← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11681

رحلة بنيامين التطيلى

بنيامين التطيلي

Полный текст (385 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تتجزأ مملكة الإسلام إلى دول صغيرة أو كبيرة بمقتضى الأحوال والظروف وتغلّب الأمراء. وانتهت الإمبراطورية العربية إلى مثل ما انتهت إليه من قبلها امبراطورية الإسكندر وإمبراطورية الرومان، فلم يعد من الميسور إدارة تلك الرقعة الشاسعة التي لم تكن تقطع من شرقيها إلى غربيها- على ما يرويه المقدسي- بأقل من عشرة أشهر، من حكومة مركزية واحدة. وقد يكون لتباين الأهواء والمشارب السياسية والميول المذهبية أثر كبير نضيفه إلى المؤثرات الجغرافية والإقليمية لتعيين أسباب هذا التجزؤ أو التعجيل به على الأقل. لكنه قد حدث فعلا؛ وقبل مسلمو تلك الأجيال الأمر الواقع وسلّموا به. على أن هذه الأقطار الشاسعة التي فرّقت ما بينها الحدود الإدارية المصطنعة والتخوم السياسية المستحدثة، كانت تربطها أواصر وحدة روحية تخطت الحدود المرسومة والحواجز الموهومة. تلك هي رابطة الدين، وصلة المعتقد والعرف، وقرابة الدم والعنصر ووشائج العقل والفكر واللغة والثقافة. فقد استطاعت الفتوحات الإسلامية- وهذا ما يميزها عن غيرها من غزوات الأقدمين- أن تسبك تلك الأقطار المترامية في قالب روحي محكم البنيان، وتلحمها بلحمة دين موحد لم تستطع تقلبات الأحداث السياسية فصم عروته الوثقى أو تفريق كلمته المثلى. فكان المسلم، حيثما تنقل داخل حدود هذه المملكة، يجد نفسه بين إخوان له، يظله ما يظلهم من دين ويسري عليه ما يسري عليهم من شرع وعرف وعادات. وأينما ألقى عصا الترحال من أصبهان وبغداد شرقا والقاهرة وغرناطة غربا، وجد الجامع الذي يؤدي

стр. 107

فيه فريضة الصلاة. والرباط الموقوف على إيوائه وإطعامه إذا جاع، والمدرسة التي يتلقى فيها علوم الدين والدنيا، والمارستان الذي يعالجه إذا ما ألم به مرض. مثل هذه العناية التي كان المسلم يلقاها أو يتوقع أن يجدها في مختلف الأقطار الإسلامية، والرغبة الملحة التي كانت تحمل الكثير من المسلمين إلى الاطلاع على شؤون تلك الرقعة التي تربط ما بينها وشائج الدين والقربى ودرس أحوالها عن كثب، كانت الحافز المهم لشد الرحال للسفر والتجوال بين تلك البلدان المتباعدة شرقا وغربا. فمنهم من كان يرحل للعلم والوقوف على جغرافية الممالك الإسلامية والتعرف إلى أصول إدارتها ودرجة رفاهة أهليها وخيرات بلادهم وزروعهم وصناعتهم وتجارتهم؛ وبالإجمال درس أحوالهم العمومية من كافة الوجوه. ومنهم من كان يرحل للتجارة والبيع والشراء وتبادل السلع فدوّن عدد منهم وصف البلاد التي هبطوا إليها وقيّدوا مشاهداتهم في المدن التي زاروها والمسافات التي قطعوها والصعاب التي اجتازوها، ورسموا طبيعة تلك البلدان مع ذكر أنهارها وجبالها وحزونها ووهادها وطرق مواصلاتها وقناطرها وأوضاع أهليها، وما امتازوا به من أخلاق وعادات، فمدحوا ما يستحق المديح وعابوا ما يجدر به الذم والانتقاد، ومن ثم جاءتنا هذه المجموعة النفيسة من كتب الجغرافية والرحلات ومعاجم البلدان، وكلها من تدوين أولئك الفطاحل الذين تجشموا الصعاب وركبوا متون الأخطار فجابوا الأقطار المختلفة وشاهدوا وسجّلوا كل كبيرة وصغيرة وقيدوا كل شاردة وواردة؛ وبذلك أدّوا للجغرافية

стр. 108

والتأريخ خدمة تذكر فتشكر على مرّ العصور وكرّ السنين. وهناك عامل ديني مهم، عدا الدافع العلمي والمقصد التجاري، كان حافزا للمسلم على التجوال والترحال. تلك هي فريضة حج بيت الله الحرام الواجبة على كل من استطاع إليه سبيلا من المسلمين. فكان الخلفاء والسلاطين والأمراء يعنون العناية الفائقة بتنظيم طرق الحج وتعبيدها وتوفير آبارها وموارد مياهها وتوطيد الأمن في ربوعها وضمان راحة الحجيج وسلامتهم، بقدر ما تسمح به الظروف والأحوال، رعاية منهم لهذه الفريضة المقدسة. فكانت قوافل الحج تسلك في ذهابها وإيابها سبلا مطروقة ومسالك مألوفة؛ فيها كلّ التسهيلات التي كان من الميسور توفيرها في تلك العصور. وإننا لنرى عددا من الرحالين العرب والمسلمين في القرون الوسطى يرافقون هذه القوافل ويتبينون مسالكها ومفاوزها ويدوّنون ملاحظاتهم ومشاهداتهم ليستفيد منها الخلف. ونحن إذ كنا بصدد عرض عام لا التفصيل والإسهاب؛ ومهمتنا تنحصر بالأوضاع التي كانت تسود مملكة الإسلام في القرن السادس للهجرة (الثاني عشر للميلاد) ؛ اكتفينا بذكر عدد من مشاهير جغرافيي المسلمين ورحاليهم في ذلك العصر وما إليه. فمنهم من الجغرافيين، ابن خرداذبه صاحب كتاب «المسالك والممالك» (٢٥٠ هـ- ٨٦٤ م) واليعقوبي الذي وضع جغرافيته في القرن الرابع للهجرة والعاشر للميلاد. وقدامة بن جعفر المتوفى سنة (٣١٠- ٩٢٢ م) والبلخي المتوفى سنة (٣٤٦ هـ- ٩٣٤ م) وابن حوقل المتوفى سنة

стр. 109

(٣٧١ هـ- ٩٨١ م) وأبو دلف ابن المهلهل صاحب «عجائب البلدان» من القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد) والمسعودي المتوفى سنة (٣٦٧ هـ ٩٥٧ م) وأبو الريحان محمد البيروني (٣٦٩- ٤٤١ هـ. و٩٧٩- ١٠٤٩ م) وياقوت الحموي صاحب «معجم البلدان» (٥٧٥- ٦٢٧ هـ. و ١١٧٩- ١٢٢٩ م) . ومن كبار الرحالين الذين وصلت إلينا أسفارهم وتنقلاتهم، ناصر خسرو صاحب «السفرنامة» المتوفى سنة (٥٤٢ هـ- ١٠٦٠ م) . وأبو الحسين محمد بن جبير الأندلسي المتوفى سنة (٦١٤ هـ- ١٢١٧ م) وعلي الهروي صاحب «إشارات إلى معرفة الزيارات» المتوفى في حلب سنة (٦١١ هـ. ١٢١٤ م) وأسامة بن منقذ صاحب «الاعتبار» المتوفي سنة (٥٨٤ هـ ١١٨٨ م) . وعبد اللطيف البغدادي صاحب «الإفادة والاعتبار» من القرن السابع للهجرة والثالث عشر للميلاد. وابن سعيد المغربي صاحب «المغرب» من القرن السابع للهجرة والثالث عشر للميلاد، وابن بطوطة الرحالة المعروف المتوفى سنة (٧٧٠ هـ ١٣٦٨/١٣٦٩ م) وأضرابهم كثيرون من الذين وصلت إلينا كتبهم وأخبار تجوالهم وأسفارهم وخلفوا لنا هذه الثروة القيمة- مكتبة الجغرافية العربية.

стр. 110

٣- الرواد اليهود في القرون الوسطى إن اليهود في أسبانية والشرق، خالطوا العرب في عصورهم الذهبية، وتأثروا بتفكيرهم واقتبسوا لغتهم وتحلّوا بآدابهم، وضربوا بسهم وافر في جميع نواحي نشاط الفكر العربي. لذا لم تكن الأسفار البعيدة والرحلات المديدة غريبة عنهم أيضا. على أنه من الحق أن نشير هنا إلى أن الدوافع التي كانت تحدو باليهودي الأوروبي على ترك دياره والضرب في طول الأرض وعرضها لم تكن كلها اختيارية، ولم تكن كلها لمجرد الاطلاع أو الوقوف على أحوال الأقطار المختلفة. بل كانت هناك ثلاثة عوامل أساسية تدفعه طوعا أو كرها إلى الإكثار من الرحيل والتجوال. أما العامل الأول فكان سياسيا. إذ كان اليهودي الأوروبي، في عرف تلك العصور المظلمة، ملكا لأمير الإقطاع يصنع به ما توحي إليه رغبته ومصلحته. وعلى هذا، قلما كان له مطلق الحرية للإقامة حيث شاء. كما لم يكن مطمئنا على سلامته واستقراره في موطنه ومسقط رأسه. بل كان يجد نفسه بين فترات متقاربة أو متباعدة، حيال قرار مؤلم خطير يجب أن يتخذه بمنتهى السرعة- وهو أن يتخير بين أن يترك دينه ومعتقده باعتناق ديانة السلطة القائمة، أو أن يبارح موطنه ويحمل عصا الترحال، تاركا وراءه كل ما ملكه من حطام دنياه الضيقة. ولما كان الشق الأخير من هذا الخيار المؤلم أكثر ما يؤثره اليهودي على الرغم مما كان فيه من تضحية تبلغ في أغلب الأحيان الجود بالروح في سبيل المعتقد؛ فإن تعبير «اليهودي التائه» لم يكن في

