ابن المعتز وعلماء البلاغة:
"٦"
فابن المعتز قد جمع من ألوان البديع ثمانية عشر لونًا، ولقد عاصره قدامة بن جعفر الكاتب الذي جمع منها عشرين نوعًا، اشترك مع ابن المعتز في سبعة منها؛ وهي: الغلو أو الإفراط، التشبيه، الاستعارة، الكناية -ويسميها قدامة الإرداف مريدًا بها المعنى الاصطلاحي للكناية، في حين أن ابن المعتز يريد بها المعنى اللغوي- التكافؤ -وهو عند ابن المعتز المطابقة- المطابق أو المجانس -وهو عنده باب التجنيس- الالتفات.
وانفرد قدامة بثلاثة عشر نوعًا هي: التصريع، المقابلة، المساواة، الإيغال، الاستطراف، صحة التقسيم، صحة التفسير، المبالغة -وهي غير اللغو عن قدامة- الإشارة "الإيجاز"، التمثيل، التتميم، الترصيع -وهو أن تكون أجزاء البيت مسجوعة- التوشيح١.
وهذه الأنواع الثلاثة عشر التي استقل بها قدامة إذا أضيفت إلى السبعة عشر نوعًا التي جمعها ابن المعتز يكون البديع قد وصل في عهد قدامة إلى ثلاثين نوعًا، ثم تتبع الناس هذه الألوان، فجمع أبو هلال منها في الصناعتين سبعة وثلاثين نوعًا، منها ٢٩ نوعًا ذكرها أبو هلال في باب أنواع البديع، ومنها التشبيه الذي ذكره في باب مستقل٢ غير الباب الذي عقده للبديع وإن كان لا يشير إلى أنه من البديع، فيكون الجميع ثلاثين نوعًا يضاف إليها سبعة من زياداته٣؛ وهي: التشطير، المحاورة، الاستشهاد، المضاعفة "التورية"، التطريز، التلطف، المشتق.
ثم جمع ابن رشيق من ألوان البديع مثلما جمع أبو هلال وأضاف إليها
стр. 37
في عمدته خمسة وستين بابًا في بحث الشعر، وتلاه شرف الدين الشاشي فبلغ بها أكثر من ذلك، ثم تكلم فيها ابن أبي الأصبع المصري "م٦٥٤هـ" فأوصلها إلى التسعين في كتابه الجيد "تحرير التحبير في علم البديع"، ثم صنف ابن منقذ كتابه "التفريع في البديع" جمع فيه خمسة وتسعين نوعًا، ثم جاء صفي الدين الحلي "م٧٥٠هـ" فجمع ١٤٠ نوعًا في بديعيته في مدح الرسول التي سماها "الكافية البديعية" وشرحها بنفسه ثم حذا الناس حذوه ونظموا كثيرًا من البديعيات. وأما السكاكي فذكر تسعة وعشرين نوعًا من البديع، وقد ذكر صاحب التلخيص من البديع المعنوي ثلاثين نوعًا ومن اللفظي سبعة، وقد أَلَمَّ بتطور البديع في اختصار كثير من الباحثين١.
"٧"
وابن المعتز قد تأثر في كتابه "البديع" بأستاذه ثعلب وبكتابه "قواعد الشعر"، ويسير على نهجه في العرض، وذكر الأمثلة لبعض الألوان لبديعية ودراساتها؛ كالتشبيه والاستعارة والإفراط ولطافة المعنى "التعريض" وحسن الخروج. أما المطابقة عند ابن المعتز فهي مجاورة الأضداد عند أستاذه. وأما التجنيس عند ابن المعتز فمن ألوانه عند ثعلب "المطابق" واحتذى قدامة في ذلك اللون وفي تسميته حذو أستاذه ثعلب.
كما جمع ابن المعتز من البيان والتبيين كثيرًا من شواهد البديع من النثر الأدبي، وكذلك أخذ من الحماسة قليلًا من شواهده الشعرية.
"٨"
أما أثر ابن المعتز وكتابه البديع في بحوث البيان وفي الدراسات البيانية وفي علماء البلاغة وكتبها التي أُلفت بعده، فنحن نشير إليها الآن:
стр. 38
ابن المعتز وقدامة:
أثر ابن المعتز وكتابه البديع في قدامة قليل، ويتجلَّى فيه:
أ- أن كثيرًا من مثل الاستعارة عند قدامة١ تجدها عند ابن المعتز.
ب- ويذكر قدامة أن المحدثين أكثروا من الطباق وإن كان الأعراب قد أتوا بكثير منه٢، وذلك هو أساس الفكرة التي بسطها ابن المعتز٣ في البديع.
جـ- والالتفات كما عرفه قدامة أخص من تعريف ابن المعتز له، أو هو جزء منه كما يقولون.
ولكن التفاوت بين الكتابين كثير:
أ- فالطباق عند ابن المعتز يسميه قدامة التكافؤ ويذكر مثلًا له لا تجدها في البديع٤.
ب- ويجعل قدامة المطابق نوعًا من أنوع التجنيس٥ كأستاذه ثعلب٦.
جـ- وروح الكتابين ومنهجهما مختلفان كل الاختلاف، ومع أن قدامة كان كابن المعتز تلميذًا لأستاذه ثعلب٧؛ إلا أن الغالب عليه هو تأثره بأرسطو وخطابته، سواء في أفكاره العامة في نقد الشعر التي سبقه إليها الجاحظ وسواه ممن تأثروا بثقافة اليونان، وذلك كدعوته إلى حسن الدلالة ووضوح العبارة وفصاحة اللفظ وخلوه من اللحن واستكراه الإغراب، ومن ذلك آراؤه في: التشبيه
стр. 39
والاستعارة والكناية والتجنيس، ونظريته في الفضائل الذي تأثر فيها بأرسطو إلى حد بعيد.
ويمكننا أن نقول: إن بحوث النظم وعناصر البلاغة في نقد الشعر وفي البيان والتبيين هي مدينة لأرسطو كثيرًا. أما بحوث صناعة الشعر فهي أو الكثير منها مما يستقل به ابن المعتز في بديعه، والسبيل الذي سلكه الجاحظ كان خطوة جريئة في سبيل تدوين عناصر البلاغة والنظم، كما كان عمل قدامة في النقد ذائع الأثر كبير القيمة، وكما كان عمل ابن المعتز خطوة جريئة لتدوين البديع، وإني أرجح أن جد قدامة هو قدامة حكيم المشرق الذي ذكره الجاحظ في رسائله عرضًا وروى شعرًا له١. أما والده فهو جعفر بن قدامة صديق ابن المعتز الحميم "م٣١٩هـ". وأما قدامة فقد تتلمذ مع ابن المعتز على ثعلب؛ ولكنه تعمَّق في الفلسفة وفي ثقافة اليونان، وجاء إنتاجه مصطبغًا بصبغة خاصة يدل عليها كتابه نقد الشعر الذي ألف الآمدي كتابًا في نقده وتبيين غلط قدامة فيه٢، كما ألف عبد اللطيف البغدادي "م٦٢٩" كتابًا في شرحه٣.
ابن المعتز والآمدي:
والموازنة للآمدي تتخذ البديع مصدرًا كبيرًا من مصادرها العلمية، تأخذ منه وتعتمد عليه إلى حد كبير:
١- فنشأة البديع وأن المحدثين وأبا تمام ليسوا أول السابقين إلى اختراعه يفيض في شرحها الآمدي٤، نقلًا عن ابن المعتز.
