الله عن مثله- والذي يخالفه ويتمّسك بالحقّ المطابق للقرآن فيه موسوما بالكفر والإلحاد، محكوما على دمه بالإراقة، غير مرخّص في سماع كلامه، وهو دون ما
стр. 183
يسمع من كلام فرعون: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى»
«١» ، «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي»
«٢» ؛ وتطاول العصبيّة ربّما نميل به عن الطريقة المثلى للحميّة، والله يثبت قدم من يقصده ويقصد الحقّ فيه؛ وأمّا الهند فإنّ كتبهم الملّيّة والبرانات الخبريّة تنطق كلّها في هيئة العالم بما ينافي الحقّ الواضح عند منجّميهم إلّا أنّ القوم بها مضطرّون في إقامة السنن وحمل السواد الأعظم عليها إلى الحسابات النجوميّة والتحذيرات الأحكاميّة، فيظهرون الميل إليهم والقول بفضلهم والتيمّن بلقياهم والقطع عليهم أنّهم من أصحاب الجنّة لا يدخل جهنّم منهم أحد ومنجّموهم يكافونهم بالتصديق والمطابقة على ما هم عليه وإن خالف أكثره الحقّ ويقومون لهم بما يحتاج إليه منهم ولهذا امتزج الرأيان على الأيّام فاضطرب الكلام الحاصل عند المنجّمين وخاصّة عند من يقلّد ويأخذ الأصول بالأخبار ولا يذهب فيها مذهب التحقيق وهو أكثرهم، فلنحك الآن ما هم عليه ونقول: إنّ السماء والعالم عندهم مستديران والأرض كريّة الشكل، نصفها الشماليّ يبس ونصفها الجنوبيّ مغمور بالماء ومقدارها عندهم اعظم ممّا هو عند اليونانيّين، وممّا وجده المحدثون ويجدونه قد انحرفوا فيها عن ذكر البحار والديبات والجوزن الكثيرة المقدّرة لها واتّبعوا اصحاب الملّة فيما ليس بقادح في الصناعة من كون جبل «ميرو» تحت القطب الشماليّ وجزيرة «بروامخ» تحت القطب الجنوبيّ، أمّا الجبل فسواء كان هناك أو لم يكن اذ المحتاج إليه منه هو خواصّ الدوران الرحاويّ وهي بسبب المسامتة موجودة للموضع من بسيط الأرض ولما هو على سمته في الهواء، وأمّا الجزيرة الجنوبيّة فكذلك خبر غير ضارّ، على أنّه ممكن بل كالواجب تقاطر ربعين من أرباع الأرض يابسين وتقاطر الآخرين في الماء مغمورين، فيرون الأرض في الوسط والأثقال مرجحنّة نحوها فلا محالة أنّهم يرون السماء لذلك كريّة
стр. 184
الشكل، ونحن نحكي أقاويلهم في ذلك بحسب ترجمتنا فان خالفت الألفاظ ما جرت عليه العادة فليعتبر بها المعاني فانّها المطلوبة؛ قال «بلس» في «سدّهانده» إنّ بولس «١» اليونانيّ ذكر في موضع: انّ الأرض كريّة الشكل، وقال في موضع آخر: إنّها طبقيّة، وقد صدق في كليهما لأنّ الاستدارة في سطحها والاستقامة في قطرها، ولم يعتقد فيها غير الكريّة بدلائل كثيرة من كلامه وإجماع العلماء على ذلك مثل «براهمهر» و «آرجبهد» و «ديو» و «اشريخين» و «بشنجندر» «٢» و «براهم» فانّها لو لم تكن مستديرة لما انتطقت عروض المساكن ولا اختلف النهار والليل في الصيف والشتاء ولا وجد أحوال الكواكب ومداراتها على ما وجدت عليه؛ وأمّا موضعها فهو الوسط، نصفها طين ونصفها ماء، وجبل «ميرو» في نصفها اليابس مسكن «ديو» الملائكة، وفوقه قطب الشمال، وفي نصفها المغمور بالماء تحت قطب الجنوب «بروامخ» وهو يبس كالجزيرة يسكنه «ديت» و «ناك» أقرباء الملائكة الذين في ميرو، ولهذا سمّى أيضا «ديتانتر» والخطّ الفاصل بين نصفي الأرض اليابس والرطب يسمّى «نلكش» أي الذي لا عرض له وهو خطّ الاستواء، وفي جهاته الأربع أربع مدن كبار، أمّا في الشرق فزمكوت وأمّا في الجنوب فلنك «٣» وفي الغرب «رومك» وفي الشمال «سدّبور» ؛ والأرض مضبوطة بالقطبين والمحور يمسكها، وإذا طلعت الشمس على الخطّ المارّ على «ميرو» و «لنك» كان ذلك الوقت نصف نهار «زمكوت» ونصف ليل الروم، وعشيّة سدّبور، وكذلك يقول آرجبهد؛ وقال «برهمكوبت ابن جشن» البهلّماليّ في «براهم سدّهاند» : إنّ أقاويل الناس قد كثرت في هيئة الأرض وخاصة ممّن يدرس البرانات والكتب الشرعيّة، فمنهم من يرى أنّها كالمرآة مستوية، ومنهم من يرى أنّها كالقصعة مقعّرة، ومنهم من يزعم أنّها مسطّحة
стр. 185
كالمرآة يحيط بها بحر ثمّ أرض ثم بحر إلى آخرها مستديرة كالأطواق، ومقدار كلّ بحر منها أو أرض ضعف الذي في داخله حتى تكون الأرض القصوى أربعا وستّين مرّة مثل الأرض الوسطى والبحر المحيط الأقصى أربعة وستّين مثلا للبحر المحيط الأدنى، ولكنّ اختلاف الطلوع والغروب حتى يرى من في «زمكوت» الكوكب الواحد في الوقت الواحد على أفق المغرب ويراه حينئذ من بالروم على أفق المشرق طالعا هو ممّا يوجب للسماء والأرض شكل الكرة، وكذلك رؤية من في «ميرو» الكوكب الواحد في الوقت الواحد على الأفق في سمت «لنك» «١» موطن الشياطين ورؤية من في «لنك» «١» إيّاه فوق رؤوسهم تدلّ على مثله، ثم لا تصحّ الحسابات إلّا به، فبالضرورة نقول: إنّ السماء كرة لوجودنا خواصّها فيها وإنّ هذه الخواصّ لا تصحّ في العالم إلّا مع كونه كرة، فلا يخفى حينئذ بطلان سائر الأقاويل فيه؛ و «آرجبهد» يبحث عن العالم ويقول: إنّه الأرض والماء والنار والريح وهي كلّها مدوّرة؛ وكذلك يقول «بسشت» و «لات» : إنّ العناصر الخمسة التي هي الأرض والماء والنار والريح والسماء مستديرة؛ و «براهمهر» يقول: إنّ الأشياء الظاهرة المحسوسة تشهد لها بالكريّة وتنفي عنها سائر الأشكال؛ وقد أجمع «آرجبهد» و «بلس» و «بسشت» و «لات» على أنّه إذا كان نصف النهار في «زمكوت» «٢» كان حينئذ نصف الليل بالروم وأوّل النهار في «لنك» «٢» وأوّل الليل في «سدّبور» ، وهذا لا يمكن إلّا على التدوير، وكذلك أزمان الكسوفات لا تطّرد إلّا عليه؛ وقال «لات» : كلّ موضع من الأرض فإنّه لا يرى فيه إلّا نصف كرة السماء، وبحسب العرض في الشمال يرتفع «ميرو» والقطب على الأفق كما ينخفضان بحسب العرض في الجنوب وفي كليهما ينخفض معدّل النهار عن سمت الرأس بحسب العرض، وكلّ من هو في جهة من جهتي الشمال والجنوب فإنّه لا