стр. 111

غير محله بالنسبة للجماهير الغفيرة* من أبناء هذه الطائفة على شواطئ الرون والسين وضفاف الراين والموزيل. ولا بدع إذا رأينا الجماعات اليهودية، في أثناء فترات الهدوء التي كانت تطول أو تقصر بحسب الأهواء والظروف، تبعث بالوفود إلى مختلف الأقطار والبقاع القريبة أو البعيدة، تجوس خلالها وتدرس أحوالها، للعثور على المأوى الأمين، تلجأ إليه إذا ما حان اليوم العصيب ودقّت نواقيس الرحيل. وأما العامل الثاني فكان دينيا. وهو تلك الرغبة الملحة التي كانت تدفع بأتقياء اليهود إلى ركوب الأهوال واقتحام المخاطر لحج بيت المقدس والتبرك بقبور الأنبياء ومقامات الصالحين. فحج بيت المقدس، وإن لم يعد فرضا دينيا على اليهودي منذ خراب هيكل القدس في القرن الأول للميلاد، فإن اليهودي التقي كان يشعر بلهفة متأججة إلى زيارة أماكن التوراة ومهبط الوحي ومثوى الأنبياء، غير عابيء بالحقيقة الواقعة، هي كونه لا يتمتع بحماية سلطان أو رعاية أمير، سيما أيام الحروب الصليبية. وكان أن دوّن عدد من هؤلاء الحجاج ما شاهدوه في البلاد المقدسة والأقطار المؤدية إليها، فخلّفوا للأجيال المتأخرة هذا التراث الممتع من كتب السياحة والأسفار. وأما العامل الثالث فكان اقتصاديا. وذلك لأن القوانين والقيود التي كان تحرّم على اليهودي الأوروبي في القرون الوسطى امتلاك العقار والاشتغال بالزراعة، قد دفعته مرغما إلى أحضان التجارة والأمور المالية**

стр. 112

فلا بدع إذا وجدنا اليهودي في تلك العصور، في كل ثغر تجاري وميناء بحري في الشرق والغرب، يجوب الأقطار البعيدة قادما من أوروبة يحمل مختلف السلع والبضائع للبيع والمقايضة. ثم يعود إليها بنتاج الشرق الغني بخيراته ومحاصيله. وهذا ابن خرداذبه يصف هؤلاء التجار أصدق وصف بأدق تعبير إذ يقول: « ... إنهم يسافرون بين الشرق والغرب. ويحملون من فرنجة الخدم والغلمان والجواري والديباج والخز الفائق والفراء والسمور ويركبون البحر من فرنجة ويخرجون بالفرما، ويحملون تجارتهم على الظهر إلى القلزم. ثم يركبون البحر الشرقي من القلزم إلى جدة والحجاز. ثم يمضون إلى السند والهند والصين. فيحملون من الصين المسك والعود والكافور والدارصيني وغير ذلك. ويرجعون إلى القلزم. ثم يتحولون إلى الفرما. ويركبون البحر الغربي. فربما عدلوا بتجارتهم إلى القسطنطينية فباعوها للروم. وربما صاروا بها إلى بلاد الفرنجة فباعوها هناك. وإن شاؤوا حملوا تجارتهم في البحر الغربي فخرجوا بأنطاكية. فكانوا يتكلمون العربية والإفرنجية والفارسية والرومية. وهم تجار اليهود الذين يقال لهم الرهدانية أو الراذانية «١» .» أ. هـ.

стр. 113

ويذكر ابن الفقيه أن المسلمين كانوا يطلقون على هؤلاء التجار من اليهود اسما مجردا هو «تجار البحر» «١» . ويذهب البيروني إلى أن بلاد كشمير كانت مغلقة الأبواب في وجه جميع التجار الأجانب، فلم يكن يدخلها إلا القليل منهم وخصوصا من اليهود «٢» . هذه العوامل التي ذكرناها وأمثالها، أنجبت عددا من مشاهير الرواد اليهود في القرون الوسطى؛ فكانت حكايات سياحتهم وكتب رحلاتهم من أهم المصادر لتأريخ تلك العصور وجغرافيتها، ليس بالنسبة لليهود فحسب، وإنما للعالم المعروف يومئذ في القارات الثلاث. وإننا لنذكر في ما يلي عددا من هؤلاء الرواد الذين وصلت إلينا أسفارهم، مع العلم أن بحثنا في هذا الكتاب يقف دائما عند نهاية القرن الثاني عشر للميلاد أو بعدها بقليل. فمنهم: الداد الداني- خرج في حدود سنة ٨٨٠ م. من موقع ما في شرقي إفريقية مما يحاذي عدن (ربما كان الصومال) في رحلتين زار خلالهما بلاد الحبش وديار مصر فالقيروان وبلاد المغرب وأسبانية، ثم زار اليمن وعرج على البحر الهندي وخليج البصرة فبغداد ومنها إلى أفريقية فأسبانية. وأبو الحسن يهوذا بن صموئيل اللاوي الطليطلى (١٠٨٥- ١١٤٠ م) الشاعر الفيلسوف الكبير. خرج من مسقط رأسه يريد حج بيت المقدس وهو يومئذ في احتلال الصليبيين. فزار

стр. 114

مصر والشام ومات شهيدا* عند أسوار أورشليم. وفي ديوانه قصائد تعد من عيون الشعر العبري الأندلسي يعبر بها عن الحنين الذي حدا به إلى زيارة بلد الأنبياء ومهبط الوحي، والأهوال التي عاناها في رحلته. وأبو إسحاق إبراهيم بن مئير بن عزرا الطليطلى الأندلسي ولد في طليطلة سنة ١٠٩٣ م وتوفي في رومية سنة ١١٦٧ م. كان شاعرا كبيرا وفيلسوفا معروفا ومفسّرا عظيما. قام برحلة علمية طويلة زار في أثنائها مصر وفلسطين والعراق ورودس وإيطالية وفرنسة وإنكلترة. فكان في لندن سنة ١١٥٧ م. وفي رواية أنه زار الهند أيضا. وبنيامين بن يونة التطيلى النباري الأندلسي قام برحلته التي نضعها بين أيدي القراء في حدود سنتي ١١٦٥- ١١٧٣ م وسيأتي الكلام عليه. وفتاحية الرتسبوني أو الرجنسبرجي قام برحلته إلى الشرق الإسلامي برا في حدود سنتي ١١٧٥- ١١٨٥ م. عن طريق براغ وبولونية وكييف والقرم فالقوقاز، ومن ثم عرج على أرمينية والفرات والموصل فبغداد وإيران وسورية وفلسطين واليونان. فكانت زيارته لمدينة بغداد، على ما يظهر، في زمن الخليفة الناصر لدين الله العباسي. وتعد رحلته من الوثائق المعروفة. ويعقوب بن نثنيال كوهن زار فلسطين قبيل استيلاء صلاح الدين الأيوبي على القدس سنة ١١٨٣ م. وخلف رسالة قيمة في رحلته.

стр. 115

ويهوذا بن سليمان الحريزي الطليطلي (١١٧٠- ١٢٣٠ م) الشاعر الكبير، ناقل الكتب المهمة من العربية إلى العبرية، ومؤلف كتاب «مقامات الحريزي» العبرية التي ضارع بها مقامات الحريري العربية. قام برحلة طويلة زار خلالها مصر وفلسطين والشام والعراق، ووصف مشاهداته وذكر العظماء والعلماء الذين قابلهم في المدن التي زارها. ويعقوب، رسول الرابي يحيئيل الباريسي خرج من فرنسة سنة ١٢٣٨ م. في رحلة طويلة استغرقت ست سنوات زار خلالها فلسطين وسورية والعراق فالأهواز، ووضع رسالة قيمة في رحلته. هؤلاء الرواد وأمثالهم كثيرون من الذين يضيق بنا المقام عن ذكرهم. تجشموا مشاق السفر وركبوا متن الأخطار والأهوال في تلك العصور المظلمة، وخلفوا لنا عن رحلاتهم تلك «١» ، رسائل ثمينة تعد من أوثق المصادر التأريخية. والملاحظ هنا أن تيار الرحلات والأسفار اليهودية في القرون الوسطى، كان يتجه دائما من الغرب نحو الشرق. وقلما نعرف عن رحالة من يهود الشرق يمم شطر أوروبة للدرس والاطلاع أو الاتجار باستثناء بعض العلماء الذين كانوا يرحلون إليها للتعليم في مدارسها.