стр. 40
٢- وذكر الآمدي أبا تمام وإفساده لشعره بالبديع نقلًا عن كتاب ابن المعتز١.
٣- ويشيد بفضل ابن المعتز وعلمه بالشعر وحسن اختياراته في كتاب البديع٢.
٤- ويذكر الآمدي مثلًا كثيرة للتجنيس بعضها مأخوذ من كتاب البديع، وصرح بذلك الآمدي أيضًا٣، وينقد الآمدي قدامة في مخالفته لابن المعتز في تسميته الطباق تكافؤًا٤، إلى غير ذلك من مظاهر التأثر والاحتذاء.
ابن المعتز وصاحب العمدة:
وابن رشيق في عمدته يرجع إلى البديع ويحتذيه:
١- فهو يشير إلى الكتاب وينوه به٥.
٢- وينقل عنه تعريف ابن المعتز للتجنيس ويقول: وهو أول مَن نحا هذا النحو وجمعه٦.
٣- وباب التصدير "رد العجز على الصدر" في العمدة٧ تأثر فيه بابن المعتز إلى حد كبير، ونقل فيه من البديع وأشار إليه٨.
стр. 41
٤- والالتفات عند ابن رشيق هو الاعتراض؛ ولذلك ذكر من شواهده الشواهد التي ذكرها ابن المعتز للاعتراض١.
ويقول ابن رشيق: وقد أحسن ابن المعتز في العبارة عن اللالتفات بقوله: هو انصراف المتكلم من الإخبار إلى المخاطبة ومن المخاطبة إلى الإخبار٢.
٥- والاستثناء عند ابن رشيق هو توكيد المدح بما يشبه الذم٣.
٦- والمذهب الكلامي في العمدة منقول من البديع٤.
٧- وبعض شواهد باب التضمين مأخوذة من البديع٥.
ابن المعتز والباقلاني:
وأبو بكر الباقلاني "م٤٠٣هـ" يعتمد في كتابه "إعجاز القرآن" على بديع ابن المعتز اعتمادًا كبيرًا:
فهو ينقل منه مثلًا للبديع٦، ويذكر معنى المطابقة عند ابن المعتز٧، وينقل عنه تعريفه للتجنيس٨ وسواه.
стр. 42
ابن المعتز وأبو هلال:
وكتاب الصناعتين لأبي هلال في الباب التاسع الذي وقفه على دراسة أنواع البديع١، وفي دراسته لباب التشبيه أيضًا٢، يكاد يكون صورة مطابقة لبديع ابن المعتز، فهو يعرض اللون البديعي كما عرضه ابن المعتز، وينقل كثيرًا من شواهد كتاب البديع، ولا يزيد عليها إلا القليل من شعر الشعراء المتأخرين عن عصر ابن المعتز.
وعلى أي حال فقد اطلع أبوهلال على البديع وأخذ منه٣.
ابن المعتز وعلماء البلاغة:
وكثير من علماء البلاغة المتأخرين قد اعتمدوا على كتاب ابن المعتز اعتمادًا وثيقًا:
أ- فالحلبي "م٧٢٩هـ" صاحب "حسن التوسل على صناعة الترسل" ينقل عنه تعريف ابن المعتز للاستعارة٤ وللالتفات٥، ويشير إلى الاستطراد وأن ابن المعتز يسميه الخروج٦، وينقل عنه شواهد كثيرة٧.
ب- وكذلك ينقل عنه ابن مالك في المصباح كثيرًا٨.
جـ- وكذلك ينقل عنه الحموي "م٨٣٧هـ" في خزانة الأدب كثيرًا٩.
د- وينوه به صاحب كشف الظنون وبأثره في مؤلفات البديع١٠.
هـ- كما ذكره ونوَّه به وبقيمته العلمية كثير من الباحثين١١، وللأمير أسامة بن منقذ كتاب سماه "البديع" أيضًا١٢، ولم نطلع عليه لنرى منه أثر ابن المعتز فيه، وكثير من شواهد البديع عند علماء البلاغة المتأخرين هي من شواهد ابن المعتز في كتاب البديع.
стр. 43
خصائص كتاب البديع لابن المعتز:
"٩"
وللبديع أهمية كبيرة في فهم نشأة البديع وتطوره في البيان العربي على مر عصورنا الأدبية، وهو ينحو في دراسة ألوان البديع نحو الدراسة التطبيقية الواسعة التي لها أثرها في تكوين الملَكة والذوق ودعم الفكرة والرأي في نفس القارئ، ويشتمل الكتاب على ٣١٢ شاهدًا من عيون الشعر العربي تبلغ ٤٢٥ بيتًا أو تزيد فوق ما اشتمل عليه من بليغ النصوص والشواهد من الذكر الحكيم وحديث رسول الله وكلام الصحابة والأعراب وبلغاء الكُتَّاب، والكِتَاب مع ذلك يخلو من الاصطلاحات العلمية الدقيقة وتحديدات المنطقيين العميقة، وهو يكتفي في توقيفك على مدلول اللون البديعي بشرح أدبي موجز حينًا، وبما تدل عليه الشواهد حينًا آخر، وبأسلوب يفيض بلاغة وسهولة مما يدل على ذوق سليم وفطرة عربية مطبوعة.
وأهم سمة يمتاز بها الكتاب -بعد ذلك كله- هو النظام الدقيق في العرض مما يتجلى في جميع أبواب الكتاب مع الذوق وسعة الاطلاع وحسن الاختيار في جميع شواهد الكتاب، وهو فوق ذلك أول خطوة علمية موفقة في التأليف في البديع والبيان، وإذا غضضنا النظر عن الخطوة الأولى التي خطاها ثعلب في كتابه "قواعد الشعر" كان عمل ابن المعتز جديدًا مبتكرًا من كل نواحيه.
стр. 44
الفصل الثالث: كتاب "البديع" لابن المعتز
تمهيد:
"١"
في مكتبة الاسكوريال بمدريد برقم ٢٢٨ آداب توجد نسخة خطية من كتاب البديع للخليفة العباسي الشاعر أبي العباس عبد الله بن المعتز المقتول في عام ٢٩٦هـ وهي النسخة الوحيدة الموجودة من الكتاب في جميع مكتبات العالم.
وقد قام المستشرق الروسي اغناطيوس كراتشقوفسكي بنشر الكتاب باللغة العربية، معتمدًا على نسخة الاسكوريال الخطية، وطبعه عام ١٩٣٥ بمطبعة استيفن أوستن بمدينة هرت فورد بإشراف لجنة تذكار جب الإنكليزية.
وكان الأستاذ كراتشقوفسكي عضوًا بأكاديمية العلوم بليننغراد عاصمة روسيا الأولى، وقد أنعمت حكومة السوفيت عليه في يونيو عام ١٩٤٤ بوسام لينين؛ لأنه أنقذ مكتبة ليننغراد، فبقيت في مأمن من الضرب والتلف، بفضل ما بذله من جهود في خلال حصار المدينة وضربها بمدافع الألمان وقنابل طائراتهم في الحرب العالمية الثانية١.
وهو من المستشرقين الذين وقَّفوا وقتهم وجهودهم على دراسة العَلاقات بين الإسلام والبلدان الداخلة في الاتحاد السوفيتي على الخصوص، وله في ذلك مباحث قيمة، وهو الذي نشر كتاب البديع لعبد الله بن المعتز الخليفة العباسي البائس، كما أنه نقل إلى الروسية كتاب الأيام للدكتور طه حسين.