стр. 186
يرى إلّا القطب الذي في جهته ويخفى عنه الذي في خلاف جهته؛ فهذه أقاويلهم في كرّيّة السماء والأرض وما بينهما وكون الأرض في وسط العالم بمقدار صغير جدّا عند المرئيّ من السماء، وهي مبادئ علم الهيئة التي يتضمّنها المقالة الأولى، من المجسطي وما شابهها من سائر الكتب وإن لم تكن بالتحصيل والتهذيب الذي نذهب إليه، وذلك أنّ الأرض أثقل من الماء والماء سيّال كالهواء والشكل الكريّ للأرض بالضرورة طبيعيّ إلّا أن يخرجها عنه أمر إلهيّ، فليس بممكن أن يتنّحى الأرض نحو الشمال والماء نحو الجنوب حتى يكون نصف الجملة يبسا ونصفها ماء إلّا بعد تجويف اليابس، وأمّا نحن فوجودنا الاستقرائيّ يقتضي اليبس في أحد ربعيها الشماليّين ونتفرّس لأجله في الربع المقاطر له مثل ذلك ونجوّز جزيرة «بروامخ» ولا نوجبها لأنّ أمرها وأمر ميرو خبريّ؛ وأمّا خطّ الاستواء فليس في الربع المعلوم عندنا على الفصل المشترك بين البرّ والبحر فإنّ البرّ يزاحم البحر في مواضع فيدخله دخولا يتجاوز به خطّ الاستواء كبراريّ «سودان» المغرب لأنّها ناطحت البحر ودخلت فيه إلى مواضع وراء جبال القمر ومنابع النيل، لم نتحقّقها لأنّها من جهة البرّ قفرة غير مسلوكة ومن جهة البحر وراء سفالة الزنج كذلك، لم يرجع منها سفينة غرّرت بنفسها حتى تخبر بما شاهدت، وكذلك يدخله من أرض الهند فوق بلاد السند قطعة عظيمة يتخيّل فيها أنّها تجاوز خطّ الاستواء إلى الجنوب، وفيما بين ذلك أرض العرب واليمن على هذه الصورة من غير إيغال في البحر تجاوز به خطّ الاستواء، وكما أنّ البرّ يلج في البحر كذلك البحر يلج في البرّ ويخرقه في مواضع ويصيّره أغبابا وخلجانا «١» كما بسط عن غرب أرض العرب لسانا إلى قرب واسطة الشام واستدقّ عند القلزم فعرف به وآخر أعظم منه عن شرق أرضهم يعرف ببحر «فارس» ، وانعطف أيضا فيما بين أرضي الهند والصين انعطافا إلى الشمال كثيرا، فخرج شكل الساحل بذلك عن أن يلزم خطّ الاستواء أو أن يكون على بعد
стр. 187
عنه غير متغيّر، والكلام «١» على المدن الأربع آت في موضعه؛ والذي ذكر من اختلاف الأوقات فهو من نتائج استدارة الأرض ولزومها وسط العالم، فان ذكر معها سكّانها ولا بد للمدن من المتمدّنين كان ذلك من نتائج نزوع الأثقال نحو مركزها وهو وسط العالم؛ ويقاربه ما في «باج بران» : انّ نصف النهار بأمراود يكون طلوعا على «بيبسوت» ونصف ليل على «سخ» وغروبا عن «ببه» وما في «مج بران» وهو أنّه ذكر فيه أن من جبل «ميرو» نحو المشرق مدينة «امراود بور» وهي لاندر الرئيس وفيها زوجته، ونحو الجنوب مدينة «سنجمن بور» فيها «جم» ابن الشمس يعاقب بها الناس ويثيبهم، ونحو المغرب مدينة «سكّ بور» فيها «برن» أعني الماء، ونحو الشمال للقمر «ببهاون بور» ، والشمس والكواكب تدور حول ميرو، فإذا كانت الشمس على نصف نهار أمراود بور كان أوّل النهار في سنجمن بور ونصف الليل في سكّ وأوّل الليل في بپهاون بور، وإذا كانت على نصف نهار سنجمن بور كانت طالعة على سكّ بور وغاربة عن امراود بور وعلى نصف ليل ببهاون بور، فقوله: إنّ الشمس تدور حول ميرو، يعني رحاويّا على من به، وليس هناك مشرق ولا مغرب بسبب صورة الحركة ولا الشمس تشرق فيه من موضع واحد معيّن بل من مواضع مختلفة، وإنّما أشار إلى سمت مدينة فسمّاه مشرقا وإلى سمت أخرى فسمّاه مغربا، ويمكن ان تكون هذه الأربع المدن هي التي ذكرها منجّموهم، فلم يوضح البعد بينها وبين الجبل، وسائر ما حكينا عنهم هو الحقّ الذي يوجبه البرهان؛ ولكن من عادتهم أن لا يذكروا القطب إلّا وذكر هذا الجبل معه في قرن؛ وهم يعتقدون في السفل ما نعتقد فيه أنّه مركز العالم لولا أنّ العبارة عنه ركيكة وخاصّة فإنّه من مسائل الفحول التي لا يقوم بها إلا كبار الرجال؛ قال «برهمكوبت» : إنّ العلماء زعموا أنّ كرة الأرض في وسط السماء، ومنها جبل «ميرو» مسكن «ديو» ، وأسفل منه «بروامخ» مسكن مخالفيهم من
стр. 188
«ديت» و «دانب» ، ولم يذهبوا من هذا السفل إلّا إلى الرتبة، وإلّا فحال الأرض من جميع جهاتها واحدة وكلّ من عليها فمنتصبون نحو العلو، والأشياء الثقيلة تقع إليها طبعا كما في طبعها إمساك الأشياء وحفظها وفي طبع الماء السيلان وفي طبع النار الإحراق وفي طبع الريح التحريك، فإنّ رام شيء عن الأرض سفولا فليسفل فلا سفل غيرها، والبذور تنزل إليها حيث ما رمي بها ولا تصعد عنها؛ وقال «براهمهر» : إنّ الجبال والبحار والأنهار والأشجار والمدن والناس والملائكة كلّها حول كرة الأرض، ولا يمكن أن يقال في تقابل «زمكوت» و «الروم» إنّه.