стр. 116

ولهذه الظاهرة أسباب تتصل بالعوامل الثلاثة التي بيناها. فمن الوجهة السياسية كانت القرون الوسطى شديدة الوطأة على يهود أوروبة بأجمعها، إذا استثنينا أسبانية الإسلامية، ذاقوا فيها من ضروب التعسف والاضطهاد والتقتيل والتشريد ما يعجز عن تبيانه القلم. أما يهود الشرق، فكانوا أسعد حظا وأكثر استقرارا واطمئنانا على أرواحهم وموطنهم وأموالهم من إخوانهم في الغرب. فقد ترك لهم خلفاء المسلمين وسلاطينهم حرية الإيمان والمعتقد وأمّنوهم على أرواحهم وما ملكت أيمانهم بدافع الشرع القويم والعرف والتسامح. فلم يكن اليهودي، وهو من أهل الذمة، ملزما بأكثر من جزية بسيطة يدفعها إلى بيت مال المسلمين لقاء حصوله منهم على حقوقه المشروعة. وإذا كان يهود الشرق عانوا أحيانا بعض الشدة في عهود الانحطاط من بعض الأمراء المتغلبين، فإن تلك الأوضاع الشاذة ما كانت تدوم إلا أمدا قصيرا. إذ لم تكن هناك خطة اضطهاد مرسومة وسياسة عداء مقررة. ولم تبلغ الحال، في أشد أيامها، مبلغ الطرد الإجماعي أو التقتيل بالجملة، مثلما كان يحدث في أوروبة. لذلك كان يهود الشرق يعيشون في استقرار ودعة واطمئنان، فلم يكن ثمة ما يبرر مبارحتهم ديارهم إلى بلاد الغرب وهي يومئذ على ما وصفنا. أما حج بيت المقدس فلم يكن غير مرغوب فيه من يهود الشرق. بل

стр. 117

كان اليهودي التقي في مختلف العصور يجد من نعمة الله عليه أن يتاح له حج البلاد المقدسة والتبرك بقبورها وزيارة مقامات الصالحين فيها. غير أن بيت المقدس لم يكن بعيدا عن اليهودي الشرقي ولم تفصله عنه البحار التي كانت يومئذ مليئة بالقرصان، محفوفة بالأخطار. وهو إذا ما أم الديار المقدسة لم يكن يشعر بأنه انتقل إلى محيط يختلف عن محيطه أو بيئة تشذ عن البيئة التي نشأ فيها سواء أكان ذلك في الشام أم في العراق أم في مصر. فلم يكن يقع بصره على مناظر غير مألوفة لديه كما هو الحال بالنسبة إلى أوروبي يزور الشرق. والسائح أو الحاج لا يسجل من الأمور سوى ما كان غريبا عنه بعيدا عن مألوفه ومحيطه. لذلك قلما نجد بين يهود الشرق من كتب عن رحلته أو دوّن مشاهداته. وأما السفر بقصد التجارة والبيع والشراء فلم يكن مما يضطر اليهودي الشرقي إلى خوض البحار وتجشم الأخطار. ذلك لأن البلاد التي يعيش فيها كانت مصدر أكثر البضاع والسلع في القرون الوسطى. وكان لزاما على الأوروبي دون الشرقي أن يقصد البلدان التي كانت في تلك الأحقاب مركز التبادل التجاري بين الشرق والغرب. لذلك ما كان ليهود الشرق أن يتحملوا مشاق السفر إلى أوروبة لهذا الغرض إلا فيما ندر. ومن ثم كان الاتجاه دائما من الغرب صوب الشرق.

стр. 118

٤- الحجاج المسيحيون في القرون الوسطى في القرون الوسطى لم يعن الأوروبيون بالسياحة والتجوال بين أقطار الشرق الإسلامي وارتياد بلدانه وانتجاع أراضيه لمجرد الشغف بالاطلاع أو محض المقاصد العلمية والجغرافية والسياسية مثلما كان دأبهم ولا يزال في القرون الأخيرة والعصر الحاضر. إنما كان الدين العامل الوحيد الذي يدفعهم إلى تجشم مشاق السفر وشد الرحال لزيارة الديار المقدسة. ذلك لأن فلسطين تحتل مركزا رفيعا في قلوب المسيحيين. ينظرون إليها نظرة تقديس وإجلال، شأنهم في ذلك شأن اليهود والمسلمين. فهي عندهم بلد التوراة ومهد المسيح ومنبت النصرانية. وحيثما تنقلوا في أرجائها وجدوا تراث الحواريين وكنائس القديسين ومراقد الصالحين. وتأريخ الكنيسة قديمه وحديثه، يرتبط ارتباطا وثيقا بتلك البقعة الشريفة التي يقدسها أبناء الأديان السماوية أجمع. فلا بدع إذا رأينا الحجاج الأوروبيين في القرون الوسطى يتوافدون على بيت المقدس من كل حدب وصوب، شغوفين بزيارة الأماكن المقدسة التي لها علاقة بالسيد المسيح ورسله وحوارييه. وأخبار أولئك الحجاج وحكايات تنقلاتهم وروايات أسفارهم وسجلات مشاهداتهم تملأ العدد الوافر من كتب الرحلات القديمة، لا غنى عنها لمن أراد الاطلاع على أحوال الشرق الإسلامي في تلك العصور. ويمكن القول على وجه التأكيد: إن اهتمام النصارى بزيارة الديار

стр. 119

المقدسة قد بدأ مع القرن الرابع للميلاد، أي عندما اعتنق قسطنطين الكبير (٣١٢- ٣٣٧ م) النصرانية وجعلها الدين الرسمي للدولة الرومانية. فقد قوي سلطان الكنيسة منذ ذلك التأريخ فبسطت سيطرتها على أفكار الجماهير فصارت توجه معتقدهم وعقليتهم ونشاطهم إلى الناحية التي كانت تريدها فأذكت في نفوسهم الحماس الديني، وبذلك اتجهت الأنظار بطبيعة الحال إلى فلسطين- بلد المسيح ومهد النصرانية. وقد ساعد على هذا الاتجاه كون الديار المقدسة يومئذ جزءا من رقعة تلك الإمبراطورية الواسعة، وعناية الدولة بالمحافظة على تراث النصرانية فيها وتيسير الأمن والراحة في الطرق المؤدية إليها، شأنها في ذلك شأن عناية خلفاء المسلمين بطريق الحج إلى الديار الحجازية وبيت الله الحرام. أخذ سيل حجاج النصارى يتدفق عاما بعد عام على الديار الفلسطينية. ويحفظ لنا التأريخ أسماء عدد من مشاهيرهم وعظمائهم في العصور التي سبقت الفتح الإسلامي. فمنهم: هيلانة أم قسطنطين الكبير Julia Flavia Helena التي زارت فلسطين في أخريات أيامها فوجدت الضريح المقدس والصليب الذي قيل: إن المسيح صلب عليه؛ وشيدت في بيت لحم والناصرة المباني الجسمية والكنائس العامرة التي ما زالت باقية حتى اليوم. ومنهم الإمبراطورة أو دوسية Eudoxia التي وسعت أسوار القدس سنة ٤٦٠ م؛ والراهب المعروف باسم حاج بوردو (٣٣٣ م) والأسقف جيروم (٤٢٠ م) وثيودوسيوس (٥٢٠- ٥٣٠ م) . ولم ينقطع توارد الحجاج الأوروبيين على فلسطين حتى في أيام هجوم

стр. 120

البرابرة على أوروبة من هون وقوط. فكانت سنة ٦٣٦ م. وفيها جرت معركة اليرموك الفاصلة واندحرت جيوش بيزنطة أمام جحافل المسلمين وسلمت القدس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رض) ؛ فأمّن النصارى على معتقدهم وأجاز لهم الحج؛ فلم يتغير أمر بالنسبة الحجاج النصارى سوى أنهم صاروا يفدون على القدس عن طريق مصر بدلا من بلاد الروم، نظرا لبقاء العلاقات السياسية متوترة بين المسلمين والروم. وهذه مذكرات مشاهير الحجاج النصارى خلال المدة التي تصرمت بين الفتح الإسلامي والحروب الصليبية لا تدل على أي أثر لاعتداء المسلمين عليهم إلا فيما ندر من بعض الحوادث الفردية التي قلما يخلو منها زمان أو مكان. أما سياسة الدولة بوجه عام فكانت منتهى التسامح الديني لأصحاب الكتب السماوية. فمن مشاهير الحجاج الذين وفدوا على فلسطين في هذه الحقبة: أركولف مطران بلاد الغال (٧٠٠ م) وولبولد الإنكليزي (٧٢٦- ٧٢٧ م) وبرنارد الحكيم (القرن التاسع) وكونرد أسقف كونستانس (٩٣٤- ٩٧٦ م.) . وكانت أكبر قافلة من الحجاج وصلت إلينا أخبارهم قبيل الحروب الصليبية، هي تلك التي كان يرأسها أربعة أساقفة كبار، هم سغفريد أسقف ماينز وغونتر أسقف بمبرغ ووليم أسقف أترخت وأوتو أسقف رغتزبرغ ومعهم نحو سبعة آلاف حاج وكان ذلك سنة (١٠٦٤- ١٠٦٥ م) . ولكن أكثر هذه القافلة قد هلك في البحر وفي المعارك التي كان السلاجقة يخوضونها في فلسطين.