стр. 45
وقد أخرج هذا المستشرق الكتاب بالعربية في سبع وسبعين صفحة، وأضاف إليه عدة فهارس وتعليقات ومقابلات، ويستغرق ذلك نحو مائة صفحة أخرى، والمجهود الذي قام به الأستاذ الروسي مجهود منظم؛ ولكن الكتاب الذي نشره مملوء بالأخطاء والتحريفات، وقلما يهتدي الأستاذ إلى تصحيح أخطائه الكثيرة.
وقد تسنَّى للباحثين بعمل هذا المستشرق الاطلاع على هذا الكتاب الفذ النادر، والإفادة بما فيه من بحوث تعتبر المصدر الأول للمؤلفين في البلاغة والبيان وفن البديع، الذي يعتبر ابن المعتز أوَّل مَن ألَّف فيه، كما يقول ابن رشيق١ في عمدته وسواه من العلماء٢، وكما يقول ابن المعتز نفسه في هذا الكتاب؛ إذ يقول: "وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد"٣.
وقد حفزني ما لهذا الكتاب من أثر علمي كبير، وما يحتاج إليه من جهود جديدة تخدمه وتنير السبيل لدراسته، إلى القيام بشرحه والتعليق عليه، موجهًا عنايتي إلى الإشارة إلى كثير من المصادر الأدبية الهامة في مراجعة نصوصه، وإلى المقابلة بين روايات الكتاب وروايات هذه المصادر، وإلى الترجمة للأعلام الواردة في الكتاب، وإلى شرح نصوصه الأدبية شرحًا أدبيًّا واسعًا، ثم إلى كتابة كلمة تحليلية للكتاب وأثره العلمي الخالد.
وهذا المجهود الذي بذلته -على أنه شاق- يعتبر ضرورة لازمة لهذا الكتاب، وتتميمًا للخطوة الأولى التي بدأ بها ناشره، وخدمة أدبية كبيرة لكتاب يستحق هذه الخدمة وتلك الجهود، وهو تذليل واسع النطاق للصعوبات الكثيرة التي تحيط بدراسي الكتاب وقارئيه، فوق أنه عمل جديد في ميدان البحث العلمي والأدبي جميعًا.
стр. 46
"٢"
وقد ألف هذا الكتاب عام ٢٧٤هـ، ألفه الأمير العباسي الشاعر الأديب العالم أبو العباس عبد الله ابن الخليفة المعتز بالله ابن الخليفة المتوكل ابن الخليفة المعتصم ابن هارون الرشيد أعظم خلفاء بني العباس، ونسخه منه صديقه الأديب الشاعر الناقد ابن يحيى بن أبي المنصور المنجم.
وقد ألفه وسنه إذ ذاك سبعة وعشرون عامًا؛ أي: بعد أن استكمل الكثير من خصائص شخصيته الثقافية والأدبية؛ فكان إذ ذاك الشاعر الملهم، والأديب الفذ، والكاتب البليغ، والناقد الواقف على خصائص الأدب والبيان، والعالم المحيط بكثير من ألوان الثقافة العربية، وكانت ظروف الحياة السياسة إذ ذاك تبعد ابن المعتز عن السياسة وتصله بالعلم والأدب، فقَتْلُ أبيه المعتز عام ٢٥٥هـ، وما استتبعه من أحداث، مما أبعد عرش الخلافة عن بيت ابن المعتز إلى بيوت أعمامه وأبناء أعمامه، وجعله محاطًا بالشك والريبة من نفوس هؤلاء وهؤلاء، وكاد أن يقضى على آماله الواسعة وهو في مستهل حياته وفي مقتبل شبابه، وفُرض عليه أن يظهر الوئام مع رجال الحياة السياسة إبان ذاك، وأن يبدي لهم طيب طويته وإخلاص سريرته؛ حتى يطمئن هؤلاء الخلفاء وولاة العهد من جهته، فأخفى ابن المعتز أمانيه المتغلغلة في أعماق نفسه، وعاش للفن والعلم يروي ظمأه من مشاربهما العذاب.
ولون الثقافة البادية على الكتاب هو الثقافة العربية الخالصة من شوائب الثقافات الأخرى، فهو مظهر لثقافة أدبية واسعة، تنمُّ عن اطلاع عميق على كتب الأدب والنقد والبيان التي كانت في متناول الشباب الناشئين إذ ذاك، لا سيما كتب الجاحظ عامة، والبيان والتبيين خاصة، كما تنم عن نشأة عالية على يد شيوخ العربية وأئمتها، الذين تتلمذ عليهم ابن المعتز في ذلك العهد. والظاهر: أن كتاب البديع هو من أوائل مؤلفات ابن المعتز١، وأنه ألفه قبل أن يلم بثقافة أخرى
стр. 47
سوى الثقافة العربية؛ ولذلك فهو نتاج عربي خالص سبق فترة التلقيح التي مرت على تطور البيان العربي بعد عهد ابن المعتز وعلى يد قدامة ومَن تلاه من أئمة النقد والبيان، وإذا ما قارنَّا بين البديع لابن المعتز وفصول التماثيل أحد مؤلفاته الذي ألفه في أواخر حياته وجدنا الأول عربيًّا خالصًا في ثقافته من حيث كان الثاني مظهرًا لثقافة منوعة متعددة تستمد من شتى الثقافات ما تعرضه عليك من آراء وبحوث.
"٣"
وكتاب البديع بعد ذلك كله حافل بالنصوص الأدبية من الشعر والنثر التي جمعها ابن المعتز حين أخذ يعرض ألوان البديع، وساقها في نظام جميل، فهو يعرض عليك ما يجده لهذا اللون البديعي أو ذاك من نصوص أدبية من القرآن واللغة وأحاديث رسول الله حاذفًا منها أسانيدها، ومن كلام الصحابة والأعراب وغيرهم من جلة الكُتَّاب وزعماء البلاغات، ثم من عيون الشعر العربي مبتدئًا بشعر الجاهليين ثم الإسلاميين ثم المحدثين، وهذا -كما يقول ابن المعتز- "ليعلم أن بشاراً ومسلماً وأبا نواس ومن تقيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن -أي: البديع- ولكنه كثر في أشعارهم، فعرف في زمانهم، حتى سُمي بهذا الاسم، ثم أكثر حبيب بن أوس الطائي منه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط، وإنما كان يقول الشاعر من هذا الفنّ البيت والبيتين في القصيدة، وربما قُرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع"، وإنما غرضنا من هذا الكتاب تعريف الناس أنّ المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع.