تسافل إذ لا سفل، وكيف يقال في أحدها إنّه أسفل وحاله كحال الآخر، فليس أحدها بالسقوط أولى بل كلّ واحد في ذاته وعند نفسه قائل أنا العالي والباقون أسفل، وجميعهم حول الكرة على مثال خروج الأنوار على أغصان الشجرة المسمّاة «كذنب» فإنّها تحتفّ عليه، وكلّ واحد في موضعه على مثال الآخر لا يتدلّى أحدها ولا ينتصب غيره، فالأرض تمسك ما عليها لأنّها من جميع الجهات سفل والسماء في كلّ الجهات علو، فكلام القوم في هذا الباب كما ترى صادر عن معرفة بالقوانين الصحيحة وإن داهنوا اصحاب الأخبار والنواميس، فإنّ «بلبهدر» المفسّر يقول: إنّ أصحّ الأقاويل على كثرتها واختلافها هو أنّ الأرض و «ميرو» وفلك البروج مدوّرات، ويقول «آبت بران كار» أي الصادقون الذين يتبعون البران: إنّ الأرض مثل ظهر السلحفاة لا تدوير لها من تحت، قال: وقد صدقوا، فإنّ الأرض في وسط الماء، والذي يظهر منه هو على صورة ظهر السلحفاة، والبحر الذي يحيط بها غير مسلوك، فأمّا تدوير فلك البروج فمشاهد بالعيان؛ فانظر كيف صدّقهم في تدوير الظهر وتغافل عن نفيهم التدوير عن البطن وتشاغل بحديث لا يتّصل بذلك، فقال: إنّ بصر الإنسان لا يبلغ من الأرض وتدويرها خمسة آلاف «١» «جوزن» إلّا إلى جزء من ستّة وتسعين جزء مّنه ذلك اثنان
стр. 189
وخمسون جوزنا فلهذا لا يحسّ بالتدوير وذلك سبب اختلاف الأقاويل فيه، ولم ينكر أولئك الصادقون تدوير ظهر الأرض بل أثبتوه بمثال ظهر السلحفاة، وإنّما نفاه «بلبهدر» عن قولهم لإنّه حمل معناه على إحاطة الماء بها، والبارز من الماء جائز أن يكون كريّ الوجه وأن يكون مسطّحا مرتفعا عن الماء كدفّ مقلوب أعني قطعة من اسطوانة مستديرة، وأمّا خروج الاستدارة عن الشعور بها لصغر قامة الإنسان فغير صحيح من اجل أنّ القامة لو كانت مثل عمود أعظم جبل ثمّ كان التأمّل من موضع واحد عليها دون اللنتقال واستعمال طريق القياس فيما يوجد فيها من اختلاف الأحوال لم ينفع طولها ولم يشعر باستدارة الأرض وحدّها؛ ولكن كيف اتّصال هذا الكلام بمقالة القوم ولو كان أثبت الاستدارة للأرض في الجانب المقابل للاستدارة اعني الذي تحت بالاستعارة ثمّ ذكر ما ذكر حتى يريه معقولا مستفادا من الحسّ لكان لقوله وجها ما؛ فأمّا تعيينه المقدار المبصر من الأرض فليكن له كرة الأرض: اب على مركز: هـ ونقطة: ب منها موقف الناظر إلى ما حوله والقامة: ب ج ويخرج: ج امماسّا للارض فمعلوم أنّ المبصر هو: ب اولنفرضه جزءا من ستّة وتسعين جزءا من الدور وذلك ثلاثة أجزاء ونصف وربع جزء إذا كان الدور ثلاث مائة وستّين، فالمثل ما تقدّم في باب جبل «ميرو» نقسم مربع: ط اوهو ٥٠٦٢٥ على: ٥ ط وهو ٣٤٣١ فيخرج: ط ج. ى «١» د م ٥ ويكون: ب ج القامة: «١» ز م ٥، وذلك على أنّ: هـ ب الجيب كلّه: ٣٤٣٨، لكنّ نصف قطر الأرض بحسب ما ذكر من دورها: ٧٩٥ ك ز ى و، فإذا حوّلنا:
ب ج إليه كان جوزنا واحدا «٢» وستّة كروش وألفا وخمسا «٢» وثلاثين ذراعا، وإذا فرضنا: ب ج أربعة أذرع كانت نسبته إلى: اط بمقدار الجيب كنسبة ٥٧٠٣٥ «٣» ، وهي أذرع ما خرج للقامة إلى: اط بمقدار الجيب وهو ٢٢٥، فإذا
стр. 190
استخرجناه كان. «١» . «١» اج وقوسه كذلك، لكنّ حصّة الجزء الواحد من تدوير الأرض كما ذكر ثلاثة عشر جوزنا وسبعة كروه وثلاث مائة وثلاث وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، فالمبصر إذن من الأرض مائتان وإحدى وتسعون ذراعا وثلثا ذراع؛
والوجه الذي أوتى منه «بلبهدر» ما في «بلس سدّهاند» حين قطع الجيب لربع الدائرة على أربع وعشرين كردجة ثم قال: إن سأل سائل عن علّة ذلك فليعلم أنّ الكردجة الواحدة من هذه جزء من ستّة وتسعين جزءا من الدور ودقائقها ٢٢٥، ولمّا استخرجنا جيبه كانت دقائقه ٢٢٥، فعلمنا من ذلك أنّ الجيوب تساوي قسيّها فيما هو أصغر من هذه الكردجة، ولمّا كان الجيب كلّه عند «بلس» و «آرجبهد» على نسبة القطر إلى دور الثلاث مائة والستّين أوهم «بلبهدر» من هذه المساواة العدديّة فظنّ أنّ القوس قد استقامت وما لم يكن فيه «١» حدّبة نتوّ يمنع البصر عن المرور ولم يتصاغر فهو مدّرك: وهذا هو الغلط العظيم فالقوس قطّ لا تستقيم ولا
стр. 191
الجيب وإن صغر يساوي قوسه، وإنّما يكون ذلك في الأجزاء المفروضة للاستعمال وأمّا في اجزائها فمّرهيّا وهلمّ جرّا إلى اقصى الصين؛ وأمّا قول بلس في الأرض: إنّ المحور يمسكها، فليس يعني به أنّ محورا هناك لو لم يكن لسقطت الأرض وكيف يقول هذا وهو يرى المدن الأربع حول الأرض مسكونة، وذلك موجبات نزول الأثقال إلى الأرض من جميع الجوانب؟ ولكنّه ذهب فيه إلى أنّ حركه ما على المحيط علّة لسكون ما في المركز والحركة في الكرة لا تكون إلّا على قطبين والخطّ الواصل بينهما وهما هو المحور، فكأنّه يقول: إنّ حركة السماء ماسكة للأرض في مكانها، مصيّرة إيّاه طبيعيّا لها لا يمكن أن تكون في غيره، وهي على محور الحركة ثمّ على وسطه لأنّ سائر أقطار الكرة ممكن أن تتوهم «١» محاور فإنّها كذلك بالقوّة ولو لم تكن في الوسط لأمكن وجود محور عنها فكأنّها في الصورة مدّعمة بالمحاور؛ وأمّا سكون الأرض وهو أيضا أحد مبادئ علم الهيئة الذي يعسر حلّ الشّبه العارضة فيه فإنّهم أيضا على اعتقاده، قال «برهمكوبت» في «براهم سدّهاند» : إنّ من الناس من زعم أنّ الحركة الأولى ليست في معدّل النهار وإنّما هي للأرض، فردّ عليهم «براهمهر» بأنّ ذلك يوجب ان لا يرجع طائر إلى وكره مهما طار عنه نحو المغرب، وهو كما قال، ثمّ قال برهمكوبت في موضع آخر منه: إنّ اصحاب «آرجبهد» يقولون: إنّ الأرض متحركة والسماء ساكنة، فقيل في الردّ عليهم: إنّ ذلك لو كان لسقطت عنها الأحجار والأشجار، ولم يرض برهمكوبت ذلك وقال: إنّه لا يلزمهم، وكأنّه عني بذلك من جهة أن الأثقال منجذبة إلى مركزها قال: بل لو كان ذلك لم تسارق دقائق السماء «بران» الأزمان؛ وربّما كان التخليط في هذا الفصل من جهة المترجم فإنّ دقائق السماء هي: ٢١٦٠٠ «٢» وتسمّى برانات أي انفاس لأنهم يزعمون أنّ كلّ دقيقة من معدّل
стр. 192
النهار فإنّها تدور في زمان نفس معتدل من أنفاس الناس. ونهب أنّ ذلك صحيح وأنّ الأرض تدور الدورة التامة نحو المشرق في هذا العدد من الأنفاس كما يدورها السماء عنده فما العائق فيها عن الموازنة والموازاة؟ ثمّ ليست حركة الأرض دورا بقادحة في علم الهيئة شيئا بل تطّرد أمورها معها على سواء، وإنّما تستحيل من جهات أخر ولذلك صارت اعسر الشكوك في هذا الباب تحليلا، وقد أكثر الفضلاء من المحدثين بعد القدماء الخوض فيها وفي نفيها، ونظنّ أنّا قد أربينا عليهم في المعنى لا الكلام في كتاب «مفتاح علم الهيئة» .