стр. 121

أما الحروب الصليبية التي ساءت خلالها العلاقات بين نصارى أوروبة والمسلمين واستمرت نيفا وثلثمائة سنة في فترات متقطعة، فكانت بواعشها سياسية أكثر منها دينية كما سنبينه في سياق مقدمتنا هذه «١» . ٥- بنيامين التطيلى. من هو وما الغاية من رحلته ؟ على كثرة ما عالج المؤرخون رحلة بنيامين بحثا وتمحيصا، ودققوا النظر في محتوياتها، وراجعوا حوادثها وقايسوا بين نصوصها المخطوطة والمطبوعة، لم يتوصلوا إلى ما يلقي الضوء على سيرة هذا الرحالة الكبير ومولده ونشأته ومركزه العلمي والاجتماعي. وكل ما يعرف عنه مأخوذ عن المقدمة الوجيزة التي صدر بها الرحلة كاتب مجهول الهوية، ربما كان معاصرا لبنيامين، لأنها وردت في أقدم النسخ المعروفة للرحلة. وقد جاء في هذه المقدمة أنه «الرابي بنيامين بن الرابي يونة التطيلي النباري» وأنه «جاب المدن البعيدة وسجل ما شاهده عيانا في الأمصار التي مر بها أو ما نقله عن الثقات ذوي الأمانة المعروفين لدى يهود أسبانية» وبالأخير «إنه دوّن هذا الكتاب عند أوبته إلى قشطالة سنة ٤٩٣٣ للخليقة» (٥٦٩ هـ- ١١٧٣ م) وفي رواية أنه توفي في السنة نفسها «٢» . ويستمر صاحب المقدمة في تعريفنا بهذا الرحالة

стр. 122

ويقول: «إنه كان من الثقات العارفين بالتوراة والشرع، وأن التدقيق والتمحيص قد أيدا ما رواه في رحلته» . أما المؤرخون من القرن الثالث عشر وما والاه فيكتفون بتسميته «بنيامين صاحب الرحلة. فهل كان بنيامين من علماء اليهود الذين ازدهر بهم القرن الثاني عشر في أسبانية الإسلامية والنصرانية؟ ... إننا نشك في ذلك. لأن كتب الانساب اليهودية الخاصة بذلك الجيل، التي سجلت بإسهاب تراجم جميع العلماء المعروفين وفصلت ذكر مؤلفاتهم وآثارهم العلمية والأدبية، لا تذكر اسم بنيامين إلا مقرونا بهذه الرحلة. وأغلب الظن أن هذا الرجل كان وجيها من وجهاء اليهود في قشطالة، بل تاجرا تعنيه الشؤون الاقتصادية، بدلالة هذا الاهتمام الفريد الذي يبديه في الأحوال التجارية للبلدان التي زارها*، أكثر من اهتمامه بالعلماء الكبار الذين عرفهم في أثناء تجواله. إذ نراه يذكر أسماءهم مجردة عن ذكر مؤلفاتهم وآثارهم العلمية والأدبية. كما أننا نشك في رأي أبداه بعض المؤرخين، وهو أن بنيامين قام برحلته هذه موفدا من الهيئات اليهودية في أسبانية للأطلاع على أحوال يهود الشرق في ذلك العصر الذي كان يهود أوروبة يجتازون أخطر عهود الضيق والاضطهاد التي عرفوها خلال تأريخهم الطويل. صحيح، إن هذا الرحالة يعطينا معلومات عامة عن أحوال اليهود في كل مدينة زارها، ويذكر عددهم وأوضاعهم وطرق كسبهم ومركزهم

стр. 123

العلمي والاجتماعي وعلاقتهم بالبيئة التي يعيشون فيها. لكن، أكان ينتظر من يهودي في القرن الثاني عشر غير هذا؟ وهل عني الرحالون المسلمون بغير أحوال المسلمين إلا في ما ندر؟ وهل سجل الحجاج من النصارى غير أحوال إخوانهم بالدين وبيعهم ومزاراتهم المقدسة؟ .... وهذا أسلوب الرحلة، هل يدل على أنها تقرير مرفوع إلي هيئة أو جماعة خاصة؟ ... إن بين تضاعيفها أمورا لا يهم يهود أوروبة الاطلاع عليها كثيرا أو قليلا. بل إننا إذا قايسنا بين هذه الرحلة ومثيلاتها من ذلك العصر، وجدنا فيها عن غير اليهود، معلومات أكثر وأعم مما دوّنه الرحالون المسلمون عن غير المسلمين، والحجاج المسيحيون عن غير النصارى. وصفوة القول عن بنيامين: إنه كان تاجرا بالمعنى المفهوم من تعبير Commercial Traveller *وإنه يجمع إلى إلمامه بالاقتصاد وفنون التجارة إلماما كافيا بالتوراة والتلمود، كما هو شأن الكثيرين من أمثاله في ذلك العصر الذي كانت العلوم الدينية وحدها تميز المتعلّم عن الأمي، وإنه خرج في رحلته هذه بدافع الاطلاع الشخصي، ووجهته بالدرجة الأولى الشرق الإسلامي؛ هذا الشرق الذي استهوت خيراته وعمرانه وتجارته عددا غير يسير من الأوروبيين خلال العصور المتوسطة والأخيرة. وقد كان هذا الرحالة، وهو بعد في أسبانية، على علم بما في بلاد الشرق الإسلامي من تقدم وحضارة. وإن شهرتها قد ملأت سمعه قبلما يملأ عينه بمشاهدتها وزيارتها. فقد شاهد عند مروره في

стр. 124

أوروبة الجنوبية مدنا عامرة باليهود، زاهرة بمعاهدهم العلمية ومؤسساتهم الثقافية في ذلك العصر، لكننا نراه يتخطاها بنظرة عابر سريعة باستثناء رومية والقسطنطينية؛ ولم يبدأ بالإسهاب والتفصيل إلا عند ما وطأت أقدامه أرض الشرق الإسلامي في بلاد الشام- وهو الهدف الرئيسي لرحلته*. إن رأينا الذي فصلناه عن بنيامين يؤيده أسلوب الرحلة أيضا. فهو أسلوب تجاري ساذج. بعيد عن البلاغة الراقية التي امتاز بها كتاب اليهود ومفكروهم في القرن الثاني عشر- العصر الذهبي للآداب العبرية في أسبانية. فعبارته موجزة تتناول الموضوع مباشرة دون ما تزويق أو تنميق. وهذا ما يميز رحلة بنيامين عن غيرها من رحلات معاصريه، المسلمين منهم على الأخص، وأسلوبها الراقي المتين. على أن هذا الأسلوب الذي اختصت به رحلة بنيامين، على سذاجته، متأثر بأسلوب التوراة السلس. تكاد تلمس ذلك في كل صفحة من صفحاتها، الأمر الذي يدل على أن الرجل كان واسع الاطلاع في أسفار الكتاب المقدس والتلمود وغيرها من كتب اليهود، كما أننا نستشف من خلال أحاديثه عن الشرق الإسلامي أنه كان يجيد اللغة العربية. وأن أسماء البلدان والأعلام العربية لم تكن غريبة على سمعه بدلالة قلة تحريفه وتصحيفه لألفاظها شأن كل أوروبي زار الشرق قديما وحديثا. وغني عن البيان أنه كان يحسن الأسبانية أيضا.

стр. 125

٦- سير الرحلة خرج بنيامين من مسقط رأسه، من تطيلة، فانحدر منها بطريق نهر إبره إلى برشلونة على شواطئ أسبانية الشمالية الشرقية، فعرج منها باتجاه سواحل فرنسة الجنوبية، ومر بجميع المدن الساحلية في لنغدوكية Languedoc وبروفنسية Provence والريف الفرنسي Riviera وكانت هذه البلدان تتمتع يومئذ بهدوء نسبي بالنظر لاضطراب الحال في فرنسة الشمالية وأوروبة المركزية من جراء الحروب الصليبية التي كانت الاستعدادات لحملتها الثالثة قائمة آنئذ على قدم وساق. ومن ثم اتجه شرقا نحو الجمهوريتين البحريتين في إيطالية- جنوة وبيزة- فتابع سيره بطريق الشواطئ الغربية من شبه الجزيرة حتى بلغ رومية، المدينة الخالدة وكرسي البابوية، وهي يومئذ في عز أيامها وعنفوان سؤددها وقمة سلطانها. فقضى في عروس التبر مدة غير يسيرة، اطلع فيها على آثارها القديمة وقصورها وكنائسها، وأتى على ذكر ما سمعه من أساطيرها وأحاديث ملوكها وقياصرتها. ثم واصل رحلته نحو الجنوب فمر بسلرن وأمالفي وطراني، واخترق أراضي قلوريه Callabria ميمما شطر شاطئ الأدرياتي فبلغ باره Bari وبرندزي، ومنها عبر مضيق أترنتو إلى جزيرة قرفو فنزل بر اليونان عن طريق قورنث، وكانت يومئذ في حكم الروم البيزنطيين. ومن هناك صعد شمالا نحو خلقدونية chalcidice فمر بسلانيك وأطاف في أنحاء تراقيا حتى بلغ قسطنطينية- عاصمة الإمبراطورية الشرقية، فأدهشه ما شاهده من عظمتها السامقة وأعجب بما رآه من

стр. 126

قصورها وقلاعها وتجارتها الواسعة، وأتى على وصف ضاف لكنائسها، ووقف عند آيا صوفية يصور ما شاهده من آيات الفن العماري فيها بأسلوب تأخذ سذاجته بمجامع القلوب. ومن ثم ركب البحر فجوّل بين أرخبيل بحر إيجة فزار رودس وقبرص، ومنها خرج إلى البر في قيليقية حيث أطل على الشرق الإسلامي- الهدف الرئيسي لرحلته- فراح يتنقل بين المدن العامرة والقرى الزاهرة في سورية ولبنان، ومنها حج بيت المقدس، وهو يومئذ في الاحتلال الصليبي. فصار يتنقل في نواحي فلسطين، ويدون ما زاره من قبور الأنبياء وأضرحة الأتقياء ومقامات الصلحاء، فراحت أسماء المواقع التي طالما قرأ عنها في التوراة والتلمود تتدفق على مخيلته. ثم مر بغور الأردن واتجه شمالا نحو بحيرة طبرية ومنها عرج نحو أعالي الفرات بطريق تدمر وبعلبك ودمشق، وأخذ يتنقل بين دجلة والفرات حتى بلغ الموصل. ثم ألقى عصا الترحال في بغداد، عاصمة الرشيد وحاضرة بني العباس يومذاك. فأعجب بما شاهده من عمرانها وأسهب في وصف قصور خلفائها ومعاهدها ومارستاناتها. ولا غرو، فهو أول رحالة أوروبي من غير المسلمين، جاوز الفرات وبلغ بغداد وخلف عنها مثل هذا الوصف. وقد أعجب بنيامين بصورة خاصة، بما شاهده في وادي الرافدين من جماعات يهودية كانت يومئذ تنعم بالطمأنينة والرفاهة في ظل الخلافة الإسلامية الوارف، وفي عصر لم يكن يهود أوروبة يعرفون سوى ضروب الإرهاق والاضطهاد الديني والاقتصادي. فراح لسانه يلهج