وينم كلام ابن المعتز هذا على جدل أدبي حول البديع واستساغته في الشعر وسائر ألوان الأدب العربي؛ ففريق من رجال العربية رآه تكلفًا يذهب بروعة الطبع وسحر الملكات في الأداء، فذمَّه وعابه، وتنقص الشعراء البديعيين، ذاهبًا
стр. 48
إلى أن البديع لو كان خيرًا لكان القرآن والحديث وشعر المتقدمين من الجاهليين والإسلاميين أَوْلَى به من شعر المحدثين وأدب المحدثين، وفريق آخر ذهب إلى استحسانه، ولم يرَ في توشية نتاج الطبع بألوان الصنعة الساحرة شيئًا من الإثم يستحقون عليه المؤاخذة، فألَمُّوا بفنون من البديع في آثارهم الأدبية المختلفة، وكان من نتائج هذا الخلاف الأدبي الواسع أن وجد مذهب بياني وسط بين مذهب الناقمين على البديع ومذهب المسرفين فيه، يدعو إلى قبول هذا الوشي البديعي في الأداء، ما دام قريبًا من الطبع، بعيدًا عن الصنعة والتكلف، يتطلبه الغرض الذي سيق له، والأسلوب الذي سيق فيه، ولعل في ما ذكره ابن المعتز عن أبي تمام في كلمته السابقة ما يدل على أنه هو نفسه كان ينحو نحو هذا الاتجاه، ونقول: إن هذا هو نفس اتجاه الجاحظ، فحين ذكر السجع ذكر آراء رجال البيان فيه استساغة وذمًّا، ثم ذكر وجه من ذمه، ثم ذهب إلى إيثار المطبوع منه دون المتكلَّف١، وقد أيد ابن المعتز رأيه بالبحث عما في الكتاب والحديث والشعر الجاهلي والإسلامي من بديع.
"٤"
ولقب البديع ليس لقبًا مستحدثًا في عهد ابن المعتز؛ ولكنه اسم لهذه الألوان الساحرة في الأسلوب، ولهذا الترف البياني في الأداء؛ من استعارة وتشبيه وتجنيس وطباق ... إلخ، سماه به مسلم بن الوليد الشاعر "م٢٠٨هـ"، وكان يعرف قبل ذلك باللطيف٢، ودرج على هذا اللقب مَن بعده من العلماء والأدباء، وقد
стр. 49
ذكر الجاحظ البديع في "البيان والتبيين" قال: "والراعي كثير البديع في شعره، وبشار حسن البديع، والعتابي يذهب شعره في البديع".
وقال: "والبديع مقصور على العرب ومن أجله فاقت لغتهم على كل لغة وأربت على كل لسان".
وقد ساق ذلك عرضًا حين ذكر بيت الأشهب بن رميلة:
هم ساعد الدهر الذي يتقى به ... وما خير كف لا تنوء بساعد
قال الجاحظ: قوله: "هم ساعد الدهر" إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع١.
وذكر الجاحظ العتابي ثم قال: "وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع مَن يتكلف ذلك من شعراء المولدين؛ كالنمري ومسلم وأشباهما، وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع، ولم يكن في المولدين أصوب من بشار وابن هرمة "البيان ج١ ص٥٤، ٥٥".
فلقب "البديع" كان معروفًا -كما قلت- قبل ابن المعتز٢. أما ألقاب ألوانه وفنونه فبعضها كان معروفًا قبله كالتشبيه، فقد ذكر الجاحظ له شواهد في بيانه "ج٢ ص٢٢٩"، وتكلم عنه ثعلب في قواعد الشعر "ص١٤-١٨ طبع ليدن"، وعقد المبرد "م سنة ٢٨٥هـ" في كامله بابًا واسعًا لدراسة التشبيه وتحليل كثير من أبلغ شواهده الأدبية "راجع ٣٥-١٠١/ ٢ الكامل، طبعة ١٣٥٥هـ بالقاهرة"، وما كتبه المبرد وثعلب عن التشبيه كان أساسًا لابن المعتز وسواه، وكالاستعارة ذكرها الجاحظ وعرفها بأنها "تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه" "بيان ج١ ص١١٦"، وعرفها ثعلب في قواعد الشعر بأنها أن يستعار للشيء اسم غيره أو معنى سواه "ص٢١"، وكالتقسيم والتفصيل "بيان
стр. 50
ج٢ ص٩١، ٩٢ وج١ ص١٧٠"، وكالاستطراد الذي أشار إليه الجاحظ دون أن يذكر اسمه ويسميه ابن المعتز: حسن الخروج "ج٣ ص٢٠٥ وج١ ص١٣٨"، وأبو تمام هو الذي سماه استطرادًا١، وكجودة الابتداء، ويسميها المتأخرون: حسن الابتداء وبراعة الاستهلال، وجودة القطع والقافية "بيان ج١ ص٨٩، ٩٠"، ويعني بها استقرار خاتمة الكلام وقافية البيت في مقرها وحسن ملاءمتها للغرض المقصود ولما قبلها من الكلام.
قال ابن رشيق في العمدة: "ورواية الجاحظ تدل على أن المقطع آخر البيت والقصيدة، وهو بالبيت أليق "١٩٠/ ١ العمدة" وكالمذهب الكلامي، والجاحظ هو الذي سماه هذا الاسم٢، وهو القياس المضمر عند أصحاب الخطابة والمنطق، والتطبيق كان معروفًا بمعنى إصابة الكلام الغرض المسوق له"، أو كما يقول الرماني: "مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان".
واختاره ابن رشيق٣، وذكره الجاحظ كثيرًا في بيانه٤، وهو بهذا المعنى خلاف ما عرف عند ابن المعتز حيث سماه "مطابقة" مريدًا به الجمع بين الشيء وما يقابله في الكلام٥؛ ولكن الأصمعي سبق ابن المعتز إلى ذلك وتسميته بالمطابقة "٦/ ٢ العمدة" ويسميه قدامة في نقد الشعر: التكافؤ٦، ويسميه ثعلب في "قواعد الشعر": مجاورة الأضداد "ص٢٤ طبع ليدن"، وكالإفراط في الصفة، فقد ذكر ابن قتيبة في الشعر والشعراء كثيرًا مما أخذه على الشعراء من إفراط، مسميًا لهذا النوع من المبالغة بهذا الاسم، فيقول في
стр. 51
مهلهل وهو أحد الكذبة لقوله: "ولولا الريح ... " البيت١، ويقول في النمر بن تولب: ومن إفراطه قوله يصف السيف ... إلخ٢، ويذكره المبرد في كامله كثيرًا٣، ويذكره ثعلب في "قواعد الشعر" "ص١٨، ١٩ طبع ليدن".
وأما التجنيس٤ والاعتراض والالتفات وتأكيد المدح بما يشبه الذم وتجاهل العارف والتعريض٥ وحسن التضمين والرجوع ورد الأعجاز على الصدر والهزل الذي يراد به الجد، فتكاد كلها أن تكون ألقابًا خصصها ابن المعتز ابن المعتز بمدلولاتها الفنية.
"٥"
أما موضوع كتاب البديع فهو ذكر لألوان البديع وشواهدها في الأدب العربي شعرًا ونثرًا، ويذكر مؤلفه ما أثر للون البديعي من شاهد في كتاب الله، ثم في حديث رسوله، ثم في كلام الصحابة وسواهم، ثم الأعراب وبلغاء الكُتَّاب، ثم يذكر كثيرًا مما أثر له من شواهد في الشعر العربي: الجاهلي فالإسلامي فشعر المحدثين، ويختم الكلام على كل لون بذكر ما عيب من شواهده المتكلفة الخارجة عن حدود البلاغة وسحر البيان.
والبديع عند ابن المعتز خمسة أنواع:
الاستعارة، التجنيس، المطابقة، رد أعجاز الكلام على ما تقدمها، المذهب الكلامي.