стр. 193
كز- في الحركتين الأوليين عند منجّميهم وعند أصحاب البرانات
أمّا عند المنجّمين منهم فالأمر كما نذهب إليه نحن في أكثر الأمر، ونحن نحكي أوّلا أقاويلهم فيه وإن كان ما وجدناه من ذلك نزرا جدّا، قال «بلس» :
الريح تدير فلك الكواكب الثابتة ويحفظه القبطان وحركته التي إلى المغرب يراها سكّان جبل «ميرو» من اليسار الى اليمين ويراها سكّان «بروامخ» من اليمين إلى اليسار، وقال في موضع آخر: إن سأل سائل عن جهة حركة الكواكب معما يراه من طلوعها من المشرق ودورانها نحو المغرب إلى أن تغيب، فليعلم أنّ الحركة التي نراها لها نحو المغرب مختلفة الوجهة بحسب إدراك أهل المساكن إيّاها فسكّان جبل «ميرو» يرونها من اليسار إلى اليمين وأهل جزيرة «بروامخ» يجدونها بعكس ذلك من اليمين إلى اليسار وسكّان خطّ الاستواء نحو المغرب فقط ومن فيما بين هذه المواضع منحطّة بحسب عروض المساكن، وهي في الجملة صادرة عن الريح التي تدير الأفلاك حتى تلزم الكواكب وغيرها طلوعا من المشرق وغروبا في المغرب بالعرض وأمّا بالذات فإنّ حركاتها نحو المشرق، وهذه الحركة هي التي تكون من الشّرطين نحو البطين فإنّ البطين عن الشرطين في جهة المشرق، فإن لم يعرف السائل منازل القمر وعجز عن قياس الحركة الشرقيّة عليها فليتأمّل القمر نفسه في تباعده عن الشمس أوّلا فأوّلا ثمّ اقترابه منها كذلك إلى أن يجامعها ليتصوّر من ذلك حركته الثانية؛ وقال «برهمكوبت» : إنّ الفلك خلق متحرّكا على قطبين بأسرع
стр. 194
حركة تمكن فلا يلحقها فتور، وخلقت الكواكب حيث لا بطن حوت ولا شرطين أي في الفصل المشترك بينهما وهو الاعتدال الربيعيّ؛ وقال «بلبهدر» المفسّر:
إنّ جميع العالم معلّق بقطبين ومتحرّك باستدارة تبتدىء «١» من «كلب» «٢» وتنتهي إلى كلب «٢» فلا يجوز أن يقال في العالم بسبب اتصال حركته: إنه لا أوّل له ولا آخر؛ وقال «برهمكوبت» : الموضع الذي لا عرض له وهو المقسوم بستّين كهريا هو أفق لمن في «ميرو» ويكون الشرق فيه غربا ووراء هذا الموضع في الجنوب «بروامخ» والبحر يحيط به، فإذا دارت الأفلاك والكواكب صار معدّل النهار أفقا مشتركا للملائكة ولديت يرونه معا، واختلفت جهة الحركة بينهم فما رآه الملائكة منها متيامنا رآه «ديت» متياسرا وبالعكس على مثال من كان بيمناه شيء فإنّه إذا نظر في الماء رآه في يسراه، وسبب هذه الحركة المستوية التي لا تزيد ولا تنقص هي ريح وليست بالريح المشاهدة عندنا فإنّ هذه تسكن وتهتاج وتختلف وتلك لا تسكن؛ وقال أيضا في موضع آخر: والريح تدير جميع الكواكب الثابتة والسيّارة نحو المغرب دورة واحدة، والسيّارة تتحرّك نحو المشرق حركة يسيرة على مثال ذرّة تتحرّك على دوّارة الخزّاف في خلاف جهة التحريك فإنّ الذي يرى من حركتها هو التحريك ولا يحسّ بحركتها الذاتيّة، وهذا قول أجمع عليه «لات» و «آرجبهد» و «بسشت» إلّا قوما رأوا الحركة للأرض والسكون للسماء، فأمّا الحركة التي يعتبرها الناس من المشرق إلى المغرب فإنّ الملائكة يرونها من اليسار الى اليمين وديت من اليمين إلى اليسار. فهذا ما طالعته من كتبهم فيها، فأمّا الريح التي يشيرون إليها في التحريك فما أظنّها إلّا للتقريب من الافهام فإنّها مشاهدة في تحريك الآلات ذوات الأجنحة والديدانجات إذا هبّت عليها، وإذ كانت الاشارة إلى المحرّك الأوّل عادوا في نفي التشبيه عنها بالريح الطبيعيّة التي تختلف باختلاف
стр. 195
أسبابها فإنّها وإن كانت محرّكة للأشياء فليست من ذاتها ولا بغير مماسّة لأنّها جسم ولها حوافز من خارج تكون حركتها بحسب حفزها إيّاها، ونفيهم السكون عنها إشارة منهم إلى دوام التحريك لا إلى السكون والحركة اللذين يكونان للجسم، وكذلك نفي الفتور عنها دلالة على تبرّئها عن الأحوال المختلفة فإنّ الفتور واللغوب لا يكون إلّا للمركّب من المتضادّات في الكيفيّة، وأمّا حفظ القطبين لفلك الثوابت فمعناه على النظام لا عن أن يسقط، وكان حكى عن بعض قدماء اليونانيّين أنّه رأى في المجرّة أنّها كانت في بعض الأزمنة طريقة للشمس ثمّ انتقلت عنها، وهذا هو زوال الحركات عن النظام الجائز أن يضاف إلى حفظ الأقطاب؛ وأمّا قول «بلبهدر» في تناهي الحركة فمعناه أنّ الخارج إلى الوجود الواقع تحت العدد لا محالة متناه «١» من جهة مبدئه لأنّ العدد كائن من تراكيب الواحد وتضاعيفه وهو يتقدّمها لا محالة، ومن جهة الموجود منه في الآن من الزمان، وذلك ضرورة فإن كانت الأيّام والليالي متزايدة العدّة بدوام الكون فلها أوّل منها ابتدأت، وإن جحد جاحد وجودها في الفلك فزعم أنّ النهار والليل كائنان بالاضافة إلى الأرض وسكّانها وأنّها إذا رفعت عن وسط العالم وهما ارتفع الليل والنهار بارتفاعهما وزال التعديد عن المركّبات من مجموعاتهما وهي الأيّام عدل بلبهدر عن الاستدلال بموجب الحركة الأولى إلى موجب الثانية وهو أدوار الكواكب فإنّها بحسب الفلك دون الأرض وعبّر عنها بكلب «٢» لأنّه الجامع لها والذي يبتدئ جميعها من أوّله، وأمّا قول «برهمكوبت» في معدّل النهار: إنّه المقسوم بستّين، فهو بمنزلة قول قائل لو كان من أصحابنا: إنّه المقسوم بأربعة وعشرين، وذلك أنّه الكائل للأزمنة والعادّ لها ودوره مشتمل على أربع وعشرين ساعة كما يشتمل عند الهند على ستّين كهريا ولهذا حسبوا مطالع البروج بالكهريات دون أزمان معدّل النهار؛ وأمّا قوله
стр. 196