стр. 127

بمديح خليفة المسلمين وهو يومئذ المستنجد بالله العباسي « ... أمير المؤمنين المعروف بالتقوى والاستقامة، يطلب الخير لجميع رعيته» . ويصف موكبه في طريقه إلى الجامع لإقامة فريضة الصلاة يوم العيد، وابتهاج الرعية برؤية طلعته الميمونة، فيسجّل هتافهم له وتهليلهم وتكبيرهم. ثم يتحدث عن المارستان حديث شاهد عيان دقيق الملاحظة. وبعده يأتي على ذكر الجماعة اليهودية ببغداد، فيحدثنا عن رأس جالوتها، ويسهب في سرد أسماء رؤساء مثيبتها ومدارسها وعلمائها، بلهجة تنم عن الارتياح والسرور مما عاينه وشاهده. ومن بغداد يتوجه الرحالة نحو مدن الفرات الأوسط ويسجل ما وجده فيها من مقامات وقبور الصالحين والأتقياء. ولا بدع، فقد كان الفرات الينبوع الزاخر الذي تدفق منه كتاب التلمود- دائرة المعارف اليهودية الكبرى التي ما زالت حتى اليوم تهدي اليهود إلى شريعتهم وشعائر ديانتهم وتأريخهم وأساطيرهم. ومن الفرات الأسفل ينتقل حديث الرحالة إلى جزيرة العرب- «صحراء اليمن» حسب تعبيره ... فهل زار بنيامين الجزيرة؟ وهل من الصحيح أنه اخترقها فبلغ أطراف الحجاز ونواحي خيبر؟ ... إن لهجة بنيامين في هذه المرحلة من سياحته والنتائج التي توصل إليها الذين حققوا في رحلته لا تؤيد ذلك*. وأغلب الظن أن الرحالة، في أثناء مكوثه بالعراق، سمع من أفواه اليهود وربما قرأ في كتب العرب بعض الأساطير والروايات التي ظلت

стр. 128

عالقة بالأذهان عن قبائل اليهود في الجزيرة والحجاز قبل الإسلام فأدرجها في سياق رحلته. وعليه وجب أن نحصر ما ذكره عن يهود الجزيرة في معترضة، فنعود إلى مواصلة الرحلة معه إلى واسط فالبصرة. ومنها إلى خوزستان، حيث أطل على بلاد العجم، فراح يتنقل بين مدنها الكبرى وعواصمها العامرة. ومن نواحي خراسان يعرج الرحالة على جبال كردستان وأطراف العمادية، ومنها يعود إلى همذان وأصبهان فشيراز وطبرستان، فيبلغ خيوة وسمرقند ونيسابور، فيحدثنا بإسهاب عن وقعة سنجر شاه السلجوقي مع قبائل الغز، ومن ثم يعود إلى خليج البصرة بطريق خوزستان فيزور قيس (كيش) ويتحدث عن مغاص اللؤلؤ، ومنها يبلغ الهند وخولام ويجول في ملبار ويصل سرنديب فيكون بذلك أول رحالة أوروبي بلغ الهند. ومن ثم ينتقل بالحديث عن أرض الصين، ويقص أهوال بحارها ومخاطرها. وهنا أيضا يأخذ أسلوب الرحلة شكلا يدعو إلى الشك في كون بنيامين قد بلغ شواطئ الصين برحلته. ويمكننا القول على وجه التأكيد: إن الرحالة قد أدرج في رحلته ما كان قد سمعه، وربما قرأه من روايات تجار العرب وأحاديث ملاحيهم عن تلك البلاد السحيقة، فجاءت روايته قريبة الشبه بما نطالعه في سفرات السندباد البحري عن بحار الصين ومهالكها، فلننتقل معه إذن، من الهند إلى شواطئ جزيرة العرب الجنوبية، حيث يتحدث عن زبيد وعدن، ومنها يعبر البحر الأحمر فيبلغ أفريقية من نواحي أسوان، فيتابع مجرى النيل وينحدر إلى القطر المصري فيتنقل بين مدنه الواحدة تلو الأخرى، فيزور القاهرة

стр. 129

والفسطاط ويتحدث بأسلوب بديع عن نهر النيل وفيضه ووفائه وخيره العميم، حتى لتحسب وأنت تقرؤه، أنك تطالع ابن جبير أو ابن بطوطة، وكلاهما جاء من بعده. ومن ثم ينتقل إلى الإسكندرية بعد زيارة قصيرة لصحراء سيناء، فيتحدث بإسهاب عن ذلك الثغر التجاري العظيم الذي كانت تجتمع عنده ثروة الشرق وخيراته، فيأتي على ذكر المنار، ويسرد علينا بتفصيل لا يباريه به رحالة آخر، أسماء البلدان الأوروبية التي كانت تتجر مع الإسكندرية*. ومن ثم يركب البحر بطريق عودته إلى أسبانية فيمر بجزيرة صقلية ويتحدث عن آثار الحضارة الإسلامية التي شاهدها فيها، وكانت يومئذ في احتلال النور منديين، وهكذا يكون هذا الرحالة الفذ قد زار أغلب البلدان الشهيرة في القارات الثلاث. والذي نلاحظه، ونحن نطالع صفحات هذه الرحلة، أن بنيامين يتحرى الصدق والأمانة في تدوين ما شاهده عيانا. أما إذا تعرض خلال رحلته لأمور يرويها عن مسموعاته، فيبدؤها بعبارة «ويقال» أو «وقد قيل لي» أو «هذا ما حدثني به فلان» . ويلاحظ كذلك، أن هذا الرحالة لم يكن يتبع في أسفاره اتجاها واحدا دائما. وقد تكون أسباب ذلك فقدان الأمن في بعض الطرق من جراء الحروب الصليبية، أو اضطراره للعودة إلى مدينة أو قرية ليتحقق من بعض الأخبار. ومما يلاحظ أيضا أنه وإن قبل بما قيل له عن عقائد بعض الأمم الشرقية على علاته، لا نكاد نقرأ له كلمة تخدش الأذهان عند تعرضه للأديان غير

стр. 130

اليهودية، إذا استثنينا بعض عبارات التهكم والسخرية من الشعائر الوثنية وعقائد المجوس والملاحدة مما لا تستسيغه العقائد السماوية. وإننا نجده أكثر ضبطا لعاطفته الدينية من أغلب رواد القرون الوسطى، إذا أخذنا بنظر الاعتبار عقلية ذلك العصر الذي بلغ فيه التعصب الديني منتهاه. ٧- تأريخ الرحلة لعل أبرز نقصان يلاحظه القارئ في رحلة بنيامين، هو أن هذا الرائد الكبير لم يترك لنا تأريخا مضبوطا عن زمن شروعه في رحلته ولم يذكر وقت دخوله المدن والأقطار التي زارها في سياحته الطويلة ومدة مكوثه بها أو رحيله عنها، وإنه اتبع في حديثه أسلوبا جغرافيا بخلاف ما فعله غيره من الرحالين. وكل ما نعرفه من مقدمة الرحلة، أن بنيامين عاد من رحلته إلى مسقط رأسه في قشتالة سنة ٤٩٣٣ للخليفة حسب التقويم العبري، وهذه توافق سنة (٥٦٩ هـ- ١١٧٣ م.) لذلك اختلف المؤرخون في تعيين موعد شروعه في تجواله. فيقرر آشر Asher وإبراهامس Israel Abrahams أن ذلك كان في سنة (١١٦٠ م- ٥٥٥ هـ) ويذهب لبرخت Liebrecht إلى أقدم من هذا فيقول: إن بنيامين قام برحلته بين سنتي (١١٤٠- ١١٥٠ م) (٥٣٥- ٥٤٥ هـ) وبذلك نراه يخالف حتى تأريخ الانتهاء الوارد في نص مقدمة الرحلة. على أن الاستنتاج التأريخي، وتمحيص بعض الحوادث المهمة التي

стр. 131

يذكرها الرحالة في سياق رحلته، يجعلنا نتفق ورأي المؤرخ غراتز H.Gratz وناقل الرحلة إلى الإنكليزية أدلر Adler فنقرر على وجه التأكيد أن بنيامين لم يشرع في رحلته قبل سنة ١١٦٥ م (٥٦١ هـ) وإننا نعرض على القارئ بعض هذا الاستنتاج: أولا- يتحدث بنيامين عند زيارته لرومية الكبرى، عن البابا إسكندر الثالث واليهودي يحيئيل بن إبراهيم ناظر الخاصة البابوية. ومن المعلوم أن هذا الحبر الأعظم كان قد انتخب لمنصبه سنة ١١٥٦ م. (٥٥١ هـ) بعد وفاة البابا أدريان الرابع. وإن طعنا شديدا في صحة انتخابه كان قد حصل من جانب منافسه الكردينال أكتافيان (فكتور الرابع) ، وإن الإمبراطور فريدريك بربروسة كان قد انضم إلى جانب المعارضة، مما اضطر البابا إسكندر الثالث إلى الهجرة إلى فرنسة؛ «١» وإن هذا الخلاف كان قد انتهى أخيرا بعودة البابا إلى المدينة الخالدة في ٢٥ تشرين الثاني سنة ١١٦٥ م. (٥٦١ هـ) . وعلى هذا لا يمكن أن تكون زيارة بنيامين لمقر البابوية قبل السنة التي عاد فيها البابا إسكندر إلى عرشه. ثانيا- يحدثنا بنيامين في أثناء وجوده في أنطاكية عن أميرها بهمند (بيومند) الثالث الملقب بالألكن، المعروف في التأريخ باسم.Beomond Poitou فمتى علمنا أن هذا الأمير كان قد تولى الإمارة بين سنتي (١١٦٣- ١٢٠٠ م) (٥٥٩- ٥٩٧ هـ) كان الرأي القائل بأن هذه الرحلة قد بدأت سنة ١١٦٠ م. (٥٥٥/٥٥٦ هـ) أو