стр. 52
ويجعل ابن المعتز ما عدا ذلك من محاسن الكلام والشعر ويقول: إنها كثرة، ولا يرى حرجًا في إضافة هذه المحاسن أو غيرها إلى البديع١، وذكر من هذه المحاسن ثلاثة عشر نوعًا؛ وهي:
الالتفات، الاعتراض، الرجوع، حسن الخروج، تأكيد المدح بما يشبه الذم، تجاهل العارف، الهزل الذي يراد به الجد، حسن التضمين، التعريض والكناية، الإفراط في الصفة، حسن التشبيه، لزوم ما لا يلزم، حسن الابتداء.
وبذلك تنتهي ألوان البديع ومحاسن الكلام وينتهي معها الكتاب.
ويقول السيوطي عن البديع٢: "أول مَن اخترع ذلك ابن المعتز فجمع منها سبعة عشر نوعًا، وعاصره قدامة فجمع منها عشرين نوعًا، تواردا منها على سبعة، فكان جملة ما زاده ثلاثة عشر نوعًا، فتكامل بها ثلاثون نوعًا، ثم تتبَّعها الناس فجمع العسكري سبعة وثلاثين، ثم جمع ابن رشيق مثلها وأضاف إليها خمسة وستين بابًا من الشعر، وتلاهما شرف الدين الشاشي، فبلغ بها السبعين ثم تكلم فيها ابن أبي الأصبع واستخرج عشرين، وكتابه المحرر أصح كتب هذا الفن لاشتماله على النقل والنقد ... إلخ".
وهذا رأي ابن السبكي أيضًا، وهو صحيح؛ فنحن نجد ألوان البديع عند ابن المعتز هي ثمانية عشر لا سبعة عشر٣، وهو عند أبي هلال سنة وثلاثون يضاف إليها التشبيه الذي ذكر في بحث مستقل٤، ومنها سبعة من زياداته؛ وهي: التشطير، المجاورة، التقرير، المضاعفة، الاستشهاد، التلطف، المشتق٥، وهي عند قدامة عشرون نوعًا لا غير: الترصيع، التصريع، الغلو أو الإفراط، صحة التقسيم، صحة المقابلة، صحة التفسير، التتميم، المبالغة، التكافؤ، الالتفات، الاستغراب أو الطرافة، المساواة،
стр. 53
الإشارة، الإرداف، حسن التشبيه، التمثيل، المطابق أو المجانس، التوشيح، الاستعارة، الإيغال.
ويتفق قدامة مع ابن المعتز في سبعة أنواع منها، كما قال ابن السبكي؛ وهي: الغلو أو المبالغة "أو الإفراط في الصفة كما يسميه ابن المعتز"، التكافؤ "أو المطابقة كما يسميه ابن المعتز"، المجانس "أو التجنيس كما لقبه به ابن المعتز"، حسن التشبيه، الالتفات١ "ومعناه عند ابن المعتز غير معناه عند قدامة٢"، الكناية٣، الاستعارة.
"٦"
ولكتاب البديع ميزات كبيرة الأهمية:
فهو ينحو في دراسة البديع وفنونه دراسة تطبيقية واسعة، لها أثرها في تكوين الملَكة والذوق، وفي دعم الفكرة والرأي في نفس القارئ، وحسبك أن الكتاب يشتمل على ٣١٣ شاهدًا من عيون الشعر العربي تبلغ حوالي ٤٢٥ بيتًا أو يزيد، فوق ما اشتمل عليه من بليغ الشواهد من: الذكر الحكيم، وحديث رسول الله، وكلام الصحابة والأعراب، وبلغاء الكُتَّاب. والكِتَاب مع ذلك مطبوع بالطابع الأدبي الخالص؛ فهو خلو من الاصطلاحات العلمية، وتحديدات المنطقيين العميقة، وهو يكتفي في توقيفك على مدلول اللون البديعي بشرح أدبي موجز حينًا، وبما تدل عليه الشواهد حينًا آخر، وبأسلوب واضح يفيض بلاغة وسهولة.
ويمتاز بحصافة الذوق وسَعَة الاطلاع وحسن الاختيار في جميع شواهد الكتاب.
стр. 54
وكذلك بالنظام الدقيق في العرض مما يتجلى لك في جميع أبواب الكتاب.
والكتاب يعد أول خطوة عملية موفقة في التأليف في البديع وفي البيان، فلا شك أن بعضًا من موضوعات الكتاب كالاستعارة والتشبيه هما العمود الفقري للبيان العربي عند علماء البلاغة والبيان، أما ما عداهما من أنواع البديع الباقية التي احتوى عليها الكتاب فهي أهم أبواب البديع عند علماء البديع.
"٧"
وقد ألف ثعلب -إمام١ العربية "م٢٩١هـ"- كتابًا سماه "قواعد الشعر"، وكان هو أحد مؤلفات هذا العالم الكبير، وللمبرد كتاب اسمه "قواعد الشعر" أيضًا، لا ندري عنه ولا عن موضوعه شيئًا، ولا نعلم مَن منهما الذي سبق بتأليف كتابه، وإن كان يغلب على ظني أن ثعلبًا هو السابق بتأليف كتابه لتقدمه في السن، والكتاب جديد في شتى نواحيه.
أما من حيث موضوعه، فقد درس ثعلب في الكتاب هيكل الشعر العربي دراسة عامة جيدة جميلة مبتكرة، فتكلم على قواعد الشعر العامة وأنها أربع: أمر ونهي وخبر واستخبار، ولا شك أن ذلك لا يختص بالشعر وحده؛ بل النثر مثله فيه، وعرض لفنون الشعر وقسمها إلى: مدح وهجاء ومرثية واعتذار وتشبيه وتشبيب واقتصاص أخبار، وذكر شواهد للتشبيه الجيد، وشواهد لرائع المديح، ثم تحدث عن المبالغة "الإفراط في المعنى"، وذكر شواهد لها من الشعر العربي، وعن لطافة المعنى "التعريض والكناية بدل التصريح" وشواهدها، والاستعارة ومثلها، وحسن الخروج أو التخلص -كما يقول البلاغيون- ومجاروة الأضداد أو الطباق -كما يسميه البلاغيون- والمطابق وهو نوع من الجناس، مع ذكر نماذج لكل باب من هذه الأبواب من جيد الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي، دون أن
стр. 55
يتخطى ذلك في الاستشهاد إلى شعر المحدثين، ثم عرف الجزالة في الشعر، وتكلم على اتساق النظم ومحترزاته، وأخيرًا نجده يقسم الشعر خمسة أقسام، ويتحدث عن كل قسم ويحدده ويوضحه ويذكر شواهد كثيرة له، وبذلك ينتهي الكتاب.
والكتاب أول أثر علمي لعالم من علماء القرن الثالث يتحدث فيه مؤلفه عن الشعر بهذا اللون من الدقة والتحديد والوضوح والفَهْم للشعر والأدب والتذوق لهما والوقوف على آثار بلاغتهما.
و"البديع لابن المعتز" "م٢٩٦هـ" لا يشارك "قواعد الشعر" في هذا؛ لأن ابن المعتز ألف "البديع" ليتحدث فيه عن ألوان البديع العامة كما كان يعرفها هو ويعرفها عصره، لا ليتحدث عن الشعر بمثل هذا الحديث الفني. و"الرسالة العذارء" لابن المدبر "م٢٧٩هـ" لا تشارك "قواعد الشعر" في ذلك أيضًا؛ لأنها إلى البلاغة أقرب منها إلى الحديث عن الشعر. و"الكامل" للمبرد "م٢٨٥هـ" ليس فيه أثر للتخصص في دراسة الشعر أو البديع أو البلاغة بوجه عام. و"البيان" للجاحظ وما فيه من دراسات عن الشعر أو النقد أو البيان هي عامة لا تخصص فيها، والكتاب لم يؤلف لها، وأحكامه الأدبية والبيانية أحكام مقاربة ليس فيها مثل هذا الوضوح ولا مثل تلك الدقة.