في الريح المديرة للكواكب الثابتة والسيّارة ثمّ تخصيصه السيّارة بالحركة اليسيرة نحو المشرق فهو موهم منه أنّه لا يرى للثابتة حركة وإلّا فهي تتحرّك أيضا حركة يسيرة نحو المشرق كالسيّارة، لا يباينها فيها إلّا بالمقدار وبالتحيّر العارض لتلك في الرجوع؛ وقد حكى قوم عن القدماء: أنّهم لم يكونوا يفطنون لحركاتها إلى أن دلّتهم الأزمنة المتطاولة عليها، ويؤكّد ذلك الوهم خلوّ الأدوار في كتبه عن ذكر أدوار للثوابت وتعليقه ظهورها واختفاءها بدرجات للشمس لا تتغيّر؛ وأمّا نفيه التيامن والتياسر عن الحركة الأولى على من يسكن خطّ الاستواء فليعلم أنّ الساكن تحت أحد القطبين أينما توجّه فإنّه يستقبل المتحرّكات، ولأنّها إلى جهة واحدة فإنّها بالضرورة آخذة من محاذاة إحدى يديه نحو وجهة وجهه ومنها إلى محاذاة اليد الأخرى، ويتبادل الأمر في اليدين عند الساكنين تحت كلا «١» القطبين بسبب تقابلهما تبادله في الماء والمرآة فإنّ البصر إذا انعكس منهما صار كإنسان آخر مقابل لهذا الناظر يدرك بأيمنه أيسره وبأيسره أيمنه، وكذلك سائر المساكن ذوات العروض الشماليّة يستقبلها أهلها المتحرّكات نحو الجنوب، والجنوبيّة يستقبل أهلها المتحرّكات نحو الشمال فيكون أمر الحركة عندهم على قياس ساكني «ميرو» و «بروامخ» وأمّا الكائن على خطّ الاستواء فإنّ المتحرّكات تدور عليه بالتقريب فلا يستقبلها في جهة وأمّا بالتحقيق فإنّها تبعد عنه قليلا، فإن استقبلها في الجهتين على صورة واحدة كانت حركة الشماليّات عليه من اليمين إلى اليسار والجنوبيّات بخلاف ذلك، فجمع خاصيّة القطبين معا وحصل التبادل له مع نفسه دون غيره، وأمّا ما دار على سمت رأسه فهو الذي أومى إليه «برهمكوبت» من الأقسام. وأمّا أقاويل أصحاب البرانات فقد «٢» صيّروا السماء قبّة على الأرض ساكنة والكواكب بذواتها من المشرق إلى المغرب سائرة، فمتى يكون لهم علم
стр. 197
بالحركة الثانية وإن كان فمتى يجوّز لهم الخصم تحرّك شيء واحد إلى جهتين مختلفتين حركتين بالذات؟ ونحن نذكر ما وقع إلينا «١» من جهتهم لا لإفادة فلا فائدة فيها، فقد قيل في «مج بران» : إنّ الشمس والكواكب تمرّ نحو الجنوب في سرعة السهم، تدور حول ميرو، ودوران الشمس على مثال خشبة ملتهبة الطرف إذا أسرعت إدارتها، وهي لا تغيب في ذاتها وإنّما تخفى عن قوم دون آخرين من المدن الأربع التي في الجهات الأربع من الجبل، وهي تدور حوله عن شمال جبل «لوكالوك» لا تجاوزه ولا تنير جانبه الجنوبيّ، وخفاؤها بالليل لبعدها، وقد يراها الإنسان من ألوف «جوزن» ثمّ يخفيها عنه شيء صغير إذا كان الشيء قريبا من العين. فإذا سامتت الشمس «بشكرديب» «٢» تحرّكت في ثلاثة أخماس ساعة جزءا من ثلاثين من الأرض فيكون لهذه المدّة أحد وعشرون «٣» لكشا وخمسون «٤» ألف جوزن وذلك ٢١٥٠٠٠٠، ثمّ تميل إلى الشمال فيصير مسيرها ثلاثة أضعاف ما كانت ولذلك يطول النهار، ودوران الشمس في اليوم الجنوبيّ تسعة «كورتي» وعشرة آلاف «٥» وخمسة وأربعون «٦» جوزن، فإذا عادت إلى الشمال ودارت على «كشير» أي البحر اللبنيّ كان يومه ثلاثة كورتي وأحدا وعشرين «لكش» ؛ فانظر إلى اضطراب هذه الأقاويل في الموضوع، لأنّ قوله في مرور الكواكب: إنّها تسرع كالسهم وإن كان على وجه المبالغة في الصفة للفهم العامّيّ فإنّ الجنوب لا تختصّ بها دون الشمال، وإذا كانت لها في الجهتين غايتان للتردّد وتساوي زمان مرورها من الغاية الجنوبيّة إلى الغاية الشماليّة زمان مرورها بينهما بالعكس كان مرورها إلى الشمال أيضا في سرعة السهم، ولكنّ ذلك دليل على اعتقاده في
стр. 198
القطب الشماليّ أنّه العلو وجهة الجنوب متسافل عنه فالكواكب تمرّ إليها كالصبيان في الزحلوقات، فإن كان يعني بهذا المرور الحركة الثانية وذلك هو الأولى فإنّ الكواكب بها لا تمرّ حول «ميرو» وإنّما تميل عن أفقه قريبا من نصف سدس الدور؛ ثمّ ما أبعد مثاله في حركة الشمس بالخشبة الملتهبة، ولو كنّا نرى الشمس المتحرّكة طوقا مستديرا متّصلا لكان مثاله نافعا في تعريفنا أنّه ليس كذلك، فأمّا ونرى الشمس قطعة في السماء كالواقفة فإنّ مثاله هذر، وإن كان يعني بذلك أنّها تعمل مدارا مستديرا فالالتهاب في خشبته حشو فإنّ الحجر المعلّق من رأس خيط يعمل مدارا مثله إذا أدير فوق الرأس، وطلوع الشمس على قوم وغيبتها عن آخرين حقّ لولا ما ذكرناه من عقيدته، ويشهد عليه جبل «لوكالوك» ووقوع شعاع الشمس عليه من جانبه الإنسيّ الذي سمّاه شمالا والوحشيّ جنوبا، وليس خفاء الشمس بالليل للبعد وإنّما هو بساتر هو الأرض عندنا وجبل ميرو عنده ولكنّه تصوّر المدار حول الجبل ونحن منه في جانب فاختلف الأبعاد منّا إليه. وما بعد ذلك من الكلام يشهد أنّه في الأصل هكذا وخفاؤها بالليل ليس لبعدها، فأمّا الأعداد التي ذكرت فأظنّها فاسدة متغيّرة وليس لنا معها عمل ولكنّه جعل مسير الشمس في الشمال ثلاثة أضعاف مسيرة في الجنوب وصيّر ذلك علّة طول النهار وقصره ومجموع النهار وليله أبدا على حاله وهما في الشمال والجنوب يتكافئان، فيجب أن يكون ما ذكر مقولا على العرض الذي نهاره الصيفيّ خمسة وأربعون كهريا والشتويّ خمسة عشر، ومع ذلك فإسراع الشمس في الشمال محتاج إلى إيراد علّة له فإنّ أوضاعه تضيق المدارات الشماليّة لاقترابها من القطب وتوسّع الجنوبيّة لاقترابها من الذيل، وإذا أسرعت الشمس في المسافة الصغرى قصر زمانها عن زمان المسافة الكبرى وقد أبطأت فيها أيضا والأمر بالعكس، ثمّ قوله: إنّها إذا دارت على «بشكرديب» «١» عبارة عن مدار المنقلب الشتويّ وقد صيّر النهار فيه
стр. 199