стр. 132

قبلها، في غير محله. ثالثا- في بلاد العجم، يحدثنا بنيامين عن وقعة سنجر شاه بن ملكشاه السلجوقي مع قبائل الغز وهزيمته أمام جيوشهم. ويقول الرحالة إن هذه الموقعة التأريخية قد حدثت قبل زيارته بثماني عشرة سنة. ولما كان من المعلوم أن هزيمة سنجر شاه حدثت سنة (٥٤٨ هـ- ١١٥٣ م) » فإذا أضفنا ١٨ سنة إلى هذا التأريخ وجب أن تكون زيارة بنيامين لإيران في حدود سنة (٥٦٦ هـ- ١١٧٠ م) . وعليه يمكن القول أيضا: إنه كان في بغداد حوالي سنة (٥٦٥ هـ- ١١٦٩ م) في خلافة المستنجد بالله العباسي المتوفى سنة (٥٦٦ هـ- ١١٧٠ م) . رابعا- يحدثنا بنيامين في أثناء إقامته بالموصل عن يوسف الفلكي الملقب ب «برهان الفلك» في بلاط سيف الدين أخي نور الدين. ومن المعلوم أن سيف الدين زنكي بن عماد الدين كان قد توفي سنة ٥٤٤ هـ (١١٤٩ م) . لذا ذهب لبرخت إلى أن بنيامين قام برحلته بين سنتي (٥٣٥- ٥٤٥ هـ) (١١٤٠- ١١٥٠ م) والظاهر أن هناك غلطة ناسخ في متن الرحلة. وأن عبارة «أخي نور الدين» كان يجب أن تكتب «ابن أخي نور الدين» وهو سيف الدين غازي الأصغر بن قطب الدين مودود الذي تولى أتابكية الموصل سنة ٥٦٥ هـ (١١٦٩ م) وتوفي في سنة (٥٧٦ هـ- ١١٨٠ م) . هذه الاستنتاجات وغيرها تجعلنا نقرر بما يشبه التأكيد أن رحلة بنيامين كانت في حدود سنتي (١١٦٥- ١١٧٣ م) (٥٦١- ٥٦٩ هـ)

стр. 133

وأنها استغرقت ثماني سنوات، فيكون قد سبق ابن جبير بنحو ١٧ سنة وماركوبولو الرحالة البندقي (١٢٥٤- ١٣٢٤) بأكثر من مائة سنة وابن بطوطة بمائة وستين عاما. ٨- قيمة رحلة بنيامين بين المراجع التاريخية وضع بنيامين كتاب رحلته في الثلث الأخير من القرن الثاني عشر للميلاد (السادس للهجرة) فلم يلبث صيتها أن ذاع وحديثها أن انتشر. فتناولتها أيدي النساخ في مختلف الأقطار قبل انتشار الطباعة، وأخذ عنها جميع المؤرخين وأصحاب الحوليات واليوميات وكتّاب الأنساب من اليهود منذ القرن الثالث عشر، فأيدوا محتوياتها. ثم تناولت الرحلة أيدي المترجمين بمختلف اللغات الأوروبية، فأصبحت مصدرا تأريخيا معتدا به وسجلا جغرافيا مضبوطا ليس بالنسبة لليهود فحسب، بل للأحوال العامة التي كانت تسود العالم في ذلك العصر الحافل بالحوادث الجسام في الشرق والغرب. فأحلّها المؤرخون المقام اللائق بها، عند بحثهم في أحوال الشرقين الأدنى والأوسط بوجه خاص. وإننا إذا تصفحنا كتب الرحالين والرواد الأوروبيين عن الشرق الإسلامي خلال العصور الحديثة، وطالعنا أحاديثهم وتتبعنا الطرق التي سلكوها في أسفارهم وتنقلاتهم؛ وكذلك إذا طالعنا مؤلفات علماء الآثار والنقابين لذين زاروا الشرق عامة والعراق خاصة، وجدنا أنهم وضعوا نصب أعينهم رحلة بنيامين وأخذوا عنها واعتمدوا على

стр. 134

نصوصها، الأمر الذي يدل على أهميتها التأريخية والجغرافية عندهم. ٩- حالة الشرق الإسلامي في عصر بنيامين أما وقد بلغنا هذه المرحلة من تقديم رحلة بنيامين وعرضها على القارئ، نرى إتماما للفائدة، أن نلم إلمامة وجيزة بالأحوال العامة التي كانت تسود الشرق الإسلامي في القرن السادس للهجرة (الثاني عشر للميلاد) والتطورات الخطيرة التي طرأت على علاقات الشرق بالغرب، تلك التطورات التي خلفت من بعدها الأثر البليغ فقلبت أوضاع البلاد الإسلامية من حال إلى حال وغيرت معالم تأريخ أوروبة. فنقول: اجتازت الخلافة العباسية ببغداد أخطر عهودها في أيام الدولة البويهية التي كان امتداد حكمها مائة وثلاث عشرة سنة (٣٣٤- ٤٤٧ هـ) (٩٤٥- ١٠٥٥ م) إذ سادت في العراق أحوال مضطربة من تغلب السلاطين على الخلافة، فلم يبق لها سوى السلطة الاسمية المجردة من كل حول وطول. وكان طبيعيا أن تؤدي تلك الحالة الشاذة إلى انحلال قواعد الملك واختلال نظام الحكم، وأن تصبح البلاد من أقصاها إلى أقصاها مستعدة لقبول أي فاتح، أملا بخلاصها من ذلك الوضع المتقلقل. وكان السلاجقة يومذاك قد مدوا رقعة حكمهم حتى تخوم العراق الشرقية. وكان رئيسهم ركن الدين طغرل بك بن سلجوق يتوق إلى بسط نفوذه على مراكز الخلافة العباسية، فساعده تردي الأحوال في العراق على بلوغ أمنيته. فلم تغرب شمس الاثنين ٢٥ محرم سنة ٤٤٨ هـ (١٠٥٨ م) إلا وكانت راياته تخفق فوق بغداد،

стр. 135

والخليفة يومئذ القائم بأمر الله العباسي. وهكذا تقلّص ظل الدولة البويهية. كان هؤلاء السلاجقة من عشائر الغز الكبرى. ينتسبون إلى مقدمهم سلجوق بن تقاق (دقاق) ومواطنهم الأصلية تركستان. فبعد أن استولوا على بغداد توالت فتوحاتهم ودانت لهم البلاد الإسلامية الواحدة تلو الأخرى، حتى صاروا يحكمون جل ما ملكه المسلمون في آسيا الغربية. وكان أسلوبهم في الحكم يختلف عن حكم البويهيين في أمور جوهرية مهمة. منها نظامهم العسكري الشديد المتحمس، الذي استطاع الثبات بوجه غزاة الروم الذين كانوا قد انتهزوا فرصة انحطاط الدولة على عهد البويهيين. فراحوا يهاجمون تخوم الديار الإسلامية ويقتطعون منها البلدة بعد الأخرى ويمعنون بها سلبا ونهبا. أما السلجوقيون فإنهم انتقلوا بالشرق الإسلامي من موقف المدافع إلى موقف المهاجم المتحدي، فأعادوا بذلك سيرة الفتوحات الإسلامية التي كاد المسلمون أن ينسوها في زمن التخاذل والانحطاط. ومنها أيضا احترامهم لمقام الخلافة العباسية التي أوشك أن يجهز البويهيون عليها، وحرصهم على مسالمتها واستغلال مركزها الرفيع في قلوب المسلمين. فقد ترك السلجوقيون للخليفة كل مظاهر الرئاسة والسيادة الدينية، وقنعوا لأنفسهم بالسلطة الدنيوية وقيادة الجيوش؛ وبذلك استراح العباد من الفتن الهوج، وهدأت القلاقل بعض الهدوء، وعاد دم الحياة يجري في عروق البلاد الإسلامية، ويرجع إليها النشاط والشباب. غير أن هؤلاء السلاجقة لم يستطيعوا بدورهم تأليف وحدة إدارية