وأما أثر قواعد الشعر في البيان فهو -ولا شك- أثر كبير، فنحن نجد أنفسنا لأول مرة أمام يؤلف ويكتب ويتحدث عن كثير من ألوان البديع والبيان: كالتشبيه، والاستعارة، ولطافة المعنى، أو التعريض والكناية كما نقول نحن، وكالإفراط في المعنى "المبالغة"، وحسن الخروج، ومجاورة الأضداد "الطباق"، والمطابق "لون من ألوان الجناس"، والثلاثة الأنواع الأولى هي أصل علم البيان، وباقي الأنواع هي أبرز ما في البديع من فنون، وابن المعتز -من غير شك- مدين لأستاذه ثعلب في هذه الدراسة، فنحن نكاد نجزم بأن ثعلبًا ألف هذا الكتاب قبل أن يؤلف ابن المعتز كتابه "البديع" عام ٢٧٤هـ؛ لأن ثعلبًا عالم معمر، ولأنه لو كان ابن المعتز قد سبقه بالتأليف لما أمكن ثعلبًا أن يقف عند هذا الحد في عرض
стр. 56
ألوان البيان والبديع الساحرة في الشعر العربي والتي ألَمَّ بها ابن المعتز، مثل: الالتفات والاعتراض وتجاهل العارف والهزل يراد به الجد وحسن الابتداء وحسن التضمين وتأكيد المدح بما يشبه الذم والمذهب الكلامي وغيرها؛ إذ كان ثعلب -ولا شك- سيستفيد من دراسات ابن المعتز -لو كان ابن المعتز قد ألف كتابه "البديع" قبل أن يؤلف أستاذه "قواعد الشعر"- وسيحاول أن يقتبس منها بعض الاقتباس في كتابه.
فثعلب -إذن- هو أول مَن كتب في مؤلَّف عن هذه الألوان البيانية والبديعية بمثل هذا الوضوح والعرض والنظام، وذلك أثر غير قليل لثعلب في فن البيان.
ومن الغريب ألا يشير ابن المعتز في "البديع" إلى كتاب "قواعد الشعر" مع أنه ساق بعض الشواهد الواردة في "قواعد الشعر"، ومع أنه قريب في تحديد الاستعارة وغيرها من أستاذه ثعلب؛ بل ومن الغريب أيضًا أن يخالفه في تسميه "المطابق" الذي سماه ثعلب "مجاورة الأضداد"، وفي تسمية "الجناس" الذي سمى ثعلب نوعًا منه "المطابق"؛ ولكن لا ضير في اختلاف الاصطلاحات، فلكل مؤلف أو مبتكر الحق في تسمية ما يشاء بما يشاء، ومن قبل ذكر أرسطو أنه مطلق لكل أحد احتاج إلى تسمية شيء ليعرفه به أن يسميه بما شاء من الأسماء١؛ ولكن الغريب حقًّا أن يقول ابن المعتز عن نفسه: "وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد"٢، فلا شك أن لثعلب الفضل في أنه جمع في "قواعد الشعر" أهم ألوان البديع التي ذكرها ابن المعتز في كتابه مثل: التشبيه والاستعارة ولطافة المعنى والتعريض ومجاورة الأضداد والمطابق، وهذه الأنواع هي أهم ما في كتاب "البديع" لابن المعتز من ألوان البديع، و"قواعد الشعر" يمتاز بأنه يعرض لأصل هام في البلاغة العربية بتقسيمه الشعر إلى: خبر واستخبار وأمر ونهي.
стр. 57
وأما أثر الكتاب في الأدب والشعر فلا شك فيه لوضوحه، فهذا الحديث عن الشعر بهذا الأسلوب قد أفاد دراسات الشعر ودراسات الأدب جميعًا، فوق ما في الكتاب من شواهد كثيرة من جيد الشعر العربي تبلغ نحو المائتي بيت، فوق هذا العرض الجميل لفنون الشعر وألوانه العامة.
وأما أثره في النقد الأدبي بمعناه العام، فالكتاب نراه يتحدث عن الجزالة في الشعر، وعن اتساق النظم، وعن أقسام أخرى للشعر في أسلوب جيد وعرض هو إلى النقد أقرب منه إلى الشعر أو البلاغة، مما لا شك في قيمته في النقد فوق قيمته في دراسات الشعر.
"٨"
ويرجع قدامة إلى "البديع" في كتابه "نقد الشعر"، وكذلك رجع إليه الآمدي كثيرًا حين ألف موازنته١.
وكتاب "الصناعتين" لأبي هلال -في الباب التاسع الذي وقفه على دراسة أنواع البديع٢- يكاد يكون صورة مطابقة لبديع ابن المعتز تمام المطابقة، فهو يعرض عليك اللون البديعي كما عرضه ابن المعتز، وينقل كل الشواهد التي احتواها كتاب "البديع"، ولا يزيد عليها إلا القليل من الشواهد للشعراء المتأخرين عن عصر ابن المعتز.
وكذلك كان مصدرًا كبيرًا لابن رشيق حين درس في عمدته ألوان البديع،
стр. 58
وقد أشاد به العارف بقيمته وخطره١، ونقل عنه الكثير من شواهد فنون البديع في عمدته، ويشير إليه الباقلاني في إعجاز القرآن، ويأخذ منه٢.
وكثير من مثل ألوان البديع عند علماء البلاغة المتأخرين -كالخطيب ومَن سواه- هي من شواهد كتاب البديع، سبقهم إلى جمعها من شتى أبواب الأدب العربي، وأحصاها في كتابه القيم "البديع".
و"للبديع" أهميته الكبيرة في فَهْم نشأة البديع وتطوره في الأدب العربي وعلى مرور عصوره الأدبية المختلفة، وهو من هذه الناحية كبير الأثر عظيم الخطر، وكل من عرض لنشأة البديع وتطوره من علماء النقد -كالآمدي والقاضي الجرجاني وسواهما- فلا شك أنه كان متأثرًا بكتاب البديع.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أهم المصادر لكتاب البديع، وأَجَلُّ هذه المصادر وأهمها كتاب "قواعد الشعر" لثعلب الذي احتذاه ابن المعتز في التأليف والبحث في أساليب البديع، وكتاب "البيان والتبيين" للجاحظ؛ حيث أخذ منه ابن المعتز كثيرًا من النصوص والشواهد المختارة من بديع النثر الأدبي، وقد أخذ ابن المعتز من حماسة أبي تمام بعض شواهد البديع من الشعر العربي.
كما لا يفوتنا أن نشير إلى أننا قد وضعنا بعض عناوين للكتاب من عندنا٣.
وأخيرًا، فهذا هو كتاب البديع، وهذا مجهودنا الشاق في شرحه شرحًا أدبيًّا مستفيضًا، وفي الترجمة لجميع الأعلام الواردة فيه٤، وفي تحقيق الكثير من رواياته الأدبية، وفي تحليل الكتاب الذي عرضناه عليك في هذه المقدمة.
نعرض كل ذلك على الباحثين، راجين أن نكون قد أصبنا الهدف فيما نشدناه من توفيق، وأردناه من خدمة لهذا الأثر الخطير.