أكثر مقدارا ممّا عداه سواء كان المنقلب الصيفيّ أو غيره، فجميع الكلام غير مفهوم، ومثله ما في «باج بران» أنّ النهار في الجنوب اثنا عشر «مهورت» وفي الشمال ثمانية عشر وهي تميل فيما بين الشمال والجنوب ١٧٢٢١ «جوزن» في ١٨٣ يوم فيكون حصّة اليوم ٩٤ جوزن، فأمّا مهورت فهو أربعة أخماس ساعة والقضيّة مقولة على عرض أطول نهاره أربع عشرة ساعة وخمسا ساعة، وما ذكر من عدد الجوزنات فإنّ ظاهر الأمر يقتضي أن تكون حصّة ضعف الميل من الفلك والميل عندهم أربعة وعشرون جزءا فجوزنات كلّ الفلك إذن ١٢٩١٥٧ ونصف جوزن، والأيّام التي تقطع فيها الشمس ضعف الميل هي نصف سنتها مجبور الكسر فإنّه قريب من خمسة أثمان يوم، وفي باج بران أنّ الشمس في الشمال تبطئ بالنهار وتسرع بالليل وفي الجنوب بعكس ذلك ولهذا يطول النهار في الشمال ويبلغ ثمانية عشر مهورتا، وهذا كلام من لا يعرف الحركة الشرقيّة أصلا ولا يهتدي لتقدير قوس النهار بالعيان؛ وفي كتاب «بشن دهرم» أنّ مدار بنات نعش دون القطب وتحته مدار زحل ثمّ المشترى ثمّ المرّيخ ثمّ الشمس ثمّ الزهرة ثمّ عطارد ثمّ القمر وهي تدور نحو المشرق كالرحا بحركة مستوية المقدار في كلّ كوكب لأنّ منها سريع ومنها بطيء وقد تكرّر الموت والحياة عليها في القديم ألوف مرّات، وهذا الكلام إن أريد إجراءه على مناهج الصواب مضطرب لأنّا إذا ذهبنا في تحتيّة بنات نعش عن القطب إلى أنّ موضع القطب هو العلو سفل بنات نعش عن سمت رؤوس أهل «ميرو» وصدق فيه ثمّ كذب في السيّارة فإنّ تحت فيها مقول على القرب والبعد من الأرض، ولن يطّرد على ذلك «١» إلّا إذا كان زحل أعظم الكواكب ميل مجرى «٢» عن معدّل النهار ثمّ المشترى ثمّ باقيها الأوّل فالأوّل ومع ذلك ثابتة على ذلك المقدار من الميل، وليس ذلك في الوجود كذلك، وإن حملنا
стр. 200
الجميع على أمر واحد صدق فإنّ الثوابت فوق السيّارة لكنّ القطب لا يعلوها؛ وأمّا الدور الرحاويّ فإنّه بالحركة الأولى نحو المغرب دون الثانية التي أشار اليها، والكواكب عنده أنفس أشخاص نالت العلو بالكسب وعادت إليه عند تمام المدّة، وأظنّ أنّه أشار الى العدد بالألوف من أحد وجهين إمّا بسبب الوجود والخروج من القوّة إلى الفعل وإمّا بسبب أنّ منها ما تخلّص وفيها ما يتخلّص فعددها يتناقص وكلّ ما قبل النقصان فمتناه.
стр. 201
كح- في تحديد الجهات العشر
انبساط الأجسام في الأقطار على ثلاثة سموت أحدها للطول والثاني للعرض والثالث للعمق أو السمك، والامتداد الموجود لا الموهوم متناه في سموته فخطوط هذه السموت الثلاثة إذ هي متناهية ذوات نهايات ستّ هي الجهات، وإذا توهّم في وسطها أعني تقاطعها حيوان وجهه إلى أحدها صارت له أماما ووراء ويمينا ويسارا وفوقا وتحتا، وإذا أضيفت إلى العالم حصلت لها أسام «١» أخر، ولأنّ الطلوع والغروب في الأفق والحركة الأولى به تظهر فإنّه أولى بالجهات أن تحدّ فيه، والأربع التي هي المشرق والمغرب والشمال والجنوب مشهورة والتي فيما بين كلّ اثنتين منها أقلّ اشتهارا، وهي معها تصير ثمانيا ومع الفوق والتحت اللذين لا نشتغل بذكرهما عشرا، فأمّا اليونانيّون فإنّهم كانوا يذهبون فيها إلى مطالع البروج ومغاربها ثمّ ينسبونها إلى الرياح فيكون عددها ستّة عشر، وكذلك العرب نسبوا الجهات الأربع إلى مهابّ الرياح منها وما هبّت بين اثنتين منها فهي «نكباء» بالإطلاق وفي الغرائب الخاصّة مسمّاة بأسماء خاصّة، وأمّا الهند فإنّهم لم يعتبروا فيها هبوب ريح وإنّما سمّوا الجهات الأربع أوّلا بأسماء ثمّ اتّبعوها بتسمية ما بين كلّ جهتين منها فصارت في الأفق ثمانيا كما في هذه الصورة:
стр. 202
«١» وبقي لقطبي الأفق اثنتان هما فوق وتحت واسم فوق «أوبر» واسم أسفل «أد» وأيضا «تال» وهذه والتي لغيرهم هي جهات بالوضع وإذ الأفق منقسم بما لا يتناهى فالسموت فيه من المركز كذلك. وكلّ قطر فممكن أن تفرض «٢» نهايتاه إمّا ما قبل وما وراء أو عكسهما فتكون «٢» نهايتا القطر القائم عليه يمينا وشمالا، ومن أجل أنّهم لا يذكرون شيئا معقولا أو موهوما إلّا ويقيمون له شخصا محسوسا ويسرعون إلى تزويجه وتعجيل زفافه وحبله وولادته فإنّ في كتاب «بشن دهرم» : انّ «أتر» وهو الكوكب الذي يلي البنات من النعش تزوّج بالجهات التي هي واحدة وإن عدّت ثمانيا فولد له منها القمر، وقال غيره: إنّ «دكش» الذي هو «پرجاپت» زوّج «دهرم» وهو الثواب عشرا من بناته وهنّ الجهات وفيهنّ واحدة تسمّى «بس» فأولدها أولادا كثيرة يسمّون «بسون» واحدهم القمر، ولا محالة أنّ
стр. 203
أصحابنا يضحكون من ولادة القمر فإنّي أزيدهم من هذه السلعة، قالوا: إنّ الشمس هي ابن «كشّب» وأمّها «آدت» ولد في «منّنتر» السادس على منزل «بشاك» والقمر هو ابن «دهرم» ولد على منزل «كرتكا» والمرّيخ هو ابن «پرجاپت «١» » ولد على منزل «پورباشار» وعطارد ابن القمر ولد على منزل «دهنشت» والمشتري ابن «آنكر» ولد على منزل «پورباپلكنى» والزهرة ابنة «برك «٢» » ولدت على منزل «٣» «پش «٤» » وزحل ابن الشمس ولد على منزل «ريوتي» وذو الذنب هو ابن «جم» ملك الموت ولد على منزل «أشليشا» والرأس ولد على منزل ريوتي، وجعلوا للجهات الثمان في الأفق أربابا كعادتهم وضعناها في جدول:
стр. 204
ولهم في الاختيار للقمار بالجهات الثمان شكل يسمّونه «راه جكر «١» » أي شكل الرأس وهو هذا:
والعمل به أن تعرف ربّ اليوم الذي أنت فيه ومكانه من الصورة ثمّ تعرف الثمن الذي أنت فيه من أثمان النهار وتعدّ الأثمان على الخطوط الآخذة من أرباب الأيّام على التوالي الذي هو من المشرق إلى الجنوب إلى المغرب فتنتهي إلى ربّ ذلك الثمن، مثاله إذا أردنا صاحب الثمن الخامس من يوم الخميس وربّ اليوم المشتري في الجنوب والخطّ الخارج من هذه الجهة ينتهي إلى ما بين المغرب والشمال فصاحب الثمن الأوّل هو المشتري وصاحب الثمن الثاني زحل والثالث
стр. 205
الشمس والرابع القمر والخامس عطارد في الشمال وعلى هذا تمتدّ الأثمان إلى كمال النهار وتدخل في الليل التالي باتّصال إلى تمام اليوم. وإذا علمت جهة الثمن الذي أنت فيه فاعلم أنّها منسوبة عندهم إلى الرأس فاجعلها في الجلوس للعب وراء ظهرك فإنّك تظفر بزعمهم، ولا عليك أن تستهين بالمختار من عدّة ملاعب في الضربة الواحدة من أجل هذا الاختيار ويكفيك أن تكل أمر الفصوص إليه.