стр. 136

وجبهة عسكرية موحدة. إذ لم تلبث دولتهم أن انقسمت إلى خمسة بيوت. أولهما الدولة السلجوقية الكبرى التي دامت إلى سنة (٥٢٢ هـ) ؛ وثانيها الدولة السلجوقية الكرمانية التي دامت ١٥٠ سنة (٤٣٢- ٥٨٣ هـ) ؛ وثالثها سلاجقة العراق وكردستان وقد دام حكمهم إلى سنة (٥٩٠ هـ) ورابعها سلاجقة الشام وكان حكمهم قصيرا لم يستمر أكثر من أربع وعشرين سنة؛ وخامسها سلاجقة الروم الذين امتد حكمهم إلى سنة (٧٠٠ هـ.) وانتهت دولتهم بظهور الأتراك العثمانيين. ومن دواعي الأسف أيضا أن السلاجقة عندما امتد حكمهم إلى الشام ونواحي فلسطين، لم يلبثوا أن اصطدموا بالفاطميين الذين كانوا يحكمون مصر. فتفرقت بذلك كلمة المسلمين واشتد النزاع بين ملوكهم وأمرائهم بدافع الأثرة والانفراد بالحكم، فأثار هذا التفكك والانقسام في رقعة الإسلام طمع أوروبة التي كانت تنظر شزرا إلى اليقظة العسكرية التي أوجدها السلاجقة في الشرق، فظهرت دعوة جديدة باسم إنقاذ قبر المسيح من أيدي المسلمين، فقامت تلك الحروب الشعواء التي كانت أول محاولة من جانب الغرب لاستعمار الشرق العربي- وهي الحروب التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بالحروب الصليبية. وليس من شأننا أن نسهب بذكر أسباب الحروب الصليبية أو نفصل مقدماتها والعوامل المباشرة التي أثارت جذوتها. فذلك من اختصاص كتب التأريخ لا كتب الرحلات. ويمكن القول إيجازا: إن أسبابا

стр. 137

عديدة من سياسية ودينية واقتصادية قد تجمّعت وساعد بعضها بعضا لإثارة تلك الحروب، وإن كان الأوروبيون يميلون على الأكثر إلى جعل أسبابها دينية محضة. تحركت جيوش الصليبيين تطلب الشرق في ١٥ آب ١٠٩٦ م. (٤٧٩ هـ.) فسحبت بأذيالها من أعمال التدمير والتخريب ما شوّه تلك الحملة وأبعدها عن غايتها الأصلية. فلما أشرفت على الديار الإسلامية توجهت ميمنتها نحو أنطاكية، وسارت ميسرتها نحو الفرات فاستولت على الرها (أورفة (Edessa واندفع قلبها يطلب بيت المقدس. وكانت سورية وفلسطين آنذاك أوصالا مفككة بين أتابكة السلاجقة وحكومة الفاطميين، لذلك لم يجد الصليبيون ما يحول دون زحفهم أو يقف بوجه تقدمهم وقفة جد. فاجتاحوا تلك البلاد من أقصاها إلى أقصاها، فتداعت أمامهم المدن وتساقطت الحصون، وأدركوا القدس وحاصروها ثم دخلوها فاتحين يوم ١٥ تموز سنة ١٠٩٩ م. (٤٨٩ هـ) وأعلموا السيف في رقاب أهلها من مسلمين ويهود، وهكذا تمّ لهم احتلال فلسطين. فنشأت في الشرق الإسلامي دولة لاتينية إقطاعية قوامها أربع إمارات أو وحدات سياسية- في الرها وأنطاكية وطرابلس وبيت المقدس. فكانت تلك أشد ضربة تلقاها الشرق الإسلامي، تركت وراءها الأثر البليغ وخلفت من المشاكل السياسية ما ظل شغل أوروبة الشاغل قرونا عديدة. بيد أن هذا الشرق الإسلامي الذي كان ظاهر أمره يبعث على

стр. 138

اليأس، لم يتأخر طويلا عن أن يصحو من رجة هذه الصدمة العنيفة التي ضعضعت حواسه لشدة وقعها. وبعث فيه هذا الخطب الداهم يقظة نفسية وردّ فعل شديد، فراح يلم شعثه ويتدبر أموره؛ ثم تحفّز للهجوم. وكان زعيم هذه اليقظة عماد الدين زنكي بن آق سنقر (٥٢١- ٥٤١ هـ. ١١٢٧- ١١٤٦ م) كبير أتابكة الموصل. فلم يدخل عام ١١٤٤ الميلادي (٥٣٩ هـ) إلا وجدناه يهاجم الإمارات الصليبية من جناحها الأيسر ويهزم جيوشها شر هزيمة ويستعيد الرها. فلم يلبث خبر هذا الظفر الإسلامي أن ذاع في أوروبة النصرانية التي كانت تتنسم أخبار الصليبيين في الشرق وتمدهم بالمال والرجال. فثارت هواجسها على مصير الدولة الفتية التي أقامتها في الشرق ببذل الكثير من التضحيات والجسيم من المتاعب. فجردت حملة صليبية أخرى بقيادة كنراد الثالث عاهل ألمانية وإمبراطور رومة المقدسة، ولويس السابع ملك فرنسة. لكن هذه الحملة عجزت عن استرجاع الرها. وفي عام ٥٤١ هـ. (١١٤٦ م) مات عماد الدين زنكي قتيلا بيد جماعة من مماليكه. فولي أمر الموصل بعده ولده سيف الدين غازي. وكان ولده الأكبر محمود نور الدين بالشام، وله حلب وحماة. فاتبع سيرة أبيه بمناجزة الصليبيين، وراح يصد هجماتهم ويرد غاراتهم، فكان هدفه الأسمى أن يطرد الصليبيين نهائيا من الشرق الإسلامي. فبذل همة قعساء في جمع أتابكة السلاجقة في وحدة محكمة وبذلك عظم أمره واشتد ساعده. فانتهز فرصة خلاف كان قائما بين وزيري الخليفة الفاطمي بمصر، فأرسل إليها اثنين من قواده هما شيركوه

стр. 139

وصلاح الدين الأيوبي، وانتهى هذا التدخل بأن تولى الأول شؤون مصر نائبا عن نور الدين ثم تولاها صلاح الدين من بعده. وكان غرض نور الدين من تدخله في شؤون مصر أن يضرب حول الدولة الصليبية في الشرق نطاقا من الحصار وطوقا من حديد، فيتسنى له بذلك إنزال ضربته الحاسمة. لكن الدولة اللاتينية استشعرت هذا الخطر الذي بات يهددها من جانب مصر، فأرادت أن تلاقيه في منتصف الطريق؛ وتلمست النطاق المحيط بها فلم تجد أمامها مفتوحا سوى باب البحر. لذلك استنجدت بالدول النصرانية البحرية الثلاث التي كانت يومئذ تسيطر على البحر المتوسط- البندقية وبيزة وجنوة. لكن هذه الجمهوريات كانت في شغل عن المشرق بمشاحنات ومنافسات كانت قائمة بينها، فاضطر أملريك Amalric صاحب القدس أن يتولى- تدارك الخطر- معتمدا على نفسه، فقاد حملة نزلت بر مصر في تشرين الثاني سنة ١١٦٨ م (٥٦٤ هـ) وكان في مصر حينئذ الأمير شاور يحكمها باسم العاضد لدين الله آخر خلفاء الفاطميين. فقدّر لهذه الحملة الصليبية أن تنال قسطا وافرا من النجاح في أول أمرها، إذ تقدمت نحو شاطئ النيل وكادت تستولي على الفسطاط، لولا أن آثر أهلها إضرام النار بمدينتهم على تسليمها للأعداء، فدبّ الذعر في صفوف الصليبيين وحل بينهم الارتباك، فأدركتهم جيوش نور الدين يقودها البطل المغوار صلاح الدين يوسف بن أيوب، فآل الأمر إلى دحر الصليبيين وإخراجهم من مصر نهائيا.

стр. 140

وكان العاضد لدين الله الفاطمي شخصية ضعيفة. فأراد أن يدعم بنيان ملكه المصدوع بشخصية صلاح الدين الجبارة فولاه الوزارة غير عارف بأن الأقدار قد أعدّت لهذا القائد العظيم تاج مصر لا وزارتها فقط. وسرعان ما ظهر نبوغ صلاح الدين فأخذ يسوس الرعية بحزم وعدل وحكمة، فالتفّت حوله القلوب واستعادت البلاد عمرانها بعد ما لحقها من التخريب والتدمير ما لحقها. وفي سنة ١١٧١ م. (٥٦٧ هـ) توفي العاضد فظل صلاح الدين يحكم مصر باسم نور الدين حتى إذا ما مات هذا أيضا، لم يجد صعوبة في إعلان ملكيته. وهكذا تأسست الدولة الأيوبية فأخذ صلاح الدين يعد العدة وينتظر الفرصة الملائمة للانقضاض على الدولة اللاتينية في فلسطين ومناجزتها نهائيا. وهنا يجدر بنا أن نعود شرقا إلي العراق لنرى كيف كان مجرى الأحوال فيه خلال الحقبة التي ألممنا بحوادثها. فقد تركناه في خلافة القائم والأمر فيه مستتب لطغرل بك آل سلجوق. وبعد أن توفي طغرل سنة ٤٥٥ هـ. تم الأمر من بعده لعضد الدولة أبي شجاع ألب أرسلان ووزيره العظيم نظام الملك مؤسس المدرسة النظامية ببغداد، وقد كان الفراغ من بناء هذا المعهد العلمي الكبير سنة ٤٥٨ هـ. وفي عام ٤٦٧ هـ. تولى الخلافة المقتدي بأمر الله، وكان على السلاجقة جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه بن ألب أرسلان. ثم جاءت الخلافة بعده لولده المستظهر بالله أحمد سنة ٤٨٧ هـ. وأمر السلجوقيين في عهده للسلطان ركن الدين أبي المظفر بركياروق. وفي أيامه بدأت الحروب