стр. 59
آراء المستشرق كراتشقوفسكي في الكتاب:
بحث "كراتشقوفسكي" في المقدمة التي كتبها لكتاب البديع باللغة الإنجليزية مسألتين:
١- احتمال التأثير الأجنبي على نظرية الشعر العربي.
٢- أسبقة ابن المعتز أول من ترك في هذا الميدان بحوثًا منهجية، وقد ذكر أن له بحوثًا منظمة أخرى حول احتمال وجود أي تأثير أجنبي في نظريات الشعر العربي وعلى الأخص تأثير أرسطو.
وبسبيل الإجابة عن هذين السؤالين تطور الموضوع إلى بحث في نقطتين أساسيتين:
١- الدور الذي قام به كتاب أرسطو في فن الشعر.
٢- البحث عن مصادر تمكنه من إصدار كتاب ابن المعتز.
وقد عالج النقطة الأولى ببحث:
١- مقالات المعتزلة وتأثيرها في القرن التاسع على الإنتاج الأدبي.
٢- والمؤثرات الهندية والفارسية في الشعر العربي.
وقد وصل إلى نتيجة سلبية من ناحية تأثير كتاب الشعر لأرسطو على نظريات الشعر العربي، وهو يشير إلى قلة معلوماته في البحوث الإفريقية، وإلى أن رأيه في نفي تأثير أرسطو على نظريات الشعر العربي يطابق رأي بعض النقاد الغربيين في هذا البحث.
وذلك ملخص ما أورده كراتشقوفسكي في الصفحات "١-٥" من مقدمته لكتاب البديع.
стр. 60
نص الكتاب:
مقدمة ابن المعتز لكتاب البديع:
قال عبد الله بن المعتز ﵀:
قد قدمنا١ في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله ﷺ وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع؛ ليعلم أن بشاراً٢ ومسلماً٣ وأبا نواس٤ ومن تقيّلهم٥ وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن؛ ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في
стр. 61
زمانهم حتى سُمي بهذا الاسم فأعرب عنه ودلّ عليه، ثم إن حبيب١ بن أوس الطائي من بعدهم شُعفَ٢ به حتى غلب عليه وتفرع٣ فيه وأكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف، وإنما كان يقول الشاعر من هذا الفنّ البيت والبيتين في القصيدة، وربما قُرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع، وكان يُستحسنُ ذلك منهم إذا أتى ناردًا ويزداد حظوة بين الكلام المرسل، وقد كان بعض العلماء يشبه الطائيّ في البديع بصالح بن عبد القدوس٤ في الأمثال، ويقول: لو أن صالحاً نثر أمثاله في شعره وجعل بينها فصولاً من كلامه لسبق أهل زمانه، وغلب على مدّ٥ ميدانه، وهذا أعدل كلام سمعته في هذا المعنى٦.
стр. 62
أصل الكتاب
مدخل
...
أصل الكتاب:
بسم الله [الرحمن الرحيم] :
من الكلام البديع قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] . ومن الشعر البديع قوله "من البسيط":
والصُبحُ بالكوكب الدُّرىِّ منْحورُ١
وإنما هو استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها؛ مثل: أم الكتاب، وجناح الذل، ومثل قول القائل: الفكرة مخ العمل٢، فلو كان قال: "لبّ العمل" لم يكن بديعاً.
ومن البديع أيضاً: التجنيس والمطابقة، وقد سبق إليهما المتقدمون، ولم يبتكرهما المحدثون، وكذلك الباب الرابع٣ والخامس٤ من البديع.
وقد أسقطنا من كتابنا هذا أسانيد الأحاديث: عن رسول الله -صلى الله عليه وآله- وعن أصحابه؛ إذ كان من التكثير، ولم نذكر إلا حديثاً مشهوراً.
ولعل بعض من قصَّر عن السبق إلى تأليف هذا الكتاب ستحدثه نفسه وتمنّيه مشاركَتنا في فضيلته، فيسمى فناً من فنون البديع بغير ما سميناه به، أو يزيد في الباب من أبوابه كلامًا منثورًا، أو يفسرشعرًا لم نفسره، أو يذكر شعراً قد تركناه ولم نذكره؛ إما لأن بعض ذلك لم يبلغ في الباب مبلغ غيره فألقيناه، أو لأن فيما ذكرنا كافياً ومغنياً، وليس من كتاب إلا وهذا ممكن فيه لمن أراده٥، وإنما غرضنا في هذا الكتاب تعريف الناس أنّ المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع، وفي دون ما ذكرنا مبلغ الغاية التي قصدناها، وبالله التوفيق.
стр. 63
الباب الأول من البديع وهو الاستعارة ١:
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٢. وقال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ٣. وقال:
стр. 64
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١. وقال: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ٢. وقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ٣.
الأحاديث: فأما أحاديث النبي ﷺ فقوله: "خير الناس رجل ممسك بعِنَانِ فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعة طار إليها" ٤. وقوله: "ضموا ماشيتكم حتى تذهب فحمة العشاء" ٥. وقوله: "إنا لا نقبل زبد المشركين" أي: رفدهم. وقال ﷺ : "رب تقبل توبتي واغسل حوبتي" ٦. وقال ﷺ : "غلب عليكم داء الأمم الذين من قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر".
كلام الصحابة: قال علي بن أبي طالب٧ ﵁ في كتابه إلى ابن عباس٨ وهو عامله على البصرة في بعض كلامه: "أرغِب راغبهم واحلل عُقد الخوف عنهم"٩. وسُئل عن تغيير الشيب١٠ وما رُوي في ذلك عن النبي ﷺ في قوله: "غيِّروا الشيب ولا تشبهوا باليهود". فقال علي ﵁: "إنما قال ذلك والدين في قُلٍ١١، فأما وقد اتسع نطاق الإسلام فكل امرئ وما اختار لنفسه". وقال أبوبكر الصديق١٢ ﵁ وذكر الملوك فقال: "إن الملوك إذا ملك أحدهم زهّده الله في ماله، ورغّبه في مال غيره، وأشرب قلبه الإشفاق
стр. 65
وهو يحسد على القليل، ويتسخط على الكثير، جذلُ الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسهُ ونضب عمره وضحاً ظلّه [حاسبه الله ] فأشد حسابه وأقل غفره"١، أراد٢ من هذا نضب عمره، وهو الاستعارة.
ورووا أن علياً ﵁ سأل كبير فارس عن أحمد سير ملوكهم عندهم فقال: لأردشير٣ فضيلة السبق غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان٤، قال: فأي أخلاقه كان أغلب "عليه"؟ قال: الحِلْم والأناة، قال علي ﵁: هما توءمان ينتجهما علو الهمة.
وقال علي ﵁: "العلم قفل مفتاحه السؤال".
ورووا أن علياً ﵁ قال لبعض الخوارج في حديث طويل: "والله ما عُرفْتَ حتى نعرَ الباطل فنجمت نجوم قرن الماعزة"٥ أردنا قوله: نعر الباطل.
ورووا أن عمر٦ ﵁ لما حصّب المسجد٧ قال له رجل: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: هو أغفرُ للنخامة٨.