стр. 206
كط- في تحديد المعمور من الأرض عندهم
في كتاب «بهوبن كوش» الرش: انّ الأرض المعمورة من «هممنت» نحو الجنوب وتسمّى «بهارث برش» ، سمّيت باسم رجل بهارث كان يسوسهم ويمونهم، وأهل هذه المعمورة هم الذين يقع عليهم الثواب والعقاب دون غيرهم، وتنقسم هذه المعمورة تسعة أقسام تسمّى «نوكند پرثم» أي التسع القطع الأول، وفيما بين كلّ اثنتين من تلك القطع بحار يعبر فيها من واحد إلى آخر، وعرض المعمورة من الشمال إلى الجنوب ألف «جوزن» ، فإشارته هاهنا إلى هممنت هي إلى الجبال التي في الشمال عند منقطع العمران من البرد والعمارة ضرورة في جنوبها، وإشارته إلى أهلها أنّهم هم المكلّفون دليل على زوال التكليف عن غيرهم، وزواله لا يكون إلّا بالارتفاع عن الإنسيّة إلى رتبة الملائكة الذين هم ببساطة جواهرهم ونقاء طباعهم لا يعصون أمرا ولا يسأمون العبادة أو بالانحطاط عنها إلى رتبة البهائم التي لا تعقل، فليس ممّا عدا المعمورة إذن أحد من الناس، وليس بهارث برش أرض الهند فقط كاعتقاد الهند فيها أنّها الدنيا وأنّهم الناس فقط فليس تخترق أرضهم بحر تميّز به فيها قطعة عن قطعة، ولا يذهب في القطع إلى الديبات فقد صرّح بأنّ تلك البحار يعبر فيها من جانب إلى جانب، ولزم من قوله أنّ أهل الأرض كلّهم والهند في لزوم التكليف شرع واحد، وإنّما سمّيت هذه القسمة «پرثم» أي أوّل لأنّهم يقسمون أرض الهند بها أيضا وحدها فتكون
стр. 207
قسمة المعمورة أولى وهذه ثانية، ومنجّموهم يقسمون كلّ مملكة بها فتكون قسمة ثالثة، وذلك عند نظرهم في مواقع المناحس والسعادات منها؛ وفي «باج پران» مثل ما حكيناه وهو قوله: إنّ وسط «جنب ديب» يسمّى «بهارث برش» ومعناه الذين يقنتون ويتقوّتون، ويكون عندهم الجوكات الأربعة ويلزمهم الثواب والعقاب، و «هممنت» شماليّ عنه، وهو مقسوم بتسعة أقسام فيما بينها بحار مسلوكة وطوله تسعة آلاف «١» «جوزن» وعرضه ألف جوزن، ولأنّه يسمّى أيضا «سمنار» فإنّ من يملكه كلّه يسمّى باسمه سمنار، وصورة أقسامه التسعة هكذا:
ثمّ يأخذ في صفة الجبال التي في القطعة المتوسّطة بين المشرق والشمال والأنهار التي تخرج منها صفة لا يتعدّاها فيوهم أنّ تلك القطعة هي المعمورة، وتناقض بقوله في موضع آخر: إنّ «جنب «٢» ديب» هو الواسطة في «نوكند پرثم» وسائرها في الجهات الثمان وفيها الملائكة والناس والحيوان والنبات، فكأنّه يشير إلى
стр. 208
الديبات هاهنا، وإذا كان عرض المعمورة ألف «جوزن» وجب أن يكون طولها بالتقريب ألفين «١» وثمان مائة جوزن بالتقريب «٢» ، ثمّ ذكر ما في كلّ جهة من البلاد والنواحي، وسنذكرها في الجداول معما ذكر غيره فإنّ ذلك أسهل فيها، وقد قلنا فيما تقدّم: إنّ القطعة التي فيها العمارة تشبّه بالسلحفاة من جهة استدارة حافّاتها ومن جهة بروزها عن الماء وإحاطة الماء بها ومن جهة الانحداب في سطحها الكريّ، ويجوز أن يكون من جهة أنّ منجّميهم يقسمون الجهات على المنازل فتنقسم البلاد عليها ويصير الشكل مشابها للسلحفاة ولذلك سمّي «كورم جكر» أي دائرة السلحفاة أو شكلها، وهكذا هو في كتاب «سنكهت براهمهر» :
стр. 209
وقد سمّى «براهمهر» كلّ قسم في «نوكند» «برك» ، قال: وبها ينقسم «بهارث برش» أي نصف الدنيا بتسعة أقسام أوّلها الواسطة ثمّ المشرق ثمّ يمرّ نحو الجنوب ويدور كلّ الأفق، ويدلّ على أنّه قصد أرض الهند وحدها قوله: إنّ لكلّ برك ناحية يقتل ملكها إذا حلّتها النحوس، فللأوّل الذي هو الواسطة ناحية «پانجال» وللثاني «مكد» وللثالث «كلنك» وللرابع «أفنت» وهو «أوجين «١» » وللخامس «أننت» وللسادس السند و «سوبير «٢» » وللسابع «هارهور» وللثامن «مدر» وللتاسع «كولند» ، وهذه كلّها نواحي أرض الهند دون غيرها، فأمّا أسماء البلاد فأكثرها غير ما تعرف به الآن، وقد فسّر «أوپل» الكشميريّ كتاب «سنكهت» فقال في هذا الباب: إنّ أسماء البلاد تتغيّر وخاصّة في الجوكات فإنّ «مولتان» كانت تسمّى «كاشّب پور» ثمّ سمّيت «هنس پور» ثمّ «بك «٣» پور» ثمّ «سانب پور» ثمّ «مولستان» أي الموضع الأصليّ فإنّ «مول» هو الأصل و «تان» هو الموضع، وأمر الجوك مديد الزمان ولكنّ الأسماء سريعة التغيّر عند استيلاء قوم على الموضع غرباء مخالفي اللغة فإنّ ألسنهم ربّما تتلجلج فيها فيحيلونها إلى لغتهم كعادة اليونانيّين ويأخذون بالمعنى فتتغاير الأسامي ألا ترى أنّ الشاش هو مأخوذ من أسمه بالتركيّة وهو «تاش كند» أي قرية الحجارة وهكذا اسمه في كتاب جاوغرافيا «برج الحجارة» فهكذا تختلف إذا عبّروا عنها بمعانيها أو يقلبونها إلى ما يسهل عليهم من الحروف والألفاظ كفعل العرب في تعريب الأسامي فتصير ممسوخة مثل «پوشنك «٤» » في كتبهم إيّاها «فوسنج» ومثل «سكلكند» فإنّه في دواوينهم «فارفز» ، وما أبعد الأمر وأطمّ بل قد نجد اللغة الواحدة بعينها في أمّة واحدة بعينها تتغيّر فيصير فيها أشياء غريبة لا يفهمها إلّا الشاذّ وذلك في سنين بسيرة ومن غير أن يعرض لهم شيء يوجب ذلك، على أنّ الهند يقصدون تكثير الأسامي واستعمال الاشتقاق فيها ويفتخرون بها، فأمّا ما ذكر في «باج پران» من أسامي