стр. 141

الصليبية. فلما تولى الخلافة المسترشد بالله (٥١٢ هـ.) نشب خلاف وشقاق بين أتابكة السلاجقة فأراد الخليفة أن يتعجل الحوادث ويتخلص من نفوذهم، ويعيد السلطة الدنيوية للخلافة إلى جانب سلطانها الروحي. لكن مركز السلطان مسعود السلجوقي كان أقوى مما كان يظنه الخليفة المسترشد، فانتهت محاولته بفاجعة أليمة كلفته حياته وهو في أسر السلطان (٥٢٩ هـ) واستمر توتر العلاقات بين السلطان مسعود والخلافة العباسية في أيام الراشد بالله أيضا. (٥٢٩- ٥٣٠ هـ.) لكن الخليفة محمدا المقتفي لأمر الله كان أسعد حظا وأكثر توفيقا في تحقيق هدفه. إذ توفي السلطان مسعود سنة ٥٤٧ هـ. فانتهز المقتفي هذه الفرصة الملائمة وطرد أمراء السلاجقة من بغداد، فصار الحكم للخليفة لا يشاركه فيه أحد. وهكذا استعادت خلافة بني العباس مكانتها واسترجعت سلطتها الدنيوية بعد حقبة طويلة من السنين تغلّب فيها الأمراء والسلاطين وتحكموا بالخلافة*. واستتبّ الأمر بعد المقتفي لولده أبي المظفر المستنجد بالله يوسف سنة ٥٥٥ هـ. (١١٦٠ م.) فكان عهده كله خيرا وبركة واستعادت الخلافة العباسية رونقها ومجدها نوعا، فازدادت ثروة البلاد وامتلأت خزائنها بالأموال وازدهرت تجارة بغداد وعاد إليها عمرانها، وشمل عدل الخليفة وحلمه جميع رعاياه. فكان دخول الرّحالة بنيامين مدينة بغداد في هذا العهد قرابة سنة ٥٦٤ هـ. (١١٦٨ م) . فوجدها على

стр. 142

أحسن حال من الرقي والرفاه. وبهذا القدر نكتفي من عرض الحالة التي كانت تسود الشرق الإسلامي في أيام الرحلة التي نحن بصددها. أما الأحوال التي وجد بنيامين عليها إخوانه يهود الشرق عامة والعراق خاصة فسنتعرض لذكرها في سياق تعليقنا علي كل مدينة زارها وفي ملحق خاص في ذيل هذا الكتاب. ١٠- طبعات رحلة بنيامين واللغات الأوروبية التي ترجمت إليها . ما كادت الطباعة تظهر في أوروبة في القرن الخامس عشر، حتى كانت رحلة بنيامين في طليعة الكتب المطبوعة. فقد صدرت أول طبعة لها بالعبرية عن مطبعة سونسينو في قسطنطينية سنة ١٥٤٣ م. ثم أعقبتها طبعة فرارة في إيطالية سنة ١٥٥٦ م. وفريبرغ سنة ١٥٨٣ م. وليدن سنة ١٦٦٣ وأمستردام سنة ١٦٩٨. ووارشو سنة ١٨٤٤ م. ولفوف (لمبرغ) سنة ١٨٥٩ م. وزلكيف سنة ١٨٦٢ م. ثم توالى طبعها في كل دار معروفة للنشر. وقد ترجمت الرحلة إلى معظم اللغات الأوروبية منذ الثلث الأخير من القرن السادس عشر. وأشهر الترجمات التي وصل إليّ علمها الترجمة اللاتينية بقلم أرياس منتانو Arias Montano سنة ١٥٧٣ م بعنوان Itinerarium Benjamini Tudelensis وطبعت للمرة الأولى سنة ١٥٧٥ ثم أعيد طبعها في هلمستد سنة ١٦٣٦ وفي لبسيك سنة ١٦٦٤ م. وعن هذه الترجمة نقلها برشز Purchas إلى الإنكليزية في

стр. 143

مجموعته المسماة Purchas s Piligrims وطبعت في لندن سنة ١٦٢٥ م. ثم ترجمها إلى الفرنسية برجرن Bergeron في مجموعته المسماة.Asie dans le xll ,xlll.xiv et xiv Siecles Collection des Voyages faits principalement en:فطبعت في لاهاي سنة ١٧٣٥ ثم أعيد طبعها في باريس سنة ١٨٣٠ م. وفي الوقت نفسه أعاد ترجمتها إلى اللاتينية العلامة الشهير قسطنطين لمبرور Constantine L'Empereur أستاذ علم اللاهوت واللغة العبرية في ليدن، فجاءت أو فى ترجمة لهذه الرحلة، وعنها ترجم أكثر الذين جاءوا بعده. وفي سنة ١٦٦٦ ترجمت إلى الهولندية وطبعت في أمستردام سنة ١٦٩١ وفي فرنكفورت سنة ١٧١١ م. وأعقبتها ترجمة أخرى إلى الفرنسية بقلم باراتير Baratier سنة ١٧٣٤ فالإنكليزية بقلم القس غارنس Rev.Garrans وطبعت في لندن سنة ١٧٨٤ م. وبعدها ترجمها إلى الإنكليزية أيضا المستر بنكرتن Pinckerton في الجزء السابع من مجموعة عنوانها Travels of the World Collection of the best and most interesting Voyages and General فطبعت في لندن بين سنتي ١٨٠٨- ١٨١٤. وفي سنة ١٨٤٠ ظهرت في لندن ترجمة آشر Asher المشهورة بتعليقاتها وحواشيها المستفيضة التي اشترك بوضعها عدد من المؤرخين. فنقلها عنه المستر توماس رايط Thomas Wright في مجموعته المسماة Early Travels in Palestine المطبوعة في لندن سنة ١٨٤٨. وفي خزانة المتحف العراقي نسخة من مجموعة رايط، غير

стр. 144

أنها خلو من التعليقات والحواشي. وقد ظهرت للرحلة ترجمة بالألمانية بقلم Grunhut عنوانها Reisebreschrei bungen des R.Benjamin Von Tudela Die فطبعت في برلين، فترجمة مرغولين Margoline إلى الروسية فطبعت في بطرسبورج (لننغراد) سنة ١٨٨١ م. وفي سنة ١٩٠٧ ظهرت في لندن ترجمة إنكليزية للرحلة بقلم مرقس أدلر Marcus Adler بتعليقات وحواشي، فجاءت أحسن ترجمة في بابها لا حتوائها على الأصل العبري بازاء الترجمة الإنكليزية. وفي خزانة المتحف العراقي نسخة منها رجعت إليها في ترجمتي. وقد أطلعني الصديق الفاضل الأستاذ يعقوب سركيس على ترجمة بالأسبانية لهذه الرحلة في خزانته العامرة بقلم إغناطيو غنزالز لوبيرا Ignatio gonzalez Llubera عنوانها Viajes de Benjamin de Tudela مطبوعة في مدريد سنة ١٩١٨. هذا ما وصل إليه علمي عن ترجمة هذه الرحلة إلى اللغات الأوروبية وفي كثرتها برهان علي ما بلغته عناية علماء أوروبة بها. ١١- مخطوطات الرحلة، نسخة بغداد ونقلها إلى العربية قلت إن رحلة بنيامين صادفت ذيوعا وإقبالا منذ أول القرن الثالث عشر، وتوالت نسخها وتعددت مخطوطاتها حتى تكاد تجدها بين مخطوطات أكثر الخزانات الكبرى في أوروبة وإمريكا. وأقدم وأنفس مخطوطات هذه الرحلة هي نسخة المتحف البريطاني المرقمة ٢٧٠٨٩ التي يرجع تأريخها إلى القرن الثالث عشر. ونسخة كسنتنز

стр. 145

Casanatense في خزانة روما برقم ٣٠٩٧ مخطوطة بقلم إسحاق البيزي (نسبة إلى بيزة) وتحمل هذه النسخة تأريخ سنة ٥١٨٩ العبرية (١٤٣٠ م.) ونسخة فيانة باللغة الإيطالية بخط القس لويجي دا بولونية Fra Luigi da Bologna كتبها سنة ١٥٩٩ م. ونسختا أو كسفورد من مجموعة أو بنهايم في خزانة بودليانة، رقم الأولى ٢٤٥٣ مكتوبة بخط يهود الأندلس في أواخر القرن الرابع عشر للميلاد ورقم الثانية ٢٥٨٠ مكتوبة بخط يهود الشرق من القرن الثامن عشر. أما نسخة بغداد التي ترجمت عنها الرحلة إلى العربية، فمنقولة عن طبعة فرارة القديمة من سنة ١٥٥٦ م. ومكتوبة بالخط العبري المعروف بالخط الآشوري المربّع، وقد طبعت على حجر ببغداد سنة ١٨٦٥ وهي اليوم تكاد تكون نادرة. لكن هذه النسخة خلو من أية مقدمة أو شرح أو تعليق، وفيها أغلاط خطية عديدة احتاج تنقيحها إلى جهد غير يسير. ولعل عذر الناسخ في ذلك أنه كان ينقل عن نسخة قديمة سبقته بثلاثة قرون. وهناك سبب آخر هو أن بنيامين لم يكن جغرافيا بالمعنى المفهوم، بل جوّاب آفاق، يذكر الأعلام كيفما تلقاها سمعه لأول وهلة، سيما ما كان منها بعيدا عن محيطه وتفكيره. وإننا نرى أغلب السياح من الأوروبيين الذين جابوا أنحاء الشرق العربي في العصور الحديثة يحرّفون أسماء الأعلام تحريفا غريبا لعدم استطاعتهم ضبطها. خذ مثلا الرحالة الفرنسي تافرنيه الذي زار العراق بعد بنيامين بخمسة قرون. فإنّه يصحف أسماء المدن والأعلام تصحيفا خارجا عن المألوف. إذ يقول شرازول بدلا من شهرزور وسامترا بدلا من
следующие страницы →