وقال الشعبيّ٩: "كتب خالد بن الوليد١٠ إلى مرازبة١١ فارس عند مقدمه العراق: أما بعد، فالحمد لله الذي فض خدمتكم
стр. 66
وفرَّق كلمتكم. الخدمة: الحلقة المستديرة، ومنه قيل للخلاخيل: خدام، قال الشاعر "من المتقارب":
وتُبْدي لذاك العذارى الخِداما١
وسُئلت عائشة٢ ﵂: هل كان النبي ﷺ يفضل بعض الأيام على بعض؟ قالت: كانت عمله ديمة؛ أي: دائماً.
ولما قتل عثمان٣ ﵁ قال أبو موسى٤: هذه حيصة من حيصات من حيصات الفتن، بقيت المثقلة الرداح٥.
وقال الحجاج٦ يوماً في حديث ذكره الشعبي: دلوني على رجل سمين الأمانة.
ولما عقدت الخوارج٧ الرياسة لعبد الله بن وهب الراسبي٨ أرادوه على الكلام فقال: لا خير في الرأي الفطير والكلام القضيب، فلما فرغوا من البيعة له قال: دعوا الرأي يغب؛ فإن غبوبه يكشف لكم عن فصة٩.
وقال بعض الصالحين في ذمة الدنيا: "دار غرست فيها الأحزان، وسكنها الشيطان، وذمَّها الرحمن،
стр. 67
وعوقب بها الإنسان. وكان يقال: رأس المآثم الكذب، وعمود الكذب البهتان. وقال ابراهيم النخعي١: الفكر مخ العمل. وقيل لأعرابي: إنك لحسن الكدنة٢، قال: ذلك عنوان نعمة الله عندي. ووصف أعرابي قوماً فقال: كانوا إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف قعد الحمام٣.
وقال أكثم٤: الحلم دعامة٥ العقل. وسُئل آخر عن البلاغة فقال: دنو المآخذ، ونزع٦ الحجة، وقليل من كثير.
وقال خالد بن صفوان٧ لرجل: رحم الله أباك؛ فإنه كان يقرى العين جمالاً والأذن بياناً٨. وسئل أعرابي عن صديق له فقال: صفرت عياب٩ الود بيني وبينه بعد امتلائها، واكفهرت وجوه كانت بمائها. وذكر أعرابي رجلاً فقال: إن الناس يأكلون أماناتهم لقماً وفلان يحسوها حسواً١٠. وقيل لأعرابية: أين بلغتْ قِدْرك؟ فقالت: حين قام خطيبها١١. وقال بعضهم: من ركب ظهر الباطل نزل دار الندامة. وقيل
стр. 68
لأعرابي: كم أهلك؟ قال: أب وأم وثلاثة أولاد، أنا سبيل عيشهم. وقيل لرؤبة١: كيف خلَّفت ما رواءك؟ قال: المراد يابس والمال عابس٢.
ومن الاستعارة قول امرئ القيس٣ "من الطويل":
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطَّى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل٤
هذا كله من الاستعارة؛ لأن الليل لا صلب له ولا عجز، وقال "من الطويل:
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أمال السليط بالذبال المفتل٥
أردنا من البيت قول: "أمال السليط". وقال زهير٦ "من الطويل":
стр. 69
إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل١
تهر: أي تحملهم على أن يكرهوا، يقال: هرّ فلان كذا إذا كرهه، وأهررته أنا: حملته عليه، وهرير الكلب صوت يردده إلى جوفه إذا كره الشيء أو الشتاء لشدّة البرد أو لغيره، وقال أبو سعيد٢: القول تهر ومن قال: تهر الناس أراد أنها أساءت أخلاقهم لشدتها، وتهر كأنها تنبح في وجوههم. وقال أيضاً "من الطويل":
صحا القلب عن سلمى واقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله٣
وقال أيضاً "من الوافر":
إذا سدت به لهوات ثغر ... يشار إليه جانبه سقيم٤
стр. 70
وقال النابغة١ "من الطويل":
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب٢
أراد قوله: أراح الليل عازب همه، هذا مستعار من إراحة الراعي الإبل إلى مباءتها: أي موضع تأوي إليه. وقال أيضاً "من الطويل":
على أن حجليها إذا قلت أوسعا ... صموتان من ملء وقلة منطق٣
وقال الأعشى٤ "من الكامل":
إذ لمتى سوداء أتبع ظلها ... غزلاً قعود بطالة أمشى ددا٥
وقال أيضاً "من الطويل":
سما لابن هر في العثار بطعنة ... تفور على سرباله نعراتها٦
стр. 71
وقال أيضاً "من الوافر":
فإن الحرب أمسى فحـ ... ـلها في الناس مغتلما١
وقال أوس٢ بن حجر "من الطويل":
وإني امرؤ أعددت للحرب بعدما ... رأيت لها نابًا منالشر أعصلا٣
وقال عنترة٤ بن معاوية العبسي "من الكامل":
جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم٥
البكر: أول السحاب، أراد أنها لم تمطر قبل ذلك.
وقال مهلهل٦ "من الكامل":
تلقى فوارس تغلب ابنة وائل ... يستطعمون الموت كل همام٧
стр. 72
وقال الأفوه الأودى١ "من الرمل":
ملكنا ملك لقاح أول ... وأبونا من بني أود خيار٢
قال أبو سعيد: اللقاح من العرب الذين لا يدينون للملوك، وهو مأخوذ من لقاح الإبل؛ أي: هم مستغنون بما عندهم من العز عن غيرهم. وقال علقمة بن عبدة٣ "من البسيط":
بل كل قوم وإن عزوا وإن كرموا ... عرفهم بأثافي الشر مرجوم٤
وقال المسيب بن علس٥ "من المتقارب":
وإنهم قد دعوا دعوة ... يتبعها ذنب أهلب٦
وقال الأسود بن يعفر٧ "من الوافر":
стр. 73
فأدِّ حقوق قومك واجتنبهم ... ولا يطمح بك العز الفطير١
قال أبو سعيد: أراد عزاً ليس بالمحكم، كما أن الفطير من العجين ليس بمستحكم، والفطير في غير ذا: الجلد الذي لم يدبغ. وقال طفيل٢ "من الكامل":
وجعلت كوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل٣
وقال أيضاً "من الطويل":
جذت حول أطناب البيوت وسوفت ... مراداً فإن تقرع عصا الحرب تركب٤
سوفت: شمت. مرادها: الموضع الذي ترود فيه. وقال الحارث بن حلزة٥ "من الكامل":
حتى إذا التفع الظباء بأطراف ... الظلال وقلن في الكنس٦
قال أبو سعيد: التفع من اللفاع وهو اللحاف الذي يلتفع به ثم صار كل ثوب
стр. 74
يجلل١ به الإنسان لفاعًا. وقال عمرو بن كلثوم٢ "من الطويل":
ألا ابلغ النعمان عني رسالة ... فمجدك حولي ولؤمك قارح٣
وقال النابغة الجعدي٤ "من المتقارب":
إذا أغلق الأمر أبوابه ... وعىّ ذوو الحزم بالمذهب
علا بهم لجة مهلكاً ... وإن يطف أصحابه يرسب٥
وقال الحطيئة٦ "من الطويل":
ألا من لقب عارم النظرات ... يقطع طول الليل بالزفرات٧
وقال أبو ذؤيب الهذلي٨ "من الكامل":
стр. 75
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع١
وقال أبو خرش الهذلي٢ "من الطويل":
أراد شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم٣
وقال لبيد٤ "من الكامل":
فبتلك إذا رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أردية السراب إكامها٥
وقال أيضاً "من الكامل":
وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها٦