стр. 210
البلاد ففي الجهات الأربع فقط وما في «سنكهت» فهو للجهات الثمان، وحال جميعها الحال الذي تقدّم وهي في هذه الجداول:
«١» «٢» «١» «٢» «٣» «١» «٢» «٣» «١» «٢» «٣» «١» «٢» «١» «٢» «٣»
стр. 211
«١» وأمّا منجّموهم فقد حدّوا طول المعمورة بلنك «٢» في وسطها على
стр. 212
خطّ الاستواء و «زمكوت» في مشرقها و «رومك» في مغربها و «سدّبور» في مقاطرتها، ودلّ ما ذكروه من أمر الطلوع، والغروب فيها على أنّ بين زمكوت وبين الروم نصف دور، وكأنّهم عدوّا بلاد المغرب من جملة الروم لتقابلهما على الساحلين وإلّا فبلاد الروم ذوات عروض وفي الشمال ممعنة وليس منها شيء يسير العرض فضلا عن أن يكون على خطّ الاستواء كما ذكروا، وقد فرغنا من ذكر «لنك» «١» فأمّا زمكوت فهو في الموضع الذي يذكر يعقوب والفزاريّ أنّ في البحر فيه مدينة تسمّى «٢» «تاره» ، ولم أجد لهذا الاسم في كتب الهند أثرا بتّة. ولأنّ «كوت» اسم القلعة و «زم» هو ملك الموت فإنّه يراح منها روائح «كنكدز» الذي يذكر الفرس أنّ «كيكاوس» أو «جم» بناه في أقاصي المشرق وراء البحر وأنّ «كيخسرو» عبر إليه في أثر «فراسياب» التركي وإليه ذهب وقت التزهّد والخروج من الملك، وذلك لأنّ «دز» بالفارسيّة اسم القلعة وعلى هذا الموضع وضع أبو معشر البلخيّ زيجه؛ وأمّا سدّبور فلا أدري من أين استخرجوه، ولا يخالفوننا في أنّ وراء نصف الدور المعمور بحار غير مسلوكة؛ وأمّا في العرض فلم ينته إلى منهم قول في تحديده. والقول بأنّ طول المعمورة نصف دور من الآراء الشائعة فيما بين اهل الصناعة وإنّما تختلف فيه من جهة المبدأ، فرأي الهند إذا اعتبر من جهة ما هو معلوم عندنا وهو بلد «اوجين» الذي وضعوه على الربع من النهاية الشرقية، وحدّ تتمّة الربع الثاني قبل انقطاع العمارة في جهة المغرب، كما سنذكر ذلك فيما بين الطولين، ورأي المغربيّين على نوعين أحدهما مأخوذ من ساحل البحر المحيط وتتمّة الربع منه تكون حول «بلخ» ولذلك لمّا جمع فيه ما لا يجتمع صيّر الشبورقان، واوجين «٣» على نصف نهار واحد، وهيهات لما لا يتحقّق،
стр. 213
والرأي الآخر من جزائر السعداء وتمام الربع منه يكون حول «جرجان» و «نيسابور» وكلا «١» النوعين بمعزل عن رأي الهند، وسيتّضح ذلك فيما بعد و «٢» إن نسأ الله في الأجل أفردت لطول «نيسابور» مقالة باحثة عن ذلك.
стр. 214
ل- في ذكر «لنك» وهو المعروف بقبّة الأرض
إنّ منتصف العمارة في الطول على خطّ الاستواء يعرف عند المنجّمين بقبّة الأرض، والدائرة العظيمة الخارجة إليها من مسامتة القطب تسمّى نصف نهار القبّة، ومهما كانت الأرض على شكلها الطبيعي لم يستحقّ منها موضع دون موضع اسم القبّة إلّا أن يكون تشبيها من جهة تساوي بعد نهايتي العمارة عنها في جهتي الشرق والغرب كتساوي أبعاد الذيول من رأس الخيمة أو القبّة ولكن الهند لا يستعملون فيها لفظا يقتضي في لغتنا معنى القبّة وإنّما يزعمون أنّ لنك «١» فيما بين نهايتي المعمورة عديم العرض وهو الذي تحصّن فيه «راون» الشيطان حين اختطف امرأة «رام بن دشرت» وحصنه الملتوى يسمّى «ثنكت برد» «٢» وهو الذي يسمّى في ديارنا «جاون كث» وربّما نسب إلى «رومية» وأعني به هذا الذي صورته:
وإنّ «رام» عبر البحر إليه بأنّ سدّه مائة «جوزن» بجبل في موضع سمّي «سيت بند» أي قنطرة البحر وهو عن شرق «سرنديب» وقاتله وقتله وقتل أخوه أخاه على ما هو موصوف في قصّة «رام» وراماين» ثمّ قطع السدّ بالرشق في عشرة مواضع،
стр. 215
فيزعمون أنّ «لنك» «١» قلعة الشياطين وارتفاعها عن الأرض ثلاثون جوزنا يكون ذلك ثمانين فرسخا وطولها من الشرق إلى الغرب مائة «جوزن» وعرضها من الشمال الى الجنوب مثل ارتفاعها، وبسببها وبسبب جزيرة «بروامخ» يتشاءمون بجهة الجنوب ولا يعملون فيها شيئا من أعمال البرّ ولا يخطون فيها خطوة نحوها وإنّما يجعلونها لأعمال الشرّ؛ وعلى الخطّ الذي عليه الحسابات النجوميّة فيما بين «لنك» «٢» وبين «ميرو» على السمت المستقيم مدينة «أوجين» «٣» في حدود «مالوا» ،
следующие страницы →